Полный текст (756 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
هل أخذ بيدك من سقطة؟ أليس غوائله كلها وعواقبه فسادًا؟ أليس حلاواته مرارات؟ أليس هو الذي يجمع على دعوة، ويفرق عن عربدة؟ أليس هو الذي يحمل على بطنة ونهمة تكون غائلتها نغصة بتخمة؟ أليس هو الذي يحمل على إعفاءة تكون غائلتها البيات؟ كم حلا لك أوله وأمر عيشك آخر؟
تعال إلى فعل الحق فيك. إن أمر، حلاك؛ وإن منعك، فعن دائك حماك؛ وإن ناولك، شفاك؛ وإن أظمأك، سقاك، وإن دعيته بعد التشرد عليه، لباك. وربما قبل أن تدعو باداك: يا عبد هواه! اعبدني، أستعبد لك الهوى. ياأسير الشهوة! فك نفسك بالحمية. ياأسير الجهل! افكك علمك باليقظة. يا أسير العمل بالربا! افكك عملك بالإخلاص. يا أسير الطمع! فك رجاءك بالمعرفة بمقادير الخلق. لا تعبد بطمعك جهات الرزق؛ ولكن اعبد الموجه. أنا، والله، الموجه، وهم الجهات. أنا المحرك للقلوب المعطية، وهم أدوات. إن أردت أن تشكرهم دوني، فاشكر السحاب والمطر والزرع والشجر. فإن الجميع مني، والكل خلقي، ولهم عندي شكر التكليف. يا سبحان الله ما أعجب أمرك! تعافى بشربة أو بمفصدة، تشكر الدواء وتبلجه، وتمدح المبضع وتعظمه. ترى ما لي في فعل المبضع وخاصية الدواء فعل ولا صنع أستحق به بعض الشكر؟ هذا شرك عسى غدًا يصير توحيدًا. أنت لا تجعل لي قسمًا من الشكر.
فليتك كنت طبائعيًا خالصًا فتعرف بالطبيعة. فإن أفلحت ونجوت
стр. 527
من ذا، وقعت في بحر النجوم. فلا تعقد ولا تحل إلا بالمنجم. حتى صار دأبك: ((مطرنا بالسرطان))؛ و ((وقفت أموري بزجل))؛ و ((المريخ ما يدع لي السنة عيشًا صافيًا، ولا أمرًا ساكنًا؛ قد أوقع بيني وبين الناس الفتن)). أو تقول: ((السنة معيشي جيدة وعيشي طيب، لأن طالعي الزهرة، وفي بيت مالي المشتري)). ترى ما تقول عبده النجوم؟ حدثني بماذا يمتازون عنك؛ وبماذا تخرج من الشرك. أين الإثبات منك، فضلًا عن التوحيد؟
تعال اسمع مني تخليع إيمانك، وانصف في استماعك. تضيف الضرر الواقع بك إلى النجوم والأنواء، والمنافع الواصلة إليك إلى الطبيب والدواء. فإذا وقع منك مكروه، وتركت المفروض، تلهيت بنفسك في إضافته إلى قدر رب السماء، كأنك ما خصصته إلا بما عنه نهاك، حتى جعلته في الإثبات لإقامة عذرك في جفاك، وعذرك هذا لما أفلحت وأثبت، فإن لحقك من غيرك جفاء، أو نالك منه أذى، حنقت عليه حنق من ليس وراء فعله قدر ولا قضاء. ترى هذه الأقدار التي أثبتها، وهذه القضايا التي اعتقدتها، لا تحتك إلا فيك؟ أما هي على غيرك جارية؟ فإذا قامت لك الأعذار بها، هلا أقمتها لغيرك في الإساءة إليك عذرًا؟ ما يخلو في هذا من أمرين: إما أن تكون ساخرًا بدينك، أو مسخورًا بك، وإلا فمحال أن تكون تعتقد أن القدر مؤثر فيك شرًا دون غيرك. فلو أيقنت بالقدر حسبما ذكرت لعذرت غيرك في إساءات إليك، كما به عن نفسك اعتذرت.
стр. 528
ما أكشف حال زندقتك للمنتقد عليك! تضيف المنافع والمضار إلى الكواكب والطباع، والأرزاق والإساءات إلى المعطين والمسببين. كل ذلك لتخرج الباري عن الصنع، وتجيء إلى ما بقي من خطاب الشرع، من أداء فرض أو ترك ذنب. فتحيل بترك الواجب عليك، وفعل المحظور عليك، إلى قدر الله. ما ذكرت الله إلا هنا، لترد الأمر حيث جاء.
أما أنا، فلا أعرف إيمانك من كفرك. تارة تضيف الفقر والبلاء إلى نزول الذنب في بيت المال؛ وتارة تشقق عتبًا على الإله الذي لا يخطر منك في حال غنائك وسكونك ببال. فما يتخلص لي كفرك من إيمانك، ولا توحيدك من إشراكك، ولا نفيك من إثباتك. هذا، وأما أعمالك فعنوان الجحود والإنكار، ولا أرى عليك عنوانًا للإثبات والإقرار، ينخرق من ثوبك مكان عقدة، أو تنجذب فيه هدبة، لا تسكن عن الحركة بالبدن والمال، حتى تدفع إلى الرقاء أوفى الأجور والأعواض، ليعود إلى ما كان. وهذا فرضك يختل بأنواع الخلل، لا تتحرك في سد خلله، ولا تلافي علله، لا بسجود سهو ولا تكفير حنث، ولا إقامة حد، ولا توبة عن ذنب، ولا ندم على فارط جرم.
والله ما للإيمان فيك علامة. سوى كلمة تعودتها من الصغر، لا ثقل فيها على النفس ولا مؤونة، وهي كلمة قد عصمت الدم وحرست
стр. 529
المال، وقد عرفت ما في تركها من الوبال. وإلا فانصف وعين لي عملًا من أعمالك تتوسل به إلى الباري عند ضرورتك واختلال أحوالك. عين لي عملًا يصلح أن يكون مقطع الأجل ورأس الرزمة في العمل. وانتقده نقدًا يصلح لرؤية الحق، بلا تفريط فيه ولا خلل. فإن رأيت ذلك ووجدت، وإلا فابك على نفسك من إفلاسك من معنى اسم تسميت به عمرك ودهرك لما تحققت الحقيقة، ما أنسبك منه صحة تصلح لمطالعة الخليقة. قد أنست إلى الاعتذار بالرجاء والإرجاء والشفاعة ممن أطاع فيمن عصى.
ترى ثبت ذاك عندك بقولي وقول رسولي، والوعيد ممن جاء، ومن القائل له، ومن المتواعد به؟ وإن أبهجك وعدي، فهلا أزعك وعيدي؟ وإن كان وعدي يطمع، فما بال وعيدي لا يوجع؟ عن أي الأنبياء سمعت، أو الأولياء، أنه أسقط حكم الوعيد، حتى ظهر عليه الاعتماد على الرجاء والشفاعة؟ أما رأيتهم يحذرون، وهم أحذر، ويفزعون، وهم من الله أفزع؟ ما أفزعني من طمأنينتك أن تكون خدعة من الشيطان! إما لنفي وجحود، أو اغترار بالمعبود.
٤٦٦ - فصل
ما أجودك من معلم غير متعلم! وما أجودك من مؤدب، لكن لا يتأدب! تعلم الكلاب، مع نهمتها وتكلبها على الصيود وفرط حاجتها،
стр. 530
بأن تمسك عليك ولا تأكل من صيدها؛ وكذلك جوارح الطير والسباع. وتروض المهارة والحجورة حتى تتأدب لركوب الملوك. وأنت عاقل ناطق. الرسالة إليك، وكتاب الله ينزل عليك، والآباء، والمعلمون، والعلماء، والوعاظ، والمفتون، والقصاص؛ والقرآن يتلى، والعبرتتربى، وآثار الأمم البائدة والقرون الخالية، كما تسمع وترى. فلا الآداب بأخلاقك عبقت، ولا التعاليم بطباعك علقت. فسبحان من سخر الأشياء لك وجعلها طوع يدك وأمرك، وأنت تتشرد عليه كذا!
٤٦٧ - شذرة ذكرها بعض الأئمة في كتاب رموز وأسرار
قال: كثير من الفقهاء يقولون إن تعليق الطلاق على البعض يسري إلى الكل. وكذلك تعليق النكاح. وهذا ليس بصحيح. لأن السراية إنما تكون عما يثبت في البعض حكمه، ثم يتعدى ويسري كالجراحة؛ إنما تكون سرايتها بعد تأتي ثبوتها في بعض الحي. فهذا تبين في العتق. فإنه قد يثبت ويقف في عتق المعسر بحصته ويقف على ثلث العبد المعتق حال مرضه. فإذا أعتق وهو موسر قبل شراء عتقه. لأنه ثبت في ملك نفسه سراية إلى ملك غيره. وقد بان في حق المعسر والمريض وقوفه على البعض. فأما إضافة الطلاق إلى البعض، فلا يقال ((سرى)). لأنه لا
стр. 531
يتصور وقوفه ولا وقوف النكاح على بعض المنكوحة ولا بعض المطلقة. ولكن يقال ((لا يحتمل التجزيء)). فيكون ذكر البعض كذكر الكل.
٤٦٨ - فصل في مسألة الزكاة في مال المدين
قال شافعي: لا تخلو الزكاة من أن تكون متعلقة بالمال، أو بالذمة. فإن كان تعلقها بعين المال، فكل متعلق بالعين مقدم على ما يتعلق بالذمة. كدين برهن، مع دين بغيررهن؛ وحق الجناية في رقبة العبد الجاني، مع حق أرش أو قيمة تعلقت بذمة السيد؛ وأضحية في في الذمة، مع أضحية معينة. فإن ذلك تقدم منه حق العين على حق الذمة. كذلك ههنا. وإن كانت متعلقة بالذمة، فهي والدين سواء. فما بال الدين مقدمًا على الزكاة مع تساويهما؟ فهما كالدينين، لاذمتين.
فأجاب حنبلي بأني لا أقول بتعلقها بالعين، على أصح الروايتين عندي. ولهذا نصرنا وجوبها بعد تلف المال؛ فبقي قسم الذمة. إلا أنها أضعف تعلقًا بالذمة من الدين. ولهذا لا تتعلق إلا بمقدار مخصوص من مال مخصوص، نام، سائم، ولا تتعلق بذمة فقير؛ والدين يتعلق بذمة الفقراء. ولأنه وإن تعلق بالذمة فقد جعله فقيرًا حتى جاز له أخذ الزكاة. ومحال أن يكون فقيرًا يأخذ بفقره، وغنيًا يخرج الزكاة بغنائه. فإن
стр. 532
كان ملكه في هذا المال يجعله غنيًا، فينبغي أن يمنع فقره، لأنهما ضدان. وفارق ابن السبيل؛ لأنه غني في مكان، فقير في مكان. وهذا يتصور أن تختلف الحال باختلاف المكان والزمان. فأما مع إيجاد المكان والزمان وإيجاد المال، فكيف يكون غنيًا به، فقيرًا مع غنائه لأجله؟
٤٦٩ - واستدل فيها حنبلي ناصرًا لوجوب الزكاة بأن الدين لا يمنع جريان المال في الحول. ولهذا لو أبرأه من الدين، وقد مضى الحول كله، وجبت الزكاة؛ ولو أبرأه في أثنائه، اعتج بما مضى من حول الوكاة. بخلاف المكاتب؛ إذا أبرأه سيده، لم تجب الزكاة فيما مضى من الأحوال، بل يستقبل بما في يده بعد البراءة.
فأجاب حنبلي آخر بأني لا أسلم؛ بل إذا قلت إنه يمنع الوجوب، منع جريانه في حول الوجوب.
قال له: فقد روي عن أحمد أنه يحرم عليه أخذ الزكاة، فدل على أنه غني.
قال له: ليس إذا كان ممنوعًا من أخذ الزكاة لأجل مال وجب أن يجب في ذلك المال؛ بدليل المعاليف والبغال والحمير ودور الكراء والضياع. كل ذلك يمنع أخذ الزكاة، ولا يتعلق به ولا لأجله وجوب الزكاة.
стр. 533
٤٧٠ - فصل
الشيب مرض الموت لولا أنه مألوف؛ وإلا فسل عنه الطب؛ فقل: ما هذا العارض؟ هل هو زائل، أم لا؟ فإذا أجمع الكل على أنه ذبول يتزايد وتحلل يترادف ويتتالى، فاعلم أنه مرض الموت. انظر ما تفعله في مرض الموت. يقول لك الطب: ما لهذا برء ولا شفاء، ولا يرجى له علاج، ولا يوجد له دواء. فافعله إذا ابيضت لحيتك ورأسك. فما بعد بياض اللحية والرأس إلا الانحلال والانعكاس. تأهب للنقلة؛ فقد استقرت العلة. أليس قد جرت عادتكم بتوزيع الأموال وتحسين الأعمال وتأكيد الوصية وتجديد التوبة ومجالسة الأصدقاء والمعاملين، مع تجويز خطأ الطب في القول وذهابهم عن الصواب، لأن العلل مختلفة؟ فهل يختلف إثنان أن المشيب طلائع الموت وعنوان الفوت، وعلة لا تتزايل، ومرض لا يفارق؟ وحياتك إنني لك ناصح، وإني لعيبك كاشف ولك فاضح، لا لأني لك عدو ولا كاشح، ولكن أولمك لأبرئك، وآمرك لأخليك. وحياتك، يا أخي، ما غسلت سيئة بأحسن من دمعة حسرة على فائت من عمرك في غير ما خلقت له. وحقك، أيها الصديق، ما تردد في قلب ولا حاك في خاطر أجل من حزن وأسى على عمر انقضى في سوف ولعل وعسى.
стр. 534
وحرمة مودتك، أيها الودود، لا يرفل غدًا في حلل النعم ومقاصير ذلك الحرم إلا من انتكب اليوم وتعثر في طرق الحرم وسالف الحرمة. أيها الشيخ الصالح! لا لقيت الكرامة في السماء، ولا حياك بالتسليم المسبحون والسفراء، إذا [ما] أكرمت أوامر الحق، وعظمت شعائره في هذه الحياة الدنيا. ترى ما تفطن لمعنى قوله لك ولست يهوديًا: ﴿وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا﴾؛ ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾. قص عليك صفة قوم كلفهم الاحترام للسبت فاعتدوا، فلعنهم. وجعل من شعار دينك الاحترام للجمعة. وجعل الاحترام إجابة الداعي، وهجران البيع في وقت النداء، والإنصات لسماع الخطبة، وصلاة الجمعة.
تراك ما تعلم أن في طي قوله ﴿لعناهم﴾ لما اعتدوا في سبتهم: وإنك إن اعتديت في جمعتك لعنتك وجعلت قلبك قاسيًا. هذا ثمرة كل عدوان في أوامري وشرائعي. أنا الذي ذكرت لك عني أني خسفت بقرية وأخرجت نبيها بقطع من الليل متعثرًا لأجل اللواط؛ وخسفت بمدن شعيب لأجل التطفيف في الميزان؛ وأهلكت ثمودًا لعقر ناقة؛ وحصبت بالحصا؛ وأغرقت بالطوفان؛ وأضمرت النيران؛ وأخربت الديار. كل ذلك لذنوب حذرتك من أمثالها. ولم أقنع بذلك حتى أتبعت ذلك بوعيد الآخرة. تبطل حكمة كتابي وتسقط حكم خطابي بمجرد الاغترار والتمني بالحكايات ومزورات الأخبار وتطميع المتزيين بزي العلماء، وهم فجار. الله، الله، في
стр. 535
الطمع في! فالعرش وما دونه خائف من سطواتي ونقماتي. وما تقرب المتقربون إلى [إلا] بأجل من الخوف والتعظيم لأوامري والانتقاد لطاعي؛ ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
من قال لك غيرهذا فقد غرك. والله وصف [بأنه] يعز ولا يطمع. كلامه ينقسم إلى وعد ووعيد. وهو الصادق فيها. فأين الطمع فيه وأفعاله منقسمة بين إعطاء وسلب، وبناء وهدم، وخصب وجدب، وجمع وتفريق، وإغناء وفقر؟ حتى إن النحلة في فمها الشهد، وفي حتمها السم؛ والنحلة بين شلًا موجع، وجني محلى مشبع. والنسيم تارة بارد مروح، وتارة سموم محرق. فما الذي من أفعاله تطمع إلا وفي طيه ما يفزع؟ العاقل من خلص من هذه الأمور المختلفة صفاء يصلح للقاء الله، وإخلاصًا يصلح لرؤية الله، لأنه القائل سح: ﴿وأن سعيه سوف يرى﴾؛ ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾.
٤٧١ - قد ورد في الأحاديث ما يدل على استحباب الإغفال والإغضاء عن هفوات من كثرت حسناته ومحاسنه. فقال صلع: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا. ثم علل فقال: لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. تقدير هذا الكلام: حسناتهم ومتقدمات أفعالهم وطاعاتهم تمنع أمثالكم أن يتكلم فيهم. وكذلك قوله: إن فلانًا من أهل بدر؛ وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر. فقال: ﴿إعملوا ما شئتم﴾
стр. 536
فقد غفرت لكم، وقوله: تجاوزوا عن ذنب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر. وروي في بعض الأخبار أن الله سح أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: قل لأمتك تجنبوا ذنوب الملوك، فإن للملوك أعمالًا لا يقدر عليها غيرهم. يعني - والله أعلم - أن طاعاتهم كثيرة، كالمصالح الكلية؛ فتغطي إساءاتهم الجزئية.
٤٧٢ - فصل في قطع الأيدي باليد
قال حنفي: التفاوت في الصفات دون التفاوت في المقدار. ثم تفاوت الصفات يمنع جري القصاص. فلا تقطع يد كاملة الأصابع بناقصة أصبع واحدة. وكذلك لا تقطع صحيحة بشلاء. فأولى أن يكون تفاوت ما بين يد واحدة وأيدٍ يمنع القصاص.
قال له حنبلي: الأصابع والشلل فقد جزء، لا وصف. لأنه آية الوصف آية لا تنقص الذات بعدمه؛ كسواد الدراهم وبياضها، وعلم الإنسان فإن العشرة إذا تقمص تشعثت الجملة. ولا يقال بأنها تامة؛ حتى إنه يتشعث الاسم، فيقال ليست عشرة. ولوزال البياض لم ينقص، ولم يختل اسم الجملة. وكذلك كل ذات لا تختل حقيقتها واسمها بفوات صفة؛ وتختل بفوات جزء منها. وكذلك الشلاء فقد منها أحد
стр. 537
الذاتين، وهي الروح، وهي جزء في الحقيقة. لأن اليد عبارة عن صورة ونفس، بذهاب أحدهما ذهاب جزء.
قال الحنفي: هب أن الأمر على ما ذكرت؛ وأن الذاهب جزء، لا وصف؛ فأليس نقصان مقدار يسير، وهي الأصبع، منع؟ فأولى أن يكون نقصان يد عن أيدٍ يوجب أن يمنع أخذ الأعداد بالواحد.
قال الحنبلي: فهذا باطل بأصل. فإن الصفة في النفس في إيجاب القصاص كالإيمان مع الكفر. ومع ذلك تفاوت الأعداد لم يمنع قتل الجماعة بالواحد.
قال الحنفي: أنا عندي لا يمنع تفاوت في وصف؛ وإنما يمنع أن يكون الدم مباحًا، فلا يجب عليه القصاص منحيث إنه عقوبة. والعقوبة لاعب في مقابلة فعل مباح.
٤٧٣ - وجرى فيها فصل آخر
فقال الحنبلي: ما وضع بحسم الذرائع وحقن الدماء وحفظ المصالح لا يراعى فيه الواحد بالواحد، لجواز اتفاق فاسقين على الفعل قصدًا لسقوط العقوبة.
قال الحنفي: فهلا كان ذلك في قطع الصحيحة بالناقصة والشلاء بالحية؟
стр. 538
قال الحنبلي: إذا اختلت اليد بالشلل ونقصان أصبع ندرت، لأن الأصل الصحة. ووضع العقوبات إنما ينصب لقطع الذرائع فيما يعم لا فيما ينذر. ولأن الناقصة تصير كالتافه من المال، وهو ما دون النصاب. ومعلوم أن نقصان النصاب قيراطًا واحدًا، فلا يقطع به ولا يد عبد، مع نقصانها، ولا يد امرأة؛ وتقطع بدينار كامل يد تساوي خمسمائة دينار مقومة بالشرع. فأليس لما تمت العين المسروقة نصابًا، قطعت بها يد مقومة بخمسمائة، ولو نقصت قيراطًا لم تقطع بها؟ كذلك جاز أن تكون الصحيحة تقطع بها الأيدي الصحيحة، ولا تقطع يد واحدة بيد ناقصة. وذلك أنا جعلنا باعتمادهم دفعة واحدة كيد واحدة؛ فاعتبرها لها مساواة اليد المقطوعة.
٤٧٤ - وجرى في مسألة الضمار
قال حنبلي: ملكه تام؛ فلا تسقط الزكاة بالحيلولة، كما لو نسيه في ملكه.
قال [معترض]: لا أسلم أن ملكه تام، بل هو مالك فقط.
قال الحنبلي: الملك التام التسلط بالحق. وهذا موجود مع كون المال مغصوبًا. لأن الغصب تسلط حسي بغير حق، فلا يقصر به تسلط حكمي بحق. وإنما منع البيع وما يحتاج إلى التسليم من التصرفات لا
стр. 539
لقصور الملك، لكن للعجز عن التسليم. وقصور القدرة الحسية لا يقصر الملك الحكمي، لأن الحق يزيل ذلك بالسلطان. وكل ما إذا عجز عنه زال بالسلطان لا يكون قصورًا حكيمًا؛ بل ما يقصر الملك حكمًا كمال المكاتب قصر ملكته فيه بحيث لا ينفذ فيه عتق ولا تبرع. وهو معرض للزوال إلى المالك بالعجز عن ... خم واحد.
٤٧٥ - وجرى في مسألة قطع الأطراف بالطرف أن قاس حنبلي على النفس بعلة أنه وضع للردع والزجر وإحياء الأنفس؛ ومتى لم يقطع الجماعة بالواحد، صار ذريعة إلى اجتماع الفساق على القطع، كيلا يقتص منهم، كما قلنا لأجل ذلك ((النفوس بالنفس)).
فاعترض عليه حنبلي بأن هذا يشكل به إذا تفرقت جناياتهم على الطرف بأن قطع كل واحد جزءًا.
فقال: هناك تميزت. فبان أنه ليس كل واحد قاطعًا للطرف؛ وبإبانة جميعهم جعل كل واحد كالقاطع للطرف.
قال المعترض: معلوم أنه ليس يفوت باجتماعهم سوى إدراكنا بالحس. وإلا فالعلم محيط بأن المجتمعين كل واحد منهم أبان بعض طرف وإن اختلطت اعتماداتهم. كما أن الرافعين للحجر والمتسببين للماء والحجر لا يتميز لنا بالحس كم رقى كل واحد منهم، ثم إنا نتحقق أن كل واحد رقى بعض الثقل، وتحصل باعتماده ترقية بعض الحجر. كذلك في القطع يقطع بذلك، ويخفي علينا مقدار البعض. فإذا علمنا أنه البعض،
стр. 540
كان يجب أن يعمل في إسقاط القصاص عمل ما يتميز من القطع، إذا انفرد كل واحد بقطع جزء من الطرف. وأما النفس فلا أسلمها. لأن هذا يخرج على الرواية التي أقول إن الجماعة لا يقتلون بالواحدة؛ لأن ما لا يتبعض، وهو مما يسقط بالشبهة، إذا لم يتحقق انفراد كل واحد من المشتركين فيه بجميع الموجب، لم يجب على واحد منهم لعلمنا للإسقاط لا للإيجاب.
٤٧٦ - شذرة في المال الضمار
قال: الزكاة وجبت شكرًا لنعمة المال. والمغصوب ماله عاجزعن التصرف فيه. فلا يكلف الشكر مع عدم استطاعته الشكر.
قال الحنبلي: ما أوجبت علة الشكر إلا بحسب النعمة. لأن الله سح منعم على صاحب المال، حيث جعل له استرجاعه بالسلطان والحق. فهذه نعمة في المال حكمًا. فوجبت الزكاةشكرًا على وجه الحكم، ولم يجب الإخراج. فإذا استرجع المال، خوطب بالشكر حسًا، وهو الإخراج.
٤٧٧ - فصل
ما تصفو الأعمال والأحوال إلا بتقصير الآمال. فإن كل من عد ساعته التي هو فيها كمرض الموت حسنت أعماله، فصار عمره كله صافيًا. وإلى هذه أشار صاحب الشرع صلع حيث قال: وعد نفسك من
стр. 541
الموتى؛ إذا أصبحت، فلا تحدث نفسك بالمساء؛ وإذا أمسيت، فلا تحدث نفسك بالصباح.
وهذا قول عارف بأن التسويف يؤخر الأعمال ببسط الآمال. ومن قصر أمله رأى قلة البضاعة وصيانة العيش الساعة التي هو فيها؛ فجود العمل، خوفًا أن يكون ذاك القدر هو المقطع. وليس هذا عندي مجتمعًا بالأعمار، بل الأموال. كذلك يجب أن يكون إحسانك من المال الحاضر بحسبه وإن قل، ولا تتسوف بكثرة المال في الثاني. والعاقل من لم يحضره قليل الرزق إلا وشكر الله بحسبه. فتعجيل القليل، مع حضور الوقت والمهلة، خير من التمادي والتأخير انتظارًا لكثيره. وليس تأثير الأعمال بالكثرة، بل بالخصلوص. ولهذا جرى في مدح القرآن على ذلك الخبز الشعير: ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾. فإذا سمع العاقل هذه المدحة على تلك الأمراض، اغتنم الشكر بحسب الحاضر من الحال، ولم يتسوف بالآمال.
٤٧٨ - قال شافعي في مسألة بنت الزنا: الزنا عدوان محض؛ والحرمة كرامة، فلا تتعلق على عدوان محض. ولأن سائر أحكام العضية لا تتعلق به، فلا تتعلق الحرمة، لأنهاحكم من الأحكام.
قال حنبلي: جتنب الأم أيضًا. تعلق الحكم المذكورة والأحكام كلها، وهو عدوان محض، على أن الوطء من حيث إنه حراثة ليس بعدوان، من حيث إنه زنا عدوان. فتعلق الحرمة والكراهة على جهة الحراثة على أن
стр. 542
جانب آلات البعضية ليست مقطوعاتها لاختلاط المياه. والأحكام كلها لا تثبت مع الاشتباه. كالبنت المختلطة بعدد من الأجانب تحرم الكل لأجل الاختلاط، ولا تثبت سائر الأحكام في حقهن كلهن.
٤٧٩ - فصل جري في الإجماع
قال: لا يتم أن يقال بأنه لا يحتاج إلى دليل إلا على وجه؛ وهو أن يكون إجماع الصحابة، على قول من يقولبأن قول الواحد منهم حجة. فأما في حق من ليس بقوله حجة، فلا يجوز أن يكون إجماعه حجة من غير دليل يستند إليه. لأن قول المجتهد إنما يستند إلى دليل. ومتى كان اجتهاده رأيًا لا يستند إلى دليل، لميكن معتدًا به. فإذا كان كل واحد لا بد أن يستند قوله إلى دليل، محال أن يكون إجماعهم لا يستند إلى دليل.
٤٨٠ - حضرنا يومًا بدار الكتب بشارع ابن أبي عوف، فتذاكرنا أمر العقل وتحسينهوتقبيحه. فقال إنسان يميل إلى مذهب إبي الحسن: ومتى يثق العاقل بعقله وقد علم أنه لو قدر فيها قبل ورود الشرع كيف حكم إيلام الحيوان وهدم بنيته لرآه بالعقل قبيحًا. ولو قدر إيصال اللذات إلى نفسه بتقبيل الملاح من المرادن، ولبس الحرير في الشتاء، وسماع ما تحيا به
стр. 543
الأنفس والقلوب من القيان، لرآه حسنًا؛ إذ فيه تقوية النفس، ورفاهية الجسم، وروح القلب، ونعيم الجسد. فلما جاءت الشرائع لم يقنع بأن يبيح إيلام الحيوان حتى جعل ذبحه تقربًا إليه وقربانًا؛ وحرم أكثر النعيم وجعله بعدًا عنه وطغيانًا؛ فتركت هذه الأمور. العاقل لا يحكم بعقله؛ ولا يقبح قبيحًا حكم العقل بقبحه؛ [بل] فوض الأمر إلى الشرع.
وكان بالحضرة رجل ينتحل مذهب العدل والتوحيد؛ فأجابه: هل [كان] اإستدلالك هذا حسنًا أم قبيحًا؟ فإن قلت ((حسنًا)) أو ((قبيحًا))، سألناك عن طريق تحسينه وتقبيحه. فإن أجبت بأنه العقل، كفانا ذلك إبطالًا لما قررت. وإن قلت ((علمت ذلك بالشرع، )) قيل لك ((أين النص في كتاب الله، وأين سنة رسول الله فيما ذكرت؟ )) على أنا نبسط الكلام، ونفتح عن مجال الجدال حتى لا يضيق عليه، فنقول: أظننت أن تحسين إيلام الحيوان، بعد تقبيحه بالعقل، لمجرد كونه إيلامًا؟ كلا! ولكن لما ثبت عندنا بأدلة العقول حكمة واضع الشريعة، وأنه لا يفعل القبيح ولا يشرعه، وأننا لو جوزنا ذلك لا نسد علينا باب العلم بصدق السفراء، - لكنا لما سبق لنا العلم بأن الصانع القديم حكيم لا يفعل القبح، ثبت لنا أنه لا يؤيد كذابًا - فثبت أنه لما أيد بالإعجاز أشخاصًا، كانوا صادقين. فلما ثبت ذلك، جاءت [الشريعة] بإيلام الحيوان لوجه من وجوه الحكمة والمصلحة. وليس في العقل وتقبيح الإيلام على الإطلاق، بل بط الدبلة، وألم الفصد والجحامة، وشرب الأدوية،
стр. 544
كل ذلك إيلام. وكذلك الردع عن القبيح بالحدود، كل ذلك حسن، لما عاد به من صلاح الأجل وحفظ الكل. فالإيلام، الذي جاءت به الشرائع، من هذا القبيل. فأما من قبيل الإيلام الذي وقع لا بحكمة، فكلا! فسكت.
٤٨١ - شذرة في مسألة الصول
استدل فيها حنبلي، فقال: حيوان ألجأ غيره إلى دفعه له عن نفسه. فإذا أفضى الدفع إلى قلته، لم يضمن؛ كالصيد والعبد.
قال له معترض لمذهب أبي حنيفة، وكان شافعيًا. هو وإن كان ألجأ إلى دفعه، لكن السيد له مالية فيه. فعلتك تصلح لإسقاط المأثم وإسقاط حق الحيوان؛ فأما إسقاط مالية السيد، فكلا. لأنه لم يوجد منه رضى بإسقاط مليته، ولا إلجاء ولا معنى يسقط حكم ماليته.
قال الحنبلي المستدل: في الحيوان تابعة لحرمة الحيوانية. بدليل أن مالية العبد ومالية الصيد، إذا صال، سقطت بصوله. حتى إن مالية خيط المغصوب منه ولوحه، إذا خاط به خرج الحيوان، أو ... فيها حيوان، يسقط حق المغصوب منه الخيط واللوح من غير ماليته، لحرمة الحيوانية. فإذا تبعت مالية الحيوان حرمته في إسقاط الضمان، كذلك ههنا تبعت مالية السيد حرمة الحيوان في إسقاط الضمان.
قال الشافعي المعترض: بل حق السيد وماليته هي المغلبة. بدليل أن
стр. 545
السيد يأذن للغير في قتل العبد، أو الحيوان البهيم، فيسقط الضمان تغليبًا لحقه.
قال المستدل: ما قابلت بشيء يقدح فيما ذكرت. لأنني أنا أريتك في صول العبد والصيد والخيط حقوق مالٍ تسقط في ضمن سقوط الحرمة الحيوانية. وأنت لم تر حرمة الحيوانية ساقطة بسقوط مالية السيد؛ بل ذكرت مسألة الإذن في قتل العبد. وتلك تسقط فيها مالية السيد؛ ويجب المأثم والكفارة في القتل؛ فلا تبعية إذا لحرمة الحيوان للمالية.
قال الشافعي: فأليس العبد يقتل أو يرتد، فيجب القصاص بقتله وردته؟ فقد مالك إسقاط مالية السيد في رقبته؛ فأما البهمية، فلا.
قال الحنبلي: أما قتله وردته، فاستتباع لمالية السيد؛ كما ذكرت في الصول؛ لما سقطت حرمة الحيوانية، تبعتها المالية، فسقطت. فهذه المسائل تشهد لما ذكرت، وما ذكرت من مسألة إذن السيد في قتل العبد. سقوط المالية خاصة غير مستتبعة لحرمة الحيوانية، بل المأثم ثابت.
٤٨٢ - وجرى من السائل أن الإلجاء ليس من المجاعة؛ فإنها تبيح قتل الحيوان للمشاكلة؛ ولا يسقط الضمان.
قال المستدل: بل فيه أكثر من ذلك. وهو أن الإلجاء نشأ من المال. وهذا زائد على الضرورة الناشئة من غير رب المال، ولا من المال. بدليل
стр. 546
أن الصيد إذا أكل ضرورة، ضمن؛ حيث لم يكن الإلجاء إلى قتله من جهته. ولو نشأ الإلجاء م نالصيد بأن صال، لما وجب الضمان بقتله وحتى إن الجمادات من الأموال، إذا ألجأت وأحوجت، سقط ضمانها، بأن تدحرج عليه قنديل لغيره، فدفعه عن رأسه بيده، فانكسر، لا ضمان. ولو احتاج إلى كسره لانتفاع كان لا يحصل إلا بكسره، من غير أن يكون القنديل ألجأ، لوجب الضمان.
٤٨٣ - فصل في العظام هل فيها حياة
قال حنفي: لا تحس؛ وخصيصة الحياة الحس؛ وإذا لم تلزمه حياة، فالموت إنما يحل محل الحياة.
قال حنبلي: لا أسلم؛ بل يحس.
قال الحنفي: تسلط عليه النار، فلا يحس؛ فلا يصح قولكم.
قال الحنبلي: هو يحس بالضرس اللاحق به في طرف الأسنان عند أكل الحموضة.
قال الحنفي: ذلك يتألم أصله من العصب ومنبته، دون ذاته.
قال الحنبلي: فهلا تألم منبته بنار يترك على طرفه؟ فإذا جاز أن يختلف منبته في الحس بأن يتألم بالحموضة دون النار وإن كان منبته
стр. 547
حيًا، كذلك جاز أن يختلف هو في نفسه بحسه بالحموضة دون النار وإن كان حيًا في نفسه. ولأن كونه لا يحس بالنار لا يمنع حسه بغيرها. كما أن البصر لا يدرك إلا الألوان والمقادير، والسمع لا يدرك إلا الأصوات، والشم لا يدرج [إلا] الأراييح، والذون لا يدرك إلا الطعوم، كذلك جاز أن يختص العظم بأن لا يدرك نوعًا من المحسوس، وهو حرارة النار، ويدرك غيرها، كالحموضة والماء البارد.
٤٨٤ - وجرى في مسألة صيال الفحل أن قال حنفي لشافعي: ليس للبهيمة اختيار يسقط مالية السيد. وللعبد اختيار تسقط به مالية السيد، وكشفه بالقتل والردة.
قال المستدل: ليس للعبد ولا لأحد من الناس إسقاط حق السيد من مالية العبد، ولا غيره من البهائم. ولكن العبد أسقط حرمة نفسه بالردة؛ ومالية السيد تابعة لحرمة العبد، فلما سقطت حرمته بردته، سقطت مالية السيد تبعًا. كما أن المرأة لا تملك إزالة ملك الزوج مباشرة بطلاق ولا فسخ. فإذا أرتدت، سقطت حرمة دمها، وزالت حقوق الزوج عنها تبعًا. فإذا قتلت بالردة، سقط حقه بالكلية تبعًا. والبهيمة لا تملك أيضًا إسقاط حق مالكها؛ لكنها لما صالت، سقطت حرمتها، فسقطت مالية السيد تبعًا.
стр. 548
٤٨٥ - سئل حنبلي عن انقراض العصر
هل هو شرط في الإجماع
فقال: ليس بشرط. لأن انقراض العصر ليس له وقع في الإجماع. لأن الاجتهاد من كل واحد منهم طريق للظن؛ والمهلة للنظر شرط لحصول النظر. فلا حاجة بنا إلى إنقراض العصر، لأنه توقع لزمان مستقبل ولحدوث اجتهاد ممن عساه يتجدد. ولا يخلو أن يتلاحق في العصر ناشئة، فلا يستقر إجماع.
قالوا له: قولهم ((ما دام العصر باقيًا)) ما استقر. بدليل أنهم إذا اختلفوا على قولين في حادثة، انعقد إجماعهم على تسويغ الاجتهاد. ثم إذا أجمعوا على أحد القولين، فقد تركوا إجماعهم على التسويغ، وصاروا مجمعين على ضد التسويغ.
منع، ثم سلم، وقال: إذا افترقوا على قولين، فهم غير قاطعين على تخطئة القول الآخر، ولا على تصويب قولهم؛ بل هم ظانون ذلك. ومن كان ظانًا، هو مار إلى القطع، وما قطع. فهو كما لو كان في مهلة النظر، لأنه ما استقر له يقين. ليس كذلك المجمعين. لأنهم قد قطعوا على الحكم وتيقنوه؛ فلا وجه لوقوف الإجماع على معنى بعد ذلك.
قالوا له: إذا حدث قائل لم يخالف إجماعهم، كابن عباس، لم يسقط قوله؛ وهو من الصحابة، ومن أهل عصرهم، ومساو لهم في الإجتهاد والصحبة والعصر.
стр. 549
قال: لأن للمتقدم حكمه، كما لتقدم الصحابة على التابعين. فإذا انضم إلى ذلك إجماع من حضر الحادثة، فلا عبرة بما يفسده؛ كما لا عبرة بما بعد العصر.
٤٨٦ - شذرة في صيال الفحل
قال: حنفي: هب أن الفحل سقط مأثم قتله، وجاز دفعه وإن أفضى إلى دمه، لإلجائه لدافعه إلى دفعه؛ فما بال مالية السيد تسقط وما رضي بذلك؟
قال حنبلي: مالية السيد إذا انفردت عن حرمة حي، كالعروض من الحبوب والأدهان والثياب وغير ذلك، كان متبوعة لا تسقط إلا بإسقاط حرمة نفسه بأن تصير جريًا لنا، أو يصول هو بها علينا. مثل أن يكون ملاجأ له، فيكون بإتلافها غرضًا مبينًا له. أو تكون ملجئة هي بنفسها؛ مثل أن يهوي علينا قنديل، فلا يمكنا السلامة منه إلا بدفعه، فيعود دفعه بكسره، فلا ضمان أيضًا. فأما المالية في الحيوان، فهي تبع لحرمة الحيوان. فمتى سقطت حرمة الحيوان بمعنى، سقطت مالية السيد. بدليل العبد، إذا صال، فإن للسيد فيه مالية لا يمكن العبد أن يبيح إتلافها. ومع ذلك، إذا صال، سقطت مالية السيد في جنب سقوط حرمة العبد بصوله، حيث جاز دفعه بفعل يردع مثله وإن آل الى نفسه.
قال الحنفي: العبد له اختيار تسقط به مالية السيد؛ وهو إذا قتل
стр. 550
عمدًا، أو إذا ارتد. والحيوان البهيم بخلاف ذلك. لأنه لا اختيار له؛ ولا وجد من السيد معنى أباح ذلك.
قال الحنبلي: اختيار العبد أيضًا الذي هو القصد فارق به البهائم. لأن لها اختيارًا ما، لكنه ليس باختيار كامل؛ فهو كاختيار الطفل والمجنون والمكره. ولهذا سقطت به حرمة الصيد إذا صال على المحرم، حتى أسقط المالية التي فيه. ولم نقتنع في صياله ودفعه برفه المأثم إذا آل إلى قتله؛ بل أسقطنا ضمان المكفر، وهو ضمان مالية. فأما العبد، وإن كان له اختيار، فليس له بذلك الاختيار حكم إسقاط مالية السيد. ألا ترى أن السيد، إذا قال لأجنبي ((اقتل عبدي))، فقتله، سقطت المالية، ولم يستحق ضمانًا؟ والعبد لو قال لغير سيده ((اقتلني)) لم يسقط ضمان ماليته، ولا المأثم الذي تعلق على فعل الجاني عليه، ولا حق السيد سقط بإذنه في قتله، ولا حق الله سح. فصار اختياره كلا اختيار في هذا الباب، وهو إسقاط حقوق غيره فيه. لم يبق إلا ما ذكرت أنا. وهو أن المالية التي في الحي تكون تبعًا لحرمة الحي. فمتى سقطت حرمة الحيوانية، تبعها المال؛ فصار ساقط الحرمة، لا ضمان في إتلافه.
وعلى هذا يخرج ما ذكرت من ردته وقتله عمدًا. فإنه أسقط حرمة الحيوانية في حق العبد، فاستحقت نفسه، حيث كفر نعمة المنعم الأول سح، وحيث أتلف نفسًا استحقت بها نفسه. وينكشف ذلك فيما هو أوضح. وهو أن المالية المنفردة عن حرمة حي تسقط في حق الغاصب،
стр. 551
لأجل الغصب. حتى إنه إذا غضب ساجه، عندي، وما عليها، أو خيطًا، عندنا جميعًا، فخاط به خرج عبده، فإن مالية المالك للخيط تسقط، وترجع إلى القيمة دون حقه من العين. لما حصل في ضمن حي له حرمة صارت مالية الخيط في ضمنه، وإن كان متعديًا في أخذه.
وينكشف أيضًا كون المال تبعًا للحيوانية وحرمتها. [وهو] أن المغصوب منه الخيط، لو جاء وقلعه من العبد، فمات العبد، أثم لحق الله؛ حيث فعل في الحي ما ليس له فعله، وضمن مالية السيد. ومعلوم على أصلي أن مالية السيد، لو انفردت عن حيوان لم يضمن بقلع الغصب عنه، حتى لو كانت بناء، فهدمه، لم يضمن. فلما ضمن مالية العبد، علمنا أنه ما ضمنها إلا حيث كان مأثومًا بإتلاف الحيوانية. فبان أن المالية في الحيوان تبعًا إلجاءً وإسقاطًا. فلذلك سقطت في صياله، تبعًا لسقوط حرمته. ولأن عدم كمال الاختيار لا يوجب ضمانًا؛ بدليل المال المنفرد الذي لا اختيار له ولا قصد رأسًا. وهو المال الذي يهوي إلى الإنسان فيكاد يقتله، أو يؤذيه، إذا رده بيده، فتلف، كالقنديل وما شاكله، فانكسر، فإن لا يضمنه، لكون ألجأه إلى دفعه؛ فلم يضمنه لما آل إلى كسره.
٤٨٧ - شذرة في زكاة الخيل
قال شافعي: لم تكمل منافعها. لأنها لا تسام غالبًا، وليس بجنس يقصد دره، فأشبه البغال والحمير. ولهذا قرنها الله سح وتع إلى البغال
стр. 552
والحمير في الزينة والركون. ولما ذكر بهيمة الأنعام، ذكرها للمنافع والدر والنسل.
قال له حنفي: ما نقل من درها يخلفه ظهرها. وهي صالحة لما لا يصلح له شيء من الحيوان، وهو الكر والفر. وينضم إليه النسل الفاخر النفيس. فإن في نسله ما يوفي على كل در ونسل في غيرها.
قال الشافعي: الظهر انتفاع استعمال، وما بعد للاستعمال لا تجب فيه الزكاة. وغالب العرف أن الخيل لا تسام للنماء، لكن تعد للاستعمال. والكمال الذي ذكرته فيها هو كمال يعود بالإسقاط، لا بالإيجاب. قال: وليس كذلك النماء من النماء والنسل. لأنه مما إذا طلب الحيوان لأجله، لا تسقط الزكاة، بل تجب لأجله. بدليل أنه يتبع الحيوان الذي هو بهذه الصفة، دون الطيور والظباء؛ ويقصد به السائم من الأنعام، دون المعلوف والعامل؛ حيث كان المعلوف يراد للحمه، والعامل يراد لعمله. فدل على أن المغلب ما ذكرنا. والخيل ليست من قبيل ما يراد للدر. ولهذا لا تسام غالبًا؛ لكن تراد للظهر. ولهذا لا تكون في غالب البلاد إلا في الأنبية والإسطبلات معلوفةً أبدًا. وإن ندر منها سائم في بعض البلاد، فلا يكون من ذي الظهر الجيد. لأن الخيول الجيدة لا تعطل قط عن الركوب والرياضة؛ لأنها متى فعل بها ذلك، توحشت عن الركوب الذي هو مقصودها.
стр. 553
قال الحنفي: التهيؤ للظهر من الكر والفر هـ والذي كمل به ووازى الدر. وقوله إن التهيؤ لما يسقط الزكاة لا يكون موجبًا، وتعني به الركوب، لأنه استعمال، والعوامل لا زكاة فيها، لا يصح. لأن الثياب والأواني والأطعمة تراد للاستعمال المسقط للزكاة. ثم تهيؤ الثياب والأطعمة، إذا كانت للتجارة، تزيد في القمة، فتتزايد الزكاة بتزايد القيمة لأجلها. ثم نفس الاستعمال وحقيقته لا توجب زكاة القيمة. جاز أن يكون تهيؤ الخيل السائمة للركوب والكر والفر مكملًا لها في إيجاب الزكاة، وإن كان نفس الركوب والعمل مسقطًا.
قال الشافعي: حقيقة الاستعمال تسقط؛ فالتهيؤ له لا يجوز أن يكون موجبًا. ألا ترى أن السائمة من الأنعام، إذا حمل عليها، صار استعمالها مسقطًا للزكاة فيها؟ فأما عروض التجارة فتوجب الزكاة في قيمتها، لا لتهيؤها للاستعمال. ألا ترى أن سائر المقومات يخير فيها لقيمتها؟
قال الحنفي: أراك قد عولت على أن الزكاة تعلقت بالمال النامي. وليس هذا صحيحًا. لأن الأشجار نامية، ولا تجب الزكاة فيها؛ والأراضي نامية، ولا تجب الزكاة فيها. فلا يجوز أن تعلل بالنماء ولا تجب الزكاة.
قال الشافعي: الإجماع منع من إيجاب الزكاة هناك.
قال الحنفي: فالإجماع على أن الشجر لا تجب الزكاة فيه مع كونه ناميًا دليل على أن كون الباقي ناميًا وليس بعلة؛ ولا نماء الأنعام هي العلة.
стр. 554
وكان جرى من الحنفي أن قال، إبطالًا لتعليل الشافعي بالنماء، بأن الذكور من الأنعام تسام ولا تنمي ولا زكاة فيها.
قال الشافعي: ذلك من جنس نامٍ. وذلك أن الأنعام إنما تدر أناثها، وتنتج بذكورها. فكما أن ذكورًا من غير أناث لا تنمي، لا بدر ولا نسل، فصار النماء الذي هو عليه إيجاب الزكاة عندي، أو شرطها، يتداور بين ذكور وأناث؛ فلا يتم نماء هذه إلا بهذه، ولا نماء هذه إلا بهذه.
٤٨٨ - فصل
بينما أنت معجب بالواحد من أهل الدهر حتى يملولح عذبه ويكتهل عشبه ويضيق رحبه. فالاغترار بهم غباء، وودهم عند التحقيق هباء، والاعتماد عليهم إفلاس.
٤٨٩ - فصل في مسألة النباش
قال حنفي: الشبهة في مكان الكفن أن الأرض في الصحراء ليست حرزًا، والميت ليس بحرز. وذاك أن الله سح أباح ترك الميت في التراب، أو فرضه، صيانة له عن الافتضاح، وصيانة للأحياء عن نتنه إذا راح. والسترة صيانة لعورته. فصار القبر غير موضوع لإحراز الكفن؛ ولا
стр. 555
الشرع قصد إحرازه. وإنما طرح الكفن ضرورة لأجل الشرع. والحرز ما اصطلح الناس عليه للحفظ، لا ما اصطلحوا عليه للترك. وترك المال فيه ضرورة لا يجعله حرزًا، كترك الثياب على الميت لم يجعله حرزًا. ومعلوم أن الحي حرز لسترته، إذا نام فيها؛ فإذا كان حاجة الأحياة إلى تكفين الموتى أباحت ترك الثياب عليهم، ولم تجعلهم كالأحياء أحرازًا، كذلك ما كانت الحاجة تدعو إلى ترك هذه السترة في القبر لا تجعله حرزًا. ولا فرق بين صحة هذا أن بدن الحي وبيته سواء في الإحراز، فليكن بدن الميت وقبره سواء في عدم الإحراز. وهذه شبهة جيدة.
٤٩٠ - شذرة في قتل المسلم بالكافر
قال حنفي: فضيلة لا تمنع استيفاء القود؛ فلا تمتع إيجابه؛ كفضيلة العلم.
قال له شافعي: الاستيفاء فضيلة طرأت على وجوب العقوبة واستحقاقها. وفرض بين فضيلة تطرأ على الحق وبين الفضيلة قبل إيجاب الحق، بدليل الإسلام بعد الاسر لا يمنع الاسترقاق، وقبل الأسر يمنع الاسترقاق. والزيادة الحادثة في المبيع تدخل في البيع.
قال له الحنفي: معلوم أن القصاص موضوع على المساواة والمقاصة. فإذا كان وجوبه لا يحصل مع كون القاتل مسلمًا استيفاؤه أيضًا، يجب أن يمنع، لأنه يكون حيفًا في الاستيفاء. وهذا بمثابة فضيلة الإسلام منعت ابتداء النكاح. وإذا طرأت منعت استدامته إلى جال وجوبه. هذا
стр. 556
إذا قلت بانفساخ النكاح. وإن كان بعد الدخول, وقلت "يقف على انقضاء العدة." فإنه يمنع من الاستمتاع في بقاء النكاح, ولا يسند استيفاء الاستمتاع إلى حال وجوبه.
٤٩١ - شذرة في الشاهد واليمين
قال فقيه دل على جواز القضاء به جنبة المدعي: قويت بالشاهد؛ فجاز أن يجعل القول مع يمينه مقضيًا له به. كجانب المنكر, لما قوي يكون الأصل براءة ذمته, لا جرم قبلت يمينه في دفع الدعوى عنه وخروجه من حكم القضاء عليه بالنكول.
٤٩٢ - تذاكر عالمان مسألة المعدوم
فقال من أثبت المعدوم شيئًا أن: باتفاقٍ منا أنه معلوم. وكونه معلومًا من باب التعلق والعلات. ومحال تعلق الشيء بغير الشيء.
قال الخصم: لا أسلم أنه معلوم, على معنى أنه يتعلق عليه العلم, لكن بمعنى أنه علم بما سيكون؛ فيكون علمه به موجودًا, لا معدومًا.
قال الآخر: فهذا نفسه يفسر بالتعلق. لأن الجاهل بما يكون غدًا ليس بعالم بما سيكون. والعالم بما يكون غدًا, يقال عالم بما يكون. فلابد من فرق؛ وهو تعلق علم أحدهما بشيء لم يتعلق على علم الآخر. ألا
стр. 557
ترى أن الممتنع يتعلق عليه علم الباري ولا علم العباد؟
قال: فعلمه بما يكون إذا إنما يكون علمًا إذا كان.
قال: فكان يجب أن لا يكون اليوم عالما بما يكون إذا. لأن قولنا "علم" من باب التعلق بغيره. فإذا كان الشيء لا يسمى معلوما إلا بعد أن يكون لنا عالم, يجب أن لا يكون لنا علم إلا بعد أن يكون لنا معلوم يتعلق العلم به؛ كالنظر مع المنظور, والشم مع المشموم, إلى أمثال ذلك من المتعلقات.
٤٩٣ - شذرة في الجنين
ذكرها حنبلي ناصرا لمذهب أبي حنيفة تذنيبا بجامع القصر
فقال: إن النبي ﷺ قال في الصيد يصيبه السهم ويقع في الماء "لا تأكله, لعل الماء أعان على قتله." فجعل التخنيق بالماء المجور مانعًا من إباحة روح خرجت من محل بجراحة, لأجل شوب الجراحة بالتخنيق بالماء. فكان يبنيها على جنين ما مات إلا بالتخنيق.
٤٩٤ - وجرى فيها ذكر السراية
فقال بعض أئمة الحنفية: إن السراية بحكم الجناية, إذا كانت
стр. 558
الجناية هي المؤثرة. والجرح هنا أثر زهوق نفس الأم بالجراحة, ونفس الجنين خصلت بالتخنيق, والتخنيق غير الجراحة.
٤٩٥ - وذكر فيا شافعي أن الأب, إذا نطق بالإسلام وله أطفال, تبعوا في الإسلام وإن لم ينطقوا بكلمة الإسلام, ولا اعتدوا, لكن تبعوا الأب.
فجعل حنفي ذلك حجة له فقال: إن المحل لا يقبل السراية والتبعية إلا بأن يكون مهيًأ قابلاً. ومعلوم أن الجنين ليس بموثوق بكون الروح فيه وإن تحرك؛ فلا يثبت له حكم الحي قطعا. والذكاة إنما تثبت في محل يتحقق أن فيه روحًا تزهق بالذكاة. فإذا خرج ميتًا, لم يحصل لنا العلم بأنه مذكى, حيث لم يكن, في وقت ذبح الأم, حيًا حسًا ولا علمًا.
فصار كالميت من الأطفال, لا يتبع في الإسلام, حيث لم يكن المحل متحققًا كونه حيًا.
٤٩٦ - قال قائل في مسألة المعدوم, وأن الجوهرية تثبت له قبل التحيز, وأن التحيز صفة له: إن قول القائل "جوهر متحيز" يعطي ذاتا ووصفا.
كقولنا "جوهر أبيض" أو "أسود". وإذا كان كذلك, فوجب كون التحيز صفة له. ومتى كان التحيز صفة له. ومتى كان التحيز صفة, ثبت كونه ذاتا قبل التحيز.
стр. 559
قال إمام متكلم: فهذا لا يلزم. لأن قولنا في المعلوم إنه ذات, فنقول "ذات معلومة." لا يعطي أن يكون هذا القول يعطي أن هناك ذات وصفة.
قال: قد ثبت أن الجوهر المتحيز يخالف السواد. ولا يجوز أن يكونا اختلفا بكونهما ذاتين. لأن الذوات, من حيث كونها ذوات, لا تختلف؛ وإنما تختلف بالصفات. والسواد ليس له, بكونه سواد, العرض, والصفة لا تحمل الصفة. بقي أن الجوهر خالف السواد بصفة فيه التحيز.
قال المتكلم الإمام على هذا: يلزمكم على هذا الحصول؛ والمتحيز مع السواد, فإنهما يختلفان. ولا يجوز أن يقال إنهما اختلفا بوصفين. كذلك مخالفة الجوهر للسواد لا يلزم أن يكون بصفة.
قال: الأوصاف لا توصف. فليس له أوصاف. فلذلك لم يحصل اختلافها بأوصاف.
قال الإمام المتكلم: فقد بطل قولكم إن الاختلاف بين الجوهر والسواد بصفة هيه التحيز. لأنه لو كان الاختلاف لا يحصل إلا بصفة, لما
стр. 560
صح أن يعقل فصلا بين السواد والبياض, والسواد والتحيز. لأنهما لا يوصفان, حيث هما وصفان. فلما حصل اختلافهما في المعقول ولا صفة, بطل أن يكون مخالفة التحيز مخالفًا للسواد بالصفة.
٤٩٧ - شذرة في النية
قال قائل: إذا كانت النية هيه القصد, فهل كل ما يعتبر له القصد يعتبر له النية؟
قيل فيه فصل تحرر فأزال الإشكال: النية قصد على صفة فعل. هذا ينكشف بالمثال. وهو أن الذابح عبثًا وإهمالا لا يباح أكل ذبيحته. والقاصد إلى الذبح يباح ذبحه. والناوي هو الذي يقصد بالذبح القربة. وأكشف من هذا أن القائل لزوجته "أنت خلية" قاصد إلى هذا القول. لأن الكلام لا يصدر إلا عن إرادة الحي له. فليس من ضرورة قصده لقوله "أنت خليه" أن يكون ناويًا. حتى لو سأله سائل فقال "أقصدت قولك لها (أنت خلية)؟ لقال "نعم." وهذا سؤال لا يحسن. إذ نفس الكلام لا يصدر إلا عن قصد. ألا في حق المبرسم. فلا يحكم بطلاقة حتى يسأل سؤالاً ثانيًا. فيقال "هل قصدت الطلاق؟ " فإذا قال "قصدت بقولي (أنت خلية) الطلاق" أو "خلية من نكاحي," كان حينئذٍ ناويًا. فقد بان الفرق بين القصد المجرد وبين النية؛ وهي القصد على صفة.
стр. 561
٤٩٨ - وكان ذكر بعض من حضر هذه المذاكرة أن النية ما كان قصدًا لله. فقيل له: هذا تحذلق. وإلا فالكنايات تفتقر إلى النيات. أتراها لله حيث نواها تطليق زوجته, والطلاق مكروه عند الله؟
٤٩٩ - استدل شافعي في المنع من تخليل الخمر بأنه لو كان لنا طريق إلى استصلاحها لما أمرنا الشرع بالإتلاف لها. ألا ترى أن المرتد, لما كان لنا طريق إلى استصلاحه, لم يجز عندنا قتله إلا بعد استتابته؟ وكذلك أهل الحرب ممن لم تبلغه الدعوة, لا يجوز قتلهم إلا بعد أن ندعوهم إلى الإسلام. فلما جاز إتلاف الخمر ابتداء وأمر بها, دل على أنه لا طريق في الشرع إلى استصلاحها.
٥٠٠ - استدل القاضي أبو محمد المروزي, قاضي القضاة, قدم علينا حاجا, في مسألة جبر نقض الولادة بولد المغصوبة . فقال: الذي أقات هو الذي أفاد؛ فجبر.
قيل: الذي أفادته غير الذي أقتاته. فإن تعلقت بأن المفيد والمقيت واحد, تعلقنا بأن المقات غير المفاد؛ لأن الولد غير النقض.
قال: باطل بالسن إذا نبتت من الذي لم يتغير والتئام الجراحة.
стр. 562
فإنه مستفاد. أعني السن النابت في الثاني والاندمال وهو عين. ثم إنه جبر النقض وأسقط ضمان الأرش.
٥٠١ - شذرة
قال بعض أهل العلم لقوم تضجروا بشدة الحر: ما لكم؟ من أراد أن يأكل من نضيج هذا المطبوخ من بالغ الثمار, صبر على حر المطبخ.
٥٠٢ - استدل حنبلي في مسألة المفوضة بأن قبل الدخول وجب بالعقد, كالمسمى, والتقليل لمهر المثل.
اعترض عليه حنبلي, نصرة لمذهب الشافعي, فقال: قياسك هذا يتضمن أنه لما وجب بعد العقد بما حدث بعده, دل على وجوبه في أول العقد, أو دل على أنه وجب بالعقد. ولم قلت وما أنكرت أن يكون المتجدد أوجب أو قرر وحقق ما لم يكن وجب العقد؟
قال المستدل: لأن الموت والوطء يرضي الموطوءة لا يوجب. فلما وجب عقيبه, دل على أنه استند إلى العقد.
قال المعترض: ولم قلت ذلك وما أنكرت أن يكون وجوب جميع المهر والموت إنما كان لا بالموت, لكن بالتمسك بعصمة الزوج عشرًة وحبسًا لنفسها عليه إلى حين موتها, والمعقود عليه بما يحصل من ذلك وهو الغاية.
стр. 563
وكذلك الدخول. والذي يوضح ذلك أنه يجب المهر بوطء لا يستند إلى عقد أصلاً, وهو وطء من اعتقدها أمته ولم تكن أمته يجب المهر ولا عقد يستند إليه. على أن القبض في الهبة والتبرعات يحصل به الملك, ولا يحصل بالعقد السابق؛ وهو شيء تجدد بعد العقد. قال المعترض: والذي يوضح هذا أن الذي يوجبه الشرع من المهر مع فساد التسمية, عندنا جميعا, وعند الإمساك عن التسمية, عند جماعة من الفقهاء, هو مهر المثل؛ ويكون وجوبه شرعا. ثم إن الزوجة ملكت تسميًة تحط عن مهر مثلها, ولو كن ألفا, إلى درهم أو خاتم من حديد, عندنا جميعًا. فقد ظهر من تصرف المرأة في المهر, فقللته إلى حد يزري بها وبأوليائها, وأسقطت به ما أوجبه الشرع والعرف, وهو مهر المثل. وهذا تصرف راغمت به ما وجب شرعًا وعرفًا في أول العقد. ثم بعد التسمية أو مهر المثل تملكت الإبراء منه. فما الذي يمتنع من إسقاطها له؟ والعفو عنه في أول العقد مع هذين التصرفين هو التقليل في البداية والإبراء في أثنائه ودوامه.
٥٠٣ - لما بلغ المنصور خبر من قتله عبد الله بن علي بن الحسين, قال: قاتله الله! ألا تركهم حتى كانوا يرغبون إلينا كما كنا نرغب إليهم, ويرون من دولتنا وملكنا ما رأينا من دولتهم وملكهم؟ فلقد عاشوا ملوكًا وماتوا شهداء.
стр. 564
لأبي الهندي:
وفتية رقدوا والليل يكلوهم ... كأنهم من صروف الدهر في حرم
حتى إذا رق جلباب الظلام دعوا ... للراح أحسن من مشي على قدم
واستلها من ظلام الدن لامعة ... في حمرة الورد أو في حمرة العنم
فهل رأيت عقيقا سل من شبح ... من قبلها أو ضياء سل من ظلم
وللرهابين ألحان تشوقنا ... إلى الصبوح بدير الأبلق العلم
دير أعير من الجنات بهجتها ... فساكنوه به في أنعم النعم
هواؤه خضر وعرفه عطر ... وريعه نضر من مائه الشبم
٥٠٥ - روى المرزباني عن ابن دريد عن السكن بن معبد عن العباس بن هشام عن أبيه, قال: كان أبو الخطار بن مردوع الكلبي من أعظم الناس غناء عن الإسلام بإفريقية والأندلس. فلما ولى عبيدة بن عبد الرحمن إفريقية تحامل على أبي الخطار فسجنه وقيده. فقال أبو الخطار أبياتا وهو محبوس, وبعث بها إلى هشام بن عبد الملك وهي هذه:
أقادت بنو مروان فيسا دماءنا ... في الله إن لم يعدلوا حكم عدل
كأنكم لم تشهدوا يوم راهط ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل
стр. 565
وفيناكم ورد القنا بنحورنا ... وليست لكم خيل سوانا ولا رجل
فلما رأيتم وافد الحرب قد عتا ... وطاب لكم فيها المشارب والأكل
تعاشيتم عنا كأن لم يكن لنا ... بلاد أنتم ما علمتم لها فعل
إذا رث حبل العهد وانجذم القوى ... ألا ربما تبلى وينجذم الحبل
ونحن بنو الشيخ الذي سال بوله ... بكل بلاد ما يبول بها فحل
فعرضت هذه الأبيات على هشام؛ فعزل عبيدة, ومات أبو الخطار في السجن.
٥٠٦ - روى أبو قلابة عن ابن مسعود عن النبي صلع: ثلاث هن أصل كل خطيئة: الكبر, والحرص, والحسد. فإياكم والكبر! فإن إبليس حمله الكبر على أن لم يسجد لآدم. وإياكم والحرص! فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة. وإياكم والحسد! فإن ابني آدم حسد أحدهما صاحبه, فحمله الحسد على قتل أخيه.
٥٠٧ - وروي عن النبي ﷺ أنه قال: الشيخ في أهله كالنبي في أمته.
٥٠٨ - وعنه ﷺ : أن أهل الجنة البلة؛ وأعلى أهل عليين ذوو الألباب؟
следующие страницы →