← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٤٩٨ - وكان ذكر بعض من حضر هذه المذاكرة أن النية ما كان قصدًا لله. فقيل له: هذا تحذلق. وإلا فالكنايات تفتقر إلى النيات. أتراها لله حيث نواها تطليق زوجته, والطلاق مكروه عند الله؟ ٤٩٩ - استدل شافعي في المنع من تخليل الخمر بأنه لو كان لنا طريق إلى استصلاحها لما أمرنا الشرع بالإتلاف لها. ألا ترى أن المرتد, لما كان لنا طريق إلى استصلاحه, لم يجز عندنا قتله إلا بعد استتابته؟ وكذلك أهل الحرب ممن لم تبلغه الدعوة, لا يجوز قتلهم إلا بعد أن ندعوهم إلى الإسلام. فلما جاز إتلاف الخمر ابتداء وأمر بها, دل على أنه لا طريق في الشرع إلى استصلاحها. ٥٠٠ - استدل القاضي أبو محمد المروزي, قاضي القضاة, قدم علينا حاجا, في مسألة جبر نقض الولادة بولد المغصوبة . فقال: الذي أقات هو الذي أفاد؛ فجبر. قيل: الذي أفادته غير الذي أقتاته. فإن تعلقت بأن المفيد والمقيت واحد, تعلقنا بأن المقات غير المفاد؛ لأن الولد غير النقض. قال: باطل بالسن إذا نبتت من الذي لم يتغير والتئام الجراحة.

стр. 562

فإنه مستفاد. أعني السن النابت في الثاني والاندمال وهو عين. ثم إنه جبر النقض وأسقط ضمان الأرش. ٥٠١ - شذرة قال بعض أهل العلم لقوم تضجروا بشدة الحر: ما لكم؟ من أراد أن يأكل من نضيج هذا المطبوخ من بالغ الثمار, صبر على حر المطبخ. ٥٠٢ - استدل حنبلي في مسألة المفوضة بأن قبل الدخول وجب بالعقد, كالمسمى, والتقليل لمهر المثل. اعترض عليه حنبلي, نصرة لمذهب الشافعي, فقال: قياسك هذا يتضمن أنه لما وجب بعد العقد بما حدث بعده, دل على وجوبه في أول العقد, أو دل على أنه وجب بالعقد. ولم قلت وما أنكرت أن يكون المتجدد أوجب أو قرر وحقق ما لم يكن وجب العقد؟ قال المستدل: لأن الموت والوطء يرضي الموطوءة لا يوجب. فلما وجب عقيبه, دل على أنه استند إلى العقد. قال المعترض: ولم قلت ذلك وما أنكرت أن يكون وجوب جميع المهر والموت إنما كان لا بالموت, لكن بالتمسك بعصمة الزوج عشرًة وحبسًا لنفسها عليه إلى حين موتها, والمعقود عليه بما يحصل من ذلك وهو الغاية.

стр. 563

وكذلك الدخول. والذي يوضح ذلك أنه يجب المهر بوطء لا يستند إلى عقد أصلاً, وهو وطء من اعتقدها أمته ولم تكن أمته يجب المهر ولا عقد يستند إليه. على أن القبض في الهبة والتبرعات يحصل به الملك, ولا يحصل بالعقد السابق؛ وهو شيء تجدد بعد العقد. قال المعترض: والذي يوضح هذا أن الذي يوجبه الشرع من المهر مع فساد التسمية, عندنا جميعا, وعند الإمساك عن التسمية, عند جماعة من الفقهاء, هو مهر المثل؛ ويكون وجوبه شرعا. ثم إن الزوجة ملكت تسميًة تحط عن مهر مثلها, ولو كن ألفا, إلى درهم أو خاتم من حديد, عندنا جميعًا. فقد ظهر من تصرف المرأة في المهر, فقللته إلى حد يزري بها وبأوليائها, وأسقطت به ما أوجبه الشرع والعرف, وهو مهر المثل. وهذا تصرف راغمت به ما وجب شرعًا وعرفًا في أول العقد. ثم بعد التسمية أو مهر المثل تملكت الإبراء منه. فما الذي يمتنع من إسقاطها له؟ والعفو عنه في أول العقد مع هذين التصرفين هو التقليل في البداية والإبراء في أثنائه ودوامه. ٥٠٣ - لما بلغ المنصور خبر من قتله عبد الله بن علي بن الحسين, قال: قاتله الله! ألا تركهم حتى كانوا يرغبون إلينا كما كنا نرغب إليهم, ويرون من دولتنا وملكنا ما رأينا من دولتهم وملكهم؟ فلقد عاشوا ملوكًا وماتوا شهداء.

стр. 564

لأبي الهندي: وفتية رقدوا والليل يكلوهم ... كأنهم من صروف الدهر في حرم حتى إذا رق جلباب الظلام دعوا ... للراح أحسن من مشي على قدم واستلها من ظلام الدن لامعة ... في حمرة الورد أو في حمرة العنم فهل رأيت عقيقا سل من شبح ... من قبلها أو ضياء سل من ظلم وللرهابين ألحان تشوقنا ... إلى الصبوح بدير الأبلق العلم دير أعير من الجنات بهجتها ... فساكنوه به في أنعم النعم هواؤه خضر وعرفه عطر ... وريعه نضر من مائه الشبم ٥٠٥ - روى المرزباني عن ابن دريد عن السكن بن معبد عن العباس بن هشام عن أبيه, قال: كان أبو الخطار بن مردوع الكلبي من أعظم الناس غناء عن الإسلام بإفريقية والأندلس. فلما ولى عبيدة بن عبد الرحمن إفريقية تحامل على أبي الخطار فسجنه وقيده. فقال أبو الخطار أبياتا وهو محبوس, وبعث بها إلى هشام بن عبد الملك وهي هذه: أقادت بنو مروان فيسا دماءنا ... في الله إن لم يعدلوا حكم عدل كأنكم لم تشهدوا يوم راهط ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل

стр. 565

وفيناكم ورد القنا بنحورنا ... وليست لكم خيل سوانا ولا رجل فلما رأيتم وافد الحرب قد عتا ... وطاب لكم فيها المشارب والأكل تعاشيتم عنا كأن لم يكن لنا ... بلاد أنتم ما علمتم لها فعل إذا رث حبل العهد وانجذم القوى ... ألا ربما تبلى وينجذم الحبل ونحن بنو الشيخ الذي سال بوله ... بكل بلاد ما يبول بها فحل فعرضت هذه الأبيات على هشام؛ فعزل عبيدة, ومات أبو الخطار في السجن. ٥٠٦ - روى أبو قلابة عن ابن مسعود عن النبي صلع: ثلاث هن أصل كل خطيئة: الكبر, والحرص, والحسد. فإياكم والكبر! فإن إبليس حمله الكبر على أن لم يسجد لآدم. وإياكم والحرص! فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة. وإياكم والحسد! فإن ابني آدم حسد أحدهما صاحبه, فحمله الحسد على قتل أخيه. ٥٠٧ - وروي عن النبي ﷺ أنه قال: الشيخ في أهله كالنبي في أمته. ٥٠٨ - وعنه ﷺ : أن أهل الجنة البلة؛ وأعلى أهل عليين ذوو الألباب؟

стр. 566

٥٠٩ - وقال بعض أهل العلم: تجيء الطاعات معاصي -- يعني الرياء فيها حين العمل والإعجاب بها بعد عملها. ٥١٠ - قيل لبسر الحافي: لم لا تلبس النعل؟ قال: أستحي أن أمشي على بساطة بالنعل. أخذه من قوله: (والله جعل لكم الأرض بساطا) ٥١١ - يا من تشكي وجع العين ... حاشي لعينيك من الشين عين من الناس أصابتهما ... ما أسرع العين إلى العين ٥١٢ - روى عن النبي ﷺ أنه قال: إنما المؤمن الذي نفسه منه في عناء, والناس منه في راحة. قيل لحنبلي له تحقيق: ما معنى هذا؟ فأجاب بأن نفسه منه في عناء, لأن الإيمان يقيد الفتك, والنفس تطلب من الناس الحظ, وتتقاعد عن الحق لما معها من العرامة بالطبع. والأوائل قالوا: أتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم.

стр. 567

وأنا أقول: أتروض عرسك في حداثتها ... ومن العناء رياضة العرم وأدل عليه بأن العرامة تشرد مع قوة. والقوي تشتد مقاواته ومعه عدم خبرة. والهرم إن صعبت رياضته فغايته لاستمرار العادة. ولكن يقابل ذلك ضعف قوته, وسلالة استجابته, لضعفه عن المقاواة, وقوة خبرته وتجربته المعينة له على القبول والاستجابة للحق. ٥١٣ - في قوله تعالى: (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) مما يعطي قبول شفاعته في عصاة أمته؛ لأن رد السؤال خزي عند العرب. ٥١٤ - قال الشيخ أبو الحسين في مسألة عود الاستثناء إلى ما تقدمه من الجمل, أو الجملة الأخيرة: لا يجوز أن يطلق الجواب فيها بأنه يعود إلى الجملة الأخيرة؛ بل يحتاج المجيب إلى تفصيل. وهو إن كانت الجملة الأخيرة غير مفصولة عن الجمل التي قبلها رجع الاستثناء إليها. مثل قوله: (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون). فأما إذا قال "أكرم بني تميم, وزود بني هاشم, وأصحاب أبي حنيفة فقهاء إلا الأعاجم, "إلا الطوال," فإنه هاهنا لا يعود الاستثناء إلا إلى الجملة الأخيرة, لأنها انقطعت عن الجملتين

стр. 568

الأولتين بكونهما خبرا مبتدأ. وهذا ليس جيدًا لمذهبنا في رجوعه إلى الخبر الآخر, وهو الفسق؛ وإنما هو جيد لأصحاب أبي حنيفة. ٥١٥ - وقال بعض أهل الأدب في قولنا "لو لم" و "لولا": إن "لولا" لامتناع الشيء لوجود غيره؛ مثل قولنا" لولا فلان لضربتك." وما أحتاج إلى هذا المثال مع قوله تعالى: (ولولا رهطك لرجمناك). فكان وجود الرهط هو الذي امتنع معه الرجم. قال: و" لو لم" امتناع الشيء لعدم غيره؛ تقول "لو لم تقم, لم أقم." قال حنبلي: ولا أرى بينهما فرق. لأن قيامه هو الموجود الذي جعل نفي قيامه لأجل نفيه؛ وذلك وجود في الحقيقة. ٥١٦ - حكى أن بعض الوزراء ظلم رجلا. فقال له الرجل: اتق] الله [وكف عني, وإلا دعوت الله تعالى عليك. فقال له الوزير: ادع بما شئت. فما مضت أيام حتى قبض على الوزير, وعذب. فكتب إليه الرجل بهذين البيتين: سهام الليل لا تهدأ ولكن ... لها أمد وللأمد انتهاء أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... تأمل فيك ما فعل الدعاء

стр. 569

٥١٧ - أنشد القاضي أبو يوسف عبد السلام بن محمد بن يوسف المعتزلي القزويني قال أنشدني أبو نصر بن أبي عمران بمعنى لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني: إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات النفس في زمن العسر فسل نفسك الإقراض من كنز صبرها ... عليك وإنظارا إلى زمن اليسر فإن فعلت كنت الغني وإن أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر ٥١٨ - قال رسول الله ﷺ : من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. ٥١٩ - وقال ابن مسعود: من أراد علم الأوليين والآخرين فليثور القرآن. ٥٢٠ - قال بعض الحكماء: مضى سلف لنا, أهل تواصل, اعتقدوا مننا, واتخذوا أيادي كثيرة ذخيرة لمن بعدهم, كان اصطناع المعروف عليهم فرض, وإظهار البر عليهم حق واجب. ثم جاء الزمان عن يسر اتخذوا مننهم صناعة, وأياديهم تجارة, وبرهم مرابحة, واصطناع المعروف بينهم معاوضة؛ كنقد السوق, "خذ مني وهات."

стр. 570

٥٢١ - قال: سئل جالينوس عن حد الطب, فقال: حفظ صحة موجودة, ورد صحة مفقودة. وتستعمل في الشتاء الأشياء الحارة بالفعل, وإن كان طبعها باردًا؛ وفي الصيف تستعمل الأشياء الباردة بالفعل, وإن كان طبعها حارًا. ٥٢٢ - وقال أيضا: يعرف تزايد المرض من نقصانه من السخنة, والخلط من الماء, والقوة من النبض. ٥٢٣ - قال رجل لحكيم: كم آكل؟ قال: دون الشبع. قال: كم أضحك؟ قال: ما يبسط وجهك فيخرج به دون العبوس. قال: فكم أبكي؟ قال: ما وجدت دموعًا وقدرت على البكاء. قال حنبلي: وقد كان ينبغي أن يسأله "كم أنام؟ " وحيث لم يسأله فنقدر سؤاله, فيكون جوابه بقياس ما سلكه من الجواب في الثلاث أن يقول: ما لم يغلب فيه النعاس. ٥٢٤ - العرب تقول في الذي مات أبوه من بني آدم وبقيت أمه "يتيم." وتقول للذي ماتت أمه وبقي أبوه "هو لطيم." فإن مات أبواه, فهو

стр. 571

"عجي." والإخوة لأب واحد وأم واحدة فهم "أعيان." وإن كانوا لأب واحد وأمهات شتى فهم "أولاد علات." واليتيم من البهائم ما ماتت أمًه؛ فاليتيم في حق البهائم من قبل الأم. قال حنبلي: ولعل علة ذلك أن الأم هي التي ترب ولدها؛ ومن يربه الأب في حق البهائم. ٥٢٥ - فصل قال حنبلي: ما بلغ من محل عبد مع سيده منكم أن يكشف له عن أسرار أفعاله فيه. بل غاية محل العبد فيكم ولكم أن يحترم أمره ونهيه جزمًا: "لا تأكل من الأطعمة هذا! " و" لا تغرف لنفسك من هذه القدر! " و" كل من هذه! " "اشرب هذا القدح وإن كان مرًا! " "لا تمض في هذا الطريق, وامض في الآخر! " "مد يدك اليوم إلى الطبيب وانفصد! " "لا تأكل اليوم طعاما! " "لا تبرح اليوم من الدار! " "استيقظ وقت طلوع الفجر! " ــ لشغل يذكره له. ولا في أدب العبودية تقتضي الملكة أن ينطق العبد في ذلك ب "لم" ولا "كيف". هذا حكمكم مع عبيدٍ ما خلقتموهم, ولا لكم فيهم سوى حبس الرق. ولا يثبت لك عند العبيد والإماء من الحكمة مع الملكة ما يوجب

стр. 572

حسن التأويل لتصاريفك فيه. أنت مخرج من العدم, مبني ببنائه سافًا سافًا, قد أحكم صناعته فيك إحكاما يشهد له عندك بالحكمة البالغة. لم تقنع بما وضعه فيك من الفطنة بحكمته بشواهد صنعته حتى كاتبك وراسلك. وأخذ بحكم كلامه لك مخرج الاعتذار كاعتذار النظير, يقول لك فيما خفي عليك ألا يعتريك نفور أو اعتراض باطن: (ولكم في القصاص حياة) , (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) , (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) , إن تقسيم الغنائم على خمسة أصناف, (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) فبين لك وجوه منعه وإعطائه وإيقاع العقوبة. ومن الذي أوجب عليه هذا؟ وأنت مع عبيدك لا خالق, ولا بان, ولا منشئ لهم. ليس لك فيهم إلا حق الحبس الذي هو جعله لك. وأنت لا ترى العبد أهلا أن تقول له: "إنما تقدمت بقصدك وحجامتك, وحميتك من الطعام الفلاني لمصلحتك." ولو نطقت بذلك لأزري عليك أمثالك من سادة العبيد, فقالوا: "فلان يعتذر إلى عبده؛ هذا إطماع له, وإفساد لحكم السيادة مع العبودية. وما للعبد وما إليه حتى يقول له سيده "إنما فعلت كذا لكذا"؟ " ولو كاتبه أو أرسل إليه رسولا, لقيل: "هذا غاية الاستفساد؛ هذا مما يسمح به العبد ويعدو طوره." وأنت متى أخفي عنك علة فعلٍ فعله فيك, أو أمرٍ أمرك به, تشردت وتوانيت عن فعله. وكذاك فيما

стр. 573

نهاك تطلبًا لعلة ذاك, فتعديت طورك. ترى ما سمعت قوله: (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء). ما ينبهك هذا على الانتهار والاستنكار لما أبداه حتى يوجب عليك إما التأويل له فيما أخفاه, وحمل ما سكت عن الاعتلال فيه لما أبداه, أو الاستسلام لما ثبت له من الملكة والحكمة, وبيان علل الإشفاق عليك فيما علله لك. أنا أقول قولا لم يمتد إليه نظر غيري. وهو أنكم تلعنون من أشرك به بضم إله آخر إليه وتكفرون ذلك القائل. وأفعالكم وأقوالكم تعطي أنكم أثبتم نفوسكم إثبات الشركة له؛ إذ ليس انتقادكم على أفعاله وأقواله انتقاد النظر فقط, بل ربما كان ذلك انتقاد من فاقت حكمته, وعلت رتبته, وعبد يرى نفسه نظير سيده. آبق أعلى الأباقين؛ لأن الهارب أسقط حق سيده من الخدمة, والمقيم المعترض زاحم سيده في أحكام الملكة. فهذا يعده الملوك أكبر خارجي, إذا كان مالكه سلطانا؛ لأنك تقول ملء فمك: "لم فعل كذا؟ لم فعل كذا؟ " "ولم حكم بكذا؟ " ويلك! والويل لك! أنت تزعق على التلاع والأشراف "أشهد أن لا إله إلا الله," وفي الحقيقة تقول "أنا معترض على الله, مدبر لملك الله, معترض على فعل الله, متتبع لما حكم الله. أين التوحيد منك؟ والله إن من أشرك به سواه, لأنواع شك أو شبهة, أحسن حالا منك. فإنك لا تجد في نفسك شيئا يوجب لك أن تكون خارجا من العبودية مع معرفتك بنفسك, وكيف

стр. 574

ابتداك, ومن أي شيء ابتداك, وكيف بناك ورباك. فما من حدك وقدرك أن تكون عليه مشيرا, أو تكون معه مدبرا. ٥٢٦ - فصل على من جحد القدر قال رجل من أهل العلم: الباري أخبر عنهم بأنهم بلغوا من العناد الغاية التي لا رجاء لراج معها استجابة. فقال : (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون) , (لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحرون). ومع ذلك الكشف لما أدركه من أحوالهم وعاقبة أمرهم بعلمه الذي لا يتغير ولا يختلجه شك, ولا يتطرق عليه ريب, أمره بالبلاغ, وحثه على الإنذار لهم, واللطف بهم, والعفو عنهم, وكذلك أمر موسى باللين في القول لفرعون مع العلم بعاقبة أمره. فما أبطنوا التكليف على العلم؛ ولا حسن بمقتضى تحسين العقل. فإن خطاب من قطع الشاهد بعدم استجابته للمخاطب يجعل الخطاب لغوًا, والبلاغ عبثًا وإتعابًا, ليس فيه ولا وراءه فائدة. ويجعل المخاطب بذلك كالمترجي لخلاف ما وقع له. وليس العلم من هذا القبيل. بل العلم هو الكاشف عن المعلوم. المدرك له على ما هو به. والعلم كشف عن عدم الاستجابة. والخطاب استدعاء ظاهرة الترجي للاستجابة. فعلم أنه قد حسن من الله تعالى, في باب التكليف. ما لا يحسن في الشاهد. ٥٢٧ - قال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: عالم, فتعلم منه, وجاهل

стр. 575

متعالم, فعلمه, تؤجر فيه؛ ومن نقل علمه, فذاكره, ينفعه وتنتفع به؛ وجاهل يريك أنه عالم, فلا تناظره. ٥٢٨ - جرى بدار النقابة ــ أعزها الله مسألة التغريب في حق البكر ومسألة الوصية بولاية النكاح ومسألة شريك الأب أما الأولى, فاستدل فيها شافعي بالحديث: خذوا عني! خذوا عني! ــ إلى قوله: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. وهذا بيان ونسخ للجنس إلى الجلد والتغريب. اعترض عليه شافعي, لمذهب الحنفي, فقال: هذا زيادة في النص. وهي عند أبي حنيفة نسخ. فلا يثبت نسخ القرآن المقطوع به بخبر واحد مظنون. أجاب المستدل بأن قال: أين النص في الحكم؟ إنما النص على العدد. وذاك بحالة بعد الخبر كما كان قبله, ما رفع منه شيء. وإنما الزيادة على الجلد لا تثبت مع ورود عدد الجلد, بقاء على حكم الأصل. وإلا فالنص أن يقول "مائة لا زيادة عليها." فيكون ورود الزيادة بعد

стр. 576

نفيها رفعًا. فأما هذا, فإنه رفع لما اقتضاه ظاهر اللفظ, واستند إلى الأصل؛ كسائر ما جاء من الزيادات في التعبدات التي كان الأصل سقوطها. فإذا وردت, زال بها حكم الأصل سقوطها. فإذا وردت, زال بها حكم الأصل من براءة الذمم. على أن مثل هذا قد سلكه أبو حنيفة, ولم يعده نسخا, في عدة مواضع؛ مثل إطلاق القرآن لذوي القربى في باب استحقاق الخمس من الغنائم. وضم إليه أبو حنيفة الفقير بغير نص؛ ولم يكن نسخا للنص بغير نص. وضم التراب إلى النبيذ بدلا, والنص ورد في الماء والتراب. وقوله تعالى: (قل لا أجد في ما أحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلى أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير). وضم إليه كل ذي ناب من السباع. وذي مخلب من الطير, بخير الواحد ولم يكن نسخا. قال المعترض: أما الفقير في حق ذوي القربى, ما اعتبرناه إلا بنص. وهو قوله: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم). قال: ولا هذا نص في إشراط الفقر, بل ذكر تقسمه بين الجماعة, كيلا تنفرد به جهة واحدة. يوضح هذا أنه قد ذكر اليتامى والمساكين؛ فلو اعتبر الفقير في ذوي القربى, لكان إعادة لذكر المساكين, لأنهم قد دخلوا فيهم. ٥٢٩ - وأما المسألة الثانية, فاستدل فيها حنبلي محقق بأن الأب الغاية في الإشفاق؛ واختياره للوصي غاية. فإنه لم يعدل عن الأقارب إلا لخبر

стр. 577

وخبرة عرفها في الوصي وعدمها في الأقارب. واختباره بعد موته باقٍ حكمًا. اعترض عليه شافعي فقال: الأصل أن لا ولاية لأحد على أحد؛ بل كل يلي أمر نفسه ومصالحها. والأقارب ينتقل إليهم حكمًا. فلا يملك الأب أن يزيحهم عن حق لهم يصير إليهم حكما بعد مماته؛ بخلاف وكيله حال الحياة. ألا ترى أنه يملك حال الحياة صرفهم عن استحقاق بماله بالتبرع به جميعه؟ ولو وصى ذلك, لم يملك لما كان يصير إليهم بعد موته حكما؛ وبعد الموت, لا نظر له. أجاب المستدل بأن قال: أن الأصل عدم ولاية الغير على الغير. إنما أصل هو السابق لابتداء خلقهم؛ وهو خلقهم مربوبين, مدبرين, مرتبين بالآباء والأمهات , إلى حين استقلالهم بخدمة نفوسهم. ثم جعل الغير ناظرًا في أموالهم إلى حين بلوغهم. ثم اعتبر من البلوغ رشدهم ومالهم في يد الغير يدبرهم فيه كتدبير الناطق للبهيم. فأي أصل سبق هذا حتى يقال "الأصل عدم ولاية؟ " كأنك تقول "الأصل الاستقلال," وبين كل واحد وبين الاستقلال أودية وعقاب وجبال. ثم إنه لم يترك العالم ونفوسهم حتى جعل عليهم خليفة, وعظم شأنه بأن لا شركة معه؛ وجعله فوق النبوة والرسالة؛ لأن الرسول مبلغ, والإمام مدبر؛ لعلمه بأنه لا يستقيم أمر الكل بتفويض الأمر إلى آحادهم بأنفسهم. فما زالوا في حجر

стр. 578

الخلافة؛ ولو لم يوص الإمام, كان العاقل أهلا للاجتهاد؛ حتى لو كانوا عددا محصورًا, لكان ذلك العدد معصومًا. والإمام في نفسه غير معصوم. وجعل مقدمًا بتولية عهده إلى من يرى, رافضًا لتولية الاجتماع المعصوم. ولأن قولك: كان ينتقل حكمًا" يعني ما لم يوص الأب غير الأقارب؛ فأما مع وصية الأب, فلا انتقال حكمي. على أن هذا باطل بالوصية في المال. وصي الأب مقدم. والوصية بثلث المال, لو أمسسك, لانتقل إلى الورثة. ووصيته منعت النقل الحكمي. وأما إلزامك في الوصية بجميع المال, فإنما لم يصح لأن الشرع قدر له الثلث؛ ولأن الوصية بجميع المال يعدم فيها الورثة جميع النفع؛ إذ لا عوض لهم عن المال, ولابد لهم من النفع به. فأما الولاية في النكاح, فالقصد منها حفظ البيت عن إدخال المعيرة عليه بعدم الكفوء. وذلك لا يعدم مع وجود وصي الأب. ٥٣٠ - وأما شريك الأب, فاستدل فيها شافعي بأن نفس هذا المقتول زهقت بعمد مضمون؛ فأوجبت القود على المكافئ. فاعترض عليه معترض بالمنع؛ وأنه ليس بعمد محض, مع كون الفعل قد شارك فيه من لا يجب عليه القتل. قال المستدل: للعمد حد؛ وهو القصد, وكون الآلة صالحة, أو موضوعة للقتل. وفعل الأب كذلك. وقولك "شاركه من لا يجب عليه" لا أسلم؛ بل الفعل موجب لكن نبا عن المحل لشرف الأبوة. ومثل

стр. 579

هذا غير ممتنع. كما أن الأب مملكة الابن بالابتياع, ثم ينبو عن دوام الملك والرق, فيعتق صيانة للأبوة عن ذل الاسترقاق. كذلك هاهنا. الوجوب حاصل؛ ولكن نبأ عن الاستيفاء لمعنى يرجع إلى المحل. وكما إذا ورث القود عن زوجته بقتل خال ولده, فذلك استحقاق ينفصل عن الاستيفاء لنبو المحل عن الاستيفاء منه. ٥٣١ - وجرى بحلقة شرف القضاة الموفق أبي العباس جمال الإسلام بن الرطبي بجامع القصر الشريف ــ عمره الله بدوام ظل الإسلام وبقاء الإمام المستظهر بالله مسألة القتل بالمثقل ومسألة من قطع يدي عبد هل يصير ملكا للقاطع بغرامة قيمته ومسألة الإيمان هل هو شرط في وجوب الرجم بحصول الإحصان فأما الأولى, فاستدلل فيها حنبلي بأنه قصد القتل بآلة يقتل مثلها. فأوجب ذلك قودا على القاتل المكافئ؛ كالقاتل بحديدة. اعترض عليه من نصر أبا حنيفة, فقال: لم يتحقق القتل. لأنه لو تحقق القتل, لكان أثره دالا عليه. والأثر هو الذي لا يتردد. وهذا لا أثر فيه يدل على أن المباشر له بالضرب قاتل؛ لأنه في صورة الحي بسلامة نيته, كالميت حتف أنفه, لعدم هدم البنية.

стр. 580

قال حنبلي محقق, معاونة للمستدل: أما هدم البنية فليس يختص الظاهر. لأن أجل وأشرف البنيتين بنية الباطن؛ وهي الأعضاء الشريفة والعروق المجوفة إذا انفدغت بهدم جدار عليه, أو متابعة الرجم بالحجارة له. وبنية لها ظاهر وباطن, وباطنها هو الأساس للظاهر, لا يقال إن الهدم للظاهر يكون قتلا وهدم الباطن لا يكون قتلا. ٥٣٢ - وأما المسألة الثانية, فاستدلل فيها شافعي فقال: إتلاف لو وجد من جهة المالك, لم يزل ملكه عنه؛ فإذا وجد من جهة الأجنبي, لم يزل ملك المالك عنه؛ كقطع إحدى يديه. طولب بصحة العلة, فقال: إنما كان كذلك, لأن أصل المالية لمالك العبد؛ وما وجد إلا إتلاف بعض ملكه. فهو أحق ببقية ملكه؛ كالأصل. وعكسه القتل؛ فإنه لم يبق فيه مالية. قالوا له: إلا أنه قد استحق جميع بدل ملكه؛ فلا وجهه لاجتماع البدل والمبدل. قال المستبدل: ذاك بدل عن ذلك البعض, بحكم الشرع فيه بمساواته لبدل الكل؛ كما يحكم بإيجاب دية النفس في قطع يدي الحر. يوضح هذا أنه لو كان يمتنع بقاء ملكه لأجل أخذه لقيمة ضاهي دية الكل, لكان لا يبقى له بعد قطع يده وأخذ نصف قيمته إلا ملكة النصف,

стр. 581

لئلا تجتمع له ملكة الكل وقد أخذ نصف القيمة. قالوا له: ليس هذا من دية الحر بشيء. وذاكر أن الحر, إذا قطعت بعض أطرافه, ونقصت بذلك القطع جملته, ثم قطع قاطع عضوا يوجب الدية, وجبت الدية كاملة؛ أو عضوًا يوجب نصف ديته, وجبت نصف ديته الكاملة. وهاهنا كل ما أخذت قيمته بقطع بعض الأعضاء, ثم قطعت أعضاء أخذت قيمته أو نصفها ناقصة, لا نصف قيمته السليمة. فعلم بعد الضمان في مسألتنا بضمان الديات في حق الحر. قال المستدل: هذا كله لا يمنع من كون ما بقي أن يكون مالكه أحق به. قال حنبلي: مذهبنا أجرى في القياس. وهو أن العبد يضمن ما نقص من قيمته, ويستريح من هذا كله. فلا يلزمنا المكاسرة أو المناقصة بضمان أعضاء الحر. ٥٣٣ - وأما مسألة الإيمان هل يعتبر في إحصان الرجم, استدل فيها حنبلي محقق بما روي عن النبي ﷺ أنه رجم يهوديين زنيا بعد إحصانهما؛ وروي: بعد ما أحصنا. فاعترض السائل: هذه قضية في عين, وحكاية فعل؛ ووجوه الاحتمال فيها كثيرة. والمروي من النطق لا يتردد, وهو قوله: من أشرك بالله فليس

стр. 582

بمحصن. والمعنى يشهد لخبرنا. وهو أن الإحصان فضل وكمال, ولهذا لا يثبت مع الرق, ولا يثبت مع الكفر إحصان يوجب الحد بالقذف؛ بل لا يحد قاذف كافر قط. وإذا كان بهذه الصفة من النقص, كيف يجوز أن تثبت له رتبة الإحصان الموجب للرجم؛ والرق الذي هو أثر الكفر, لا يثبت معه إحصان؛ فكيف يثبت مع غير الكفر إحصان؟ فأجاب المستدل بأن قال: أما الحرية, فكافية في الإحصان. والحرية إذا وزنت بفضيلة الإيمان, رجحت بأمور أذكرها في الحد الذي نحن فيه, وفي غيره من الأحكام. فأما في الحد الذي كلامنا فيه, فإن الحر الكافر كمل جلدة مائة؛ والعبد المسلم الزاهد العدل, فحده نصف حد الكافر الحر. وكذلك في عين حد الأمة المسلمة, في باب النكاح, لا يتزوجها الحر المسلم إلا بشرط أن تكون تحته حرة؛ حتى لو كانت حرة كتابية, لم يجز أن يدخل على فراشها فراش أمة مسلمة صالحة. قال أبو حنيفة كيلا يدخل الفراش الناقص ــ يعني فراش المسلمة الأمة - على الفراش الكامل-يعني فراش الكافرة الحرة. وإذا كان قادرا على نكاح حرة كافرة كتابية, لم يجز له أن يعقد على أمة مسلمة, عند الشافعي وأحمد. ولو اجتمع تحته حرة كتابية وأمة مسلمة صالحة, جعل الشرع في القسم للحرة الكتابية مع كفرها ليلتين, وللأمة المسلمة الصالحة ليلة. فهذا بيان أن الحرية فضيلة كافية لفضل الإحصان مع عدم الإيمان.

стр. 583

ثم جاء شرف القضاة, فذنب على السائل, فقال: خبرك قضية فعل, وخبر المخالف قول. وهو قوله: من أشرك بالله فليس بمحصن. والفعل يقف على فاعله؛ والقول لم تعد. فمنه العموم؛ ومنه أنه يدخل الجماعة في كلمة منه, كالخطاب للجماعة, والعتق, والطلاق. والفعل يختص بمحل واحد, فلا يتعداه. فهذا في تفصيل القول على الفعل. ثم قضية الفعل محتملة بين أن يكون قصد بها بيان كذبهم على التوراة؛ ومنها أن يكون الإتيان سبق إسلامهما. فقال الراوي "يهوديين" استتباعا للدين السابق. كقولهم "يتيم أبي طالب" كان يتيما, إلا أن العبد قد قام الذي كان عبدا. والقول الذي في خيري لا يحتمل, وهو أن الشرك لا يتأتى معه إحصان. أجاب الحنبلي المستدل بأن الرجم كان وقوعه لأجل الزنا. ولهذا قال الراوي "بعد إحصانهما," ولو كان تعريفا, لما كان لذكره أثر. كما لو كانا طويلين وأسمرين. فلما زنيا بعدما أحصنا, كان الظاهر أنه ذكر شرط الرجم؛ وكان بيان كذبهما تبعا لإقامة الحد. وأما القول بأن القضية فعل النبي, وخبرنا قول النبي , فالفعل دون القول من وجوه. أحدهما أن القول يدخله العموم, ويتعدى قائله؛ والفعل لا عموم له, ولا يتعدى فاعله. وتردده على الوجه الذي ذكرته. فأول ما أقوله أني لا أقنع بأن أقول الفعل كالقول؛ بل أقول الفعل آكد من

стр. 584

القول من وجوه. أحدهما أن النبي ﷺ بين بفعله أقواله, وقد بعث مبينا. فمحال أن يبين بأدنى البيانين, أو يجعل الأضعف بيانا للأقوى. إنه لما بين عدد الصلوات, فسأله الأعرابي, فقال: "صل معنا." وقال لزوجته لما سئلت عن القبلة للصائم: "هلا أعلمتهم أني أقبل وأنا صائم؟ " وقال, لما سألته المرأة عن غسل الحيض: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء. "ولما تكلموا في التحرج من استقبال القبلة في البنيان: " أو قد فعلوها؛ حولوا مقعدتي إلى القبلة. "لما عصي في قوله "انحروا هديكم في عمرة القضاء," قالت له أم سلمة "اخرج, وانحر." فنحر؛ فنحروا. على أن قوة الفعل على القول ظاهرة. من ذلك أن القول يدخله التقدير والتقديم والتأخير والمجاز والاستعارة. ويقال للحي "ميت," وللعصير "خمر" لما يوؤل إليه؛ وللبالغ "يتيم," وللمعتق "عبد," وللمطلقة "زوجة" لما كانت عليه. ولا يكون فعلا الذبح, ووقوع الميت, وجميع الأفعال الواقعة, فيقال, هذا قتل مستعار" ويؤكد القول ويخرج عن تردده واحتماله بالأفعال وجلائل الأحوال. فلو سمع من وراء حجاب رجلاً يقول "زيد عالم فاضل, وعمرو عفيف ابن عفيفة," لقال "سمعت رجلا يمدح فلانا." ولو كشف الحجاب فرأى من وجهه

стр. 585

والإشارة برأسه مع قوله, لقبل قذفه, أو عرض بقذفه وهزائه بقوله "فاضل." وأبدًا دلائل الأفعال صالحة لإزالة إشكال الأقوال؛ ولا تصلح الأقوال كاشفًة لتردد من الأفعال. وأما قولك "لا يعم, ولا يتعدى" فكيف لا والقول لا يبقى بعد قائله, بل ينعدم عقيب وجوده, والسهم الصادر عن اعتماده يقطع الفضاء مارا إلى المرمى بقتله بعد موت الرامي؟ قال: وأما قولك: لعلهما أسلما واستتبع تسمية اليهود, أي "كانا," لا يصح؛ لأنهما لو كانا, احتاج إلى موافقتهم بالتوراة مع تصديقهما له بالإسلام؛ وأي حكم للتوراة عليهما بعد الإسلام؟ ٥٣٤ - قال أبو نواس في ليلة مات فيها ولد للمأمون ورزق ولدا فيها: تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان إذ هو كائن حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت ولا الموت غابن ٥٣٥ - قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أبالي على أي حال أصحبت: على ما أحب, أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب وفيما أكره.

стр. 586

٥٣٦ - شعر إذا شعبي لاحت ذراها كأنها ... فوالج بخت أو مجللة دهم تذكرت عيشا قد مضى ليس راجعا ... علينا وأياما تذكرها سقم ٥٣٧ - قال حنبلي في نظره لمن قبح ذبح الحيوان على الشرائع: لا خلاف بين العقلاء أن الأمانة للحيوان تجمع بين إيلام] الذبح وإيلام [النزع, ولعله أشد من الذبح. وقد أمر الله الملائكة بنزع أرواحنا. ونحن أكرم البهيم منزلة, ولنا حق العبادة وحمل أعباء التكليف. فاحسبوا أن الله جعلنا لقبض أرواح البهائم, أو إزهاقها, كملائكة قبضت الأرواح منا, ونكون نحن كهم في إزهاق أرواح البهائم. ٥٣٨ - جرى في إيجاب الزكاة في المعلوفة قال حنبلي ينصر مذهب مالك: معلوم أن المعلوفة ينتفع بدرها ونسلها وظهرها إن كانت إبلا وبقرا. وعلفها الغالي يغطي عليه توفر لبنها وشحمها وزيادة سعرها وقيمتها. فلا يبقى من تميز السائمة إلا الرفق بالرعي من المباح. ووجدنا أن السخال بإجماعكم تجب فيها الزكاة.

стр. 587

فأبو حنيفة بوجبها وصلاً, وأحمد والشافعي يوجبانها أصلا؛ وهي عديمة النفع رأسًا: فلا ظهر, ولا دًر, ولا نسل, وعلفها اللبن الذي هو مأكول ومشروب الآدميين. فإذا أوجبتم الزكاة فيها, فأولى أن تجب عندكم في المعلوفة. وسألنا الشيخ الإمام - كرم الله وجهه - فقال: لست أعرف عن الشافعي في مرتضعات الألبان, هل تجب فيها الزكاة, أم تقف على السخال التي تقيم مع أمهاتها وتتبعها في الرعي. قال له حنبلي: فقوله "وعد عليهم بالسخلة, يروح بها الراعي على يديه". فقال: لعله قال ذلك مثلاً مثل, أو عقالاً؛ والعقال لا تجب فيه الزكاة. ٥٣٩ - أنشد أبو القاسم علي بن الحسن بن جلباب قال أنشدني بعض بني عبد الكريم الطالبي لأبي الطيب المتنبي إلى أبي يعقوب وقد حبسه لهجوه له بالقصيدة الميمية بحبس مصر يقال له بربخ: أنشد أبو القاسم علي بن الحسن بن جلباب قال أنشدني بعض بني عبد الكريم الطالبي لأبي الطيب المتنبي إلى أبي يعقوب وقد حبسه لهجوه له بالقصيدة الميمية بحبس مصر يقال له بربخ: ] بيدي [أيها الأمير الأديب ... لا لشيء إلا لأني غريب أو لأم لها ذا ذكرتني ... دم قلب بدمع عين مشوب

стр. 588

عائب عابني لديك ومنه ... خلقت في ذوي العيوب عيوب إن أكن قبل أن لقيتك أخطأ ... ت فإني على يديك أتوب فأطلقه. ٥٤٠ - كان الحسن يقول: يصبح بني آدم بين نعمة زائلة, وبلية نازلة, ومنية قاتلة. ٥٤١ - صفة دار حسنة: وطن تبيت المكارم فيه بين ماء جار وعود وريق. ٥٤٢ - لبشار: وأملاك صدق ألبستني طرازهم ... قصائد ما لي غيرهن شفيع يردن امرءا قد شذب الحمد ماله ... أغر طويل الباع حين يبوع وما ضاع مال أورث الحمد أهله ... ولكن أموال البخيل تضيع

стр. 589

إذا اختزن المال البخيل فإنما ... خزائنهم خطية ودروع وبيض لها مسك لمس أكفهم ... على أنها ريح الدماء تضوع يقال ((ضاع يضوع.)) وقال ابن السكيت: يقال ((يضيع)) أيضًا. ٥٤٣ - قال حنبلي: أسرع الناس تجنيسًا بالرجال المشبهة الذين توهموا وتمكن في نفوسهم أن ربهم على صورة آدمي، فلا ينكرونه بالصورة. ثم تظهر على يديه أفعال إلهية من إحياء ميت، وإنشاء سحاب في أثر جدب، وإلى أمثال ذلك من الفتن؛ فلا يبقى ما ينكرونه. قال واحد منهم يكتم ما في نفسه، فزعًا من الصفع: فهو أعور. قال النبي ﷺ : وإن ربكم ليس بأعور. قال له الحنبلي، يدلب على أن الشيخ، لو وجد الدجال صحيح العينين، دان له وعبده، لتكامل سلامة الصورة: لقد خرج ما في نفسك من أنك لا تمتنع من عبادته إلا لعورة. والباري نفى الإلهية في المسيح

стр. 590

وأمه بقوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾. وإن هذا الذي اعتذرت به يوجب عليك عبادة عيسى؛ لأنه أحيا ميتًا وليس بأعور. ٥٤٤ - عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: بلغنا أن قس بن ساعدة جمع ولده فقال: إن المعاء تكفيه البقلة وترويه المذقة. ومن عيرك شيئًا، ففيه مثا. ومن ظلمك وجد من يظلمه. ومتى عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك. وإذا نهيت عن شئ فابد بنفسك. ولا تجمع ما لا تأكل، ولا تأكل ما لا تحتاج. وإذا اذخرت فلا يكن ذخرك وكنزك إلا فعلك. ولا تشاورن مشغولًا ولا جائعًا ولا مذعورًا وإن كان فهمًا. ولا تجعلن في عنقك طوقًا لا يمكنك نزعه إلا بشق نفسك. وإذا خاصمت فاعدل. وإذا قلت فاقتصد. ولا تستودعن ذنبك- أو قال: سرك- أحدًا وإن قربت قرابته؛ فإنك إذا فعلت ذلك، لم تزل وجلًا؛ وكان المستودع بالخيار في الوفاء والغدر؛ وكنت له عبدًا ما بقيت؛ وإن جنى عليك، كنت أولى بذلك؛ وإن كان هو المسئ، كان الممدوح دونك. ٥٤٥ - ((لمعن بن أوس المزني في مدح البنات: [الطويل] رأيت رجالًا يكرهون بناتهم ... وفيهن لا كذب نساء صوالح

стр. 591

وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح ٥٤٦ - روي عن النبي ﷺ أنه قال: ثلاث ضمنهن الله أن لا يفعل. قال - جل وعلا-: إن ﴿الله لا يهدي كيد الخائنين﴾، ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ و ﴿لا يصلح عمل المفسدين﴾. ٥٤٧ - سئل الحسن وعنده أعرابي: لم خص الناس الأيام البيض بالصوم؟ فقال الأعرابي: لأن الكسوف لا يكون إلا فيها؛ والله يحب أن لا تكون في السماء آية إلا كانت في الأرض عبادة. ٥٤٨ - روي أن امرأة أتت عليًا - كرم الله وجهه- فقالت: إن اللصوص دخلوا علي البارحة، فأخذوا جميع مالي، حتى افتكوا خلخالي من رجلي وزوجي قاعد تزر عيناه. فقال: علي به. فلما أتي به، قال له: ألا وريت بك زنادي. لكن ابن صفية لو سيم مثل هذا أبي - يعني حمزة عم. قال الخادم: ومثل هذا تلغيه قلوب الشجعان. ولقد لطف به علي عم حيث قنع له بهذا الكلام.

стр. 592

٥٤٩ - كان أبو سفيان بن الحارث يأتي النبي ﷺ فيعتذر من هجائه له؛ فكان يعرض عنه. فشكا ذلك إلى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-. فقال له: خذ بيد ابنيك، واستقبله، وقل ((والله، يا رسول الله! ﴿لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ فإنه ليس أحد أحسن جوابًا من رسول الله. فلما فعل ذلك، قال له رسول الله: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. ٥٥٠ - أنشد الجاحظ: [المتقارب] وكان لنا أصدقاء مضوا ... تفانوا جميعًا فما خلدوا تساقوا جميعًا كؤوس المنون ... فمات الصديق ومات العدو ٥٥١ - روي أن الذي طعن معاوية في؟ ؟ أخذ فقيل له: من أنت؟ قال: أخ لكم من طينٍ لازب. فأمر بحبسه. فلما بلغه قتل علي، أمر بقتله. ويقال إنه بقي وأولد، فقتله بعض أصحاب معاوية. ٥٥٢ - قيل ((لعتاب بن الحصين: في أي عدة تحب أن تلقى عدوك فيها: رمح، أو سيف، أو قوس وسهام؟ قال: في أجل متأخر.

стр. 593

قال حنبلي له اطلاع: هذا من أحسن العدد المختارة. ٥٥٣ - في الحديث المسند: آفة الحديث الكذب. وآفة العلم النسيان. وآفة الحلم السفه. وآفة العبادة الفترة. وآفة الشجاعة البغي. وآفة السماحة المن. وآفة الجمال الخيلاء. وآفة الحسب الفخر. وآفة الطرف الصلف. وآفة الجود السرف. وآفة الدين الهوى. ٥٥٤ - لبعضهم: [الطويل] هلم إلى العتبى فقد بلغ المدى ... بنا وبك الهجر المبرح والعتب ولا تلزمنا دونك العتب إننا ... كلانا له في هجر صاحبه ذنب ٥٥٥ - يقال: أهلك الناس حب الفخر وفوت الفقر. ٥٥٦ - روى أبو عمران الجوني عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لنحن أعلم بلين الطعام من كثير من أكلته. ولكنا ندعه ليوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها. قال أبو عمران: والله ما كان يصيب من الطعام، هو وأهله، إلا قوتًا!

стр. 594

٥٥٧ - قال أهل اللغة: وهم - بفتح الهاء - إلى الشئ، أي ذهب إليه وهمه. ووهم - بكسرها، غلط؛ وأوهم، أسقط. ووهل يهل إذا غلط، ووهل - بكسر الهاء، إذا فزع. يقال: سمرت عينه وسملت إذا فقئت بحديدة أو شوكة. في الحديث الذي ورد في الغريبين: وسمل - وروي: وسمر - أعينهم. ٥٥٨ - قال الشيخ أبو الحسين البصري في وجوب الأخذ بخبر الواحد بأن العقل أوجب التحرز. فإذا جاء خبر واحد عدل بإيجاب سمعي، أو اجتناب، فأوجبنا واجتنبنا، كنا آخذين بما أوجبه العقل، وهو التوقي والتحرز. ٥٥٩ - قال حنبلي: إن سول لك مسول من شياطين الجن أو الإنس أن ((لا انتفاع بالعمل مع القدر، )) فقل له ((ولا توق مع الأجل.)) فإن قال: ((وكذاك هو، )) قل: ((فهل تستطرح للأعداء؟ وهل تطرح عند الأمراض العلاج والدواء؟ )) فإن قال: ((لا، فإن حبي لنفسي يحملني على مكابدة المؤذي ومدافعته ((عنها، )) فجواب المسألة منها: النفس محبوبة. والوعيد على ترك الواجبات وفعل المحظورات قد جاءت به النبوات. والتحرز

стр. 595

واجب في العقل. وحب النفس حركك في التداوي ودفع الصائل؛ فليحملك خوف فساد العاقبة على النفس على الاستجابة لما جاءت به النذر. ثم صاحب القدر أمرك بالتحرز. فيحسن أن تطرح التحرز ممن لا خبرة له بالقدر إلا من طريق السماع والخبر. فقال لك: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾؛ ﴿وأعدوا لهم﴾؛ ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾؛ الآيات. هاجر إلى المدينة، فإن قومك قد عزموا على قتلك. وهو المقاتل. ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل﴾. فإذا كان هذا قول صاحب القدر، تلقيت أنت قول الجهال بقولهم: ما ينفع التحرز والعمل؟ اعقل أمرك واعمل وتشاغل بما كتب إليك، ولا تشتغل بما كتب عليك. فما عطل خطاب التكليف وما جاءت به الرسل باطلًا بسهو الباطل العاطل. قال أمير المؤمنين علي عم لرجل آية في القرآن - قوله تعالى-: ﴿وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثيرٍ﴾. كأنه يقول: المصيبة عقوبة. وما عفا الله عنه في الدنيا، فهو أمجد وأجود وأكرم من أن يعود في شئ عفا عنه. قال حنبلي: فهذه أرجأ آية في كتاب الله. وقد ورد في الخبر: حتى الشوكة يشاكها، إذا انقطع شسع نعل أحدكم، فليسترجع، فإنها مصيبة. ومعلوم كثرة اللواذع والمصائب في المال والنفس والأهل والعرض؛ فإذا أخبر الله - تعالى- أنها مقابلات وعقوبات، وضمن على نفسه العفو عن كثير،

стр. 596

فما قصرت المصائب في الدنيا عن مقابلته سقط بالعفو الذي ضمنه - سبحانه-. فهذه الآية تهون مصائب الدنيا عند العقلاء. ٥٦٠ - فصل ما دخلت البدع على الأديان إلا من طريق سلكه عوام الأديان، فهلكوا. ((والواجب على من خبره أن يعدل عن سلوكه، ليسلم مما وقع فيه من اغتر به فسلكه. وذلك الطريق هو تعظيم الرجال وترك الأدلة، وهو التقليد. فأول من سلكه الشيطان؛ حيث نظر إلى نفسه بنوع من أنواع التعظيم لها، وترك النظر إلى الدلالة القاطعة. فالله - سبحانه- يقول: ﴿اسجدوا لآدم﴾. وقد سبق في علمه بنظره واستدلاله على أن هذا القائل هو الإله القديم الحكيم المبدئ لخلقه من أنواع شتى. وهو الأعلم بمقادير العباد التي ابتدع خلقه منها، النار والطين والهواء والنور والماء. ولو لم تسبق له المعرفة بأن الآمر له على هذه الصفة، وأنه الإله القديم الحكيم العالم بمقادير ما خلق، ومراتب ما خلق منه، لما رسخ بالمجادلة في فرع وما ثبت عنده أصله. فلو لم يثبت عنده الأصل لا مادة الخلق لقال أولًا: ((ومتى ثبت عندي أنك - أيها القائل (اسجدوا) - آمر، [فأنا] تحت طاعة أمرك.)) لأن الشكوك في الأصول تمنع الرد بالفروع. ومعلوم أن العلماء كلهم من أهل الأديان لا يشكون أن إبليس لم يشاهد الآمر له. ولا سبقت له مشاهدة. ولا له في ذات الله - سبحانه- علامة. فبطل أن يكون عرفه بالمشاهدة. وأكثر العلماء

стр. 597

من أهل السنة يقولون: ولا كلمه بذاته، لكن صدر الكلام له على حد كلامه لموسى. فإن الله نفى تكليمه للكفار، وهم دون إبليس، فقال: ﴿لا يكلمهم الله﴾. ثم عم، فقال: ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولًا فيوحي﴾؛ ﴿وكذلك أوحينا إليك﴾. فإذا أخبر بصيانة كلامه عن المكالمة به لخواص خلقه من بني آدم الذين شرفهم عليه، يكون متكلمًا لهم كفاحًا. فإذا ثبت هذا، علم أنه إنما سبق له العلم بأنه - سبحانه- هو الآمر له وللملائكة بالسجود استدلالًا ونظرًا سبق سماعه له بالسجود. فلذلك لم يتعرض لجحد ما سبق العلم به فيقول: حتى يثبت عندي أن الآمر لي الخالق الذي ابتدعني، فأجيب إلى ما أمرني. والذي يشهد لسبق ذلك قوله وهو في مقام الجدال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾. وهذا قسم عارفٍ بأن الآمر له هو صاحب الأمر الموصوف ((بالعزة المستحق المقسم به. الشاهد الثاني لمعرفته أنه خطف منه الأنظار. فلو لم يسبق له العلم بأنه الحكيم، لما سأل البقاء. لأن الإبقاء إلى من كان منه أصل الإيجاد. والإبقاء فرع على الإيجاد. فلما ثبت ذلك في حق إبليس، وجب عليه الائتمار للحق - سبحانه-. ترك هذا جميعه، وأخلد إلى تعظيم نفسه بمادة خلقه، فقال: ﴿خلقتني من نار﴾. وهذا أيضًا مما قدمناه من؟ ؟ معرفته في عقده أن الخطاب بالأمر من جهة من ثبت له الخلق. وهذه الرذيلة التي دخلت على المتبعين له من أهل التقليد، حيث قالوا للأنبياء:

стр. 598

﴿أهذا الذي بعث﴾؟ ﴿أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون﴾؟ وقال فرعون: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾، اعتمادًا على دناءة اللبسة وقصور الحال بقوله: ﴿فلولا أقي عليه أسورة من ذهب﴾. وقالوا في حق نبينا ﷺ : ﴿لولا أنزل عليه كنز﴾. وتارة يقولون: ﴿يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾. هذا كله عمي عن الحجة والبرهان، ونظر إلى الأشخاص. فهذا محنة التقليد. جئنا إلى ما نحن فيه. وجدنا السلف الصالح كلهم، الذين هم أرجح ممن ينتمي إليه أرباب المذاهب اليوم، الذين قال النبي ﷺ [عنهم] ((أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم؛ اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر)) - وجدناهم على أصل وفرع. فالأصل أنهم لم يسلكوا مسلك تقليد بعضهم لبعض. ولا أنكروا بأجمعهم مخالفة الأدنى للأعلى في مسائل الفقه والفرائض. فأبو بكر الصديق، الذي أجمعوا عليه، أقدم على خلافة من لم يبلغ رتبته، لأنه لم يذكر في العشرة، ولا ذكر في الخلافة يوم السقيفة، ولا ذكر في الشورى مع الستة. زيد بن ثابت ورث الإخوة مع الجد، وقد قضى أبو بكر بإسقاطهم بالجد، وجعله كالأب. فلم يجبر في ذلك من جهة الصديق، ولا أخذ في حق زيد تهجين ولا عتب. وكذلك مسألة العول؛ خالف فيها ابن عباس وهو بالخدمة وتأخير الرتبة عن اكابر الصحابة في العول. وبالغ، حتى قال: ((من شاء باهلني

стр. 599

باهلته. ((والذي أحصى رمل عالج عددًا، ما جعل الله في الفريضة نصفًا ونصفًا وثلثًا. ذهب المال بنصفيه، فأين موضع الثلث؟ )) فلا أنكر أحد عليه نفس الخلاف، ولا دعاه إلى تقليد الكبائر، ولا هجر، ولا بدع. واختلفوا على لفظة الحرام، على ستة أو سبعة مذاهب، وما أنكر أحد نفس الخلاف. وإنما فزعوا إلى الدلة. ولا أحد منهم نظر في مسائل الاجتهاد إلى السابقة، ولا الشجاعة، ولا البلاء في الاجتهاد، ولا الإيفاء في نصرة الإسلام، بخلاف نظرهم إلى ذلك في الخلافة. فأما مسائل الاجتهاد، فانقطعت ألسنة التفضيل، والتفتوا إلى نفس الدليل. هذه نبذة مثال في الفروع. جئنا إلى ما جرى في عصرهم من الأصول. خاضوا ولم يسأل عن المثبت والنافي؛ بل ساق الكل إلى الدليل. وهو أن الكلام فيها أهلك من كان قبلهم. اختلفوا بعده ﷺ في رؤيته لله - تعالى- ليلة الإسراء. فقالت عائشة ﵂: لقد وقف شعري مما قال ابن عباس؛ يقول إن محمدًا رأى ربه ليلة الإسراء؛ والله - تعالى- يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾. وابن عباس يقول إنه رأى ربه بعيني رأسه مرتين. ويتلو كما تليت ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ ﴿عند سدرة المنتهى﴾. واختلفوا في آيات من كتاب الله، رواها ابن مسعود على صيغة، وخالفوه فيها. ولم يوجب ذلك أن يقال: هذا الذي شهد له النبي ﷺ في القراءة خاصة، فقال: من أحب أن يسمع القرآن

стр. 600

غضًا كما أنزل، فليسمعه من ابن أم عبد. قال لهم: سمعت ((فامضوا إلى ذكر الله، )) وكذا أقرأني رسول الله. لم يقطعهم تعظيمه عن محاجته ومخالفته. واجتمع رأيهم على الدليل. وهو حسم مادة التغيير والتبديل. وخرقوا مصحفه نظرًا إلى الحجة، وهي إجماعهم ودليلهم. ولو عاشوا إلى ما تجدد من الاختلاف، لما عدلوا عن الفرع إلى الحجة، دون تقليد البعض للبعض، ولا الأدنى للأعلى. هذا حكم السلف الأول الذين نفتخر بهم، أحمد، والشافعي، ومن سبقهم من فقهاء التابعين. جئنا إلى أحمد ﵁ وأرضاه- وهو ((إمام السنة، لم يسلك في اعتقاده تعظيم الرجال، ولا تقليد الأكابر، ولم ينظر سوى الدليل. فيجب أن لا نخالفه، كما لم يخالف من قبله. وأنتم تدعونا إلى وفاقه تقليدًا له، ونظرًا إلى أنه الأقدم والأكبر. وهذا دعاء منكم لنا إلى ترك مذهبه وأنتم لا تعلمون. وذلك أنه خالف أبي بكر الصديق في مسألة الجد، فلم يجعله كالأب، ووافق زيدًا في ذلك. فلو كان قد نظر إلى رتبة التقدم والسبق، لكان اتباعه للصديق أولى من زيد. فلما لم يفعل ذلك اتباعًا للدليل دون التفضيل للأشخاص، وجب الآن النظر إلى الأدلة في عصرنا دون تعظيم المشايخ، اقتداًا بالسلف الصالح من آدم إلى الآن، على ما قدمنا من البرهان. ولو لزمنا هذا، للزم من قبلنا. فإذا قيل: أنت، أيها الحدث. تخالف مشايخك في توجيه هذا بعينه على ما ذكرنا من
следующие страницы →