← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فما قصرت المصائب في الدنيا عن مقابلته سقط بالعفو الذي ضمنه - سبحانه-. فهذه الآية تهون مصائب الدنيا عند العقلاء. ٥٦٠ - فصل ما دخلت البدع على الأديان إلا من طريق سلكه عوام الأديان، فهلكوا. ((والواجب على من خبره أن يعدل عن سلوكه، ليسلم مما وقع فيه من اغتر به فسلكه. وذلك الطريق هو تعظيم الرجال وترك الأدلة، وهو التقليد. فأول من سلكه الشيطان؛ حيث نظر إلى نفسه بنوع من أنواع التعظيم لها، وترك النظر إلى الدلالة القاطعة. فالله - سبحانه- يقول: ﴿اسجدوا لآدم﴾. وقد سبق في علمه بنظره واستدلاله على أن هذا القائل هو الإله القديم الحكيم المبدئ لخلقه من أنواع شتى. وهو الأعلم بمقادير العباد التي ابتدع خلقه منها، النار والطين والهواء والنور والماء. ولو لم تسبق له المعرفة بأن الآمر له على هذه الصفة، وأنه الإله القديم الحكيم العالم بمقادير ما خلق، ومراتب ما خلق منه، لما رسخ بالمجادلة في فرع وما ثبت عنده أصله. فلو لم يثبت عنده الأصل لا مادة الخلق لقال أولًا: ((ومتى ثبت عندي أنك - أيها القائل (اسجدوا) - آمر، [فأنا] تحت طاعة أمرك.)) لأن الشكوك في الأصول تمنع الرد بالفروع. ومعلوم أن العلماء كلهم من أهل الأديان لا يشكون أن إبليس لم يشاهد الآمر له. ولا سبقت له مشاهدة. ولا له في ذات الله - سبحانه- علامة. فبطل أن يكون عرفه بالمشاهدة. وأكثر العلماء

стр. 597

من أهل السنة يقولون: ولا كلمه بذاته، لكن صدر الكلام له على حد كلامه لموسى. فإن الله نفى تكليمه للكفار، وهم دون إبليس، فقال: ﴿لا يكلمهم الله﴾. ثم عم، فقال: ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولًا فيوحي﴾؛ ﴿وكذلك أوحينا إليك﴾. فإذا أخبر بصيانة كلامه عن المكالمة به لخواص خلقه من بني آدم الذين شرفهم عليه، يكون متكلمًا لهم كفاحًا. فإذا ثبت هذا، علم أنه إنما سبق له العلم بأنه - سبحانه- هو الآمر له وللملائكة بالسجود استدلالًا ونظرًا سبق سماعه له بالسجود. فلذلك لم يتعرض لجحد ما سبق العلم به فيقول: حتى يثبت عندي أن الآمر لي الخالق الذي ابتدعني، فأجيب إلى ما أمرني. والذي يشهد لسبق ذلك قوله وهو في مقام الجدال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾. وهذا قسم عارفٍ بأن الآمر له هو صاحب الأمر الموصوف ((بالعزة المستحق المقسم به. الشاهد الثاني لمعرفته أنه خطف منه الأنظار. فلو لم يسبق له العلم بأنه الحكيم، لما سأل البقاء. لأن الإبقاء إلى من كان منه أصل الإيجاد. والإبقاء فرع على الإيجاد. فلما ثبت ذلك في حق إبليس، وجب عليه الائتمار للحق - سبحانه-. ترك هذا جميعه، وأخلد إلى تعظيم نفسه بمادة خلقه، فقال: ﴿خلقتني من نار﴾. وهذا أيضًا مما قدمناه من؟ ؟ معرفته في عقده أن الخطاب بالأمر من جهة من ثبت له الخلق. وهذه الرذيلة التي دخلت على المتبعين له من أهل التقليد، حيث قالوا للأنبياء:

стр. 598

﴿أهذا الذي بعث﴾؟ ﴿أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون﴾؟ وقال فرعون: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾، اعتمادًا على دناءة اللبسة وقصور الحال بقوله: ﴿فلولا أقي عليه أسورة من ذهب﴾. وقالوا في حق نبينا ﷺ : ﴿لولا أنزل عليه كنز﴾. وتارة يقولون: ﴿يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾. هذا كله عمي عن الحجة والبرهان، ونظر إلى الأشخاص. فهذا محنة التقليد. جئنا إلى ما نحن فيه. وجدنا السلف الصالح كلهم، الذين هم أرجح ممن ينتمي إليه أرباب المذاهب اليوم، الذين قال النبي ﷺ [عنهم] ((أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم؛ اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر)) - وجدناهم على أصل وفرع. فالأصل أنهم لم يسلكوا مسلك تقليد بعضهم لبعض. ولا أنكروا بأجمعهم مخالفة الأدنى للأعلى في مسائل الفقه والفرائض. فأبو بكر الصديق، الذي أجمعوا عليه، أقدم على خلافة من لم يبلغ رتبته، لأنه لم يذكر في العشرة، ولا ذكر في الخلافة يوم السقيفة، ولا ذكر في الشورى مع الستة. زيد بن ثابت ورث الإخوة مع الجد، وقد قضى أبو بكر بإسقاطهم بالجد، وجعله كالأب. فلم يجبر في ذلك من جهة الصديق، ولا أخذ في حق زيد تهجين ولا عتب. وكذلك مسألة العول؛ خالف فيها ابن عباس وهو بالخدمة وتأخير الرتبة عن اكابر الصحابة في العول. وبالغ، حتى قال: ((من شاء باهلني

стр. 599

باهلته. ((والذي أحصى رمل عالج عددًا، ما جعل الله في الفريضة نصفًا ونصفًا وثلثًا. ذهب المال بنصفيه، فأين موضع الثلث؟ )) فلا أنكر أحد عليه نفس الخلاف، ولا دعاه إلى تقليد الكبائر، ولا هجر، ولا بدع. واختلفوا على لفظة الحرام، على ستة أو سبعة مذاهب، وما أنكر أحد نفس الخلاف. وإنما فزعوا إلى الدلة. ولا أحد منهم نظر في مسائل الاجتهاد إلى السابقة، ولا الشجاعة، ولا البلاء في الاجتهاد، ولا الإيفاء في نصرة الإسلام، بخلاف نظرهم إلى ذلك في الخلافة. فأما مسائل الاجتهاد، فانقطعت ألسنة التفضيل، والتفتوا إلى نفس الدليل. هذه نبذة مثال في الفروع. جئنا إلى ما جرى في عصرهم من الأصول. خاضوا ولم يسأل عن المثبت والنافي؛ بل ساق الكل إلى الدليل. وهو أن الكلام فيها أهلك من كان قبلهم. اختلفوا بعده ﷺ في رؤيته لله - تعالى- ليلة الإسراء. فقالت عائشة ﵂: لقد وقف شعري مما قال ابن عباس؛ يقول إن محمدًا رأى ربه ليلة الإسراء؛ والله - تعالى- يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾. وابن عباس يقول إنه رأى ربه بعيني رأسه مرتين. ويتلو كما تليت ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ ﴿عند سدرة المنتهى﴾. واختلفوا في آيات من كتاب الله، رواها ابن مسعود على صيغة، وخالفوه فيها. ولم يوجب ذلك أن يقال: هذا الذي شهد له النبي ﷺ في القراءة خاصة، فقال: من أحب أن يسمع القرآن

стр. 600

غضًا كما أنزل، فليسمعه من ابن أم عبد. قال لهم: سمعت ((فامضوا إلى ذكر الله، )) وكذا أقرأني رسول الله. لم يقطعهم تعظيمه عن محاجته ومخالفته. واجتمع رأيهم على الدليل. وهو حسم مادة التغيير والتبديل. وخرقوا مصحفه نظرًا إلى الحجة، وهي إجماعهم ودليلهم. ولو عاشوا إلى ما تجدد من الاختلاف، لما عدلوا عن الفرع إلى الحجة، دون تقليد البعض للبعض، ولا الأدنى للأعلى. هذا حكم السلف الأول الذين نفتخر بهم، أحمد، والشافعي، ومن سبقهم من فقهاء التابعين. جئنا إلى أحمد ﵁ وأرضاه- وهو ((إمام السنة، لم يسلك في اعتقاده تعظيم الرجال، ولا تقليد الأكابر، ولم ينظر سوى الدليل. فيجب أن لا نخالفه، كما لم يخالف من قبله. وأنتم تدعونا إلى وفاقه تقليدًا له، ونظرًا إلى أنه الأقدم والأكبر. وهذا دعاء منكم لنا إلى ترك مذهبه وأنتم لا تعلمون. وذلك أنه خالف أبي بكر الصديق في مسألة الجد، فلم يجعله كالأب، ووافق زيدًا في ذلك. فلو كان قد نظر إلى رتبة التقدم والسبق، لكان اتباعه للصديق أولى من زيد. فلما لم يفعل ذلك اتباعًا للدليل دون التفضيل للأشخاص، وجب الآن النظر إلى الأدلة في عصرنا دون تعظيم المشايخ، اقتداًا بالسلف الصالح من آدم إلى الآن، على ما قدمنا من البرهان. ولو لزمنا هذا، للزم من قبلنا. فإذا قيل: أنت، أيها الحدث. تخالف مشايخك في توجيه هذا بعينه على ما ذكرنا من

стр. 601

كل أدنى خالف أعلى، فيقال لأحمد: أنت تخالف الصديق في توريث الإخوة مع الجد؛ وأبو بكر جعله في إسقاطهم كالأب، ويتبع زيد. وترتفع المعتبة إلى زيد، فيقال له: أنت، ولا لك رتبة أبي بكر، تخالف من هو المقدم بسبقه في الإسلام، والهجرة، والتفقه، والخلافة؟ فيبطل أصل عظيم بهذا النوع من التعظيم، وهو إجماع الصحابة. وما اجتمعت الصحابة على اطراحه لا يجوز التمسك به؛ وهو اطراحهم للأشخاص في باب الأحكام، واتباع الأدلة خاصة. فأما الدلالة على إبطال ما أنتم عليه، يا معشر العوام، فهو دخولكم في البحث عن الله، والخوض في كل شئ أضافه الله إلى نفسه، وقولكم إنه صفة، حسبما تسمعون ممن لا يفرق بين الصفة والفعل والحال. وما حسن أن يمر على سنن لأنه حجة الإجماع. وإنما تجعد عنه من خوف مخالفة الإجماع بأخذه به فيما أقدم عليه مما خالف به نص القرآن وأدلة العقول التي بها ثبت الخالق - جلت عظمته - وبها ثبت صدق الرسول. فمن ذلك قوله - تعالى-: ﴿إني خالق بشرًا من طين﴾؛ ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾. فتضمنت هذه الآية إثبات نفخٍ أضافه إلى نفسه، وروح أضافها إلى ذاته وأيد ذلك أيضًا بقوله في حق مريم: ((﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا﴾. فأثبت له نفخًا وروحًا نفخت في فرجٍ صين عن الزنا. وأضاف النفخ إلى عيسى في

стр. 602

الطائر الذي شكله من طين، فقال: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذني﴾. فهل أحد من أهل السنة ذهب إلى ما ضلت به الحلولية، وأن الروح قديمة، وأن لله صفة تسمى بالروح، ولله صفة تسمى بالنفخ، وأنها حلت في آدم وفي فرج مريم؟ فمن قولب الظاهرية ((لا، )) قلنا: فما الذي صرفكم ومنعكم عن وصفه بأنه نافخ، وأن لذاته صفة يقال لها النفخ، وأنها على ظاهرها من إخراج هواء أو ريح من فم مجوف إلى إنسان مجوف وهو آدم، وشخص آخر مجوف وهي مريم؟ فستقولون لأن الله - سبحانه- قديم، ولا يجوز لقديم أن يحل في محدث، ولأنه قال - سبحانه-: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون﴾، وقوله: ﴿ليس كمثله شئ﴾. والنافخ والمنفوخ بظاهر اللفظ كله أمثال وأشكال. قلنا: فهذا بعينه هو الذي يوجب عليكم أن تنهوا عن الله. وصفة من صفاته أن يعجن الطين وينسل من بين أصابعه كما ينسل؟ ؟ يد الكواز. ويوجب عليكم أن تنفوا أن تلج صفة الله، وهي الرجل والقدم، في النار لزًا لها؟ ؟ . فتارة تجعلونه عاجنًا للطين بيد هي صفة لذاته، وتارة تجعلونه دائسًا للنار برجله. والباري كشف ستره في ذلك وهتك ستر هؤلاء المتوهمة بقوله: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾.

стр. 603

فالقدم خرجت عن الإحتراق. ومن ذلك قوله - تعالى-: ﴿ذلك عيسى ابن مرين قول الحق﴾، ﴿رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم﴾. ولو اعتقد معتقد أن عيسى، الذي هو جسم مؤلف، كلمة الله القديم، لكفر. وقد كفرنا النصارى بهذا. فلم لم تقل إنه كلمة الله حقيقة؟ فإن قلت: لإن صفة الله لا تستحيل لحمًا ودمًا، قيل: فصار تقديره ((الكائن بكلمة الله، الناطق المبلغ بحكمة الله.)) فهذا هو التأويل بالدليل، لنفي التشبيه. فيلزمك ذلك في كل اسم أضيف إليه أن يحمل بالتأويل على ما يليق به - سبحانه- مما ينفي المعهود من صفاتنا وأسمائنا. وكذلك قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله﴾؛ ﴿إن الذين ((يبايعونك إنما يبايعون الله﴾، ﴿إن الذين يؤذون الله﴾. صرف ذلك كله عن ظاهره المعقول من صفاتنا أدلة العقول الدالة على غناء الحق عن الافتراض نصًا وعقلًا. فالنص: ﴿وإن من شئٍ إلا عندنا خزائنه﴾. ومن هذا وصفه، كيف يصح عليه حقيقة الافتراض من خلقه؟ وكيف تناله الأذايا من خلقه؟ وكيف تثبت له المصالحة لخلقه؟ فلم يبق إلا أنه أقام نفسه مقامهم في افتراض الأغنياء لفقراء خلقه. فيكون كأنه افتراض من حيث أقام نفسه مقامهم في الافتراض لهم. و ﴿إن الذين يؤذون﴾ رسله وأولياءه؛ وعلى هذا في جميع؟ ؟ يوهم التشبيه.

стр. 604

وهذا كله مبني على أن الباري - سبحانه- ليس- من حيث سمي شيئًا وموجودًا وحيًا ومتكلمًا وجائيًا، بقوله: ﴿وجاء ربك﴾، وآتيًا، بقوله: ﴿يوم يأتي﴾ - يجب أن يكون في ذاته حسبما نحن عليه، أو مثلنا. كذلك جميع ما يضاف إليه إنما يكون مجازًا. وقد شهد لهذه الاستعارات ما ورد في الخبر أن الله - سبحانه- يقول لعبده ((مرضت فلم تعدني، )) فيقول: ((وكيف وأنت رب العزة؟ )) فيقول: ((مرض عبدي فلان ولم تعده؛ ولو عدته، لوجدتني عنده.)) فاتقوا الله في حمل كل ما أضيف إلى الله أنه صفة لله. وصفات الله - سبحانه- ما لم يفارقه، كالعلم والقدرة. فأما ما تجدد وزال، فلا يجوز أن يكون؛ كالاستواء، ورؤيته لخلقه، وسماعه كلام خلقه؛ هذه أحوال، وليست صفات. فلم يزل بصيرًا سميعًا لكل مسموع ومرئي. فلما تجددت الأصوات، سمع تلك الأصوات؛ ولما خلق المرئيات، كان سامعًا لها رائيًا لها، وعلى هذا. فاعتقد، تسلم من هوة التشبيه. - والسلام. وهذا كله يرد قول عوام الأصحاب من حد فلان وفلان، يشيرون إلى الأصحاب أن [لا] يردوا على المشايخ، ولا يعلمون أن السلف، الذين نحن أتباعهم، كلهم على ذلك. ولئن جاز أن يقال ((ليس من حدود فلان وفلان أن يردوا على المشايخ، )) جاز أن يقال ((ليس من حد أحمد رضه مخالفة الصديق، ومخالفة بنته عائشة، في مسألة الجد ومسألة رؤية النبي - صلى الله عليه وسلبم ربه ليلة الإسراء.

стр. 605

٥٦١ - ((روي عن النبي ﷺ أنه قال: لو علم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته؛ ولو علم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته. قال حنبلي: وما يحتاج إلى ذكر الجنة والنار في هذا الشأن. بل إذا رأى بطشانه - سبحانه- في العالم وألطافه، كان ذلك مقتضيًا بالمؤمن إلى الفزع، والكافر إلى الطمع. ٥٦٢ - لأبي العتاهية: [السريع] بات نديمًا لي حتى الصباح ... أعيد مجدول مكان الوشاح كأنما يضحك عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح تحسبه نشوان أمارنا ... للفتر من أجفانه وهوصاح بت أفديه ولا أرعوي ... لنهي ناهٍ عنه أو لحي لاح أمزج كأسي بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحًا براح تساقط الورد علينا وقد ... يبلج الصبح نسيم الرياح أغضيت عن بعض الذي يبقى ... من حرجٍ في حبه أو جناح سحر العيون النجل مستهلك ... لبي وتوريد الخدود الملاح

стр. 606

قل لأبي نوحٍ شقيق الندى ... ومعدن الجود وخلف السماح أعوذ بالرأي الجميل الذي ... عودته والنائل المستباح من أن تصد الطرف عني وأن ... أخيب في جدواك بعد النجاح إن كان لي ذنب فعفوًا وإن ... لم يك لي ذنب ففيم اطراح أبعد أسباب منار القوى ... من فرط شكر سائرٍ وامتداح ؟ ؟ عن قلب قديم الهوى .. فيك وعن صدر أمين النواح أشمت أعدائي وأخرجتني ... عن سيبك المعدي على المراح ((فهل لأنسٍ [ ... ] من رجعةٍ ... أم هل لحالٍ فسدت من صلاح ٥٦٣ - لغيره: [الكامل] لي شاهدان إذا رأيتك في الهوى ... خفقان قلبي وانعقاد لساني فإذا كتبت إليك كف يدي الهوى ... ففساد خطي لارتعاش بناني ٥٦٤ - رأيت هذه الأبيات لبعض مشايخنا معلقة، وقد ذكر أنه كان يعرفها لبعض العرب القداماء؛ وهي: [الطويل] أغرك أني قد تصبرت جاهدًا ... وفي النفس مني منك ما ستميتها ستبقى بقاء الصب من الما أو ... يعيش بديموم الصريمة حوتها

стр. 607

إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها ٥٦٥ - لابن المعتز: [البسيط] يا عذلي قد كفاك الشيب تفنيدي ... جرحت من لحظات الخرد الغيد وأرسل الشيب في رأسي ومفرقه ... بزاته البيض في غربانه السود ٥٦٦ - لأعرابي يرثي ولدًا له: [البسيط] لصقت بالقلب حتى كنت أسوده ... وبالجوانح حتى كنت لي كبدا فلست أدري وكل منك يخلجني ... أكنت لي ولدًا أم كنت لي ولدا ٥٦٧ - ومن مستنبحات العرب قول عبد السلام الكناني، من المستحسنات منها: [الطويل] ومستنبحٍ والليل مرخٍ سدوله ... له رنة تحت الدجى ونعيق ((وقد جاده نوء السماك بودقه ... وريح شمال زفزف وبروق دعاني وعرض الدو بيني وبينه ... وفج بعيد الجانبين عميق

стр. 608

فقلت له لبيك لبيك إنني ... إليك ورب العالمين مشوق وقلت لعبدي أذك نارك معجلًا ... فهذا وقود حاضر وحريق فإن يأتنا أو يهده ضوء نارنا ... بليلتنا هاتي فأنت عتيق فأثقب نارًا في يفاعٍ محلقٍ ... وضرمها ما اسطاع فهو ذلوق ترى شررًا كالقصر منها كأنها ... جمال عليها الزعفران ونوق فأقبل مجهوشًا وقد سل جسمه ... فلم يبق إلا أعظم وعروق فقلت له حياك ربك من فتى ... أنخ فمحل واسع وصديق وأب يرى حق الأبوة واجبًا ... عليه ومن بعد الحقوق حقوق فأفرخ عنه الروع وارتد لونه ... وسكنت منه القلب وهو خفوق وقمت إلى عضب المهزة مرهفٍ ... له لمعان في الدجى وبريق حسام كلون الملح يسرع في الطلا ... مرارًا رقيق الشفرتين عتيق فيممت بركًا بالفناء كأنها ... نخيل ببطن الواديين سحوق يؤاكلن حد السيف حينًا ولم يكن ... لسيف امرئ في مثلهن طريق فقال لي الراعي حنانيك إنني ... عليك ورب الراقصات شفيق أفي كل يومٍ أنت مردٍ عقيلةً ... فحتى متى لا ترعوي وتفيق أما ترهب الإملاق قلت له صهٍ ... فأن إله العالمين رزوق

стр. 609

وبادر كفي قلت وسد خلةً ... فإني بفعل الصالحات خليق وحاذر ذباب السيف واتق حده ... فإني جهول في السماح خروق ((فأمسك واستجدي ولو أنه أبى ... لغادرت منه الرأس وهو فليق فأهملته في ساق؟ ؟ ... سناد حكاها في العلو فتيق فرفع راعيها وأجهش باهتًا ... وإنسانه في مقلتيه غريق وأقسم لو تفدي فداها بنفسه ... وبالأهل والإخوان وهو صدوق ٥٦٨ - ومثلها في الوزن لعمرو بن الأهتم المنقري: [الطويل] ومستنبحٍ بعد الهدوء دعوته ... وقد حان من نجم السماء خفوق يعالج عرنينًا من الليل باردًا ... تلف رياح ثوبه وبروق فقمت وقد؟ ؟ عليه ولم أقل ... لأحرمه إن المكان مضيق وقلت له أهلًا وسهلًا ومرحبًا ... فهذا صبوح زاهر وغبوق وضاحكته من قبل عرفاني اسمه ... ليأنس بي إن الكريم رفيق وقمت إلى الكرم الهواجد ما؟ ؟ ... مقاييد كرمٍ كالمحاول روق بإدماء مرباع النتاج كأنها ... إذا عرضت دون العشار فنيق

стр. 610

فضربة ساقٍ أو محلا ثره ... لها من أمام المنكبين فتيق وقام إليها الجازران فأوقدا ... يطران عنها الجلد وهو يفوق فبات لنا منها وللضيف موهنًا ... سوى سمتين راهن وصليق وبات لنا دون الصبا وهي مرة ... لحاف ومصقول الكساء رقيق وكل كريمٍ يتقي الدم بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريق لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق ٥٦٩ - قال حنبلي: أرى أهل الحضر والأمصار، إذا نبس أحدهم بوصف طعام اصطنعه، جاءته المحن من كل مكان. حتى صنفوا ((دعوة التجار)) وجعلوها مثلًا وسمرًا. وهذا ما قد سمعتم من صفات ((العرب للأطعمة والذبائح. وأكثروا، حتى ضمنوه الافتخار وذم البخلاء. فلم خص أهل الحضر بذمهم على وصفهم لأطعمتهم وهو يبلغون في تحسين الأطعمة ما لا يبلغه أهل البادية؟ ثم لو تكلم من عمل طعامًا أنفق عليه ألف دينار بكلمة تتضمن مدح الطعام ونهوضه إلى ذبح الذبائح ووزن أثمان الأطعمة الفاخرة، لأتته المعائب من كل مكان. حتى صنفوا معائب لقبوها

стр. 611

بـ ((دعوة التجار، )) وقبحوا فيها آثارهم بمدح الطعام، وذكر كيفية الحال. لا بد أن يكون بينهما فرق أوجب لهؤلاء المدح أو الإمساك عن القدح، وأوجب لهؤلاء القدح فيما اعتمدوه من الوصف. فإن لم تكن علة توجب الفرق، فهو الظلم الصرف والبغي البحت. وأصل هذه الرذيلة في أهل الحضر وعلتها إنما هي تكدير الأطعمة بالنظر إليها بعين التعظيم الذي لا يخلو من نوع افتخار بذلك، وامتنان على الآكلين لذلك الطعام. وهذه علة لا تختص أهل الحضر؛ فلم خصوا بالذم عليها دون أهل البدو؟ قال الحنبلي: وأنا أخرج معنى كلامهم هذا إلى الوجود، وأعرضه على المعقول؛ فإن أبته فهو رذيلة، وإن استحسنته فهو فضيلة. فأقول: رجل في الحضر أتاه مسافر قريب عهد بشقاء السفر. فأخذ يصف تغير وجهه وجسمه ونحافته، وذكر حسن استقباله، ومبادرته بالكلام المقوي لنفسه. ثم عدل عن ذكر ما ظهر من تغير وجهه إلى المسرة بكلام. ثم عاد يذكر أغنامًا له، ويصف شاةً اختارها للذبح لضيافة ذلك الضيف، وشحمها ولحمها. ثم أخذ في وصف الشفرة التي اعتمد على تناولها، وذكر لوم الراعي له على ذبحها، وتأسفه على إراقة دمها، والأسف بها، ووده بأن يفديها بنفسه وأهله. فلو سمع الحضري وأهل الحضر ذلك، لتعير بذلك العار الذي لا يغسله الماء، ولا يبليه الدهر، ولود ذلك الضيف أنه مات جوعًا ولم يتعرض للنزول به وعليه.

стр. 612

هذا هو الذي ((نجده من طباعنا. ومن كابر في ذلك كان خارجًا عن حكم طباعنا وعادتنا. وما صدر هذا الكلام إلا عن استعظام الطعام، وما هذه سجية الكرام؛ وما هتكت أستار القوم وكشفت عن شحهم في أنفسهم بأوضح من هذا. وكل خلة ذكرها هذا المنشد وأمثاله، لو لم يكن لها وقع في نفسه ومكابدة لطبعه الشحيح، لما ذكرها. وما هي والله عندي إلا كالنياحة على ميت ذكر في نياحته النائح عليه علته ومرضه وآلامه وأدويته التي سقيها، وكيف جاء ملك الموت قبض روحه، وكيف استهال الجيرة والأهل صبره على فقدان ميته، واستهالوا قلة جزعه. وأحسن كشف لأحوالهم، التي هي وراء كلامهم، قول الباري لهم، مع تمدحهم بالضيافة، وتعظيمهم للمسرة بالصبيان، وبذلهم للطعام مع السغب والقحط، وعقرهم لمراكبهم التي لا غناء بهم عنها، وبدارهم إلى ذلك، فقال لهم مع هذا كله: الذي أدركته منكم من جناياكم المكتومة المستورة بحسن عملكم، أريدكم أن لا تعتمدوا قتل الأولاد خشية الإملاق، ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾، ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾. وقال لهم؟ ؟ ؟ ؟ وأن لا تقتل ولدك، خشية أن يأكل معك. فهتك الله بهذا أستارهم، ألا يعلم من خلق، فطاح التمدح بالكرم مع هذا من الله المطلع على جنات القلوب وما تجنه الصدور. وبان عيب الكلام بما ظهر

стр. 613

من استقباح أهل الحضر فيما بينهم واتفاقهم على أن المبالغة في وصف الطعام لا يصدر إلا عن اللئام. - والسلام. فلا يبقى نوع يفتخر به مع هذه الإطالة منهم إلا ما أنبأ الله - سبحانه- به من قوله، وهو الخالق - جلت عظمته: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾. فتكون الفضيلة لهم بذلك على كافة من لم يتجمل على الأضياف والسؤال بمكابدة طبعه، ومعالجة شحه، وإخراج المحبوب وهو المال. وهذه لعمري فضيلة صادقة. وهي أفضل من مبذول طبعًا، ومن بذل من وجد من نفسه مسامحة بالمال. ٥٧٠ - ((جرى في مسألة الاستثناء إذا تعقب جملًا هل يعود إلى أقربها أو إلى جميعها فآل من نصر عوده إلى جميعها [إلى] أن قال: معلوم أنه لو قال له ((علي همسة دراهم وخمسة إلا سبعة)) فإنه لا يصح هذا الاستثناء، إلا إذا أضيفت الخمسة إلى الخمسة؛ ولو عاد إلى الخمسة الأخيرة، لما صح. فاعترض حنبلي فقال: مهما أمكن تصحيح كلام المكلف، لم يبطل. واستثناء سبعة من خمسة لا يمكن؛ إذ ليس في السبعة خمسة. فهو كما لو استثنى حمارًا من جماعة من الآدميين. فإذا ثبت ذلك، حملنا الأمر على ما يليق بالعقل، وسلامة اللفظ؛ وهو أن نجعل الخمسة الثانية مضافة إلى الأولى بواو الجمع، ويعود استثناء السبعة إلى العشرة.

стр. 614

٥٧١ - روي أن جماعة من أصحاب إبراهيم الحربي ﵁ دخلوا إليه في مرضه الذي مات فيه. فقال بعضهم: كيف تجدك، يا أبا إسحاق؟ فقال: أجدني كما قال الشاعر: [الخفيف] دب في الفناء سفلًا وعلوا ... وأراني أذوب عضوًا فعضوا بليت حدتي بطاعة نفسي ... وتطلبت طاعة الله نضوا [الوافر] إذا مات المعالج من سقامٍ ... فيوشك للمعالج أن يموتا ٥٧٢ - قال عبد العزيز بن زارة لمعاوية: يا أمير المؤمنين! جالس الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء؛ فإن العقل يقع مع العقل. ٥٧٣ - شعر: [الطويل] وأذهلني عن كل عيشٍ ولذةٍ ... وأرق عيني والعيون هجود مصاب عقيلٍ حين أودى وإنني ... صبور على فقد الكرام جليد بألطاف ذي العرش المجيد وعونه ... ومن كان ملطوفًا به لسعيد

стр. 615

٥٧٤ - ((أنشد ابن دريد عن عبد الحمان عن عمه لحراني بن نوفل الضبعي وقد رويت لغيره: [الرمل] لم يكن إلا [كما] كان يكون ... وخطوب الدهر في الناس فنون ربما قرت عيون السجنا ... ومرض سخنت منه العيون هو الأمر نعش في راحةٍ ... قل ما هونت إلا سيهون لا يكون الأمر سهلًا كله ... إنما الأمر سهول وحزون يلعب الناس على غراتهم ... ورحى الأيام للناس طحون أمن الأيام مغتر بها ... ما رأينا قط يومًا لا يخون والملمات فما أعجبها ... لملمات ظهور وبطون ليس كل الظن يخلو عن هدىً ... ربما جبرت الناس الظنون وتقى المرء له واقية ... مثل ما واقية العين الجفون لا يكن شأن امرئ محتقرًا ... ربما كان من الشأن شؤون درج الخلق فضول بينهم ... كل شئ فله فوق ودون سائل الأيام عن أملاكها ... أي حلفٍ قطعت عنها المنون وكذاك الدهر في تصريفه ... ربما يغضب للدر اللبون يا مشيد الحصن ترجو نفعه ... قبل ما تغني عن الموت الحصون

стр. 616

سيحول المرء عن صورته ... وسيبلي منه ما كان يصون ٥٧٥ - كان قد سبق السؤال لحنبلي عن صكة موسى لملك الموت، وقلع عينه، وكيف يكون التأويل له حتى يسلم من الفسق والخروج من حكم النبوة، حيث فعل بملك من ملائكة الله، جاء بأمر الله، لما قدره الله. ولو فعل هذا برسول قاض من الخلق، لفسق فاعله. وخطر لي جواب حسن يخلص موسى من المعصية. وذلك أنه أتاه بصورة آدمي، فاستشعره صائلًا، فدفعه دفع الصائل. ((ومعلوم أن الملائكة، إذا تصوروا بصورة آدمي، لم يبق للأنبياء دلالة على أنهم ملائكة؛ [فلا] بد من دلالة تدل على أن ذلك الرجل ملك من عند الله. كما لم تعلم أمة كل نبي أن رسولهم رسول الله إلا بعلامة. فالنبي مع الملك كآحادنا مع مدعي الرسالة؛ لا سيما إذا كانت صورته كصورة النبي الذي جاء إليه، وادعي أنه رسول الله إليه. فكما لا يثبت عندنا صدق رسولنا إلا بدلالة هي المعجزة، فلا بد لنبينا ﷺ من دلالة. وتلك الدلالة هي إشعار بالغيب أو إثباته بسورة من الكتاب الذي ثبت أنه معجز لنا وله ﷺ . فإذا ثبت هذا، علم بأنه يجوز أن تكون تلك الفعلة والصكة كانت من موسى ﵇ قبل أن ثبت عنده أنه الرسول من الله - تعالى-. لما جاء به من قبض روحه، فبادر فصكه. فهذا تأويل يدفع الكبيرة العظيمة عنه.

стр. 617

٥٧٦ - أنشد علي بن سليمان الأخفش لجحدر اللص: [الطويل] أقول لبوابي والباب مغلق ... علي وطال الليل ما تريان فقالا نرى برقًا يلوح وما الذي ... يشوقك من برقٍ يلوح يمان فقلت افتحا لي الباب أنظر نظرةً ... لعلي أرى البرق الذي تريان فقالا أمرنا بالوثاق وما لنا ... بمعصية السلطان فيك يدان فلا تحسبا سجن اليمامة دائمًا ... كما لم يدم عيش لنا بأبان ٥٧٧ - قال حنبلي في المعنى: ما أمر منع البصر عن تلمح الخبر من دلائل العبر! وما أشد عذاب الحصر على أرباب التفسح والتلمح. هذا مما [لا] يجد كربه إلا أرباب الوجد عند الفقد. ٥٧٨ - وقال أصبغ بن مطهر بن رباح بن عمرو بن عبد الله، وهو جد الأصبغي: اثنوا على الله وبثوا ذكره؛ الله لا يعلم شئ قدره. ٥٧٩ - قال أبو درداء المصاحفي: سمعت النضر بن شميل يقول: ما رأيت أحدًا افتقر الناس إلى علمه وطلبوا ما عنده أشد تواضعًا من الخليل بن أحمد.

стр. 618

٥٨٠ - وعن عبد الله بن داود الخريبي، قال: قال الخليل بن أحمد: أحب ((أن يكون بيني وبين ربي من أفاضل عباده، وأن أكون بيني وبين الخليقة من أوسطهم، وبيني وبين نفسي من شرهم. ٥٨١ - قال الحكيم: سبعة أشياء محتاجة إلى سبعة: المنظر محتاج إلى القبول؛ والحسب محتاج إلبى الأدب؛ والسرور محتاج إلى الأمن؛ والقرابة محتاجة إلى المودة؛ والمعرفة محتاجة إلى التجربة؛ والشرف محتاج إلى التواضع؛ والنجدة محتاجة إلى الجد. ٥٨٢ - [شعر]: [الطويل] تمنى رجال أن أموت فإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد وقد علموا لو يقطع العلم عندهم ... لئن مت ما الناعي به بالمخلد منيته تأتي لوقتٍ وحتفه ... سيلحقه يومًا على غير موعد فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد ٥٨٣ - استدل حنبلي في مسألة بقاء حكم الإحرام بعد موت المحرم بالحديث

стр. 619

أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصت به ناقته: كفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبدًا. اعترض عليه حنفي فقال: أنا قائل بالخبر في ذلك الرجل لما علل به رسول الله ﷺ ، وأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا أو ملبدًا، بقي غيره على حكم الأصل؛ وهو قول الملائكة لما غسلت آدم وكفنته: هذه سنة موتاكم، يا بني آدم! فأجاب الحنبلي بأن قال: إذا قلت به في حق ذلك، لزمك عموم الحكم وثبوته في حق غيره. لأن النبي ﷺ قال: حكمي في الواحد حكمي في الجماعة؛ حكمي في امرأة حكمي في ألف امرأة، أو مائة امرأة؛ وهذا المعنى. وذلك أنه لو لزمه البيان في حق الجماعة، لطال الخطب وضاق الوقت. ولهذا قال - سبحانه-: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾؛ وقوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة﴾، ((عقيب قوله: ﴿ما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ - يعني في السرايا. ثم علل فقال: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾. وقال ﷺ : نصر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وأما قولك العلة في ذلك هو ما أخبر به، وأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، فلا يصح لوجهين. أحدهما أن الحكم لا يسبق علته. فلا يقال

стр. 620

((يحرم العصير اليوم، لأنه قد أخبر الصادق أنه يشتد غدًا.)) ولا ((يقتل فلان، لأن الصادق قد أخبر أنه يقتل مسلمًا محقون الدم غدًا؛ )) و ((يحرم نكاح هذه الطفلة، لأنها ترتضع من أم هذا الخاطب لها فيما بعد.)) وعلى هذا في كل حكم مع علته، لا يجوز أن يتقدم عليها. فلم يبق إلا أنه أراد: إذا لزمتم فيه شعار الحج، بعث عليه، كما قال في شهداء أحد: رملوهم في كلومهم ودمائهم؛ فإنهم يبعثون يوم القيامة واأوداجهم تسحب دمًا؛ اللون لون الدم، والريح ريح المسك. فكأن معناه: إنكم إذا لزمتم في حقهم شعار القتل في إعلاء كلمة الله، حشرهم الله على ذلك. وما زالت كرامات الآخرة وإهاناتها ومجازاتها مبنية على الأفعال في الدنيا، حتى المعاصي والإساءات. يحشر الغادر وعلى رأسه لواء، يقال ((هذه غدرة فلان.)) من قتل نفس بحديدة، حشر والحديدة بيده بج بها نحره أو حلقه في النار. من قتل نفسه بسم حشر وسمه بيده يلطعه في النار. يحشر اللائط ولفرجه نتن يؤذي به أهل النار. يحشرون غرًا محلجين من آثار الوضوء. فهذا هو الأصل. وقال في حق المانعين للزكاة: ﴿تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم﴾. قالوا له: العبادة غير باقية بعد الموت؛ فكيف تبقى أحكامها وآثارها؟ ولهذا لم يوقف بعرفة، ولا يطاف به حول البيت، ولا يحمل إلى منا، ولا يرمى عنه بالحجارة، كما نرمي عندكم عن الطفل.

стр. 621

قال: الشهيد لا يوقف في الصف، ولا يلبس السلاح؛ بل ينزع عنه. ومع ذلك تثبت في حقه أحكام الشهادة. والمسلم لا تنقطع عنه ((أحكام الإسلام؛ وهو عند الفقهاء ذو أعمال بني عليها، والحج له خصيصة. إنه يلزم التمسك بشعاره وأنساكه بعد الإفساد. والمحرم الذي ورد الحديث فيه استديم حكمه في باب الشعار، دون الإيقاف به والإطافة. قالوا له: الإسلام يعتد به بعد الموت وهذا انقضاء. ولا يعتد بما مضى منه، ولا يبنى عليه من حين بلغ إليه من أنساكه، بل يبتدأ بالحج عنه. ٥٨٤ - وسئل حنبلي عن الصلاة على الشهيد فقال: لا يصلى عليه، في أصح الروايتين عندي؛ وهو مذهب الشافعي. لأنه لما لم تشرع في حقه الطهارة لم تشرع الصلاة. وهذا لأن الشهادة أعيته عن الشفاعة منا. فاعترض عليه حنبلي آخر للرواية الأخرى الموافقة لبقية الفقهاء، فقال: إنه لا يجوز أن يستدل بمنع الطهارة أو امتناعها على إسقاط الصلاة. كمذهبك في حق الحي القريح والجريح؛ والعادم للماء والتراب يصلي وإن لم يكن في حقه طهارة. ولأن الشهادة طهرته، فأغنانا عن الغسل. ولأن الشرع جعل بقاء الدم تمسكًا بأثر الشهادة والطهارة يزيل ذلك، فمنع منها.

стр. 622

والصلاة شفاعة. ولا غناء عن الشفاعة لهم، بدليل الأنبياء- صلوات الله عليهم. حتى إن نبينا صلع قال: سلوا الله لي الوسيلة. وهذه إحدى الشفاعتين؛ وهي في زيادة الثواب وعلو الدرجات. ٥٨٥ - وسئل عن الوصية بالصلاة على الميت فاستدل فيها شافعي، فقال: لا يستفاد؛ بمعنى أنه لا يسقط بها حق الأولياء. وهو مذهب أكثر الفقهاء. وكان دليله أن حق الأولياء ثابت حكماً في أمر بني على الإشفاق. وليس للإنسان حق في الصلاة عليه. بخلاف المال؛ فإن له حق في التصرف فيه. اعترض حنبلي بأن الصحابة عملت بذلك. فإن أبا بكر الصديق رضه وصى أن يصلي عليه عمر. وعمر وصى أن يصلي عليه صهيب. وأبو بكرة وصى أن يصلي عليه أبو بردة. وابن مسعود وصى أن يصلي عليه الزبير بن العوام. قالوا له: ليس في هذا حجة. لأن الحجة إنما هي ما صادفت محل الخلاف. والخلاف هل يكون الوصي أحق من الولي. ولم يرو في هذه الوصايا كلها أن التشاجر وقع بينهم، فقدموا الوصي. فقال: بل قد روي أن عثمان وآخر سارعا للتقدم على عمر. فقال صهيب: ما أخرجكما على الإمارة- أو قال- التقدم؟ إن أمير المؤمنين

стр. 623

وصى أن أصلي عليه. قال ذلك بمحضر من أصحاب رسول الله، وكانوا متوفرين، ولا أحد أنكر ذلك. وأما قولك ليس للإنسان تصرف في الشفاعة لنفسه، فليس كذلك. فإنه يتوسل إلى الله تع في ذنوبه بالنبي وأهل بيته وأصحابه. فإذا رضي بشخص أن يتوسل إلى الله تع، لما عرف من حسن طريقته، كان ذلك كاختياره له للنظر في أموال أولاده، وإنكاح بناته حال حياته وبعد مماته. ٥٨٦ - وسئل حنبلي عن جهاز الزوجة هل يكون في مال الزوج فقال: نعم؛ لأن حكم الزوجية باق في حقوق الأبدان والأموال. أما الأموال، فالميراث. وما كان ذلك إلا لأن حكم الوصلة باق. وأما حق الأبدان، فعلى كل واحد منهما لصاحبه. ومن تمام التزام حقوق العشرة تجهيزها من ماله. اعترض حنبلي، فقال: أما الإرث، فحكم لا يثبت إلا بعد الموت؛ وليس من أحكام الحياة. يوضح هذا أنه لا يجب حال الحياة بحال. والنفقة من واجبات النكاح حال الحياة على صفة وحال، وهي التمكين والتمكن. وبالنشور يسقط. ولا تجب نفقة بريد الموت، وهو المرض. ولا يراعى ما ذكرت أنها تمسكت بعصمته وتمكينه من متعته بها إلى حين المرض، ولم يحرمها المرض عن متعة من المتع، من قبلة ولمس وغير ذلك. وإن لم يكن الوطء في الفرج يضرها، أبيح أيضاً. ولا تجب النفقة المختصة

стр. 624

بالمرض، من شراب وأدوية وأجرة طبيب، وغير ذلك مما يخص المرض، لأجل تمسكها بعشرته، وبذلها لمتعته حال الصحة وحال المرض بحسب حالها. فالموت الذي حرم المتعة وسد بابها أولى أن لا تجب نفقته، وقد بانت به البينونة الكبرى. ثم إن جهازها خارج عن حكم العادة إلى باب التحكم والتعبد. وإلا فلو رجعنا إلى باب المعقول والعادة، لكان الستر بالتراب كافياً. لأنها صارت إليه ورجعت إلى ثيابها التي خلقت منها. وهو أطيب مطيب ينشف الفضلات من الصديد والمهلة ما لا تنشفه الثياب. فإن اعتبر غيره فقد كان في الورق الذي خصفه عليه الأب لما نزعت عنه ملابس الجنة، والحشيش الذي رضيه رسول الله صلع سترة لرجل عمه حمزة حيث قصرت عنه النمرة. وعلى الميت دين يرتهن به في قبره، وهو بقدر نفقة جهازه. ومع ذلك يقدم جهازه الذي يقوم مقامه غيره عقلاً وعادةً. ومع ذلك وجب تعبداً. والتعبدات لا تلزم الزوج ولا مؤنتها حال الحياة. كثمن ماء الغسل عن الجنابة والحيض. لأنه من التهيؤ للزوج؛ كغسل الأحداث والأنجاس. ونفقة حجها حال الحياة، لا يلزمه شيء من ذلك. كذلك هذه النفقة التي هي محض التعبد وخالص التحكم الصرف في حال. لم يبق في المحل سبيل إلى متعة، ولا طريق إلى استباحة.

стр. 625

وأما تعلقك بغسله لها، فقد رضينا بإطباق هذا على ذاك. وهي أن غاية ذلك الجواز؛ وهو أنه يجوز له غسلها. وههنا [لا] يجوز؛ بل الأحسن نفقته عليها والتزام مؤونة دفنها. وهناك لا يجب؛ فيجب أن لا يجب هذا. ٥٨٧ - لبشر بن عوانة العبدي، وكان متزوجاً بابنة عم له، فخرج في ابتغاء مهرها، فعرض له أسد في بعض الطريق، فقتله. وقال يخاطب أخته: [الوافر] أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا إذاً لرأيت ليثاً رام ليثاً ... هزبراً أغلباً يغشى هزبرا تبهنس إذ تراجع عنه مهري ... محاذرة فقلت غفرت مهرا أنل قدمي ظهر الأرض إني ... رأيت الأرض أثبت منك ظهرا وقلت له وقد أبدى نصالاً ... محددة ووجهاً مكفهرا تدلى بمخلبٍ وبحد نابٍ ... وباللحظات تحسبهن جمرا وفي يمناي ماضي الحد أبقى ... بمضربه قراع الحرب أثرا ألم يبلغك ما فعلت ظباة ... وكاظمة غداة لقيت عمرا وقلبي مثل قلبك لست أخشى ... مصاولةً ولست تخاف ذعرا وأنت تروم للأشبال قوتاً ... وأطلب لابنة الأعمام مهرا ففيم تسوم مثلي أن يولى ... وتجعل في يديك النفس قسرا

стр. 626

نصحتك فالتمس باريك غيري ... طعاماً إن لحمي كان مرا فلما ظن أن الغش قولي ... وخالفني كأني قلت هجرا مشى ومشيت من أسدين راما ... مراماً كان إذ طلباه وعرا هززت له الحسام فخلت أني ... هززت به لدى الظلماء فجرا بحاله راها لما كدبته ما مننه ... عدرا فخر مضرجاً بدمٍ كأني ... هدمت به بناءً مشمخرا وقلت له يعز علي أني ... قتلت مناسبي جلداً وقهرا ولكن رمت شيئاً لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا تحاول أن تعلمني فراه ... لعمر أبي لقد حاولت نكرا فلا تجزع فقد لاقيت حرا ... يحاذر أن يعاب فمت حرا ٥٨٨ - فصل قال حنبلي: إذا تلمح العاقل كلام رسول الله صلع لأصحابه، علم أنه أعطى كل واحد على مقداره، وما يصلح به وله. نحو قوله لبلال: أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً. وقوله لأبي بكر: ما تركت لأهلك؟ قال: الله ورسوله. وقال لعمر: ما تركت؟ قال: تركت ثلثي مالي. وروي: نصف مالي. وقال لابي لبابة لما انخلع من ماله: يجزيك من ذلك الثلث الثلث؛ والثلث كثير. لئن تدع ورثتك أغنياء، خير

стр. 627

من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. فلحظ حال كل منهم، ورضي منهم بما علم من حاله. فإذا كان النبي صلع يكلم الناس على قدر أحوالهم، نظراً إلى مصالحهم، فمن يعلم أن الإقلال يسخطه فيفسد دينه، يقنع منه بترك بعض ماله، أو ينهاه عن إخراج جميع ماله، كيلا يعود ذلك بوباله. فما ظنك بقسم الباري الأرزاق بين خلقه بحسب ما علم من أحوالهم. وقد نص على ذلك بقوله: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدرٍ ما يشاء﴾. ثم لم يقتصر على إطلاق المشيئة حتى عقب ذلك بقوله: ﴿إنه بعباده خبيرٌ بصيرٌ﴾. ووصفه لنفسه بالبصارة والخبرة يعطي أن القسمة بحسب ما علمه من الأصلح توسعةً أو تقتيراً أو توسطاً. وأمر بالإنفاق على قدر الأصلح، فقال سح: ﴿ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾. ثم بين علة النهي، فقال: ﴿فتقعد ملوماً محسوراً﴾. فالملامة على التقتير كالملامة على التبذير. لأن التقتير يحصل به منع الحقوق؛ والتبذير يورث الأسف والحسرة والتسخط على الرازق؛ وذلك بين تفسيق وتكفير. ٥٨٩ - قال واثلة بن الأسقع وقد سأله مكحول عن حديث يحدث به عص، فقال: إنا كنا تركنا أن نتحدث حتى سمعنا النبي صلع يقول: ((لا

стр. 628

بأس بالحديث قدمت فيه أو [أخرت] إذا أثبت بمعناه)) ومات واثلة بن الأسقع بدمشق. ٥٩٠ - شعر: [الكامل] اشتد بغي الناس في الأرض ... وعلو بعضهم على بعض دعهم وما أخذوا لأنفسهم ... فالله بين عباده يقضي عجباً ألا يتفكرون ليعـ ... تبر الذي يبقى بمن يمضي ٥٩١ - لآخر: [الطويل] دع الشر واترك بالنجاة تحرزاً ... إذا أنت لم يصنعك بالشر صانع ولكن إذا ما الشر ألقى قناعه ... عليك فجود دفع ما أنت دافع ٥٩٢ - روي عن معاوية- رحمة الله عليه- أنه قال: سمعت رسول الله صلع يقول: إن الله تع لا يغلب ولا يجلب ولا ينبأ بما لا يعلم. ٥٩٣ - الغلابي قال: قال عمر بن الخطاب لرجل: شغلت نفسك بما لا يعنيك، فشغلك ذاك عما يعنيك. وقال عمر أيضاً: ما من عاشية أدوم إنقاءً ولا أبطأ شبعاً من عالم. رواه سفيان بن عيينة بالإسناد عنه.

стр. 629

٥٩٤ - وروي أن كعباً حلف أن في التوراة: إذا قال العبد راغباً أو راهباً ((توكلت على الله)) قال الملك ((كفيت)). ٥٩٥ - اجتمع العلماء على أن دين الله واحد، الذي عليه الأنبياء كافة. يشهد لذلك قوله سح لنبينا صلع ولأمته: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك﴾. وانظر ما بين نوح ونبينا. قال: ﴿وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. وقال تع: ﴿ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾. وروى البخاري في صحيحه: كان النبي صلع يحب أن يوافق أهل الكتاب فيما لم يوح إليه فيه شيء. ٥٩٦ - ما أحث السائق، لو فطن الخلائق! ٥٩٧ - البشر مؤنس للعقول، ومن دواعي القبول؛ والعبوس ضده. لو كان في العبوس خير، ما عتب عليه النبي عم. ٥٩٨ - ومما سمعته بجامع الرصافة من ابن بشران عبد الملك رحه، ومن ابن السماك بن محمد رحه، أنه كان يحيى لا يلقى إلا وهو مقطب،

стр. 630

وعيسى لا يلقى إلا وهو مستبشر. فقال يحيى لعيسى: يا ابن خالتي! ألقاك كأنك آمن. قال له عيسى: يا ابن الخالة! ألقاك كأنك آيس. فأوحى الله إليهما: أحبكما إلي أبشكما بصاحبه. ٥٩٩ - لأبي العتاهية: [الكامل] يا نفس قد أزف الرحيل ... وأظلك الحدث الجليل فتأهبي يا نفس لا ... يغلبك ذا الأمد الطويل فلتنزلن بمنزلٍ ... ينسى الخليل به الخليل قرن الفناء بنا فما ... يبقى العزيز ولا الذليل لم تعمر الدنيا وليـ ... ـس إلى المقام بها سبيل كل يفارق روحها ... وبصدره منها غليل

стр. 631

ولرب باكيةٍ عليـ ... ـي غناؤها عني قليل ٦٠٠ - كان قد استدل حنبلي على أن خبر الواحد يوجب العلم، وتثبت به الاعتقادات، بثلاث آيات: ﴿قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾؛ وقوله: ﴿أو لم يكن لهم آيةً أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾؛ وقوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾. والمراد بمن أشار إليهم من أسلم وصدقه؛ وهم كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، ومن أسلم. وجميعهم إنما هم آحاد، لا يرتقون عن الآحاد. وقد عول عليهم، ورد إليهم في أصل عظيم؛ وهو ذكره صلع في التوراة بعلامات الرسالة ودلائل النبوة، وشهادة التوراة له بذلك. فاعترض عليها الشيخ العالم الأوحد عبد السيد بن الزيتوني- على هذه الآيات- بثلاثة أسئلة. أحدها أنه قال: إن الإحالة على هؤلاء إنما هو باختيار آحاد. فكأنك دللت على أن خبر الواحد يوجب العلم بخبر الواحد؛ والبناء بمثله ليس بصحيح؛ كما لا يستدل على القياس بالقياس. السؤال الثاني أنه قال: ﴿فإن كنت في شك فسئل﴾. وهذا يعطي أنك تترقى بسؤال لهم عن الشك إلى ما فوقه، وهو الظن. فأما العلم فلا يلزم مع إمكان حمله على الترقي من الشك إلى الظن.

стр. 632

الثالث أنه لو كان القطع لكان لا بقولهم وخبرهم؛ ولكن إذا أحال الله عليهم في السؤال، يجوز أن يكون علم أنه إذا سألهم أحدث له علماً عند خبرهم، لا عن خبرهم، ولا بخبرهم. فأجاب الحنبلي المستدل بأن قال: أما السؤال الأول، فغير صحيح. لأن إثبات أعيان المسؤولين، إن كان آحاداً في التفسير بهم، فإنا نقطع على أنهم هم الذين أسلموا؛ إذ لا يوثق إلى غيرهم. وليس من أسلم بالغين عدد التواتر. فإذا علمنا ذلك فسواء جهلنا أعيانهم أو علمنا، لا يضرنا. وأما السؤال الثاني، فإن الشك والظن سواء فيما طريقه العلم، جميعاً لا يؤثران في حصول إثبات نبوته في التوراة. فالترقية من الشك إلى الظن لا فائدة فيه. إذ لم يكن طريقاً لذلك؛ كما أن الشك ليس بطريق. وأما السؤال الثالث، فلا يصح. لأن هذا يسد باب الأدلة كلها؛ لأن نص الكتاب يجوز أن لا يقطع به؛ بل يحدث الله العلم عقيب سماعه، ويعطل كل دلالة من معجزات الأنبياء أيضاً. وإنها لا تحصل بها، ولا يحصل بأدلة العقول حدث العالم، وإثبات الصانع؛ بل يحدث الله العلم. وهذا هو الذي أنكره العقلاء على أهل الخبر.

стр. 633

٦٠١ - جرى في عزاء الشيخ أبي الخطاب رحه مسألتان الأولى منها الجنب إذا استشهد هل يسقط بشهادته غسل الجنابة أم يجب غسله فاستدل فيها حنفي، وهو القاضي الإمام الموفق أبو الفوارس بن الموصلي، بما روي عن النبي صلع أنه لما استشهد سعد بن معاذ قال النبي صلع ((قوموا بنا نغسله قبل أن تسبقنا إلى غسله الملائكة، كما سبقتنا إلى غسل حنظلة [بن] الراهب)). فوجه الدلالة أنه قد ثبت بإجماعنا أن الشهيد لا يغسل غسل الموت. فلم يبق إلا أن النبي صلع سابق إلى غسله لأمرٍ يوجب الغسل عن الموت. وليس على الرجل غسل غير غسل الموت، إلا غسل الجنابة. فثبت وجوب غسله عن الجنابة، وأنه لا تمنع منه الشهادة ولا تغني عنه. لاسيما مع قوله ((كما سبقتنا إلى غسل حنظلة)). وما كان غسل الملائكة لحنظلة إلا لأجل الجنابة. لأنه لما رأى الملائكة تغسله، أنفذ إلى أهله فسألهم، فقالوا إنه خرج جنباً. فاعترض عليه حنبلي محقق، مع كون مذهبه كمذهب المستدل، لكن نصر الشافعي تذنيباً، فقال: هذه القضية لا حجة فيها. لأن سعداً ارتث ومرض؛ ومضى النبي صلع يعوده. وروي في التواريخ أنه بقي شهراً في بيته يعاد. وكوي عرق الأكحل، ولم ينتفع بكيه، ومات.

стр. 634

ومثل هذا لا يكون شهيداً إلا تسمية مجازية. مثل قوله ((قتيل بطنه شهيد)). فأما الشهادة التي تكون تطهيراً حكمياً-يعني عن الغسل- فلا. وحرصه صلع على غسله إنما هو غسل الموت. لكن قصد به فضل السبق. ولو عولنا على غسل الملائكة، وقلنا إنه يقوم مقام غسلنا، لما ضرنا. من حيث أنهم قد غسلوا أبانا آدم، وقالوا ((هذه سنة موتاكم، يا بني آدم! )) وشرع من قبلنا شرع لنا. وصلى جبريل بالنبي صلع واعتد بصلاته معه لما بين له الأوقات. وهم مكلفون يحسنون الغسل. ما المانع من صحة غسلهم وهم من أهل النية والتعبد؟ ومن صلح أن يكون إماماً في صلاة الفرض لرسول الله صلع لم يصح أن لا يغسل. وإنما الطريق بيننا وبين العلم بغسلهم، مع كونهم حافين، منقطع. ولو كان لنا صادق يعلمنا بأنهم غسلوا، لقبلنا وحكمنا بصحة غسلهم؛ لاسيما وهو فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المكلفين، ناب عن الباقين. وأما قوله ((كما سبقتنا إلى غسل حنظلة))، فيجوز أن يكونو علموا أنه لا يغسل الشهيد. فغسلته على حكم الأصل. وليس يلزم أن تكون الملائكة أعلم بالأحكام الشرعية منا. وقد جهل جماعة من أكابر الصحابة أحكاماً من كبار أحكام الشرع؛ كابن عباس في ربا الفضل الذي ترك وساده؟ وكان يأكل ما لم يفرق بينهما بالنظر والفرق بينهما. وكم وكم من أمور جهلوها! فليس الملائكة بأعلم منهم. فلا عبرة بسبقهم،

стр. 635

لأنه لم يثبت أن الملائكة التي تولت ذلك جبريل، ومن كان ينزل بالوحي؛ وهو سفير في إنزال القرآن وأحكام الشرع. ٦٠٢ - وجرت مسألة النباش فاستدل فيها الشيخ الإمام أسعد- أبقاه الله- بأن قال: النباش في معنى السارق. والنبش في معنى السرق، بمعنى أن النهي من الله تناوله. فكان الحق لله فيه بنهيه عنه. والقطع الذي هو عقوبة حق لله تع؛ بحيث يجب له، ولا يسقط بإسقاط المسروق منه. ومما يخصصه بالله تع أن الكفن في القبر معتمد حفظه على الله تع. إذ لا قدرة للميت على المحاماة عن كفنه. فتخصص بوكول الحفظ إليه. فتحقق أن الحق له؛ فالقطع الواجب له. يوضح هذا أن النائم، لما تراخت قوى الدفع عن سترته، وكان الحفظ معتمداً على الله فيه، وجب القطع. وتناول الماء غصباً ونهباً لما كان من أربابه، لما كانوا معولين في الذب عنه والدفع إلى قواهم وأسلحتهم، لا جرم لم يجب القطع على الغاصب والمنتهب. لأنه لم يخلص الاستحفاظ والاعتماد على حفظ الله سح. فاعترض عليه القاضي الإمام جمال القضاة- أبقاه الله- فقال: لا أسلم تخصص الاستحفاظ والحفظ ولا يخصص الحق لله سح. من حيث إنه وقف القطع على مطالبة آدمي. فالحق مشترك. على أن تعويلك على أن الحق لله، فهذا مما يضعفه ولا يقويه. إذ كانت حقوق الله،
следующие страницы →