Полный текст (756 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ولرب باكيةٍ عليـ ... ـي غناؤها عني قليل
٦٠٠ - كان قد استدل حنبلي على أن خبر الواحد يوجب العلم، وتثبت به الاعتقادات، بثلاث آيات: ﴿قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾؛ وقوله: ﴿أو لم يكن لهم آيةً أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾؛ وقوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾. والمراد بمن أشار إليهم من أسلم وصدقه؛ وهم كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، ومن أسلم. وجميعهم إنما هم آحاد، لا يرتقون عن الآحاد. وقد عول عليهم، ورد إليهم في أصل عظيم؛ وهو ذكره صلع في التوراة بعلامات الرسالة ودلائل النبوة، وشهادة التوراة له بذلك.
فاعترض عليها الشيخ العالم الأوحد عبد السيد بن الزيتوني- على هذه الآيات- بثلاثة أسئلة. أحدها أنه قال: إن الإحالة على هؤلاء إنما هو باختيار آحاد. فكأنك دللت على أن خبر الواحد يوجب العلم بخبر الواحد؛ والبناء بمثله ليس بصحيح؛ كما لا يستدل على القياس بالقياس. السؤال الثاني أنه قال: ﴿فإن كنت في شك فسئل﴾. وهذا يعطي أنك تترقى بسؤال لهم عن الشك إلى ما فوقه، وهو الظن. فأما العلم فلا يلزم مع إمكان حمله على الترقي من الشك إلى الظن.
стр. 632
الثالث أنه لو كان القطع لكان لا بقولهم وخبرهم؛ ولكن إذا أحال الله عليهم في السؤال، يجوز أن يكون علم أنه إذا سألهم أحدث له علماً عند خبرهم، لا عن خبرهم، ولا بخبرهم.
فأجاب الحنبلي المستدل بأن قال: أما السؤال الأول، فغير صحيح. لأن إثبات أعيان المسؤولين، إن كان آحاداً في التفسير بهم، فإنا نقطع على أنهم هم الذين أسلموا؛ إذ لا يوثق إلى غيرهم. وليس من أسلم بالغين عدد التواتر. فإذا علمنا ذلك فسواء جهلنا أعيانهم أو علمنا، لا يضرنا.
وأما السؤال الثاني، فإن الشك والظن سواء فيما طريقه العلم، جميعاً لا يؤثران في حصول إثبات نبوته في التوراة. فالترقية من الشك إلى الظن لا فائدة فيه. إذ لم يكن طريقاً لذلك؛ كما أن الشك ليس بطريق.
وأما السؤال الثالث، فلا يصح. لأن هذا يسد باب الأدلة كلها؛ لأن نص الكتاب يجوز أن لا يقطع به؛ بل يحدث الله العلم عقيب سماعه، ويعطل كل دلالة من معجزات الأنبياء أيضاً. وإنها لا تحصل بها، ولا يحصل بأدلة العقول حدث العالم، وإثبات الصانع؛ بل يحدث الله العلم. وهذا هو الذي أنكره العقلاء على أهل الخبر.
стр. 633
٦٠١ - جرى في عزاء الشيخ أبي الخطاب رحه مسألتان
الأولى منها الجنب إذا استشهد
هل يسقط بشهادته غسل الجنابة أم يجب غسله
فاستدل فيها حنفي، وهو القاضي الإمام الموفق أبو الفوارس بن الموصلي، بما روي عن النبي صلع أنه لما استشهد سعد بن معاذ قال النبي صلع ((قوموا بنا نغسله قبل أن تسبقنا إلى غسله الملائكة، كما سبقتنا إلى غسل حنظلة [بن] الراهب)). فوجه الدلالة أنه قد ثبت بإجماعنا أن الشهيد لا يغسل غسل الموت. فلم يبق إلا أن النبي صلع سابق إلى غسله لأمرٍ يوجب الغسل عن الموت. وليس على الرجل غسل غير غسل الموت، إلا غسل الجنابة. فثبت وجوب غسله عن الجنابة، وأنه لا تمنع منه الشهادة ولا تغني عنه. لاسيما مع قوله ((كما سبقتنا إلى غسل حنظلة)). وما كان غسل الملائكة لحنظلة إلا لأجل الجنابة. لأنه لما رأى الملائكة تغسله، أنفذ إلى أهله فسألهم، فقالوا إنه خرج جنباً.
فاعترض عليه حنبلي محقق، مع كون مذهبه كمذهب المستدل، لكن نصر الشافعي تذنيباً، فقال: هذه القضية لا حجة فيها. لأن سعداً ارتث ومرض؛ ومضى النبي صلع يعوده. وروي في التواريخ أنه بقي شهراً في بيته يعاد. وكوي عرق الأكحل، ولم ينتفع بكيه، ومات.
стр. 634
ومثل هذا لا يكون شهيداً إلا تسمية مجازية. مثل قوله ((قتيل بطنه شهيد)). فأما الشهادة التي تكون تطهيراً حكمياً-يعني عن الغسل- فلا. وحرصه صلع على غسله إنما هو غسل الموت. لكن قصد به فضل السبق. ولو عولنا على غسل الملائكة، وقلنا إنه يقوم مقام غسلنا، لما ضرنا. من حيث أنهم قد غسلوا أبانا آدم، وقالوا ((هذه سنة موتاكم، يا بني آدم! )) وشرع من قبلنا شرع لنا. وصلى جبريل بالنبي صلع واعتد بصلاته معه لما بين له الأوقات. وهم مكلفون يحسنون الغسل. ما المانع من صحة غسلهم وهم من أهل النية والتعبد؟ ومن صلح أن يكون إماماً في صلاة الفرض لرسول الله صلع لم يصح أن لا يغسل. وإنما الطريق بيننا وبين العلم بغسلهم، مع كونهم حافين، منقطع. ولو كان لنا صادق يعلمنا بأنهم غسلوا، لقبلنا وحكمنا بصحة غسلهم؛ لاسيما وهو فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المكلفين، ناب عن الباقين.
وأما قوله ((كما سبقتنا إلى غسل حنظلة))، فيجوز أن يكونو علموا أنه لا يغسل الشهيد. فغسلته على حكم الأصل. وليس يلزم أن تكون الملائكة أعلم بالأحكام الشرعية منا. وقد جهل جماعة من أكابر الصحابة أحكاماً من كبار أحكام الشرع؛ كابن عباس في ربا الفضل الذي ترك وساده؟ وكان يأكل ما لم يفرق بينهما بالنظر والفرق بينهما.
وكم وكم من أمور جهلوها! فليس الملائكة بأعلم منهم. فلا عبرة بسبقهم،
стр. 635
لأنه لم يثبت أن الملائكة التي تولت ذلك جبريل، ومن كان ينزل بالوحي؛ وهو سفير في إنزال القرآن وأحكام الشرع.
٦٠٢ - وجرت مسألة النباش
فاستدل فيها الشيخ الإمام أسعد- أبقاه الله- بأن قال: النباش في معنى السارق. والنبش في معنى السرق، بمعنى أن النهي من الله تناوله. فكان الحق لله فيه بنهيه عنه. والقطع الذي هو عقوبة حق لله تع؛ بحيث يجب له، ولا يسقط بإسقاط المسروق منه. ومما يخصصه بالله تع أن الكفن في القبر معتمد حفظه على الله تع. إذ لا قدرة للميت على المحاماة عن كفنه. فتخصص بوكول الحفظ إليه. فتحقق أن الحق له؛ فالقطع الواجب له. يوضح هذا أن النائم، لما تراخت قوى الدفع عن سترته، وكان الحفظ معتمداً على الله فيه، وجب القطع. وتناول الماء غصباً ونهباً لما كان من أربابه، لما كانوا معولين في الذب عنه والدفع إلى قواهم وأسلحتهم، لا جرم لم يجب القطع على الغاصب والمنتهب. لأنه لم يخلص الاستحفاظ والاعتماد على حفظ الله سح.
فاعترض عليه القاضي الإمام جمال القضاة- أبقاه الله- فقال: لا أسلم تخصص الاستحفاظ والحفظ ولا يخصص الحق لله سح. من حيث إنه وقف القطع على مطالبة آدمي. فالحق مشترك. على أن تعويلك على أن الحق لله، فهذا مما يضعفه ولا يقويه. إذ كانت حقوق الله،
стр. 636
لاسيما العقوبات، على الإسقاط بالشبه؛ والتعريض لإسقاطها، بل لعدم إيجابها، بقول الرسول، والإمام بعده، ((لعلك قتلت))؛ ((ما أخالك سرقت))، ((أسرقت؟ قل (لا)))؛ والرجوع بعد الإقرار. كل ذلك يعطي ضعف الحق. فكيف جعلته دليلاً على إيجاب القطع، وهو حد وعقوبة؟ ولأن الحرز لم يتحقق مع كون المال فيه لا لحفظه، لكن معرض للهلاك والبلى.
فقال الشيخ الإمام أسعد: أما حق الآدمي، فلا أنكره، لكن في حق ضمان المال. فأما العقوبة، فلا. وما هو إلا بمثابة إتلاف الأموال على أربابها. الحق في ضمانها لهم؛ وحق الله تع في النهي والعقوبة بالتعزير. وحد الزنا وضع لحفظ المياه عن الاختلاط، والإمساك عن الضياع. وكان المغلب في إيجاب الحد حق الله. ولهذا لا يسقط الحد في الزنا، ولا في السرقة، بإسقاط الآدمي، بعلم أنه ليس للآدمي حق في القطع. والمطالبة لا يقف استيفاء القطع عليها. بل إذا ادعى على السارق السرقة، فأنكر المدعى عليه، وأقام صاحب النصاب بينة، وجب القطع. ولم يترقب في استيفاء القطع وإقامة الحد مطالبة الآدمي به. بخلاف القصاص عندنا جميعاً. وحد القذف عندي، لما كان حقاً لآدمي، وقف على مطالبته به، وسقط بإسقاطه له.
وأما قولك إن حق الله في العقوبات مبني على الإسقاط، لا يمنع وجوب حقه، كالزنا؛ بل يختلف حق الله في العلو والدنو. كحد البكر يدنو، بكونه جلداً، عن حد الثيب، بكونه رجماً، لكنهما جميعاً حق الله.
стр. 637
وأما قولك الحرز له يتحقق، فإني لا أعول، ولا عولت في دليلي، على الحرزية، ولا تحقيق السرقة؛ بل عولت على أن الحق لله، وقد قررته. وإذا كان بمعنى السرقة، كفى هذا. كما قال أبو حنيفة: تجب كفارة الجماع بالأكل، لا أنه جماع؛ لكنه لما كان في معنى الجماع، اكتفى بذلك عن أن يحققه جماعاً؛ بل اكتفى بكونه كالجماع في كونه هتكاً للصوم بمقصود حسه، وبما نذكره هناك.
وكان السائل قد قال له ((هذا إثبات حد بقياس، وخصمك لا يتقبل القياس دليلاً في باب الحدود))، فقال: ((قد علم من أصلي إيجاب الحدود بالقياس؛ فدفع سوال السائل بهذا القدر)). وكان السائل من أصحابه، فما استقصى عليه بالمطالبة بدليل ذلك. ولما انقطع الكلام، قال حنبلي يحقق، وقد سأله بعض أصحابه في الطريق ((ما الذي كان يتوجه لك على استدلال الشيخ أسعد))، فقال: هب أن الحق لله، أو المغلب فيه حق الله؛ لكن الحق مطلق، غير مشروط، أم مشروط؟ فإن قلت إنه حق غير مشروط، خالفت الإجماع. إذ كان الحرز والنصاب شرطين، لاب؟ . فإن قلت ((بل هو مشروط بما ذكرت لحق مشروط))، لم يتحقق شرطه كيف يستوفى. فهو كالرجم المشروط له الإحصان، وحد القذف المشروط له العفة. فلا حقوق الآدميين وجبت استيفاؤها دون شرطها، ولا حقوق الله تع. وأقر بأن القبر ليس يحرز من الوجوه المعلومة؛ وأنه لو كان حرزاً للكفن، لكان حرزاً لجنسه من الثياب، ومن حيث إن
стр. 638
الضرورة ألجأت إلى ترك الكفن فيه. وإلا فالستر بالتراب كافٍ؛ أو الستر بأوراق الأشجار التي أجزأت في الصلوات المفروضة وستر بها آدم أبو البشر؛ وبالحشائش التي قنع بها الرسول لستر عمه حمزة، حيث ستر به رجليه، لما لم تعم النمرة جميع جسده. ومن حيث قدم الشرع سترته على قضاء دينه الذي ترتهن به ذمته في قبره. وإذا كان وضع حاجة، لا وضع حفظ وإحراز، لم يكن معتداً به حرزاً. كالثمر على رووس النخل؛ فإن صاحبها يود أن يحرزها، لكن لما لم يكن ترك حاجة، ولم يكن حرزاً، يقطع سارقها.
وقولك إنه مما وكل حفظه إلى الله، واعتمد عليه، فهذا يعطي ضد الموضوع شرعاً. لأن الإحراز بالأبواب والأقفال والأغلاق وغاية التحصن والتحفظ هو الذي جعل شرطاً، وإن كان التحرز قد ضاد التفويض في الحفظ إلى الله. ومن هون الأمر في التحرز، سقط القطع بسرقة ماله. فكيف يجعل مثل هذا علة في إيجاب العقوبة؟ وهذا ليس بأصل يضاهي أصل الشافعي. فإنه جعل قطع اليد والرجل في قطع الطريق؟ الذي يلحق فيه الغوث. وجعله بمثابة من قطع على أمواله في الصحارى. ولهذا قال في القبر في البرية ((لا يقطع)). والاعتماد على الله، واستحفاظه بالله، أشد من الدافن لميته في مقابر الحضر.
وقال بعض الفقهاء في الطريق: ما تقول فيمن سرق التابوت
стр. 639
والميت فيه؟ فقال له حنبلي يحقق: إن كان في القبر، قطع أيضاً. لأنه سرق من الحرز. وإن كان الميت في صندوق مقفلٍ مكفناً، وسرق الصندوق، فقد أخذ الحرز؛ وما سرق من حرز، فلا يجب.
٦٠٣ - وجرى فيما بين قوم
مذاكرة في السلف الصالح مع الخلف الصالح
فأخذ رجل يقول: النبي صلعم قال ((خيركم القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). فطبقهم طبقات. فدل على أن السلف أفقه، وأعلم، وأصلح، وأخير. وما بقى الأول للأخير شيئاً. وهؤلاء فقهاؤنا من بحار أولئك اغترفوا. - وكاد يغلو في الصحابة، ويزدري بفقهائنا وصلحائنا.
فقال حنبلي محقق: اعلم أنك أغفلت حقوق المتأخرين وفضائلهم. أما سمعت قوله صلعم ((رب حامل فقه غير فقيه؛ ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)). ولاشك أن الحامل قد يكون صحابياً، والمحمول إليه تابعياً؛ والحامل تابعياً، والمحمول إليه تابعي التابعي. وقد شهد له بأنه أرجح وأفقه. وقال: ((واشوقاه إلى إخواني! )) قالوا له: ((ألسنا إخوانك؟ )) قال ((لا، أنتم أصحابي؛ إخواني قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني؛ يؤمنون بالورق المعلق؛ يصلحون إذا أفسد الناس؛ النزاع من القبائل الهاربون بدينهم من شاهق إلى شاهق)). فلا تلتفت عن هذه الفضائل
стр. 640
وتقتصر على أولئك.
ثم قال: إذا حققنا النظر، وجدنا أن الذي ترك السلف الأول وهجروه لا يفتخر بتركه. فإن غاية ما هجروا صوراً في حجر أو شجر؛ كالعزى واللات. وأي مجاهدة للنفس في ترك هذه وهجرانها، واعتقاد نفي الإلهية عنها، والمشاركة لله بها. وغاية ما كان من الشبهة أنها معبودات أسلافهم؟ وإذا كشفوا ما تركوا من اعتقادهم وافتخروا بذلك افتضحوا. وأما الأواخر، فإنهم بلوا بفلاسفة وطب ومنجمين وأرباب بدع تحيرت العقول فيها من تخيل الشبه. ثم في الفقه نظروا إلى ما قال السابقون وعرفوه وتدبروه. وبحثوا وكشفوا ما كان يستره التقليد وتعظيم الأكابر، وأمعنوا في المقاييس وميزوا الشبهة عن الحجة، ودحضوا التخيلات بالبراهين. وأسقطوا حكم الظواهر المخيلة لإثبات الأعضاء لله تع والصورة والنقلة بالنصوص الماحية لتوهم المتوهمة من المجسمة. فإذا قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾، جاء بقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾؛ ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾، ﴿فلما أفل قال لا أحب الآفلين﴾. واستحضر قوله في الكتب الأول: جاء الله من طور سينا؛ وأشرق من جبال ساعير. واستعلن من جبال فاران. وكان مجيئه من طور سينا المراد به التوراة وموسى؛ وإشراقه من جبال ساعير مجيء الإنجيل وعيسى؛ وكان استعلانه من جبال فاران القرآن ومحمد. والدلالة الصارفة لـ ((مجيء)) دلالة
стр. 641
العقل التي أوجبت حدث كل جسم، وإنكار الإلهية عن النجوم بالأفول، وهو الهبوط بعد العلو والأفول بعد الإشراق.
فهذا كله أين كان من الأوائل الذين لم؟ الأدلة عندهم ولا انتشرت بينهم المناظرات الكاشفة لأسرار المعاني؟ فأين قاطع الشبهة إلى دافع الهمة للصورة في الصخرة؟ وأين علاج هؤلاء العقلاء الفطناء المحققين من مجادلة قوم يقولون في حق محمد صلع ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾؟ وقولهم ((أهذا)) كلمة استقلال. فاستقلوا عربياً ناطقاً أصيلاً صادقاً كريماً صيناً وقوراً، لا يسمر مع السامرين، ولا يعبد الأصنام مع العابدين بفطرة عقله وحسن نظره. فاستنكفوا أن يكون مثله لله رسولاً، وجاؤوا إلى صخرة مصورة لم يستنكفوا أن يجعلوها لله شريكاً. ومعلوم أن الشريك أكبر وأعظم رتبة من الرسول. ومن كانت هذه عقولهم، وهذا مقدار نظرهم، لا تحتاج دعايتهم إلى معالجة. إذ ليس حجة بنظر ولا بشبهة تحكماً. وتذكر غاية قولهم ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾، ﴿يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾.
أين هؤلاء الجهال إلى معالجة الأواخر ممن نصر الطفرة، ودقق في إثبات الطبع، أو دقق في نفي الأقدار، وخلق الأفعال، ومقاساة لمن أثبت الأكساب، لمن قال بمحض الأخبار، وتعلق بالمتشابهات من الآيات في إثبات الأعضاء والأبعاض، وإلى أمثال ذلك من الكلام في
стр. 642
الحقائق؟ فأين من بلي بدفع من أشرك بالله لعيه إلى من دقق في الشبهة وخيلها بصورة الحجة بأعذب لفظ وأملح إيراد؟
فأمسك الحاضرون إمساك إفحام عن الخوض فيما سبق لهم من الكلام.
٦٠٤ - قال الحسن: نعمتان عظيمتان على ابن آدم: السهو، والغفلة. ولولاهما، ما مشى اثنان في الطريق.
٦٠٥ - وقال مطرف: لو علمت متى أجلي، لخشيت على ذهاب عقلي؛ ولكن الله من على عباده بالغفلة عن الموت. ولو أزال الغفلة، لما تهنأوا بعيش، ولا قامت بينهم سوق.
٦٠٦ - روى المعير قال: سرنا إلى مكة في جماعة من الصوفية ومعنا عبد أسود؛ وكان سكيتاً. فلما بلغنا ذات عرق، خلعنا ثيابنا ولبسنا إحرامنا ولبينا؛ فلم يلب. فلما كان من الغد، قال شيخ لنا مقدم علينا: من شرط الحج التلبية، وأنت ما لبيت. فقال: أقول ((لبيك)) وما قال لي ((يا مقبل))؟ فصلى بنا شيخنا، وقال مقبل ((لبيك)) وخر ميتاً.
٦٠٧ - قال حنبلي: لو لم يسبق في العقل حسن وقبيح سبق العلم بالشرائع،
стр. 643
لما حسن في الشرع توبيخ وتعنيف على فعل. إلا أن يكون قد سبق به أمر من الشرع فترك، أو نهي ففعل. فلما قال: ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾؛ ﴿أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين﴾، ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار﴾، ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً﴾، فهذه كلها توبيخات عقلية؛ فوبخ الشرع أرباب العقول التي سبق فيها القبح والحسن. وقوله: ﴿أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به﴾؛ وهذا توبيخ على ترك التحرز من المضار، وهو من قضايا العقول. وقوله: ﴿وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم﴾؛ كل ذلك إيجاب التحرز؛ وما أوجب التحرز إلا العقل.
٦٠٨ - قال حنبلي في تفضيل اجتهاد الأواخر على الأوائل: هاتم حتى نشرع في تخليع هذه المسألة، فنقول: هل يحسن في العقول أن يمتن الرسول صلع على عباد الأصنام من الجاهلية، فيقول: ((انا الذي استنقذتكم من الحجارة والشجر، ودعوتكم إلى عبادة الله تع الصافية من كل شرك بشوب وكدر؛ أنا الذي نبهتكم على تقبيح عبادتكم لما تجنته أيديكم، وصورته جوارحكم، وقد كان الأقرب أن تستعبدوا ما صنعتم؛ فأما أن تعبدوا وتتضرعوا لما صنعتموه فقبيح نبهتكم عليه! )) ولا يحسن
стр. 644
منهم الامتنان بأن يقولوا له حين اتبعوه: نحن الذين هجرنا عبادة الأصنام، واطرحنا آلهتنا المشكلة في الأحجار، التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، واتبعناك في عبادة الله وحده الذي يجيب المضطر إذا دعاه، الذي يؤاخذ الظالم، وينتصف للمظلوم، ويكشف السوء. فيجب أن تتقلد لنا المنة في اتباعك)). هل عاقل يوازن بين المنتين، ويشتبه عليه حكم القولين؟
فإذا جئنا إلى الأواخر، حسن أن يفتخر أحمد بن حنبل رضه بأن يقول: ((أنا الذي بليت بزمان باتباع الأئمة الخلفاء، كالمعتصم والواثق، يحملوني على القول بخلق القرآن، ونفي رؤية الرحمان، ويضربوني بالسياط، وأنا أقول هلم (كيف أقول ما لم يقل؟ ) - يعني ما يقوله السلف- حتى إن جعفر الصادق يقول فيه (ليس بمخلوق ولا خالق))). فبمثل هذا يحسن الافتخار والامتنان. فهل بان فضل الأواخر وغاية ما احتج به عبدة الأصنام قولهم ﴿أن نترك ما يعبد آباؤنا﴾؟ أجابهم الله تع فقال: ﴿أو لو كان آباؤكم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون﴾. فانقطع لسان التقليد للأسلاف.
٦٠٩ - سأل سائل عن قصة شعيب ولوط كيف اقتصرا على الإنذار على فرعين وهما النهي عن الزنا واللواط، وتركا ذكر الكفر. وجعل الله الوعيد
стр. 645
والتقبيح لهذين الفعلين. وأمسك- أو يقول- سكت عن ذكر الشرك. وهذا إن لم يدل على أن هاتين المعصيتين أكبر، فلا أقل من أن يكونا سواء. حيث أكبر أمرهما وقابلهما بالاستئصال والنكال في الدنيا. وهذا يعطي مساواتهما والكفر في إيجاب الوعيد.
فقال حنبلي: إن الأمر فيما يتعلق بالوعيد وإيقاع الاستئصال لا إلى نفس ارتكاب المعصيتين، لكن إلى الكفر. لأنهم كذبوا بتحريم ذلك، وكذبوا رسولهما فيما أخبرا به عن الله. ولو صدقا الرسولين وارتكبا النهيين لإفراط شهوة وغلبة طبع في محبة اللواط والزنا، ما عرفنا كيف يكون الحال. فقد بان بهذا أن الاستئصال كان بتكذيب الرسولين. وقد صرح القرآن بذلك حيث قالوا: ﴿أتنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا﴾، ﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾. فأكبروا نهيه عن اتباع آبائهم في الشرك. ويكفي ذلك، ثم قالوا: ﴿أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ من زيادة نعطيها لمن اقترضنا منه، أو نقصان نرضي به من أقرضناه. وهذان يدلان على استباحة ذلك واستحسانه، وتكذيب من جاء بتحريمه. وهذا إيضاح وإفصاح بما يوجب الكفر.
٦١٠ - ذكر أبو زيد، وهو من مشايخ أهل اللغة، أن ((على)) قد يرد بمعنى اللام. قال: وذلك أن العرب تقول ((صف علي كذا)) - أي: ((لي)).
٦١١ -
стр. 646
قال عالم: العقل أفضل ما منحه الله خلقه، وامتن به عليهم في استعماله في طاعة مانحه وتعظيم أمره ونهيه، ليقع الشكر من النعمة موقعه، واستعمله بعد ذلك في مكارم الأخلاق مع خلق الله. فإن من جميل شكره الإحسان إلى خلقه. وثمرة العقل طاعة الله فيما أمرك به ونهاك، وعدلك في معاملة الناس في التأدب لهم والإنصاف. فعقل لا يثمر طاعة الحق ولا إنصاف الخلق، كعين لا تبصر وأذن لا تسمع.
٦١٢ - جرى في عزاء الشيخ الإمام أبي الخطاب
مسألة إهداء الثواب إلى الأموات
استدل فيها شافعي، وهو جمال الأئمة ولد الشيخ أبي بكر الشاشي رضه، بقوله تع: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
فاعترض عليه حنبلي محقق فقال: أنا قائل بالآية. ولكن هذا من آثار سعيه. لأنه لا يصدر هذا إلا من قريب، أو ولد، أو صديق أكتسب موالاته؛ أو كان ولداً، فهو من كسبه، حيث قال النبي صلع: أولادكم أكسابكم، فكلوا من أطيب كسبكم. وقال الله تع: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. وآثار أكسابه كسب له. قال سح: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾. ولهذا قال الشافعي، كما قال أحمد وزاد عليه، فيمن مات ولم يحج: والعبادة عبادة بدن وقد هلك محلها وهو
стр. 647
البدن، ينتقل إلى ماله ويقوم بدن غيره مقام بدنه، عندك إجارةً وعندنا نفقةً. وأبو حنيفة يقول: إن وصى حج عنه، استناداً إلى قوله ((حجوا عني)). فهذا كله فرض على البدن قام بدن غيره مقامه. وصار ماله الذي توصل به إلى حج ببدن غيره سعياً له حكماً، كأنه حج ببدنه. والأفعال الحكمية كلها كذلك. مثل آثاره من الشر حفر البئر ونصب السكين يتعلق عليهما ضمان يلزمه، كأنه فعله؛ حتى يتعلق على أمواله بعد موته، فيخرج من تركته؛ ويسقط الطائر أو السمك أو الوحش في أحبولته ومناجله، فيقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه وتكون لورثته. فهذه آثار الأفعال على ما نرى.
قال المستدل: هذا عندي يكون واصلاً بالقراءة عند قبره؛ لكن لا ينتقل من قراءة القارئ وثوابه شيء؛ بل ينفع الله الميت بثواب يخصه به.
قاله له: فلم يبق لك في الآية دليل. إذ كان له ثواب عند سعي غيره فيما لا سعي فيه. على أن الآية نفي علم؛ فهو ظاهر وعموم، وخبري خاص. وخصوص السنة يتناول الحكم بخصوصه، فيقضي على ظاهر الكتاب وإن كان طريقه قطعياً. وهذا مذهب الفقهاء.
٦١٣ - وجرت مسألة في صول الفحل
فاستدل فيها حنبلي بأنه تلف عن دفع جائز، فلم يوجب ضماناً إذا عقبه تلفه؛ كدفع العبد الصائل.
стр. 648
اعترض عليه الشيخ الإمام أسعد- حفظه الله- فقال: استفسرك فأقول: ((هل جائز على الإطلاق من غير تعد أو مع التعدي؟ )) فإن قلت ((من غير تعد)) فذاك أنا موافق لك فيه، وأنه لا ضمان؛ وإن قلت ((مع التعدي)) فلم قلت ((لا يضمن مع التعدي)) والتعدي هو أنه تلف به مال مضمون، وهو مال السيد، لأنه معصوم به، إذ لم يكن من جهته شر؟ فالذي يخص الدفع لا ضمان فيه، ولا حق؛ والذي يخص السيد، وهو ماليته، لا وجه لسقوط حقه منه. فالدفع قابل الصيال الصادر عن الفحل، فلم يتعلق عليه شيء، وبقيت مالية المالك الذي لم يتعد من جهته تعد ولا إذن. فلا وجه لسقوط ضمانها لأجل صول صدر عن الفحل.
قال الحنبلي: لا نجعل للصول جهتين. لأن الصول صدر عن الفحل؛ والفحل صال بماليته. لأنه مال بكونه حيواناً مخصوصاً. فلما صدر الصول عنه، صار الضرر صدر عن مالية السيد. وإذا قال السيد: ((الفحل صال، وقد دفعتم صياله بقتله، ماليتي أنا أين تمضي، وبم تسقط؟ )) قلت له: ((ما صدر الضرر إلا عن ماليتك؛ فصدرها عن ماليتك كصدرها عنك؛ وليست ماليتك بأكثر منك. ولو صدر الصيال عنك، زالت عصمتك. فمالك دونك في زوال عصمته بصدر الصيال عنه. كقنديل علقته، أو جرة، فهويت نحو رأس إنسان، فدفعها، فانكسرت؛ والسلاح الذي صال به؛ والفرس الذي حمل بها على المصول عليه، فدفعها عنه حال الصيال؛ لما نشأ الشر عن محل المالية، سقط ضمان المالية.
стр. 649
قال: ولم كان كذلك؟ أنا مطالب لك في هذا كله لم كان.
قال الحنبلي: لأن المقدم للدفع عن نفسه، متى علم أن عليه ضماناً، تقلص عن الدفع؛ والباري أباح الدفع لحفظه؛ فلا وجه لتقييده بما تجعد عنه.
قال: فقد أباحه؛ ولم يوجبه؟
قال [الحنبلي]: بل أوجبه لأن النفوس ودائع عند أربابها، وليست لهم. بدليل أنه يجب عليهم حفظها بما يتحقق الحفظ به. وهو أكل مال الغير عند الضرورة، والميتات. وجميع ما ذكرت باطل بمالية العبد ومالية الصيد.
قال: العبد دمه له؛ ولهذا يصح إقراره به.
قال الحنبلي: لا أسلم؛ بل الدم لله؛ ولهذا لا يملك إباحته لغيره.
قال: فسقطت مالية العبد تبعاً وضمناً.
قال الحنبلي: وحرمة الصيد بالحياة. فإذا أباح الله سح الدفع المتلف للحياة، سقطت أيضاً مالية السيد ضمناً، ولا فرق. ولنشوء الشر من المحل عملٌ ليس نشوؤه من غيره. بدليل أنه يصير كالمتلف لنفسه. ولهذا قال الفقهاء إنه لو حلق الشعر لأجل هوام رأسه، والصداع الذي يعرض له بشعره، أبيح حلقه. قال سح: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية﴾. وقال النبي صلعم لكعب بن عجرة: ((أبلغ
стр. 650
بك الجهد هكذا؟ )) وأباح الحلق مع الفدية. وأجمع الفقهاء على أنه إذا ثبت في أجفانه الشعر، وصار الشعر هو الملجئ إلى أخذه، أخذ بالمنقاش ولا شيء عليه. ولأن جميع ما عولت عليه من المالية باطل بتحطيم السلاح من جهة العبد الصائل، وجذب يده من فم الفحل فينقلع لذلك سنه، أو قرنه، الذي هو كالأسلحة للصائلين والبغاة، لا يضمن ماليته. - والسلام. فمتى حسن في العقل أو الشرع أن يتلف محل بالدفع لشر ناب عنه، فيعقب ذلك التلف غرامة للمحل الذي أتلف بدفع شره.
٦١٤ - لمعاوية- رضوان الله عليه وسلامه:
[الطويل]
تطاول ليلي واعترتني وساوسي ... لآتٍ أتى بالترهات البسابس
أتاني جرير والحوادث جمة ... بتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أن الشام أعطت طاعةً يمنيةً ... تواصفها أسيافنا في المجالس
فإن تفعلوا نصدمه يوماً بجبهةٍ ... يغث عليه كل رطبٍ ويابس
أكابده والسيف بيني وبينه ... ولست لأثواب الدني بلابس
وإني لأرجو خير ما نال بابك ... وما أنا من ملك العراق بآيس
стр. 651
لكشاجم:
[المتقارب]
مجالسة السوق مذمومة ... وفيها مجالس قد تستحب
فلا تقربن غير سوق الدواب ... وسوق السلاح وسوق الكتب
فتلك مجالس أهل الهوى ... وهذي مجالس أهل الأدب
٦١٦ - قال حنبلي: الحمد لله الذي حفظني بعواصم نعمه عن قواصم نقمه.
قال: ونقلت من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق عن المدائني قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى عمرو بن سعيد حين خالفه: رحمتي إياك تصرفني عن الغضب عليك لتمكن الخدم منك، وخذلان التوفيق إياك؛ وبإساءة همتك نهضت أطماعك أن تستفيد بها عزاً كنت جديراً لو اعتزلت ألا تدفع لمثلها ذلاً. ومن رحل عنه حسن النظر، واستوطنته الأماني، ملك الجبن تصرفه، واستفزت عنه عواقب أموره. وعن قليل تبين من سلك من سبيلك بمثل إساءتك أنه أسير طمعٍ، وصريع خدعٍ، ومغيض ندمٍ. والرحم يحمل على الصفح عنك ما لم تحلل عليك عواقب جهلك وتزجر عن الإبقاء عليك، إذ كان الرأي ذلك.
стр. 652
فأجابه عمرو عن ذلك بأن قال: استدراج النعم أفادك البغي، ورائحة القدرة أورثتك الغفلة، وزجرت عما واقعت مثله، وندبت إلى ما تركت سبيله. لو كان ضعف الأسباب يؤنس الطلاب، ما انتقل سلطان إلا ذل. وعن قليل يتبين من صريع بغي، وأسير غفلة. والرحم يعطف على الإبقاء عليك مع دفعك عما غيرك أولى به منك. - والسلام.
٦١٧ - في الحديث أن النبي صلع قال: إن الناس يعطون أجورهم على قدر عقولهم دون أعمالهم.
٦١٨ - وروى ابن عمر أن النبي صلع قال: اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة؛ فإن جار البادية يجول.
٦١٩ - من كلام علي عم: الهيبة خيبة؛ والحياء يمنع الرزق. وعليكم بالصبر؛ فإن الحازم به يأخذ، والجازع إليه يرجع.
٦٢٠ - وروي أنه سئل بعضهم: كيف أصبحت؟ قال: لا كما يريد الله، ولا كما يريد الشيطان، ولا كما أريد. فإن الله يريد أن أكون من الصالحين، ولست منهم. والشيطان يريد أن أكون من الكافرين، ولست منهم. وأنا أريد أن أكون ذا مال، ولست كذاك.
стр. 653
قال حنبلي: هذا قول مخرف. وإلا فلا يجوز أن يكون حال أحد لا كما أرادها الله له ومنه.
٦٢١ - قال أهل اللغة: ((كاد)) يجيء بمعنى المقاربة للشيء ((يكاد زيتها يضيء))، و ((لو لم تمسسه نار، تكاد السماوات تتقطرن منه)). ويجيء بمعنى الإرادة ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ ((أردنا به وله)).
٦٢٢ - استدل حنبلي على وجوب غسل الجنب الشهيد، وهو مذهبه ومذهب أبي حنيفة قبله، بحديث حنظلة بن الراهب، وأن النبي صلع قال: إني رأيت الملائكة تغسله فاسألوا أهله. فقالوا: إنه خرج جنباً.
فاعترض عليه حنبلي لمذهب الشافعي، فقال: أول ما يجب أن يحقق على الملائكة هل تعتد به عن غسل الآدميين، وأي شيء هو؛ هل هو غسل بالماء، أو حكاية الغسل؛ مثل مسحه بأجنحتها. والخطأ قد يدخل عليها، فتظن أن إكرامه غسله، ولا تعلم حكم الشهيد. والدليل على أن ليس حكم أفعالها حكم أفعالنا أن الواحد منا، لو عقد نكاحاً، وجعل حضور ملكي حفظ الأعمال قائماً مقام حضور الشاهدين من الآدميين، لم يصح النكاح. ومعلوم أن المغلب الحضور في شهادة النكاح. فهذا من طريق الحكم. وأما من طريق الحقيقة، وأن أفعالهم لا تؤثر
стр. 654
ما تؤثره أفعال، ما ألزمناه من جحد عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، أنا لو وضعت على صدره خردلاً أو سمسماً، وعدنا فنظرناه، لم نجد ذلك الحب تبدد ولا تغير كما يتغير ويتبدد إذا أجلسه آحادنا.
فقال الحنبلي المستدل: هذا كلام ليس بصحيح. فإن أفعال الملائكة معتد بها إذا أخبرنا الصادق وقوعها. بدليل أن جبريل صلى بالنبي صلع عند البيت. ومن يعتد بصلاته كيف لا يعتد بغسله؟ ولأن في الحديث ما يمنع ذلك. فإن النبي صلع استعلم عن حاله. ولو كان غسل الملائكة لا يعتد به، لما سأل عنه وعن سببه. لأن ما لا يقع موقع التعبد، يقع كرامة وتعظيماً فقط؛ وما يقع كرامة، فلا يسأل عن سببه. فإن الأسباب التي يقع الإكرام عليها من الله لا تقف على أمر يعلمه أهله من أفعال الخير المكتومة والأسرار التي لا يعلمها إلا الله تع. وكيف يقول هذا وآدم أبو البشر عم غسلته الملائكة، وصلت عليه، وقالت لأولاده: ((هذه سنة موتاكم، يا بني آدم))؟ ولأن النبي صلع قال، لما مات سعد بن معاذ، وكان فيه من الجراح المثخن ما ورد في النقل: ((قوموا بنا نغسله كيلا تسبقنا الملائكة كما سبقتنا إلى غسل حنظلة بن الراهب)). وهذا يدل على الاعتداد بغسل الأول والثاني. وهو ممن كانت الأنصار تفتخر به وتقول ((منا غسل الملائكة))، كما افتخر قوم سعد بن معاذ بأنه اهتز له عرش الرحمان. واهتزاز العرش لا يخلو أن يكون اهتزازاً لمسرة بصعود روحه إلى السماء، وإعظاماً لقتله، وإكباراً لما عانه من ألم الجراح.
стр. 655
وأما قولكم إن أفعالنا لا تقع لها آثار، فكلا. ونحن نرد بهذا على من جحد سؤال منكر ونكير. وهو أن الله سح أخبر بذلك في قتلى بدر من المشركين، حيث قال: ﴿إذ يوحى ربك إلى الملائكة﴾، إلى قوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنانٍ﴾. وكان ذلك موجودًا يوم أحد. فعرفت آثار ضربات الملائكة لهم. وروي أن تلك الآثار كانت سودًا لا دم فيهم ولا منها. ويصدق ذلك ما نراه من وقع الصواعق، وأن آثار وقعها تكون كالكي. وهذه آثار ظاهرة لأفعالهم الباطنة عنا. فبطل القول بأن أفعالهم لا آثار لها ولا حكم؛ إذ قد ظهر حكم أفعالهم وآثارهم بما ذكرنا.
ثم عارضوا في المعنى. فقال المعترض لمذهب الشافعي على كلام المستدل: إن غسل الميت الذي يختص الموت سقط بإجماعنا. وكان سقوطه عناية من الشرع باستبقاء أثر الشهادة. والغسل لأجل الجنابة قد يسقط لعذر في حال الحياة. واستبقاء آثار الشهادة، إذا ظهرت عناية الشرع به، كان مانعًا من الغسل عن الجنابة. وما معنا أن غسل الملائكة أزال الدم وآثار الشهادة في حق حنظلة.
وأما ما استطردت من حديث سعد بن معاذ، فلا حجة فيه فيما قصدت أنه عن الجنابة, لأن السيرة والتواريخ تنطق بأنه مكث شهرًا يعوده النبي صلع والصحابة؛ وأنه كان قد أصابه سهم عرب في الحلة، وأمر النبي صلع بكية؛ وأنه لم يرق بالكي. فثبت أنه لم يكن غسل إلا غسل الجنابة. إذ قد أجمعنا [على أن] من ارتث وبقي وتطاول هذا الطول،
стр. 656
ومكث شهرًا يعاد، لم تكمل شهادته التي توجب إسقاط غسل الموت.
٦٢٣ - روى موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عن رسول الله صلع أنه قال: العمائم تيجان العرب؛ والحى حطان العرب؛ وجلوس المؤمن في المسجد رباط.
قوله تع: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾. قيل في التفسير: تجعلون جزاء نعمتنا عليكم برزقكم تكذيبكم برسلنا.
٦٢٤ - جرى بالمدرسة النظامية
مسألة الإيمان هل يعتبر في إحصان الرجم
استدل فيها حنبلي محقق بما روي عن ابن عمر أن النبي صلعم أتي بيهوديين فجرًا بعد إحصانهما. فأقر بهما، فرجما. وهذا يعطي أنه رجمهما لفجورهما بعد إحصانهما؛ وهما يهوديان. ولم يمنع كفرهما إحصانهما.
اعترض السائل بأنه يحتمل أنه رجمهما بحكم التوراة. إذ لو كان رجمهما بحكم الإسلام ما أخرج التوراة. ووافق ابن صوريا على آية الرجم. حيث جعل يترك يده عليها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك.
فأجاب المستدل بأن النبي صلعم متى حكم بشيء كان شرعًا له وإن وافق التوراة والإنجيل؛ فأما أن يبتدئ حكمًا بالتوراة أو الإنجيل. فكلا
стр. 657
وإنما أراد تكذيبهم حيث زعموا أنه يحكم ولا يرجم. وكان الغرض في إظهار كذبهم أنهم بالكذب في جحد نبوته وما ذكر في التوراة من أعلامها أولى أن يحرصوا على كتم ذلك. وقد يكذب الإنسان بما لا يعول عليه المكذب اعتمادًا على تكذيب مقالته بمقالته ودعواه بدعواه.
وجاء الشيخ الإمام أسعد، فذنب على السائل نصرة لمذهب أبي حنيفة، على ما جرت به العادة، فقال: هذا أصل كبير وخطب جسيم، وهو الرجم لا يثبت بخير واحد. ولم يرو هذا إلا عبد الله بن عمرو؛ وغاية ما يوجب الظن. نعم؛ ومن أصل أبي حنيفة أنه لا يقبل إلا رواية فقيه؛ وابن عمر وألو هريرة لم يكونا من فقهاء الصحابة. نعم؛ وليس بأمر عملت به الصحابة، وكثر عملها به، فتأكد بفقه الراوي وعمل الصحابة به.
فأجاب الحنبلي المستدل بأن خبر الواحد يوجب العلم. وهي رواية ظاهر كلام أحمد، حيث أثبت بأخبار الآحاد الصفات، إذا تلقتها الأمة بالقبول. وأنا إذا منعت قولك بأنه يوجب الظن بقولي، بل عندي يوجب العلم، كفاني عن أني لا أقنع بذلك، حتى أدل على ذلك بقوله تع: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب﴾؛ ﴿أولم يكن لهم آية أن يعمله علماء بني إسرائيل﴾؛ ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وإنما أحال على آحاد أخبروا بمعاله في التوراة، وذكر الله له فيها بما استدل به الأصوليون من المسلمين؛ وهم من
стр. 658
أسلم وصدقه، كوهب بن منبه، وكعب، وعبد الله بن سلام؛ وتصديقه صلع على ما ادعاه بأنه مذكور في التوراة بقوله: ﴿النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل﴾. وهذا أصل لا يقنع فيه بالظن؛ بل لا يكفي فيه إلا القطع. ولما أحال عليهم، دل على أن خبرهم أوجب القطع. وكان صلعم يدعو إلى الإسلام كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الحبشان بالكتاب على يدي آحادٍ. ولو لم يكن ذلك موجبًا للعلم، لما دعاهم بما لا يثبت به الدين إلى الدين. فهذا وجه. ثم لو كان موجبًا للظن، فما زلنا نترك ما كان قطعًا بأخبار الآحاد. فإن براءة الذمة وخلو الساحة من إراقة الدماء وإباحة الفروج، كل ذلك قطعنا به الدليل [ ... ]
٦٢٥ - [ ... ] صاحبها إن ذكرت أعانك. فما أقبح الفقر بعد الغنى! وأقبح من ذلك الكفر بعد التقى.
٦٢٦ - تقول العرب: رف حاجبه يرف، إذا اختلج؛ ورف البيت يرف، من الري؛ وثغر يرف إذا برق؛ ورف يرف، إذا أكل -بضم الراء.
стр. 659
٦٢٧ - شعر:
أتعمى عن الدنيا وأنت بصير ... وتجهل ما فيها وأنت خبير
وتصبح تبنيها كأنك خالد ... وأنت غدًا عما بنيت تسير
فلو كان ينهاك الذي أنت عالم ... لقد كان فيما قد بلوت نذير
أترفع في الدنيا البناء مفاخرًا ... ومثواك بيت في العراء قصير
فدونك فاصنع كل ما أنت صانع ... فإن بيوت الميتين قبور
٦٢٨ - تقول العرب ((أوردت الإبل فتغمرت)) أي شربت شيئًا يسيرًا لم يروها. ومنه اشتقاق ((الغمر، )) وهو القدح الصغير. واشتقاقه أيضًا من ((الغمر، )) وهي من مرارة يجدها المرء في جوفه؛ ويقال ((في قلب فلانٍ عليك غمر)) أي حقد يحترق منه جوفه من أجله. ((القرب)) ليلة الورد؛ ((والقارب)) المتوجه إلى الماء؛ ((والعريكة)) النفس؛ و ((العريكة)) أصل السنام.
٦٢٩ - الصامتة من الجمادات والنبات ناطقة بشهادة الصنعة للصانع والحكمة للخالق.
стр. 660
٦٣٠ - كتب النبي صلع إلى النجاشي - كرمه الله: أما بعد، فكأننا في الثقة بك منك، وكأنك في الثقة علينا منا؛ لأننا لم نرجك لأمرٍ إلا بلغناه، ولا حقناك عليه إلا أمناه.
٦٣١ - يقال ((هو ضرعه)) و ((سوغه)) أي ولد بعده. يقال ((رجل فرج)) لا يكتم سره؛ و ((فرج)) أي يكشف عورته. الجار بالريق جار جارًا؛ ((والغصص)) بالطعام؛ ((والشرق)) بالريق؛ ((والشجا)) اعتراض عود أو عظم يعرض في الحلق؛ ((والحرض)) غضيض.
٦٣٢ - قال النبي صلعم: من أوليته حسنًا فكافأ، فذاك؛ ومن عجز فأثنى، فقد كافأ.
٦٣٣ - روي عن النبي صلعم أنه قال: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة، حل بها البلاء: إذا أكلوا الأموال دولًا. واتخذوا الأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه. وجفا أخاه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وأكرم الرجل مخافة شره، وكان زعيم القوم أرذلهم، وإذا لبس الحرير، وشربت الخمور، واتخذت القيان، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها. فليترقبوا بعد ذلك [أربع] خصال: ريحًا وجمرًا وخسفًا ومسخًا.
стр. 661
٦٣٤ - قال أعرابي للرشيد: قد أصبح المختلفون بأمير المؤمنين مجتمعين على تقريظك ومدحك؛ حتى إن العدو يقول اضطرارًا ما يقوله الولي اختيارًا؛ والبعيد يثق من إنعامك عامًا ما يثق به القريب خاصًا. والله يبقيك أبدًا، ويجعلك لكل مستجير يدًا وعضدًا، ولا سلب المسلمين ظلك، ولا أفقد المؤمنين فضلك.
ثم أنشد:
تمت العرانين من هاشمٍ ... إلى النسب الأوضح الأصرح
إلي بيعةٍ فرعها في السما ... ومغرسها سرة الأبطح
٦٣٥ - فصل
قال حنبلي: جمع بين نبي كريم كليم، وبين ولي عليم، ونبذ من حكمه الصميم ثلاث فعلات يضيق عن حملها العقل السليم. تشعيت مركب صحيح لمساكين لم يظهر منه إلا الإفساد، بغير إحماد؛ وشفعه بقتل نفس زاكية، بغير سبب ولا جناية ظاهرة؛ ثم ثلاث بالاستطعام
стр. 662
مع القدرة على الاكتساب. فلما تتابع الاعتراض مع ما تقدم من العهد على الاتباع من غير إنكار، قوبل بالمفارقة بعد بيان المصالح المنطوية في تلك المفاسد. وكفى ذلك الكليم عم في اقتضائه فيما بعد بالإمساك عن الاعتراض على أفعال الحكيم. وقص علينا القصة، فأوجب ذلك علينا الإمساك عن الاعتراض على ما يصدر عنه سح وإن آلم الطباع وأنكرته العقول بظاهر الحال، لتجويزنا أن يكون في مطاوية أمثال تلك المصالح. فإذا أمات لنا ولدًا على شبيبة، وقطع آمالنا فآلم طباعنا وخيب آمالنا، وجب عليه نقل تلك القصة إلى هذه الحادثة المؤثرة أمرً نغصة، فنقول: علم أنه لو جاوز هذا السن، لتعدى إلى طريقة توجب فساد العافية. وكنا بمثل هذا التأويل عاملين لما ندبنا إليه، وحثنا عليه، بقوله تع: ﴿ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب﴾.
فإن حاكت في النفوس اعتراضات بمطالبة غير إقناعية، بل شافية للعقل بحسب ما سبق فيه من إثبات القدرة المطلقة ومنع الفساد الآخر بغير الفساد الأول - لأن الإفساد لا يحسنه العقل وإن قل، إلا مع العجز عن دفع أكثر الفسادين بدون الإفساد الأقل؛ كالطبيب منا الذي حسن منه قطع جارحة لحفظ الجملة، لعجزه عن حفظ الجملة دون إفساد بعضها - فادفع هذا الاعتراض الأقصى لما أثبته من القدرة المطلقة
стр. 663
بالتسليم للفعل والتعليل لما علمته من الحكمة البالغة التامة؛ ولا تطلب منه بحسب ما عرف من القدرة، إلا مع الاقتضاء لنفسك بالتسليم لما عرفت من الحكمة.
فكم قد قص عليك من مبادئ أفعال مزعجة للطباع والعقول، كان مثالها إلى أمور للطباع والعقول؛ وإشعارات مبهجة كان عقيبها أمور مزعجة؛ وإشعارات مزعجة كان عقيبها أمور مبهجة. كمنام يوسف في إسجاد النيران له عقبه محن مؤلمات رمته في الجب، وإخراجه إلى الرق، ثم ترويعه بالتهمة بأفحش ذنب، ثم تعذيبه بالسجن. ومنام الخليل ترويع يذبح إسحاق أو إسماعيل. ثم عقبه بالنسخ إلى ذبح البهيم. ثم الدحو به في حبال المنجنيق نحو نار كالجحيم. ثم يتزيدها عنه بالتكوين ترويع نبينا صلع بمخافة القتل، والهرب إلى الغاز، والشقاء بالأسفار، والمخافة من الوطن إلى دار غربة، ثم الصد عن الكعبة في عمرة القضاء. ومعاناة الذل في محو الاسم ومنع الهدى ورد المستجير. ثم عقب ذلك المنام والوعد بصريح الفتح بما نزل من الوحي. ثم عقب ذلك كله بالفتح.
فوجب بهذا وأمثاله أن لا نأنس ببادرة خير ولا بادرة شر؛ بل نكون مع بادرة الشر على رجاء عاقبة خير؛ ونكون مع بادرة الخير خائفين من عاقبة شر. فكم العواقب دأب الحق، ليكون العبد معتمدًا عليه سح في الأمرين. هذا هو التكليف. ولو كشف العواقب سقط التكليف
стр. 664
بالكلية. لكن ترك الخلق بين الخوف والرجاء، ليكون العبد أبدًا على باب اللجاء.
٦٣٦ - لبعضهم:
زكاة رؤوس الناس ضحوة فطرهم ... بقول رسول الله صاع من البر
ورأسك أعلى رتبة فتصدقي ... بفيك علينا فهو صاع من الدر
٦٣٧ - للثعالبي: الحب طائر لا يلقط إلا حب القلوب. للحبيب أن يتدلل، وعلى المحب أن يتذلل. خجر الحبيب كلفح الهواجر، ووصله كنسيم الأصائل والبواكر. يمن الصباح في لقاء الصباح.
٦٣٨ - أحسن الوجوه ما تأخذه النفس، ويقبله القلب، وترتاح له الروح.
٦٣٩ - قال بعض أهل العلم: لو كشفت العواقب سقط التكليف.
قال حنبلي: وصدق؛ فإنه لو قطع العبد عن دخول النار، ترك العمل. وأما كشف العاقبة بالجنة، فإنه لا يترك العمل. لأنه إن سقط العمل لأجل الأمن من العقوبة، لم يسقط العمل لشكر المنعم بالجنة.
стр. 665
٦٤٠ - عن الشعبي في قوله تع: ﴿هذا بيان للناس وهدىً وموعظة للمتقين﴾؛ قال: بيان من العمى، وهدىً من الضلالة، وموعظة من الجهل.
٦٤١ - وعن الضحاك في قوله تع: ﴿ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾؛ يعني استجابته تشفيعه لهم بإخوانهم؛ ﴿ويزيدهم من فضله﴾، قال: يشفعهم في إخوان إخوانهم.
٦٤٢ - لجحظة:
وهاجمةٍ على بكأس راحٍ ... ومقلة شادنٍ وبجيد ريم
تراها حين يتعبها التثني ... وفي أعطافها كسل النعيم
ووجه يستعار الحسن منه ... كبدر التم في ليلٍ بهيم
٦٤٣ - قيل لصاحب معاوية: كيف حالك؟ قال: كيف حال من صلاحه من فساد أمور الناس؟
٦٤٤ - قال حنبلي خبير بالأيام لتقادم زمانه وفطنته: قد رأيت من الناس
стр. 666
فنونًا، وخالطت منهم أعيانًا، بين وزراء وأرباب مواكب ومناصب. واختلفت على الأزمان في جدب وخصب، ورخاء وضيق. فبين معطٍ عند السؤال أحسن نوال؛ وبين منعم بالتلويح، فيغني المحاويج عن التصريح؛ وبين محوج إلى المعاودة، ودافع للسائل إلى المراجعة؛ وبين محوج إلى الإلحاح والمنازعة، وبين حازم لا تحتك فيه إلا المصاولة بالمخاصمة. ولم أشهد من سلك طريقة في الجود والإحسان، بحسب أحوال الزمان، من غير سؤال، ولا تعريض لطلب نوال، إلا الشيخ الأجل السعيد أبو منصور بن يوسف، وظهير دولة المستظهر بالله إمام المسلمين أبي طاهر يوسف. فإن الأول كانتمباره، أيام الأنداء والأمطار، بالأحطاب والأدهان والدثار؛ وله على ذلك أصحاب أخبار، وفي شهر الصيام بالأطعمة للإفطار، وفي الأعياد لكل عيد ما يليق من الكسوات، مع الفطرة للفطر، والحيوان للأضحى.
وهذا الكريم مجد الدين ظهير الدولة إن أطل ملم واسى، وإن هجم مرض أسى. وإن أطل شهر صيام فتح بابه، وكشف حجابه، للإفطار على طعامه، وأنفذ إلى ذوي التجمل ما يكفيهم وعيالهم من أطايب طعامه. وإن ينصف شهر الصيام تصدق وأهدى صنوف الحلاوات، ووزع قراطيس الدنانير إلى من لا يليق بحاله الإهداء. وإن قطعت الغيوث عن
стр. 667
السعي لمن عيشه من سعيه، أنفذ بما يعتاض به بمثل الكسب والأجر من المعايش والأعمال، وأوفى. وإن علم أن جماعة آواهم التدين إلى زوايا جوامع أو أربطة، أقام لهم الجرايات، يتبع الخبايا ويتفشغ الزوايا.
وعن نفسي أقول: الأول رباني وآواني، إلى أن صلحت للحلقة فصدوني. وقام بمؤونة حبقتي، حتى الحصر والخلعة الجميلة. وتعهد الأصحاب هذا وأنا ابن نيف وعشرين. فلما تنيفت على السبعين وناهزت الثمانين، قام بأموري ظهير الإمام المستظهر بالله أبو طاهر يوسف. فإنه واسطة بين طرفين كريمين. مهما دعوت إلى الله، وأحببت في دين الله، ونفيت البدع عن شريعة محمد بن عبد الله، فهو في ميزانهما. والله سح ولي حسن ظني فيه بما أرجو بهما. وهو حسبي ونعم الوكيل.
٦٤٥ - قصد بعض الظراف إلى باب رئيس كان معروفًا بالبخل، فقال له حاجبه: هو محموم، وما عرق بعد. فقال له ذلك الظريف: تحبون أن يعرق؟ قال: إي والله! قال: كلوا بحضرته خبزًا، فإنه سيعرق.
٦٤٦ - وسئل حفار من حفارين المقابر عن حاله، فقال: كيف يكون حالي في خذخ السنة المشؤومة التي لم يقع فيها وباء ولا خمسة أيام!
стр. 668
واجتمع جماعة من الجند، قتشاكوا ضيق الصدر؛ فقال بعضهم: نحن على شفاء عطب إن لم يتداركنا الله بفتنة. وهذه الحكاية مناسبة لتمني الوباء من الحفارين.
٦٤٨ - لأبي العلاء المعري الأبيات المطبوعة التي تغنى بها، ويعجبني معناها، وطال ما تواجد عليها شيوخ الصوفية؛ وهي قوله:
منك الصدود ومني بالصدود رضى ... من ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت ... من الكآبة أو بالبرق ما ومضا
إذا الفتى ذم عيشًا في شبيبته ... فما يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوضت من كلٍ بمشبهه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا
وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معطٍ [حياتي] لغرٍ بعد ما غرضا
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود أمري غرضا
وليلةٍ سرت فيها وابن مزنتها ... كميتٍ عاد حيا بعدما قبضا
كإنما هي إذ لاحت كواكبها ... خود من الزنج تجلى وشحت خضضا
كأنما النسر قد قدت قوادمه ... فالضعف يكسر منه كلما نهضا
стр. 669
والبدر يحتث نحو الغرب أينقه ... فكلما خاف من شمس الضحى ركضا
ومنهلٍ ترد الجوزاء غمرته ... إذا السماء كان شطر المغرب اعترضا
وردته ونجوم الليل وانية ... تشكو إلى الفجر أن لم تطعم الغمضا
طال ما وجد الواجدون على البيت الأول من كبار القوالات المحسنات، ومزقت الأطمار، وانكشفت الأسرار، حيث استعاروا لما سمي من الخلق صدودًا ما ورد من بلاوي الحق المقابلة برضى أهل العرفان، حيث امتلأوا بعرفانه مسرة، فلم يجدوا بإيلام طباعهم مضرة؛ نظروا إلى المبلي في البلى، فعذب العذاب عندهم وحلا. أما سمعت قول الحق في السحرة في حال الغفلات: ﴿أئن لنا لأجرًا﴾؛ وقولهم عند طلوع شموس العرفان: ﴿فاقضما أنت قاضٍ إنما تقتضي هذه الحياة الدنيا﴾. فكان ذلك موجبًا خطبة تعجيل البلاء. والآخر لما أحياه بعد القتل، وكلمه كفاحًا، قال له: تمن علي. قال: أتمنى عليك أن تعيدني إلى الدنيا، فأقتل دفعة أخرى.
وأما قول أبي العلاء ((فما وجدت لأيام الصبا عوضا، )) قال حنبلي: هذه طريقة سلكها الأوائل، واحتذاها بعدهم الأواخر. وهي طريقة من لم يشم رائحة العرفان، ولا ذاق طعم الوجد الذي عقبه الوجدان. فإن الصبر مطية الغباوة والغفلة، وعلو السن حال يقظة، وقوة مزيدة على
стр. 670
الفطرة السليمة بالتجربة. وما طلب من طلب الغفلة أو السكر المغطي على العقل إلا لثقل التكليف وتعاظم العرفان. وللطباع حظها، كما أن للمعارف حظها. ومركب من أشتات لا تعيش إلا باختلاف الأحوال؛ غفلة تعيش بها طباعه، ويقظة يصفو بها اطلاعه. ولهذا كان بلوغ السفير عم بالإعانة في خلال أحواله لعيش طباعه؛ ويظل عند ربه، فيغنيه عن القوام في وقت اجتذابه إلى ذلك المقام.
٦٤٩ - جرى في مسألة إيجاب القصاص بالسراية في الأعضاء بعضها إلى بعض
في مسألة الناس فيها على ثلاث مراتب
وهو إذا قطع أصيعًا من يد إنسان، فتآكلت إلى جنبها أخرى وسقطت، فأبو حنيفة لا يوجب القصاص في المقطوعة ولا المتآكلة؛ والشافعي يوجب القصاص في المقطوعة دون المتآكلة؛ وأحمد -رحنة الله عليه- يوجب القصاص في المقطوعة والساقطة بالتآكل جميعًا.
استدل فيها حنبلي فقال: إنا قد أجمعنا على إيجاب القصاص في النفس بالسراية من قطع الطرف. وما ذاكإلا لمعنى. وإلا فلم لم يوجب القصاص بزهوق النفس بلطمة، أو ضربة بقلم؟ وما كان الفصل والفرق إلا لأن اللطمة لا يناسبها زهوق النفوس. فجعلنا ذاك إزهاقًا من الله تع، لا بسراية من اللطمة إلى النفس. فهو بمثابة قوله تع في حق أيوب:
следующие страницы →