← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فنونًا، وخالطت منهم أعيانًا، بين وزراء وأرباب مواكب ومناصب. واختلفت على الأزمان في جدب وخصب، ورخاء وضيق. فبين معطٍ عند السؤال أحسن نوال؛ وبين منعم بالتلويح، فيغني المحاويج عن التصريح؛ وبين محوج إلى المعاودة، ودافع للسائل إلى المراجعة؛ وبين محوج إلى الإلحاح والمنازعة، وبين حازم لا تحتك فيه إلا المصاولة بالمخاصمة. ولم أشهد من سلك طريقة في الجود والإحسان، بحسب أحوال الزمان، من غير سؤال، ولا تعريض لطلب نوال، إلا الشيخ الأجل السعيد أبو منصور بن يوسف، وظهير دولة المستظهر بالله إمام المسلمين أبي طاهر يوسف. فإن الأول كانتمباره، أيام الأنداء والأمطار، بالأحطاب والأدهان والدثار؛ وله على ذلك أصحاب أخبار، وفي شهر الصيام بالأطعمة للإفطار، وفي الأعياد لكل عيد ما يليق من الكسوات، مع الفطرة للفطر، والحيوان للأضحى. وهذا الكريم مجد الدين ظهير الدولة إن أطل ملم واسى، وإن هجم مرض أسى. وإن أطل شهر صيام فتح بابه، وكشف حجابه، للإفطار على طعامه، وأنفذ إلى ذوي التجمل ما يكفيهم وعيالهم من أطايب طعامه. وإن ينصف شهر الصيام تصدق وأهدى صنوف الحلاوات، ووزع قراطيس الدنانير إلى من لا يليق بحاله الإهداء. وإن قطعت الغيوث عن

стр. 667

السعي لمن عيشه من سعيه، أنفذ بما يعتاض به بمثل الكسب والأجر من المعايش والأعمال، وأوفى. وإن علم أن جماعة آواهم التدين إلى زوايا جوامع أو أربطة، أقام لهم الجرايات، يتبع الخبايا ويتفشغ الزوايا. وعن نفسي أقول: الأول رباني وآواني، إلى أن صلحت للحلقة فصدوني. وقام بمؤونة حبقتي، حتى الحصر والخلعة الجميلة. وتعهد الأصحاب هذا وأنا ابن نيف وعشرين. فلما تنيفت على السبعين وناهزت الثمانين، قام بأموري ظهير الإمام المستظهر بالله أبو طاهر يوسف. فإنه واسطة بين طرفين كريمين. مهما دعوت إلى الله، وأحببت في دين الله، ونفيت البدع عن شريعة محمد بن عبد الله، فهو في ميزانهما. والله سح ولي حسن ظني فيه بما أرجو بهما. وهو حسبي ونعم الوكيل. ٦٤٥ - قصد بعض الظراف إلى باب رئيس كان معروفًا بالبخل، فقال له حاجبه: هو محموم، وما عرق بعد. فقال له ذلك الظريف: تحبون أن يعرق؟ قال: إي والله! قال: كلوا بحضرته خبزًا، فإنه سيعرق. ٦٤٦ - وسئل حفار من حفارين المقابر عن حاله، فقال: كيف يكون حالي في خذخ السنة المشؤومة التي لم يقع فيها وباء ولا خمسة أيام!

стр. 668

واجتمع جماعة من الجند، قتشاكوا ضيق الصدر؛ فقال بعضهم: نحن على شفاء عطب إن لم يتداركنا الله بفتنة. وهذه الحكاية مناسبة لتمني الوباء من الحفارين. ٦٤٨ - لأبي العلاء المعري الأبيات المطبوعة التي تغنى بها، ويعجبني معناها، وطال ما تواجد عليها شيوخ الصوفية؛ وهي قوله: منك الصدود ومني بالصدود رضى ... من ذا علي بهذا في هواك قضى بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت ... من الكآبة أو بالبرق ما ومضا إذا الفتى ذم عيشًا في شبيبته ... فما يقول إذا عصر الشباب مضى وقد تعوضت من كلٍ بمشبهه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معطٍ [حياتي] لغرٍ بعد ما غرضا جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود أمري غرضا وليلةٍ سرت فيها وابن مزنتها ... كميتٍ عاد حيا بعدما قبضا كإنما هي إذ لاحت كواكبها ... خود من الزنج تجلى وشحت خضضا كأنما النسر قد قدت قوادمه ... فالضعف يكسر منه كلما نهضا

стр. 669

والبدر يحتث نحو الغرب أينقه ... فكلما خاف من شمس الضحى ركضا ومنهلٍ ترد الجوزاء غمرته ... إذا السماء كان شطر المغرب اعترضا وردته ونجوم الليل وانية ... تشكو إلى الفجر أن لم تطعم الغمضا طال ما وجد الواجدون على البيت الأول من كبار القوالات المحسنات، ومزقت الأطمار، وانكشفت الأسرار، حيث استعاروا لما سمي من الخلق صدودًا ما ورد من بلاوي الحق المقابلة برضى أهل العرفان، حيث امتلأوا بعرفانه مسرة، فلم يجدوا بإيلام طباعهم مضرة؛ نظروا إلى المبلي في البلى، فعذب العذاب عندهم وحلا. أما سمعت قول الحق في السحرة في حال الغفلات: ﴿أئن لنا لأجرًا﴾؛ وقولهم عند طلوع شموس العرفان: ﴿فاقضما أنت قاضٍ إنما تقتضي هذه الحياة الدنيا﴾. فكان ذلك موجبًا خطبة تعجيل البلاء. والآخر لما أحياه بعد القتل، وكلمه كفاحًا، قال له: تمن علي. قال: أتمنى عليك أن تعيدني إلى الدنيا، فأقتل دفعة أخرى. وأما قول أبي العلاء ((فما وجدت لأيام الصبا عوضا، )) قال حنبلي: هذه طريقة سلكها الأوائل، واحتذاها بعدهم الأواخر. وهي طريقة من لم يشم رائحة العرفان، ولا ذاق طعم الوجد الذي عقبه الوجدان. فإن الصبر مطية الغباوة والغفلة، وعلو السن حال يقظة، وقوة مزيدة على

стр. 670

الفطرة السليمة بالتجربة. وما طلب من طلب الغفلة أو السكر المغطي على العقل إلا لثقل التكليف وتعاظم العرفان. وللطباع حظها، كما أن للمعارف حظها. ومركب من أشتات لا تعيش إلا باختلاف الأحوال؛ غفلة تعيش بها طباعه، ويقظة يصفو بها اطلاعه. ولهذا كان بلوغ السفير عم بالإعانة في خلال أحواله لعيش طباعه؛ ويظل عند ربه، فيغنيه عن القوام في وقت اجتذابه إلى ذلك المقام. ٦٤٩ - جرى في مسألة إيجاب القصاص بالسراية في الأعضاء بعضها إلى بعض في مسألة الناس فيها على ثلاث مراتب وهو إذا قطع أصيعًا من يد إنسان، فتآكلت إلى جنبها أخرى وسقطت، فأبو حنيفة لا يوجب القصاص في المقطوعة ولا المتآكلة؛ والشافعي يوجب القصاص في المقطوعة دون المتآكلة؛ وأحمد -رحنة الله عليه- يوجب القصاص في المقطوعة والساقطة بالتآكل جميعًا. استدل فيها حنبلي فقال: إنا قد أجمعنا على إيجاب القصاص في النفس بالسراية من قطع الطرف. وما ذاكإلا لمعنى. وإلا فلم لم يوجب القصاص بزهوق النفس بلطمة، أو ضربة بقلم؟ وما كان الفصل والفرق إلا لأن اللطمة لا يناسبها زهوق النفوس. فجعلنا ذاك إزهاقًا من الله تع، لا بسراية من اللطمة إلى النفس. فهو بمثابة قوله تع في حق أيوب:

стр. 671

﴿أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾. الركضة لا تناسب نبع الماء؛ وإنما يناسب ذلك خرق الأرض بالمعاول. ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء﴾؛ لا بإدخال اليد في الجيب؛ إذ لا مناسبة. وهذا معنى قولنا ((هذا خرق للعادة، )) وهو عدم المناسبة. نفخ نافخ على أناء زجاج فتصدع، لا ضمان؛ ضرب الإناء بحجر فانكسر، عليه الضمان. زعق بطفل زعقة منكة فسقط من شاهق، ضمن، إما قصاصًا أو دية، على خلاف الناس. زعق ببناءٍ جلد فسقط، لا ضمان؛ لحن صوته الشجي بخدر أو بباحة بين نسوة، قال له الصادق الحاذق، ((رفقًا بهؤلاء القوارير، )) لما كن سريعات الانكسار. فالمناسبة لا بد من اعتبارها في الفعل والمحل لنعلم، أو يغلب على أن الانفعال صدر عن الفعل. فإذا ثبتت هذه القاعدة، جئنا إلى قطع الأصبع المجاورة لأصبع أخرى مع اتصال العصب الناظم لهما. فإن للمجاورة من الأثر والمناسبة ما ليس للمباعدة. وهذا نجده في الأشخاص مع الأشخاص. فإن متثاوبًا في داره لا يناسبه حدوث نعاس ناعس في دار أخرى، لمكان التباعد. فأما شخص مقارب، يجمعهما مجلس واحد، إذا تمطى وتثاوب أحدهما دون الآخر في مجاورة نعاس، لم يكن؛ وذلك لمكان تأثير الهواء المحيط بهما. فيصير الهواء الجامع بين الشخصين مناسبًا بين الجاذب في أحدهما. وكذلك الطرب والحرب الحادث عقيب الأصوات الشجية في

стр. 672

الطباع الدراكة القابلة للتأثير. فما ظنك بالعضو إلى العضو اللذين هما أقرب فيما بين الشخصين بكونهما منظومين من عصب واحد؟ اعترضعليه معترض حنبلي أيضًا، فقال: هذا بعينه كلام من يثبت العدوى والتولد. والفقهاء من ذلك أبرياء لقول النبي صلع: لا عدوى ولا طيرة. لأن القول بذلك يؤدي إلى أن الطباع مؤثرة، وأنها في الإحداث مشاركة. والتوحيد يمنع القول بصدر فعل أو حدث عرض عن الخالق سح. وإنما الله سح يحدث الري عن شرب الماء، والموت عن تناول السم. ولا تأثير لشيء في إحداث شيء. كما لم تحدث الجواهر إلا عن الخالق سح، كذلك الأعراض. وفارق ما ذكرته من حدوث الموت بسراية الجرح. فإن ذاك، لما جرت به العادة، نسبت سرايته إلى السبب. ولهذا لو قطع أنملة من رجله، فانتفخ عقيب ذلك رأسه ومات، أوجبنا القول على قاطع الأنملة مع تباعد ما بين أنملة الرجل والرأس. وبمثله في مسألتنا. لو قطع أصبعًا من أصابع رجله، فتآكلت أذنه وسقطت، لم يعد قاطعًا للأذن لتباعد ما بينهما. فعددنا ذلك في النفس سراية، وجعلناه قتلًا؛ ولم نعده في الأطراف قطعًا. ثم قولك يفسد الهواء فيورث النعاس من وجود المتثاوب والمتمطي من المجاور من الأشخاص، هذا كله لا يقول به الفقهاء. وإنما هذا مذهب الطبائعيين، قولهم بالعدوى والتولد، وما على مذاهب الفقهاء شيء.

стр. 673

قال المستدل على كلام المعترض: إن هذا قول يخرج عن إجماع الفقهاء والعقلاء. فإنه لو كان هذا باحًا واحدًا، وأنه لا تحدث الحوادث إلا من الله تع، لما كان للفرق بين فعل وفعل وجه؛ بل كان كل حادث مضاف إلى الله سح، ولا قود، ولا قصاص، ولا ضمان، ولا فرق بين آلة وآلة. لأن الذي أمات عقيب الضربة بالحديدة هو الذي أمات عقيب الضربة الجديدة. ثم هذا مخالفة للشرع؛ حيث قال: العين حق، والسحر حق، بمعنى التأثير من الإعجاب بالذي أصابته العين. كالعباس حيث قال: إن يهزم عسكرنا اليوم من قلة، فانهزم الناس يوم حنين وكانوا اثنى عشر ألفًا. والسحر يقول الله تع فيه: ﴿فيتعلمون منهما من يفرقون به بين المرء وزوجه﴾. ولهذا يقتلعندنا جميعًا بالسحر؛ إذا مات بسحره قوم، وعرف بذلك، قتل. ولأن هذا القول منك تعطيل للتعليل المجمع عليه، فإن كافة أهل العلم عللوا التحرك في الجسم بقيام الحركة به. ثم الذين يذب عنهم من أهل السنة ترقوا في التعليل من الجائزات إلى الواجبات، وقالوا: إن كون العالم عالمًا هو العلم؛ وليس العلم هو الله سح. وقالوا: علة كون الباري هو ذات العلم وجبت له كونه عالمًا. فلما قيل لهم: كونه عالمًا صفة وجبت له، فلا يحتاج إلى ذات توجب له كونه عالمًا؛ بخلاف كون الواحد منا عالمًا، فإنه أمر وجد مع جواز أن لا يوجد؛ فاحتاج إلى مسبب أو علة فيعلم. والواجب معلل، كما أن الجائز يعلل. إلا أن

стр. 674

الواجب معلل بعلة واجبة موجبة. وبالغم في ذلك. فكيف تعودون الآن إلى تعطيل العلل والمؤثرات، وتقولون مقالة تفضي إلى إبطال اعتبار المناسبات، وتسمون ذلك عادات؟ ولئن جاز أن يحال هذا على العادات، انقطع الشاهد عن الغائب في القول. فاحتاج [البناء] إلى بانٍ، والصناعة إلى صانع؛ ولم يبق لنا ما يستدل به على إثبات صانع غائب، حيث لم يكن لنا صانع في الشاهد، ولأن ذلك يقطع عنا ويسد باب المعجزات. لأنه إذا تكررر ذلك من الأنبياء، صار عادة بالإضافة إليهم. فإذا وجدت من نبي بعد نبي على استمرار الزمان، صار عبادة. فلا يبقى لنا شيء يقال له خرق عادة. ونحن نعلم أن هذه الخواص، لما عدمت فيها المناسبة، [ ... ؟ ] فلم نعرف في اطراد العادة حجرًا يجذب حجرًا ويحركه إليه، أو حجرًا يتحرك تحركًا لشوقٍ إليه، ولا راية لا يعمل فيها حرق النار، ولا حجرًا ينفر عن حموضة الخل، قالوا، لجهلهم بالعلة، ((خاصة))، وهذا يدل على أن المناسبة معتبرة في الأصل. وما خرج عنها يقال له ((خصيصة)) و ((خاصة)). ويضاف إلى فعل غائب دون الشاهد. فلا وجه لجعل الكل باحًا واحدًا فيسفسط. ٦٥٠ - فصلفي قوله تع: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ دلت هذه الآية [على] ان خلقه، لو وقع من غير رجعة، لكان عبثًا.

стр. 675

ولام ((لكي)) دلت، فقال في أصل الخلق: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. وقال في البعث: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾، ثم أبان عن علة الرجعة، فقال: ﴿لتجزي كل نفس بما تسعى﴾. وقال في بيان المجازاة: ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾. فلا سلوة عن الموت إلا إثبات البعث. ٦٥١ - فصل قال حنبلي: يعز علي ــ والله ــ بأقوام التزموا لله سح ما أسقطه عنهم، وفتحوا على نفوسهم طرقًا سدها عنهم وأبوابًا أغلقها دونهم. والشريعة من ذلك مملوءة، وهم عنها غفل. الرجل يقول ((زنيت)) وصاحب الشرع يلتفت عنه. ولما كلمه عرض له بالرجوع عن التصميم: لعلك قتلت، وقد سمعتني، العينان تزنيان، إنك خبل، استنكوه. كل ذلك دفع عن تحقيق الإقرار، وهرب من وقع الأحجار، والحق لله قد ثبت، قال: ((هلا تركوه؟ )) فما زال يدفع الإقرار بجهده. وهو المستناب لله في استيفاء حقه. ((رميت الراعي بعظم الجمل بعد الهرب)) والرامي ظن أنه مستوف لله حقه. والقوم يسألون الراعي عن ورود النجاسات عليه. والنبي صلع يقول: ((لا تعلمهم)). ويقول للمقر: ((ما أخالك سرقت)) مع كون السرقة تتضمن حقين، حق الله، وحق الآدمي. أسرقت؟ قل: ((لا تعافوا الحدود فيما بينكم)) هلا سترته بثوبك. عمر بن الخطاب يقول في ماء الميزاب،

стр. 676

حيث سأل عنه الأصحاب: يا صاحب الميزاب لا تعلمهم. الأصحاب يقولون لمن ارتقى للأذان أرى حاجب الشمس فيقال له: بغيناك داعيًا لا راعيًا. النبي صلعم يأمر المستنجي بكف من الماء على المئزر بعد الاستنجاء ليدفع بلل الماء المحسوس، توهم قطر البول المحجوز، بل المعهود. فالشرع يتغاضى عن حقوقه، وأنتم تتبعون الناس تتبع أصحاب الأخبار. وقد كفى المكلف ما وكل به من الرقيب والعتيد. وما قنعتم أنتم بما وضع، وقد رأيتم تغاضيه عن حقوقه حتى جعلتم نفوسكم حفظة له. تراكم لا تخافون أن يفضحكم في قعر بيوتكم على أقبح ذنوبكم؟ صاحب الحق يعفو، وأنت بسوء طبعك تكشف وتجفو. وصاحب الشرع يقول على علم منه ببواطن الأحوال: من أتى من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر الله تراه يريد: فليستتر عن الله بستره، أو عنكم؟ فإذا استتر الجاني عنك امتثالًا لأمري، وكشفت أنت، كانت جريمتك في الكشف على أخيك المسلم أكبر من جريمته، حيث امتثل بسترها أمر الشرع. يا جاهل! أنا صاحب الحق وقد سترت. فيا فضولي! فما بالك، فيما ليس لك، بحثت وكشفت؟ احذر المقابلة مني بكشف، وأنت بين مصدق لك ومكذب. فإن مقابلتي كشفك بحيث لا تقبل معذرتك ولا يصدق جحدك. نعوذ بالله من التعبد بالجهل. أنت تعتقد أنك منكر وأنت غير منكر، حيث تطفلت بما لم تكلفه، بل بما

стр. 677

عنه لا توقرني في الخلوة وتتعاصب لي على غيرك مع توقيه منك بأكثف ستر. ٦٥٢ - جرى بالمسألة النظامية مسألة تثبيت النية لصوم رمضان ومسألة قسمة الغنائم في دار الحرب ومسألة المختلعة هل يلحقها الطلاق أما الأولى، فاستدل فيها الشيخ الإمام المقدسي ــ حفظه الله، فقال: صوم مفروض، فلم يصح بنية من النهار، كصوم القضاء. يوضح هذا أن القضاء يحكى الأداء، والفروض كلها من النذور والكفارات حكمها في النية هذا الحكم، وأن النية لا تتأخر عن ابتدائها. وكان هذا الإيضاح جواب السائل بالمطالبة. وجاء القاضي الإمام أبو الفوارس الموفق، نائب قاضي القضاة في الحكم، المعروف بابن الموصلي، فقال: ولم، إذا كان صومًا مفروضًا، وجب تقديم النية له من الليل؟ وأما النذور والكفارات والقضاء، فتلك لم تتعين بزمان. ولهذا يصح في كل زمان بصحة إيقاع غيرها فيه. وهذا الصوم تعين. على أني بعد المطالبة أقول بموجب دليلك. فإنه لم يكن صحيحًا بنية من النهار، وإنما صح بنية من الليل. فإنها لما وجدت حقيقة بالنهار، انعطفت حكمًا على الليل، فصح الصوم بالنية الحكمية التي انعطفت. ولهذا صح انعطافها في صوم النفل. ولهذا بقيت حكمًا

стр. 678

إلى طلوع الفجر، وإن كان وجودها حقيقة إنما حصل في أول الليل عقيب غروب الشمس. وإذا جاز أن يبقى حكمًا، جاز أن ينعطف حكمًا، بخلاف سائر العبادات، لا يتقدم ويبقى حكمًا، فلا يتأخر وينعطف حكمًا. أجابه المستدل، فقال: أما المطالبة، فإن الدلالة على ما ذكرت نطقًا ومعنى. أما النطق، فقوله صلع: لا صيام لمن لم يثبت الصيام من الليل. ولأنها عبادة، فلا تتأخر نيتها عن ابتدائها، كسائر العبادات. وأما قولك بموجب علني، فلا يصح. لأن النية الحقيقة ما وجدت إلا نهارًا. وأما القول بأن وجودها حكمًا ليلًا، فإن حكمها تابع، والتابع لا يتقدم المتبوع. وأما النفل، فلي وجهان [فيه] احدهما أن النية نهارًا لا يحصل بها إلا ما بعد النية مما بقى من اليوم. لكن بشرط ألا يكون قد تقدم الأكل في أول اليوم، لا أن ما مضي يكون مشمولًا بالنية. ومثل ذلك غير ممتنع. كمن كان عليه شاة، فدخل مع قوم ذبحوا بدنة، كان سبع الدم كذبح شاة. لأنه تمم بفعل الشركاء، لا أنه دم له. بل السبع قائم مقام شاة بشرط أن ينبني على مشاركة السنة الذين ذبحوا البدنة، سواء كانوا مفرضين أو متطوعين. وأما اعتلالك بأن صوم رمضان صوم عين، بخلاف النذور والكفارات، فأي شيء يؤثر كونه متعينًا فيما نحن فيه من حصول النية في أثنائه؟ فليس يتلوح منه إلا أن الماضي عينًا، وكونه يستحق العين

стр. 679

لم يسقط أصل النية، فلا يسقط وصفها، وهو محلها. وما المانع من أن تقع النية في قضائه نهارًا، وتنعطف على ليله حكمًا؟ ليس في ذكر التعيين ههنا أصلًا تأثير ولا إخالة. وأما النفل، فإن أصل النوافل على السهولة، ووضع الاستقصاء في الشروط والأركان. بدليل صلاة النفل يسقط فيها القيام، وهو ركن، والتوجه إلى القبلة مع صلاة النفل على الراحلة. وهذا المعنى. وذلك أن المساهلة فيها يؤدي إلى حصولها والإكثار منها، ولو ضيق أمرها، لتركت. وأما قولك إنها في الدوام تبقى حكمًا مع طول الليل، وتخلل ما بين النية والفجر مما ينافي الصوم، فإنما كان كذلك لأن النون غالب، وتوخي طلوع الفجر صعب، وأمره خفي على أكثر الناس. فلو لم يجوز التقديم للنية، لفاتت ولشق تحصيلها، بخلاف ما نحن فيه من رجوعها إلى الماضي. على أن طول الليل واتساع زمان النية يغني عن توسعة أخرى. ٦٥٣ - وأما الثانية فاستدل فيها حنبلي بأنهم قهروا على أموالهم القهر التام، فجازت قسمتها، كما لو جاوزها إلى دار الإسلام. قال السائل: لا أسلم أن القهر تام. فإن المال، إن حصل في أيدي المسلمين مشاهدة فإن الدار لأهل الحرب حكمًا. ولهذا لا تنفذ أحكام المسلمين فيها. فأين تمام القهر مع هذا التردد؟

стр. 680

قال المستدل: أما اليد القاهرة، فحاصلة على هذه الأموال التي صار أصحابها بين جريح وهزيم وأسير. فلا قهر أوفى من هذا. فأما كون الدار لهم حكمًا، فلا يمنع من تغليب أيدي المسلمين بالمشاهدة وكون الأموال لهم. بدليل من كان في دار إنسان ليعمل، معه آلاته، كنجار وبناء وخياط، فإن الترجيح ليد الصانع، والحكم له بملك الآلة دون صاحب الدار. وجاء المذنب عن أبي حنيفة، فقال: ليس القهر هو السبب عندي، فتحتاج أن تدل على أن القهر سبب، ثم تبين بعد ذلك أنه تام. ولا أقنع بمجرد المنع، بل أقول إن السبب الجهاد، وكل مال حصل عن الجهاد، الذي هو القتال للكفار لإعلاء كلمة الله وتقرير دعوة رسول الله صلع. يوضح هذا أنهم لو انهزموا وتركوه وهربوا، لم يكن غنيمة، وإنما يكون فيئًا. ولو التقى الصفان، ثم أخذت أموالهم، كانت غنيمة. وكذلك إن هربوا قبل المصافة، كانت غنيمة. لأنه بالمصافة تم الجهاد، ولأن قولك تم القهر. لأنا قد أجمعنا على أن الذي أخذ مالًا من أموالهم وهرب، هذا ليس بقاهر. وكذلك المستخفي الآخذ لأموالهم على سبيل التلصص ليس بقاهر قهرًا تامًا، ويملك المال. ولا تصح دعواك، ولا لي صحت، لأثر ذلك الملك. وكان المستدل يكثر من قوله إن أموال أهل الحرب مباح، فهو

стр. 681

كالحشيش والحطب. وحيواناته وأولاد عبيده كالصيود، يكفي فيها الأخذ. فتصير بذلك ملكًا لآخذها. ولأنهم لو غلبت طوائفهم بعضها على بعض، وأخذوا أموالهم، وملكوها، وإن لم يكونوا قاتلوها لإعلاء كلمة الله. ٦٥٤ - وأما الثالثة، فاستدل فيها شافعي، فقال: بائن منه، فلا يقع عليها طلاقة، كما لو انقضت عدتها. اعترض حنبلي لمذهب أبي حنيفة، فقال: لا يصح قولك بائن. لأن البينونة هي الانفصال. كقول القائل: ((بانت يده)) لو بقيت على عرق، لم يقل ((بانت)) وههنا علقتان، ملك الطلاق، والحبس لأجله ولحقه، فلا بينونة. وكذلك هو أحق بها عن سائر الرجال نكاحًا لها. وهذه كلها علق، فهي كالمكاتبة والرجعية. والمبيع بشرط الخيار ينفذ عتقه في المكاتبة وإن كانت قد بانت بمعنى أنها صارت في يد نفسها، وصار لها بدل منافعها كلها. وكذلك أروش الجنايات عليها. ومع ذلك ينفذ عتقه في المكاتبة، وطلاقه في الرجعيةـ وعتقه في المبيع بشرط الخيار. قال المستدل، وهو الشيخ الإمام أبو الفتح بن برهان: إنما أردت بقولي ((بائن)) من النكاح، إذ لا نكاح له على المختلعة. وأما ملك الطلاق، فإن أردت به إيقاعًا، فلا أسلم، وهو نفس الخلاف. وإن أدرت بأنه ملكه، بمعنى أنه يوقع في نكاح جديد، فهذا بعد انقضاء العدة أيضًا

стр. 682

باق مملوك على وجه الذي ذكرنا، ولا يعطي ذلك وقوعه. وحبس العدة حق الله، لا لأجل الزوج. ولهذا لا تصرف له فيه. بخلاف حبس النكاح، له أن يفتحها الخروج عنه. ولا ملك في العدة. ذلك دل على أنه لحق الله، لا لملك النكاح. أما الرجعية فزوجة من وجوه وقوع الطلاق والإرث. وعندك الإباحة لها، تعاوض عن طلاقها الباقي. وأما المكاتبة فمملوكة لسيدها. والعتق ينفذ في الملك. والملك باق. ولا ملك ههنا على البائن. قال الحنبلي: ولا وضع الطلاق لإزالة ملك النكاح فقط، بل لتنقيص العدد أيضًا. ولهذا، الطلقة الثانية في حق الرجعية ما أزالت شيئًا. لأن الرجعية، بعد الطلقة الأولة، زوجة، وبعد الثانية، زوجة. وعندك هي محرمة، ولم تفد الثانية ولا أثرت تحريمًا، وما رفعت سوى نفسها. فثبت أنه قد وضع أيضًا لتنقيص العدد. فإذا صادف البائن، لم يصادف نكاحًا، فعمل في تنقيص العدد لأدنى علقة، وهي الحبس لحقه مع تملكه للطلاق ومع علقة كونه أحق بها. قال الشيخ المستدل: أما تنقيص العدد بنفسه من غير عقد، فلا يحصل. والرجعية محل يقبل وقوع الطلاق. فلأجل كونها زوجة وقع الطلاق مقربًا إلى البينونة. فأما في مسألتنا، فلا نكاح مع البينونة. فهو كما بعد انقضاء العدة هو مالك لما بقى من الطلاق، لكن لا يقع لنفسه، ولا ينقض لنفسه. وإنما هو مالك له بشرط مصادفة ملك يتأثر بوقوعه.

стр. 683

قال الحنبلي المعترض: إذا لم يكن الملك يتأثر بوقوع طلاق الرجعية، بل لا يؤثر إلا تنقيص العدد، صار اعتبارك للملك لا معنى له. فعدمه في مسألتنا لا يؤثر في منع وقوع الطلاق. ٦٥٥ - دخل المغيرة على المهلب، فقال له، أيها الأمير! إن الشعراء قد أكثروا فيك وأطالوا، وإني قد أوجزت، فقلت: [البسيط] أمسى العراق بياتا لا غياث به ... إلا المهلب بعد الله والمطر هذا يجود ويحمي عن حريمهم ... وذا تعيش به الأنعام والشجر ٦٥٦ - لأبي نحرير شاعر نهر الدجاج: [المديد] يا نساء الحي من مصر ... إن سلمى ضرة القمر إن سلمى لا فجعت بها ... أسلمت قلبي إلى الفكر وهي إن صدت وإن وصلت ... مهجتي منها على خطر وبياض الشعر أسكنها ... من سواد القلب والبصر

стр. 684

٦٥٧ - من المجانس المليح لشيخنا ابن عاصم، شاعر باب الشعير، وكان عنده حديث نسمعه منه وكان شيخنا ظريفًا: [الوافر] فديتك قد منعت الغمض طرفي ... وقد أفسدت بالهجران شأني وقد والله رق لما يري بي ... من الوجد المبرح كل شأني الأول من شأن والثاني من الشنآن ٦٥٨ - وللأمير أبي الفضل الميكالي: [الوافر] إذا ما جاد بالآمال ثنى ... ولم تدركه في الجود الندامة وإن هجست خواطره بجمع ... لريب حوادث قال الندامة - يعني أسكته الندا. ٦٥٩ - روى أبو بكر النقاش المقرئ عن الحسين بن إدريس عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس، قال: لما أحتضر أبو بكر الصديق صلع، حضره جماعة من أصحاب رسول الله صلعم، فقالوا: إن رأيت أن تزودنا شيئًا ينفعنا، إنا

стр. 685

نراك وجعًا. فقال لهم: افهموا عني كلمات من قالهن حين يمسى وحين يصبح، جعل الله روحه في الأفق المبين! قالوا: وما الأفق المبين، رحمك الله؟ قال: قاع تحت العرش، فيه رياض وأشجار وأنهار وأطيار، يغشاه في كل يوم ألف رحمة وألف مغفرة. فمن مات على ذلك القول، جعل الله روحه في ذلك المكان، وحياه وأزلفه واقر عينه. اللهم إنك بدأت الخلق من غير حاجة بك إليهم، بل منا منك عليهم، فجعلنهم فريقين: فريق النعيم، وفريق الجحيم. اللهم فاجعلني من خير الفريقين: من فريق النعيم، لا من فريق الجحيم. اللهم إنك خلقت الخلق كلهم فرقًا، وميزتهم طرقًا، فجعلت منهم شقيًا ومنهم سعيدًا وغويًا ورشيدًا، فأسعدني. قال ابن عباس: فجعلت أقوله في كل يوم مرتين. فلم يزل أمير المؤمنين عمر يستعيدني حتى حفظه. قال ابن عباس: قال أبو بكر الصديق: وهذا كله في كتاب الله. وصدق أبو بكر عم. اللهم! من أصبح وأمسى وثقته ورجاءه غيرك؟ فإنك أنت ثقتي ورجائي. فلا حول ولا قوة إلا بالله! ٦٦٠ - فصل قال حنبلي: إن من عرف محل نعمة الله تع على خلقه بالعقل، حرس النعمة بجهده، وشكر عليها بمبلغ وسعه وجده. وأرى السواد الأعظم.

стр. 686

قد بخسوه حقه. فإنهم ينوحون حال كبرهم نياحة بالغة، نظمًا ونثرًا، على زمان الصبا. حتى قال قائلهم: [السريع] فإن تولى فزمان المدام ... حيث تردى بردا الغلام ومعلوم أنهم حال الكبر قد صحا العقل عن شببه حال الشبيبة. لأن حال الصبوة والنزاقة الطبع غالب، والغباوة عن مطالعة العواقب والنزاقة ودواعي الشهوات واللذات ورعونات الطباع القاطعة للوقت بما يوجب العطلة عن الطامن أو المقت، حال الكبر قد ظفر العقل بتصفح الأحوال، وتدرب بالتجارب، وصحا له جو الآراء، فتكشفت له العواقب، واكتسب الوقار، وزالت عنه خلاعة الصبا، وذاق طعن العرفان بمراشد العقل المهدي له إلى حقائق ما تضمنه النقل بتدبير الآيات، والتذكر بأنواع الدلالات، ووقف على ما كان عنه غافلًا، وعن البحث عنه عاطلًا. فيحسن بمن بلغ بكبر السن هذه الرتبة أن يتذكر حال انحطاطه عنها بالتأسف والتشوق إلى حال كان محجوبًا عن درك غاية المطالب واكبر الرغائب. كذا يكون العقلاء. وما هذا عندي إلا بمثابة من وصل إلى المنزل والوطن، فتشوق إلى وعثاء السفر وعناء الطريق وكلفة النقل، أو بمثابة من بلغ من العلم غاية امتاز بها، فأخذ في التشوق إلى أيام الطلب، وأوقات النظر والفكر والبحث، وزنقات الطرق، ومرارات التردد، ومعاناة الشكوك. ولم يغلب عليه درك

стр. 687

حلاوة الوقوع على المطلب، حتى يرى أيام الطلب أيام عناء وشقاء، فيقول كما قال أهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾، أو كما قال أهل الأديان، بعد عبادة الأوثان: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ فهذا دأب كل واجد بعد أن كان طالبًا. فاعترض هذا الحنبلي خاطر كأنه سائل يقول: قد خفي عليك شيء لا ينكره العقل، بل يسنده ويقيم العذر فيه لمن صدر عنه التأسف والتشوق إلى أيام الصبا والغباوة. وذلك لما يدخل على العاقل من ثقل التكليف، حتى قال خواص السلف: ليتني كنت شجرة تعضد! ليتني كنت مثلك يا طائر! ليتني كنت نسيًا منسيًا! وتمنى الجمادية والبهمة أقصى من التأسف على زمان الغباوة والصبوة. أو رأوا أن الأجسام مراكب الأرواح والعقول، فطلبوا ما يقيمها، ولا يقيمها إلا الغفلة، دون الصحو واليقظة، فلذعوا الأجساد بذلك حتى خطب بعضهم الغفلة، لما يعتريهم من انهدام مركب العقل. فالغفلة كالزاد لمراكب العقول، وهي الأجساد، فكان طلبهم لها لأجل العقل أيضًا، وإن دخل عليه نوع ذهول عاجل، لكنه لاستدامة الأجل. فتصير الغفلات كالأغذية المبقية لمحل العقل، وهي الأجساد. ٦٦١ - قال أبو العيناء لعبد الله بن سليمان: أيها الوزير! نحن في أيام عزلك مرحومين، وفي أيام ولايتك محرومين.

стр. 688

٦٦٢ - نقلت ما ذكر من كتاب الحجة لأبي علي في قوله ــ ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ قال: فقرأ أبو عمرو وحده ((كله لله)) رفعًا، وقرأ الباقون ((كله)) نصبًا. حجة من نصب أن ((كله)) بمنزلة ((أجمعين))، في أنه للإحاطة والعموم. فكما أنه لو قال ((إن الأمر أجمع)) لم يكن إلا النصب، كذلك إذا قال ((كله)) لأنه بمنزلة ((أجمعين)) وليس الوجه أن تلي العوامل كما لا تليها ((أجمعون)). وحجة أبي عمرو في رفعه ((كله)) وابتدائه به، أنه وإن كان في أكثر الأمر بمنزلة ((أجمعين)) لعمومها، فإنه قد ابتدئ به كما ابتدئ بسائر الأسماء، في نحو قوله ﴿وكلهم آتية يوم القيامة فردًا﴾. فابتدئ به في الآية. ولم يجره على ما قبله، لأن قبله كلامًا قد ثني عليه، فأشبه بذلك ما يكون جاريًا على ما قبله وإن خالفه في الإعراب. ألا ترى أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا جرى صفة لموصوف، أو حالًا لذي حال، أو خبر لمبتدأ، ولا يحسن إعماله عمل الفعل إلا في هذه المواضع؟ وقد قالوا: ((أقائم أخوك؟ )) أو ((ذاهب أخويك)) و ((ما ذاهب أخويك)) فأعملوا اسم الفاعل لما تقدمه كلام أسند إليه، وإن لم يكن أحد تلك الأشياء التي تقدم ذكرها. وكذلك حسن ابتداء ((كله)) في الآية لما كان قبله كلام. فأشبه.

стр. 689

بذلك إتباعه ما يكون جاريًا عليه، كما أشبه اسم الفاعل في إجرائه على ما ذكرنا ما يجري صفة على موصوف، أو حالًا، أو خبر مبتدأ مثل ((مررت برجل قائم أبواه)) وهذا زيد قائمًا غلامه)) و ((زيد منطلق أبواه)) فكذلك حسن الابتداء بكله وقطعه ما قبله، لما ذكرت من المشابهة. ومن ثم أجاز سيبويه: ((أين تظن زايد ذاهب؟ )) فألغى الظن وإن كان ((أين)) غير مستقر، كما جاز إلغاؤه إذا كان ((أين)) مستقرًا، لأن قبله كلامًا، فجعله، وإن لم يكن مستقرًا، بمنزلة المستقر، كما جعلوا همزة الاستفهام وحرف النفي في ((أقاليم أخواك)) بمنزلة الموصوف، نحو ((مررت برجل قائم أخواه)). ٦٦٣ - بل اللذات المعدودة لذة ساعة: لذة الجماع، ولذة الراحة بعد الاستحمام، وفرحة العرس، وفرحة بالمولود الذكر. ولذة تعم الدهر كله: محادثة الأخوان. ٦٦٤ - قوله تع حكاية عم إبليس: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم﴾. وساق الجهات الأربع، ولم يذكر جهة فوق، ولا جهة تحت. قال حنبلي: قد قلنا في ذلك قولًا، وقد لاح لي الآن أملح من الأول. وهو أن جهات الملقى المعتاد، وليس إلا هذه الجهات الأربع. ولو جاءهم

стр. 690

من غير هذه الجهات، فإن جهة العلو ما جرت العادة بمن يجيء منها، ولا من جهة تحت؛ كما أنه لا يأتي في صورة ينكرونها؛ كما جاء أهل بدر إلى من الكسار فقال لهم: ((إني جار)) وقال ما قال. ٦٦٥ - قال قائل: مسكين، ابن أدم! الشيطان يأتيه بالإغواء من أربع جهاته ومعه قرين من الجن لا يفارقه؛ وملكان عن يمينه وشماله يحفظان عليه أعماله؛ ومن داخل الطبع والهوى ودواعيهما؛ وفي المخالطات مدارة هذا العالم في المعاملات معاينة ومخاطرة ومعاناة العيال في البيوت. فأي صبابة تبقى له مع هذه المحن؟ إجابة حنبلي يدقق في المعاني، فقال: إن من ترك لك جهتين: جهة فوق للتلاحي، فإذا مستك هذه القوارص وأحاطت بك هذه الدواهي، تلاجيت، وجهة الأرض التي إذا سجدت عليها ناجيت، لقد وسع لك ما ضاق، ودفع عنك ثقل الإزهاق. لا سيما وقد منحك النور، الذي يضيء لك طرق الهداية؛ ويعرفك من جلال الله ما يمدك به من العواصم، المانعة لك من أعدائك ويعذك من القواصم. وكفي بالله مانعًا وإن كثر- الطالبون لك، وقامعًا لمكائد الأعداء وإن تظارفوا عليك. وأما الحفظة عليك أعمالك، فإنك إذا راعيت نظر الحق وشهوده إياك بقوله: ﴿أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾، سقطًا من عينك، وتحقق لك العمل لمن شهدك، دون من يشهد عليك، فصفت الأعمال عن أن

стр. 691

نتدلس بما يسوءك تسطيره عنك وعليك، وصارت الشهادة لك لا عليك. وقد سلك بعض المفسرين مجازات؛ مثل حملهم بين أيديهم على التشكيك في مستقبل أحوالهم من أمر أخرتهم ومن خلفهم، فيما سبق من القصص والأخبار التي يجب الإيمان بها. ٦٦٦ - روى الحسين بن يحيي الكاتب قال: لقيت علي بن محمد العلوي ألجماني بعد خلاصه من حبس الموفق؛ فهنأته بالسلامة، وقلت: ((وقد عدت إلى وطنك الذي تألفه، وإخوانك الذين تحبهم.)) فقال: ((يا أبا علي! كيف وقد ذهب الأتراب والأحباب والشباب؟ )) وكان قد طال حبسه. وأنشأ يقول: [البسيط] نفسي بقيت على الأيام والأبد ... ونلت ما شئت من مال ومن ولد من ولي برؤية من قد كنت آلفه ... وبالشباب الذي ولى ولم يعد لا فارق الحزن قلبي بعد فرقتهم ... حتى يفرق بين الروح والجسد ٦٦٧ - لأبي الحسين بن فخر الدولة لما أطلق من الحبس بعد عشرين سنة: [الطويل] هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه ... ومال إلى الحسنى وفك من الأسر فمن لي بأيام الشباب التي مضت ... ومن لي بما قد فات في الحبس من عمري

стр. 692

٦٦٨ - قال بعض أهل العلم: من نازعك في أن القرآن علمًا ظاهرًا أو معجزًا باهرًا، فاعدل عن الكلام معه إلى الكلام، وعن الحجاج إلى الشجاج: وليس جواب من أنكر الحجة الواضحة إلا الشجة الموضحة. ٦٦٩ - قال أبو عمرو بن العلاء: لا تأت إلا من تخاف سطوته، أو ترجو بركة دعائه، أو تقتبس من علمه. ٦٧٠ - [شعر] [السريع] نديمتي جارية ساقية ... ونزهتي ساقية جارية ٦٧١ - روى محمد بن الحسين القطان قال سمعت عياش الدوري يقول: جاءني نصف النهار غلام وبين يدي نبيذ/ فقال: يا أبا الفضل! ما تقول في النبيذ؟ قال: قلت: حلال. فقال لي: خير قليلة أو كثيرة؟ قلت: قليله. فقال لي: يا شيخ! إن حلالًا يكون قليله خيرًا من كثيرة لجدير أن يكون حرامًا. ثم جذب الحلقة في وجهي. ففتحت الباب، فلم أر أحدًا. فتركت النبيذ من ذلك الوقت. ٦٧٢ -

стр. 693

٦٧٢ - روى اللبيب أبو الحسن علي بن زهير البادراني قال: رأيت بين يدي أبي العلاء المغربي مشطًا من العاج مدفونًا فيه هذان البيتان: [الخفيف] كنت استعمل السواد من الأمشاط ... والشعر كالليالي الدياجي أتلقى مثلا بمثل فلما ... صار عاجًا سرجته بالعاج وأنشد لنفسه: [الخفيف] فتكت بي حوادث الدهر حتى ... صرت رقًا لمن كان رقي ٦٧٣ - فصل ذكره حنبلي له تحقيق في النظر على شيء ذكره حنفي من كلام أبي زيد ألدبوسي، وأن الدنيا بلا تكليف، والآخرة هي دار الجزاء، وأنه لا يجوز أن يجعل شيء فيها جزاء قال: وهذا فيه أحسن معنى. لأن أعمال المكلفين يجب أن تقع بحسب وعيد الله، وعده، والإيمان بالآخرة. فيقع على الوجه الذي وضعه الله تع ورضي بوقوعه عليه: ﴿ليجزي الذين أساءوا بما علموا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾، جزاء ﴿بما أسلفتم﴾، ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾، ﴿اليوم تجزي كل نفسٍ بما كسبت﴾، ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾، يوم الدين، يوم الجزاء: ﴿فاليوم لا تظلم نفس شيئًا ولا تجزون إلا ما كنتم تعلمون﴾.

стр. 694

وأما الدنيا، فهي دار العمل. والرزق فيها للقيام بشروط التكليف وإزاحة العلل. فأما لجزاء العمل، فلا. ولهذا تقع التوسعة في حق الكفار والفساق بسعة الأرزاق والإملاء لهم بإطالة الأعمار. وقال سح: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا﴾. فلا يعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ ﴿إنما لا يريد الله ليعذبهم بها﴾، ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين﴾، ﴿نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾، ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾. فهذا جميعه تقرير لسؤال الحنفي. فأما ما ذكره الحنبلي وحققه، فإنه لا يجوز أن يكون التأخير والوعد والوعيد هو المقصور على الأجزية لنصوص الكتاب، ودلائل العقول ووضع الشرائع كلها على خلاف ما قرره أبو زيد من هذا المذهب. وذلك أن الله تع أعلم بما خلق. وقد علم أنه وضع طباع خلقه على أنهم لا يعملون بنسيئة، وأنهم على طباع تتضمن دواعي متعجلة ومنافع ناجزه. لا تتحرك أدوات أعمالهم إلا بعاجل منقود، أو منسي موعود؛ ولا تتحقق لهم الأعمال والانتهاء عن القبائح إلا بزجر ناجز، وعقوبات عاجلة. فجميع ما وعدهم به في الآجل وتواعدهم به في الآجل أذاقهم من الأمرين جميعًا طائلًا وأنموذجًا. فكان ما عجله من النعيم حاثًا لهم ومنهضًا إلى ما أمرهم به. وصرح بذلك. وما تواعدهم به أذاقهم منه طرفًا، فكان أكد صارفًا وأعجل زاجرًا. فقال سح: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من

стр. 695

فوقهم﴾، المن وما ينزل من الأجواء ﴿ومن تحت أرجلهم﴾ نبات الأرض. هذا جزاء ناجز. وقال في خبر الكفران والعصيان في أهل سبا: ﴿فأرسلنا علهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من ثدر قليل﴾، ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾. وقال: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾؛ أي كانت قبل ظلمهم أحلت لهم؛ ﴿ويصدهم عن سبيل الله كثيرًا﴾، ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾. وهذا تصريح بعقوبات الدنيا أجزية عما عدده من إساءاتهم. فهذا في الرغائب والعوارف الدنيوية. ثم إنه ذكر في المقابلات الدينية سلب التوفيق والألطاف الأعتقاديه، فقال: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾، ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾، ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، ﴿يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين﴾. وعدد الأفعال التي أوجبت سلب الألطاف عنهم، فقال: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾. وهذا مثل قوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾. وهذه آيات كلها دالة على المقابلات بحرمان لذات الدنيا والبركات في الأرزاق والتوفيق والألطاف في الاعتقادات. ثم جاء إلى باب الحدود والعقوبات الصوارف، فقال في قطاع الطريق والساعين في الأرض بالفساد: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم

стр. 696

من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا﴾، وهو الخزي العاجل؛ ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾. فجمع بين الجزئين: عاجلًا صارفًا، وآجلًا مخيفًا مفزعًا. وجاء إلى المقابلات منا في جهادنا لهم: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾، ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم﴾، ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾. وجاء إلى الملاينة بعد الخشونة، فقال: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾. فجعل لهم قسمًا من أموال الزكوات، وضع بالحكمة في ذلك، وهو تآلف قلوبهم، إما للدخول في الإسلام في حق من لم يكن دخل، أو لمن دخل في الإسلام مع كونه مترددًا؛ كما قال سح: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾. فالله سح دارهم، والآن لهم جانب التكليف بعاجل هو الأحب إليهم والأقرب، وبالآجل. فمن قصر ذلك وخصصه بالدار الآخرة، فقد جهل مواقع الناجز من المقابلات- والله أعلم. وجميع ما يوردونه من جزاء الآخرة، فنحن قائلون به. وما ذكرناه يوجب عليهم القول بما دلت عليه دلائنا النطقية السمعية والعقلية والوضعية الاعتقادية. قال الحنبلي: وله أن يقول ما اعترض لي من أنه متى كان من أمور الدنيا جزاء أوجب الإخلاد إليه، فقدح في الإخلاص وأفسد الطاعات. وقد أشار النبي صلع إلى ذلك حيث قال: من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه. وهذا يمنع [أن] يشينوا القصد لإعلاء كلمة الله بشيء من أمور الدنيا، لئلا يقدح في إخلاصهم

стр. 697

لتشوق طباعهم إلى حصول الغنائم أموالًا وشبانًا وأسلحة ومراكب، وما أشبه ذلك من زخرف الدنيا. فلذلك وجب أن لا يعتقد أن شيئًا من أمور الدنيا داخل في الأجزية عن الأعمال لا نعيمًا ولا بالنا. وإنما الساعة موعدهم، وإليها تشوقهم، ومن عذابها خوفهم. فتخلص الأعمال لوعد الله، والتروك لوعيد الله. فالجواب عن هذا أن الله سح، العالم بما وضع فيهم من الطباع، قد نطق بآيات تتضمن ما ذكرنا، وعجل من النعم ما ذكرنا، وعجل ممن النعم ما ذكر أنها تحصل بشكرهم بأعمالهم الصالحة، وأنهم إذا فعلوا ذلك أمدهم ببركات من السماء والأرض. فقد نبههم على أن نعمة مقابلة على الأعمال. فلو علم أن ذلك شوب في الطاعة مبعدًا من الإخلاص، لما ذكرنا شيئًا من ذلك، وعجل الحدود والعقوبات روادع وصوارف عن القبائح. وأي حكم يبقى للوعيد مع الناجز من عذابه بالحدود؟ فيصير الانتهاء لأجل السوط والحجر دون النار، أو منهما. فقد حصل الشوب وزال الإخلاص في التروك والأعمال. وعجل في الدنيا من بطشانه المستأصلة خسفًا ورجمًا وحسبانًا من السماء وريحًا وطوفانًا وسخًا للصور، وإلى أمثال ذلك من المثلات التي يقع الفزع منها أوفى من الفزع من النار التي تواعدهم بها. لأن الناجز أشد صرفًا ومنعًا من المتواعد به في الآجل. فهو أعلم منكم بما ذكرتم. فلو كان يريد ويقصد أن لا يكون الخوف إلا من وعيده، لحسم مادة ما نخاف منه في العاجل من الحدود والمثلات.

стр. 698

فلما عجل وأجل، دل على أنه لا يقدح في الإخلاص؛ لا سيما وقد بين أن الكل منه: العاجل والآجل. ومن خاف من عقاب الله العاجا، كمن خاف من عقابه الأجل. ومن رجا ثوابه العاجل بنعمه، كمن رجا ثوابه الآجل. فلا ساسه في خوف المكلف، ولا رجاء به. وإنما الثوب وزوال الإخلاص أن يكون العمل لأجل غيره والترك لأجل غيره؛ كمن يخاف من الآدميين، فيصلي ويصوم، أو يرجو إكرامهم وأنعامهم، فيصلي ويصوم ليمدحوه، أو ليكرموه، أو ليبروه. فهذا وأمثاله هو الرياء والسمعة لوقوع الأعمال والتروك لغيره. فأما عذابه ونعمه، دنيا كان أو آخرة، فوقوع الأعمال به وله، لا تكون إلا خالصة له؛ إلا أن يسلك سالك قول المتوهمين القائلين: ((ما عبدناك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك؛ لكن شوقًا إليك، ومحبة لذاتك)) فذاك قول من لا يعلم أن الله سح لا يحب إلا ما منه، ولا يعرف إلا بما صدر عنه. أو يكون ذلك من أقوام صفت معارفهم لله، فرأوه أهلًا أن يطاع ويعبد، لما يحصل لهم من عظمته في نفوسهم. فيرونه أهلًا أن يطاع، وأهلًا أن يستسلم لأحكامه. فذلك أمر لا يبلغ إليه إلا آحاد من هذا العالم المظلم.- والله أعلم. ٦٧٤ - سأل سائل عن قوله تع: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحدًا﴾ ﴿إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا﴾ ذكر المفضل قال: المراد به أن ملائكة كانت تنزل مع جبريل

стр. 699

تحفظ ما يورده من الوحي إلى محمد عم عن استراق الجن له وحمله إلى كفاتهم، ﴿ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم﴾. وقيل: ليعلم النبي صلع؛ وقيل: ليعلم الإنس والجن أن قد أبلغت الملائكة رسالات ربهم؛ ﴿وأحاط بما لديهم﴾، أي علم بما عندهم. ٦٧٥ - قال: قوله تع: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾؛ هذا أمر تكوين لقلب الضرر؛ يخرجهم عن التكليف، أو ينفيهم مع قلب الضرر على التكليف. وما معنى ﴿خاسئين﴾؟ وما معنى: ﴿فجعلناها نكالًا لما بين يديها وما خلفها﴾؟ وما معنى: ﴿موعظة﴾؟ وما وجه التخصيص بالمتقين؟ قيل- وبالله التوفيق: أما قوله تع: ﴿كونوا قردة﴾ فليس بأمر حقيقة. لأن الأمر هو الاستدعاء من الأعلى للأدنى. والأخلاق فعل الخالق- جلت عظمته- ليس إلى المخلوق منه شيء، مكلفًا كان أو غير مكلفٍ، حيوانًا كان أو جمادًا. لكن ((كن)) حرفان يظهرهما الباري للملائكة، فيكون عقيبهما ما يكونه بقدرته. هذا إذا حمل الكلام على حقيقته، وهو الأصل. فقلب صورة الإنسان إلى صورة قرد كقلب الماء إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظام، إلى لحم، على ما ورد من التارات السبع. والدليل على أنه جوز وليس باستدعاء حقيقة أنه قد أضافه سح إلى المعدوم. ثم ذكر تكونه والإيجاد، لا يسأل عاقل أنه إخراج من كتم العدو؛ وذلك مما ينفرد به الباري سح. والأشياء بعد وجودها لا ينصرف الأمر إليها إلا بعد أكمال أدوات والاستدعاء. فإذا ثبت هذا في التكوين عقيب

стр. 700

((كن)) كان قول الله تع: قلنا لهم قلبنا صورهم من الإنسانية إلى القردية ﴿خاشعين﴾ مبعدين، ﴿أخسئوا فيها﴾ ابعدوا؛ وصورة القردية تبعيد عن الصورة الحسنة إلى صورة مشوهة، ﴿فجعلناها نكالًا﴾. وقوله في الأول ﴿كونوا﴾ خطاب مذكر. وقوله ﴿فجعلناها﴾ راجع إلى تأنيث المسخة، وهي الصورة المشوهة، وعظًا وزجرًا؛ ﴿فلما بين يديها﴾، لما قدمت من ذنوبها؛ ﴿وما خلفها﴾، لما يعمل به بعدها ليخاف من بعدها أن يعمل مثل عملها، فيؤخذ بما عمل كما أخذت به. قال الحسن: ﴿لما بين يديها﴾، لما قدموا من الأعمال السالفة، ﴿وما خلفها﴾، خلف الأعمال السالفة؛ وهو صيدهم الحيتان يوم السبت. قال حنبلي: وقد بان من صيد الحيتان بالرواية أنهم قدموا نصب الشباك قبل السبت، فوقعت الحيتان فيها يوم السبت، فأخذوها يوم الأحد، فأخذهم الله بالنصيب الذي كان قبل السبت، لما كان سببًا باقيًا مؤثرًا لوقوع الحيتان يوم السبت. فصاروا بآثار أفعالهم كالصائدين يوم السبت. وقوله ﴿وموعظة للمتقين﴾، إنما خص المتقين لأنهم العاملون بحكم الموعظة؛ وإلا فالموعظة بالنكال والمسخ موعظة عامة لكل مكلف. هذا من أخوات قوله سح: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾. وهو منذر الكل ممن يخشى ولا يخشى؛ لكن خص بذلك من انتفع بالإنذار ومثل قوله: ﴿لينذر من كان حيًا﴾، يعني من انتفع بإنذارك فحي بالإيمان؛ ﴿ويحق القول على الكافرين﴾، الذين هم كالأموات، الذين لم ينتفعوا بالحياة، كما سماهم ﴿صما وعميانا﴾، حيث لم يستعملوا الأبصار

стр. 701

والأسماع في الاستبصار الذي به غرض المدارك ألموضوعه للانتفاع. فإذا لم ينتفع بها، صار عدم الانتفاع بها كعدمها. ٦٧٦ - جرى بجامع القصر بحلقة الشيخ الإمام أبي بكر بن الدينوري- أبقاه الله- لما تتقدم له من الدار العزيزة بحلقة الشيخ الإمام أبي الخطاب رضه ثلاث مسائل: الأولى ومسألة من لم تبلغه الدعوة، إذا قتل، هل يضمن قاتله؛ والثانية الواجب بقتل العمد، هل يتعين أو ينجز؛ والثالثة مسألة التحري في الأواني بعضها نجس أو ينتقل إلى التيمم أما الأولى فاستدل فيها حنبلي على مذهبه الموافق لمذهب أبي حنيفة، وأنه لا يجب ضمانه، فقال: كافر ليس له أمان، فلا يجب بقتله الضمان كالذي بلغته الدعوة. فاعترض عليه حنبلي يحقق لنصره مذهب الشافعي، فقال: قولك لا أسلمه؛ ولا يصح على أصلك. فإن الكفر تغطيه الحق بعد وضوحه، ورد شرع الله بعد البلاغ. وهذا رجل ولد في جزيرة في البحر، ونشأ فيها، وما وصلته دعوة نبي. وعندك أن العقل لا يوجب عليه شيئا من نظر ولا استدلال على حدث محدث ولا على إثبات صانع. وأنت تزعق بالآيات الدالة على هذا الأصل، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا﴾، ﴿ولو أنا أهلكناهم

стр. 702

بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا﴾. ومن كان هذا مذهبه، وهذا الشخص ما ورد إليه سمع، يكفر بماذا؟ وما هو عند عدم السمع في وجوب نفي الكفر إلا بمثابة من عدم العقل عند من قال بأن العقل هو الموجب. فإنه لا يكفر عند تلك الطائفة، لما بيننا. وإن الموجب ما بلغه. وأنت قد نفيت إسقاط الضمان على حصول الكفر، ولا كفر. أخذ الحنبلي المستدل يقول: أنني فرضت الكلام في نصراني ويهودي ومجوسي. وهؤلاء بعد بعثة رسولنا صلعن صارت أديانهم باطلة، ومعتقدها كافر، فكل من لم يصر إلى شريعة محمد صلم، فهو كافر. وأخذ يشبع في ذلك ويقول شيئًا يخرج به عن المسألة، فيقول: ولا شك أنهم بين مبدل ومغير لكتابه الذي فيه أعلام نبوة نبينا، كما أخبر الله عنهم: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾، ويكتمون الحق وهم يعلمون، ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾. والمعاند كافر. فأجابه المعترض المحقق، فقال: فرضك من أهل الأديان بعد النسخ ما لم تصل البعثة إليهم ولا نسخ شرائعهم بمثابة من لم يسمع بشريعة شيء قط. لأن الحجة إنما ثبتت عليهم بعد السمع. ولهذا كان لا يقابل قومًا إلا بعد أن يدعوهم. ونحن اليوم لا نحتاج أن نقدم على الجهاد دعوة لانتشارها. وأما قولك قد بدلوا وغيروا وعاندوا، فمتى فرضت في قتال هؤلاء زال الخلاف. لأن هؤلاء كفار؛ ولا ضمان في قتلهم بالإجماع. من كان

стр. 703

متمسكًا بالنصرانية، مارًا على سنن أحبار ورهبان، لا يعلم أنهم كذبوا. وتليت عليه التوراة أو الإنجيل، وقيل له ((هذان كتابان أنزلهما الله على من أحيا الميت وأبرأ الأكمه والأبرص، ومن قلب العصا ثعبانًا؛ )) فآمن بذلك. ولم يبلغه وما وقف على معالم محمد صلع في التوراة. فهذا في عدم بلاغ ذلك إليه كمن لم تصل إليه دعوة نبي رأسًا. ففرضك يخرج المسألة عن وضعها. وأنت تثبت إسقاط الضمان على أنه كافر وما ثبت له ذلك الأصل؛ بل خالفت بفرضك أصلك؛ فلا زوال عصمة، ولا سقوط ضمان. ٦٧٧ - وأما المسألة الثانية، فاستدل فيها شيخ الحلقة، فقال: إن النبي صلعم قال في قتيل خزاعة: فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية. وهذا يثبت إيجاب أحداهما، وإثبات الخيار إلى أهل القتيل. اعترض عليه الشيخ الإمام أسعد، فقال: هذا خبر واحد تريد أن تغير به ما أوجبه نص الكتاب من تأكيد موجب قتل العمد وتخرجه عن التأكيد والتعين إلى التخيير المخرج له عن التعيين، وهو قوله تع: ﴿النفس بالنفس﴾. وليس في قوى خبر الواحد عندي، مع كونه موجبًا للظن، أن يغير نص كتاب الله من التعيين إلى التخيير بين ما عينه وما لم يعينه يخرجه عن التعيين.

стр. 704

السؤال الثاني أنه خبر واحد قد عارضه خبر مثله، فأوقفه. فخرج وانحط إلى الوقف. وخبر واقف لا يعرض على نص كتاب الله تع. السؤال الثالث أنه يعترضه القياس الظاهر والمعنى الناصع. وهو أن القود هو المثل. وهو مثل لما وقع من الفعل. وإذا كان واحدًا، لم يوجب بدلين، بل يجب إيجاد البدل كما اتخذت الدية في قتل الخطأ. وهذا الذي يليق بالنفس؛ وأن لا يكون المال من سائر أنواع الأموال بدلًا عن النفس لولا أن الخطأ عن رتبة العمد. قال المستدل: أما الآية فهي ظاهرة في وجوب القود متعينًا. وهي نص في أصل القود. وظاهر القرآن عندي يجوز أن يسقط بخبر الواحد المصرح بالحكم. وخبري صرح بالتخيير. والتخيير نص في حكمي ومذهبي. وتعيين القود ليس بنص، بل ظاهر. فقضي صريح ما أوجبه خبري على ظاهر الآية، كما يقضي خبر الواحد على العموم بالتخصيص. وأما المعارضة، يقول النبي صلعم: العمد قود. فأنا قائل وخبري يثبت ما أثبته حديثك، ويتضمن زيادة ليست في حديثك ولا يعطلها، وهي التخيير. وأما المعني، فقد أجمعنا على أنه ليس بتخصيص بالمثل. بدليل ما إذا كان رأس الشاج أصغر، ويد القاطع أنقص بأصبع، فإنه يتخير بين أخذ القدر الذي وجد، ولا شيء له عندي مع ذاك، وبين الرجوع

стр. 705

إلى الدية. ولو لم يكن بدلًا. لما جاز الأخذ لها؛ بل كان يتعين القود بحسب ما وجد. ٦٧٨ - وأما مسألة الاشتباه في الأواني، فاستدل فيها شافعي بأنه واجد لطريقٍ إلى استعمال الماء الطاهر، فلا يجزئه التيمم كما لو تحري. قال له معترض حنبلي: لا أسلم أن الاجتهاد طريق ولا التحري. قال المستدل: إن الله سح رضي بالاستدلالات بالإمارات طريقًا للقبلة وللحوادث في استخراج أحكامها من إباحة وحظر وإيجاب وندب. ولا يرضي به في ماء الوضوء المشتبه. ومعلوم أنه إذا خرج كلب من دار، كنا سمعنا صوت ولوغه، وفيها أواني، فقطعنا على أنا لا نعلم من أيها شرب. ولنا عقول رضي الله بها أن تكون دلائل على حدث العالم، وإثبات الصائغ، وأنه واحد، سلطناها على النظر في هذا. فرأينا تنقيط الماء أقرب إلى أخذها/ وما ذلك الإناء متحرك، وأثر أربعة الكلب إلى أحدها دون الباقية، غلب على ظننا بهذا الأثر، الذي هو أمارة صالحة لحصول غلبة الظن، بأن الذي شرب الكلب منه، هو ذاك الإناء الذي وجدت الأمارات بقربه. وبقى الباقي على حكم الأصل، وهو الطهارة. أخذ الحنبلي المعترض يقول: لا يدل ما ذكرت أن النفط يجوز أن تكون لأجل مغترف أغترف منه، والنقصان لرشح، أو نشافة لشمس أو حر، أو سنور شربت منه فنقص، أو طوافه من طوافات البيوت، وتحركه
следующие страницы →