← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بناء المدينة المذكورة وسكنى الأمير المذكور بها كان سنة أربع وسبعين وستمائة، انتهى. فلم يصرح باليوم والشهر اللذين كان فيهما ذلك، فجاز أن يوافق ما صرح به ابن أبى زرع، وجار أن يخالفه وهو الظاهر، ويعضد ذلك ما في الحلل الموشية لابن الخطيب، وهذا لفظ ما في النسخة المطبوعة الآن منها، وفيها أى في سنة أربع وسبعين وستمائة ابتدئ بناء البلد الجديد بخارج مدينة فاس وهو المدينة البيضاء وتم في ذى الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة، انتهى. والظاهر صحة ما قاله ابن الخطيب، فإن العادة في البناء الكثير وخصوصا مدينة أن لا يتم إلا في أعوام، وسيمر بك أن مدة بناء سيدنا الجد المولى إسماعيل للقصر الكبير بمدينتنا مكناسة ثمانى سنين مع ما كان عليه من ضخامة الملك وشدة الحرص على البناء، مما لا يساويه فيه بل ولا يدانيه بانى فاس الجديد، وسيمر بك في كلام الزيانى وغيره شاهد ذلك، وفى كلامه زيادة على ما لابن خلدون بتعيين الشهر الذى وقع الفراغ من بناء فاس الجديد فيه وهو ذو الحجة، وفيه مخالفة أيضا لابن أبى زرع في وقت الشروع في قضبة مكناسة، فصريح كلام ابن أبى زرع أنه كان في شوال، ومقتضى ما لابن الخطيب أنه في ذى الحجة وهو الظاهر والله أعلم. ثم هذه القصبة قصبة مكناسة المحدث عنها لم يتنازل أحد من المؤرخين فيما رأينا للتصريح بما يحقق تحديدها وتفاصيلها، غير أن الشواهد والقرائن التي تعطيها نصوصهم ترشد إلى أن موقعها كان فيما بين منتهى جامع القصبة المعروف بهذا الاسم قديما وحديثا وبجامع لآل عودة أيضا، وبين السور الواقع بإزائه الذى هو آخر القصبة الإسماعيلية المحيطة بالقصور الملوكية المعدة لسكنى العائلة الآن. وأما تحقيق حدود القصبة المرينية في هذه المساحة التي أرشدت إليها قرائن

стр. 142

نصوصهم وكذلك الجزم ببقاء شئ من عينها بعد الإضافات الكثيرة والتجديدات الهائلة التي أنشأتها الهمة الإسماعيلية هناك، فهو مما لا سبيل إليه في هذه الأزمنة الحاضرة، وحسب الواقف هنا قبول هذا الخبر التاريخى من غير تطلب لمطابق له خارجا، وسنأتى بحول الله من تفاصيل تأسيسات الجد مولانا إسماعيل وهائل تخطيطاته في قصبته ما يزيح عنك البين، ويدفع عنك فيما سطرناه المين. نعم جامع القصبة المذكور سيأتى لنا ترشيح أنه هو جامعها المرينى المأمور ببنائه معها، وإن كنا لا نجزم بأن البناء الموجود فيه الآن هو الأصلى وسننبه على ما عينه النص فيه أنه من الأعمال الإسماعيلية أو غيرها والله أعلم. وأبو يوسف بانى القصبة المذكور، هو أمير المسلمين يعقوب بن الأمير أبى محمد عبد الحق الزناتى المرينى وهو سادس سلاطين الدولة المرينية لقبه القائم بأمر الله والمنصور بالله، مولده سنة تسع وستمائة، وبويع سنة ست وخمسين، وتوفى سنة خمس وثمانين وستمائة، فعمره خمس وسبعون سنة، ومدة ملكه تسعة وعشرون سنة وستة أشهر واثنان وعشرون يوما، كذا في "روضة النسرين". وما ذكره في هذه ملكه يقتضى أن مبايعته كانت قبل فاتح عام ستة وخمسين بستة أشهر، وهو مخالف لما تقدم عنه من أنها سنة ست وخمسين فاعرفه. صفته: أبيض اللون، تام القد، معتدل الجسم، حسن الوجه والصورة، واسع المنكبين، أشيب كأن لحيته قطعة ثلج من بياضها ونورها وإشراقها، وكان شجاعا حازما، من فضائله أنه لم تهزم له راية ولم يقصد عدوا قط إلا قهره، ولا جيشا إلا هزمه، ولا بلدًا إلا فتحها. استرجع سَلاَ من يد الإصبان في ظرف أربعة عشر يوما من احتلالهم بها وذلك سنة ستمائة وثمان وخمسين، وانتصر عليهم الانتصارات الباهظة وغنم غنائم طائلة، وقد نقل بعد وفاته فدفن في روضة شالة من رباط الفتح.

стр. 143

تنبيه: قال ابن أبى زرع: ومن تابعه ومن سعادتها يعنى فاسا الجديد وسعادة طالعها أنها لا يموت فيها خليفة ولم يخرج منها لواء إلا نصر، ولا جيش إلا ظفر، انتهى. وأقول كم لواء خرج منها فكسر. وجيش فهزم ودمر. والعيان أكبر شاهد وحسبك ما وقع أواخر الدولة العزيزية في فتنة أبى خمارة التي قضت على ما كان من بقية الرمق بالمغرب، وسيمر بك بحول الله وقوته تفصيل ذلك، نعم إن قصرت تلك المقالة على ما سلف كما هو مقتضى ظاهر لفظها فلا بحث إلا من جهة أن المقالة تقتضى أن عدم وقوع ذلك في سالفه لأجل خصوصية هناك، مع أن ذلك إنما كان اتفاقيا وإلا لدام، والله أعلم. ثم قال في الروض: وبنى السلطان أبو يوسف أيضا بمكناسة مدرسة الشهود التي بأعلى سماطهم هنالك، ويقال لها مدرسة القاضى، لأنها كان يدرس بها القاضى أبو على الحسن بن عطية الونشريسى وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى، ثم نوه بها أبو الحسن المرينى المسمى بأبى الحسنات الكثير الآثار بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس، فبنى فيها مرافق كثيرة كزاوية القورجّة، وزاوية باب المشاوريين وغير ذلك من السقايات والقناطر في طرقاتها ونحوها، ومن أجلِّ ذلك المدرسة الجديدة، وكان قدم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة أبا محمد عبد الله بن أبى الغمر (١). فحدثنى والدى (٢) ﵀ أنه كان يسمع ممن أدرك من الشيوخ أن السلطان أبا الحسن رحمه الله تعالى لما أخبر بتمام بنائها جاء إليها ليراها، فقعد على كرسى من كراسى الوضوء حول صهريجها، وجئ بالرسوم المتضمنة للتنفيذات اللازمة فيها، فغرقها في الصهريج قبل أن يطالع بما فيها وأنشد: لا بأس بالغالى إذا قيل حسن ... ليس لما قرت به العين ثمن

стр. 144

ولما ولى بعده ولده أبو عنان نوه بها أيضا وتفقد أحوالها، وكان من جملة ذلك أن أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بها وعزل الباقين على كثرتهم، انتهى من خطه (١). قلت: أما مدرسة القاضى فقد قدمنا بعض ما يتعلق بها وهى المعروفة اليوم بالمدرسة الفيلالية، وكأنها تنسب لمن كان يسكنها من طالبى العلم أهل تافيلالت، وقد نبهنا فيما سبق على أن سماط العدول حول عنها للدكاكين المسندة للجهة التي عن يمين المصلى بالمسجد الأعظم. وأما أبو الحسن المرينى فهو السلطان أبو الحسن على بن السلطان عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المرينى لقبه المنصور بالله، مولده في صفر سنة سبع وتسعين وستمائة، وبويع يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وتوفى بجبل هنتانة ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، ودفن بمقبرة السعديين الشهيرة بمراكش يوم الأربعاء التالى ليوم وفاته المذكور، ونقل إلى تربة أسلافه بشالة في اليوم السادس عشر من جمادى الأولى من العام المذكور حسبما هو منقوش في رخامة على القبر الذى نقل منه بالروضة المذكورة قد وقفت على ذلك بنفسى، ورأيته بعين رأسى. قال في "روضة النسرين": فمدة ملكه عشرون سنة وثلاثة أشهر ويومان اثنان وعمره ستون سنة، انتهى. ومما ذكره في مدة عمره مخالف لما ذكره في تاريخ ولادته ووفاته, فإن مقتضاها أن عمره خمس وخمسون سنة ونحو شهرين اثنين لا غير. صفته: طويل القامة، عظيم الهيكل، معتدل اللحية، حسن الوجه، سالكا سبيل العدل والتقوى، محبا للصالحين، حبب إليه الطيب.

стр. 145

تنبيه: قال في "روضة النسرين" وجميع ما ولد له ما بين ذكور وإناث وسقط وغيره ألف وثمانمائة واثنان وستون، أخبرنى بذلك ثقته الشيخ المعمر علال بن آمصمود الهسكورى اهـ. وأبو الحسن هذا هو فخر الدولة المرينية وواسطة عقدها، ومشيد منار مجدها يعرف عند العامة بالسلطان الأكحل لسمرة لونه، عهد له بالملك والده. قال ابن خلدون: ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصة من المشيخة ورجال الدولة لولى عهده الأمير أبى الحسن وعقدوا له على أنفسهم وآتوه طاعتهم وبيعتهم. قال: وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبو بن قاسم رئيس الورعة والمتصرفين، انتهى. وأبو الحسن هذا هو صاحب وقعة غرق الأساطيل بمرسى بجاية الشهيرة، وكان عدد تلك الأساطيل التي تراكمت عليها الأمواج من كل مكان نحو الستمائة أسطول، قال، في نفح الطيب (١): إن أساطيل السلطان أبى الحسن كانت نحو الستمائة فهلكت كلها ونجا هو على لوح وهلك كل من كان معه من أعلام المغرب وهم نحو أربعمائة عالم، منهم: أبو عبد الله محمد بن سليمان السطى شارح. الحوفى، ومنهم: أبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسى، وتأتى ترجمته في رجال مكناسة، ومنهم الأستاذ الزواوى أبو العباس وغير واحد. وكان غرق الأسطول على ساحل الأندلس، وهو الذى استرد جبل الفتح من يد الإصبان وهو جبل طارق بعد أن أنفق عليه الأموال وصرف إليه الجنود والحشود ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين، وذلك سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وبعد استرجاعه اهتم ببنائه وتحصينه وأنفق عليه أحمال مال في بنائه وحصنه وسوره وأبراجه وجامعه ودوره ومحاريبه، وكان

стр. 146

بقاء هذا الجبل بيد العدو أربعا وعشرين سنة، إذا كان استيلاؤهم عليه سنة تسع وسبعمائة، وكانت مدة حصار أبى الحسن له ستة أشهر، وكم خلد في المغربيين من مفاخر تستلفت الأنظار، وتبرهن عما كان له من ضخامة الملك والاقتدار، ولم يزل أمره بين نمو وظهور إلى وقعة غرق أساطيله المذكورة ثم صارت ضخامة ملكه بعدها تتراجع ودولته تتناقض إلى أن لبى داعى مولاه. وأما زاوية القورجّة -بتشديد الجيم كما رأيته في خط ابن غازى- فقد عفى منذ أزمنة طوال اسمها، وإن بقى إلى الحين الحالى رسمها في الجملة وموقع مسماها بالمحل المعروف اليوم بعقبة الزيادين، ويقال لها عقبة الزيادى، كان فيما سلف تطاول على جانب منها بعض أولى الأمر وصيره من جملة روض له وذلك الروض هو المعد الآن محكمة للمراقبة المدنية على الحكام الأهليين والشئون البلدية والكوميسارية، وصار طرف آخر من تلك المدرسة معدا لربط الدواب، والفاضل عن ذلك جعل معملا لطبخ الحبص، وعهدى بمحرابها فيما مر قائم العين، أما الآن فلا أدرى. وهذه الأمكنة كلها بيد الأجانب اليوم. ولا عجب في صدور هذا وما ضارعه من قوم لا يهمهم تعظيم حرمات الله ولا يرعوون عن السعى في تخريبها وانمحاء ما أثله حماة الدين من الأعمال الشريفة المبرهنة على شممهم. وعلى هممهم. أولئك الذين عاشوا وشغلهم الشاغل إقامة معالم الدين، والمحافظة على كيان عزه المتين. ومن خرب قلبه من التقوى، ونشأ في عماية وتغذى بلبان الجهل العريق والاستبداد التام واتخذ إلهه هواه فترك بيوت المجد بلاقع. وأدار من بلاياه كئوس السم الناقع، وظن الخيانة أمانة، وسفاهة الرأى عبادة وديانة، أنى يستغرب منه صدور ما ذكر من إهانة حرمات الله والتطاول عليها! هذا وسلاطيننا الجلة الأماجد لم تأخذهم سنة في زمن من الأزمنة عن تنبيه رعاياهم وولاة أمرهم، وإعطائهم

стр. 147

الأوامر كل آونة بالتحفظ على الشعائر الإسلامية والأخذ بالحزم في صيانتها، وكف كل يد عادية رامت التوصل إليها لأغراضها الشخصية. فمن ذلك ما أصدره أمير المؤمنين السلطان سيدى محمد بن عبد الرحمن بن هشام لبعض ولاة أمره. ودونك نص ما كتبه لعامله الطالب محمد بركاش: الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ولفظ ما بداخل الطابع الشريف محمد بن عبد الله وليه خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش، أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فقد تساهل الناس خصوصا الأغنياء وأهل الوجاهة في أمر الأحباس حتى صاروا يتوصلون لما أرادوه منها بأى وجه أمكنهم ويجعلون ذلك في صورة المعاوضة، وصار النظار والقضاة يعتبرونهم فلا يردون إليهم حاجة، حتى انتقل بذلك كثير من الأحباس فبلغ لمولانا الوالد المقدس بالله ذلك فأمر الولاة خصوصا القضاة الذين لهم دخل في هذا الأمر بعدم معاوضتها رأسا، وتقرر هذا الأمر بمراكشة وفاس فلا يوجد أحد يعاوض شيئا منها، وحتى إن تعينت المصلحة فيها فلا بد من رفع أمرها لسيادته ينظر فيها بما اقتضاه نظره ولما ولانا الله سبحانه هذا الأمر اقتفينا أثره في ذلك وسددنا الأبواب في وجوه طلابها، على أن هذه المعاوضة إنما قال من قال بها من العلماء على شروط وأين هى تلك الشروط وما تقرر في هذه المدن أردناه أن يتقرر في ذلك الثغر السعيد، وها نحن أمرنا القاضى هناك وأكدنا عليه في عدم الموافقة على المعاوضة رأسا، كما أمرنا وصيفنا القائد محمد بن عبد الكريم الجبورى بأن لا يساعد أحدا عليها بوجه وأعلمناك لتكون على بصيرة وقد توعدنا القاضى والعامل على ذلك والسلام، في الربع من صفر عام تسعة وسبعين ومائتين وألف هـ. وأما راوية باب المشاورين فهى التي بدرب سيدى غريب بمقربة من ضريح سيدى سلامة على يسار الداخل للدرب المذكور من نهج الحمامصيين، غير أن هذا

стр. 148

الاسم لا يعطى لها الآن ولا يعرفها به أحد، وهي اليوم على حالة يرثى لها عششت بها الأوساخ والأزبال والقذرات وباضت وفرخت، إذ كانت مدت لها فيما سلف اليد العادية كسابقتها القورجية فصيرتها إصطبلا لربط الدواب آونة ومربضا للبقر أخرى من غير رادع ولا زاجر. ولا استحياء من الملك القاهر، مبيد الأكاسرة وكل جبار عنيد. وأما المدرسة الجديدة فهي المعروفة اليوم بالبوعنانية نسبة لأبي عنان، ولا أعرف وجهًا لهذه النسبة والحال أنها إنما أنشأها والده أبو الحسن وهي مراد ابن غازى هنا لوجوه: أحدها: قوله ومن أجل ذلك ... إلخ فإنه مشعر بفخامة بنائها وعلو شأنَّه، وهذه الصفة لا توجد على الكمال في غيرها من مدارس مكناس، لا سيما مع ما سبق عنه من أن بانى مدرسة القاضى هو أبو يوسف، فلم يبق الاحتمال حينئذ إلا في مدرسة الخضارين، وهذا الاحتمال يدفعه كونها على غير الصفة المنوه بها. ثانيها: تصريحه بأنه بناها على يد قاضيه ابن أبي الغمر وقد وافق ذلك التنصيص عليه في سادس أبيات القطعة الشعرية المنحوتة في جبص محرابها كما يأتى. ثالثها: أن التاريخ المعين لبنائها في البيت السابع من القطعة الآتية الذي كان ملكا فيه هو أبو الحسن المذكور فهو الأمر بتأسيسها والحاضر عند كمالها وتمام تخطيطها والعيان في ذلك كله يغنى عن البيان، فإنه يوجد إلى الحين الحالي منقوشا على يمين وشمال محراب قبتها ما صورته. نزه جفونا منك في مدرسة ... أربت على كل سنى ونزهة لقد تبدت في فنون وشيها ... كروضة غب انسكاب ديمة أكملها البانى على إتقانها ... فكمل الحسن بها وتمت

стр. 149

بأمر مولانا المطاع أمره ... على العالى الندى الخليفة من شرف العلم وأعلى قدره ... وأظهر الحق بكل وِجهة على يدي قاضيه في مكناسة ... ابن أبي الغمر الحميد السيرة عام ثلاثين وستة خلت ... من بعد سبعمائة للهجرة فنصر الرحمن من زان بها ... مكناسة الغرب أتم نصرة ونفع الذي أقام حسنها ... بفضل جد وكريم نية ما رفعت بيوته في أرضه ... وتلى الأذن لها برفعة وكان مجيء السلطان أبي الحسن لرؤية هذه المدرسة عند انتهاء بنائها من فاس، وقد بقى على ابن غازى التنصيص على ثالثة المدارس بمكناس الموجودة فيه إلى الآن، وهي مدرسة الخضارين المعروفة بمدرسة مولاى عبد الله بن حمد، وهى المقابلة لسماط العدول الآن مع ظهور قدومها، وسنذكر ما تجدد فيها من المدارس بعد. ولنذيل ما تقدم بما شيدته الدولة الحالية العلوية شيد الله منارها في هذه البلدة فنقول: قد بني بمكناسة الملك المطاع، الذي ملأت جلالته القلوب مهابة ورعبا في سائر الأصقاع، تاج مفرق الدولة العلوية العلية ومؤسس فخرها ومؤثل مجدها، سيدنا الجد الأكبر المولى إسماعيل برد الله ثراه وفسح له في عدنه مساجد ومدارس ومعالم دينية، ووسع كنافها ومهدها ومدنها وأتقنها، وأحكم صنعها، وحصنها بالأسوار الشاهقة والمعاقل الضخمة الشامخة، والصقائل والأبراج العديدة ذات البال وأدارها بقصبات عديدة، منها ما هو متصل بسور البلد، ومنها ما هو منفصل عنه كما سيمر بك مفصلا بحول الله. فمن تأسيساته بها قصوره الفاخرة الجميلة المتنافسة المزرية بدائعها بالبديع وضخامة آثارها بما بناه الأولون على اختلاف عناصرهم، وتباين أديانهم وتباعد

стр. 150

أزمنتهم المضروب بهياكلها المدهشة الأمثال بين عظماء الدول سلفا وخلفا الخالدة الذكر في بطون تواريخ الأمم السالفة. فمن تلك القصور التي ما زالت ولا تزال صفحات التاريخ المغربى موشاة بذكر جمالها وكمالها قصر المحنشة والمدرسة اللذان بهما اليوم القصور السلطانية. وفيهما سكنى حرم العائلة الملوكية الكريمة في العصر الحاضر وقبله بكثير. ومنها داره الكبرى ذات القصور العديدة والمصانع المنيعة المريعة، والحصون المدهشة الحصينة، والأوضاع العجيبة المتناسقة، والأسوار الضخمة الشامخة الرائقة في أعين عشاق الآثار المتجولين من سواح أقطار المعمور، المستعذبة في أذواق أولى الألباب الرحّالين المعتنين المتأملين، تفيد ذوى الأبصار عبرة وذكرى تقصر النعوت دون وصفها، وتنحت البيوت في جوفها. قال أبو عبد الله أكنسوس في "جيشه العَرَمْرَم (١) ": لو شاهد المنصور الذهبي سورًا واحدًا من أسوار السلطان مولانا إسماعيل لعلم أن ما أفنى فيه عمره من ذلك المنزل المسمى بالبديع، إنما هو في التمثيل كدار إبليس التي تباع في عاشوراء يلعب بها البنات. ولا تحتاج المشاهدة إلى إقامة البينات، انتهى. تبلغ سعة جل جدرانها مترا ونصفا، ويبلغ ارتفاع سمك غالبها خمسة عشر مترا. فمن القصور المربعة في هذه الدار، الجامعة أصناف المحاسن والفخار، (قصر الستينية) الفسيح الفائق ذو المنظر البهج الذي تجسم فيه الانشراح، ورفرفت على طالعه الميمون أعلام الأفراح، وجر ذيول العجب على الزوراء، وازدرى بالزاهرة والزهراء، وأخجل قباب الشام، والخورنق والأهرام، ينيف طوله على مائة متر وعرضه على خمسين، كان له أيام شبابه مباح فسيح محيط بجوانبه الأربعة

стр. 151

محمول السقف على أعمدة الرخام الناصع البياض، على رأس كل عمود كرسى من المرمر البديع المزخرف بالنقش العالى المبرهن على كمال براعة الصانع واقتداره على إبراز كل غريب فتان، تستوقف لطافته الأنظار، ويحير عجيب إتقانه النظار، اصطفت تحت ظل ذلك المباح الظليل أبواب قبب متقابلة بسائر جوانبه الأربعة، تتخللها دور وقصورها فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، تجسمت فيها الأبهة والبهاء، وحير وضعها الهندسى أهل النهي، ورصع فسيح تلك الأرض، طوله والعرض، بالزليج المختلف الألوان، وصهاريج صافى الرخام وجوابيه الباهض جمالها وترتيب نظامها القاذفة عن أنابيبها الماء المعين، الذي يغار من صفائه الزئبق واللجين، وألبست جدرانه حلل الجبص الموشاة بأبرع وَشْي وأغلاه وأعلاه، وتمنطقت بمنطقة من الزليج ذى الألوان المختلفة المذهل بمتقن تطريزه المرضعة عن الرضيع، حوت من كل أصفر فاقع وأحمر قانى وأبيض ناصع وأسود حالك وأخضر وأزرق ما تنشرح بمرآه الصدور، وتنطفى به لواعج المصدور، لا يقصر ارتفاع تلك المنطقة عن قامة، في غاية الاستقامة. بشمال هذا القصر منار يسر الناظرين متجل في حلة سندسية خضراء، متوج بتاج مموّه بخالص الإبريز (١) تلوح على نواحى القصر منه لوائح السراء. ووجه تسمية هذا القصر بالستينية وجود قبب بها لها مزيد أبهة وبهاء، ومن جملته كونها مسقفة بالعمل المعروف عند أهل حرفة النجارة بالستينى فأعطيت التسمية للقصر كله من باب تسمية الكل باسم الجزء الأعظم، وما عدا ذلك وهو جل القبب الإسماعيلية في سائر قصوره مقبو بالجيار والآجر مزخرف بالجبص البديع النقش. وفي هذا القصر صار محل سكنى مؤلف هذا الكتاب وفي روضه فيه قال صديقه الحميم الفقيه المؤرخ أبو عبد الله سيدي محمَّد بو جندار مساجلا للأديب

стр. 152

الشهير نابغة لبنان الشيخ رشيد مصوبع وقت اتفاق اجتماعهما بذلك الروض وذلك ثانى عشر جمادى الأولى عام ستة وثلاثين وثلاثمائة وألف. أبو جندار: قم بي إلى اللذات قبل فواتها ... هذى الرياض الزاهرات فواتها مصوبع: نشتاقها بعد الفراق لأنها ... أحيت لنا الأرواح بعد مماتها أبو جندار: طاب الغبوق بها على شمس الأصيـ ... ـل وطيرها الشادى على دوحاتها مصوبع: قد زينت مكناسة بجمالها ... كالخال زين للدمى وجناتها أبو جندار: فكأنما هي جنة الفردوس فيـ ... ـها ما يروق العين من لذاتها مصوبع: إن قام يعبس قلب مكروب اسى ... أهدت لعابس قلبه بسماتها أبو جندار: وإذا تنسم طيبها ميت الهوى ... أحياه ما حياه من نسماتها مصوبع: حسناتها ليست تعد وحسبنا ... أن السرور يكون من حسناتها

стр. 153

أبو جندار: والحسن والإحسان بعض صفاتها ... والأنس والإيناس بعض هباتها مصويع: نرنو لها فنخال طلعة ربها ... في البشر والإشراق من زهراتها أبو جندار: ونجار هل حاكت جميل صفاته ... أو أنه الحاكى جميل صفاتها مصوبع: نشرت لنا كفاه من طيب النهي ... ما كان أطيب من شذا نفحاتها أبو جندار: وطوت عواطف قلبه ودًّا لنا ... مثل المدام الصرف في كاساتها مصوبع: لا زال بدر علاه في سمواته ... يسمو على الجوزاء في سمواتها وقال أيضًا أبو عبد الله بوجندار مساجلا لصفى ودنا حليف الفضل والأدب الفقيه سيدي محمَّد بن اليمنى الناصرى حين اجتماعهما الذي فيه أيضًا قال مفتتحا: ب: لله من مجلس رقت حواشيه ... وشاه بالحسن والإحسان واشيه صرى: تغشى قلوب الأولى حلو أبساحته ... من السرور على المدى غواشيه ب: وكيف لا وأريج الروض أرجه ... بما به تنتشى عقول ناشيه صرى: أما ترى الروح في أرجائه رقصت ... زهوا وعجبا ببادى الفضل فاشيه

стр. 154

ب: ذاك العلى الذي العلياء تخدمه ... والسعد يقدمه لدى مماشيه صرى: بحر العلوم أبو زيد ابن زيدان من ... بدر العلا في علاه لا يماشيه ب: لا زال يرقى من العلياء ذروتها ... ولا أنيل مناه فيه واشيه صرى: ما سرى الهم عمن أم ساحته ... وطاب في مجلس رقت حواشيه ومنها أعنى القصور الإسماعيلية (قصر النصر) الذي كان أسسه زمن خلافته في دولة أخيه السلطان الأفخم مولاى الرشيد، ذلك القصر المتسع الأكناف المعروف اليوم بدار لال بانى المحدث الباب بحومة الدريبة، بمقربة من مسجد القصبة الملوكية الذي تقام به الصلاة يوم الجمعة، وبه يكون احتفال الجلالة المولوية لصلاتها عند حلول ركابها الشريف بالعاصمة المكناسية حتى الآن. ومنها قصر مولاى زيدان، ومنها قصر الشعشاع ولا يقصر قصر من هذه القصور عما فصلناه في القصر السابق قصر الستينية في الأبهة والزخرفة، وإن اختلفت أوضاعها في الاستطالة والتربيع، ولا يخلو واحد منها عن صروح شامخات يشرف منها على ضواحى مناظر مكناس الطبيعية المختلفة الشكل ما بين منخفض ومرتفع وأرجائه الأريجة، كما أنه لا يخلو واحد منها من مسجد للتعبد أو مساجد. فمنها المسجد الأنيق الحافل ذو الصفوف التسعة، والأساطين الرخامية والقبة ذات الخصة العظيمة التي لا زالت قائمة إلى الزمان الحاضر، ومنها يدخل اليوم للضريح الإسماعيلى، طول هذه القبة كعرضها يبلغ طول هذا المسجد سبعا وثمانين مترا وعرضه تسعة أمتار وعشرون سنتيما، ويعرف هذا المسجد في العقود الحبسية بمسجد الرخام، والظاهر أنه إنما كان معدا للصلوات الخمس، فإن ثبت أنه كان للجمعة احتمل حينئذ أن يكون هو المراد بمسجد القصبة في قول أبي القاسم الزيانى: ولما ضاق مسجد القصبة أسس الجامع الأخضر أكبر منه، انتهى.

стр. 155

[صورة] الرخامة الشمسية الموجودة الآن بجامع القصبة

стр. 156

[صورة] صحن مسجد القصبة الإسماعيلية

стр. 157

ويكون الجامع الأخضر هو جامع لال عودة، فيكون كل منهما من تأسيساته ولكن الأظهر كما سنبينه بعد خلاف ذلك، ومع الأسف فقد خرب هذا المسجد وخرب سقوفه ومزقت أثواب بهجته كل ممزق، وفرقت أعمدته الرخامية أيدى سبأ ولم يبق منها غير خمسة منها أربعة لا زالت قائمة بمحالها ممثلة لما كان عليه ذلك المسجد من الضخامة، ومنها واحدة ملقاة على الأرض، والمسجد صار بعضه ممرا يدخل منه للضريح المذكور وللضريح المجذوبي في طريق الخراجة التي كان يخرج منها المولى إسماعيل قيد حياته لأداء الخمس في المسجد المذكور والبعض الآخر مقبرة ولله الأمر من قبل ومن بعد. وجامع لال عودة ينتظم من صفوف خمسة، وجناحين وصحن فسيح ينيف طوله عن خمس وعشرين مترا وعرضه عن ستة عشر، به قبتان إحداهما في الجهة الشمالية طولها أحد عشر مترا وعرضها ستة أمتار وسنتيمات، والأخرى في الجهة الجنوبية طولها سبعة أمتار وسنتيمات وعرضها ينيف على ستة أمتار، وبوسطه خصة من المرمر واسعة الأكناف يتفجر منها العذب الفرات ومدرسة بأسطوانة على يمين الداخل ذات بيوت تسعة، وغرفة يصعد إليها بدرج ستة عشر، وبإزاء هذه المدرسة المنار المتقدم الذكر في قصر الستينية يصعد إليه بمائة وإحدى عشرة درجة، وبهذا المنار مستودع معد لآلات التوقيت ولاستقرار القيم بالعمل بها في غاية اللطف تكتنفه منافع ومرافق. ومن جملة آلات التوقيت العديمة المثال التي لا يوجد لها نظير رخامة شمسية في غاية الإتقان وقد كانت هذه الرخامة الشمسية آية في تحقيق الوقت، فيحكى أن ذلك استمر فيها إلى أن وقعت بين القيم بها وبين القيم بمثل ذلك بمستودع المسجد الأعظم داخل المدينة وهو الميقاتى الشهير السيد الجيلانى الرحالى منافسة في ذلك, حملت الثاني على أن أغرى من عوج شاخص الرخامة المحدث عنها فوقع الخلل

стр. 158

فيها بذلك وهذا الخلل الأعوجاجى وإن تلافاه القيم بالنظر في ذلك حينه، وهو الفقيه سيدي الحسن المنونى لكنه مات بعد ذلك فأدرك الرحالى بعد ذلك منيته في تعطيلها ولا زالت معطلة إلى الآن ملقاة في زوايا الإهمال غير مكترث بها، وقد كانت هذه الرخامة من صنع من كان في قبضة الأسر من النصارى العالمين بذلك الفن، ويدل لذلك تاريخها المسيحى المرقوم فيها بالقلم الرومانى وهو عام ثمانية وتسعين وستمائة وألف. وقد جور بعض الفرنسيين أن تكون هذه الرخامة مهداة لمولانا الجد من سلطان فرنسا المعاصر له لويز الرابع عشر، وعضد ذلك بما كان بين السلطانين من المواصلة، وبما كان لسلطان فرنسا المذكور من الاعتناء بالآلات الشمسية على اختلاف أنواعها حتى كان يدعى بالسلطان الشمسى، فأجبته بأن هذا الاحتمال يبعده خلوها من نقش اسمى المهدي والمهدى له مع أهمية ذلك في الموضوع لما فيه من تخليد الفخر للجانبين، وبأنها لو كان الأمر فيها كذلك لكانت على جانب من الزخرفة عظيم، وما ظنك بهدية من أمير عظيم في قومه لأمير طائر الصيت في المشارق والمغارب فاستحسن ذلك مني. ووراء المدرسة المشار لها غربا صحن فسيح طوله أمتار ثلاثون وعشرة سنتيمات وعرضه سبع وعشرون ونيف، وفي غربه مباح ذو أقواس خمس وأساطين أربع بناؤها باللبن والجيار، خر سقفه في هذه الأزمنة الأخيرة طول هذا المباح ثمانية عشر مترا ونيف وفي الجانب الشرقى منه سقاية ماء. ولهذا المسجد بابان باب القصر الستينية المار الذكر -وليس هو الباب الذي تدخل منه الجلالة السلطانية اليوم للمسجد، بل سد ذلك الباب وأدخل في بيت من بيوت إحدى الدور ولا زال إلى الآن ظاهر الأثر، وإن تنوسي المرور منه وانقطع السبيل الموصل إليه واندثر- وباب نافذ إلى المدينة يدخل منه عامة المصلين من جيش وحشم وأتباع.

стр. 159

[صورة] باب مقصورة مسجد القصبة

стр. 160

قلت: كذا وصف الباب الثاني من هذا المسجد غير واحد، وقولهم: وباب إلى المدينة إما أن يعني به بعد الانفصال من باب القصبة الموالي لجهته وهو باب منصور العلج, لأن الجامع المذكور داخله، وإما أن يبقى على ظاهره ويحمل ذلك على أن السور الذي به باب منصور لم يكن وقتئذ، وإما أن يقال إن مراد الزيانى ومن تبعه بالمسجد الأخضر المنتقل إليه من مسجد القصبة المعروف بهذا الاسم اليوم الذي كلامنا فيه، هو جامع الأنوار الكائن عن يسار الخارج من القصة على باب منصور العلج، والاحتمال الأول بعيد لخروجه عن الظاهر، والثانى أبعد منه لكون الواصفين لباب المسجد الذي الكلام فيه كلهم تأخرت أزمنتهم عن تلك البناءات كلها، مع تصريحهم بأن المولى إسماعيل أفرد قصبته عن المدينة وجعل براح الهديم بينهما والثالث موافق لحقيقة وصف البابين, لأن أحدهما وهو الكبير العمومى مفض للمدينة، والثانى وهو باب دويرية الكتب المقابلة الآن لدار أولاد عم الجلالة السلطانية العلامة المرحوم مولانا العباس مفضية للقصبة بلا شبهة، فلم يبق حينئذ إلا كون جامع الأنوار لا يعرف بالأخضر الذي عبر به الزيانى ومن تبعه، وهذا أمر قريب لأن أسماء الأماكن وما تعرف به تتبدل وتنتقل مع طول الزمان بما يعرض لها كما مر بك كثير من ذلك في هذا التقييد. وأما كون جامع الأنوار من الإنشاءات الإسماعيلية فسيتبين لك أمره بعد وهناك تأتى بقية هذا المبحث إن شاء الله. وقد قرأت في نقش زليج أعلى باب مسجد القصبة القائم الآن ما صورته: الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد نبيه وعبده، أمر بعمل هذا الباب المبارك مولانا إسماعيل أمير المؤمنين أيده الله ونصره، وكان الفراغ من إنشائه أوائل جمادى الثاني سنة تسعين وألف، وفي المسجد الأخضر قال بعض شعراء عصره من قطعة ما لفظه:

стр. 161

وإن ذكرت مصر بجامع أزهر ... ففي القبة الخضرا بدور كوامل وقرأت أعلى باب المقصورة الملوكية في نقش الخشب بالخط الكوفي الرائق من جامع القصبة المذكور ما لفظه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧] صدق الله العظيم. صنع هذا عام ثمانية وثمانين وألف بالقلم الغباري، وقد كان أصلح هذا الخشب فسقط الصفر الموالي للألف إما لجهل مباشر الإصلاح أو غلطه، فأوقع الكثير من الناس في الوهم وأن ذلك اللوح صنع عام مائة وثمانية وثمانين، وذلك لا يصح بحال، قال بعضهم: وكل هذا لا يدل على أن أصل جامع لال عودة من الإنشاءات الإسماعيلية، أما المكتوب على الباب فلكونه لا ذكر لبقية الجامع فيه، وأما المكتوب على المقصورة فكذلك إما لكونه كان أنشأها به قبل ضيقه به فأقرت هناك بعد التحول عنه، وإما لكونها نقلت إليه بعد تخريب جامع الأنوار. وفي هذا المسجد تقام حفلة صلاة الجمعة لدى الملوك أحفاد مولانا إسماعيل إلى الزمان الحاضر والغاية داخلة كما تقدم، وقد لعبت أيدي التلاشي والتخريب أدوارًا كثيرة بهذا المسجد رغما على ملازمة ملوكنا الجلة لصلاة الجمعة فيه وقت ما حل ركابهم الشريف بالعاصمة المكناسية، ولولا أن الله تعالى تداركه بذلك حتى رمم أكثره لأصبح كغيره في خبر كان. ومن قصور الدار الكبرى أيضًا قصر الكشاشين، وهو عبارة عن فسيح مستطيل ذي أساطين مصطفة مبنية بالجيار واللبن والحجر عليها أقواس مرتفعة فاقع لونها تسر الناظرين، بعضها قبالة الداخل، وبعضها عن اليمين والشمال كلها مقبوة السقف، كان هذا القصر معدا للطبخ وشئونه وخزن لوازمه وسكنى القيّمات بمباشرة ذلك من وخش الرقيق وحشم الحاشية الملوكية تتخلل هذه القصور وتكتنفها مناهج مستطيلة مقبوة السقف ذات أُبهة ومهابة، في سقوفها كوات ينفذ منها

стр. 162

[صورة] منبر جامع القصبة الإسماعيلية

стр. 163

الضوء لتلك الشوارع التي ساد السكون فيها، من تلك الشوارع ما خر سقفه، ومنها ما هو قائم السقف حتى الآن رغما عن التخريب الذي استأصل شأفة تلك المحاسن، وغير ماء بهجتها الذي كان غير آسن، فمع الأسف خلعت تلك المباني حلل الزينة وتوحشت بعد الأنس تلك الربوع، وأخنى الدهر بجديدها، وتولى متسلط النحس على سعيدها، فانتثر عقد نظامها وتفرقت أنقاضها في أقطار المغرب وبنيت منها المساجد والمدارس والرباطات والدور حسبما أفصح بذلك أبو القاسم الزياني في روضته وحفظته لنا تقاييد أسلافنا الكرام، وتلقيناه عمن تلقاه منهم وكشطت حلل تلك الجدرات التي طالما جرت على المتطاول ذيول الإعجاب وبدت عيون كواتها العديدة التي جفت جفونها المنام، لما دهاها حال اطمئنانها من الاغتيال وحق لمن بقي به رمق بعد أن أخذ على حين غفلة أن يتنبه، وبأعين النجوم في السهر يتشبه، وقد حفر هطال دموع تلك العيون في خدود تلك الجدرات أخدودا أسفر عن كونه كان وعاء لقنوات مجارى ماء الأمطار المنسدلة من أعلى السطوح إلى أسفل الوادي الساري في تخوم الأرض. وقد أحاط هذه الدار العظيمة المقدار التي هي في الحقيقة مدينة بالأسوار الضخمة الشاهقة والأبراج والسقائل حتى صارت كأنها مركز حربي هائل. وَلاَ فَنَدَ (١) إذا قلت: كانت مركزا حربيا من أعظم مراكز العالم الحربية، وقد أدركنا بقية أعمدة الرخام وكراسيه التي كانت محمولة عليها مباحات القصور الملوكية متراكما بعضها فوق بعض، منها ما هو ظاهر، ومنها ما غطاه الثرى يعثر عليه بالحفر، وقد كان الكثير من ذلك ملقى بباب قصر المحنشة، ولم يزل كذلك إلى أن دخلت الدولة الحامية فنقلت بعضه لدور كبراء موظفيها، والبعض الآخر للجنان العمومي الذي أحدثته بالمحل المعروف بالحبول -بفتح الحاء- وقد تلقينا من آبائنا

стр. 164

أنهم تلقوا من آبائهم أن جميع تلك الأعمدة مع كراسيها كان ملقى بقصر الستينية وغيرها من القصور المذكورة، ومنها نقله السلطان المولى الحسن لباب قصر المحنشة المشار له أوائل دولته، وكم اتخذت من ذلك الرخام من جوابي وصهاريج وزليج وألواح لعتبات الأبواب وغيرها ورتج وغير ذلك، وفرقت في بقاع المغرب وكثيرا ما كان يقع العثور على الأعمدة والكراسي الرخامية تحت الثرى عند حفر أساس أو غيره في ردم تلك المباحات التي لا زالت الآثار الدالة عليها شاخصة إلى الآن، كما أنه لا زال يعثر على زليج الأرض وقنوات مجاري المياه للصهاريج والجوابي سائر فروع القصور السلطانية عند ما تدعو الحاجة لنقل تراب أو حفر أساس ونحوه. وكانت مدة الاشتغال في بناء قصور هذه الدار أعني دار الخلافة الموسومة باسم الدار الكبرى حتى الآن ثمانية أعوام، إذ كان الشروع في ابتداء تأسيسها على ما قاله الزياني وغيره بعد وفاة السلطان المولى الرشيد وجلوس السلطان المولى إسماعيل على منصة الملك، قال اليفرني في "النزهة" وكانت مبايعته ﵀ في الساعة الثانية من يوم الأربعاء سادس عشر من ذي الحجة متم عام اثنين وثمانين وألف، ووافق ذلك ثالث عشر إبريل، انتهى وقريب منه في "روضة التعريف". قلت: والذي في "الدر المنتخب" أن مبايعته بفاس كانت في الثانية من زوال يوم الأربعاء الخامس عشر من الشهر المذكور وأن ذلك وافق ثالث إبريل، انتهى. وكون البيعة كانت في الخامس عشر من الشهر المذكور هو الذي في "نشر المثاني" (١) أيضا. واقتصر في "السلوة" على حكايته الخلاف المذكور في ذلك وأما الزيانى في "البستان" وأبو محمَّد عبد السلام بن الخياط القادري في جزئه فقالا: إن وصول

стр. 165

[صورة]

стр. 166

خبر موت المولى لرشيد بفاس كان في الخامس عشر من الشهر المذكور وفيه كانت البيعة، انتهى. وفيه تسامح. وقال صاحب السر الظاهر: إن وفاة الرشيد كانت ثاني عيد الأضحى وأن بيعة المولى إسماعيل كانت في اليوم الخامس من وفاته، انتهى. وهو محتمل لدخول يوم الوفاة في الأيام الخمسة المذكورة، فيكون قائلا إن البيعة في الخامس عشر ولزيادة الخمسة عليه، فيكون مارا على أنها في السادس عشر ولعل التحقيق ما جرى عليه صاحب النشر ومن وافقه، وكان انتهاء العمل فيها سنة تسعين وألف ويشهد لذلك ما هو متوج به بابها من الكتابة المتضمنة لتاريخ تمام العمل فيها ودونك نصه: دار الخلافة لاح نور قبابها ... تختال بين رياضها وهضابها فكأنما الأنهار في جناتها ... يمنى المليك الفخر يوم عبابها مولاي إسماعيل من جُرْثُومَةٍ (١) ... نقل الأئمة جده أوصى بها يا راصدا لطوالع من سعدها ... فنظام شملك في عضادة بابها ومن تأسيساته السرداب الهائل الكائن تحت أرض فسيح قبة الخياطين ذو الأساطين المحكمة البناء والأقواس الضخمة الشاهقة، تمر فوقه الركبان، وتجر الدواب عليه الصخور العظيمة، وتسير السيارات البخارية المشحونة بالأثقال ذات البال آناء الليل وأطراف النهار، بل جعلت فوقه جنات ذات أشجار وبقول وصارت تسقى بالماء كل آونة فلم يؤثر عليه شيء مما ذكر، يعرف هذا البناء اليوم بحبس قارة، ويقال: إنه كان من جملة السجون المعدة للأسارى وغيرهم من أصحاب الجرائم العظيمة يبيتون به ليلا ويخرجون نهارًا للخدمة.

стр. 167

قال أبو القاسم الزياتي: وكان في سجونه من أسارى الكفار خمسة وعشرون ألف أسير ونيف، وكانوا يخدمون في قصوره منهم: الرخامون، والنقاشون، الحجارون، والحدادون، والبناءون، والنجارون، والزواقون، والمهندسون، والمنجمون، والأطباء ولم تسمح نفسه بفداء أسير بمال قط -أي وإنما كان يفدي ببعضهم من أسر من المسلمين- وكان في سجونه من أهل الجرائم العظيمة كالسارق والقاطع والقاتل نحو الثلاثين ألفا كلها تقيل بالخدمة مع أسارى الكفار ويبيتون بالسجون والدهاليز تحت الأرض. قال: وأمر الشيخ الحسن اليوسي مع المعتصم ابنه عام حجمها وهو عام واحد ومائة وألف بأن يبعث النصارى أسرى العرائش لحضرته فبعثوهم وكانوا ألفا وثمانمائة فكان يخدمهم في بناء قصوره -أي الخارجة عن قصور الدار الكبرى لانتهائها قبل التاريخ المذكور كما تقدم- من جملة غيرهم من الأسارى والمساجين ومن الليل يبيتون بالدهليز، انتهى. قلت: استعمال المساجين بالخدمة نهارا وجعلهم بالسجن ليلا هو السنن الذي تفعله الدولة الحامية مع المساجين من الأهالي وكأنها أخذت ذلك من فعل المولى إسماعيل ولا يعرف اليوم الباب الذي كان يدخل منه لهذا السرداب والدخول إليه في الوقت الحاضر، إنما يقع من ثقب في سطحه حذو الجدار المحيط ببراح قبة الخياطين المذكورة من الجهة الغربية. ومنها الصرح الشاهق المبني فوق ساباط الباب المعروف الآن بباب الرايس ذو الأقواس العشرة، خمسة عن يمين المار فيه، ومثلها عن شماله المحمولة على الأعمدة الحجرية العظيمة التي لا زالت موجودة قائمة لهذا العهد، أربعة عن اليمين ومثلها عن الشمال.

стр. 168

ومنها الصرح الهائل الذي كان فوق القصر المعروف اليوم بأروى الجزارة الواقع بعقبة الضريح الإسماعيلى أمام مكتب الاستعلامات الآن، والهري العظيم الموجود إلى الوقت الحاضر داخل عرصة البحراوي الشهيرة، كان هذا الهري في زمن السلطان المولى الحسن مُعَدًّا لخزن الحطب والصرحان معا أصبحا في خبر كان، وإنما سمي القصر بأروى الجزارة لأنه كان معدا لنزول الجزارين الملازمين للحضرة السلطانية في الظعن والإقامة وربط دوابهم به بعد تخريبه فيما خرب وزوال زينته وقد جدد بعضه الموالي للعقبة المذكورة بعد حلول الدولة الحامية بين أظهرنا. ومنها القصر المعروف اليوم ببين القبب الكائن بباب ابن القاري الداخلي المجاور لجنان البحراوية والأترجية من الجنة السلطانية. ومنها القصر المعروف بدار لال صفية الذي به اليوم سكنى أبناء عم الجلالة السلطانية العلامة النقاد مولانا العباس بن عبد الرحمن بن هشام المقابل بابه الحالي لباب منصور العلج. ومنها الهريان العظيمان الموجودان بإزاء صهريج السواني أحدهما يحتوي على ثلاثمائة وخمس وأربعين أسطوانة طوله مائة ونيف وثمانون مترا وعرضه لا يقل عن تسع وستين مترا، كان هذا الهري على جانب من الضخامة عظيم يشخص للعيان بسطة ملك منشئه ومقدرته على الإتيان بكل عجيب، كان سطحه بمثابة برج عظيم يوضع عليه من الآلات الحربية كل مدهش غريب الشكل، متناه في العظم بالنسبة لزمانه الغابر. وقد لعبت أيدي البلى بجديده، وخرت سقوفه التي كانت تضاهي شوامخ الجبال، ومع الأسف فلا زالت عوامل الخراب عاملة فيه إلى الوقت الحاضر وهو اليوم وكر للبوم والهوام وأنواع الحشرات، وهذا الهري هو الذي قال فيه

стр. 169

أبو القاسم الزياني: وجعل بها هريا لخزن الزرع مقبو القنانيط يسع زرع أهل المغرب كله اهـ. وقد كان جعل لسطحه طريقا تستوي مع الأرض في بعض الجهات يقال إنها كانت مصعدا للجمال الحاملة للقمح فتذهب بأحمالها فوق السطح حتى يوضع حول الكوة المفتوحة فيه لصب القمح لذلك الهري منها فيستغني بذلك عن فتح باب الهري اللاصق بالأرض إلا عند حصول موجبه، ولو لم يكن من آثار عظم ثروة ملكه قدس الله روحه إلا هذا الهري وما أعد له وما ذكر من صفات الخزن فيه لكفى، فكيف وسائر تصرفاته الهائلة إنما هي بعض آثار ثروته البعيدة عن الوصف. والهري الآخر بإزاء سابقه متصل به لا زال سنين السقف حتى اليوم رغما عما نبت عليه من الأشجار حتى صار كأنه غابة من عدم المباشر ومن يهتم بتعاهد إصلاحه، بهذا الهري عدة آبار في غاية العمق ذات مياه عذبة طافية وجعل لكل بئر دولابا عظيما ينقل منه الماء ويصبه في المجاري المعدة له إلى أن يصب بالصهريج صهريج السواني المذكور، يبلغ طول هذا الهري سبعا وسبعين مترا وكسرا، وهو الذي قال فيه أبو القاسم الزياني: وجعل بجواره يعني جوار الهري المتقدم الذكر سوانى (١) للماء في غاية العمق مقبو عليها، وفي أعلاها سقالة مستديرة لوضع المدافع والمهاريز ترمي لكل ناحية، اهـ. قلت: وقد تهدمت تلك السقالة ولم يبق لها في الوقت الحاضر أثر، وجعل بمقربة من هذين الهريين صهريجا كالبحيرة يجتمع فيه الماء الجاري في تلك المجاري تسقى من فيضه رياض وبساتين ينيف طول هذا الصهريج على ثلاثمائة متر، وعرضه على مائة وأربعين، ولم يكن مقصده المحمود في حفر تلك الآبار واختراع

стр. 170

ذلك الصهريج يرمي لتلك الغاية فقط، بل لغرض أشرف وأسمى وأهم لا يعقله إلا المهرة السياسيون العالمون. وتلك الغاية هي بقاء سكان المدينة في اطمئنان وأمان في حالتي المسلم والحرب مع عتاة البربر، إذ المياه الداخلة للمدينة إنما تأتى من بحبوحة القبائل. البربرية، وقد حفظ التاريخ ما كان لهم من التمرد وإباية الامتثال للأوامر المخزنية وعدم تلقيها بالسمع والطاعة والنظر لمن عداهم، وبالأخص سكان الحواضر بعين الصغار والاحتقار، وأقل ما يتوصلون به لأذاهم صرف مواد المياه عنهم والماء ضروري في حياة عموم الإنسان بل كل شيء حي، ولذلك يرى كل كيس متأمل لا تعزب عن علمه مقاصد العقلاء ذوي الآراء السديدة والأفكار المصيبة، أن مطمح نظر هذا السلطان العظيم الشأن فيما يوطد الأمن ويجلب الراحة لرعيته عموما ولمن بعاصمة ملكه من السكان خصوصا, ولذلك تراه بالغ في تحصين هذه القلعة فأحاطها بأسوار عديدة لا يخلو سور منها عن سقائل وأبراج مشحونة بالعدة والعدد، وادخر بها من الأقوات والذخائر والقوة الحربية ما تؤمن معه كل غائلة وتكسر به شوكة كل عاد باغ ومارق عن الطاعة ولزوم الجماعة، ولم يزل يبالغ في التحصين حتى صير عاصمة ملكه حاضرة في بادية وبادية في حاضرة بحيث يمكن لأهلها الاستغناء عن كل ما يجلب إليها من الخارج من زرع وضرع، فلهم من المزارع بداخل سورها ما هو فوق الكفاية لأنواع الحراثة ورعي الماشية والجدران الحصينة وراء الكل ومحيطة بالجميع، والأبواب ذات الأبراج والسقائل المدهشة الحصينة مغلقة في وجوه البغاة ذوي الشقاق. ولم يكن ذلك لخوف منه ولا لجبن فيه كما توهمه الجهلة الحاسدون ومن في قلبه مرض من الملحدين والقاصرين، إذ قد نص التاريخ لنا ما كان مجبولا عليه من الشجاعة والإقدام وقوة الجأش، فقد قال مؤرخ الدولة العلوية أبو القاسم الزياني: وبالشجاعة أدرك السلطان إسماعيل ما أدرك وبلغ ما بلغ ﵀،

стр. 171

وكيف يتوهم جبنه وخوفه ذو بصيرة والبربر الذين احتاجت العاصمة إلى كل هذا التحصين من أجلهم، لم يستقر لمحصنها أبي النصر مولانا إسماعيل قرار حتى نهض إليهم وأوقع بهم الإيقاعات التي تحدث التاريخ بها حتى استأصل قوتهم وسلبهم السلاح والكراع وصيرهم عملة لبيت المال ولأهل العاصمة يعيشون في مهنة ذلك لا غير، حتى كانت المرأة تخرج والذمي من وجدة إلى وادي نون ولا يوجد من يسألهما من أين وإلى أين، ولم يبق بالمغرب سارق ولا قاطع ومن ظهر عليه شيء وهرب يؤخذ في كل قبيلة مر بها وفي كل قرية، وكلما بات مجهول الحال بحلة أو قرية يثقف بها إلى تبيين براءته، وإن تركوه فإنهم يؤاخذون به ويدون ما سرقه واقترفه من الجرام كالقتل وغيره كما قاله الزياني وغيره، أم كيف يرمي إلى ذلك فكر ذي لب وهو يرى ويسمع ما حفظه التاريخ من أحوال عواصم الدول الكبار من المبالغة في التحصين، حتى إن الآستانة عاصمة تركيا قد أحاط بها بنوها الأولون من الروم قبل حلول تركيا بها جدران ثلاثة عظيمة متوالية في كل جهاتها الثلاثة. وأما الرابعة فالبحر متصل بها وحتى إن عاصمة مدينة دهلي أعظم مدن الهند بل مدن الإِسلام كلها بالمشرق، سورها المحيط بها لا يوجد له نظير. قال ابن بطوطة وغيره: عرضه أحد عشر ذراعا ويمشى في داخل السور الفرسان والرجل من أول المدينة إلى آخرها قال: وأسفله مبني بالحجارة وأعلاه بالآجر وأبراجه كثيرة متقاربة، قال وهي من بناء الكفار وحتى إن تَدْمُر -بفتح التاء وسكون الدال وضم الميم- إحدى مدن الشام الشهيرة التي بلغت من التوثيق وشدة التحصين ما نسبت به إلى البناء السليماني بمباشرة الجن والشياطين. وفي توصيف بنائها قال في "معجم البلدان": هي من عجائب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام، زعم قوم أنها مما بنته الجن لسيدنا سليمان ﵇، ونعم الشاهد على ذلك قول النابغة الذبياني:

стр. 172

إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد وخّيِّس (١) الجِنَّ (٢) إني قد أمرتهم ... يبنون تَدْمُرَ بالصُّفَّاحَ والعَمَد (٣) وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داوود ﵉ بأكثر مما بيننا وبين سليمان ولكن الناس إذا رأوا بناء عجيبا جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن (٤) اهـ. وأصله للجاحظ. وفي كتاب مذاهب الأعراب وفلاسفة الإِسلام ما نصه، قالوا: ولكنكم إذا رأيتم بنيانا عجيبا وجهلتم موضع الحيلة فيه أضفتموه إلى الجن ولم تعانوه بالفكر. وقال العرجي: سدت مسامعها لقرع مراحل ... من نسج حسن مثله لا ينسج اهـ. وهكذا السور المحيط بأنطاكية فقد تحدث التاريخ بعظمه عرضا وعمقا (٥). ولنقصر السير في متسع هذه المهامه، وفيما ذكرناه تنبيه للمصنف من سنة أوهامه. على أن مباهاة العظماء من ملوك الجاهلية والإِسلام بالبناءات الهائلة أمر معروف، ومهيع مسلوك غير مخوف، ففي "نفح الطيب": ولا خفاء أنه أي البناء يدل على عظم قدر بانيه، ولذلك قال أمير المؤمنين ناصر الدين المرواني باني الزهراء رحمه الله تعالى حسبما نسبهما له بعض العلماء:

стр. 173

هِمَمْ الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبَألْسُن البُنْيان إن البناء إذا تعاظم قَدْرُهُ ... أضحى يدلّ على عظيم الشان (١) ومن إنشاءات مولانا إسماعيل في قلعته القصر المسمى لهذا العهد بدار البقر وهو المعنون على بابه بباب مسعود بن العربي، وهو متصل بقصر المحنشة والمدرسة، ومجاور لباب مراح مقر المماليك الملوكية وموقع هذا القصر شرقي صهريج السواني، ومن جهة الجنوب النهج العمومي هناك أضيف القصر للبقر لأن السلطان الأكمل المقدس مولانا الحسن كان جعله مقرا للبقر الحلوب الذي يقام من حليبه في سائر الظروف السنوية تموين الحليب لداره العلية، وكذا جعله مقرا للقيمين بحليبها تحت إشراف أمين حتى يصل لمحله بالدار المولوية ليد المكلف بتقسيطه على أفراد العائلة الملوكية ثمة، والزائد على التقسيط من الزبد المستخرج منه على ما اقتضته أنظاره السمية وأوامره العلية، يجمع ويحمل لجنابه العلى كل سنة حيثما كان من إيالته السعيدة. والعادة في كل بقرة انقطع حلبها نقلها للعزائب السلطانية ويؤتى بالحلوب بدلها، وبذلك كان الحليب لا ينقطع من الدار السعيدة في سائر فصول السنة، وعلى ذلك استمر العمل إلى آخر الدولة العزيزية، ثم انقطع وفني السكان القيمون وخرب القصر وصار براحا تزرع فيه البقول والخضروات، والعادة المحكمة إلى الوقت الحاضر هي دخول سلطان الوقت عند الإياب من حفلة صلاة الأعياد من باب مسعود المذكور للدار العلية تيمنا بالسعادة التي في اسم من نسب إليه وقد كان ﷺ يغير الأسماء القبيحة ويحب الفأل الحسن. ومن فاخر تأسيساته في قلعته الإصطبل بل القصر الذي أعده لربط خيله ذلك القصر الباهي الباهر، الذي لم يزل أثر بنائه التاريخي دينا للأوائل على

стр. 174

الأواخر، ذلك القصر هو المعروف اليوم باسم الأروى ذلك القصر هو الذي أشار إليه أبو القاسم الزياني بقوله: وجعل لها إصطبلا لربط خيله وبغاله، طوله فرسخ مسقف بدائرة البرشلة على سواري وأقواس هائلة كل فرس مربوط اثنى عشر ألف فرس وبين الفرس والفرس عشرون شبرا، يقال إنه كان مربط اثنى عشر ألف فرس مع كل فرس سائس ونصراني من الأسارى لخدمته، وفي هذا الإصطبل ساقية للماء مقبوة الظاهر، وأمام كل فرس محل مفتوح كالمعدة لشربه، وفي وسط هذا الإصطبل قبب متعددة لوضع سروج الخيل على أشكال مختلفة اهـ. وفي هذا الإصطبل هري عظيم على طول الأروى لخزن الشعير المعد للعلف يسع شعير المغربين، وهذا الهري لا زال قائما حتى الآن، إلا أنه قد خرَّ بعض سقفه، وهذا السقف بعضه الآن مساو لأرض الأروى والبعض الآخر بارز عنها وبه أبوابه، ومن الغريب أن الزياني ومن تبعه لم يتعرضوا لذكره مع كونه من هائل المباني الإسماعيلية التي لا زالت قائمة العين كما ذكرنا. قال أبو القاسم الزياني: وبجوار هذا الإصطبل بستان على قدر طوله فيه من شجر الزيتون وأنواع الفواكه كل غريب عجيب طوله فرسخ وعرضه ميلان اهـ. قلت: صار هذا البستان قبل اليوم دورا للجيوش السلطانية، وغالب دوره لا تخلو عن غراسات ويعرف اليوم باسم الزيتون، صار هذا الاسم علما له بالغلبة. ومن المباني الهائلة بهذا الإصطبل أيضا هيكل الهري المائل الآن فيه وهو هيكل عظيم هائل اشتمل على أهرية منها هري سبع قبب. وقد دخلنا هري سبع قبب هذا فوجدناه انتصب من بناء مهول مدهش يمثل عظمة بانيه وكمال اقتداره، وبه ست قبب محيطة بالقبة الوسطى العظيمة التي هي سابعة القبب، يقال: إن هذا الهري كان معدا لوضع السلاح الحربي فيه حتى يحتاج إليه، وقد كان السلطان العظيم الشأن المولى حسن عين هذا الهري لخزن البارود ثم بعد مدة طرأ عليه ما

стр. 175

أوجب نقل البارود منه، وذلك الطارئ هو حدوث بلل بأرضه لم يعهد فيه قبل فنقل منه ووضع بهري آخر حذوه، ولم يزل مصونا به إلى أن حلت الدولة الحامية وألقته في صهريج السواني التقمته أفواه قنوات مجاري مياهه أيام امتلائه. وبطرف هذا الهيكل باب يصعد منه في مطلع بدون درج على هيئة مطلع منار حسان برباط الفتح وجامع الكتبيين بمراكش إلى الصرج العظيم المحمول على هذا الهيكل الفاخر المساوي له طولا وعرضا وارتفاعا، وهذا الصرح هو المعروف اليوم باسم المنصور، اشتمل على عشرين قبة في كل جهة قبب خمس، الخامسة في كل ربع هي الوسطى وهي أكبر قبب ذلك الربع مع كونها مربعة ومساوية لمقابلتها، وبكل قبة شباك يشرف الناظر منه إما على العاصمة تماما وبسيطها، وإما على ما حواليها ينيف طول ذلك الصرح والهيكل المحمول هو عليه على مائة متر، وعرضهما سبعون وفي هذا الصرح يقول الكاتب أبو حفص الحراق: أنا قصر العتاق من الجياد ... بناني الله في نحر الأعادي على يد عبده المنصور حقا ... وصلت على القصور بكل نادي وكيف لا أصول على المبانى ... وإسماعيل قد أسمى عمادي وشيدنى بتوفيق ويمن ... وعمرني بآلات الجهاد وروع بي الصليب وعابديه ... فنال العز من رب العباد أدام الله ملكه في هناء ... وأعقابه إلى يوم التنادي قلت: قوله بناني -هو بالباء في أوله من البناء ضد الهدم ولا يصح أن يكون بالفاء من الفناء بمعنى العدم, لأنه إنما يتعدى بالهمز وهو في البيت متعد بنفسه ولأن الإتيان به في طالعة مديح بناء ذلك القصر مما يتشاءم منه لأنه دعاء

стр. 176

بإعدامه، وهو كالمنافي للمقصود. هذا وليس يقصر ارتفاع هذه الهياكل وصرحها عن أربعين مترا وذلك أيام بهجته وشبابه. ومن المفاخر الإسماعيلية المعصرة الفاخرة البناء الواقعة في الجانب الشرقي من أروى مزيل التي صارت اليوم معملا للصناعة الحديدية، يقال إن زيتون حمرية كان يطحن بهذه المعصرة. وقد وصف هذه القصبة الإسماعيلية بعض من كان مستخدما في بنائها من أساري الأورباويين وهو مويت الفرنسي في كتابيه اللذين وضعهما في وصف المملكتين الرشيدية والإسماعيلية وفتوحاتهما وقضية أسره فيهما فقال: إنها في الجنوب الشرقي للمدينة، وأن ابتداء بنائها عام أربعة وسبعين وستمائة وألف مسيحي، وطولها أكثر من عرضها، كما أن عرضها من الجانب الجنوبي الغربي أقل من عرضها من الجانب الجنوبي الشرقي. ولها ثلاثة أبواب أعظمها الذي بالجانب الجنوبي الشرقي ويسمي باب الخلاء أي المفضي لخارج المدينة، على جانبيه برجان عظيمان عاليان مربعان على كل واحد منهما ثلاث شرافات على هيئة نور السوسان بنتهما الأسارى عام سبعة وسبعين وستمائة وألف مسيحي. وهذا الباب يقابل المقبرة. والباب الثاني يسمى باب الحجر لبنائه بالحجر المنحوت وهو المقابل لروى مزين. والثالث يسمى باب المدينة وهو المقابل لها ثم هذه القصبة لها ثلاثة أسوار من جهة الشمال الشرقى عرض أولها ستة أشبار، وعلى طرفيه برجان مربعان ذوا شرافات، وعرض السور الثاني ثلاثون شبرا، وبين هذين السورين فسيح مربع يسمى روى مزين والثلاثون شبرا التي في عرض الحائط الثاني لم تستمر في عرض

стр. 177

الحائط كله، بل أسقط البناءون منها حتى صار البارز منه عشرة أشبار بني على طرفيه جداران صغيران عرضهما ثلاثة أشبار وعلوهما قامة وبينهما داخل الجدار المذكور يطوف على القصبة العبيد الساكنون بالأبراج من غير أن ينظر إليهم أحد لا من داخل القصبة ولا من خارجها. وأما السور الثالث وهو سور قصر الحريم وهو أعلى من الأولين وبه كوات وفرج وعليه يطوف عبيد الدار المخصيون وليس على القصبة من الجهة الأخرى إلا سور واحد عرضه عشرة أشبار، وله أبراج متينة شاهقة مربعة من جملتها معقلان: أحدهما في جانب القصبة الشرقي، والآخر في جانبها الغربي. وفي الجانب الجنوبي من هذه القصبة قصبة صغيرة بنيت سنة ثمانين وستمائة وألف مسيحية تسمى الأوَدايَة، عرض أسوارها ستة أشبار، ولها أبراج مربعة بشرافاتها تفضل بين القصبتين مقبرة، قال: وللقصبة الإسماعيلية منظر رائق من بعيد. قال: وتتصل بها مدينة مكناس من الجهة الشمالية الغربية. قال: وفي عام واحد وثمانين وستمائة وألف اشترى مولاى إسماعيل الجنات المجاورة للجنان الذي أنشأه على هيئة أكدال بمراكش، وكان قصده أن يجعل دائرته ثلاثة كيلو مترات، وقد كمل عمله في شهر واحد استخدم فيه في أبان المطر الغزير الأسارى والعبيد والقواد والأشراف وغيرهم كما خدم فيه بنفسه وكذا خدم بنفسه في بناء قصوره اهـ. قلت: أما باب الخلاء المذكور فهو المعروف اليوم بباب الرايس، وإنما كان يسمى باب الخلاء زمن خدمة هذا الأسير بالبناءات الإسماعيلية، وإلا فقد صار باب العمارة، وفي وسط القصبة ومن هنا يفهم أنه لم يصف القصة بتمامها لأنها زادت بعده كثيرا، والباب المفضى للخلاء من تلك الجهة هو باب الناعورة البراني والمقبرة التي أشار لمقابلة باب الرايس لها هي مقبرة سيدى عمرو الحصيني، ومقابلتها له ليست حقيقية، بل هي مقابلة في الجملة لأن الخارج من باب الرايس

стр. 178

تكون المقبرة عن يساره، وقد حال الجدار المار فيه ماء شرب المدينة المقابل لباب القصر الملوكي المسمى بالمدرسة بين المقبرة والباب المذكور. وأما باب الحجر فإنه لا زال يعرف بهذه الإضافة إلى الآن، وهو الذي يدخل عليه لحومة سيدي النجار ويمر فوقه لحومة الدريبة وكلام هذا الأسير فيه يدل على أن باب أبي العمائر الواقع خارج هذا الباب لم يكن في رمنه وكذا باب المرس وإنما حدثا بعده، وهو قد كان المولى إسماعيل مَنَّ عليه بالفكاك من الأسر في جملة سبعين أسيرًا عام واحد وثمانين وستمائة وألف مسيحى. وأما باب المدينة الذي ذكره فهو المعروف بباب منصور العلج، وكلام هذا الأسير نص في كون أصل هذا الباب للمولى إسماعيل فولده مولاي عبد الله إنما نمقه كما يأتي ذلك بحول الله. وأما القصبة الصغيرة التي قال الأسير إنها في الجانب الجنوبي الشرقي فهي قصبة هدراش، ونسبته إياها للأوداية لعل ذلك كان لسكنى الأوداية بها أول الأمر، والمقبرة الفاصلة بين القصبتين هي مقبرة الحصيني المتقدمة، وأما قوله: روى مزير، فهو عنده آخره راء، الشائع في ألسنة العامة آخره نون، والذي يكتبه الموثقون والمتفاصحون آخره لام، ويذكر أن مزيل المضاف إليه كان قيما على أروى خصوصية هناك، وهو من أرقاء السدة الملوكية، وبالأسف فقد أصبحت مشيدات هاتيك القصور بلاقع، ولم تلف لتلافي أشلائها من راقع، استعمرتها أنواع العصافير والحشرات ودرست معالم تلك الزينة الثمينة، وخربت تلك القبب بل انمحت آثارها وجعل عاليها سافلها وإلى الله عاقبة الأمور. ولما وقفت على تلك الرسوم الدارسة، المستوحشة بعد أن كانت مؤنسة، وطال تدبري في مبداها والمآل، تذكرت ما أنشاه ابن عربي الحاتمي في كتاب "المسامرات" لما دخل الزاهرة فوجدها بلاقع إذ قال:

стр. 179

ديار بأكناف الملاعب ترتع ... وما إن لها من ساكن وهي بلقع ينوح عليها الطير من كل جانب ... فتصمت أحيانا وحينا ترجع فخاطبت منها طائرا متفردا ... له شجن في القلب وهو مروع فقلت على ماذا تنوح وتشتكي ... فقال على دهر مضى ليس يرجع وخيل لي أنها تنشدني قول من قال: الله أخر مدتي فتأخرت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا وليس ببعيد من طريق الاعتبار أن تكون الحكمة في سرعة تخريب تلك القصور وغيرها مما يأتي من البناءات الإسماعيلية على عظمها وثخانة بنائها القاضيتين بالنظر للعادة بتأبيدها في الجملة جعل ذلك في مقابلة هدم قصر البديع الذي كان أسسه بمراكشة السلطان أبو العباس أحمد المنصور السعدى الملقب الذهبي، لفيضان الذهب في زمانه حتى قيل كانت ببابه أربع عشرة مائة مطرقة تضرب الدينار دون ما هو معد لغير ذلك من صوغ الأقراط والحلي وشبه ذلك -المبتدأ تأسيسه في شوال عام ستة وثمانين وتسعمائة، واتصل العمل فيه إلى عام اثنين وألف ولم يتخلل ذلك فترة، وفي عام تسعة عشر ومائة وألف أمر مولانا إسماعيل بهدمه فهدمت معالمه، وبددت مراسمه، وغيرت محاسنه وفرق جمع حسنه وعاد حصيدا كأن لم يغن بالأمس. قال في "نزهة الحادي" تأملت لفظ البديع فوجدت عدد نقط حروفه بحساب الجمل مائة وسبعة عشر، وهذا القدر هو الذي بقي فيه البديع قائما عامرًا فإنه فرغ منه عام اثنين وألف، وشرع في هدمه عام تسعة عشر ومائة وألف، فمدة بقائه بعد تمام بنائه مائة وسبعة عشر سنة على عدد اسمه وذلك من غريب الاتفاق اهـ، وكون الجزاء من جنس العمل أمر معهود في التصاريف الإلهية في كثير من

стр. 180

الجزئيات، وليس هذا بمزاحم لما أشار البعض إليه في حكمة هدم البديع من كون أنقاضه صارت بعد هدمه كالراجعة لأصولها، إذ ما من نقطة مغربية إلا وصار إليها في الأغلب بعض أنقاضه، كما أن القوة المخزنية كانت ألزمت وقت بناء البديع سائر النقط المغربية حمل ما قدرت عليه مما لديها من مقومات بناء قصر البديع المذكور وإيصاله إلى محل بنائه. قال في "النزهة" حتى إنه وجدت بطاقة فيها إن فلانا دفع صاعا من جيار حمله من تنبكتو وظف عليه في غمار الناس اهـ. فكان تفريق أجزائه بعد الهدم وفق ما جمعت عليه حين البناء وذلك أيضا جزاء من جنس العمل جزاء وفاقا والحكم والنكت لا تتزاحم على أن ما ذكروه هو حكمة لهدم البديع، وهذا الذي أشرنا إليه هو حكمة لهدم ما شيده سيدنا الجد هادم البديع برد الله ثراه. وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد فليعتبر بذلك البصير، وليراقب فيما يأتيه وما يذره الآخذ بالنواصي الوارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، وليعلم أنه كما يدين يدان. ومن تأسيساته الفائقة العجيبة التي لم ينسج على منوالها ناسج مدينة الرياض العنبري، جوار قصبته السعيدة لا زال موقعها إلى الآن بدخول الغاية يعرف لدى الجمهور بالرياض، خارج باب زين العابدين، أخذ أبواب المدينة اليوم كان عينها لأخواله الأوداية عام ألف وثمان وثمانين كما في "الروضة السلمانية" وأمرهم ببناء دورهم بها. وفيها كانت دور العمال والكتاب وذوى الحيثيات من أعيان الدولة، قال أبو القاسم الزياني: وكانت مدينة الرياض زينة مكناسة وبهجتها، وبها آثار أهل دولة مولانا إسماعيل كل من كان له وظيف بخدمته بني داره بها وتنافس العمال والقواد
следующие страницы →