← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقوله مادحًا القاضى المذكور: كل يوم وساعة لك عيد ... مستعاد وموسم مستفاد وتولى على علاك بمن ... في التهانى والإقبال والإسعاد إنما العيد أنت للناس فلنهـ ... ـنأ بمرآك نحن والأعياد فمتى أورد الفتى من كلام ... في كمال للعيد أنت المراد كم أعيد بالفتح ذلكم العيـ ... ـد علينا وبالنجاح يعاد لا يراد الجدا على الجد إلا ... من نداك الأندى ومنه يفاد حبر علم وبحر حلم وتقوى ... ليس تقوى بمجده الأمجاد خص بالمكرمات طردا وعكسا ... فله بأفرادها أفراد وله من مستطرف في قديم ... وحديث طرائف وتلاد ساد من سودة وقد ساد من قد ... ينتمى لأجلة قدما سادوا أحمد الأحمد العواقب قاضى الـ ... ـفصل والفضل يقتفيه سداد كيف ينبغى البليغ حصر خصال ... فيه جف عن حصرهن المداد دم معافى من الزمان مكافى ... فالأمانى إلى حماك تقاد وقوله: أى شئ إن تذق قلبا له ... صار حتفا وهى من أسنى منال وقوله: قد أتى سائلا بحسن اتئاد: ... أى شئ يكون معنى الدلال قلت تيه الحبيب تيها يضاهى ... في فؤاد المحب ضرب النصال

стр. 1297

فهو كالشهد للمحب وإن كا ... ن به الحتف يا مليح السؤال وقوله: من بعذل لفقد العدل منه رمى ... سكان مكناسة إذا رام تدوينا فليس عدل يحيق باشعيرى من ... جميعهم بل ولا من بعضهم حينا إن بايعوا ملكا وفوا ببيعتهم ... ولا يخونوا إذا في بيعة خينا جل الوفاء بهم لجارهم فلما ... لم يرتدوا بالوفاء منهم دينا رميتهم أنهم صاموا بعلمهم ... في العيد مع أنه رمى به مينا سيما العلا حللا ساموا فسمتهم ... صاموا بعيد فقد سلبتهم مينا بنيت إثمهم والغير معك على ... حديثه وهو موضوع معانينا مؤنبا لهم لعلة بجفا ... وكان علتك الغائبة اللينا بالنثر والشعر لكن غير متزن ... والشعر لابد أن يكون موزونا إن تقصد الكل في نداك أهل وذا ... هو المبين من فحواه تبيينا فقد ضللت بدون مرية ودنى ... بك المراء لأقصى مدية مينا كلا أتى خير بالعدل قاضينا ... في يومه فغدا بالفطر يقضينا ثم اقتفاه جميع الناس مستندا ... للشرع إذ خبر الآحاد يكفينا بالله قل لى ألم يبلغكم ذاك أم ... تجاهلا تنسبون للملا الهونا وإن ترد بعضهم أين القرينة في ... إطلاق كل عن بعض فتهدينا وقوله جامعا معانى حجا العشرة: حجوت إلى أن حجوت العلوما ... فلم أحجها إذ حجوت العليما

стр. 1298

وما إن حجا ذو حجا سائلا ... وعنه حجا فحجا مستديما وإن أحجه معنتا أحجه ... عنيفا وأحجو عفيفا كريما وقوله ناظما لاثنى عشر فعلا جاءت عن العرب مثلثة العين عند قراءته للامية الأفعال وتعرض بحراق شارحها لسرد الأفعال المشار لها: وقد أتى الفعل الثلاثى على ... ثلاثة في العين فيما نقلا كمرؤ الطعام ثم كدرا ... ماء وبالمرء الزمان عثرا وخمص البطن وكان نضرا ... وجه وغصن والحليب خثرا وعقمت زوجته فزهدا ... فيها وما رفث في القول اهندا بنفسه رفق ما إن قنطا ... وسفل الإنسان رام شططا وقوله جامعا للفعل المضعف مفتوح عين المضارع الآتى ماضيه من فعل مكسور العين وكذا المضعف من باب فعل بضمها: وذاك حكم مضاعف يلى فعلا ... وافتح لآت من الآتى على فعلا من ذاك بر وقر هش وبش ومص ... غص بح ولذ مله مللا وود عض ومسه وشم وبح ... ضن وظل وشل عضوه شللا وامتاز ذو الفتح عن ذى الكسر منه إذا ... بتا الضمير ونونه قد اتصلا هناك تحذف عين مع تحركها ... أو التحرك نحو فائه نقلا ولم يرد فعل المضموم عندهم ... مضاعفا غير ما عنهم لنا وصلا شررت ثم ذممت أو فككت به ... لببت فلتعين هذه المثلا

стр. 1299

قوله وذاك حكم مضاعف إلخ الإشارة في قوله وذاك راجعة إلى ما ذكره المصنف من الفرق بين المضعف اللازم فتكسر عين مضارعه والمضعف المعدى فتضم إلا ما شذ منهما، وقوله وافتح لآت أى لمستقبل وهو المضارع، وقوله وامتاز إلخ يعنى أن الفعل المضعف إذا اتصل به تاء الضمير أو نونه يفك إدغامه ويرجع إلى أصله من كسر عينه أو فتحها، وقوله هناك تحذف عين أى عند اتصال الضمير بالفعل المضعف المكسور العين تحذف عينه مع حركتها أو تنقل حركة العين إلى الفاء وأشار بذلك إلى قول ابن مالك في الخلاصة: ظلت وظلت في ظللت استعملا إلخ. وقوله أيضًا جامعا الأفعال التي جاءت حروفها من نوع واحد: ولم يلف فعل من ثلاثة أحرف ... قد اتحدت جنسا سوى ما يقيد وذلك قق صص هه ودد قد ... أضيف إليها بب زز فتفرد وقوله ذاكرا ما يعرف به عجمة الاسم ليمنع من الصرف مع العملية: إذا من أحرف الذلاقة خلا ... سوى الثلاثى فعجمة جلا ورمزوا لها بـ"مر بنفل" ... والراء بعد النون بدء القول كذا إذا الجيم أتى مع قاف ... أو مع صاد مهمل أو كاف والزاي بعد الدال ثم ما نقل ... عن الثقات أعجميا فعقل وقولى مخاطبا جماعة من أفاضل سلا منهم علامتها الفذ أبو العباس الناصرى صاحب كتاب الاستقصا وذلك عند ورود المترجم على سلا سنة اثنين وثمانين ومائتين وألف ومقامه بها أياما ثم عبوره للرباط ونزوله على العلامة الشيخ البركة سيدى العربي بن السايح الشرقاوى: يا سمى السمى يا طاهر الوسم ... ـم والاسم لطاهر الأعراق

стр. 1300

إننى وعلاك قدرا على ما ... تعهدن من المحبة باق فاعذرني بما جنيت بجهلى ... دون إذنك سيدى بفراق وكذا جلساؤك الغير إذ أثـ ... ـقلهم ظهرنا من الأرزاق منكم القلب قَدَّدِنَى هب نأ الـ ... ـقلب فالقلب مغرم بالتلاق والسلام الأتم يغدو عليكم ... ويروح شذاه من مشتاق وخصوصا على الذي برز الأقـ ... ـران في الميادين عند السباق من إذا حاول الأديب بلوغا ... حد وصفه باء بالإخفاق أحمد الأحمدين في العصر أفعا ... لا وأبلغهم على الإطلاق وابن طاهر المحيل عقولا ... عند لحن الخطاب في الأذواق وأبى عبد الله خير أديب ... الرفيع العلا الفتى الوراق واغفروا من عبيدكم هدرا لا ... ينبغى أن يبث في الأوراق نظم الله عقد جمعكم الوا ... فر نظم قلائد الأعناق فأجابه أبو العباس المذكور بقطعة على بحره ورويه لفظها: يا أديبا غدا بحسن اتفاق ... ينفث السحر في المعانى الرقاق قد أتتنا حدائق من سناكم ... جددت أرسما لعهد التلاق وعلمنا منها بأنك لا زلت ... بها ذا صبابة واشتياق لست أدرى أهى قلائد در ... أو نجوم محت دياجى الفراق توجهت مفرق الزمان على فترة ... شعرى من الورى وانمحاق ولقد ساءنى الذى قلت من جهـ ... ـل وأنت الفتى الكريم الوفاق

стр. 1301

أنت تحكى النسيم في الخلق والصا ... رم في العزم والطلا في المذاق وبنا من فراقك الصعب ما لو ... كان بالبدر لاكتسى بالمحاق فأزل ما بالقلب من وحشة البيـ ... ـن وما بالجفون من إيراق ما محياك حين تغدو علينا ... غير يسر أتى على إملاق فعليك السلام من هائم لا ... زال من فرط وجدكم في احتراق وعلى خدنك الإمام الذى حل ... من المجد في أعز المواق سيدى الأعربى من أعربت عن ... فخره ألسن الورى باتفاق ما شدا في محافل الأنس شاد ... وحدا بالحسان حادى النياق هـ من خطه ومراده بالأعربى سيدى العربي بن السائح. بعض ما قيل فيه من المديح: من ذلك قول العلامة الحجة الأديب الكبير أبى العباس أحمد بن قاسم جسوس الرباطى وذلك أواسط شعبان عام سبعة وتسعين ومائتين وألف: أمكناسة الزيتون لله ما تبدى ... لنا من سرات مصطفين ذوى المجد نعمت بلاد في البرية أصبحت ... كبيت قصيد بل زمردة العقد سقى الله ذاك الربع وبل غمامة ... وأبقى بها نوء السيادة والسعد ولا برحت تختال في حلل البهى ... مضمخة بالعطر والمسك والند بلاد تفوق الشام حسنا ويهجة ... وتسلى عن الأوطان ذا الخطيب والوجد بلاد تحلت بالفضائل وازدهت ... فعرج بها تلق المحاسن من بعد بلاد بها سحب العلوم تهاطلت ... فلم تر إلا عالما وهو في المهد

стр. 1302

أتانا سمى القدر قطب رحاهم ... حليفا التقى جرثومة الفضل والمجد أتانا كما يأتى الغمام بويله ... فأحيا رسوم العلم والفقه والجد رئيس بليغ لوذعى ذكاؤه ... ينسيك إياسا أخا الحل والعقد تخاله إن تلقاه يوما هو الورى ... ولا نكر كون الناس في رجل فرد أيا طاهرا والطهر بعض صفاته ... فدتك نفوس في المصادر والورد أيا مخجلا سحبان بالله عطفة ... لصب بثغر يشتفى به من كد ويأيها الشهم الرفيع مكانة ... تفضل بذاك النظم ذى الطر بالشهد إلى أن قال: وهاك أبا عبد الإله عروسة ... مكعبة الثديين مائسة القد فخذها أخا الإجلال وانظر جمالها ... بعين الرضا تعلم بأنك ذو الود وكن معذرا خلى فإنى مقصر ... مجل بجهلي بالثناء وبالحمد ونهدى سلاما طيبا لجنابكم ... تحمله أيدى البنفسج والورد أوردها أوائل شرحه على الشمقمقية ونقلتها من خط من نقل من خطه من حفدته: وفاته: توفى عشية الأربعاء ثالث وعشرى حجة الحرام عام ستة وثلاثمائة وألف ودفن بضريح جده الولى الأشهر سيدى عبد الله الجزار رحم الله الجميع وقد رثاه بعض تلاميذه بما لفظه: رنت حمامة أيك ... تقول للعين فابك كمزنة الودق سحى ... ورقرقى الدمع منك

стр. 1303

فإن فقدت دموعا ... بطول ما أنت تبكى وقد عييت فدمع الـ ... ـغير استعيرى إليك عينى طول حياتى ... على سما العلم تبكى هيهات إن قيل صبرا ... لها اترك الدمع عنك فإن تجرعت صبرا ... يوما فذاك بالإفك هجرا هجوعك جفنى ... أما علمت بضنك أما علمت فريد الأ ... عصار من غير شك عصم الأفاضل من حا ... ز غاى ذوق ودرك يتيمة إن نظمت إلا ... علام حقا بسلك العالم المتحلى ... بكل فضل ونسك الطاهر المظهر المشـ ... ـكلات حلا بفك رماه سهم المنايا ... فاقتنصته بشرك فأصبح العلم منه ... منسكب الدمع يبكى بادت كراسيه من فقـ ... ـده وعادت لترك علم العلم ... قد أُصيب بدك لهفى على باقر ذى التد ... قيق فيك بفتك يا رب فانشر عليه ... رضاك مدة عتك لكى يرى نفحات الر ... حمن تضوع كمسك

стр. 1304

١٦٩ - الطاهر بن الهادي بن أحمد بن المجذوب الفقيه . المؤدب صنو العارف بالله سيدى الطيب ابنى على بن عبد الرحمن بن على ابن عزوز. دفين زغوان البلاد الشهيرة قرب تونس، وقد عرف بالعارف ابن عزوز هذا صاحب الصفوة، كما وجد ذلك بخط أخى المترجم هنا، العلامة السيد فضول آتى الترجمة في حرف الفاء بحول الله قائلا والله أعلم أى ذلك كان كما قال ابن خلدون. فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت ... ولا عن مكانى ما عرفن مكانيا حاله: كان ورعا خيرًا دينا، فاضلا تاليا ناسكا ذاكرًا، حافظا لكتاب الله مجودًا له يحفظ قراءة البصرى حفظا متقنا، وكان يؤدب الصبيان، وتخرج عليه عدد وافر من حملة القرآن، تولى خطة الشهادة وقصر تقدير الفرض عليه وذلك أواخر عام خمسة وتسعين من القرن المنصرم، وكان سليقى اللسان، لا يعرف النحو ولا يلحن في كلامه ولا في كتابته. مشيخته: أخذ قراءة نافع، والبصرى على البركة الفقيه السيد محمد بن الحاج أغربى، وعن غيره من جلة مشايح وقته الأعلام. الآخذون عنه: منهم الشريف البركة الأصيل الحيي سيدى مشيش ابن مولاى يوسف بن السلطان مولاى سليمان قدس الله أرواح الجميع. وفاته: توفى يوم الاثنين فاتح جمادى الأولى عام ستة عشر وثلاثمائة وألف، ودفن بالزاوية الناصرية من حضرتنا المكناسية. ١٧٠ - الطيب بن العناية بَنُّونَة الضرير . حاله: فقيه نبيه ذو إدراك وقاد، وإنصاف وتواضع، كف بصره بعد ما شب

стр. 1305

وقرأ، ولم يزل ملازما دروس شيوخه إلى أن شاب، كثير التهجد معمر الأوقات بالذكر والصلاة على النبي ﷺ ، ذو مزح لطف، ودعابة لا تخلو من حكم وحقائق، رشح للتدريس بالضريح الإسماعيلي بعد وفاة شيخنا أبي عبد الله محمد ابن عبد الهادى، وكان لطيف التعبير حسن التعليم. مشيخته: منهم السيد فضول السوسى وهو عمدته وأخذ عن غيره ممن عاصره. الآخذون عنه: لا أستحضر منهم الآن غير نفسى قرأت عليه المرشد المعين من أول كتاب الطهارة إلى آخر الزكاة. وفاته: توفى في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف. ١٧١ - الطيب بن عبد الله محمد بن الطاهر بن عبد القادر بن عبد الله بن فخر الملوك مولانا إسماعيل . حاله: فقيه عدل رضى أريحى مهذب، أديب خير دين لطيف، حلو الشمائل، لا تمل مجالسته، ولا تخلو من ظرف، بارع الخط، نساخ للكتب، وكان متوليا خطة العدالة ومتصدرا للشهادة بسماط العدول، ثم رشح للشهادة بمراقبة الأحباس. مشيخته: أخذ عن الفقيه السيد الغالى السنتيسى، وعن السيد فضول بن عزوز، والسيد الطاهر بوحدو، وشيخنا السيد محمد بن عبد الهادى، وعن عمنا مولاى عبد القادر ووالدنا وغيرهم. ولادته: ولد يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الأولى عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف كما وجد ذلك بخط والده. وفاته: توفى في فاتح جمادى الثانية عام ستة وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بروضة ضريح جده المولى إسماعيل قدس الله أرواح الجميع.

стр. 1306

[صورة] الشريف مولاي الطيب بن عبد الله العلوي

стр. 1307

حرف الكاف * * * ١٧٢ - الكمال أبو البركات بن أبى زيد المكناسى . حاله: عالم فاضل جليل قدوة كبير شهير نبيل وناهيك بمن روى عنه الحافظ العسقلانى وأجازه مكاتبة بحديث المصافحة، قال في الإصابة في القسم الرابع من الجزء الثالث في حرف الميم في ترجمة المُعَمَّر: أخبرنا الكمال أبو البركات بن أبى زيد المكناسى إجازة مكاتبة قال صافحنى والدى وقد عاش مائة قال صافحنى الشيخ أبو الحسن على الحطاب بالحاء المهملة بمدينة تونس وعاش مائة وثلاثين سنة قال صافحنى الشيخ أبو عبد الله الصقلى وعاش مائة وستين سنة قال صافحنى أبو عبد الله المعمر وكان عمره أربعمائة سنة قال صافحنى رسول الله ﷺ ودعا لى وقال عمرك الله يا معمر ثلاث مرات (١). قال الحافظ هذا المعمر شخص اختلق اسمه بعض الكذابين من المغاربة وهو من جنس رَتَن الهندى (٢)، قال: وقد بسطت ترجمة المعمر بالتشديد في لسان الميزان (٣). مشيخته: أخذ عن والده أبى البركات وغيره. الآخذون عنه: منهم الحافظ ابن حجر العسقلانى وغيره.

стр. 1308

١٧٣ - الكامل بن عبد الله بن الطاهر بن محمد . ابن الطاهر بن محمد بن عبد الواحد بن العربي بن محرز بن على بن يوسف بن على الشريف بن الحسن بن محمد بن حسن القادم من الحجاز بن قاسم ابن محمد بن أبى القاسم بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبى محمد بن عرفة ابن على بن الحسن بن أبى بكر بن على بن حسن. بن أحمد بن إسماعيل بن قاسم ابن محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على بن أبى طالب ومولاتنا فاطمة الزهراء البتول بنت رسول رب العالمين، خاتم النبيين مولانا محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وحزبه. حاله: علامة حافظ، لافظ مشارك، دراكة نقاد، متضلع مطلع، فصيح حسن العبارة، واسع العارضة، ذو حفظ عجيب، ومهارة في تنظيم الدروس وترتيبها، وتلخيص المسائل وتصويرها بأبسط عبارة، ومزيد بيان وفصاحة وبلاغة، وذلك مما كان يزيده ﵀ طلاوة ورونقا، له معرفة بالطب، كريم الأخلاق والسجايا، جامع لأصناف المزايا، مدرس نفاع له اعتناء تام بالكتب شراء ومطالعة، عين للمطالعة أوقاتا لا يتخلف عنها إلا لمانع عظيم الهمة، لا يدخل كتابا لخزانته إلا بعد مطالعته وتوقيفه والكتابة عليه، كبير الاعتقاد في الصالحين، محب في العلم وأهله، معظم للمنتسبين إليه، كثير النوافل متبتل ذاكر، تام المروءة، حسن السمت والهيئة مبالغ في جمال الشارة والبزة، مستدع للأبهة، أبى النفس جواد بشوش لا تساوى عنده زهرة الدنيا قلامة ظفر، مسبل أذيال العفة، بعيد عن الريب، متمسك بعرى النزاهة، رفيع العماد، واسع الناد، كريم المائدة، عظيم الفائدة. وكان من جملة جلة أعلام الحديث بالمجالس السلطانية، وكان لا يخوض مع الخائضين في معانيها تأدبا وأنفة من الجدال والمراء، ويتناعس حيث كان جل

стр. 1309

تلك المذاكرات مبنية على العناد والتعصب، وكان السلطان يكره تناعسه وسكوته فأوعز لحاجبه أحمد بن موسى المترجم فيما سلف إخراج المترجم من حلقة المجلس إذا خاض الأعلام في ميدان المباحثة إذا تمادى على سكوته، فلم يسعه إلا امتثال ما أمر به، ثم بعد طرق السبيل الموصل للإشراف على السبب في ذلك وتحقق أنه لا ذنب له غير سكوته، وأن السلطان يعلم اقتداره على القبول والرد، وأنه إنما رشحه لحضور مجالسه للمباهاة به إذ كان صهره ومن أعلام عائلته الكريمة، ثم تشفع فيه فعاد للحضور كما كان، وصار يقرط الآذان بدرر فرائد الفوائد وفق المراد منه. استوطن مكناسة الزيتون مدة ودرس بجامعها العتيق، وانتفع به خلق، ثم انتقل لفاس وتصدر للتدريس بجامع القرويين منها، عمره الله بدوام ذكره. هذا والفريق العلوى الذى منه المترجم يعرف بالأمرانيين نسبة إلى الأمرانى، زاوية مباركة بسجلماسة، لها حرمة عظيمة وشرف باذخ، لا ترى أحدا من أشرافها إلا توسمت فيه الصلاح والخير والنجاح، عالما بمصالح دينه ودنياه، قاله في الأنوار السنية. ولم يزل غيرهم من فضلاء أولاد عمهم الأشراف المقتدى بهم علما وعملا، يعظمونهم ويحترمونهم تعظيما واحتراما فوق ما يعظمون ويحترمون بعضهم بعضا، ويعترفون لهم بمزيدا الفضل والخشية والإعراض عن زخارف الدنيا الدنية، وتلحظهم الملوك العظام بعين الإكبار والإجلال. وأول خارج من سلجلماسة من هذه العائلة الكريمة هو الجد السادس للمترجم، وهو السيد أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد في معية السلطان العظيم الشأن مولانا الرشيد بن الشريف، لما فر من أخيه المولى محمد فنزل بالزاوية الدلائية بعد ما استقل مولاى الرشيد بالملك، فقرأ العلم هناك، وزوجه الدلائى

стр. 1310

وأقطعه أرضا تسمى أفران من بلاد زيان، فاستوطنها وبها توفى وضريحه هناك مشهور لدى الخصوص والعموم. مشيخته: أخذ عن الحاج محمد بن المدنى كنون مختصر الرهونى وهو عمدته، سمع عليه الموطأ، والصحيح، والمختصر الخليلى، والألفية، والسبكى، والسلم، والسنوسية. وعن أبى المواهب عبد الكبير بن المجذوب الفاسى دفين شالة من رباط الفتح المتوفى في سابع وعشرى رمضان عام أربعة وتسعين ومائتين وألف، حسبما أخبرني بذلك حفيده السيد عبد الحفيظ، وبعد أن كتبت هذا وقفت على أنه كان في التاريخ المذكور حيا يرزق فبيدى مكتوب من الوزير موسى بن أحمد خطابا لأخيه السيد عبد الله بالإيصاء على المذكور لدى قفوله من الحج بتاريخ رابع عشر رمضان عام ستة وتسعين، وفى هذه السنة كانت وفاته مطعونا بفضالة، ومنها حمل إلى شالة وعليه كانت بداية قراءة المترجم الرسالة والمرشد والهمزية وفقهية سيدى عبد القادر الفاسى والشمائل. وعن الشيخ أحمد بن أحمد بنانى المدعو كلا التفسير، والحديث والأصول، ومختصر السعد. وعن السيد المهدي بن محمد بن الحاج السلمى صحيح البخارى، والشمائل، والطرفة، والنصيحة الزروقية، والتحفة، والمختصر، والألفية. وعن السيد أحمد بن أحمد الورياغلى المغنى والألفية. وعن السيد أحمد السلوى التطوانى: البخارى، والمختصر، والتحفة، والألفية. وعن الشيخ عبد الرحمن النابلسى المدنى لما ورد لفاس عام واحد وثمانين ومائتين وألف، وأجازه هؤلاء كلهم عامة، ونصوص إجازاتهم له بخطوط أيديهم

стр. 1311

كلها محفوظة بمكتبتنا غير إجارة السلاوى لم أظفر بها، وأول من أجازه منهم العلامة النابلسى حسبما ذلك بخط يد المجاز المترجم آخر ورقة الإجازة عقب إمضاء المجيز. كما أخذ عن السيد العربي بن السائح الشرقى دفين الرباط وأجازه عامة أيضًا، كما ذلك بخط يده بمكتبتنا. وعن القاضى مولاى محمد العلوى صحيح البخارى، والمختصر، والتحفة، والزقاقية. وعن ابن عبد الواحد ابن سودة المرى الألفية. وعن مولاى عبد الملك الضرير الجرومية والألفية والتلخيص. وعن السيد الطيب ابن كيران التلخيص. وعن والده عن جده الطريقة الناصرية التي هى أساس أسلافه كما أخذها عن أبى عبد الله محمد بن عبد الحفيظ الدباغ المدعو بوطربوش. وعن أبى المواهب عبد الكبير الفاسى، وكلاهما عن جده مولاى عبد الله بسنده المذكور في ترجمة أخ المترجم سيدى محمد، وأجازه في تلقين أورادها لمن أرادها منه السيد محمد بن أبى بكر صاحب زاوية تامكروت وكان له الإذن العام في التقديم من قبله. كما أخذ بعض الأذكار عن البركة الشهير سيدى محمد بن أحمد الودغيرى المدعو الغياثى المتوفى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة عام ثمانية عشر وثلاثمائة وألف، المدفون بالقبب من فاس. وعن سيدى عبد السلام البقالى حسبما وقفت على ذلك في نص إجارته له بخطه.

стр. 1312

الآخذون عنه: ممن أخذ عنه شيخنا العلامة المشارك الأقعد الشريف مولاى أحمد بن المأمون البلغيثى قاضى مكناسة الحالى، والعلامة النبيه السيد التهامى عبابو حاجب الجلالة السلطانية اليوسفية صان المولى حماها، والسيد بدر الدين قاضى ثغر آسفى حينه، وصديقنا السيد عبد الحفيظ الفاسى وأجازه عامة بخطه، والسيد الغالى السنتيسى المكناسى، والسيد التهامي بن عبد القادر المدعو الحداد المترجم آنفا، والعلامة السيد إدريس بن عمر الشامى، والعلامة الخطيب السيد محمد اللواجرى التطوانى، والعلامة القاضى السيد أحمد بن إبراهيم الرباطى، ونسابة عصره ومسنده المولى عبد الحى الكتانى، وأجار له عامة وغيرهم من حاملى لواء التحقيق بفاس ومكناس وغيرهما. وفاته: توفى بقرحة خرجت في شاربه الأعلى لم يظن موته منها ولا توهم، وذلك غروب يوم السبت موفى عشرين من جمادى الأولى عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، وصلى عليه بالضريح الإدريسي ودفن برياض جوار محل سكناهم من حومة السياج قرب الزاوية الناصرية بمحروسة فاس، ومن يومئذ صار ذلك الروض روضة لدفن عائلتهم الكريمة. وقد رثاه ابن عمنا المولى أحمد بن المأمون المذكور في الآخذين عنه بما لفظه: حكم المنية في البرية جارى ... تقدير رب نافذ الأقدار ما عن ورود حياضها بد ولو ... طالت بمولود مدى الأعمار فالموت خطب ما له من دافع ... معرى النفيس وملبس الأطمار ملأ القلوب مهابة فالرعب منـ ... ـه أقام في قلب وفى أفكار من ذا الذى يرجو البقا من بعد فقـ ... ـد المصطفى خير الورى المختار

стр. 1313

والأنبياء وصحابهم والتابعيـ ... ـن ومن هداهم في البرية سارى فالكل دون الله ﷻ ... لا بد من رمس له وغبار ما فاز في الدنيا سوى حر سمت ... هماته لمكارم وفخار يفنى نفيس حياته فيما يبقـ ... ـي ذكره غضًّا على الأعصار يبدى الندا لمن اجتدى ويفيد من ... قد جاء يريد العلم من أقطار حتى إذا زار الفنا فناءه ... وأجاب داعى ربه الغفار ود الأنام فداءه بنفوسهم ... لو كان يفدى هالك بنضار مثل الإمام المرتضى الحبر الهما ... م أخ العلا والفضل والإيثار مولاى (عبد الكامل) الأسنى الذى ... ظهرت مكارمه ظهور منار نجل الألى سادوا بملك شامخ ... أهل العلا والمجد والمقدار الناسك الأتقى المحرر علمه ... الحافظ الأرقى رفيع نجار جماع أشتات العلوم بذهنه ... يهدي بها من ضل في أوعار قد مات لكن عاش فينا ذكره ... بجميل أوصاف وحسن شعار لله ما ضم الثرى من سيد ... قد ساد بالنسب الصريح السارى أسفا عليه لقد تداعى من حما ... ته شاهق الأمجاد والأبرار أسفا على فقدان مثله في الورى ... عز التسلى عنه بالأنظار أسفا على من كان قبلة آمل ... من جوده سيل الندى المدرار أسفا على خلق جميل ناله ... يسليك عن أهل به وديار فكأن سامع لفظه يصغى إلى ... ترجيع تلحين وصوت هزار

стр. 1314

وكأن ناظر وجهه متعلل ... من شرب أقداح وصرف عقار وجه كمنبلج الصباح تخاله ... إذ ما تراه طالع الأقمار لا يلتقى إلا بوجه ضاحك ... والبشر يحسن في ذوى الأقدار لله منه مجالس كانت تقـ ... ـضى بالعلوم الباهرات لقارى لله منه تواضع في رفعة ... ومهابة وجلالة ووقار لله منه تسارع لصنائع الـ ... ـخيرات يسبق نحوها ببدار يا رحمة لذويه بعد بعاده ... عنهم فمن لهم بطيب قرار يا رحمة للزائرين ربوعه ... من صاحب أو خادم أو جار من ذا يقابلهم بوجه باسم ... وبمبسم بنواله المدرار لكن بعد الله في إخوانه ... وبنيه خير مخلف مختار فهم لنا من بعده نعم المعز ... ى فيه إذ هم سادة الأخيار فالله يكسوهم من الصبر الجميـ ... ـل على مصابه سابغ الأستار والله يسكنه فسيح جنانه ... في جيرة الأرسال والأنصار وينيله أعلى الفرادس لابسا ... من سندس خضر أعزّ دثار لا زال قبره في رياض ناعم ... تهمى عليه سحائب الأسرار يغدو به مترفعا متقدسا ... ويصير من علياه خير مزار أرخ وفاته دون (حم) ولتقل ... (قد نال في أخراه عز جوار)

стр. 1315

حرف الميم * * * ١٧٤ - مبارك أبو النور بن العالم العلم أبو التوفيق سالم الشيظمى المكناسى الدار والوفاة . حاله: حسن السمت، كثير الصمت، من القوم الذين إذا رُءُوا ذكر الله. وإذا قاموا أو قعدوا فبالله، شمس القراء وبدرهم، وعليه في وقته يدور أمرهم، فريد عصره، ومصباح زمانه ومصره، فقيه جليل، ماجد نبيل، مربى الأطفال. وملحق الولدان بالرجال، ذو المآثر الفاخرة، والعلوم الزاخرة. إمام المتقين، مجود مرتل، عالم بمخارج الحروف وكيفية الأداء، عارف بصناعة التربية الأدبية، بارع في الأمور، مؤثر خموله على الظهور، جميع المكارم إليه تنسب، ومن حاول عناده رام العطب، محب في رسول الله، متوكل في تصاريفه على الله، عكوف على عبادة ربه، مكب على تعليم كتاب الله تعالى آناء ليله وأطراف نهاره، حباه مولاه نوالا وتفضل عليه إكراما وإفضالا. وكانت له كرامات ظاهرة، وهمة عالية، ونفس زاكية، قلما تجد عالما أو متعلما في وقته بالحضرة المكناسية إلا وقرأ عليه أو قرأ على من قرأ عليه. مشيخته: أخذ عن سيدى على بن الجزار، والسيد المهدي بن السيد الحاج أحمد بن موسى المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، كلاهما عن أبى العلاء إدريس المنجرة الشريف الحسنى. الآخذون عنه: أخذ عنه جماعة وافرة من القراء والعلماء والأعيان، منهم:

стр. 1316

السيد محمد فتحا بن محمد بصرى المكناسى صاحب الثبت المعنون بإتحاف أهل الهداية والتوفيق والسداد. بما يهمهم من فضل العلم وآدابه والتلقين وطرق الإسناد. وفاته: توفى في خامس جمادى الأخيرة عام اثنين وتسعين ومائة وألف، ودفن بالزاوية الناصرية من الحضرة المكناسية، وحضر جنازته العلماء والوزراء فمن دونهم، عد مشيعوه بآلاف ﵀ ونفعنا ببركاته آمين. ١٧٥ - مبارك بن عبد الله بن محمد السجلماسى أصلا، الفيضى منشأ المكناسى دارا ووفاة . حاله: فقيه علامة مشارك، ورع صالح ناسك، فاضل أستاذ خير، دين عدل رضى، مبرز، تولى خطة العدالة بمكناس مدة مديدة، وقفت على عدة رسوم بشهادته بتواريخ متعددة، من ذلك رسم بتاريخ سابع عشر رمضان عام أربعة وأربعين ومائتين وألف، وتصدر للتدريس ونفع العباد، فنفع الله به أقواما، وتخرج عليه جميع محققى علماء مكناس، وكان شيخ الجماعة بها ورحل إلى المشرق وحج. حدث عنه تلميذه العلامة السيد فضول بن عزوز أنه كان يدرس المرشد المعين فلما وصل لقوله "وقول لا إله إلا الله" اعترض قول شارحه: معنى لا إله إلا الله لا مستغنى عن كل ما سواه قائلا: صوابه أن يقول لا مستغنيًا بالتنوين لأنه مطول لقول الخلاصة: فانصب بها مضافا أو مضارعه. فأجابه تلميذه المذكور بقوله: بنى على الفتح ليكون نصا في العموم لقول صاحب جمع الجوامع: النكرة في سياق النفى تعم نصا إن بنيت وظاهرًا إن لم تبن، فأجابه الشيخ بقوله: إن كنت راكبا بغلة مسرجة سريعة السير فنحن لا

стр. 1317

نتبعك، فقال التلميذ المحدث وهل تتبع النبي ﷺ ؟ فقال الشيح: نعم، فما لنا إلا اتباع أحمد، قال: هو الذى قال: لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، فغضب الشيخ ظانا أن التلميذ يعرض به، وتخلف عن الدرس ثلاثة أيام، وفى اليوم الرابع جاء متأبطا عدة أسفار وضعها أمامه كادت تكون ساترا بينه وبين أهل درسه، وصار يسمى للحاضرين كل كتاب باسمه، ثم قال: قد راجعت المسألة فوجدت الصواب مع هذا الطالب، ووجدت آية تعضده وهى قوله تعالى: ﴿... لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ ...﴾ [الأنفال]، فقال التلميذ: الحمد لله قاصدًا الحمد على الموافقة، فظن الشيخ التعنت والظهور عليه، فغضب أيضًا وقام من مجلسه. قلت: هذه الحكاية كسراب بقيعة، وعند تحرير المناط فيها وإمعان النظر يظهر جليا أنه إنما وقع فيها حال المذاكرة الاشتباه والالتباس، فإن الشيخ بنى بحثه على المعول عليه في المسألة وهو مذهب البصريين الذى اعتمده المحققون كابن مالك وغيره، وخالفهم البغداديون وخلافهم ضعيف كما يأتى. والتلميذ المجيب لو حقق المناط لكان جوابه بأن ذلك يخرج على هذا القول الضعيف فيبين ذلك عن شيخه أنه نهج في بحثه نهج الطريقة المثلى، التي عليها يتعين البناء في كل ما يتلى، وعن نفسه بأن له اطلاعا واستحضارا أدرك بهما تخفيف ذلك البحث بعد تمكنه بتخريج المبحوث فيه على ذلك القول وإن ضعف. وأما جوابه بكلام ابن السبكى فهو عين الاشتباه، أما أولا فإنه ليس فيه تنصيص على أن ما قاله موضوعه الشبيه بالمضاف الذى هو محل البحث، وإنما تكلم على ما تفيده النكرة في سياق النفى حين بنائها وعدمه، وهى والحالة هذه لا يتعين كونها من الشبيه بالمضاف بل يجور أن تكون من المفرد كما يأتى، وكيف تقوم الحجة بمحتمل وبمشكوك فيه؟ وأما ثانيا: فابن السبكى مع كون كلامه فيما بيناه إنما أبان حكم ما بعد الوقوع، وبحث الشيخ في أن ذلك لا يجوز الإقدام عليه على المعروف، وكأن

стр. 1318

الشيخ لذلك أشار بقوله: إن كانت لك بغلة مسرجة مسرعة إلخ، فكأنه يقول له: إنك أسرعت إلى مقام آخر فلذلك لا نتبعك، فقد فهم الشيخ من الجواب ما ذهل عنه المجيب. وأما قول المجيب: هل تتبع مولانا رسول الله؟ فهو عين سوء الأدب لما فيه من المواجهة للشيخ بما فيه غض واضح لمقامه هذا لو أتى المجيب بعده بما يصلح للحجة، فكيف وهو إنما أتى بالحديث الذى يجوز أن يكون مرويا بالمعنى كما هو شأن كثير من رواته مع كثرة من دخل فيهم من الأعجميين والمولدين، ولهذا كان التحقيق عدم الاحتجاج بالأحاديث على القواعد العربية إلا حديثا لم يختلف لفظه عند رواته، ثم لو فرضنا أن الحديث هنا متفق على لفظه لم تقم به حجة أيضًا، فقد قال في المغنى في أمثلة الجهة الثانية من الجهات التي تدخل على المعرب الخطأ منها وهى جهة مراعاته معنى صحيحا وغفلته عن النظر في صحة صناعته: الثالث تعليق جماعة الظروف من قوله تعالى: ﴿... لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ... (٤٣)﴾ [سورة هود ٤٣]، ﴿... لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ... (٩٢)﴾ [سورة يوسف ٩٢] ومن قوله ﵊: لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، باسم لا، وذلك باطل عند البصريين لأن اسم لا حينئذ مطول فيجب نصبه وتنوينه، وإنما التعليق في ذلك بمحذوف إلا عند البغداديين هـ. وقال الشيخ يس: قال الدنوشرى: حمل الحديث على أنه من المطول غير متعين لجواز كونه مفردا، واللام متعلقة بالخبر، والتقدير لا مانع لما أعطيت وكذا فيما بعده هـ. ونحوه للرضى وغيره، فاتضح بهذا كله أن الأمر في أجوبة التلميذ كما قلنا من أنه ما قام فيها بتحرير المناط، ولا بأدب البساط، وليس العجب من صدور ذلك منه حالة الطيش ومبادى الطلب، وإنما العجب من جموده على ذلك وتبجحه

стр. 1319

به بعد بلوغ الأشد وكمال الطلب، وبلوغه الغاية في ظنه من ذلك الأرب. ولكن لا عجب إذا عد ذلك عقوبة عجلت، فقد قالوا: من رام شيئا قبل إبانه عوقب بحرمانه. مشيخته: أخذ عن جماعة أعلام بلده سجلماسة العلم والقراءات وعن قاضى مكناسة مولاى أحمد بن عبد المالك العلوى وأجازه عامة، ومولاى أحمد هذا أخذ عن سيدى أحمد بن عبد العزيز الهلالى المتوفى ليلة الثلاثاء قبيل الفجر بنحو ساعتين الحادى والعشرين من ربيع الأول عام خمسة وسبعين ومائة وألف، كذا بخط تلميذه السيد محمد بن صالح الفيلالى ثم الرودانى ومن خطه نقلت هـ. حسبما وقفت على ذلك أى أخذ المترجم عن الهلالي بواسطة بخط ولد المترجم الفقيه السيد أحمد المترجم فيما مر على أول ورقة من فهرسة الهلالى المذكور قائلا كذا ذكره والدى في فهرسة أخرى غير هذه هـ. وأخذ عن الشيخ أبي حفص عمر بن المكى الشرقاوى الصلاة الأمية. الآخذون عنه: منهم السيد فضول السوسى، والسيد فضول بن عزوز، وابن الجيلانى (١) السقاط، والمختار الأجراوى، ومحمد بن المجذوب بن عزوز، وفخر الرباط، وشيخ الجماعة به أبو إسحاق السيد إبراهيم التادلى في خلق، ولم أحفظ وفاته غير أننى أدركت من أدركه ممن هو الآن حى يرزق. ١٧٦ - محمد فتحا السلطان أبو البشائر بن أبي الأملاك والسلاطين المولى الشريف بن على الحسنى الينبوعى السجلماسى . حاله: قال اليفرنى في النزهة: وإن شجاعا مقداما لا يبالي بنفسه ولا يجول في خاطره خوف من أحد من أبناء جنسه. قال: وكان قويا أيدا لا يقاوم في المصارعة، وحكى أنه في بعض حصاره لتابو عصامت جعل يده في بعض ثقب القصر وصعد عليها ما لا يحصى من الناس كأنا خشبة منصوبة، أو لبنة مضروبة.

стр. 1320

وقال الضعيف: كان أقوى الناس نجدة وشهامة، وشجاعة وإقداما وزعامة. وقال في حقه والده: الأسد الأخدع ووصفه أهل الدلاء في بعض رسائلهم بما لفظه: هو الأجدل الذى لا تئوده هموم الليالى، ولا حرارة قيض المصيف الأشهب على قنة كل عقبة، لا يقلعه المال دون حسم الرقبة، وربما عرتنا غفلة فيشن الغارة الشعواء على شعاب شعوب ملوية، وينشر جيوشه على رباط تازا بالرايات والألوية. وحلاه صاحب الجزائر عثمان باشا فيما كتب له به بقوله: الشريف الجليل القدر، الصادق اللهجة والصدر، من رتق الله به فتوق وطنه، وحمى به من أحزاب الأباطيل أنجاد أرضه وأغوار عطنه. ووصفه صاحب الدرر البهية والجواهر النبوية: بالعلم والعمل وعلو الهمة، ونفوذ العزمة، والتوقيعات العجيبة، والمراسلات الغريبة. وقال الكنت دوكاسترى المؤرخ الفرنسى الشهير في المجلد الثانى من كتابه أصول تاريخ المغرب نقلا عن الأسير مويت الفرنسى: وكان -يعنى صاحب الترجمة- إماما عادلا يتصرف في مملكته بحكمة وتدبير هـ. وقال في النزهة: كان سخيا جوادًا حتى إنه أعطى الأديب الشهير المتقدم في صناعة الشعر الملحون أبا عثمان سعيد التلمسانى نحوًا من خمسة وعشرين رطلا من خالص الذهب جائزة له على بعض أمداحه فيه وحكاياته فيها بالمعنى شهيرة هـ. بويع له بسجلماسة بعد تشريد أصحاب أبى الحسن على المدعو بو دميعة بن محمد من ذرية أبى العباس أحمد بن موسى السملالى الشهير سنة خمسين وألف. قال في النزهة: وافق على بيعته أهل الحل والعقد يومئذ بسجلماسة، ولما تمت له البيعة شمر لمضايقة أبى الحسن بدرعة إذ كانت تحت ولايته فوقعت بينهما

стр. 1321

حروب يشيب لها الرضيع انجلت بانهزام أبي الحسن وفراره واستيلاء المترجم على درعة. وفى ضحى يوم السبت ثانى عشر ربيع النبوى سنة ست وخمسين وألف وقعت بينه وبين محمد الحاج الدلائى وقعة الكارة الشهيرة أسفرت حروبها الطاحنة عن انهزام صاحب الترجمة واستيلاء الدلائى على سجلماسة شر استيلاء، وفعل فيها أصحابه شرار البرابر من أنواع الشدة والقساوة كل شنيع، وكان ذلك من جملة ما بذر من الأحقاد والضغائن التي حملت الرشيد أخ المترجم على استعمال الشدة مع أهل الزاوية الدلائية حسبما مر بك. ثم بعد ذلك انبرم الصلح بين الدلائى والمترجم على أن ما يتصل بالصحراء إلى جبل بنى عياش يكون للمترجم، وما دون ذلك إلى ناحية الغرب للدلائى، ثم استثنى أهل الدلاء خمسة مواضع أُخر كانت في ولاية المترجم أضافوها لولايتهم، وشرطوا على المترجم أن لا يحرك لهم ساكنا فيها. وبعد ذلك رجع أهل الدلاء في جموعهم، ثم اطلع المترجم على ما أوجب الفتك ببعض الأماكن المستثناه فحكم السيف فيها. ولما اتصل الخبر بأهل الدلاء كشروا عن أنيابهم (١) وجمعوا جموعهم وساروا إلى سجلماسة مصممين على اجتثاث المترجم وشيعته، وكتبوا له متهددين عليه ورموه بالغدر، وقالوا: إنه ناكث، ومقسم حانث، وأغلظوا القول وَبَالَغُوا في الفحش، فأجابهم برسالة يقول في آخرها: وحتى الآن إن رغبتم في الخير فهو مطلبى. ومغناطيس طبى دران عشقتم الغير فجوابى لكم قول المتنبى: ولا كتب إلا المشرفية والقنا ... ولا رسل إلا الخميس العرمرم

стр. 1322

ولما انتشر صيت المترجم في الآفاق، وتكاثفت جنوده استقدمه أهل فاس وغيرهم من أهل الغرب وواعدوه النصرة والإمداد بالعدة والعدد، إذ كانوا يتمرضون في طاعة محمد الحاج الدلائى الذى استولى عليهم بعد الإمام أبى عبد الله محمد العياشى المذكور آنفا، فلبى دعوتهم وسار إليهم مسرعا. ولما بلغ بلاد الحياينة خرج أهل فاس لاستقباله وساروا إلى أن لحقوا به وأتوا به إلى فاس العليا منسلخ جمادى الثانية عام تسعة وخمسين وألف، فألقى القبض على خليفة الدلائي بها إذ ذاك وهو أبو بكر التاملى السوسى وأودعه السجن، وذلك ليلة الجمعة مهل رجب السنة. وفى سابع رجب المذكور بايعه أهل البلدين المدينة البيضاء وفاس القديم، ولم يزل مقيما بها إلى أن وقعت بينه وبين أهل الدلاء المقتلة العظيمة على ظهر الرمكة بظاهر فاس يوم الثلاثاء عاشر شعبان سنة تسع وحمسين وألف، انكشف سحاب تلك الملحمة عن هزيمة المترجم فدخل لفاس وبقى مدة يدبر الأمور. وينتظر ما يأتي به المساء والبكور. ولما طال عليه الأمد بفاس الجديد وضعف جيشه وثار عليه أهل فاس أواخر شعبان سنة ستين وألف، انقلب راجعا لوطنه سجلماسة في ثانى عشر رمضان العام، وكانت مدة إقامته بفاس أربعة عشر شهرا وأياما قلائل. وفى الثالث والعشرين من ربيع الأول عام واحد وستين وألف قام أهل المغرب بدعوة محمد الحاج الدلائى وبايعه أهل فاس، وكتبوا له البيعة في مهل ربيع الثانى من العام، وبسبب ذلك تم استيلاء الدلائيين على فاس وعادت لهم الدولة فيها بعد خروج صاحب الترجمة منها بستة أشهر، وولى محمد الحاج ولده أحمد أميرًا على فاس، ولم يزل على إمرته بها إلى أن لقى ربه في عشرين من

стр. 1323

ربيع الأول سنة أربع وستين وألف، ثم خلفه أخوه محمد في الإمرة ومات سنة سبعين وألف. ثم إن المترجم ولى وجهه شطر تمهيد عمائر الصحراء وبلاد الشرق، فصار يتقصى تلك القرى والمداشر إلى أن بلغ آنكاد، فبايعه عرب الأحلاف وسار بهم إلى بنى يزناسن، وكانوا يومئذ في إِيالة الترك، فحاربهم واستولى لأعراب على ما كان بين أيديهم من الماشية، وسار إلى وجدة وكان أهلها إذ ذاك على حزبين، حزب قائم بدعوة الأتراك، وحزب خارج عنها، فانضم الخارجون عن الأتراك للمترجم وشردوا شيعة الترك عن البلد، فصفت له وجدة. ثم غزا أعمالها إلى أن دخل أهلها في طاعته، ثم توجه لناحية ندرومة فشن الغارة على مضغرة وكديمة وما إلى ذلك ثم آب إلى وجدة، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى تلمسان وأغار على سرحها وسرح القرى المجاورة لها، فبرز إليه أهلها بعسكر الترك الذى كان بالقصبة فأوقع بهم وقعة شنعاء ورجع إلى وجدة، وأقام بها إلى أن انصرم زمن الشتاء. ثم نهض منها وسار على طريق الصحراء فأغار على الجعافرة وانتهب أموالهم، وهنالك قدم عليه شيخ حميان محمود من بنى يزيد في قبيلته مبايعا، وقدمت عليه دخيسة كذلك وقدمت إليه بيعتها وأغرته على الأغواط وعين ماضى وما والى ذلك، فاستولى على تلك القرى ونهب أموالها وفرت أمامه عرب الحارث وسويد وحصين من بنى مالك بن زغبة، فنزلوا يجبل راشد متحصنين به. فرجع عنهم واضطربت أحوال المغرب الأوسط وامتدت عيون أهله إلى الانقضاض على الأتراك وأخذ (ياى) معسكر يخندق على نفسه وطير الإعلام إلى صاحب الجزائر بما لحق رعاياهم من صاحب الترجمة، فأخرج صاحب الجزائر عساكره وهيأ مدافعه واستعد للحرب والمقاومة، وقدم نائيه بالعساكر إلى تلمسان،

стр. 1324

فلما سمع بذلك المترجم رجع إلى وجدة وفرق العرب الذين كانوا مجتمعين وواعدهم لفصل الربيع القابل، ثم قفل إلى سجلماسة بعد ما شب نيران الحرب في الإِيالة التركية ونسفها نسفا وضرب أولها بآخرها. ولما وصل عسكر الترك إلى تلمسان واتصل بهم رجوع المترجم لتافيلالت سقط في أيديهم، وقد أحسوا بانحراف قلوب الرعية عنهم حتى أهل تلمسان، وتيقنوا بأنهم قد شوركوا في بلادهم وزوحموا في سلطانهم، فرجعوا إلى الجزائر وأخبروا عثمان باشا بحال الرعية وما نالها، فجمع أهل ديوانه وأرباب مشورته وتفاوضوا في أمر المترجم وكيفية التخلص من سطوته، فلم يروا أجدى لهم من أن يبعثوا إليه برسالة مع اثنين من أعيان الجزائر وعلمائها، واثنين من كبار الترك ورؤسائهم، لأنهم كانوا لا يتمكنون من حربه لو أرادوا ذلك لأنه يغير ويظفر، وينتهب ثم يصحر، فلا يمكنهم التعلق بأذياله، ولا قطع فراسخه وأمياله. فبعثوا إليه برسالة من إملاء الكاتب أبى الصون المحجوب الحضرى مع الوفد المشار إليه بتاريخ منتصف رجب عام أربعة وستين وألف، جمع فيها بين اللين والصرامة مضمنها طلب تجنب ساحة تلمسان، وأن لا يزاحمها بمجموع رماة ولا فرسان، ليبقى بينه وبينهم الستر المديد على الدوام، ويلغى كلام الوشاة من الأنام. وقد أورد هذه الرسالة الضعيف في تاريخه، كما أورد جواب المترجم عنها بنصه وفصه وكذا صاحب الدر المنتخب المستحسن، واقتصر في الاستقصا على مكتوب صاحب الجزائر وفقرات من الجواب عنه تركنا جلب ذلك اختصارا وأنفه عما فيه من فحش القول. ولما رجع لصاحب الجزائر رسله ووجد الجواب خاليا عن الفائدة المقصودة، والضالة المنشودة، ردهم في الحين بدون كتاب، ولما قدموا على المترجم ثانية قالوا له لم يكن لنا علم بما في الكتاب ولو اكتفينا به ما رجعنا إليك، نحن جئناك

стр. 1325

لنعمل معنا شرع جدك، وتقف عند حدك، وبالغوا في وعظه واستعطافه إلى أن أخذته قشعريرة وعلاه سلطان الحق فأذعن له، وقال: والله ما أوقعنا في هذا المحظور إلا شياطين العرب انتصروا بنا على أعدائهم وأوقعونا في معصية الله وأبلغناهم غرضهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنى أعاهد الله تعالى أن لا أتعرض بعد هذا اليوم لبلادكم ولا لرعيتكم بسوء، وإنى أعطيكم ذمة الله وذمة رسوله لا قطعت وادى تافنا إلى ناحيتكم إلا فيما يرضى الله ورسوله، وكتب لهم بذلك عهدًا إلى صاحب الجزائر. وفى أواخر عام أربعة وسبعين وألف على ما في تاريخ الضعيف والدر المنتخب، نهض المترجم من تافلالت لتازا يترقب لفتح الغرب فأكل زرع أهل فاس والحياينة وانتسفه وأفسده، والذى في الاستقصا أن ذلك كان عام ثلاثة وسبعين وألف، ولعل نهبه لزرع أهل فاس والحياينة كان سببه خيانتهم في نصرته وقت كينونته بين أظهرهم ومحاربة أهل الدلاء له. ووقعت إثر ذلك مجاعة عظيمة أكل الناس فيها الجيف والدواب والآدمى وخلت الدور، وعطلت المساجد. قال الضعيف: كان عدد من دفن من الأموات من المارستان فقط أربعة وثمانون ألفا فيما قيل، دون من دفن من غيره، قال: وكان يعد بحومة الدوح ستمائة رجل فلم يبق منهم إلا ثلاثون، وخرج من فاس جماعة من الأعيان إلى زاوية أهل الدلاء يستغيثون بأهلها من المترجم. وفى يوم خميس من صفر العام، خرج المولى محمد بن عبد الله بن على ابن طاهر في أهل فاس والحياينة منصورًا لقتال المترجم، ورجع في يوم الثلاثاء القريب منه هـ. وحكى في الاستقصا ما اقتصر عليه الضعيف من القول بنصر المولى محمد ابن عبد الله وخروجه لقتال ابن عمه صاحب الترجمة بقيل وصدر بقوله: وكان

стр. 1326

الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن على بن طاهر الحسنى قد قدم فاسا بقصد أن يبايعه أهلها فلم يجيبوه، اهـ، والله أعلم أى ذلك كان. وفى صفر العام نزل محمد الحاج الدلائي بأزروا، فخرج إليه أعيان أهل فاس وقاضيها، فقصوا عليه ما فعل المترجم بزرعهم وزرع الحياينة، وقد كان المترجم رجع لبلده، وفى أول ربيع من العام رجع أهل فاس إلى بلدهم وبقى الدلائي بأزروا، إلى أن دخل فصل الشتاء، ورجع الدلائى لزاويته ولم يخرج منها بعد، إلى أن أخرجه الرشيد أخ المترجم لتلمسان قهرا حسبما أفاده الضعيف. وفى العام نفسه نهض المترجم من تافلالت وسار إلى أن نزل قرب تلمسان وذلك لما بلغه استيلاء أخيه الرشيد على تلك الناحية وما والاها، ثم زحف إليهم مع خديمه القائد أحمد أعراص، ولما التقى الجمعان كانت النصرة للمترجم على أهل سمسان فهدم قصبتهم، وفر أخوه الرشيد لحوز بنى يزناسن قرب دار ابن مشعل، ورجع المترجم لبلده ثم اتصل به أن أخاه المذكور كثرت عليه الجموع. وأن أمره فيهم نافذ ومسموع، فزحف إليه ثانية والتقى الجمعان بقرب سيدي بوهدبة فأضرمت بينهما نيران الحرب التي لم تنطفئ إلا بموت المترجم ﵀. تنبيه وإيقاظ: اعلم أولا أن حكم الخلافة والإمامة [وهى أى الإمامة خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوز الملة] هو الوجوب بدليل السمع بقول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... (٥٩)﴾ [سورة النساء ٥٩] أمر سبحانه في هذه الآية -والأمر للوجوب- بطاعة أولى الأمر منا، وهم المتأمرون علينا ولا يجب ذلك للأمة على الله ﵎ عقلا ولا بالعقل مع السمع خلافا لمن زعم ذلك من أهل الابتداع، كما أن القول بجواز ذلك فقط ساقط لما ذكرناه من دليل الوجوب، ثم هذا الوجوب هو كفائى فقط لأنه إذا قام به من هو أهل له سقط عمن عداه من الأمة، وإلا وقع في الحرج

стр. 1327

فريقان من الناس، أحدهما أهل الاختيار والحل والعقد حتى يختاروا للناس إماما، الثانى أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم. وشروط الفريق الأول العدالة المانعة من تعمد خلاف ما يجب، والعلم الموصل لمن يصلح للانتخاب، وسداد الرأى المؤدى لاختيار من هو أهل، فإن وجدت هذه الشروط فلا يرجح فيها أهل بلد الإمام الذى كان قبل إلا من جهة كونهم أسبق علما بموت الأمير قبل، ومن جهة كون الغالب أن من يصلح للإمامة يوجد بين أظهرهم. وشروط الفريق الثانى الاجتهاد العلمى أصلا وفرعا، والشجاعة وسداد الرأى، هذا مذهب الجمهور وغيرهم، لا يشترط هذه الثلاثة لأنها لا تكاد تجتمع في شخص، وإنما المتأكد أن يكون عدلا، فإن كان غير عدل لم يجز الإقدام على نصبه للإمامة اختيارا، فإن وقع ونزل فظاهر النصوص أنها تفوت بعقدها ولا تنقض لما في النقض من المفاسد، وإذا كان هذا فيمن انعقدت ولايته مع فسقه فكيف بمن طرأ فسقه بعدها. وأما إذا كانت ولاية من ولي بالتغلب وعظم الشوكة فإنه لا تجوز منازعته ارتكابا لأخف الضررين، ولا يشترط فيه حينئذ شرط، على ذلك حمل ابن العربى حديث وأن لا تنازع الأمر أهله قائلا: المراد بأهله من ملكه لا من استحقه، لأن وجود الأمر فيمن يملكه أكثر منه فيمن يستحقه والطاعة واجبة في الجميع ما لم يأمر بمعصية، وإلا فلا طاعة له. ومن شروط الإمامة: أن يكون عاقلا ليصلح للتصرفات، بالغا لقصور عقل غيره، ذكرًا لكون النساء ناقصات العقل والدين، حرا لئلا تشغله خدمة السيد ولئلا يحتقر فيعصى، وزاد أهل السنة ومن وافقهم من المعتزلة أن يكون قرشيا لحديث الأئمة من قريش، ولرجوع الأنصار له واتفاق الصحابة على العمل به يوم السقيفة

стр. 1328

لما احتج به عليهم أبو بكر، وبذلك صار إجماعا قاطعا ولا حجة للمخالف في حديث السمع والطاعة ولو للعبد الحبشى لتعين تأويله إما بحمله على أن المأمور بالسمع والطاعة له فيه إنما هو نائب عن الإمام في بعض الجهات، أو في بعض الأمور، وإما بحمله على المبالغة والفرض والتقدير دون الوقوع، وإما بحمله على حالة التغلب بالقوة وعظم الشوكة لما تقدم من أنه في تلك الحالة تسقط الشروط. أما في غير ذلك فالأمة مجمعة على عدم جواز نصب العبد إماما اختياريا، ولابد من اعتبار شرطين آخرين نبه عليهما الماوردى وغيره، وهما أن يكون سميعا بصيرا، وأن يكون سليم الأعضاء بحيث يتأتى له قوة الحركة وسرعة النهوض، ولا يشترط مع ذلك أن يكون هاشميا خلافا للشيعة، ولا كونه عالما بالفعل بسائر مسائل الدين أصلا وفرعا خلافا للإمامية، ولا ظهور الكرامة على يده خلافا للغلاة، ولا كونه معصوما خلافا للإسماعيلية والإمامية، ودليل عدم اشتراط هذه الأربعة ما تقدم من الإجماع القطعى على بيعة أبى بكر مع كون هذه الشروط ليست ثابتة فيه. ثم اعلم ثانيا أن الإمام المنصوب، إن تمشت إمامته على المطلوب فيها من حفظ المصالح الدينية والدنيوية فلا إشكال أن طاعته تستمر، وإن خالف ذلك وظهر الخلل فإن كان مع بقاء انتظام أحوال المسلمين، وعدم انتكاس أمور الدين، وإنما الخلل الظاهر منه في غير ذلك، فهذا يجب الصبر على ما ظهر منه ولا يجوز خلعه عند جمهور أهل السنة ما لم يفض تهوره إلى ترك إقامة الصلاة وتغيير الشرع والارتداد عن الملة، وإلا فالإجماع كما في الإكمال لعياض على قتاله ومحله إذا تخيلت الأمة النصرة عليه، فإن تحققت عدمها سقط عنها وجوب قتاله ووجب عليها الهجرة من بلاده.

стр. 1329

وأما إن كان اختلاله راجعا إلى اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين، فإن ذلك يسوغ للأمة خلعه لأنه كما كان لهم نصبه لانتظام ذلك وإعلائه كذلك يكون لهم خلعه إذا ظهر منه ضد ما نصب له، نعم إن أدى خلعه إلى الفتنة فإنه يجب والحالة هذه درء أعظم المفسدتين، ثم في الحالة التي قلنا إنه يجب الصبر ولا يجور الخروج عليه إن فرضنا أنه وقع ونزل وقام عليه من هو موصوف بالعدالة وجبت نصرة العدل، حتى يظهر دين الله، هذه زبدة ما طول به أئمتنا في هذا الموضوع. إذا تمهد ذلك فاعلم أن صاحب الترجمة لما رأى ظهور العجز والهرم في الدولة السعدية وعدم انتظام الأمور وكثرة وقوع الخلل في أحوال الرعية والترامى على الخلافة ممن ليس من أهل منصبها ولا ينتظم به أمرها، وقويت أطماع المجاورين للإِيالة المغربية من الأوربيين، وكثر الهرج والمرج، وفسدت السابلة وعدم الأمن فيها، وتعذر على السعديين رتق ما انفتق (١) بقيام عبد الكريم بن أبى بكر الشبائى المعروف بكروم الحاج، وأبى عبد الله محمد بن أحمد المالكى الزياتى الشهير بالعياشى صاحب المواقف الشهيرة في الإسلام المتوفى شهيدًا بعين القصب من بلاد الخلط تاسع عشر المحرم عام إحدى وخمسين وألف، والدلائيين برابرة مجاط وبودميعة المذكور آنفا، وصنوه أبى حسون كما ذلك مبسوط في غير ما ديوان مطبوع. وقد أومأنا فيما مر لشذرات من ذلك على سبيل الإيجار وكان من قاتل تحت راية عمية (٢) يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل، فقتلة

стр. 1330

جاهلية كما ورد عن المعصوم عليه صلوات الله وسلامه فيما أخرجه مسلم والنسائى عن أبى هريرة. وأنس المترجم من نفسه الكفاءة للقيام بأعباء الخلافة وحسم مادة الشقاق وتنازع المسلمين بقمع البغاة المعتدين كما آنسه الناس فيه لما تقدم ومن وصفهم له مع ما جمعه الله فيه من شرف المحتد وأصالة الرأى وكرم النفس زيادة على ما سبق لسلفه، من الجلوس على عرش الملك، كما أحكمه التاريخ من أن جده الأعلى الأخص بفرعه النفس الزكية، كان ممن تربع ذلك العرش بالاستحقاق، ثم عرضت الخلافة على جده الأوسط المولى على الشريف من أهل الحل والعقد فامتنع من قبولها، وبهذه الصفة الشرعية انتصب المترجم لإحياء ذلك الموات، وطالب ملك أبيه لا يرمى بالافتيات، ولا سيما بعد تحققه وتحقق أهل بلاده السابقين لمبايعته أنه الكفء الفذ لذلك المنصب السامى، غير أنه حيث كان الموجب الأولى لانتصابه هو ظهور الاختلال وانتشار الغاصبين للمنصب في أركان الإِيالة وزواياها، لم يجد بدا من تقديم الأهم الذى هو جمع الكلمة والسعى حول محو التشويش والإفساد، فلذلك انصرفت أيام ولايته وإن طالت كلها في تمهيد هذا المقصد فأنفق فيه مبلغ جهده، وإن عاقته الأقدار عن الوصول فيه لحده، ولعله لذلك لما رأى معززه في مقصده أخوه المولى الرشيد أن أخاه لم يبلغ من هذا المقصد النفيس الذى انتصب ونصب له ما يريد ويراد منه تصدى أواخر دولة أخيه في أطراف البلاد لجمع الكلمة، فكان من عادته فتقدم تمهيده في ولاية أخيه. والمولى الرشيد وإن قصرت مدته لم ينتقل لدار الكرامة حتى جمع الكلمة في جميع أقطار المغرب، فكان أخوه المترجم هو المؤسس والمقتحم لتسوية عقبات الانتظام، وصنوه الرشيد هو الذى أكمل الله على يده للأمة أمر تسوية مصالح دينها ودنياها بعد أن فاز أولهما وهو المترجم برتبة الشهادة حيث قتل في حالة الدفاع عن الإمامة المنعقدة له.

стр. 1331

وفاته: توفى ﵀ شهيدا يوم الجمعة الثامن وقيل التاسع من المحرم سمنة خمس وسبعين وألف برصاصة أصابته كان فيها حتفه ﵀، ودفن بدار ابن مشعل، وقيل حمل لتافيلالت ودفن بها قرب قبر والده وقد رمز لوفاته صاحب الدر السني بقوله: وإن الشريف بن الشريف محمدا ... (لشهم) الملوك الضاربين بأنصل ولما وقف أخوه الرشيد على جثته ضمها إليه وأخذ يبكى ويقول: ما قتلك إلا السراح. وهو ﵀ أكبر بنى أبيه. ١٧٧ - محمد المدعو الكبير أبو عبد الله بن السلطان الأعظم أبى النصر إسماعيل. المعروف بولد عريبة . أُمه عربية من الشاوية، وإليها ينسب وبها يعرف. حاله: جواد كريم عقيم التدبير شديد البطش والانتقام، غير متوقف في قتل الأنفس، ولا متأن ولا متثبت في الأمور، ولا متأمل في العواقب. اتفق سالم الدكالى ولفيف من شيعته عبيد البخارى ومن انضم إليه من أهل فاس ونواحيه على خلع السلطان عبد الله ومبايعة صنوه صاحب الترجمة في عاشر جمادى الثانية، على ما في تاريخ الضعيف، والذى صححه صاحب الدر المنتخب أنها جمادى الأولى لا الثانية من عام تسعة وأربعين ومائة وألف، وهو يومئذ بمقره بسجلماسة، ولما اتصل به ذلك الخبر وكان اعتقاده أن سالما المذكور مجمع رأى العبيد المرجوع إليه في مهماتهم نافذ الكلمة فيهم مطاع الأوامر، خرج من تافيلالت يطوى المراحل ويواصل المسير إلى أن وصل لصفرو، ولما حل به ورأى أن بيعة الولى عبد الله لا زالت بأعناق الناس، صار يقرع سن الندم أخماسا في أسداس، ثم بدا له الدخول لفاس مختفيا، فقصد دار معتقده أبى زيد عبد الرحمن الشامى الذى كان يعده ويمنيه بالملك على طريق الكشف.

стр. 1332

ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرى جمادى المذكورة أتاه أهل فاس لدار الشامى المذكور وفى طليعتهم أبو الخير قاسم بن رحمون المعتقد المشهور وبايعوه سرا، ومن الغد الذى هو يوم الأربعاء أعلنوا ببيعته وحضر لكتابتها أهل الحل والعقد من علماء وأشراف وأعيان، وبعد كتبها ووقوع الإشهاد على الخاصة والعامة بقبولها ورضاهم بها، علقت بالضريح الإدريسى، وأعلن نصره في الأسواق والأزقة العمومية، ثم ركب فرسه وخرج لزيارة صلحاء البلد فبدأ بضريح أبى العلاء إدريس، ثم خرج على باب الفتوح وزار ما هنالك من الأضرحة، ثم توجه للأضرحة التي بخارج باب عجيسة، ثم رجع ونزل بدار بوعلى الكائنة بحومة المعادى من فاس القرويين، وصار الناس يأتون لتقديم مرام التهانى إليه زرافات ووحدانا. ثم أمر بحيازة جميع ما بدار القاضى أبى الحسن على بو عنان حيث إنه امتنع من الموافقة على بيعته، لأنه لَمْ يَرَ وجهًا لخلع السلطان عبد الله، واحتمى بالضريح الإدريسى، وصمم على عدم التمادى على القضاء بين الناس بعد أن طلبه المترجم بذلك، ونصب للقضاء بدلا عنه ابن إبراهيم بإكراه، ونكّل بكل من تخلف عن بيعته كالعلامة أبى عبد الله محمد البكرى الدلائى، وأبى عيسى المهدى الفاسى، وأبى مدين بن أحمد الفاسى، وأبى العباس أحمد بوعنان. عزل الأول عن الإمامة بالضريح الإدريسى وسجنه وألزمه غرامة مالية وولى مكانه أبا عبد الله محمد بن على بن إبراهيم، والثانى عن الإمامة بمدرسة الطالعة، وولى مكانه أبا الفخر التاودى ابن سودة. والثالث عزله عن إمامة جامع الأندلس وولى مكانه السيد بوعزة بن إدريس المشاط، والرابع عن إمامة جامع باب عجيسة وجعل بدلا عنه أبا عبد الله محمد السلوى، وضيق غاية التضييق على شيعة أخيه السلطان عبد الله بوشاية من شياطين العبيد.

стр. 1333

ولما تم له الأمر بفاس وما والاها، كتب أهل فاس لعبيد مشرع الرملة يطلبون منهم الموافقة والدخول معهم فيما دخلوا فيه، فاجتمع أشياع سالم الدكالى وأجمعوا أمرهم على المبايعة للمترجم، ولم يكن لغيرهم بُدّ من اتباعهم فبايعوه ووجهوا إليه بيعتهم مع أعيانهم لفاس، ولما وردت عليه طلع من فاس القديمة إلى المدينة البيضاء فاس الجديد في موكب يسر الناظرين تحفه الودايا. ثم اقتفى أثر عبيد مشرع الرملة في مبايعة المترجم من كان بالعاصمة المكناسية منهم وسائر أهل مكناسة ومن في حكمهم. ولما رأى ذلك صنوه السلطان عبد الله جمع ما كان بدار الملك من مال ومتمول، وبارح العاصمة، وصحب في معيته ولده أبا عبد الله محمد وأمه وسائر حرمه، وأطلق من كان بالسجون من أهل الجرائم وغيرهم وكساهم، وسار إلى الحاجب وقيل إلى جبال فازار، فانضمت إليه برابر تلك الناحية وصارت تغير على سرح مكناسة وسايس وما والاهما. وفى الخميس الموفى عشرين من جمادى الثانية المذكورة بارح المترجم فاسا في جيوش وافرة منتظمة من العبيد والودايا وأهل فاس، وبات بوادى النجا، ومن الغد الذى هو يوم الجمعة دخل مكناسة الزيتون عاصمة والده وإخوته ومن قبله، ولما استقر به النوى عزل أبا العز الطالب بوعنان عن قضاء مكناسة، وولى مكانه العلامة أبا القاسم العميرى، ثم عزله وولى أبا عبد الله محمد البيجرى، ثم عزله وولى العلامة الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ. وفى اليوم الخامس من حلول المترجم مكناسة أتى إليها صنوه السلطان أبو محمد بن عبد الله بمجموع البربر الذين آووه وعززوه ونصروه لَيْلًا ونهبوا جميع أحوازها وباتوا بظاهرها، ولما بزغ حاجب الشمس وفتح باب الأروى اقتحموها، وأخذوا ما قدروا عليه من خيل وسلاح وهدوا وأفسدوا وانقلبوا راجعين من حيث أتوا.

стр. 1334

ولما علم المترجم وجنده بذلك اقتفوا أثرهم إلى أن أدركوهم ووقعت بين الفريقين ملحمة عظيمة، غير أنه لم يكن لفريق ظهور على الفريق الآخر، ورجع جند المترجم لمكناس، وسار المولى عبد الله بمن معه إلى أن وصل الحاجب، وفرق ما أخذ من مكناس في البرابر أنصاره. ثم أتى ابن النوينى قائد عبيد مشرع الرملة من مشرع الرملة في شرذمة من إخوانه يريد أخذ الثأر من المولى عبد الله وأحزابه، ونزل بعين الكرمة حيث محطة السكة الحديدية الآن بمقربة من زرهون، ولما خيم هنالك أتى إليه المولى عبد الله في جموعه وشبت نيران الحرب بينهما سبعة أيام، مات فيها قائد العبيد المذكور، ورجع المولى عبد الله لمخيمه بالحاجب، ورشح المترجم على عبيد مشرع الرملة القائد الحوات، وكانت بينه وبين السلطان عبد الله حروب طاحنة كان الظفر فيها للعبيد كما في نشر المثانى. واقتفى عبيد مكناس أشياع المترجم المولى عبد الله إلى أن بلغوا عين اللوح فصادفوا أمطارا غزيرة وبردا قارصا ورياحا عاصفة اضطرتهم إلى الرجوع دون نيل مرامهم، وقبض المترجم على عدد من الناس وفرض عليهم الأموال الطائلة، ونهب الدور ولم يترك زرعا ولا ضرعا ولا درهما ولا دينارا. وكانت هذه السنة سنة شهباء، حصت كل شئ، مات فيها عدد عديد من الآدمى والدواب جوعا، وفى رابع وعشرى أقيمت صلاة الاستسقاء ببوعجول، وكان الخطيب السيد حمدون الشريف الطاهرى نائبا عن القاضى السيد يعيش. وفى الثامن والعشرين من ذي القعدة أعيدت صلاة الاستقساء بباب الفتوح، وكان الخطيب أبا العباس أحمد الورزازى. ثم أعيدت الصلاة بباب عجيسة والخطيب السيد حمدون الشريف الطاهرى المذكور.

стр. 1335

وأعيدت الصلاة أيضًا من الغد بباب الفتوح والخطيب حمدون المذكور. وفى اليوم الموفى ثلاثين من الشهر أعيدت الصلاة بباب الفتوح والخطيب حمدون المذكور. وفى مهل ذى الحجة أعيدت الصلاة والخطيب أبو العباس الورزازى. ومن الغد أعيدت الصلاة بوادى الزيتون والخطيب أبو مدين بن أحمد الفاسى. ومن الغد أعيدت أيضًا بباب عجيسة والخطيب أبو العباس الورزازى. وفيه أيضًا أعيدت بمصلى باب الفتوح والخطيب الورزازى، ومع هذا كله لم ينزل مطر واختل النظام وشاع الفساد وكثر عيث البرابر في السبل وقل الإِدام وفقد اللحم وبلغ القمح نحو ثمان موزونات للصاع وضاق الناس ذرعا. وفى ذى الحجة منصرم العام طلب العبيد من المترجم راتبهم الشهرى، ولما لم يجد ما يقطع به لسانهم عنه وخاف صولتهم مد يد النهب والسلب في أمتعة الرعية، وصار يخرج زروع أهل مكناسة من الدور والمخازن، وكل من اتهم بكون الزرع عنده يشدد عليه حتى يأتي بما عنده، وكل من أتى من البادية بشئ من الزرع ينزع من يده قهرا. ولم يكتف بهذا، بل وجه أخاه لفاس وأمره بأخذ أموال الأشراف جبرا، ومن امتنع منهم يلزم بالخروج للحركة ويسلك مسلك العامة، ونهب دار الشريف أبى حفص عمر الأمراني بالأقواس، وقيل: إن المترجم توجه بنفسه لفاس بقصد ما ذكر، وألقى القبض على الحاج بوجيدة برادة، وكان ذا مال وأخذ أمواله ثم نقله إلى مكناسة وقتله بها وباع سائر أصوله.
следующие страницы →