وفاته: توفى ﵀ شهيدا يوم الجمعة الثامن وقيل التاسع من المحرم سمنة خمس وسبعين وألف برصاصة أصابته كان فيها حتفه ﵀، ودفن بدار ابن مشعل، وقيل حمل لتافيلالت ودفن بها قرب قبر والده وقد رمز لوفاته صاحب الدر السني بقوله:
وإن الشريف بن الشريف محمدا ... (لشهم) الملوك الضاربين بأنصل
ولما وقف أخوه الرشيد على جثته ضمها إليه وأخذ يبكى ويقول: ما قتلك إلا السراح. وهو ﵀ أكبر بنى أبيه.
١٧٧ - محمد المدعو الكبير أبو عبد الله بن السلطان الأعظم أبى النصر إسماعيل. المعروف بولد عريبة .
أُمه عربية من الشاوية، وإليها ينسب وبها يعرف.
حاله: جواد كريم عقيم التدبير شديد البطش والانتقام، غير متوقف في قتل الأنفس، ولا متأن ولا متثبت في الأمور، ولا متأمل في العواقب.
اتفق سالم الدكالى ولفيف من شيعته عبيد البخارى ومن انضم إليه من أهل فاس ونواحيه على خلع السلطان عبد الله ومبايعة صنوه صاحب الترجمة في عاشر جمادى الثانية، على ما في تاريخ الضعيف، والذى صححه صاحب الدر المنتخب أنها جمادى الأولى لا الثانية من عام تسعة وأربعين ومائة وألف، وهو يومئذ بمقره بسجلماسة، ولما اتصل به ذلك الخبر وكان اعتقاده أن سالما المذكور مجمع رأى العبيد المرجوع إليه في مهماتهم نافذ الكلمة فيهم مطاع الأوامر، خرج من تافيلالت يطوى المراحل ويواصل المسير إلى أن وصل لصفرو، ولما حل به ورأى أن بيعة الولى عبد الله لا زالت بأعناق الناس، صار يقرع سن الندم أخماسا في أسداس، ثم بدا له الدخول لفاس مختفيا، فقصد دار معتقده أبى زيد عبد الرحمن الشامى الذى كان يعده ويمنيه بالملك على طريق الكشف.
стр. 1332
ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرى جمادى المذكورة أتاه أهل فاس لدار الشامى المذكور وفى طليعتهم أبو الخير قاسم بن رحمون المعتقد المشهور وبايعوه سرا، ومن الغد الذى هو يوم الأربعاء أعلنوا ببيعته وحضر لكتابتها أهل الحل والعقد من علماء وأشراف وأعيان، وبعد كتبها ووقوع الإشهاد على الخاصة والعامة بقبولها ورضاهم بها، علقت بالضريح الإدريسى، وأعلن نصره في الأسواق والأزقة العمومية، ثم ركب فرسه وخرج لزيارة صلحاء البلد فبدأ بضريح أبى العلاء إدريس، ثم خرج على باب الفتوح وزار ما هنالك من الأضرحة، ثم توجه للأضرحة التي بخارج باب عجيسة، ثم رجع ونزل بدار بوعلى الكائنة بحومة المعادى من فاس القرويين، وصار الناس يأتون لتقديم مرام التهانى إليه زرافات ووحدانا.
ثم أمر بحيازة جميع ما بدار القاضى أبى الحسن على بو عنان حيث إنه امتنع من الموافقة على بيعته، لأنه لَمْ يَرَ وجهًا لخلع السلطان عبد الله، واحتمى بالضريح الإدريسى، وصمم على عدم التمادى على القضاء بين الناس بعد أن طلبه المترجم بذلك، ونصب للقضاء بدلا عنه ابن إبراهيم بإكراه، ونكّل بكل من تخلف عن بيعته كالعلامة أبى عبد الله محمد البكرى الدلائى، وأبى عيسى المهدى الفاسى، وأبى مدين بن أحمد الفاسى، وأبى العباس أحمد بوعنان. عزل الأول عن الإمامة بالضريح الإدريسى وسجنه وألزمه غرامة مالية وولى مكانه أبا عبد الله محمد بن على بن إبراهيم، والثانى عن الإمامة بمدرسة الطالعة، وولى مكانه أبا الفخر التاودى ابن سودة. والثالث عزله عن إمامة جامع الأندلس وولى مكانه السيد بوعزة بن إدريس المشاط، والرابع عن إمامة جامع باب عجيسة وجعل بدلا عنه أبا عبد الله محمد السلوى، وضيق غاية التضييق على شيعة أخيه السلطان عبد الله بوشاية من شياطين العبيد.
стр. 1333
ولما تم له الأمر بفاس وما والاها، كتب أهل فاس لعبيد مشرع الرملة يطلبون منهم الموافقة والدخول معهم فيما دخلوا فيه، فاجتمع أشياع سالم الدكالى وأجمعوا أمرهم على المبايعة للمترجم، ولم يكن لغيرهم بُدّ من اتباعهم فبايعوه ووجهوا إليه بيعتهم مع أعيانهم لفاس، ولما وردت عليه طلع من فاس القديمة إلى المدينة البيضاء فاس الجديد في موكب يسر الناظرين تحفه الودايا.
ثم اقتفى أثر عبيد مشرع الرملة في مبايعة المترجم من كان بالعاصمة المكناسية منهم وسائر أهل مكناسة ومن في حكمهم.
ولما رأى ذلك صنوه السلطان عبد الله جمع ما كان بدار الملك من مال ومتمول، وبارح العاصمة، وصحب في معيته ولده أبا عبد الله محمد وأمه وسائر حرمه، وأطلق من كان بالسجون من أهل الجرائم وغيرهم وكساهم، وسار إلى الحاجب وقيل إلى جبال فازار، فانضمت إليه برابر تلك الناحية وصارت تغير على سرح مكناسة وسايس وما والاهما.
وفى الخميس الموفى عشرين من جمادى الثانية المذكورة بارح المترجم فاسا في جيوش وافرة منتظمة من العبيد والودايا وأهل فاس، وبات بوادى النجا، ومن الغد الذى هو يوم الجمعة دخل مكناسة الزيتون عاصمة والده وإخوته ومن قبله، ولما استقر به النوى عزل أبا العز الطالب بوعنان عن قضاء مكناسة، وولى مكانه العلامة أبا القاسم العميرى، ثم عزله وولى أبا عبد الله محمد البيجرى، ثم عزله وولى العلامة الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ.
وفى اليوم الخامس من حلول المترجم مكناسة أتى إليها صنوه السلطان أبو محمد بن عبد الله بمجموع البربر الذين آووه وعززوه ونصروه لَيْلًا ونهبوا جميع أحوازها وباتوا بظاهرها، ولما بزغ حاجب الشمس وفتح باب الأروى اقتحموها، وأخذوا ما قدروا عليه من خيل وسلاح وهدوا وأفسدوا وانقلبوا راجعين من حيث أتوا.
стр. 1334
ولما علم المترجم وجنده بذلك اقتفوا أثرهم إلى أن أدركوهم ووقعت بين الفريقين ملحمة عظيمة، غير أنه لم يكن لفريق ظهور على الفريق الآخر، ورجع جند المترجم لمكناس، وسار المولى عبد الله بمن معه إلى أن وصل الحاجب، وفرق ما أخذ من مكناس في البرابر أنصاره.
ثم أتى ابن النوينى قائد عبيد مشرع الرملة من مشرع الرملة في شرذمة من إخوانه يريد أخذ الثأر من المولى عبد الله وأحزابه، ونزل بعين الكرمة حيث محطة السكة الحديدية الآن بمقربة من زرهون، ولما خيم هنالك أتى إليه المولى عبد الله في جموعه وشبت نيران الحرب بينهما سبعة أيام، مات فيها قائد العبيد المذكور، ورجع المولى عبد الله لمخيمه بالحاجب، ورشح المترجم على عبيد مشرع الرملة القائد الحوات، وكانت بينه وبين السلطان عبد الله حروب طاحنة كان الظفر فيها للعبيد كما في نشر المثانى.
واقتفى عبيد مكناس أشياع المترجم المولى عبد الله إلى أن بلغوا عين اللوح فصادفوا أمطارا غزيرة وبردا قارصا ورياحا عاصفة اضطرتهم إلى الرجوع دون نيل مرامهم، وقبض المترجم على عدد من الناس وفرض عليهم الأموال الطائلة، ونهب الدور ولم يترك زرعا ولا ضرعا ولا درهما ولا دينارا.
وكانت هذه السنة سنة شهباء، حصت كل شئ، مات فيها عدد عديد من الآدمى والدواب جوعا، وفى رابع وعشرى أقيمت صلاة الاستسقاء ببوعجول، وكان الخطيب السيد حمدون الشريف الطاهرى نائبا عن القاضى السيد يعيش.
وفى الثامن والعشرين من ذي القعدة أعيدت صلاة الاستقساء بباب الفتوح، وكان الخطيب أبا العباس أحمد الورزازى.
ثم أعيدت الصلاة بباب عجيسة والخطيب السيد حمدون الشريف الطاهرى المذكور.
стр. 1335
وأعيدت الصلاة أيضًا من الغد بباب الفتوح والخطيب حمدون المذكور.
وفى اليوم الموفى ثلاثين من الشهر أعيدت الصلاة بباب الفتوح والخطيب حمدون المذكور.
وفى مهل ذى الحجة أعيدت الصلاة والخطيب أبو العباس الورزازى.
ومن الغد أعيدت الصلاة بوادى الزيتون والخطيب أبو مدين بن أحمد الفاسى.
ومن الغد أعيدت أيضًا بباب عجيسة والخطيب أبو العباس الورزازى.
وفيه أيضًا أعيدت بمصلى باب الفتوح والخطيب الورزازى، ومع هذا كله لم ينزل مطر واختل النظام وشاع الفساد وكثر عيث البرابر في السبل وقل الإِدام وفقد اللحم وبلغ القمح نحو ثمان موزونات للصاع وضاق الناس ذرعا.
وفى ذى الحجة منصرم العام طلب العبيد من المترجم راتبهم الشهرى، ولما لم يجد ما يقطع به لسانهم عنه وخاف صولتهم مد يد النهب والسلب في أمتعة الرعية، وصار يخرج زروع أهل مكناسة من الدور والمخازن، وكل من اتهم بكون الزرع عنده يشدد عليه حتى يأتي بما عنده، وكل من أتى من البادية بشئ من الزرع ينزع من يده قهرا.
ولم يكتف بهذا، بل وجه أخاه لفاس وأمره بأخذ أموال الأشراف جبرا، ومن امتنع منهم يلزم بالخروج للحركة ويسلك مسلك العامة، ونهب دار الشريف أبى حفص عمر الأمراني بالأقواس، وقيل: إن المترجم توجه بنفسه لفاس بقصد ما ذكر، وألقى القبض على الحاج بوجيدة برادة، وكان ذا مال وأخذ أمواله ثم نقله إلى مكناسة وقتله بها وباع سائر أصوله.
стр. 1336
وألقى القبض أيضًا على الحاج عبد الخالق عديل، وأخذ جميع أمواله، وأخذ جميع أموال الزوايا ولم يترك بها قليلا ولا كثيرا.
ثم رجع لمكناسة وفعل بأهلها ما فعل بأهل فاس، حتى عدمت الفلوس وتعذر البيع والابتياع.
وفى التاسع عشر من ذى الحجة المذكور كان قتال بسايس بين أتباع المترجم وصنوه السلطان عبد الله، وكان الذى يرأس جيش المترجم القائد العباس بورمانة، واشتد القتال وكثر الطعان، ودام ذلك نحو أربع ساعات، ثم انجلى عن هزيمة بورمانة وحزبه وتركهم أشلاء موتاهم مبعثرة على الهضاب والرُّبَى، واستيلاء شيعة السلطان عبد الله على الأثقال والمقومات، ولولا حيلولة الظلام بين الفريقين لاستأصل السيف بورمانة ومن انضم إليه، ولكن لما أرخى الظلام ستوره نجت البقية الباقية بنفسها حافية عارية، وقصد فريق منها ناحية فاس وفريق يمم العاصمة المكناسية إذ قد كان المترجم يومئذ بها.
ولم تزل نيران الفتن في توقد واشتعال. وأحوال الرعية في اختلال، وضعف وانحلال، وعم جميع المغرب الغلاء، وعظم البلاء، وأكل القوى الضعيف، وانتكس المشروف والشريف، وصارت أموال الناس غنيمة باردة للصوص والبغاة، وفشت المناكر، وتعذر الأمن في السابلة، وارتفعت الأسعار في سائر الأمصار. ولا سيما في عاصمتى مكناس وفاس، وزادتا على غيرهما بالمضايقة والحصار.
واستولى على مكناسة الخراب والدمار، وتوالت الهزائم على عساكرها وضعف الجند وكثرت الثوار، منهم الباشا الحوات ثار واستولى على عبيد مشرع الرملة وبنى مالك والطليق وما والى ذلك من القبائل وثار الباشا أحمد الريفى واستولى على الفحص وبلاد غمارة وما والاهما من العمائر والقرى والثغور
стр. 1337
كالقصر الكبير وطنجة وسائر القبائل الريفية وكارت وجبالها وقلوعها إلى ناحية اكرسيف وما حول ذلك.
واستولى القائد الكلعى على بنى يازغة وما حولها.
واستولى السلطان عبد الله على مراكش والسوس والصحراء.
واستولى القائد الكعيدى على بنى يازغة، واشتعلت نيران الفتن في البلاد. وعم الفساد حاضرها والباد.
وفى فاتح صفر عام خمسين ومائة وألف نهض صاحب الترجمة في عساكره ونزل بدار ابن خولة، وأفسد ونهب وأهلك الزرع والضرع.
وفى ثامن الشهر نزل على صفرو.
وفى العاشر منه أوقع بأهل زدغة وحكم فيهم السيف وقطع الرءوس ووجه بها للعاصمة المكناسية لتعلق على الجدران والأبراج.
وفى سادس عشرى الشهر خيمت عساكره بجبل آيت عياش من جبال البربر، ووقعت هنالك مقتلة عظيمة بين المترجم وصنوه السلطان عبد الله كانت الكرة فيها على صاحب الترجمة، ورجع على أعقابه منهزما إلى العاصمة المكناسية.
وفى فاتح ربيع الأول فرت زرارة والشبانات وأولاد جرار لناحية بلادهم، ونهبوا وسلبوا كل من وجدوه في طريقهم.
وفى خامس جمادى الأولى هربت المغافرة والودايا من محالهم بسايس وما والاها، ومدّوا يد العداء في كل من لاقوه في طريقهم.
وفى الشهر نفسه ألقى العبيد القبض على صنو المترجم المولى المهتدي برباط الفتح، حيث شموا منه رائحة التشوف للوثوب على الملك، وأتوا به للمترجم
стр. 1338
لعاصمة ملكه مكناس، فاعتقله ولم يزل في اعتقاله إلى أن خلع المترجم وبويع للمستضئ فيما يأتى.
وفيه أيضًا وجه المترجم ولده عبد الكريم أميرًا على الرباط، فأقام على إمرته ستة وعشرين يوما، ثم عزله الحوات فانقلب راجعا لمكناس.
وفى رجب بلغ ثمن الوسق من الزرع ثمانين مثقالا، والشعير والذرة ما يقرب من ذلك، وبلغت الزيت خمسة وعشرين مثقالا للقنطار، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل بلغ القمح مائة مثقال، واستولى البخس على سائر الأشياء ما عدا ما يقتات به، وتفاحش الوباء حتى عجز الناس عن دفن موتاهم فلا يمر المار بزقاق من الأزقة إلا على صرعى الجثث، وبقيت الديار بلاقع لم يوجد من يعمرها.
وفى ذى الحجة الحرام أغاث الله بالمطر العباد، وسكنت روعة البلاد، فرخصت الأسعار إلى أن بلغ وسق الزرع ثلاثين أوقية بعد أن كان يساوى مائة مثقال.
وفى صفر العام نهض الباشا الحوات من الرمل وزحف لبنى حسن في جنود لا قبل لهم بها، فأوقع بهم وقعة شنعاء لما كان عليه من العتو والتمرد والعيث في الطرقات.
وفى صبيحة يوم الأربعاء تاسع وعشرى صفر المذكور أعلن الحوات بخلع صاحب الترجمة، وألقى القبض عليه وأوثقه بالحديد واعتقله بالقصبة من العاصمة المكناسية، وبويع لصنوه المستضئ بنور الله كما سنفصله في ترجمته بعد بحول الله، ولم يزل المترجم في عقاله إلى أن سرحه صنوه المستضئ المذكور ثالث ربيع الأول من العام، ووجه به مع أولاده إلى بلاده تافيلالت، ولما وصل القصابى أقام بها مدة، ثم نهض لتافيلالت، وكان ذلك آخر العهد به.
стр. 1339
وكانت دولته عاما وسبعة أشهر وعشرين يوما كلها كسنى يوسف، تجرعت الأمة المغربية فيها من الغصص والمحن والبلايا كئوسا دهاقا، وكان مضروبا على يده ليس له من السلطنة إلا الاسم، وولاة أمره من العبيد الذين قوضوا أركان الدولة هم المستبدون بالأبرام والنقض والتصرف المطلق.
١٧٨ - محمد بن عبد الله بن إسماعيل المالكى مذهبا الحنبلى اعتقادا حسبما وصف بذلك نفسه في مؤلفاته -وسيأتي بيان معناه- أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين سلاطين المغرب الأقصى.
مولده وشيوخه وحجته:
كانت ولادته بعاصمة جده أبى الأملاك مكناسة الزيتون سنة أربع وثلاثين ومائة وألف. وأمه كما قال الضعيف حرة. ومن شيوخه أبو محمد عبد الله بن إدريس المنجرة والشرادى وحج قبل البلوغ مع جدته السيد خناثة المغفرية سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف.
صفته وحاله:
قال عصريه الضعيف: "أسمر اللون، تام القد، أقنى الأنف للتمام، شعر لحيته عريض، واسع المنكبين، شثن الكفين، سميح الوجه، كريم اللقى، شديد الصفح، حسن العفو، فصيحا بليغا، أديبا حليما، متواضعا شفيقا، كريما جوادا، عالما بالفقه والسنة والحلال والحرام وفصل الأحكام" اهـ لفظه.
وقال نجله أبو محمد عبد السلام في كتابه "اقتطاف الأزهار، من حدائق الأفكار": وهو -يعنى والده المترجم- في العلم لا يقعقع له بسنان ولا يجارى في ذلك بعنان.
стр. 1340
[صورة]
خط السلطان سيدى محمد بن عبد الله وقد أكلت الأرضه (له) من (كان الله له)
стр. 1341
[صورة]
стр. 1342
وقال صاحب نشر المثانى في حقه: "وهو نصره الله وأيده في العلم بحر لا يجارى. وفى التحقيق والمعارف لا يمارى. وقد جمع من دراية العلم ما تقف العلماء دونه، وتود زواهر الأفق أن تكونه، فكملت بذلك منة الله على العباد، وأحيا به الله الدين في كل الأرض والبلاد، مع فرط الكرم والجود، الذى ورثه من أصله الطاهر عن آبائه والجدود" وقال: "فهو أدام الله نصره سلطان العلماء وعالم السلاطين" هـ.
وقال الزيانى: "عالى الهمة يحب الفخر ويركب سنامه يعطى عطاء من لا يخشى الفقر، يضع المسائل في محلها، ويعرف مناصب الرجال ويؤدى حقوقهم، ويتجاور عن هفواتهم، ويراعى لأهل السوابق سوابقهم، ويتفقد أحوال خدامه في الصحة والمرض، ولا يغفل عمن عرفه قبل الملك، متواضع شاكر لنعم الله عليه، كلما ورد عليه فتح أو خبر يسر المسلمين سجد شكرا لله في وسط مشورة، إمام الخاصة والعامة، ينتخب الرجال ويعدهم ليوم ما، وينادى كل واحد باسمه وقت اللقاء، ويوجه كل بطل منهم مع قبيلة وكتيبة من كتائب العسكر، ويعمل بعمل أهل السياسة في الحروب، وكان ينشد كثيرا إذا وجه أحدًا ممن يعرف نجدته وشجاعته:
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا"
وقال في حقه أبو محمد عبد السلام بن الخياط القادرى ما نصه: "الإمام الموهوب لهذه الأمة على رأس المائة مجددًا لها دينها كما ورد ذلك مرفوعا".
وقال: "كان إماما من علماء الإسلام، له تصانيف تقرأ بالمشرق والمغرب".
وقال: "وبالجملة فقد نظر في المصالح وقام بها قياما لم يقم به أحد من أهل عصره من ملوك الإسلام، ولم يسبق إليه غيره غير الخلفاء الراشدين".
стр. 1343
وفى الجيش وغيره أنه كان يتخلق كثيرًا بأخلاق المنصور الذهبى السعدى ويعجبه حاله وأخباره، يتحلى بسيرته ويستحسنها ويتتبعها أكلا ولباسا، وترتيب دولة وضبط أوقات، فكانت أوقاته لا تتخلف ولا تتداخل أشغالها، وعوائده مقررة لا تختلف، تأسى به في مشوره وسائر حركاته وسكناته، ويصرح بأنه أستاذه وقدوته في شأنه كله هـ.
وقال الزيانى في الترجمان المعرب لما ذكر خروجه لزيارة صلحاء أغمات في فصل الربيع: وكانت حركة نزهة وراحة وصيد أقام بها نحو الشهرين يتقلب في تلك البسائط، وينزل في منازل المنصور ﵀، ويقول: هذه منازل المنصور فهو أستاذنا ومقتدانا".
ثم ذكر أنه لما نزل تحت أغمات أتاه قاضيه بكبش وعسل، فوجهه لقاضى العسكر عبد الرحمن بن الكامل وأمره أن ينزل عند القاضي بكبشه وعسله، ولما ارتحل ونزل على وادى نفيس وجه لقاضى العسكر وللكتاب، وكان معه جملة وافرة من أهل الأدب والبلاغة والإنشاء فلما أتوه قال للقاضى عبد الرحمن يداعبه: بم جزيت القاضى على كبشه وعسله؟ فتعلثم وخجل فلما رأى منه ذلك قال له: لو جزيته بأبيات شعرية لخرجت من العهدة ولهذا وجهت لكم فقد سهرت ليلتى في أمري وأمركم، وهجوت نفسى وهجوتكم، لأنه لم يبق في وقتنا هذا أمير ولا وزير ولا كاتب ولا حاجب، فقد وقع مثل هذا في دولة السلطان أحمد المنصور في زيارة أغمات على كبش وعسل، وأمر الكاتب محمد بن المبارك بسرد ما وقع للمنصور من مناهل الصفا للفشتالى وما تنافس فيه الكتاب من النظم والنثر.
وفى الاستقصا: أنه هو الذى جدد هذه الدولة الإسماعيلية بعد تلاشيها. وأحياها بعد خمود جمرتها وتمزق حواشيها، بحسن سيرته، ويمن نقيبته، رحمه الله تعالى ورضى عنه".
стр. 1344
وفى سلوة الأنفاس: أنه كان علامة دراكة فاضلا، محدثا تاريخيا كاملا، محبا للعلماء، مجالسا للفقهاء، إلى أن قال: وكان من أعظم الملوك مهابة وفخرا، وأشدهم نكاية للعدو الكافر برا وبحرا، تطيعه ملوك بنى الأصفر، وتمتثل أمره وتخضع له رقاب الأكاسرة وتجل ذكره.
وهو الذى أعاد للدولة شبابها، وهيا للحياة أسبابها، ونهج لها نهجا جديدا وأسس لها بعد جده الأعظم أبى النصر إسماعيل ركنا شديدا، ونشر بين الخافقين مجدها، بعد ما كسر من شوكة العبيد حدها.
خلافته بمراكش:
واستخلفه أبوه بمراكش سنة ١١٥٩ وهو ابن خمس وعشرين سنة، فنزل قصبتها وليس بها يومئذ إلا آثار السعديين والموحدين الخراب، فضرب خيامه بها وشرع في حفر أساس داره بها، وكان سفهاء الرحامنة وشرارهم قد ألفوا العيث والفساد في أطراف المدينة، وكانوا يجتمعون بتلك القصبة.
فلما رأوا منه ذلك منعوه من البناء وأخرجوه عنها، فتوجه لآسفى، فاعترضته قبائل عبدة وأحمر وأكرموه واحتلفوا بأمره، وصحبوه إلى أن نزل قصبة آسفى ففرح به أهلها، ورفعوا إليه هداياهم، وأهدى له كذلك تجار النصارى، وأهل الذمة من اليهود وتنافسوا في ذلك.
وسرح للتجار وسق السلع من المرسى فوفدت إليه المراكب بأنواع سلعها من أوربا، وقصدها التجار من كل جهة، وطار صيت الخليفة في بلاد الحوز، ودخل في طاعته الشياظمة وحاحة وتسابقوا إلى خدمته، فلم تمض عليه ستة أشهر حتى كان يركب في نحو الألف.
وقدم عليه أخوه الأكبر المولى أحمد خليفة الرباط لما أخرجه أهلها منها، فنزل على أخيه المترجم، ولما سمع الرحامنة بما صار إليه أمر الخليفة ندموا على ما
стр. 1345
فرط منهم، وتوجه أعيانهم بالهدايا إليه بآسفى فاعتذروا إليه، وتنصلوا ونسبوا ما صدر منهم في حقه إلى السفهاء، وأقسموا ألا يبرحوا أبوابه إلا معه ولو أقاموا سنة، فلم تسعه إلا إجابتهم فتوجه معهم لمراكش في فرسان عبدة وأحمر زيادة على أصحابه وحاشيته، فلما وصلها نزل قصبتها، وقدم له أهل مراكش هداياهم، وكذا قبائل الحوز ووفود الدير وسوس، ونافست الرحامنة عبدة في خدمته.
وقصده عبيد دكالة الذين كانوا بسلا، وتسلل إليه عبيد مكناسة فرادى وأزواجا، فاستعملهم في بناء داره الكبرى بالقصبة إلى أن أكملها وسكنها، وشرع في غيرها.
وفى سنة ١١٦٢ بايعه عبيد مكناسة وخطبوا به بمكناسة وزرهون، وبعثوا له إلى مراكش مع جماعة من أعيانهم، فرد بيعتهم وعاتبهم على ما ارتكبوه في حق والده إذ كان بارًّا به ساعيا في مرضاته، وبعث إليه بهدية تقدر بثلاثين ألف مثقال.
ورجع وفد العبيد خائبا، ومع ذلك استمروا على الخطبة به.
وفى أواخر جمادى الأولى من سنة ١١٦٣ توجه المترجم الخليفة من مراكش إلى مكناس، فوجد العبيد لا يزالون يخطبون به فعاتبهم وأنكر صنيعهم وتبرأ منهم، فتركوا الخطبة وجددوا البيعة لوالده، ولما تم له ما أراد من مراجعتهم طاعة أبيه ارتحل من مكناسة في جيشه الذى قدم به من مراكش، واستصحب جماعة من أعيان العبيد وقدم على والده بدار الدبيبغ فسلم وأهدى وتشفع للعبيد عنده فقبل شفاعته، وأمره ألا يبيت هناك، فامتثل أمره وتوجه لمراكش من حينه، وقد رتق ما انفتق.
ثم إن العبيد عادوا لما كانوا عليه مع المولى عبد الله وقدموا على ابنه المترجم في ذى القعدة سنة ١١٦٤ لمراكش وراودوه على قبول بيعتهم فلم يقبل، وطيب
стр. 1346
نفوسهم بمنحة وكتب لهم كتابا لأبيه يستعطفه لهم، وانقلبوا من عنده مسرورين، فلما قدموا على أبيه سامحهم وأعطاهم وتم الصلح بينه وبينهم.
وفى السنة وجه المترجم لأبيه بهدية فأثنى عليه ودعا له بخير.
وفى سنة ١١٦٩ توجه لتمهيد سوس فدوخها وجبى أموالها، وولى عليها وقرر الحامية بتارودانت.
وفى سنة ١١٧٠ توجه للقبض على الطالب صالح المستولى على آكدير، المستبد بمال مرساه، فقبض عليه وسجنه ورتب الحامية بآكادير، ورجع لمراكش منصورًا، فمكث فيه قليلا ثم خرج لإصلاح ما فسد من أمر قبائل الشاوية، فقتل. منهم ووجه المقبوضين بالسلاسل لمراكش.
ثم توجه للرباط فأضافه أهلها وأهدوا له، وأغلق عبد الحق فنيش صاحب سلا أبواب المدينة في وجهه فقطع الوادى وتنكب سلا، وسار إلى القصر فتطوان وأشرف على سبتة، ثم ذهب لطنجة فالعرايش فسلا، حيث لقى من قائدها ثانيا ما لقى أولا ثم رجع لمراكش.
بيعته، وبعض حوادث أيامه:
ويعد وفاة والده ﵀ بويع له البيعة العامة بفاس إثر الفراغ من دفن والده يوم الاثنين خامس عشرى صفر عام واحد وسبعين ومائة وألف باتفاق أهل الحل والعقد، وكان يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة، وإلى سنة ولايته وبيعته أشار القاضى أبو عبد الله الهوارى بقوله:
وبايع أهل الغرب في عام واحد ... وسبعين مولانا الإمام محمدا
стр. 1347
قال نجله المولى عبد السلام في كتابه درة السلوك. وريحانة العلماء والملوك: "وحضر بيعته جماعة من أعيان العلماء مثل قاضى الجماعة بمكناس السيد سعيد العميرى، وقاضى الجماعة بفاس السيد عبد القادر بو خريص، وشيخ الجماعة السيد محمد جسوس، والإمام المحقق صاحب المعقول والمنقول أبى حفص شيخنا سيدى عمر الفاسى، وابن عمه السيد أبى مدين الفاسى وهو الذى تولى كتابة البيعة بيده، وإمام مسجد الشرفاء الأستاذ مولاى عبد الرحمن المنجرة، وشيخنا العلامة السيد التاودى ابن سودة، وإمام المسجد الجامع الكبير بفاس الجديد السيد عبد الله السوسى، والإمام المحدث سيدى إدريس العراقى وغيرهم ممن لا يحصون كثرة" صح منه مباشرة وهو من ذخائر مكتبتنا.
ومن الغد الذى هو يوم الثلاثاء خرج الوفد الفاسى متأبطا للبيعة المحمدية، ووجهته عاصمة الجنوب حيث المترجم ينتظم ذلك الوفد من أعيان الأشراف والعلماء ووجهاء أهل البلد ورءوس القبائل والأجناد، وصار إلى أن لحق بالمترجم بنواحى مراكش يؤم الناحية الغربية، فأكرم مثواه ونزله وغمره في بحار إنعاماته الضافية، وبعد انتهاء أيام الضيافة انقلب إلى وطنه مبتهجا. وبطيب الثناء لاهجا.
وبويع له بمراكش بجامع الكتبيين. قال الضعيف: تحت شجرة أرنج بصحن المسجد بمحضر الأشراف والعلماء والأعيان وقواد الجند وأبطال القبائل، وبعد انتهاء البيعة تهافت الجميع على تقبيل راحتيه وتقديم مراسم التعزية في والده والتهنئة بالسلطنة، فقابل الجميع بصدر رحب، وواسى الضعفاء والمساكين، ووصل الأشراف والعلماء وبذل في ذلك أموالا طائلة.
ثم صارت وفود القبائل الحوزية والديرية والسوسية تفد ببيعاتها على جلالته وتقدم الهدايا اللائقة بسدته، واقتفى أثرهم على ذلك أهل الثغور والجبال والقرى
стр. 1348
والأمصار، ولم يتخلف أحد من أهل المغرب الأقصى عن تقديم الطاعة لجلالته ولا نازع فيها، وهو يستقبل كلا بما يليق بمقامه ويهش ويبش ويحسن ويتبرع.
ولما فرغ من أمر الوفود نهض من مراكش أواخر ربيع المذكور، وفى أواخر ربيع الثانى حل برباط الفتح، فاستقبله أهل العدوتين بغاية الارتياح والانشراح، ووصل الشرفاء والعلماء وحملة القرآن والضعفاء، وزار القصبة فحيته مدافع أبراج العدوتين، وزار معمل صنع السفن، وركب سفينة قبل عومها وصار ينثر الدراهم من فوقها على المحدقين بها، وهم على اختلاف طبقاتهم يلتقطون ما ينثره عليهم.
ثم بعد ذلك نهض إلى عاصمة جده المكناسية فدخل دار الملك وفرق الراتب على العبيد ووصل الأشراف والفقهاء والطلبة، ولما اتصل بأهل فاس خبر حلول جنابه بها توجه جم غفير منهم لاستقباله فيها، وذلك في سابع ربيع الثانى من العام، فقابلهم بكل اعتناء واعتبار، وأنزلهم منزلة التجلة والإكرام، وأقاموا في ضيافته أيام ثم وصلهم وأذن لهم في الأوبة.
وفى سابع عشرى ربيع المذكور حل بالعاصمة الفاسية حلول إعزاز وإعظام، فخرج لاستقباله جميع طبقات أهل فاس، وكذا الودايا، وخيمت عساكره وجنوده بالصفصافة، ودخل هو لدار الإمارة وعزى إخوته وأخواته ووعدهم خيرًا، ثم رجع لمحلته فبات بها.
ومن الغد توجه لدار دبيبغ محل سكنى والده الخاص، فأحصى متخلفه من أثاث وفرش وخيل وسروج وسلاح ومال.
ولما أحاط علما بمقادير ذلك كله ترك الكل تحت يد من كان مكلفا به على عهد والده، وكان المكلف بالأموال الوصيف القائد علال بن مسعود وغيره مما ذكر على يد غيره والكل إلى نظر الحاجب القائد عبد الوهاب اليمورى، وكان أكثر ما خلف من المال ذهبا وإليك تفاصيل ذلك:
стр. 1349
ألف سماط من الجلد الفيلالى تحمل على السروج بأقفالها في كل واحد ألفا دينار من سكة ضربه، أعدها للحمل على الخيل في السفر، فإذا نزل بالمحلة يدفعها المكلفون بها لمن يوصلها لخباء المترجم لتوضع فيه، وعلى هذا يستمر العمل في كل يوم ظعن وإقامة مدة السفر، ولا تسلم إلا لمن عينه السلطان من أهل الصدق والأمانة لديه.
ومائة رحى من الذهب كقرص الشمع كل رحى فيها وزن أربعة آلاف دينار تكون على البغال أربعة في الشوارى مغطاة بالخنابل مضروب عليها بالحبال تسير أمامه، فإذا وصل محل الإقامة توضع بالقبة على نحو ما ذكرنا.
وثلاثمائة ألف ريال إلا خمسة عشر ألفا، ونحو عشرين ألفا من الموزونات الرقيقة من ضربه، وهذا غير ما في بيوت الأموال من سائر العواصم المغربية.
قلت: ولم يزل العمل جاريا في حمل عدد من البغال أموالا تسير مع الملك في سائر أسفاره يسمون ذلك بـ (الصائم) إلى أن ختمت أنفاس الدولة العزيزية، وذلك من الحزم والحذر والاستعداد لمفاجأة الطوارئ.
ثم تفقد المترجم الأحوال، وأحصى بيوت الأموال، وأحسن لخدمة أبيه.
ولما كان يوم الجمعة ملأت عساكره البسائط، وحضر جميع أهل البلد للصلاة معه فاختلط بهم، وأقبلوا يقبلون أثوابه ويتمسحون بها وهو يهش ويبش في وجوههم، ثم جلس مع العلماء وحادثهم وسأل عنهم واحدًا بعد واحد حتى عرف جميعهم، وبعد أداء فريضة الجمعة توجه في موكبه لزيارة ضريح والده المقدس، ووزع الصدقات على الفقراء والمساكين ورتب الطلبة الذين يقرءون القرآن في كل صباح وعشى بذلك الضريح، ثم دخل دار الإمارة، ويعد ذلك أمر حمل مال والده ومتخلفه إلى محلته ودفعه لمن عينه لذلك من خدامه.
стр. 1350
وأقر أهل الوظائف الذين كانوا على عهد أبيه على وظائفهم إلا ما كان من قائد تطاوين الوقاش، فإنه ولى مكانه كاتبه عبد الكريم بن زاكور الذى كان بعثه عاملا على العرائش.
وأحدث وظيفا على الأبواب والغلات والسلع بفاس وسائر أمصار المغرب، بعد أن استفتى علماء وقته فأفتوه بأنه إذا لم يكن للسلطان مال جاز أن يقبض من الرعية ما يستخدم به الجند، وكتبوا له ذلك تأليفا، منهم: الشيخ التاودى ابن سودة، وأبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس، وأبو حفص الفاسى، وأبو محمد عبد القادر بو خريص، وأبو زيد المنجرة، وأبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالى الفرجى لا الطرابلسى.
وما في الاستقصا من أنه الطرابلسى سبق قلم إذ الطرابلسى اسمه على، وهو شارح المرشد المعين، وقد باع وظيف فاس عن سنة واحدة لعاملها الحاج محمد الصفار باثنى عشر ألف مثقال، ثم باعه إياه في سنة أخرى باثنين وعشرين ألف مثقال، فكان في كل عام يزيد فيها إلى أن مات، وولى مكانه ولده العربى فزاد على ما كان أيام أبيه.
وكانت مدة مقامه بفاس شهرين على ما في الترجمان المعرب، والذى في تاريخ الضعيف أن خروجه من فاس كان يوم الاثنين الحادى عشر من جمادى الثانية، وعليه فيكون مقامه بفاس نحو شهر ونصف.
ولما حل بمكناس أقام به أياما لتأسيس أمور الخلافة العامة، ثم بعد ذلك بدا لجلالته النهوض لتفقد الأحوال وترتيب الشئون وإخماد نيران الفتن التي قام بإضرامها المدعو العربى أبو الصخور الخمسى، وقد كان له صيت بناحية غمارة يقول لمن يعتقده ويلتف حوله من البله طائشى الأحلام: إن هذا السلطان -يعنى المترجم- لا يطول ملكه، وقامت بسبب ذلك ضجة وهول بتلك الناحية، وكاد
стр. 1351
الفساد أن يعم ما حولها، فقتله المترجم ووجه برأسه لفاس، وولى على تلك القبائل الباشا العياشى وأنزله بشفشاون.
ثم ولى وجهه نحو تطاوين، ولما حل بها وتفقد شئونها أمر ببناء البرج بها والدار على مرسى مرتيل.
وتوجه لسبتة فوقف عليها وشاهد حصانتها ومنعتها، فتيقن أن لا مطمع في قصدها.
ثم صار لطنجة فاستقبله القائد عبد الصادق بن أحمد الريفى في القبائل الريفية فجاملهم وقابلهم أحسن قبول، ووصلهم وكساهم وأمر ابن عبد الصادق المذكور بالقيام على ساق في بناء ما ذكر بمرتيل، فأجاب بالسمع والطاعة، ووجه من حينه أخاه عبد الهادى للوقوف على ذلك.
ثم توجه صاحب الترجمة للعرائش وتفقد أحوالها، فوجدها خالية ليس بها إلا نحو مائتين من أهل الريف تحت كنف قواد الغرب الحبيب والسفيانى، فوجه لها أدالة منتظمة من عبيد مكناسة، وعبيد المهدية، ورأس عليهم عبد السلام بن على وعدى ووصل المائتين من الريفيين وسلحهم وكساهم.
ثم توجه لسلا فنزل بظاهر الرباط، وأمر عبد الحق فنيش قائد سلا ببناء صقالة (١) بسلا على البحر، وأمر على مرسيل ببناء صقالة الرباط، وولى على أهل الرباط الرئيس العربى المستيرى وأمر بإنشاء مركبين واحد بسلا وواحد بالرباط.
وكان عندهم مركب كبير أنشأه أهل العدوتين مشتركا بينهما أيام الفترة، ووجه لتجار النصارى الذين بآسفى أن يأتوا إليه بكل ما تتوقف عليه المراكب من مجاديف ومخاطيف وقلع وقمن وغير ذلك.
стр. 1352
ثم توجه لعاصمة الجنوب مراكش، وكان وصوله إليها في أواخر المحرم فاتح عام اثنين وسبعين ومائتين وألف، ولما علم أهل فاس بحلوله الحضرة المراكشية أوفدوا إليه جماعة من أعيانهم يستعطفونه في الأوبة للعاصمة الفاسية واتخاذها محل استقراره ومقامته، فلاطفهم وقرر لهم أنه لا يمكنه المقام بأرض واحدة، وأنه يلزمه التطوف على سائر إيالته والمكث بكل عاصمة من عواصمه مدة لائقة بها ليتيسر لأهلها ملاقاته ورفع كل ما يهمهم إليه بدون أدنى مشقة تلحقهم، وردهم ردا جميلا.
وورد عليه بنو دراسن متشكين بما لحقهم من أذى جروان، وأنهم أخرجوهم من بلاهم بإعانة من الودايا، فأصدر أوامره لوالى مكناس بإنزالهم بأحواز البلد والسعى في المؤاخاة بينهم وبين آيت يمور ففعل، ولما لم تنته جروان عن إذاية المذكورين طير والى مكناس الحاج على السلوى الإعلام بذلك للمترجم، فأصدر إليه أوامره بنصرة المظلومين وتعزيز جانبهم والخروج في جيش العبيد لكسر صولة جروان، ولما التقى الجمعان بوادى ويسلن كانت الهزيمة على جروان وأشياعهم الودايا فقتل منهم آيت يدراش نحو الخمسمائة، ونهبوا حللهم، وقطعوا رءوس أعيان الودايا وعلقت بباب الجديد من مكناسة إرهابا للبغاة والمتمردين، ولما اتصل الخبر للمترجم اشتد غضبه على الودايا، وأضمر الإيقاع بهم جزاء لهم على سوء فعلهم.
ثم نهض من مراكش ووجهته مكناس، ولما وصل الرباط وجد الرئيس محمد عواد مانطة السلوى، والرئيس محمد عواد المعروف بقنديل، السلوى، والرايس العربى المستيرى الرباطى غنموا سفينة من سفن دولة السويد فأعطى لكل منهم كسوة وسيفا محلى بالذهب وخنجرا كذلك ومكحلة، ووصل من عداهم من البحرية بما أقر أعينهم، ثم سافر القائد العربى المستيرى في الحين فغنم سفينتين إحداهما للبرتقال والأخرى للسويد أيضًا.
стр. 1353
وسار المترجم إلى العاصمة المكناسية وأقام بها إلى أن قضى أيام عيد المولد النبوى، ووفدت عليه بها الوفود من فاس والعدوتين ومراكش وما والى ذلك لأداء مراسم التهانى، فغمر الكل بإنعاماته الضافية، وأحسن وبذل، وأمر الحاج محمد الصفار عامل فاس بإصلاح قنطرة سبو، وأعطاه ما ينفقه في سبيل ذلك.
وفى يوم الاثنين ثامن عشر من ربيع الأول نهض لمراكش وفى يوم السبت خامس عشرى ذى القعدة من العام نهبت قافلة بباب الجيسة أحد أبواب فاس، ثم نهبت قافلة أخرى، ثم أغار البربر على سرح أهل فاس.
وفى أواخر ذى القعدة من العامة ورد كتاب من صاحب الترجمة على أهل فاس يعلمهم فيه بمبارحته لمراكش بقصد رتق ما انفتق من أمور الرعية.
وفى عام ثلاثة وسبعين ومائة وألف عزل القاضى أبا فارس عبد العزيز العبدلى لسلوكه في خطته غير الجادة، كما سنوضحه بعد، وكان كلما عزل قاضيا عن مصر ألزمه الخدمة ببابه، والوقوف مع كتابه، ويوجههم مع الشكاة لعمال القبائل كل واحد يتوجه بشكايات قبيلة لعاملها هذه خدمتهم كما قال الزيانى.
وفى صفر عام أربعة وسبعين ومائة وألف نهض من مراكش قاصدًا مكناس، ولما حل به وجه الودايا جماعة من عجائزهم يتشفعن لهم عند جلالته، فلقيهن بسايس وجهته لفاس، ولما مثلن بين يديه بكين وناشدنه الرحم، فرق لهن ووصلهن وأمر بإركابهن إلى أن يصلن لأهلهن.
وسار إلى أن خيم بالصفصافة فخرج لاستقباله أهل فاس على اختلاف طبقاتهم، وكذلك الودايا، فقابلهم بالبشر، ولم يظهر للودايا ما يشعرهم بما يكنه صدره نحوهم، ومن الغد أخرج أهل فاس طعام الضيافة على العادة المألوفة لديهم، فأمر المترجم بتعمير المشور بدار دبيبغ، وأمر بإدخال ذلك الطعام إليها،
стр. 1354
وأمر العبيد والودايا بالدخول للإطعام، فلما دخلوا غلقت الأبواب عليهم واستؤصلوا قبضا وأصدر الأمر للعساكر بالغارة على حللهم فلم تغرب شمس ذلك اليوم حتى كانت منازلهم حصيدا كأن لم تغن بالأمس، وأغلق من بقى منهم بفاس الجديد أبواب المدينة، ولما جن الليل فرت شرذمة منهم للاستيجار بزاوية اليوسى والباقي بفاس منهم صعد على الأسوار.
ولما أصبح الصباح صاحوا من فوقها يطلبون الأمان على أنفسهم وأهليهم فأمنهم، ونقلوا أولادهم لفاس القديمة، وأنزل صاحب الترجمة بفاس الجديد ألفا من عبيده نقلهم بأولادهم من مكناسة، وولى عليهم علال بن مسعود، وسرح من الودايا القائد قدور بن الخضر مع أربعة من أهل الصلاح منهم، وأمرهم أن يقيدوا له المفسدين فقيدوا خمسين من أشرار طغاتهم، فأمر بإغلالهم في السلاسل، قرن كل اثنين في سلسلة وأركبهما على جمل ووجه بهم على الصفة المذكورة لسجن مراكش، ليكونوا عبرة لمن يمرون عليه من القبائل.
وأمر قدور بن الخضر بتسريح الباقين، وكانوا أربعمائة ويضيف إليهم ستمائة من بقية إخوانهم ويلزمهم مبارحة فاس، والتوجه لقبائلهم، وقيد ألفا في دفتر وولى عليهم القائد المذكور، ثم أمرهم بالرحيل لمكناسة وعين لهم قصبة الأروى للسكنى، فبنوا بها نوائلهم، ونزل قائدهم بدار صاحب الأروى أيام سيدنا الجد الأكبر أبى النصر إسماعيل، وأعطاهم الخيل وسلحهم وكساهم ولم يلتفت لما كان بأيديهم من المتاع، فصلحت أحوالهم ولم يعودوا بعد لما كانوا عليه من الغى والفساد قبل، ولا زال عقب هؤلاء الودايا إلى اليوم بالأروى المذكور.
ثم ولى المترجم وجهه نحو الأمراء الذين لم يقلعوا عن جورهم وظلمهم وبقوا متمادين على ما كانوا عليه من الاستبداد والعتو زمن الفترة مع والده
стр. 1355
وأعمامه، تلك المدد الطويلة التي مثلت لنا أيام ملوك الطوائف في أهول زى، وأحيت ذكراها.
فقبض على قائد أهل الغرب الباشا الحبيب المالكى الحمادى وأودعه مطبقا، وهد داره دار الظلم المظلمة، ونقل أنقاضها للعرائش للبناء بها، واستصفى أمواله ومتمولاته، ومنذ أودع المذكور المطبق ما أكل ولا شرب أنفة من السجن حتى مات.
وفى تاريخ الضعيف: أن سبب القبض عليه هو ارتكابه لأمور مصادمة للشرع، منها: أنه كان متزوجا بثمانية عشر امرأة، وساق القصة على أنها وقعت عام واحد وثمانين، والذى في الترجمان المعرب أنها في سنة أربع وسبعين هذه، وذكرها في الاستقصا من حوادث سنة ثمانين.
ثم أوقع القبض على قائد سلا عبد الحق بن عبد العزيز فنيش الذى كان أغلق بابه دونه أيام خلافته عن أبيه لما ورد على العدوتين مرتين، ورغما عن ذلك لم يعاتبه ولا شافهه بمكروه لما ولى الخلافة العظمى، حتى تفاحش ظلمه واستبداده، وأدى به الحال إلى قتل رجل من أعيان أهل سلا على وجه التعدى والجور.
ورفع أولياؤه الشكاية بذلك لصاحب الترجمة فأذن في قتله قصاصا، فقتل وحيزت أمواله لبيت المال كما حيزت أموال إخوانه الذين كانوا أنصارًا له وأعوانا على الظلم والتعدى وأكل أموال الناس بالباطل، ثم غربوا إلى العرائش، وسجنوا لها مدة، ثم عفى عنهم، فسرحوا وفرقوا على ثغور السواحل بعضهم بالرباط وطنجة، والبعض بالصويرة، وآخرون بمراكش ومنحهم الدور المعتبرة والرباع المستغلة، ورتب لهم الرواتب الكافية، ونالوا من العزة والجاه في دولته المحمدية ما لم ينله أحد من سلفهم، وكانوا رؤساء على أصحاب المدافع وعلى يديهم آلة
стр. 1356
الحرب جميعها في جميع الثغور، ومنهم القائد الطاهر فنيش الذى كما كبير الطبجية.
ثم عزل ولد المجاطية قائد تامسنا، أبا عبد الله محمد بن حدو الدكالى الذى كان ولاه على دكالة لما ألقى القبض على العامل العروسى وأودعه السجن مدة أعوام، ولما سرحه ولاه مدينة شفشاون وأعمالها.
وأرهف حده للعمال، المشتغلين بجمع الأموال، فصلحت أحوال الرعايا والجند بتولية المناصب أهل الكفاءة، ثم بعد ذلك رجع لمراكش.
وفى هذه السنة أتت الهدايا للمترجم من ملوك أوربا ودوخت سفنه البحار، وأسر عددا من النصارى، وغنم غنائم كثيرة تتبعها الضعيف في تاريخه.
وفى السنة نفسها ساعد على وسق الصوف من مرسى آسفى لأوربا.
وفيها كان اهتمامه ببناء مرسى فضالة.
وفى أواخره فتح المخابرة مع الدول فوجه الخياط عديل الفاسى، والطاهر بنانى الرباطى سفيرين إلى القسطنطينية في وفد من أعيان المغرب لربط علائق المودة مع الدولة العثمانية، وقدم هدية لها من نفائس المغرب.
فأدى الوفد السفارة وأحسن الوساطة ورجع مع وفد العثماني بهدية اشتملت على مدافع وآلة حرب وأدوات مراكب وضروب سلاح، فسر السلطان بذلك ورد وفد العثمانيين مغمورًا بكرمه المعهود على ما سنفصله بعد بحول الله في باب العلائق السياسية.
وفى سنة خمس وسبعين ومائة وألف عفا المترجم عن القائد محمد بن على العروسي بعد أن مكث في سجنه نحو تسعة أعوام وولاه عمالة أصيلة فبقى بها مدة ثم ولاه عمالة المهدية.
стр. 1357
وفى عام ستة وسبعين ومائة وألف فتك بمتمردة مسفيوة، وقتل منهم نحو أربعمائة، وكان من جملة القتلى القائد إبراهيم ولد الباشا بلا وعلى صهر عم المترجم المولى بناصر.
وفى منتصف رمضان العام نهض لتادلا وأوقع بآيت يمور، وأغار في طريقه على أشقيرن، وقتل وسبى ومهد البلاد، وحسم جرثومة الفساد، وتوجه للشاوية، وألقى القبض على كثير منهم ووجههم بالسلاسل لمراكش جزاء على ما أجرموا من العيث في السابلة.
وفى خامس ذى الحجة قدم من عاصمة الجنوب مراكش إلى العاصمة المكناسية، وأقام بها يومين، ثم نهض للعاصمة الفاسية لإخماد نيران ما أججه الحياينة من الفتن.
وفى يوم الثلاثاء الرابع عشر من المحرم عام سبعة وسبعين ومائة وألف نهض من فاس في جيوش جرارة إلى جبل مرموشة وآيت يوسى الذين سعوا في الأرض الفساد، فأوقع بهم وكسر شوكة تمردهم، ثم تقدم للحيانية فنهب أموالهم وفروا لجبل غياثة فاقتفى أثرهم على طريق تازا، إلى أن لحقت بهم العساكر إلى الجبل المذكور وأوقعت بهم وقعة عظيمة اضطرتهم للرضوخ للطاعة وهم صاغرون، فطلبوا العفو والأمان، فعفا عنهم وأمنهم من القتل، ثم انقلب لبلدهم فنسفها نسفا وذلك يوم الخميس سادس ربيع الأول.
وفى يوم الاثنين ثامن ربيع الثانى رجع لفاس مؤيدا منصورا، ونزل بدار دبيبغ، واستخلف بفاس ابن عمه أبا العلاء إدريس بن المنتصر وأعطاه القبائل الجبلية، وفى أواسط ربيع الثانى أمر ببناء قبة ضريح أبى الحسن على بن حرزهم.
وفى صبيحة يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى نهض لمكناسة الزيتون، وفى غده الذى هو يوم الخميس أصدر أوامره بتزليج منار أبى العلاء إدريس الأزهر بانى
стр. 1358
فاس رضى الله عنه، وألقى القبض على أولاد عديل وأودعهم السجن في مال لأبيه وله عليهم كانوا استسلفوه.
وفى يوم الاثنين تاسع رمضان نهض من مكناسة ووجهته مراكش، ولما حل بها قدم عليه أعيان مسفيوة بمائة وخمسين فارسا فقتلهم كلهم واستأصل أموالهم، إذ كانوا بلغوا الغاية القصوى في التمرد والبغى من عهد أبيه ولم يقلعوا عن ذلك، وقد طال ما عالج داءهم وهو خليفة فلم ينفع فيه ترياق، انظر الترجمان المعرب.
ثم نهض من مراكش لمكناس فأغار في طريقه على آيت سيبر من زمور، فنهب حللهم وماشيتهم ومزقهم كل ممزق.
ولما حل بمكناس أصدر أوامره للقبائل بدفع المرتب بذممهم من الزكوات والأعشار أحواز فاس يدفعون للمكلفين بخزائنها، وأحواز مكناس يدفعون للمكلفين بخزائنها كذلك ثم نهض لفاس.
وفى العام ثار أحمد الخضر بالصحراء وأوقد نيران الفتن بها، فوجه المترجم لعرب تلك الناحية في شأنه فقتلوه ووجهوا له برأسه، وفيه بعث من الرباط الرئيس الحاج التهامى المدور سفيرًا لبلاد السويد، والرئيس العربى المستيرى سفيرا لبلاد الإنجليز على ما يأتى في بابه.
وفى عام ثمانية وسبعين ومائة وألف كان أسطول المترجم يتردد بين أكناف البحار ويجوس خلال الثغور الأجنبية فيقتنص مراكب الأجناس الأجانب إذ كانت المهادنة غير مقررة تماما، وكان من جملة ما غنم الأسطول المغربى أسطولا فرنسيا، ثم ورد مركب فرنسى على مرسى سلا والرباط وأطلق عليهما قنابله وذلك يوم الجمعة حادى عشر ذى الحجة، فخرج أهل الثغرين لظاهر البلد والأجنة بأولادهم
стр. 1359
وضربوا الأخبية، وحصن الرئيس سالم المراكب السلطانية التي كانت تريد السفر للخارج أمام منار حسان واستمر الأمر على ذلك ثلاثة أيام، ولما لم يحصل الأسطول الفرنسى على طائل أقلع ورجع من حيث أتى.
وفيه أسس صاحب الترجمة ثغر الصويرة، فتوجه لذلك بنفسه بعد فراغه من عرس ابنه مولاى على وأخته، حتى اختطها على الهيئة التي يريد، وترك العملة بها على ما يأتى إن شاء الله في آثاره.
وفى العام أوقع ببرابر مرموشة بملوية، وفى صبيحة يوم عيد النحر وقع بمراكش حريق هائل هلكت فيه الأنفس والمتاع، وخربت الدور ولم يستطع أهل البلد حيلة لإطفائه ولا اهتدوا سبيلا، امتدت تلك النيران الموقدة من جامع الفناء إلى خارج باب الخميس أحد أبواب المدينة المذكورة، وكان المتسببون في ذلك المتعاطون لشرب الدخان من أصحاب القائد حسابن، ولذلك عاقبه المترجم بالسجن والعزل، وولى مكانه ولد ابن ساسى المراكشى.
وفى عام تسعة وسبعين ومائة وألف هجم أسطول فرنسى على العرائش فخربها وهدم مسجدها ودورها بما ألقى عليها من المقذوفات المدمرة، وفى اليوم الثانى من هجومه نزل من عساكر أسطوله ألف واقتحموا الوادى في خمسة عشر قاربا، وكانت للمراكب المغربية رياسة هناك فحرقوا السفينة التي غنمت منهم وكسروا أخرى كانت بجانبها ثم رجعوا فوجدوا القائد الحبيب الحمادى المالكى الغرباوى قطع خط الرجعة عليهم وأخذ بمخنقهم على فم الوادى، فأسر منهم أحدهما عشر قاربا بما فيها، ونجا أربعة وأرسل من أسر منهم إلى المترجم لعاصمة الجنوب مراكش الحمراء، ولم يزالوا عنده إلى أن فدتهم دولتهم ووقع الصلح في السنة بعدها، وهى معاهدة عام ثمانين ومائة وألف الموافقة ثامن وعشرى ماى سنة سبع وستين وسبعمائة وألف وستذكر نصوصها.
стр. 1360
قال أبو محمد عبد السلام نجل صاحب الترجمة في درة السلوك: وبعد هذه الواقعة احتفل طاغية الإصبان والفرنصيص بهدايا لم يعهد مثلها -وسيأتى ذكرها في بابه- وقدمت رسلهم لمراكش لطلب الصلح والمهادنة.
وفيها توجه الكاتب السيد أحمد الغزال الفاسى سفيرًا لبلاد الإصبان، والرئيس على مرسيل الرباطى سفيرا لفرنسا، والفقيهان الطاهر بنانى الرباطى والطاهر بن عبد السلام السلوى سفيرين للسلطان مصطفى العثمانى على ما يأتى من التفصيل والبيان.
وفيها خرج السلطان لقبائل الريف، ومر على تطوان وغمارة، فدوخ تلك القبائل إلى كبدانة، ورجع على طريق تازا.
وفى هذه السنة عقد المترجم لنجله أبى الحسن على على ولاية المغرب ووجهه لفاس الجديد.
وفى عام ثمانين ومائة وألف حل المترجم بمكناس، وألقى القبض به على عبد الصادق الريفى، ومائة من أهل الريف، وأودعهم سجون مكناسة، ونهض لطنجة فاستولى على أموال عبد الصادق المذكور وسائر أمتعته، وغرب أهل عصبيته من طنجة إلى المهدية، وكان عددهم ألفا وخمسمائة، وولى عليهم محمد ابن عبد الملك، وأنزل بطنجة من العبيد ألفا وخمسمائة.
وفى هذه السنة بعث السلطان المترجم الرئيس عبد الكريم راغون التطوانى سفيرًا للسلطان مصطفى العثماني بهدية تقابل الهدية الحربية التي كافأ بها سفارة بنانى وابن عبد السلام المتقدمة.
وفى عام واحد وثمانين ومائة وألف، كانت وقعة عمر كلخ رجل من أولاد المرابط الشيخ رحال معه ضرب من السحر أضل به الناس، وقال لهم: أدخلكم
стр. 1361
لبيت المال تأخذون ما فيه، واختلق كرامات استهوى بها بعض الحمقى والمغفلين وكثير ما هم، ومن أجل ذلك اجتمع عليه عدد عديد منهم، ودخل بهم مراكش يريدون القصبة السلطانية فافتتن الناس بذلك.
ولما اتصل الخبر بالمترجم وهو يومئذ ثم وجه إليهم أعوانه، فقبضوا على رأس الفتنة وافترقت جموعه، ولما مثل بين يدى صاحب المترجم أمر بقتله فقتل.
وفى العام ورد عبد الكريم راغون من سفارته لاصطنبول مصحوبا بهدية السلطان مصطفى العثمانى للمترجم، وهى مركب حامل لمدافع ومهاريز وعدة قنابل وغير ذلك مما يأتى ذكره، وكان نزول ذلك بثغر العرايش.
وفيه عقد السلطان مع الدانمرك معاهدة سياسية تجارية سنأتى على نصها.
وفى عام اثنين وثمانين ولى ابن عمه أبا العلا إدريس بن المنتصر عاملا على حاحة، وعقد له على ألفى فارس، وسار إلى أن استوفى منهم الموظف عليهم.
وفيه وجه ولده خليفته أبا الحسن عليا للحج وفى معيته صنوه عبد السلام صغيرا، وزفت معهما أختهما بنت المترجم لسلطان مكة الشريف سرور، وكان في جهازها ما يزيد على مائة ألف دينار من الذهب والجواهر والأحجار الكريمة، ووجه معه هدية للحرمين الشريفين حسبما نفصل ذلك بعد، ووجه معه من وجوه أهل المغرب وأولاد الأمراء وشيوخ القبائل وجملة من حاشيته بالخيول المسومة والأسلحة المذهبة ما تحدث الناس به في الشرق دهرًا، ووجه مع الوفد هدايا لولاة طرابلس ومصر والشام، وكان يوم دخولهم مكة مهرجان عظيم حضره أهل الموسم كلهم.
وفى السنة نكب السلطان المترجم كاتبه المؤرخ أبا القاسم الزيانى وهى نكبته الثانية بعد الأولى التي وقعت له ولأبيه بالينبوع في رحلتهما الحجازية.
قال في الترجمانة الكبرى: "وتقلبت في منصب الكتابة من غربه لشرقه، ولقيت من زعازع أرياحه ورعده وبرقه، إلى أن بلغت كرة الرأس ومضيق العنق،
стр. 1362
ووقفت على دائرة الأفق، في السفر والمقام، مدة من عشر أعوام، ثم حصلت في النكبة، ووقفت على باب الندبة، وأقمت بين الهلك والتلف.
وفى عام اثنين وثمانين ومائة وألف، وهى النكبة الثانية، ولما خلصت من النكبة وكتب لى أمير المؤمنين سيدى محمد ﵀ بعد الطلاق رسم الرجعة وقلدت ديوان كتابته، أقبل على بكليته، وأخلف ما ضاع، وصرت بالمماليك والأتباع، وبلغت أعلى المراتب، وتقلبت في المناصب".
وفيه فتح الجديدة من يد البرتقال على ما يأتى عند ذكر فتوحه.
وفيه جلب السلطان أربعة آلاف من العبيد وأضاف إليهم ألفين وخمسمائة من الودايا وأنزلهم بآكدال من رباط الفتح، وبنى لهم هناك، وعند الضعيف أن ذلك كان سنة ١١٨٧.
وفيها سعى لأهل الجزائر في مفاداة أسراهم مع الإسبان، وأوفد كاتبه الغزال للجزائر لتسلم ذلك وتسليمه.
وفى عام ثلاثة وثمانين وجهت دولة البرتقال لصاحب الترجمة هدية عظيمة، وبعث رسله يطلبون المهادنة فأجابهم لذلك على ما يأتى.
وفيه أوقع بأهل تادلا إذ كانوا بغوا وطغوا، وولى عليهم صالحا ولد الراضى الورديغى، فاستصفى أموالهم وتركهم عالة.
وفيه طلب أهل درعة من صاحب الترجمة أن يولى عليهم الباشا سعيد بن العياشى فساعدهم على ذلك.
وفى عام أربعة وثمانين ومائة وألف أوقع بجروان لعيثهم في الطرقات وتكديرهم المسلم العام فقتل منهم نحو الخمسمائة وجردهم من كل شئ وغربهم لآرغار، فأنزلهم وسط العرب ثم توجه لحصار مليلية.
وفى أول محرم عام خمسة وثمانين ومائة وألف ابتدأ المترجم برمى مليلية بالمدافع والمهاريز، قال في الروضة السليمانية: وحاربها أياما فكتب إليه أمير دولة
стр. 1363
الإصبان يقول إننا عقدنا المهادنة برا وبحرا وهذا عقد الشروط الذى أتى به كاتبكم الغزال تحت أيدينا، فأجابه المترجم بما محصله إننا لم نجعل المهادنة في بر وإنما جعلناهم معكم في البحر، فوجه الأمير المذكور للمترجم عقد الصلح فإذا هو عام برا وبحرا فكف عن محاربتهم، وشرط عليهم حمل مدافعه والمقومات الحربية في مراكبهم بعضها لمرسى طنجة والبعض الآخر للصويرة لما يلحق المسلمين من المشقة في جر ذلك برا فقبل الإصبان الشرط وحملوا ذلك فعلا للمرسيين المذكورتين وارتحلت الجنود الإسلامية عنهم.
هذا ما عند الزيانى في الترجمان المعرب والروضة السليمانية، والذى عند الضعيف، أن المترجم نزل على مليلية في خامس شوال عام ثمانية وثمانين ومائة وألف وأنه حاصرها نحو الثلاثة أشهر.
وقال نجل المترجم المولى عبد السلام صاحب درة السلوك: إن ذلك كان سنة سبع وثمانين، وأنه كان إذ ذاك واليا على مدينة فاس، وأنه صحب والده المترجم في هذه الغزوة مع أخويه أبى الحسن على، وأبى التيسير المأمون، وأن والده لما نزل على مليلية ضايق أهلها وهدم دورها، ثم سعى صاحبها في تجديد المهادنة وبذل مالا جزيلا وعدة من أسارى المسلمين، فساعد المترجم على ذلك، وارتحل عنها وسار إلى مكناسة، وهو عندى أصح لحضوره والله أعلم.
ثم إن المترجم عزل الغزال عن الكتابة لتغفله، وبقى في زوايا الإهمال إلى أن كف بصره ومات ﵀.
وقال في الاستقصا (١) ما نصه: وسمعت من بعض فقهاء العصر وقد جرت المذاكرة في كيفية هذا الصلح، فقال: إن الغزال ﵀ لما أعطى خط يده بالصلح والمهادنة، كتب في الصك ما صورته: وإن المهادنة بيننا وبينكم بحرًا لا برًا، فلما حاز النصارى خط يده كَشَطُوا لاَمَ الألف، وجعلوا مكانها واوًا، فصار
стр. 1364
الكلام هكذا بحرًا وَبَرًّا، وأن السلطان ﵀ إنما أخره لاختصاره الكلام وإجحافه به حتى سهل على النصارى تحريفه، وكان من حقه أن يأتي بعبارة مطولة مفصلة حتى لا يمكن تحريفها فيقول مثلا: والمهادنة بيننا وبينكم إنما هى في البحر، وأما البر فلا مهادنة بيننا وبينكم فيه أو نحو هذا من الكلام، فيصعب تحريفه، وقد نص أهل علم التوثيق على هذا، وأن الموثق يجب عليه أن يبسط الكلام ما استطاع ويتجنب الاختصار المجحف وما يؤدى إليه بوجه من الوجوه والله أعلم هـ.
وفى عام ستة وثمانين عزل قاضى الرباط أبا على الحسن بن أحمد الغربى، وولى مكانه أبا عبد الله محمد بن سعيد الفيلالى، وذلك في رجب وفيه صدر الأمر العالي ببناء مرسى فضالة، وفيه ولى الحاج عبد الوهاب اشكالنطو الأندلسى ثم الرباطى عمالة الرباط.
وفى سنة سبع وثمانين حرك لآيت ومالو بإغراء من بلقاسم الزموري، حيث كانوا امتنعوا من قبوله عاملا عليهم، وطلب من الجلالة السلطانية إمداده بجند يرغمهم به على قبول ولايته، فأعطاه ثلاثة آلاف فارس وضم إليها إخوانه زمور وتوجه إليهم، ولما التقى الجمعان بوادى أم الربيع كانت الهزيمة على الزمورى المذكور، فولى الأدبار وغضب السلطان لذلك وأمر بخروج العسكر، وبحث لأمراء القبائل أعرابا وبرابرة، ولما وردوا على جلالته نهض من مكناسة.
قال أبو القاسم الزيانى في البستان: وكنت معه في تلك الحركة وأنا في حيز الإهمال، أتوقع الموت كل يوم بسبب ما كتب له بلقاسم الزمورى في شأنى وأنى أنا الذى أفسدت عليه القبائل، ولما بلغ السلطان محلة بلقاسم واجتمع به ونزلت تلك العساكر كلها في بسيط واحد بمريرت، أشار على السلطان أن يقسم تلك العساكر على ثلاثة فرق: فرقة بتامساكت، وفرقة بزاوية محمد الحاج، وفرقة تكون معه على طريق تكط، والسلطان ينزل بعساكره بقصبة آدخسان، وتقصدهم العساكر من كل ناحية، وقرب للسلطان البعيد، والحال أنه لا يعرف البلاد.
стр. 1365
ومن الغد افترقت العساكر فتوجه كل لناحيته المعينة له ونحن توجهنا مع السلطان لآدخسان، ولما قطعنا وادى أم الربيع وجه السلطان جدوانا للغارة أمامه ونحن على أثرهم إلى أن بلغوا قصبة آدخسان، فلم يجدوا أحدًا ووقفوا إلى أن وصلهم السلطان فقال لهم:
أين هؤلاء القوم؟ فقالوا ما رأينا أحدًا ولا وجدنا أثرًا، وهذه قصبة آدخسان، فأمر بنزول العساكر وبقى متحيرا، فقال: نادوا فلانا يعنينى، فتوجهت له قبل أن ينزل عن فرسه فقال لى: أتعرف هذه البلاد؟ قلت: نعم أعرفها، فقال: وأين أهلها، قلت: في جبلهم، قال: أو ليس هذا جبلهم آدخسان؟ قلت: لا، هذه قصبة المخزن والجبل هو من تلك الثنايا السود أمام وأريته الثنايا، فقال: وأين الزاوية التي توجهت لها العساكر مع قدور ابن الخضر ومسرور؟ قلت: هى عن يمين تلك الثنايا في البسيط، قال: وأين تاسماكت التي توجهت لها أمم البربر مع محمد وعزيز؟ قلت: بيننا وبينها مرحلتان من وراء تلك الثنايا، قال: ومن أين يأتي بلقاسم؟ فأريته الثنية التي يأتى منها، وقلت: لا يصلنا إلا غدا إن سلم، فقال: وما علمنا؟ فقلت: ضرب في حديد بارد الذى في الزاوية لا ينفع والذى بتاسماكت لا ينفع، وآيت ومالو متحصنون في الجبال، وبلقاسم رجل مشئوم عافى الله مولانا من شؤمه.
فظهر لمولانا نصره الله خلاف ما سمع من بلقاسم وتحقق بفساد رأيه، وعلم أنه أخطأ فيما ارتكبه من الغرر بالمسلمين، وبينت له السبب الذى نفر به آيت ومالو من بلقاسم حتى عرفه، فقال لى: اكتب لزيان يأتون فإنى سامحتهم، فكتبت ووجهت لهم بعض الأشراف من آدخسان مع اثنين من أصحاب السلطان، وساروا إليهم ليلا، ومن الغد أصبح علينا أربعة منهم بهديتهم فدخلت بهم السلطان ففرح بهم وقبل هديتهم، وقال لهم: إنى سامحتكم على وجه كاتبى فلان، ووجههم بالبشارة لإخوانهم وباتت تلك الليلة العساكر كلها بلا علف ولا تبن، ومن الغد
стр. 1366
ظهرت محلة بلقاسم ومعه المختار والعبيد باتوا في الحرب طول ليلتهم، ولما بلغوا أمرنى أن نتوجه لهم وننزل العبيد بجوار السلطان وبلقاسم ينزل مع إخوانه زمور وبنى حكم، وأعرض عنه السلطان وعن الكلام معه، وأمره أن يوجه إخوانه لبلادهم، ووجه القبائل كلها، وفرق ذلك الجمع وارتحل لتادلا.
وأما الذين نزلوا تاسماكت مع محمد وعزيز بيتهم آيت أمالوا وشتتوا جمعهم ونهبوا محلتهم وقتلوا منهم عددا كثيرًا، ورجعوا مناسة مغلولين.
ولما بتنا بالزرهونية ورد علينا أصحاب قدور بن الخضر بكتاب يقول فيه: إن البرابر اجتمعوا علينا من كل ناحية، فإن لم يتداركنا سيدنا هلكنا، فأمرني بالتوجه إليهم والاحتيال في خلاصهم بكل ممكن، ووجه معى مائة من الخيل فرجعت للزاوية فوجدت القبائل محيطة بهم، فاجتمعت بآيت يسرى ووعدتهم من السلطان بالعطاء الجزيل لتجور المحلة في بلادهم فأنعموا بذلك، وحملت المحلة مع الفجر وتركنا بلاد آيت ومالو وقطعنا الوادى لبلاد آيت يسرى، وتوجه معنا نحو المائة من أعيانهم إلى أن أخرجونا لتادلا لوادى تاقبالت ورجعوا عنا، وتقدمت للسلطان فأخبرته بقدوم المحلة وبلوغها لتاقبالت فسره ذلك ودعا لي بخير، وقال: لابد أن ترجع لها الساعة وأعطانى مالا أفرقه عليهم وكتب لهم المنازل لمكناسة، وبها ينتظرهم السلطان فرجعت لهم في الحسين.
ولما كان صباح غد يوم وصولى إليهم فرقت عليهم المال وتوجهوا ورجعت، ثم أصابت السلطان حمى فمرض بتادلا، وكان الطبيب الأديب السيد أحمد آدراق يعالجه ولا يدخل عليه غيره وغير صاحب طعامه الحاج عبد الله، وغيرى في أمور مكاتب الدولة إلى أن عافاه الله فأعطى الطبيب ألف دينار في يوم واحد ﵀.
قال: ثم توجه السلطان لمكناسة وببلوغه قبض على بلقاسم الزمورى ونكبه واستصفى أمواله، وعزله عن زمور، وبنى حكم، وولى عليهم محمد وعزيز
стр. 1367
بإشارتى، ومن ذلك الوقت رفع منزلتى على أبناء جنسى وقدمنى على غيرى، اهـ الغرض منه.
وفى هذه السنة انعقدت بينه وبين البرتغال معاهدة سيأتى ذكرها في بابه.
وفى عام ثمانية وثمانين عزل محمد بن أحمد الدكالى عن القبائل التي كانت إلى نظره ولم يترك له إخوانه أهل دكالة، وولى على السراغنة محمد الصغير وعلى أهل تادلا ولد الراضى، وعلى أولاد أبى رزق صاحب الطابع، وعلى أولاد أبى عطية عمر بن أبى سلهام، وأمر ابن أحمد أن يقبض من إخوانه الذين كانوا عمالا على القبائل ما أكلوا من المال فقبض منهم مائة وخمسين ألفا، وفيه بلغ الزرع سبعة أواق للمد.
وفيه صدر الأمر بإيصال الماء من عين عتيك للرباط، وفيه عزل ابن سعيد الفيلالى عن قضاء الرباط وولى مكانه أبا عيسى المهدى مرينو الرباطى، وفى عاشر رمضان توفى أبو عيسى المذكور، واتفق أهل الرباط على تولية ولده أبى عبد الله محمد.
وفى عام تسعة وثمانين ثار عسكر العبيد على المترجم، وخلعوا ربقة طاعته من أعناقهم، وبايعوا ولده اليزيد، ونشأ بسبب ذلك فتن وأهوال، وكان السبب في ثورتهم أمر المترجم لهم بالرحيل لطنجة وإيعاز القائد الشاهد لهم بما أوجب نفرتهم وانسلاخهم عن الطاعة، وذلك مبسوط في البستان.
وفى عام تسعين ومائة وألف، رحل عن عرب تكنى ومجاط ودوبلال من سوس لسائس، وأقاموا به نحو العام، ثم نقلهم للشراط فهموا بالهروب إلى بلادهم، ولما أحس المترجم بذلك أمر الشاوية بالكون منهم على بلل ومنعهم من المرور.
стр. 1368
وفيه نهض من مراكش للصويرة.
وفيه عم الجراد.
وفيه ثار العبيد الذين بطنجة على قائدهم الشيخ وقائد الأحرار ابن عبد المالك وراموا قتلهما فهربا لآصيلا، ثم راجع العبيد أنفسهم وقبضوا على الفعلة ووجهوا بهم للمترجم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم تفاحش ضرر العبيد بالثغور.
وفى آخر العام نهض المترجم من مراكش وسار إلى أن حل برباط الفتح فوجه للعبيد البغال والجمال، وكتب لهم يأمرهم بالنهوض من الثغور والتخييم بدار اعربى (١)، وواعدهم بتوجيه بغاله إليهم بمجرد وصولهم لمشرع الرمل يحملون عليها أولادهم وأثقالهم إلى مكناسة محل استقرارهم، ولما بلغهم الكتاب المذكور فرحوا واستبشروا، ولما نزلوا بدار اعربى أغرى عليهم بنى حسن وأهل الغرب ونهض هو في القبائل الحوزية ونزل بسوق الأربعاء على مقربة منهم، ومن الغد وجه سفيان وبنى حسن وبنى مالك والخلط وطليق بمحلتهم، وقال لهم: انزلوا على العبيد واجعلوهم وسط محلتكم واستسلموا منهم الخيل والسلاح ثم اقتسموهم كل واحد منكم يأخذ عبدًا وأمة وأولادهما، العبد يحرث ويحصد، والأمة تطبخ وتعجن وتسقى وتحتطب، والولد يسرح، فخذوهم (٢) بارك الله لكم فيهم، فاركبوا خيلهم، واحملوا سلاحهم والبسوا ثيابهم، وكلوا ما عندهم، فأنتم عسكرى (٣).
ففعلوا بهم ذلك عقوبة لهم على ما أجرموا، وانقلب صاحب الترجمة للرباط، وفرق العبيد الذين كانوا عفا عنهم وردهم وكساهم وسلحهم وأعادهم للجندية وفرقهم في الثغور، فانكسرت شوكتهم وصلحت أحوالهم.
стр. 1369
وفى العام فشا القحط وامتد إلى عام ستة وتسعين ومائة وألف، كانت تلك السنون كسنى يوسف أكل الناس فيها حتى ميتة الآدمى، ومات خلق كثير جوعا، والمترجم يعالج أمر الجند بتتابع الرواتب، ورتب لأهل المدن الخبز يفرق على الضعفاء والمساكين في كل حومة، وسلف القبائل أموالا بواسطة أشياخها وزعت على الضعفاء، وكان يعطى للتجار الأموال بقصد جلب الأقوات من الأقطار الشاسعة لإيالته المغربية، ويأمرهم ببيع ما جلبوه بالثمن الذي اشترى به إعانة للمسلمين ورفقا بضعفائهم.
ولما تقلص ظل تلك المجاعة، ورام القبائل رد ما أخذوه على وجه السلف أبى المترجم قبول ذلك منهم، وقال: لم أخرج ذلك بنية الرد، وإنما ذكرت الاستسلاف لئلا يأكل الأكابر والأشياخ تلك الأمور إذا تحققوا عدم الرد، وأسقط عن القبائل الوظائف كلها أربعة أعوام إلى أن عم الخصب (١).
وفى عام واحد وتسعين ومائة وألف وجه ابن عمه وزيره أبا الحسن على بن الفضيل لدرعة لاستيفاء ما بذممهم من الزكوات والأعشار فقتلوه باصغرو، في ذى القعدة من العام، وفى رجب منه توفى قاضى مراكش أبو فارس عبد العزيز العبدلى السكتانى، وفيه جمع المترجم شتات الشبانات الذين كان فرق شملهم في القبائل السلطان الرشيد مار الترجمة.
وفى عام اثنين وتسعين ومائة وألف خسفت الشمس خسوفا كليا حتى ظهرت النجوم ودام ذلك نحو أدراج ثلاثة. قال الضعيف: ثم بدأ انجلاؤها من جهة المغرب، وكان بين الابتداء والتمام ما يقرب من الساعة، وذلك قرب عصر يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى.
стр. 1370
وفى منتصف جمادى الثانية منه ألقى القبض على الباشا محمد القسطالى بمراكش واستولى على جميع أمواله، كما ألقى القبض على ولد الراضى قائد تادلا وقطع يده واستولى على جميع أمتعته، وكان من جملة ما وجد عنده ثلاثون قنطارا فضة، ثم عفا عن القسطالى وسرحه.
وفى العام دخل ماء عين عتيك للرباط.
وفى عام ثلاثة وتسعين كان الجراد المنتشر ووقع في البقر موت كثير حتى كاد أن يعدم وذلك لتوالى المحول.
وفى عام أربعة وتسعين ومائة وألف أمر بإخراج العبيد من رباط الفتح، وكانوا يعدون بنحو سبعة آلاف وسبعمائة، فلم يسعهم غير الامتثال، وفى شوال نهض لمكناس ولما نزل بقرميم أمر بإخراج من بقى من العبيد بالرباط، ولم يترك غير عبيد تافيلالت، وكان عددهم يقرب من خمسمائة، ثم نهض إلى مراكش وفيه عقد لنجله البار المولى أبى محمد عبد السلام على السوس الأقصى ودرعة.
وفى عام خمسة وتسعين ومائة وألف أوقع بأولاد أبى السباع لخروجهم عن الجادة وارتكابهم ما لا يليق، وقتل منهم عددًا كبيرًا وتفرق باقيهم في القبائل، منهم من قصد لوادى نول، ومنهم من ذهب للساقية الحمراء وبقيت الباقية منهم تتكفف بأحواز مراكش وغيرها جزاء بما كانوا يعملون.
وفيه رحل أولاد دليم من بلادهم وأنزل بها زرارة والشبانات.
وفى صبيحة يوم الأربعاء ثامن عشرى شوال العام كسفت الشمس.
وفى العام انحبس المطر وصلى الناس في الرباط صلاة الاستسقاء، وكان الخطيب أبو محمد عبد الله البنانى، ثم أعيدت والخطيب أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم السجلماسى فأمطروا ورحم الله العباد.