ظهرت محلة بلقاسم ومعه المختار والعبيد باتوا في الحرب طول ليلتهم، ولما بلغوا أمرنى أن نتوجه لهم وننزل العبيد بجوار السلطان وبلقاسم ينزل مع إخوانه زمور وبنى حكم، وأعرض عنه السلطان وعن الكلام معه، وأمره أن يوجه إخوانه لبلادهم، ووجه القبائل كلها، وفرق ذلك الجمع وارتحل لتادلا.
وأما الذين نزلوا تاسماكت مع محمد وعزيز بيتهم آيت أمالوا وشتتوا جمعهم ونهبوا محلتهم وقتلوا منهم عددا كثيرًا، ورجعوا مناسة مغلولين.
ولما بتنا بالزرهونية ورد علينا أصحاب قدور بن الخضر بكتاب يقول فيه: إن البرابر اجتمعوا علينا من كل ناحية، فإن لم يتداركنا سيدنا هلكنا، فأمرني بالتوجه إليهم والاحتيال في خلاصهم بكل ممكن، ووجه معى مائة من الخيل فرجعت للزاوية فوجدت القبائل محيطة بهم، فاجتمعت بآيت يسرى ووعدتهم من السلطان بالعطاء الجزيل لتجور المحلة في بلادهم فأنعموا بذلك، وحملت المحلة مع الفجر وتركنا بلاد آيت ومالو وقطعنا الوادى لبلاد آيت يسرى، وتوجه معنا نحو المائة من أعيانهم إلى أن أخرجونا لتادلا لوادى تاقبالت ورجعوا عنا، وتقدمت للسلطان فأخبرته بقدوم المحلة وبلوغها لتاقبالت فسره ذلك ودعا لي بخير، وقال: لابد أن ترجع لها الساعة وأعطانى مالا أفرقه عليهم وكتب لهم المنازل لمكناسة، وبها ينتظرهم السلطان فرجعت لهم في الحسين.
ولما كان صباح غد يوم وصولى إليهم فرقت عليهم المال وتوجهوا ورجعت، ثم أصابت السلطان حمى فمرض بتادلا، وكان الطبيب الأديب السيد أحمد آدراق يعالجه ولا يدخل عليه غيره وغير صاحب طعامه الحاج عبد الله، وغيرى في أمور مكاتب الدولة إلى أن عافاه الله فأعطى الطبيب ألف دينار في يوم واحد ﵀.
قال: ثم توجه السلطان لمكناسة وببلوغه قبض على بلقاسم الزمورى ونكبه واستصفى أمواله، وعزله عن زمور، وبنى حكم، وولى عليهم محمد وعزيز
стр. 1367
بإشارتى، ومن ذلك الوقت رفع منزلتى على أبناء جنسى وقدمنى على غيرى، اهـ الغرض منه.
وفى هذه السنة انعقدت بينه وبين البرتغال معاهدة سيأتى ذكرها في بابه.
وفى عام ثمانية وثمانين عزل محمد بن أحمد الدكالى عن القبائل التي كانت إلى نظره ولم يترك له إخوانه أهل دكالة، وولى على السراغنة محمد الصغير وعلى أهل تادلا ولد الراضى، وعلى أولاد أبى رزق صاحب الطابع، وعلى أولاد أبى عطية عمر بن أبى سلهام، وأمر ابن أحمد أن يقبض من إخوانه الذين كانوا عمالا على القبائل ما أكلوا من المال فقبض منهم مائة وخمسين ألفا، وفيه بلغ الزرع سبعة أواق للمد.
وفيه صدر الأمر بإيصال الماء من عين عتيك للرباط، وفيه عزل ابن سعيد الفيلالى عن قضاء الرباط وولى مكانه أبا عيسى المهدى مرينو الرباطى، وفى عاشر رمضان توفى أبو عيسى المذكور، واتفق أهل الرباط على تولية ولده أبى عبد الله محمد.
وفى عام تسعة وثمانين ثار عسكر العبيد على المترجم، وخلعوا ربقة طاعته من أعناقهم، وبايعوا ولده اليزيد، ونشأ بسبب ذلك فتن وأهوال، وكان السبب في ثورتهم أمر المترجم لهم بالرحيل لطنجة وإيعاز القائد الشاهد لهم بما أوجب نفرتهم وانسلاخهم عن الطاعة، وذلك مبسوط في البستان.
وفى عام تسعين ومائة وألف، رحل عن عرب تكنى ومجاط ودوبلال من سوس لسائس، وأقاموا به نحو العام، ثم نقلهم للشراط فهموا بالهروب إلى بلادهم، ولما أحس المترجم بذلك أمر الشاوية بالكون منهم على بلل ومنعهم من المرور.
стр. 1368
وفيه نهض من مراكش للصويرة.
وفيه عم الجراد.
وفيه ثار العبيد الذين بطنجة على قائدهم الشيخ وقائد الأحرار ابن عبد المالك وراموا قتلهما فهربا لآصيلا، ثم راجع العبيد أنفسهم وقبضوا على الفعلة ووجهوا بهم للمترجم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم تفاحش ضرر العبيد بالثغور.
وفى آخر العام نهض المترجم من مراكش وسار إلى أن حل برباط الفتح فوجه للعبيد البغال والجمال، وكتب لهم يأمرهم بالنهوض من الثغور والتخييم بدار اعربى (١)، وواعدهم بتوجيه بغاله إليهم بمجرد وصولهم لمشرع الرمل يحملون عليها أولادهم وأثقالهم إلى مكناسة محل استقرارهم، ولما بلغهم الكتاب المذكور فرحوا واستبشروا، ولما نزلوا بدار اعربى أغرى عليهم بنى حسن وأهل الغرب ونهض هو في القبائل الحوزية ونزل بسوق الأربعاء على مقربة منهم، ومن الغد وجه سفيان وبنى حسن وبنى مالك والخلط وطليق بمحلتهم، وقال لهم: انزلوا على العبيد واجعلوهم وسط محلتكم واستسلموا منهم الخيل والسلاح ثم اقتسموهم كل واحد منكم يأخذ عبدًا وأمة وأولادهما، العبد يحرث ويحصد، والأمة تطبخ وتعجن وتسقى وتحتطب، والولد يسرح، فخذوهم (٢) بارك الله لكم فيهم، فاركبوا خيلهم، واحملوا سلاحهم والبسوا ثيابهم، وكلوا ما عندهم، فأنتم عسكرى (٣).
ففعلوا بهم ذلك عقوبة لهم على ما أجرموا، وانقلب صاحب الترجمة للرباط، وفرق العبيد الذين كانوا عفا عنهم وردهم وكساهم وسلحهم وأعادهم للجندية وفرقهم في الثغور، فانكسرت شوكتهم وصلحت أحوالهم.
стр. 1369
وفى العام فشا القحط وامتد إلى عام ستة وتسعين ومائة وألف، كانت تلك السنون كسنى يوسف أكل الناس فيها حتى ميتة الآدمى، ومات خلق كثير جوعا، والمترجم يعالج أمر الجند بتتابع الرواتب، ورتب لأهل المدن الخبز يفرق على الضعفاء والمساكين في كل حومة، وسلف القبائل أموالا بواسطة أشياخها وزعت على الضعفاء، وكان يعطى للتجار الأموال بقصد جلب الأقوات من الأقطار الشاسعة لإيالته المغربية، ويأمرهم ببيع ما جلبوه بالثمن الذي اشترى به إعانة للمسلمين ورفقا بضعفائهم.
ولما تقلص ظل تلك المجاعة، ورام القبائل رد ما أخذوه على وجه السلف أبى المترجم قبول ذلك منهم، وقال: لم أخرج ذلك بنية الرد، وإنما ذكرت الاستسلاف لئلا يأكل الأكابر والأشياخ تلك الأمور إذا تحققوا عدم الرد، وأسقط عن القبائل الوظائف كلها أربعة أعوام إلى أن عم الخصب (١).
وفى عام واحد وتسعين ومائة وألف وجه ابن عمه وزيره أبا الحسن على بن الفضيل لدرعة لاستيفاء ما بذممهم من الزكوات والأعشار فقتلوه باصغرو، في ذى القعدة من العام، وفى رجب منه توفى قاضى مراكش أبو فارس عبد العزيز العبدلى السكتانى، وفيه جمع المترجم شتات الشبانات الذين كان فرق شملهم في القبائل السلطان الرشيد مار الترجمة.
وفى عام اثنين وتسعين ومائة وألف خسفت الشمس خسوفا كليا حتى ظهرت النجوم ودام ذلك نحو أدراج ثلاثة. قال الضعيف: ثم بدأ انجلاؤها من جهة المغرب، وكان بين الابتداء والتمام ما يقرب من الساعة، وذلك قرب عصر يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى.
стр. 1370
وفى منتصف جمادى الثانية منه ألقى القبض على الباشا محمد القسطالى بمراكش واستولى على جميع أمواله، كما ألقى القبض على ولد الراضى قائد تادلا وقطع يده واستولى على جميع أمتعته، وكان من جملة ما وجد عنده ثلاثون قنطارا فضة، ثم عفا عن القسطالى وسرحه.
وفى العام دخل ماء عين عتيك للرباط.
وفى عام ثلاثة وتسعين كان الجراد المنتشر ووقع في البقر موت كثير حتى كاد أن يعدم وذلك لتوالى المحول.
وفى عام أربعة وتسعين ومائة وألف أمر بإخراج العبيد من رباط الفتح، وكانوا يعدون بنحو سبعة آلاف وسبعمائة، فلم يسعهم غير الامتثال، وفى شوال نهض لمكناس ولما نزل بقرميم أمر بإخراج من بقى من العبيد بالرباط، ولم يترك غير عبيد تافيلالت، وكان عددهم يقرب من خمسمائة، ثم نهض إلى مراكش وفيه عقد لنجله البار المولى أبى محمد عبد السلام على السوس الأقصى ودرعة.
وفى عام خمسة وتسعين ومائة وألف أوقع بأولاد أبى السباع لخروجهم عن الجادة وارتكابهم ما لا يليق، وقتل منهم عددًا كبيرًا وتفرق باقيهم في القبائل، منهم من قصد لوادى نول، ومنهم من ذهب للساقية الحمراء وبقيت الباقية منهم تتكفف بأحواز مراكش وغيرها جزاء بما كانوا يعملون.
وفيه رحل أولاد دليم من بلادهم وأنزل بها زرارة والشبانات.
وفى صبيحة يوم الأربعاء ثامن عشرى شوال العام كسفت الشمس.
وفى العام انحبس المطر وصلى الناس في الرباط صلاة الاستسقاء، وكان الخطيب أبو محمد عبد الله البنانى، ثم أعيدت والخطيب أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم السجلماسى فأمطروا ورحم الله العباد.
стр. 1371
وقد كان المترجم في زمن المحل يحسن ويصل العامة والخاصة بما يسد خللهم.
وفيه أمر القائد الهاشمى السفياني بالنزول على وزان فقبض من أبى العباس أحمد بن الطيب نحو العشرين قنطارا، ودفع ما كان لديه من الحلى والجواهر.
وفى ذى الحجة منه توجه الكاتب ابن عثمان من مراكش في سفارته لمالطة ونابلى.
وفى عام ستة وتسعين ومائة وألف زاد الأمر شدة وتجلى الله سبحانه على عباده بالقهر والجلال والكبرياء والمترجم يكابد المشاق العظام في ذلك التجلى المفزع ويصرف الأموال ذات البال في الجيوش والرعية ويوالى التبرعات.
وفى عام سبعة وتسعين ومائة وألف مطر المغرب ونجح الحرث وكثر الخصب ورخصت الأسعار وتجلى المولى سبحانه لعباده بصفة الجمال والكمال واشتغل المترجم بتمهيد الدولة ورتق ما انفتق منها (١).
وفيه حاصر آيت يمور ومن القبائل البربرية بجبل زرهون إلى أن أخرجهم منه وأنزلهم بحوز البهاليل من فحص سايس، وأكل زروعهم لطغيانهم في البلاد، وإذايتهم للعباد، وقبض على الدعى محمد والحاج اليمورى وقتله.
وفيه توجه لباغية آيت يوسى فتحصنوا ببعض جبال فازاز، وظنوا المنعة فحاصرهم واقتحم عليهم حصونهم وفرق أحزاب ضلالهم ونهبت زروعهم واستؤصلت ضروعهم وتركوا عالة على القبائل، وذلك يوم الأحد الثالث عشر من رجب العام، وبعد رضوخهم للطاعة وهم صاغرون رجع صاحب الترجمة لفاس.
стр. 1372
وفى سابع عشرى رجب المذكور نهض من فاس ووجهته تافيلالت في اثنى عشر ألف جندى ما بين فرسان ورماة. قال الضعيف: وكان للفارس خمسة أواق مياومة وللراجل نصفها كذلك مدة حركتهم معه هذه.
وكان نهوضه هذا لتافيلالت بعد أن وجه ولده المولى يزيد للحج دفعا لما يخشى منه وأصحبه أمينا يصير عليه وأناسا لخدمته.
ولما أشرف على تافيلالت فر من حولها من البرابر كالنازلين بمطغرة، ووادى الرتب، وقصر السوق، وأولاد عيسى، والدويرة وأخرج عمه المولى الحسين منها، ووجه به لمكناسة وأتبع به أولاده انتقاما منه حيث إنه رام شق العصا وتفريق كلمة المسلمين بالدعاية لنفسه بالإمامة، وهدم قصبته المعروفة بأولاد جبور، وتامورارت ولم يغنه ما كان له من الجاه والوجاهة بتلك الناحية، حتى إنه كان لا يمكن إبرام أمر بتافيلالت إلا بموافقته.
وقد كان عفا الله عنه يرتكب أمورا شنيعة، منها أنه تسبب في خراب دار ابن أخيه المولى الشريف بن زين العابدين، وأغرى البربر عليه حتى اقتحموا داره وقتلوه صبرا، ومنها قتله أبناء أخيه المولى يوسف بن إسماعيل وذلك سنة اثنتين وستين ومائة وألف، ولم يزل عمله جاريا على نحو ما ذكر من الموبقات العظام إلى هذه السنة التي أخرجه المترجم من موطن عزته فيها.
ثم قبض المترجم على ما يزيد على العشرين قنطارا من خصوص أهل الغرفة، وما يزيد على المائة قنطار من أهل تافيلالت، ومن أهل وادى المالح وما يليه ستة عشر قنطارا، ومن أهل تابو عصامت وما يليها ستة عشر قنطارا، ومثل ذلك من أهل السيفة وما يليها، وهد قصبتهم بوصاية من أبيه، وكان هَدّه لها آخر ذى القعدة من العام.
стр. 1373
ثم ارتحل لمراكش بعد أن أقام بتافيلالت شهرا، وحسم داء آيت عطية، وآيت يفلمال وولى عليهم القائد على بن حميدة الزرارى، وكان رجوعه لمراكش على طريق، ومن الغد رفع الله تلك الثلوج وأصبح اليوم عيد الأضحى، فخطب السلطان الناس بنفسه، ودعا للسلطان عبد الحميد العثمانى ثم قام فدخل مراكش.
وفى العام نفسه وجه ولده أبا محمد عبد السلام لأداء فريضة الحج حيث إنه كان عام حجه مع أخيه المولى على لم يبلغ الحلم حسبما أشرنا لذلك، ووجه في معيته للحجار أموالًا تفرق في أناس عينهم نذكرهم فيما يأتى لنا بعد بغاية الإيضاح بحول الله.
وفى عام ثمانية وتسعين ومائة وألف وجه أموالًا إضافية لتصان بقصبته التي بالرصانى من تافيلالت، ووجه لمن هنالك من الأشراف الكسوة ورتب لهم في كل سنة مائة ألف مثقال، ووجه ابن عمه وصهره المولى عبد المالك بن إدريس للحج وفى معيته الكاتبان أبو عبد الله محمد بن عثمان، وأبو حفص عمر الوزير، والحاج عبد الكريم بن يحيى أمير الركب، ووجه معهم هدية نقدية لها بال لأهل الحرمين والحجار واليمن بعد أن يذهبوا لاصطنبول أولا، وكتب للسلطان العثمانى أن يوجههم مع أمير صرته الذى يذهب إلى الحرمين الشريفين كل سنة، فلما بلغوا حضرته وجدوا أمير الصرة قد سافر فأقاموا إلى الموسم القابل وسافروا مع الركب.
وفى عام تسعة وتسعين ومائة وألف، نهض لثغر الصويرة (١)، وكان وصوله إليها يوم السبت سادس عشر ربيع الثانى ودخل لجامع قصبتها وصلى به العصر، واجتمع بمن بها من العلماء فاسيين وسوسيين وغيرهم، وأقام بها أياما ثم نهض وسار إلى أن حل بالدار البيضاء، ولما شاهد مرساها أعجبته فأصدر أمره ببنائها، وولى على الشاوية القائد عبد الله الرحماني بعد أن سرحه من السجن، ثم ارتحل
стр. 1374
إلى ثغر الرباط، وكان حلوله به يوم الخميس فاتح ذى الحجة، فقصد أولا جامع السنة، حيث كان الفقهاء والعلماء في انتظاره، ولما أقبل عليهم استفتحوا قراءة سورة: إنا فتحنا، وبعد أن فرغ من تحية المسجد جلس أمام المحراب والطلبة محدقون به وبعد ختم السورة المذكورة وتقديم تحياتهم إليه توجه لقصوره، ونزلت المحلة خارج المدينة، وأقام هو بالرباط أربعة أشهر، وقام أهل العدوتين بضيافته وتقديم فاخر الأطعمة إليه، وهو يصل كل من أتاه بشئ من الطعام بصلات من عشرة مثاقيل إلى عشرين.
وفى عام مائتين وألف، أوقع بأهل أبى جعد وقعة عظيمة، واستصفى أموالهم وخرب دورهم، وذلك يوم الأحد الثانى عشر من ربيع الثانى لإيوائهم أهل الزيغ والفساد، وسعيهم في إيقاد نار الفتن، وتعدد صدور النهى لهم عن ذلك فلم ينتهوا، ثم بعد ذلك نهض لمراكش، وأنهض معه أبا حامد العربي بن المعطى الشرقى للاستيطان بمراكش والتغريب عن محل الفتن فاستوطنها، وصار يدرس بجامع الكتبيين منها.
وفى يوم الأحد الثالث عشر من ذى الحجة بارح المترجم مراكش، وفى يوم الاثنين ثانى عشرى الشهر خيم بإزاء وادى يكم، وفى يوم الثلاثاء الثالث والعشرين منه حل بالرباط، وفى العام وجه كاتبه المؤرخ أبا القاسم الزيانى سفيرا للسلطان عبد الحميد العثمانى كما سنشرح ذلك بعد.
وفى عام واحد ومائتين وألف، نهض من رباط الفتح ووجهته مكناسة، وذلك يوم السبت حادى عشرى ربيع الثانى، وفى يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى نهض من العاصمة المكناسية لفاس وأقام به ثلاثة أيام، ثم ارتحل منه يوم السبت ثالث عشر الشهر يريد تافيلالت، وسار إلى أن دخلها يوم الجمعة السادس عشر من جمادى الأولى، وأقام بها نحو شهر، وعم ببذله الذهب والفضة سائر
стр. 1375
الطبقات الشرفاء والعلماء من الخنك إلى أقصى تافيلالت، وزوج الأرامل وغيرهم، وأعطى لكل عروس خمسين مثقالا ذهبا، وحسم مادة الفساد من تلك البلاد، ثم نهض لمراكش يوم السبت خامس عشرى جمادى الثانية وسار إلى أن دخلها أوائل رجب، وفى العام وجه كاتبه ابن عثمان آتى الترجمة سفيرا للقسطنطينية العظمى حسبما سنوضحه بعد.
وفى عام اثنين ومائتين وألف نهض من مراكش قاصدا فاسا، حيث بلغه عيث شراكة وسعيهم في الأرض الفساد، ولم يزل يطوى المراحل إلى أن دخل مكناسا، ثم في يوم الجمعة فاتح رمضان نهض لفاس ولما اتصل الخبر بشراكة فروا لجبل أمركو واستجاروا بضريح أبى الشتاء، فاقتفى أثرهم بجنوده، ولما التقى الجمعان شبت بينهما حرب هلك فيها خلق ثم انهزمت شراكة شر هزيمة ومزقوا كل ممزق، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.
وفى أوائل رمضان نهض من بلاد شراكة بعد أن تابوا وأنابوا، ونزل بايناون من بلاد الحياينة، وبعث الجيوش تحت القائد العباس السفيانى لناحية القبائل الريفية بقصد زاوية بنى توزين المنسوبة للشيخ أبى عبد الله محمد بن ناصر الدرعى، ولما أحسوا بورود الجيوش إليهم هربوا لموضع حصين تحصنوا به، فدخل الجيش السلطانى الزاوية واستولى على جميع أقواتها وذخائرها وهَدَّها هَدًّا كما هَدَّ روضة الشيخ أبى محمد عبد الله، وروضة ولده الشيخ أبى عبد الله محمد.
ولم يزل المترجم مقيما بايناون إلى أن صام رمضان وأقام سُنَّة عيد الفطر، ثم رحل لفاس، ونزل بدار دبيبغ، وأقام بها نحوا من تسعة أشهر.
ثم بلغه رفض أهل تامسنا طاعة عاملهم صهره القائد عبد الله بن محمد الرحمانى وبالأخص أمزاب، والبعض من الشاوية، فنهض في القبائل البربرية وسار إلى أن وصل مكناسة، ثم بارحها يوم الثلاثاء خامس عشرى رجب، وسار
стр. 1376
إلى أن وصل الرباط ضحى يوم السبت تاسع عشرى رجب، وفى يوم الأحد رابع شعبان نهض من الرباط ووجهته الشاوية، وأوقع بالمعتدين منهم وقعة لم يتقدم لها نظير، قطع فيها سبعمائة رأس من رؤسائهم المفسدين، وقبض على مائتين، وكانت هذه الواقعة يوم الثلاثاء ثالث عشرى شعبان، ثم نهض إلى مراكش وسار إلى أن حل بها يوم الأربعاء.
وفى رابع عشرى ذى القعدة تبرأ المترجم من عهدة ولاية أى أحد، وأحضر العلماء وأمرهم بالإشهاد عليه بذلك، ونص الاشهاد على ما في تاريخ الضعيف:
"الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما".
وبعد: فإن مولانا أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أيده الله بتوفيقه، ومنحه كرامة سلسبيله ورحيقه، تبرأ من عهدة تولية أحد مرتبة من مراتب الدين، وأنه التزم هذا الأمر التزاما أذاعه وأفاضه، وألزم نفسه العمل بمقتضاه، وصدر منه هذا الأمر الشريف هروبا بنفسه لساحل السلامة، ولقوله ﷺ : أحب أن ألقى الله وليس لأحدكم قبلى مظلمة، والله تعالى يتولاه بتوفيقه ورضاه، أشهد عليه أيده الله بذلك من أشهده على نفسه، وهو يمحل ولايته ومقعد حكومته برابع عشرى ذى العقدة الحرام عام ثلاثة ومائتين وألف: أفقر الورى لله تعالى محمد بن قاسم السجلماسى وفقه الله بمنه، وعبد ربه تعالى محمد بن العباس الشرادى لطف الله به، وعبد ربه تعالى محمد بن أحمد الخطاب خار الله له يمنه، الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله محمد العربى ابن المعطى بن صالح، وفقه الله للعمل الصالح، وعبد ربه إبراهيم بن أحمد الزداغى، وعبيد ربه تعالى محمد الدرعى خار الله له في الدارين، وعبيد ربه تعالى محمد بن عبد العزيز غفر الله له آمين، وعبيد ربه أحمد بن العباس الشرادى، وعبيد ربه تعالى
стр. 1377
محمد السلامى لطف الله به آمين، وعبيد ربه تعالى العباس بن على غفر الله له، وعبيد ربه أحمد بن عبد العزيز وفقه الله بمنه، وعبيد ربه تعالى عبد القادر بن المعطى الشرقاوى لطف الله به بمنه، وعبيد ربه محمد وفقه الله، وعبيد ربه تعالى محمد بن يعقوب وفقه الله آمين" بلفظه.
ثم بعث بهذا العقد لجميع مدن المغرب، وأخذ في غلق أبواب دار دبيبغ وتخريبها، ونزع الأبواب الخشبية وغير ذلك من الأنقاض.
وفى العام نفسه وجه له السلطان عبد الحميد خان كاتب ديوانه أبا العباس أحمد أفندى وجملة من أعيان القسطنطينية بهدية فاخرة، سيأتى ذكر ما اشتملت عليه.
وفى عام ثلاثة ومائتين وألف نهض المترجم من العاصمة المكناسية وذلك يوم الثلاثاء خامس عشرى رجب العام، وسار إلى أن خيم بقرميم، وفى ضحى يوم السبت حل بالثعر الرباطى، وفى يوم الأحد رابع شعبان بارح الثغر المذكور وسار إلى أن وصل الشاوية وأوقع بفرقة امزاب منها شر وقعة لعصيانهم ومؤازرتهم للنهاب قطاع الطريق الساعين في الأرض الفساد، واقتناعهم من تسليمهم للحضرة السلطانية بعد ما أمروا بذلك مرات، وحذروا فلم يزدهم التحذير إلا إغراء.
كما أوقع بجيرانهم بنى مسكين لإيوائهم إليهم بعد أن نهوا عن ذلك وحذروا وأنذروا، وبعد أن طهر الأرض من أهل الفساد والعبث توجه إلى عاصمة الجنوب، وكان حلوله بها يوم الأربعاء رابع عشرى شعبان المذكور، وبعد حلوله بها أصدر أوامره لبحرية العدوتين بالتوجه للعرائش وزخرفة السفن الأربعة التي كان عينها من جملة الهدية التي هيأها للسلطان عبد الحميد خان العثمانى، وأسند الأمر في القيام بشئون ذلك لناظر الأوقاف الطالب المكي بار كاش، وفى منصرم
стр. 1378
الشهر وجه صاحب الترجمة صهره القائد محمد الزوين بن عبد الله الرحمانى بالهدية التي من جملتها السفن المذكورة.
وفى عام أربع ومائتين وألف، أمر حاجبه أبا عبد الله محمد قادوس أفندى بالإتيان إليه بما في بيت مال تطاوين، ووضعه بمكناس ولما ورد به إليها أحضر الأمناء ووضعه بمحضرهم في المحل الذى أمر بوضعه فيه.
وفى العام تفاحش أمر اليزيد نجل المترجم، واشتدت شوكته، وفى يوم الاثنين الثانى عشر من رجب نهض صاحب الترجمة من مراكش لينظر في أمر ولده المذكور، وفيه كان ابتداء المرض الذى كانت منيته به.
محبته للعلم واعتناؤه بأهله
لقد كان له ﵀ اعتناء زائد زمن خلافته بمطالعة كتب الأدب والتاريخ والسياسة وأحوال العرب وأيامها ووقائعها وأنسابها حتى فاق في ذلك معاصريه، وصار المرجوع إليه فيه، قال الزيانى وغيره ممن عاصره وخالطه: كان يستحضر كل ما يطالعه حتى كاد أن يحفظ كتاب الأغاني برمته لا يعزب عنه منه إلا النادر.
ولما نال الخلافة العظمى عن جدارة واستحقاق، أكب على مطالعة كتب السنة وولع بسرد كتب السيرة والحديث، وصار لا شغل له بغيرها في أوقات فراغه من الأحكام وتدبير أمور الرعية، فحصلت له بذلك ملكة في السنة وأحكامها لم يلحقه فيها غيره، وجلب من المشرق ما لم يكن بالمغرب من مصنفاتها ذات البال، كمسند الإمام أحمد، ومسندى أبى حنيفة والشافعى، وغير ذلك من مهم المتون والشروح، وأمر علماء وقته بشرح مؤلف الصغانى الحديثى، فكان ممن شرحه الشيخ التاودي بن سودة.
وكان بعد صلاة الجمعة يجلس بمقصورة الجامع مع فقهاء مراكش ومن يحضر عنده من علماء المغرب الوافدين عليه يجالسهم إكراما لهم وتنويها بقدرهم
стр. 1379
ويذاكرهم في الحديث وفقهه والآداب وأيام العرب، وكانت له اليد الطولى في جميع ذلك، وكان يحصل له النشاط التام بالمذاكرة معهم في العلوم، وكثيرا ما يقول لهم على سبيل التأسف: والله لقد ضيعنا أعمارنا في البطالة واللهو في حالة الشبيبة.
ورتب أوقاتا لسرد الأحاديث النبوية والتفهم في معانيها مع قادة علماء وقته وضبطها ضبطا محكما لا يكاد يتخلف وقت منها، وانتقى جماعة من أعيان فحول علماء دولته لسمره ومجالسته، فكان يملى عليهم الحديث النبوى ويؤلفونه على مقتضى ما يشير عليهم به، منهم العلامة الحجة أبو عبد الله محمد بن أحمد الغربى الرباطى، وأبو عبد الله محمد بن المسير السلوى، وأبو عبد الله محمد الكامل الراشدى، وأبو زيد عبد القادر بوخريص، وأبو محمد بن عبد الصادق، وأبو الحسن على بن أويس الفيلالى، وأبو محمد عبد السلام بن بوعزى حركات السلوى، هؤلاء هم المخصوصون من أهل مجلسه بالتأليف والدراسة والخوض في جمع ما يملى عليهم، ويأمر بتدوينه طبق ما يريد.
وجلب المحدثين من فاس ومكناس لمراكش، كالعلامة الشريف مولاى عبد الله المنجرة أخ مولاى عبد الرحمن، والفقيه الأديب أبى عبد الله محمد بن الشاهد، نقلهما إليها من فاس، وأبى العباس أحمد بن عثمان مار الترجمة نقله إليها من مكناس، والسيد محمد بن عبد الرحمن الشريف نقله إليها من تادلا، وأبى الفضل الطاهر السلوى، والشيخ الطاهر بن عبد السلام فرقهم على مساجد مراكش لتدريس العلم ونشره بين العباد، ثم يحضرون مجالسه بعد صلاة الجمعة للمذاكرة في الحديث والتفهم في معناه، وكان له اعتناء خاص بمولاى عبد الله المنجرة، وأخيه مولاى عبد الرحمن.
стр. 1380
[صورة]
ظهير سيدى محمد بن عبد الله لأبى مدين الفاسى في إسناد أمر زاويتهم الفاسية إليه
стр. 1381
قال أبو محمد عبد السلام نجل صاحب الترجمة في مؤلفه "اقتطاف الأزهار من حدائق الأفكار": وكان والدى نصره الله، وأدام لنا وللمسلمين علاه حريصا على تعليم أولاده، تابعا في ذلك سنة آبائه وأجداده، يجلب العلماء لحضرته السعيدة، المباركة الحميدة، ويحث على تعليم العلم في سائر القرى والمدن ويكرم الأعلام، وهو نصره الله مشارك في جميع الفنون العظام، قد وسع أهل العلم إنعاما وإحسانا، وعطاء وامتنانا، يعلى مجالسهم، ويستخرج نفائسهم، ويكثر جوائزهم، ويقضى حوائجهم، وله مع الفقهاء مذاكرات ومحادثات في سائر الأيام، وممر الدهور والأعوام، فيلقى عليهم من المسائل المشكلات في الحديث والسير والأخبار وضروب من الفنون العربية، ونكت من المقطعات الأدبية، فلا يهتدون إليها إلا بعد الاطلاع، وسواء في ذلك ذو العارضة أو قصير الباع. هـ
وحبس خزانة كتب جده السلطان الأعظم أبى النصر إسماعيل التي كانت بدويرة الكتب الشهيرة بمكناس، وفرقها على جميع مساجد المغرب، وكانت تزيد على الاثنى عشر ألف مجلد، رجاء نفع عموم الناس وسعيا وراء نشر العلم وتحصيله.
ومن ذيول هذا الباب ما أصدره لأبى مدين الفاسى في إسناد أمر زاويتهم الفاسية إليه مع الخطبة والإمامة بالقرويين، ونص ذلك بعد البسملة والصلاة:
"عن أمر عبد الله الغالب بالله المعتمد على الله الناصر لدين الله المفوض جميع أموره إلى مولاه، في سره ونجواه، أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين (ثم الطابع بداخله محمد بن عبد الله بن إسماعيل الله وليه ومولاه وبدائرته ومن تكن إلخ) أيد الله أمره وسلطانه، وقوى على حزب الشرك أنصاره وأعوانه، وأسس على قواعد التقوى رواياه وأركانه، وحرس بعينه التي لا تنام إيالته وأوطانه، وأسعد عصره وأوانه، يستقر هذا الظهير الكريم المبارك الجسيم،
стр. 1382
والخطاب الحتم الصميم، المتلقى بالإجلال والتعظيم، المحفوف باليمن والإقبال ذلك قولا من رب رحيم، الحافظ نظام العز الشامخ البناء، واللاحظ المعتمد عليه بعين القبول والاعتناء، والمجد مراسم الاعتلاء، لفضلاء الأبناء المتوارث عن جلة الآباء، أصدره أيده الله تكميلا للمقاصد، وإجزالا لعارفة النعم الحميدة المصادر والموارد، وتنويها بما ثبت واستمر من الصنع الذى انتشر نشره، وفاح عطره، في المحافل والمشاهد، بيد حامله الفقيه العلامة، الشهير بالديانة والاستقامة، وارث سر أسلافه، ومن يكاد العلم والعمل ينبعان من أغصانه وأعطافه، حتى صار الهدى والرشاد من ذاتياته وأوصافه، محبنا في الله وخلاصتنا من أجله سيدى أبى مدين العالم الأكبر، والعلم الأشهر، سيدى أحمد بن العالم الناسك، الواعظ المشارك، النور الشارق، الذائع سر فضله في المغارب والمشارق، سيدى محمد بن إمام العلماء والزهاد، ورئيس النقباء والأصفياء والأوتاد، وجودى الاقتداء، ومنار الاهتداء، في الحياة والمعاد، من تأرجت بعلمه، وتتوجت بدقيق فهمه بطون الدفاتر، وذرى المنابر، ومتن الكراسى صاحب البركات، وذو الكرامات، سيدى عبد القادر الفاسى، رحم الله أشباحهم، وأبد في الفردوس والنعيم نفوسهم الكريمة وأرواحهم، آمين.
يتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه وبركته وجميل مواهبه اللدنية ونصرته، أنا جددنا له ولبنيه، وأهله وذويه، حكم ما بأيديهم من الظهائر السلطانية، والأوامر الإمامية الصادرة عن أسلافنا الكرام، الموالى العظام، الذين اختارهم الله لرعاية الأنام، سقى الله ثراهم بوابل المغفرة والإنعام، المعربة عما ثبت لهم من الأثرة والمبرة، والرتبة السامية المستمرة، التي تقيهم ضروب الضيم والمضرة، وتعرفهم في أحوالهم كلها عوارف المسرة، وترقيهم من ساحة التبجيل والتعظيم مكانا عليا، وتدنى لهم في حدائق التنويه والتكريم من جنا الرعى
стр. 1383
والتنزيه زهرا جنيا، وتقف دون حوزتهم وقوف الذائد، وتعلم بما خلعنا عليهم بزته، وأقعدناهم منصته، كما يعلم بالخصب الرائد، وتسدل عليهم من أردية الإجلال والافتخار جلبابا، وتضرب عليهم من مهابة العلم والنسك سرداقا وقبابا، وتفتح لهم من الإقبال والتأييد والإمداد حججا وأبوابا، مبرة يثبت دوامها، ويؤمن انقراضها وانصرامها، وتمضى بعون الله عزائمها واهتمامها، وتستقر أوامرها وأحكامها، حسبما استمرت بذلك عوائدهم الجميلة، وسيرتهم المحمودة الجميلة، وزاويتهم الجديرة بالتعظيم والإيثار، والمشهورة بالاعتصام لمن آوى إليها والانتصار، محفوظة الأنحاء، ملحوظة الأرجاء، مؤمن من نزيلها، مكلوء رعيلها، لا تطرق أيدى الطراقين جنابها، ولا ينال عدوانهم أبوابها ولا أعتابها، لأن المدينة الإدريسية حاطها الله وإن فاخرت المدن بالأئمة والعلماء والصلحاء سكانها، حين قيل فيها يكاد العلم ينبع من حيطانها، فإن نسبة تلك الزاوية المباركة منها وعندها كنسبة الإنسان من العين، دون خلاف في ذلك بين اثنين.
ولا ريب ولا مين مع ما لها في جانبنا الكريم من الود الصميم والإخلاص اللذان أديا إلى غاية مراتب الحظوة والاختصاص، وصيرها دارنا وعرارنا أجزل الله لديها مورد النعمة، وأبقى عليها لبوس الإيثار والحرمة، وأدام عمارتها بالأسرار المودعة في خلفها الصالح والمكارم الجمة، وإن كانت دعوة الشيخ سيدى عبد الرحمن المجذوب نفع الله به كفيلة بذلك ما دامت الأمة، والمسند إليه أمرها والنظر فيها وفى مصالحها ومنافعها، والراصد لسموت ارتفاعها وأوقافها ورباعها وأحزابها، والمولى الإمامة والتدريس بها، والمتكلم في المؤذنين بمنارها، والمحترمين بروض معطارها، هو سيدى أبو مدين المذكور، وإليه المرجع في جميع الأمور، لأن رحالها بقطب أسراره تدور، ومنهلها العذب السليس من عنصره يفور.
стр. 1384
بَيدَ اَنّ كُلَّ من استجار بزاويتهم، واستظل بظل عنايتهم، ينهى إلينا خبره، فيحمد إن شاء الله ورده وصدره، ولا يكون واسطة بيننا وبينه، ولا كلام لأحد من وال أو عامل أو قريب أو بعيد فيها دونه، لأن مكانته الفضلى، لا زالت صحف آيها توحى وتتلى، وتجدد معالمها ولا تبلى، مثل ما كانت حظوته الشهيرة عند سيدنا الوالد ومولانا الجد المقدسين المنعمين وأرفع وأعلى.
كما جددنا له أيضًا على الخطابة بمنبر القرويين والإمامة بها عمرها الله بدوام ذكره وعلى جميع ما بيده ويد إخوانه من الأوقاف الماضية، والصدقات الجارية إعانة لهم عما هم بصدده من تدريس العلم وبثه ونشره، وتحصيل ثوابه وأجره، بحيث أن من حام حول ساحتهم، أو رام جانب مساحتهم، تلزمه العقوبة، ولا يقبل منه عذر ولا مثوبة، وحسب الواقف عليه من الولاة والخدام، أن يبادر بالامتثال لما أنفذته الأوامر والأحكام، ويقف عند ما تضمنه الطرس وسطرته الأقلام، والسلام، وفى العشرين من جمدى الثانى عام واحد وسبعين ومائة وألف.
اختياراته المذهبية وما رأى من المصلحة حمل القضاة والمدرسين عليه
ونظم العدلية الشريفة بإيالته أصدر في ذلك أولا منشورًا إليك نصه بعد الحمدلة والصلاة على رسول الله:
"هذا ظهير كريم، يجب أن يتلقى بالتبجيل والتعظيم، صدر بأمرنا المطاع، يعلم منه أننا نأمر سائر القضاة بسائر إيالتنا أن يكتبوا الأحكام التي يوقعونها بين الناس في كل قضية، ولا يهملوا كتابة الحكم في شئ من القضايا، وليكن المكتوب رسمين يأخذ المحكوم له رسما يبقى بيده حجة على خصمه إذا قام عليه
стр. 1385
يوما ويأخذ المحكوم عليه رسما ليعلم أن القاضى حكم عليه بالمشهور (١) وعلى كل قاض من القضاة أن يعمل بموجب ما ذكرناه، ويقف عند ما رسمناه، لكونه حكما شرعيا، ومنهاجا بين قضاة العدل مرعيا.
ومن خرج عما ذكرناه بأن حكم ولم يكتب حكمه أو لم يشهد عليه العدول، فهو عندنا معزول، وتناله منا العقوبة التامة، ونأمر الواقف عليه من عمالنا وولاة أمرنا أن يقفوا في هذا الأمر حتى يجرى عليه عمل القضاة، ولا يهملوه إلا في المحقرات التافهة المقالات".
ثم أتبعه بما نصه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، مسائل المذهب باعتبار الحكم فيها وفاقا وخلافا على خمسة أقسام: الأول ما هو متفق على إثبات الحكم فيه، الثانى ما أثبت الحكم فيه الأكثر كالثلثين ونفاه الأقل كالثلث وهو المعروف عند الفقهاء بالمشهور والراجح، الثالث ما اختلف فيه على قولين متساويين إثباتا ونفيا، الرابع ما أثبت الحكم فيه الأقل كالثلث ونفاه الأكثر وهو المسمى عند الفقهاء بالمرجوح وبمقابل الراجح والمشهور، الخامس هو ما أثبت الحكم فيه رجل أو رجلان ونفاه الباقى وهو المسمى بالشاذ (٢) فالأقسام الأربعة ما عدا الأخير نعمل بها كلها في عبادتنا (٣)، والقسم الخامس وهو الشاذ لا نعمل به
стр. 1386
فيها، وأما غير العبادات مما يتعلق به حقوق العباد كالنكاح والطلاق والعتق والمعاملات الجارية بين الناس، فالعمل عندى فيها بالأقسام الثلاثة، وهى المتفق عليه والمشهور وما تساوى فيه الطرفان (١).
وأما القسمان الباقيان وهما مقابل المشهور والشاذ فلا أعمل بهما في حقوق العباد خوفا من المحذور، بخلاف العبادة فأعمل فيها بمقابل المشهور دون الشاذ لأن العبادة بينى وبين ربى، ودين الله يسر كما قال تعالى: ﴿... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... (٧٨)﴾ [سورة الحج ٧٨] وقال ﷺ : من غصب شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة.
والرجال الذين ذكرت يعتبر اتفاقهم واختلافهم، فإنما أعني بهم أصحاب الإمام مالك الذين حملوا عنه مذهبه، كابن القاسم، وأشهب، وابن نافع، وابن وهب، ومطرف وابن الماجشون وغيرهم ممن أدرك الإمام مالكا، وكذلك الذين جاءوا بعده ولم يدركوه فأخذوا عن أصحابه كسحنون، وابنه محمد، وأصبغ، وابن المواز، وابن حبيب، وابن عبدوس، والقاضى إسماعيل وغيرهم، وكذلك الذين جاءوا بعد هؤلاء كالأبهرى، وابن أبى زيد، والقابسى، وابن القصار، والقاضى عبد الوهاب وأضرابهم.
ثم تلامذتهم كأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبى عمران الفاسى، وابن يونس، وابن شعبان، ثم اللخمى، والمازرى، وابن رشد، وابن العربى، وسند،
стр. 1387
وعياض وأمثالهم (١).
ولست أعنى الأجهورى وأصحابه، وكل فتوى أفتى بها الأجهوريون فإن وافقت قول العلماء الأقدمين الذين تقدم ذكرهم فنعمل بها، وإن لم توافقهم فلا نعمل بها وننبذها وراء ظهورنا (٢).
стр. 1388
فيجب على القاضى أن يحكم في حقوق الناس بالمتفق عليه ثم يقول الأكثر وهو المشهور، ثم بأحد القولين المتساويين بعد أن يجتهد في القول الذى يحكم به منهما (١) خشية أن يضيع حق المساكين، ويميل إلى قوى.
فكل من ثبت له حق من المساكين بأحد القولين المتساويين فليثبته له بذلك القول، وليلغ القول الذى يبطل به حق المسكين (٢) فإذا حكم القاضي بما ذكرنا كان قد استبرأ لدينه وعرضه.
стр. 1389
وأين القضاة الذين كانوا يحكمون بما ذكرنا ولا يهملون حق المساكين، وإنما نظر القضاة اليوم إلى صاحب المال لماله وصاحب الجاه لجاهه فيحكمون لهم ويغلبونهم على المساكين بالقول الشاذ والعياذ بالله، وأما أنا فكل قضية وصلت إلينا فإننا ننظر في الحكم الذى حكم به القاضى، فإن وجدناه حكم بالمتفق عليه فعلى بركة الله، وإن وجدناه حكم بأحد القولين المتساويين وأثبت حق المسكين وألغى الطرف الآخر فكذلك، وإن وجدناه حكم بالقول الآخر الذى يلغى فيه حق المسكين فلا يلومن إلا نفسه، وكذلك إذا حكم بالقول الشاذ فإنه يجب على السلطان نزعه وعقوبته".
ثم أتبع ذلك أيضًا بما نصه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
اعلم أن هاهنا فوائد لا بد منها، ومسائل لا يستغنى عنها، تشتمل على سبعة فصول.
الفصل الأول: أن المرأة لا توكل روجها لاستخراج حقوقها (١)، وإنما توكل قريبا من أقاربها أو أجنبيا وما يقبضه لها من حقوقها يدفع بيدها وتبرئه منه، ولا
стр. 1390
يدفعه لزوجها، فإن دفعه له فلا براءة له منه (١) إلا أن يكون زوجها ابن عمها وأحبت أن توكله فلا بأس.
الفصل الثانى: ينادى في أسواق البلد بالبراح أن لا يعامل أحد معدما بفلس أو غيره (٢)، وإنما يعامل من له دار أو جنان أو غيرهما من الأملاك فيعامل بقدر ما تساويه أملاكه، فإن عامل أحد معدما لا دار له ولا جنان فقد أتلف ماله ولا يسجن ولا يحكم عليه، ومن عنده الأملاك فإنما يعامل بعد البحث عنه خشية أن يكون عليه دين آخر.
الفصل الثالث: أن من انقرض فيه دين خفيف كمائة مثقال فما دونها وكانت له صنعة مثل تنجارت وتخرازت أو غيرهما فليجعل له القاضى مسألة، وهى أن يعطى من أجرته لرب الدين نصفها (٣) ويعيش بنصفها، فإن قبل فذاك، وإن لم يقبل ينفى من البلد، فإن عاد إليها خلد في السجن (٤).
الفصل الرابع: أن المال المنقرض إذا كان كثيرا نحو ثلاثة آلاف مثقال فأكثر وكان الشخص المقروض فيه المال مفلسا ليس عنده ما يدفع في الدين، فإنه ينفى
стр. 1391
من البلد، فإن عاد إليها خلد في السجن (١) وهذه المسألة وإن كانت بدعة فقد رأيناها مستحسنة، ولذلك أمرنا بها إذ ربما يكون الرجل عنده أموال الناس ويظهر العدم ويأكلها في داره، والجلاء أمر عليه من السجن، فإن كان أخفى مالًا فإنه يخرجه، وإن لم يكن عنده شئ صبر على الجلاء.
الفصل الخامس: إذا تخاصم رجل مع زوجته فلا يسجنه القاضى (٢) لها إن لم يكن ضربها بحث القاضى عن سبب ضربه لها فإن كان على ترك الصلاة أو على إتلاف ما له فيصلح القاضي بينهما، وإن كان على غير ذلك بأن كان ضربها ضربا فاحشا أو بالحديد فليعزلها القاضى عن زوجها ويردها إلى أهلها، ولا ترجع إليه حتى يتوب ويأخذ بخاطرها، وهذا الأمر الذى أمرت به من أن الزوج لا يسجنه القاضى فيه مصلحة عظيمة عامة نافعة للزوج وللزوجة، وذلك أن الزوجة إذا رفعته إلى القاضى وسجنه لها فإن مال الزوج يضيع بذلك، لأن القاضى يأكل منه طرفا، وأعوان القاضى يأكلون منه طرفا، والسجان يأكل طرفا، فهذا مال الزوج قد ضاع بين هؤلاء، ومع ذلك الزوجة لا تتوصل بحقها.
الفصل السادس: أن من قبض رهنا من حتى أو جوهر أو غيرهما فليرفعه إلى القاضى ويقومه القاضي بحضور أرباب المعرفة حتى تعرف قيمته وتكتب بالعدول، بحيث إذا تلف ذلك الرهن فلا تقع بين المتراهنين خصومة ولا إنكار (٣)،
стр. 1392
وأما إذا لم تعرف قيمة ذلك الرهن وبقى أمره مجهولا وتلف، فإنه يقع بينهما من النزاع والخصومات ما لا يكيف، ويوجب القاضى اليمين على أحدهما وربما يحلف على شئ مجهول لم تعرف قيمته فيهلك.
الفصل السابع: إذا أراد الرجل شراء ملك أو دار أو جنان أو أرض حرث أو غيرهما، فلابد أن يأتى إلى قاضى البلد ويعلمه أنه أراد شراء دار في الحومة الفلانية أو جنان بالموضع الفلانى أو فدان بالموضع الفلانى، ويقول الذى أراد الشراء للقاضى إنى أشاورك في هذه الدار مثلا أو غيرهما، فإن أنت وافقتنى اشتريت ذلك وإن لم توافقنى تركت ذلك، فيتعين على القاضى حينئذ أن يبحث أشد البحث في ذلك ويأمر بإحضار رب الدار أو غيرها بين يديه ويسأله بأى وجه دخل بيده هذا الملك الذى أراد بيعه هل بإرث أم بشراء أم بهبة أم بغير ذلك؟ ويأمره بإحضار الرسوم ويتأملها حق تأملها، فإن وجدها موافقة للشرع ولا نزاع لأحد في الملك المذكور لا من جهة شفعة ولا استحقاق ولا ملك غير فحينئذ يوافق مشتريه على الشراء، وإن وجد غير ذلك أخره عن الشراء ويقول له هذا الملك فيه شبهة لا يحل لى أن أوافقك على شرائه، وهذا الأمر المذكور لا يباشره إلا القاضي بنفسه، ولا مدخل للعدول في ذلك لا بكتابة ولا بغيرها، وإن أشكل على القاضى الأمر في صحة ملكية ذلك للبائع وتوقف، فليناد أهل الحومة بذلك الملك ويسألهم عن سبب ملكية البائع لذلك الملك الذى أراد بيعه، فإن كان جنانا فليناد على جيرانه في الجنان، وإن كانت دارا فليناد على جيرانه في الدار وما شهد به الجيران المذكورون يثبته القاضى، ولا يبقى في ذلك كلام، فعند ذلك ينادى القاضى ويدفعه للبائع ويشهد عليه بالبيع العدول، ويثبت له القاضى رسمه، فحينئذ يكون القاضى هو الذى تولى البيع بنفسه فيبقى ذلك الرسم صحيحا مخلدا لذريته ولعقبه ولا يجد من ينازعه فيه أبدًا، وإن وقع بعد ذلك قيام غائب أو
стр. 1393
وارث، فدرك ذلك على القاضى لأنه هو الذى تولى البيع بنفسه، وعلى هذا (١) يكون عمل القضاة في سائر بلدان المغرب. نطلب الله الهداية لنا ولكم ولسائر المسلمين وقيدناه عن أمير المؤمنين مولانا محمد بن أمير المؤمنين مولانا عبد الله الشريف الحسنى الله وليه ومولاه".
"واعلم أن هذا الوقت وقت صعب كثر فيه الظلمة المتمردون ومن جملتهم الذين يريدون أن يأكلوا أموال اليتامى، يأتون إلى رب الملك الذى عنده فيه بعض الورثة أو بعض الحق للغير من شفعة مثلا أو غيرها، فيأتى ذلك الظالم المتمرد ويشترى ذلك الملك الذى فيه النزاع ويتقوى على المسكين صاحب الحق بالمال والرشوة حتى ينزعه منه، ويشهد له العدول، والقاضى يعمل له خاطره ويضيع حق ذلك المسكين، وبعض القضاة يحكمون لذلك الظالم بالفتاوى الواهية التي لا عمل عليها حتى يضيع حق ذلك المسكين".
"مسألة أخرى: إذا حكم القاضي بحكم وكان ذلك الحكم مشهورا وذهب المستفتى ليأتي بحكم آخر مشهور، فإنه لا يعمل به ولا يحكم إلا بالحكم الأول (٢) إذا كان، وإذا أتى المستفتى لصاحب الفتوى وقد كان حكم عليه القاضي بحكم مشهور فليطرده ولا يفتى له، ويقول له: إن القاضى قد حكم عليك بحكم مشهور فلا نفتى لك بفتوى، وإن أفتى له بقول آخر مشهور فتلزمه منا العقوبة التي تأتى على نفسه؛ لأن المفتى يريد أن يعينه بفتواه على الخصام وأكل أموال الناس، وإذا كان القاضى قد حكم عليه بقول ضعيف وكان في المسألة قول آخر مشهور أصح
стр. 1394
مما حكم به القاضى فليفت له، ويتعين حينئذ على القاضى أن يحكم بذلك القول المشهور، الذى أفتى به صاحب الفتيا، وإذا تمادى القاضى على حكمه الواهى ولم يعمل بالقول المشهور الذى كتب به المفتى فواجب على السلطان نزعه وينقض ذلك الحكم الأول؛ لأن الحق أحق أن يتبع، انظر قضية السيد سلمان الفارسى مع سيدى أبى الدرداء رضى الله عنهما في المسانيد إن كنت من أهل الحديث وطالعها".
ثم أتبعه بما نصه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، اعلم أنه مما ينبغى الإسراع إليه، وتنبيه قضاة الوقت عليه، أن كل من أراد أن يشترى دابة أو أمة أو عبدًا فإنه لا يعقد الشراء مع المالك الذى أراد البيع إلا بعد التقليب الشافى، والاختبار الكافى، فإن لم يكفه التقليب في اليوم الأول زاد اليوم الثانى، وإلا زاده اليوم الئالث، فإن خلصه في اليوم الثالث وحاز المشترى مشتراه والبائع ثمنه فلا رجوع للمشترى على البائع بشئ يجده في مشتراه، وإن كان سبب موته وهلك في يده لأنه كان قلب ورضى وحاز وتصرف، وقد أمرنا بهذا الأمر لما ظهر لنا فيه من المصلحة ورفع النزاع، ولا سيما وبياطرة الوقت قد قلت أمانة الغالب منهم فيستخرجون عيوبا ليست موجودة في الدابة.
فنأمر جميع القضاة وغيرهم من الولاة في سائر إيالتنا السعيدة أن يعملوا بأمرنا هذا ويقفوا عنده، وأن لا يتجاوزوا حده، والقاضى لا يثبت رسما يتضمن ما قام به المشترى من العيوب المذكورة، وإنما يثبت رسم الاستحقاق -يعنى إن سرقت دابة أو ذهبت- ولا يقبل القاضى شهادة أجنبى إلا إذا كان من جيرانه إن كان من أهل الحضر، ومن جيرانه إن كان من أهل البادية؛ لأن الأجنبى لا علم له بالدابة، وإن شهد شهد زورًا، وجيرانه تكون عندهم معرفة الدابة متحققة لأن مرورهم عليها في الصباح والمساء.
стр. 1395
ومسألة فصل القضاء على الدواب مسألة صعبة كثيرًا، وأنا أُبينها وأبدأ بالفرس لأنه أشرف الدواب، فإن كان الفرس من عتاق الخيل فإن أهل ربعه النازلين معه كلهم يعرفون الفرس معرفة شافية لحسنه وجودته، فإذا سرق الفرس المذكور وأتى أهل الربع المذكور يشهدون على الفرس فأول شهادتهم السب والشتم لمن وجد في يده لمعرفتهم به فلا يبلغون إلى القاضى حتى يملأوا أذنيه سبا وشتما، فعند ذلك يقولون للقاضى: هذا الفرس نعرفه كما يعرف بعضنا بعضا.
وإن كان جملا في غاية الجودة وحسن الصورة، فهو ملحق بالفرس في شهادته.
وإن كان ثورا في غاية الحسن والجودة فإنه يلحق بهما.
وبقى فصلان يكون الفرس والجمل والثور المذكورات ليس بالردئ ولا بالجيد، فإذا جاء الشهود يجيئون إليه ويدرون به ويتأملونه، فإذا استوفيت البينة منهم أخذه صاحبه.
والقسم الثالث: أن يكون الفرس أو الجمل أو الثور أو الحمار رديئا جدا، فهذا تصعب البينة عليه ولا يعرفه إلا ربه أو جيرانه، فلا يجد صاحبه من يكمل له البينة، فيجب على القاضى أن يصلح بين من وجدت في يده وبين من ادعى أنها ملكه، ولا يلتفت القاضى إلى البياطرة وأقوالهم.
فكل من اشترى دابة وحازها فلا يرجع على بائعها إلا في مسألة واحدة ترجع بها الدابة، وهى أنه إذا كان فيها الداء المسمى بالمغلة فإنها ترجع لصاحبها، ولو أقامت عند المشترى سنة، وأما الداء الذى يسمى بالذباب فإن ظاهر الدابة التي يكون فيها تكون عجفاء شحبا ويكون ظاهرا في. . . (١) وفى عينيها، فإذا اشتراها
стр. 1396
أحد وقال: إنها تسمن عنده ويقلب فيها البيع، فإذا ماتت في يده فلا قيام له على البائع الذى اشتراها منه وضاع في ماله".
ثم أتبعه بقوله:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
الفصل الأول: يعلم من كتابنا هذا أننا أمرنا أولاد السيد فلان يصرفون زكاتهم وأعشارهم على ضعفائهم ومسجدهم إن لم تكن له أوقاف، فإن صرفوها في غير محلها فعهدتها في رقابهم.
الفصل الثانى: لا مدخل لعاملهم في زكاتهم ولا في أعشارهم ولا أمورهم بل يصرفونها كما ذكر أعلاه، وإن طمحت نفس العامل لأخذ البعض منها، فإنه يعاقب عقوبة شديدة ويعزل عن عمله.
الفصل الثالث: إن اشتغل أحد منهم بالفساد مثل السرقة أو غيرها من الفواحش أو التعدى على البعض من المساكين ويزعم أنه من أولاد السيد فلان وليس ذلك المسكين مثله في الدرجة فقد كذب، فإن عامل بلده يعاقبه بما يناسب جنايته بالحدود الشرعية؛ لأن المسلمين كلهم في حق الله سواء، ولا يعاقب بالمال، انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... (١٣)﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٣] وانظر إلى قول رسول الله ﷺ : "يأيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد، لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى".
وعلى أولاد السيد المذكورين أعلاه بتقوى الله في السر والعلانية، ولله در القائل:
стр. 1397
ألا إنما التقوى هى العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الفقد والعدم
ثم أتبعه بقوله:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. ليعلم جميع من يتولى خطة القضاء أنا أمرناه أن لا يباع على غائب أو محجور ذكر وأنثى فيما يستقبل من تاريخ كتابنا هذا عقار أو ربع، فإن اطلعنا على رسم يتضمن ذلك فإنا نعاقب القاضى عليه بالعقوبة الشديدة ويفسخ ذلك ولا يمضى منه شئ، ويبقى الغائب على حقه إلى أن يقدم، والمحجور حتى يخرج من حجره.
وإذا أراد الشريك البيع على الغائب أو المحجور يشترط على المشترى أن لا يحدث في البيع شيئا من هدم أو بناء أو نحو ذلك.
وكذلك أمرنا من ذكر أيضًا أن لا يكتب في الأصدقة أزيد من أربعين مثقالا إذ هى غالب أصدقة السلف الصالح وفى الحديث عنه ﷺ أنه قال: من يمن المرأة قلة مهرها، وقالت مولاتنا عائشة: من شؤم المرأة كثرة صداقها، وقال سيدنا عمر: لا تغلوا في صدقات النساء فإنه لا يبلغنى عن أحد أنه ساق أكثر مما ساقه نبينا محمد ﷺ إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال.
ومذهب مالك كراهة المغالاة فيه، فإن رضى المتعاقدان على النكاح بأزيد مما ذكرنا فلا يكتب في الصداق، ولا يكون الصداق إلا ناجزًا كله، ولا يؤخر منه شئ لأن في ذلك قطعا لمادة الخصام.
قال ابن الماجِشُون: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شئ من الصداق مؤخرًا، وكان يقول: إنما الصداق فيما مضى ناجز كله، وكره في المدونة تأخير بعض الصداق، وإنما كرهه لمخالفته لأنكحة الماضين، فإن كتب في الصداق أزيد
стр. 1398
مما ذكرنا أو كتب فيه كالئى فإنا نعاقب القاضى وشاهدى النكاح بالعقوبة الشديدة نكالا لغيرهم ولا يطالب أب أو ولي بشورة بل يكون ذلك موكولا إلى مروءته، وهذا في غير نكاح الأشراف.
وأما هم فيتركون على ما هو معروف بينهم، غير أنه يكون كله ناجزًا ولا كالئى فيه كما ذكرنا.
وكذلك أمرنا من ذكر أيضًا أنه إن وقعت خصومة بين الزوجين أن يرد الزوجة لدار أبيها أو وليها إن كان، وإلا فالقاضى ينظر أين يضعها، وما ذكرنا من رد الزوجة لدار أبيها أو وليها إنما ذلك بعد بعث القاضى حكما من أهله وحكما من أهلها ليصلحها بينهما، فان اصطلحا فذاك المراد.
وإن نفخ الشيطان في رأس أحدهما فليفعل ما ذكرنا، ولا تطلق عليه إلا إذا كان عن طيب نفس منه بخلع أو غيره وقدم لدار أبيها أو وليها ويقول له: قد طلقت ابنتك عن طيب نفس منى طلقة بائنة، وهذا الحكم شامل في الحواضر والبوادى، وما ذكرنا ينفى طلاق المكره ولا يبقى في هذا الطلاق شبهة البتة، ولا يلزم زوجها نفقة في تلك المدة إلى أن ترجع برضاها إليه.
وأما إذا كانت غضبى في دار أبيها واستمرت عمل نشوزها ولم يوفق الله بينهما فطلب الزوج منها أن ترد إليه ما دفع إليها وتخالعا على ذلك فلا نفقة لها لأن هذا وقت صعب قلت فيه الأمانة، وكثرت فيه الخيانة، فإذا سكنها بين الناس وكان الزوج ذا مال وجاه ربما شهدوا له أنها هى الظالمة أو كانت هى كذلك ربما شهدوا لها بظلمه، وعلى جميع ما ذكرنا يكون عمل كل من ولينا والسلام في السابع والعشرين من جمادى الأولى عام ثلاثة ومائتين وألف".
ثم أتبعه بقوله:
стр. 1399
"الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله، رسالة مفيدة قد نبذ ما فيها قضاة المغرب وعدولهم، واقتصروا على مختصر خليل وشروحه، وصار أعظم فتاويهم منها لعمرى أن من اشتغل بأخذ الفقه من خليل وشروحه وترك أخذ الفقه من كتب الأقدمين المرضيين الذين نفع الله بهم المسلمين، فإنه كما قيل هرق الماء واتبع السراب وهذا أول كلامنا في الرسالة المذكورة، وهى في فتاوى الأقدمين المأخوذة من كتب الأئمة المرضيين رضى الله عنهم وأرضاهم.
أولهم الإمام القدوة أبو عبد الله سيدى محمد بن الحسن الشيبانى رحمه الله تعالى الذى حمل مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة رضى الله عنه على كاهله، وحمل أيضًا مذهب الإمام مالك رضى الله عنه على كاهله، وقرأ عليه عالم قريش الإمام أبو عبد الله سيدى محمد بن إدريس الشافعى رضى الله عنه، فهذا الشيخ المذكور رضى الله عنه أعنى سيدى محمد بن الحسن الشيبانى، إليه ترجع رواية المذاهب الثلاثة، فإذا أردت معرفته وعلو درجته فانظر ترجمته في مسند الإمام أبى حنيفة يتضح لك جميع ما ذكرنا، وتجده مستوفى كما أشرنا.
ثم يليه من أصحاب مالك الذين حملوا عنه مذهبه كابن القاسم، وأشهب، وابن نافع، وابن وهب، ومطرف، وابن الماجشون وغيرهم ممن أدرك الإمام مالكا، وكذلك الذين جاءوا بعدهم ولم يدركوه فأخذوا عن أصحابه كسحنون، وابنه محمد، وأصبغ، وابن المواز، وابن حبيب، والقاضى إسماعيل، وابن عبدوس وغيرهم، وكذا الذين جاءوا بعد هؤلاء كابن القصار، والقاضى عبد الوهاب، والأبهرى، والقابسى، وابن أبى زيد فهؤلاء الأئمة المذكورون هم المقتدى بهم في أقوالهم وأفعالهم ولا تصح الفتوى إلا من كتبهم.
وأما من اشتغل بالفتاوى المأخوذة من أقوال الأجهوريين وغيرهم من أصحاب خليل مثل بهرام، والبساطى، والتتائى، والسنهورى، والسودانى، وأمثالهم من أصحاب خليل وترك الفتوى من كتب الأقدمين المرضيين المذكورين فقد خرج عن المنهاج القويم، والصراط المستقيم.
стр. 1400
ففى معيار المغرب، والجامع المعرب، عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب فيما نقله عن الإمام المقرى ما نصه: لقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمهاتها، وقد نبه عبد الحق في التهذيب على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع، وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع، ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف، وانقطعت سلسلة الاتصال فصارت الفتاوى تنفذ من كتب لا يدرى ما زيد فيها مما نقص منها لعدم تصحيحها وقلة الكشف عنها.
ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتوى من تبصرة أبى الحسن اللخمى لكونها لم تصحح على مؤلفها ولم تؤخذ عنه، وأكثر ما يعتمد اليوم ما كان من هذا النمط مثل الأجهوريين وغيرهم من شراح خليل.
وقد نص بعض المحققين من علماء وقتنا هذا على أنه لا يعتمد على ما انفردوا به ثم انضاف إلى ذلك عدم الاعتبار بالناقلين فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كما يؤخذ من كتب المرضيين، بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين، ولم يكن هذا فيمن قبلنا، فلقد تركوا كتب الأقدمين المرضيين رضى الله عنهم واشتغلوا بكتب المتأخرين من أصحاب خليل واقتصروا عليها وأفنوا أعمارهم في حل ألغازها حتى قال بعضهم نحن أناس خليليون، إن ضل ضللنا، وإن اهتدى اهتدينا، وقد أقسم أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله لقضاة وقته، أن من أفتى منهم بغير فتوى الأقدمين المذكورين في رسالته هذه أنه يعاقبه عقوبة شديدة ويجعله نكالا لمن بعده ممن يفتي بالفتاوى الواهية التي لم يبلغ سندها إلى الأقدمين رضى الله عنهم آمين، فهذه جمله تهديك إلى أهل العلم وتريك ما غفل عنه الناس".
ثم أتبعه بقوله:
"الحمد لله والصلاة على رسول الله
стр. 1401
الفصل الأول: أن الرجل إذا أتى بشهادة عدلين للقاضى على رجل أنه طلق زوجته وأنكر الزوج ذلك فلا يعمل بشهادتهما (١)، لاسيما إن كان الشهود من أهل الدكاكين الذين هم أسرع الناس إلى الزور، ومعاشهم كله زور، حتى يبحث القاضى عن تلك القضية الشهرين أو أكثر حتى يتحقق له مصداق ذلك، فربما يكون الرجل القائم بالشهادة بينه وبين المشهود عليه مشاحنة أو مكترى عليه حاصل الأمر كل من هو قاض وأسرع بالطلاق بشهادة العدلين فقد دخل مدخلا ضيقا فإن وقع له ما يكره فلا يلوم إلا نفسه والأمر صعب، وقد كثرت شهادة الزور بل ينبغى له التأمل والتثبّت في مثل هذه المسألة الشهور المتعددة حتى يتضح له الأمر ولا يبقى له إشكال.
الفصل الثانى: إذا أتى أبو الزوجة بشهادة عدلين على زوج ابنته، وأنه طلقها وأنكر الزوج ذلك أيضًا فلا يصح ذلك الطلاق إلا إذا أتى والدها بشهادة اثنى عشر رجلا من أهل حومته، وأما أهل الدكاكين فلا تقبل لهم شهادة (٢)، فحينئذ يصح الطلاق، ويتأتى القاضى في تلك القضية ويبحث فيها غاية البحث.
стр. 1402
الفصل الثالث: إذا حلف رجل بالحرام وحنث وشهد عليه بالحنث اثنا عشر رجلا أو أربعة عشر رجلا فأكثر من أهل حومته أو دواره أو سوقه، ورفعوا شهادتهم به إلى القاضى، فإن القاضى يحكم عليه بالطلاق في الحين ويعزله عن زوجته وتبقى حتى تعتد، فإذا أراد ردها وطابت نفسها فليردها له بصداق جديد.
الفصل الرابع: إذا حلف رجل بالحرام الثلاث وحنث وشهد على حنثه اثنا عشر رجلا فأكثر من أهل حومته أو دواره أو سوقه، فإن القاضى يطلق عليه زوجته من حينه، ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (١).
الفصل الخامس: في البيع والشراء والعمل فيه على ما قدمنا به الكتب وأن المعاملة لا تقع إلا بين يدى القاضى والمتسببين، فإن أتى الغريم بشهادة عدلين وأنه
стр. 1403
دفع لصاحب الحق من مال المعاملة شيئا من غير حضور القاضى والمتسببين المذكورين وأنكر صاحب الحق ذلك، فلا يقبل القاضى شهادة العدلين، والمال باق بذمة الغريم، ولا يحكم بتلك الشهادة إلا إذا أتى الغريم بشهادة القاضى والمتسببين الذين حضروا للمعاملة أنه برئت ذمته من المال المذكور أو بعضه، وكذلك إن أراد الغريم المذكور أن يدفع ربع المال أو نصفه أو ثلثه، فإن كان المال له بال من ألف مثقال فأكثر، فلا تبرأ ذمة الغريم المذكور من المال المذكور أو بعضه بشهادة العدلين إلا إذا دفع المال بمعاينة القاضى.
وإن كان المال شيئا قليلا من مائة مثقال فأقل وأراد الغريم المذكور أن يدفع منه شيئا لصاحب المال فليدفعه له بالعدول الثقات، فلا يحتاج إلى معاينة القاضى إلا في المال الكثير كما ذكرنا، وأما المال القليل من مائة مثقال فأقل فقد سبق حكمه وبيانه، وأنه يدفع بمعاينة العدول الثقات من غير حضور للقاضى.
والحاصل من أن هذا الزور اليوم فشا والعياذ بالله فكل من أتى بشاهدين على مال أو على طلاق فإن شهادتهما مردودة وإن قبلها القاضى، فتلك جرحة فيه، لأنهما اثنان وهو ثالثهما، فقد شهدا بالزور وهو ثبته لهما فهو أعظم ذنبا منهما، وكل من هو قاض يتفطن لهذا الأمر، فإن وقع في شئ مما نهى عنه وأصابته عقوبة فلا يلوم إلا نفسه".
ثم أتبعه بقوله:
"الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله: كان القضاة والمفتون المتقدمون يأخذون الفتاوى في كتب الأقدمين المقبولين، واليوم والعياذ بالله يأخذون الفتاوى من كتب المتأخرين كالأجهوريين وغيرهم الذين هم ليسوا المقبولين، ولم يبلغ سندهم إلى الأئمة الأقدمين، فلا عمل عليها ولا حكم بها، ولا يفتى بها مفت، ولا يعمل بها قاض.
стр. 1404
فإذا لم يبلغ سندها إلى فتوى الأقدمين فسندها باطل، وكل فتوى بلغت إلى الأئمة الأقدمين فالعمل بها واجب، ويحكم بها القاضى والمفتى والقضاة.
والمفتون اليوم والعياذ بالله قد مزجوا فتاوى المرضيين بالفتاوى الواهية غير المرضية ويحكم القاضي بتلك الفتوى الواهية، ويمشى المحكوم عليه مغلوبا إلى المفتى فيفتى له أيضًا بفتوى واهية ويغلبه على صاحبه، واشتغلوا بتغليب هذا على هذا بالفتاوى الواهية، فالقاضى وأصحابه يأكلون المال من الخصمين الذين تشارعا بالباطل، والمفتى كذلك يأكل بفتاويه الواهية أموال المسلمين بغير حق حتى يطول الشرع بين الخصمين المتحاكمين بفتواه المذكورة حتى إذا كان الخصمان المذكوران يتحاكمان على مائة مثقال تذهب منها خمسون مثقالا في دار القاضى، ثم بعد ذلك يحكم عليهما القاضي بالفتاوى الصحيحة، فينصرف كل واحد منهما إلى سبيله ويا ليته قد حكم عليهما أولا بالفتاوى الصحيحة، فيحصل له الأجر ورزقه على الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، والدراهم التي أكل من الخصمين حلاوتها تفنى ويبقى مريرها فكيف به يوم القيامة إذا جاء مفلسا، فإن الخصمين المذكورين يأخذان حسناته ويلقيان عليه سيئاتهما فذلك المفلس الذى أخذت حسناته وألقيت عليه سيئات غيره".
ثم اتبعه بما يقوله:
"الحمد لله وحده مسألة أخرى: أعلم أن الأيتام المهملين الذين لا وصى عليهم من أب ولا مقدم من قاض إذا اشتدت بهم الحاجة إلى بيع ملك لعدم وجود ما يباع عندهم غيره ليصرف عليهم في مأكلهم وملبسهم، فإن القاضى يأمر ببيع ذلك الملك ويتسوق به المدة المعتبرة شرعا إلى أن يقف سومه، فإذا وقف فينظر القاضى في ذلك السوم، فإن شهد له أهل المعرفة بالإملاك بأن ذلك سومه فليبعه لمن وقف عليه ويصرف ثمنه في مصالح الأيتام المذكورين، وإن شهد أهل المعرفة
стр. 1405
بأن ذلك الملك بيع بثمن بخس، فإن ناظر الأحباس أو بيت المال يتولى شراءه (١)، وكذلك يكون الحكم في بيع الملك على الغائب أو الصغير، بحيث إذا قدم الغائب أو كبر الصغير وأراد كل واحد منهما رد أصله فليرده له الحبس أو بيت المال، بخلاف إذا اشتراه الغير بثمن بخس وأراد الشافع رد ملكهم، فيقع بينه وبين مشتريه خصومة ولجاج في رده".
ثم أتبعه بقوله:
"الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، نأمر جميع القضاة أن لا يتركوا عونا من الأعوان الذين يشعبون الخصام بين الناس بالباطل ويأكلون أموالهم وهم الذين أقاموا بدار القضاة السنة فأكثر يتوكل (٢) على أحد، وإن جاء للقاضى وكيلا على أحد ولم يطوفه القاضى في الأسواق بوكالته ويطرده فلا يلوم إلا نفسه، وإن أرادت امرأة من ذوى المروءة أن توكل أحدًا فإن القاضى أو زوجها يوكل عنها من هو رجل خير ليس له أرب في طول الخصام وتشعبه وأكل أموال الناس بالباطل، وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله.
باب في الأنكحة: وأما العمل في الأنحكة فمن أراد التزويج فإن كان غنيا والزوجة غنية كذلك فيدفع في صداقها إن كانت بكرا أربعين مثقالا نقدا مقدما لا