← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الفصل الأول: أن الرجل إذا أتى بشهادة عدلين للقاضى على رجل أنه طلق زوجته وأنكر الزوج ذلك فلا يعمل بشهادتهما (١)، لاسيما إن كان الشهود من أهل الدكاكين الذين هم أسرع الناس إلى الزور، ومعاشهم كله زور، حتى يبحث القاضى عن تلك القضية الشهرين أو أكثر حتى يتحقق له مصداق ذلك، فربما يكون الرجل القائم بالشهادة بينه وبين المشهود عليه مشاحنة أو مكترى عليه حاصل الأمر كل من هو قاض وأسرع بالطلاق بشهادة العدلين فقد دخل مدخلا ضيقا فإن وقع له ما يكره فلا يلوم إلا نفسه والأمر صعب، وقد كثرت شهادة الزور بل ينبغى له التأمل والتثبّت في مثل هذه المسألة الشهور المتعددة حتى يتضح له الأمر ولا يبقى له إشكال. الفصل الثانى: إذا أتى أبو الزوجة بشهادة عدلين على زوج ابنته، وأنه طلقها وأنكر الزوج ذلك أيضًا فلا يصح ذلك الطلاق إلا إذا أتى والدها بشهادة اثنى عشر رجلا من أهل حومته، وأما أهل الدكاكين فلا تقبل لهم شهادة (٢)، فحينئذ يصح الطلاق، ويتأتى القاضى في تلك القضية ويبحث فيها غاية البحث.

стр. 1402

الفصل الثالث: إذا حلف رجل بالحرام وحنث وشهد عليه بالحنث اثنا عشر رجلا أو أربعة عشر رجلا فأكثر من أهل حومته أو دواره أو سوقه، ورفعوا شهادتهم به إلى القاضى، فإن القاضى يحكم عليه بالطلاق في الحين ويعزله عن زوجته وتبقى حتى تعتد، فإذا أراد ردها وطابت نفسها فليردها له بصداق جديد. الفصل الرابع: إذا حلف رجل بالحرام الثلاث وحنث وشهد على حنثه اثنا عشر رجلا فأكثر من أهل حومته أو دواره أو سوقه، فإن القاضى يطلق عليه زوجته من حينه، ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (١). الفصل الخامس: في البيع والشراء والعمل فيه على ما قدمنا به الكتب وأن المعاملة لا تقع إلا بين يدى القاضى والمتسببين، فإن أتى الغريم بشهادة عدلين وأنه

стр. 1403

دفع لصاحب الحق من مال المعاملة شيئا من غير حضور القاضى والمتسببين المذكورين وأنكر صاحب الحق ذلك، فلا يقبل القاضى شهادة العدلين، والمال باق بذمة الغريم، ولا يحكم بتلك الشهادة إلا إذا أتى الغريم بشهادة القاضى والمتسببين الذين حضروا للمعاملة أنه برئت ذمته من المال المذكور أو بعضه، وكذلك إن أراد الغريم المذكور أن يدفع ربع المال أو نصفه أو ثلثه، فإن كان المال له بال من ألف مثقال فأكثر، فلا تبرأ ذمة الغريم المذكور من المال المذكور أو بعضه بشهادة العدلين إلا إذا دفع المال بمعاينة القاضى. وإن كان المال شيئا قليلا من مائة مثقال فأقل وأراد الغريم المذكور أن يدفع منه شيئا لصاحب المال فليدفعه له بالعدول الثقات، فلا يحتاج إلى معاينة القاضى إلا في المال الكثير كما ذكرنا، وأما المال القليل من مائة مثقال فأقل فقد سبق حكمه وبيانه، وأنه يدفع بمعاينة العدول الثقات من غير حضور للقاضى. والحاصل من أن هذا الزور اليوم فشا والعياذ بالله فكل من أتى بشاهدين على مال أو على طلاق فإن شهادتهما مردودة وإن قبلها القاضى، فتلك جرحة فيه، لأنهما اثنان وهو ثالثهما، فقد شهدا بالزور وهو ثبته لهما فهو أعظم ذنبا منهما، وكل من هو قاض يتفطن لهذا الأمر، فإن وقع في شئ مما نهى عنه وأصابته عقوبة فلا يلوم إلا نفسه". ثم أتبعه بقوله: "الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله: كان القضاة والمفتون المتقدمون يأخذون الفتاوى في كتب الأقدمين المقبولين، واليوم والعياذ بالله يأخذون الفتاوى من كتب المتأخرين كالأجهوريين وغيرهم الذين هم ليسوا المقبولين، ولم يبلغ سندهم إلى الأئمة الأقدمين، فلا عمل عليها ولا حكم بها، ولا يفتى بها مفت، ولا يعمل بها قاض.

стр. 1404

فإذا لم يبلغ سندها إلى فتوى الأقدمين فسندها باطل، وكل فتوى بلغت إلى الأئمة الأقدمين فالعمل بها واجب، ويحكم بها القاضى والمفتى والقضاة. والمفتون اليوم والعياذ بالله قد مزجوا فتاوى المرضيين بالفتاوى الواهية غير المرضية ويحكم القاضي بتلك الفتوى الواهية، ويمشى المحكوم عليه مغلوبا إلى المفتى فيفتى له أيضًا بفتوى واهية ويغلبه على صاحبه، واشتغلوا بتغليب هذا على هذا بالفتاوى الواهية، فالقاضى وأصحابه يأكلون المال من الخصمين الذين تشارعا بالباطل، والمفتى كذلك يأكل بفتاويه الواهية أموال المسلمين بغير حق حتى يطول الشرع بين الخصمين المتحاكمين بفتواه المذكورة حتى إذا كان الخصمان المذكوران يتحاكمان على مائة مثقال تذهب منها خمسون مثقالا في دار القاضى، ثم بعد ذلك يحكم عليهما القاضي بالفتاوى الصحيحة، فينصرف كل واحد منهما إلى سبيله ويا ليته قد حكم عليهما أولا بالفتاوى الصحيحة، فيحصل له الأجر ورزقه على الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، والدراهم التي أكل من الخصمين حلاوتها تفنى ويبقى مريرها فكيف به يوم القيامة إذا جاء مفلسا، فإن الخصمين المذكورين يأخذان حسناته ويلقيان عليه سيئاتهما فذلك المفلس الذى أخذت حسناته وألقيت عليه سيئات غيره". ثم اتبعه بما يقوله: "الحمد لله وحده مسألة أخرى: أعلم أن الأيتام المهملين الذين لا وصى عليهم من أب ولا مقدم من قاض إذا اشتدت بهم الحاجة إلى بيع ملك لعدم وجود ما يباع عندهم غيره ليصرف عليهم في مأكلهم وملبسهم، فإن القاضى يأمر ببيع ذلك الملك ويتسوق به المدة المعتبرة شرعا إلى أن يقف سومه، فإذا وقف فينظر القاضى في ذلك السوم، فإن شهد له أهل المعرفة بالإملاك بأن ذلك سومه فليبعه لمن وقف عليه ويصرف ثمنه في مصالح الأيتام المذكورين، وإن شهد أهل المعرفة

стр. 1405

بأن ذلك الملك بيع بثمن بخس، فإن ناظر الأحباس أو بيت المال يتولى شراءه (١)، وكذلك يكون الحكم في بيع الملك على الغائب أو الصغير، بحيث إذا قدم الغائب أو كبر الصغير وأراد كل واحد منهما رد أصله فليرده له الحبس أو بيت المال، بخلاف إذا اشتراه الغير بثمن بخس وأراد الشافع رد ملكهم، فيقع بينه وبين مشتريه خصومة ولجاج في رده". ثم أتبعه بقوله: "الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، نأمر جميع القضاة أن لا يتركوا عونا من الأعوان الذين يشعبون الخصام بين الناس بالباطل ويأكلون أموالهم وهم الذين أقاموا بدار القضاة السنة فأكثر يتوكل (٢) على أحد، وإن جاء للقاضى وكيلا على أحد ولم يطوفه القاضى في الأسواق بوكالته ويطرده فلا يلوم إلا نفسه، وإن أرادت امرأة من ذوى المروءة أن توكل أحدًا فإن القاضى أو زوجها يوكل عنها من هو رجل خير ليس له أرب في طول الخصام وتشعبه وأكل أموال الناس بالباطل، وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله. باب في الأنكحة: وأما العمل في الأنحكة فمن أراد التزويج فإن كان غنيا والزوجة غنية كذلك فيدفع في صداقها إن كانت بكرا أربعين مثقالا نقدا مقدما لا

стр. 1406

مؤخر فيها، وإن كانت ثيبا يدفع لها عشرين مثقالا معجلة كذلك، ولا يكون في الصداق مقدم ولا مؤخر، وإنما يكون الصداق هو ما دفعه، وإن أراد الزوج أن يدفع أكثر من ذلك يتبرع به لأجل الظهور والسمعة أو لأن تأتى له الزوجة بأكثر مما دفعه لها من الشورة والزينة وغير ذلك، فيكون ذلك بحسب أهل المروءات، فمن كثرت مروءته كثرت شورته لبنته، ومن قلت مروءته قلت شورته لبنته، إلا أن ما تأتي به الزوجة المذكورة من الشورة هو لها، ولا كلام للزوج فيه البتة، وما يدفع الزوج لولى الزوجة من المال ولو كان مالا له بال هو زائد على الصداق فلا يعد عند الطلاق، وإنما هو للمرأة، وكذلك الشورة فإنها الزوجة أتت بها من دار أبيها، وإن وقع بينهم طلاق تمشى المرأة لدار أبيها بشورتها ولا تباعة للزوج عليها، وإن وقع كره منها من غير سبب تبقى في دار أبيها أو أقاربها ولا تطلق إلا إذا أراد الزوج الطلاق ولا يقبض منها غير الذى هو مكتوب في العقد لا غير، والمال الذى يزاد للمرأة لأجل جمالها ليس هو من الصداق، فإن أهل البوادى يسمونه المأكلة، ولا يكتب في الصداق، وحاصل الأمر ليس هو من الصداق في شئ، سواء كان من أهل البوادى أو أهل الحواضر. وإن كان الزوج فقيرا لا مال عنده والزوجة كذلك فيدفع في تزويج البكر عشرة مثاقيل، وفى تزويج الثيب خمسة مثاقيل ولا يزيد على ذلك شيئا، ويدفع ذلك مقدما لا مؤخرا فيه، بحيث إذا وقع الطلاق بين الزوج والزوجة وادعت أنها بقى لها من صداقها شئ فلا يقبل قولها، ولا تسمع دعواها، فبمجرد الطلاق لم يبق بينها وبين الزوج نزاع ولا تباعة، وهذا يشمل الأغنياء والفقراء. وأما العمل في التزويج في الحاضرة فهو أن الرجل إذا زوج ابنته من رجل آخر يصنع الطعام في داره وينادى على أهل حومته وسوقه وأقاربه وغيرهم ويأتى بالطبالين والمسامع ويشهر ذلك كل الشهرة حتى يسمع الناس كلهم أن فلانا تزوج

стр. 1407

من عند فلان بنته فلانة، ويأكلون الطعام ويقرءون الفاتحة ويدعون له بالخير والبركة والتأليف بينهما، ويخرجون من عنده. وكذلك إن وقع الطلاق بينهما تأتى الزوجة لدار والدها أو أحد من أقاربها وتصنع ما تيسر لها من الطعام الخفيف، ويحضر جيرانها ويأكلون ذلك الطعام ويعلمون أن فلانا الفلانى طلق زوجته فلانة بنت فلان الفلانى، ويدعون لها الله يرزقها خلفا أفضل من ذلك الرجل الذى طلقها. وأما العمل في البوادى فهو أن الرجل إذا زوج بنته من رجل آخر، فإما أن يكون الزوج في الدوار الذى هو به أولا، فإن كان معه في دواره فيصنع الزوج الطعام في خيمته وينادى على أهل الدوار وغيرهم للجامع ويأكلون الطعام فيه ويشهرون ذلك الزواج بالنداء والزغاريت وغير ذلك مما جرت به عاداتهم، حتى يسمعه كل واحد ويقرءون الفاتحة ويدعون لها بالبركة والخير والتأليف بينهما، وتصير الزوجة زوجة له وعلى قبله، ففى أى وقت تيسر له وسهل عليه صنع الوليمة يصنعها، هذا إن كانت الزوجة بكرا، وأما إن كانت ثيبا فذلك الطعام الذى يصنع ويأكله الناس وتقرأ الفاتحة به هو يكفى في ذلك، ويأتى الزوج بزوجته إلى خيمته أو داره. وأما إن كان الزوج في دوار والزوجة في دوار آخر فإن الزوج يبعث للزوجة للدوار الذى هى فيه بالشياه والدقيق والإقامة وتصنع الطعام في خيمتها وتنادى على أهل الدوار وغيرهم ويأكلون الطعام عندها، وتشهر النكاح المذكور بالنداء والزغاريت كما ذكر ويقرءون الفاتحة ويدعون لها بالخير والبركة. وكذلك إن وقع الطلاق بينهما يجعل ما خف من الطعام ويحضر أهل الدوار في الجامع ويأكلون ذلك الطعام ويعلمون أن فلانا طلق زوجه فلانة ويدعون لها الله يرزقها خلفا أفضل.

стр. 1408

وأما هؤلاء العدول الذين يشهدون على التزويج وعلى الطلاق فلا يعمل بشهادتهم، وأن فلانا تزوج بنت فلان وهى فلانة على صداق قدر هكذا، فإن تلك الشهادة باطلة لا يعمل بها، وإنما العمل في التزويج والطلاق هو ما ذكرناه وبيناه. قال عبد الله أمير المؤمنين محمد بن مولانا عبد الله: عدول هذا الوقت لا أُثبت شهادتهم ولا أُجوزها على حمار عائب لا فائدة فيه أحرى على تزويج مسلمة وهم كما قيل: لقد سألت هنيئا موجودا ... أبهتانا تريد أم كذوبا وقد أشار لهذا المنشور الكاتب ابن عثمان في رحلته البدر السافر حيث يقول إنه قد خرج التوقيع بأمره المطاع، وأمر أن يفشى ويذاع، ويذكر في الأندية ويشاع؛ بأنه إذا تزوج رجل وامرأة وتراكنا. فليظهرا ذلك علنا ولا حاجة إلى أولئك الذين تسموا بالعدول لما علم أنهم عن الحق عدول الخ. ووقفت له أيضًا قدس الله روحه على منشور رسم فيه ما يجب على القضاة التمشى عليه في الأحكام الشرعية وما يعاقب به من خالف ما رسم له منهم، وكذا أئمة المساجد ونظام الدروس في كلية القرويين وغيرها، وبيان ما يدرس فيها من الفنون والكتب وما لا؛ وجه بذلك لعلماء مصر يطلب منهم إعمال النظر فيه، ثم ما ظهر لهم صوابه يقرونه بخطوطهم وما كان غير صواب ينبهون عليه كذلك ليرجع عنه وإليك نص المنشور: الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، قال عبد الله أمير المؤمنين محمد بن عبد الله: ليعلم الواقف على هذه الفصول المذكورة في هذا الكتاب أننا أمرنا باتباعها والاقتصار عليها ولا يتعداها إلى ما سواها. الفصل الأول: في أحكام القضاة، فإن القاضى الذى ظهر في أحكامه جور وزور وما يقرب من ذلك من الفتاوى الواهية مثل كونها من كتب الأجهورية ولم

стр. 1409

يبلغ سندها إلى كتب الأقدمين، فإن الفقهاء يجتمعون عليه ويعزلونه عن خطة القضاء ولا يحكم على أحد أبدا. الفصل الثانى: في أئمة المساجد، فكل إمام لم يرضه أهل الفضل والدين من أهل حومته يعزلونه في الحين ويأتون بغيره ممن يرضون إمامته. الفصل الثالث: في المدرسين في مساجد فاس، فإنا أمرناهم أن لا يدرسوا إلا كتاب الله تعالى بتفسيره، وكتاب دلائل الخيرات والصلاة على رسول الله ﷺ ، ومن كتب الحديث المسانيد، والكتب المستخرجة منها، والبخارى ومسلما وغيرها من الكتب الصحاح، ومن كتب الفقه المدونة، والبيان والتحصيل، ومقدمة ابن رشد، والجواهر لابن شاس، والنوادر والرسالة لابن أبى زيد وغير ذلك من كتب الأقدمين، ومن أراد تدريس مختصر خليل فإنما يدرسه بشرح بهرام الكبير، والمواق، والخطاب، والشيخ على الأجهورى والخرشى الكبير لا غير، فهذه الشروح الخمسة بها يدرس خليل مقصورا عليها وفيها له كفاية وما عداها من الشروح كلها ينبذ ولا يدرس به، والشيخ على الأجهورى والخرشى الكبيران لم يكونا عندكم بفاس فأعلمونا بهما لنوجههما لكم تنسخون منهما وأنتم أعلمونا هل عندكم أم لا، ومن ترك الشراح المذكورين واشتغل يدرس بالزرقانى وأمثاله من شراح خليل، فإنه يكون كمن أهراق الماء واتبع السراب، ومن وصل في قراءته إلى قول خليل مسكين خليل أكلت لحمه الكلاب أو خليل خلق بهراما، فحين يصل لهذا الباب الذى فيه هذا الكلام الخبيث والعياذ بالله يجوزه ولا يذكره ولا يتعرض لقراءته، ويقرأ من الباب الذى يليه، وكذلك الذى يقرأ الشفا فحين يصل للربع الأخير يختم الكتاب ولا يقرؤه، وكذلك الذى يقرأ البخارى فحين يصل لحديث الإفك يتركه ولا يتعرض لقراءته. وهذه المسائل التي نهينا عن قراءتها فمن تعرض لقراءتها ونالته عقوبة على أيدينا فلا يلوم إلا نفسه، لأن المسائل التي نهينا عن قراءتها لم يذكرها أحد من

стр. 1410

أئمة المسانيد رضى الله عنهم، ولا تعرضوا لها، والعلماء الأقدمون رضوان الله عنهم أمثال السيوف اليمانية يفرقون بين الحق والباطل بضربة واحدة، وهؤلاء الأجهوريون ونظراؤهم في أمثال العصا، أترى السيف يشبه بالعصا، وقد قال القائل: ولا شك أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل هذا السيف خير من العصا وكذلك قراءة سيرة المصطفى ﷺ كالكلاعى، وابن سيد الناس اليعمرى. وكذا كتب النحو كالتسهيل والألفية وغيرهما من كتب هذا الفن، والبيان بالإيضاح، والمطول، وكتب التصريف وديوان الشعراء الست ومقامات الحريرى، والقاموس، ولسان العرب وأمثالهما مما يعين على فهم كلام العرب، لأنها وسيلة إلى فهم كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ وناهيك بها نتيجة. ومن أراد علم الكلام فعقيدة ابن أبى زيد رضى الله عنه كافية شافية يستغنى بها جميع المسلمين. وكذلك الفقهاء الذين يقرءون الأسطرلاب وعلم الحساب، فيأخذون حظهم من الأحباس لما في ذلك المنفعة العظيمة والفائدة الكبيرة لأوقات الصلاة والميراث هـ. وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله. الحمد لله وحده. ومن أراد قراءة علم الأصول فإنه أمر قد فرغ منه، ودواوين الفقه قد دونت ولم يبق اجتهاد، والطلبة الموجودون في الوقت كل من أراد منهم أن يتعاطى علم الأصول فإنى أقول فيه أراد أن يتزبب قبل أن يتحصرم. اهـ. بحمد الله وتوفيقه. الحمد لله. ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غلاة الصوفية وكتب القصص فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذكرناه في المساجد ونالته عقوبة فلا يلوم إلا

стр. 1411

نفسه، وهؤلاء الطلبة الذين يتعاطون العلوم التي نهينا عن قراءتها ما مرادهم بتعاطيها إلا الظهور والرياء والسمعة ويضلون طلبة البادية، فإنهم يأتون من بلدهم بنية خالصة في التفقه في الدين وحديث رسول الله ﷺ ، فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها يظنون أنهم يحصلون على فائدة بالعلوم المذكورة ويتركون مجالس التفقه في الدين واستماع حديث خير المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وإصلاح ألسنتهم بالعربية فيكون سببا في إضلال الطلبة المذكورين وهؤلاء الطلبة يظنون أنهم ماهرون في العلوم المذكورة فمن جاء يستفتيهم في مسألة فقهية لا يحسنون الجواب فيها. وهذه العلوم التي نهينا عن قراءتها كان أعظم من يأمر بالاشتغال والاعتناء بها في زماننا من أيام سيدنا ومولانا إسماعيل قدس الله روحه إلى وفاته السيد أحمد بن مبارك الفيلالى عفا الله عنا وعنه، وأخلفه فيها السيد عمر الفاسى: قال عبد الله أمير المؤمنين مولانا محمد بن مولانا عبد الله: لو كنت قاضيا لم أقبل شهادتهما ولم أثبهما؛ لأن السيد أحمد بن مبارك سمعت من الناس الثقات الذين ليس بينهم وبينه مشاحنة أنه كان يفتي بالفتاوى الواهية لتضييع حقوق المسلمين، ولا يخفى عنكم ما ذكرنا، ونأمر الفقيه السيد التاودى أن يكون عمله على ما في هذا الكناش هـ بحمد الله ١٢٠٣٢٧. ونص ما كتب به لفقهاء مصر: "الحمد لله إلى السادات الفقهاء بمصر عموما وخصوصا سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ورضوانه، ونطلب من الله لنا ولكم الهداية والتوفيق بجاه المصطفى ﷺ ، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب. أما بعد: فاعلموا رعاكم الله أننا وجهنا مع ولدنا الأرضى سيدى عبد السلام أصلحه الله هدية للسادات الأشراف مبينة في هذا الدفتر فالله يتقبلها، كما نريد

стр. 1412

منكم أن تطالعوا مسائل أُخر مؤكدة في هذا الدفتر يمنته قد أمرنا قضاة المغرب أن يحكموا بها فما كان منها على صواب أثبتوه واكتبوا عليه بخطوط أيديكم، وما كان منها على خطأ فاكتبوا عليه أيضًا بخطوط أيديكم في الدفتر المذكور لنرجع عنه، ووجهوا لنا الكناش بعينه وعليه خطوط أيديكم. وكما يصلكم أيضًا تأليف سميناه اختصار الحطاب نريد منكم أن تطالعوه فالله يوفقنا وإياكم بمنه آمين يا رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .. بلفظه. وفعلا نكل من حاد عن سلوك الجادة وخالف ما رسم له من التعاليم الشرعية، والقوانين المرعية، من قضاة المغرب فقد عزل قاضى مراكش فارس عبد العزيز العبدلى لسلوكه في خطته غير الجادة واستبداده على غيره من العلماء وإهانته لهم وسجنه وفلسه واستصفى أمواله وأجنته. قال في الترجمان المعرب: إن هذا القاضى كان جريئا قوى الشكيمة لا يقيم لعلماء وقته ومن معه منهم بحضرته وزنا، ولا يقدر أحد منهم على رد أحكامه ولو خالف النص المشهور، إلى أن وجه المترجم يوما أحد كتابه في قضية بلغته وأمره أن يحضر مع القاضى لفصلها علماء سماهم له منهم الشريف العلامة المولى عبد الله بن إدريس المنجرة، إذ كان نقله المترجم لمراكش ورشحه للتدريس والخطبة والإمامة بجامع المواسين، وأمر أن يكون الاجتماع لفصل تلك النازلة بالمسجد المذكور، ولما اجتمع القاضى والعلماء وحضر الخصمان تصدر القاضى على عادته ولم يستشرهم، ولا بالى بأحد منهم، وحكم بما ظهر له، فقال الشريف المذكور: يا عبد العزيز اسمع منى، قاض بزور ممكن وعالم بزور غير ممكن، وجه الحكم في النازلة غير ما حكمت به وخلاف ما ذكرت وهو كذا وكذا وذكر نصوصه ورتب

стр. 1413

فروعه، وقال للشهود: اشهدوا على بهذا فبهت القاضى وخاف العلماء على الشريف المتكلم من حصول الإذاية له وانفض المجلس. ولما بلغ المترجم تفصيل ما راج أمضى حكم الشريف وأكرمه، وعزل القاضى وفلسه وأعطى للمولى عبد الله المذكور جنانا من أملاك القاضى فلم يقبله وكتب للمترجم كتابا يقول فيه: أما ما فعله أمير المؤمنين من حيازة ماله فعين الصواب وحيازته لبيت المال فهو موافق لنصوص أهل العلم كما في ابن سلمون والحطاب وغيرهما، وأما الجنان فعبد الله غريب الدار يكفيه جامع المواسين، ثم بعد أن سرح القاضى استأذن المترجم في التوجه لأداء فريضة الحج فساعده ووصله بألف ريال خمسة آلاف فرنك، وبعد رجوعه من الحجار ولاه القضاء وشرك معه غيره، ولم يعد لحاله الأول إلى أن مات؛ وعزل القاضى أبا محمد عبد القادر بو خريص وولى يوسف بو عنان في قضية مثل هذه؛ وأما قضاة المدن والقبائل والقرى فكان في كل سنة يعزل واحدا منهم إلى أن اجتمع ببابه نحو العشرين هـ بتصرف. * * * نصيحته للأمة ومن ذلك نصحه للعمال والعامة وتحذيره لهم من الخروج عن مناهج الشرع في دينهم ودنياهم، وقفت له في ذلك على رسالة فاخرة؛ وبإيراد نصوص الكتاب والسنة في كل مهم عاطرة؛ ودونك نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. وبعد: فقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [سورة النحل ٩٠]

стр. 1414

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [سورة الحج ٤١] وقال ﵇: "كلكم راع ومسؤل عن رعيته". وقد بلغنا ما حدث في العامة من عموم الجهل بالتوحيد وأصول الشريعة وفروعها حتى ارتكبوا أمورًا تقارب الكفر أو هى الكفر بعينه، وذلك من خلو القبائل من طلبة العلم العاملين وقلة المرشد المعين حتى لا تجد في القرية الكبيرة عالما يرجعون إليه في مسائل دينهم ونوازل أحكامهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وذلك من تفريط العمال وقلة اعتنائهم بالدين والعهدة عليهم في ذلك، لأنهم ينبغى لهم الغبطة في العلم والعلماء وتقريب أهل الخير والدين؛ والاقتداء بالأولياء والصالحين؛ وإعانة النجباء من قبيلتهم على طلب العلم من محله؛ وأخذه عن أهله؛ ففى الحديث: طلب العلم فريضة؛ وقال ﵇: "اطلبوا العلم ولو بالصين". وفى الحديث: "العالم في قومه كالنبى في أمته". فإن العالم إذا كانت بطانته صالحة كانت أعماله جارية على الصلاح والسداد، وإذا كانت بطانته على غير هداية كانت أحكامه مخالفة للشريعة فضل وأضل، وقد قال ﵇: "ما من وال إلا له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا ومن وقى بطانة السوء فقد وقى". وقال ﵇: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". وقال ﵇: "بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء". وقال ﵇: "يأتى على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر".

стр. 1415

وهذا آخر الزمن الذى أخبر الصادق المصدوق ﵇ بفساده وعموم الفتن والأهواء والبدع الدالة على اقتراب الساعة، نسأل الله حسن الخاتمة، فينبغى للمؤمن المشفق على نفسه عموما وخصوصا العمال البحث عن دينهم ومعرفة أحكام ما دفعوا إليه وقلدوه من أمر رعاياهم ليسيروا على منهاج الشرع ويرتكبوا ما ينجيهم مع الله، ففى الحديث: لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وفى الحديث: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة أحيانا مخافة السآمة علينا. "فأول ما ضيعت العامة أصول الدين وفروعه وتهاونت بالإسلام وقواعده فمنه التوحيد الذى هو أساس الدين والقطب الذى عليه المدار، وسلامة العقيدة هى أصل الخير والنجاة من النار؛ فينبغى العناية به أتم، والمؤمن بأصل دينه أهم". "ومنه التهاون بالصلوات الخمس والجهل بوسائلها كالاستبراء والوضوء والطهارة والأذان، والصلاة هى عماد الدين وذروة سنامه قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [سورة البينة: ٥]. وقد ذكرها الله سبحانه في آيات كثيرة من كتابه وحض على إقامتها والمحافظة عليها، قال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٨]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [سورة المؤمنون: ٩ - ١١] وقال ﵊: "الصلاة عماد الدين". وقال: "بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة". وقال: "من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا". وقال ﵇: "أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله".

стр. 1416

وكتب سيدنا عمر رضى الله عنه إن أهم أمركم عندى الصلاة، فمن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وقد جعلها الله سبحانه للمحافظين عليها واعظا وناهيا فقال: ﴿... إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ...﴾ [سورة العنكبوت: ٤٥] وقال سيدى خليل: ومن ترك فرضا أخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضرورى وقتل بالسيف حدًّا، ولو قال أنا أفعل وصلى عليه غير فاضل". "ومنه أمر الزكاة الواجبة في الأموال والأنعام والحبوب لمن حال عليه الحول وكمل عنده النصاب، وقد حدث فيها من الخيانة والتدليس وتقاعد الناس عليها والامتناع من إخراجها إلا بالقهر ما صيرها جباية، وثقلت على العامة، حتى صارت مغرما مع أنها زيادة في الأموال وبركة فيها وحفظ لها. الزكاة أخت الصلاة، فكما أن الصلاة طهرة للأبدان، الزكاة طهرة للأموال قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ... (١٠٣)﴾ [سورة التوبة: ١٠٣] وفى الحديث عنه ﵊: "ما مانع الزكاة بمسلم". وعنه ﷺ : "حصنوا أموالكم بالزكاة. وعنه أيضًا ما ضاع مال في بر ولا في بحر إلا بترك الزكاة فيه". وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [سورة التوبة: ٣٤، ٣٥]. وفى الأثر: كل مال لم تؤد زكاته فهو كنز، وعنه ﵇: "ما من صاحب مال لا يؤدى حق الله فيه إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه أى شدقيه يقول أنا كنزك". وعنه ﷺ : "ما من صاحب إبل ولا بقر

стр. 1417

ولا غنم لا يؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس". ومنه صيام رمضان الذى أوجبه الله على كل عاقل بالغ صحيح حاضر قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ ... (١٨٥)﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وقد ضيعت العامة حقوقه وتهاونوا بصيامه حتى إنه بلغنا مجاهرة بعضهم بأكله من غير نكير، ومن صامه صامه من غير قيام بحقه ولا معرفة بما يصحح صومه أو يفسده، وأكثرهم يصومون ولا يصلون، وفى الحديث: الصيام جنة ما لم تخرقه، وعنه ﵇: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وعنه ﵇: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". ومنه الحج للمستطيع قال تعالى: ﴿... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... (٩٧)﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] والاستطاعة هى الزاد والراحلة والأمن على النفس والمال، وقال ﵇: من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقال ﵇: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. وقد سمعت العامة فضله وجحدوا حكمه وارتكبوا فيه من البدع والرياء والسمعة ما أفسدوه عليهم، فإن الحاج ينبغى له اختيار الحلال المحض لذلك، والمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، ومعرفة أحكامه وسننه، وترك المراء والجدال والرفث والفسوق وحفظ الجوارح من المعاصى، وخصوصا الفرج واللسان قال الله سبحانه: ﴿... فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... (١٩٧)﴾ [سورة البقرة: ١٩٧] وقد صار اليوم عند العامة لهوا ولعبا، وجل العامة لا يقصد به إلا

стр. 1418

التسمية بالحاج فقط ولا يقصد به فرضا ولا غيره، فتجد الرجل يتوجه للحج ومن حين خروجه وهو متلبس بالمعاصى من أكمل الحرام وترك الصلوات والتهاون بأمور الدين، ولا يعرف ما يأتى وما يذر، ويرجع وقد توجه لفرض فعطل فروضًا. ولم يدر مسنونا ولا مفروضا. أولئك الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". "ومن أركان الدين الجهاد في سبيل الله وهو فرض كفاية ما لم يفجإ العدو، فإن فجأ العدو كان فرض عين، قال سيدى خليل: وتعين بفجإ العدو وإن على امرأة وصبى .. إلخ. وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... (٢١٦)﴾ [سورة البقرة: ٢١٦]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [سورة البقرة: ٢٤٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ... (١٢٣)﴾ [سورة التوبة: ١٢٣]، وقال سبحانه: ﴿... وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [سورة التوبة: ٤١]، وقال: (الذين آمنوا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) (١)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ ... (١٠)﴾ [سورة الصف: ١٠]، وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ... (١٦٩)﴾ [سورة آل عمران: ١٦٩]. وقال ﵇: "الجهاد رهبانية أمتى". وقال: "لكل نبى حرفة وحرفتى الجهاد في سبيل الله"، وقال: "جعل رزقى تحت ظل رمحى وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى"، وقال: "من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية"، وقال: "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا".

стр. 1419

فينبغى للمؤمن الموقن أن يسمع ويطيع لما أمر الله به من الجهاد، ويستعد بما قدر عليه من سلاح وفرس جواد، وتعلم رماية وفروسية ليأجره الله على نيته، ويثيبه على حكم قصده وطويته، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... (٦٠)﴾ [سورة الأنفال: ٦٠]، وليتعلم ما يتعلق به من الأحكام من حسن النية والإخلاص وصدق العزيمة، لتكون كلمة الله هى العليا، ويشعر نفسه تصديق ما وعد الله به من نصر الإسلام وأهله، وخذلان الكفر وشيعته، ويعرف حرمة الفرار من الزحف وما أعد الله لمن مات شهيدا مقبلا، وما أعد الله لمن مات مدبرا ليكون على بصيرة فيما يأتى وما يذر". "وهذا الجهل الواقع في قواعد الدين إنما هو من قلة العلم وعدم مخالطة العلماء وسؤالهم عن مسائل الشريعة المطهرة، فتجد أحدهم بصيرًا بأمور معاشه وبيعه وشرائه جاهلا بأمور دينه واعتقاده، غافلا عن معاده، لعدم اعتنائه بآخرته، وقلة نظره في أمور عاقبته، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد عم ذلك حتى صار المعروف منكرًا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وارتكبت العامة أمورًا قريبة من الكفر أو هى الكفر بعينها". "فمنها فساد البيع والشراء والمعاملات وهو سلف الدراهم بالزيادة أو كراؤها بكذا في الشهر لكل مثقال وغير ذلك من أنواع الربا، وقد شدد الله في أمره وآذن المصرّ عليه بالحرب فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ... (٢٧٥)﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥]. وقال ﵇: "من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به"، وقال ﷺ : "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده". "ومنها فساد الأنكحة والتساهل فيها من خطبة أحدهم على خطبة أخيه والدخول على المطلقة قبل تمام العدة وغير ذلك من المنكرات، وأشنعها وأبشعها ما

стр. 1420

يرتكبه الأشياخ الفجرة من بيع النساء على ما بلغنا، وصورة ذلك أن يقبض الرجل وتوظف عليه الذعيرة فلا يفي بها ماله وتكون عنده الزوجة المرغوب فيها فيتحمل الراغب فيها بما بقى من الذعيرة ويسلمها له، ويجعلها العدول الفجرة في صورة خلع، ويدخل بها الراغب قبل وفاء العدة، وهذا وشبهه من الإلحاد في الدين، والخروج عن شريعة سيد المرسلين". "ومنها التساهل في أمر الزنا والاكتفاء فيمن ثبت عليه بالقبض والذعيرة، وذلك من المنكر الذى لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون؛ لأنه خرق الشريعة وإبطال لأحكام القرآن وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [سورة الإسراء: ٣٢]، وقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ... (٢)﴾ [سورة النور: ٢]، هذا في البكر وأما الثيب فالرجم، فقد قال ﵇: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". وقال: "الزنا بريد الفقر ولا ظهر في قوم الزنا إلا فشا فيهم الموت". "ومنها التساهل في أمر السرقة والاكتفاء برجوعها وزجر السارق، وهذا مخالف للشرع، مبطل لحكمه الذى هو القطع، قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... (٣٨)﴾ [سورة المائدة: ٣٨]. وقال ﵇: "والله لو سرقت -وذكر عضوا شريفا من ذات شريفة حاشاها من ذلك- لقطعت". "ومنها تسلط الأشياخ على نسوة رعاياهم بالاحتيال على من كان تحته زوجة حسناء بقبضه حتى يتوصل للفاسد في زوجته". "ومنها التساهل في أمر الدماء التي شدد الله فيها وأمر بالقصاص فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ... (١٧٨)﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ... (١٧٩)﴾ [سورة البقرة: ١٧٩] وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا

стр. 1421

بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [سورة الإسراء: ٣٣] فتجد القاتل يسبق إلى الشيخ أو العامل للإعلام والرشوة ليبطل حق المقتول ودعوى أوليائه إن رفعت إليه، ويسعى في إبعاد التهمة عنه، وربما يتجرأ على الله بقبض أولياء الدم ليدحض دعواهم. ويحسم شكواهم". "إلى غير ذلك من المنكرات التي حدثت في الوقت نسأل الله السلامة، فإن الشَّرَّفى الزيادة كما أخبر ﷺ ، فيجب على من ولاه الله أمرا أن ينصح لنفسه ولرعيته جهد الاستطاعة، ويحملها على اتباع السنة والجماعة، ويزجر من قصر في دين الله وخالف أمره وارتكب ما نهى عنه بقدر معصيته، ويقوم بأمر الله فيهم وطاعته، ويبرأ بنفسه فيحملها على منهاج الحق والشريعة، فإن الرعية على دين رئيسها، فحينئذ ينفع تعليمه ويقبل ما يقول، ويلزم كل دوار وجماعة مشارطة طالب علم يرجعون إليهم في أمر دينهم، وتعليم صبيانهم وجهالهم، ويقوم بالأذان والصلوات الخمس في أوقاتها. والجماعة التي لم تفعل ذلك يزجرهم ويعاقبهم، ويختار الأشياخ أهل الدين الذين يقومون بذلك، ويستعين عليه بالقضاة أهل العلم والعمل، الذين يتقون الله ويتحرون في أحكامهم، ومن ثبت عليه حد من حدود الله شرعا يطالعنا به لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه. ويشدد على أهل الجرائم والفساد، ويرفق بالضعفاء والمساكين، فما سمعنا عاملا قبض أحدا على ترك الصلاة أو ترك الوضوء أو عاقبه على قلة دينه أو أدبه على قول أو فعل خارج عن الشرع العزيز، وإنما يبلغنا قبض العمال على الذعيرة أو مخالفة الشيخ أو الغوغة عليه أو غير ذلك من الأغراض والشهوات الدنيوية التي لا تعلق لها بالدين، مع أن القيام بأمور الدين أولى، والاهتمام بالاستقامة فيه أهم.

стр. 1422

ولو استقام دين العامة لاستقام أمر دنياهم فينبغى، للعاقل إيثار أهل الدين على الدنيا، ففى محض حق الله تجب المبادرة، وفى الشمائل: كان ﷺ لا يغضب لنفسه إلا إذا انتهكت (١) محارم الله فلا يقوم لغضبه شئ. فمن وفقه الله للاقتداء برسول الله ﷺ فقد رشد واهتدى، ومن حاد عن سبيله فقد غوى واعتدى، فإنه ﵇ تركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا شقى، وليجعل أموره كلها جارية على الكتاب والسنة ويسأل العلماء عما لم يعلم، ويرفع القضايا الشرعية للقضاة، ويأمرهم باختيار الشهود أهل العدالة والدين، ليتم له من ذلك ما أراد، ومن ظهرت عليه جرحة في شهادته ينكل به ويمنعه من الشهادة لينزجر به غيره، وتجرى أمور الشرع على مقتضاها، فإن بصلاح الشهود تستقيم أمور الشرع؛ لأن بهم عصمة الدماء والأموال والأنساب. وصلاح الشهود بصلاح القاضى، وصلاح القاضي بالعلم والتقوى والورع ومعونة العامل على تنفيذ أحكامه، فمن قام بهذا من العمال فقد نال رضا الله ورسوله ورضانا، وفاز بخير الدارين، فإن بالعدل ثبات الولاية وملاك أمرها، ولا يتم ذلك إلا بمشاورة الصلحاء والاهتداء بهديهم، فإن مصاحبة الأخيار، ترفع الأقدار، وتبلغ منازل الأبرار، وقد قيل: والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح ولا يقال فسد الزمان وقل أهل الدين، وفقد الناصر والمعين، فإن من قام بالله وجد في إقامة شريعة رسول الله ﷺ بعزمة صادقة رزقه الله المعونة على ذلك، والتوفيق لسلوك تلك المسالك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز. ومن حاد عن هذا السبيل من العمال وقصر في نصح رعيته ولم يحملها على أفضل الأخلاق والأعمال فقد تعرض لسخط الله ومقته، وحلول العقوبة المعجلة به ولا يلوم إلا نفسه، ولا يضر إلا رأسه.

стр. 1423

ولتكن نسخة من هذا الكتاب عند كل شيخ وكل طالب، ليبلغ الشاهد الغائب، ولنخرج من عهدة التقليد، ومن خالف الشرع أو حكم بغير ما أنزل الله أو رضى بذلك فحسابه على الله، قال الله سبحانه: ﴿... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ... (٧)﴾ [سورة الحشر: ٧]، وقال: ﴿... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [سورة النور: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٥]، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٧]، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [سورة المائدة: ٤٤]. فها نحن قد ذكرناكم وبصرناكم. وعرفناكم مرادنا فيكم وقلدناكم، وعلى سبيل النجاة دللناكم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، فاجعلوا هذا الكتاب نصب أعينكم، وتدبروا ما فيه ببصيرة نافذة، وعقول حاضرة، لتعملوا (١) بمقتضاه. والله يوفقكم لما يحبه ويرضاه والسلام". عطاياه وأحباسه: لا أستطيع أن آتى على ما له في هذا الباب، ولو تتبعته لأتى في مجلدات ولكن ما لا يمكن كله لا يترك كله، ودونك شذرات من ذلك. أما تبرعاته وعطاياه فإنه قد دون لذلك الدواوين، قال أبو محمد عبد السلام ابن الخياط بن محمد بن علال القادرى في تقييده في أبناء محمد النفس الزكية: دَوَّن -يعنى المترجم- ديوان العطاء للشرفاء والمتشرفة والمشروفين لكل ديوان وعطاء معلوم، وكذلك دوَّن ديوان الضعفاء والأيتام والأرامل وقدر لهم عطاءً معلومًا، وأعطى للعلماء والطلبة عطاء لم يسبق إليه، ودَوَّن للمؤذنين عطاء معلوما" انتهى.

стр. 1424

[مخطوطة] ظهير السلطان سيدى محمد بن عبد الله للمرابطين أولاد سيدي بوموسى بالتوقير والاحترام والسير على ما كانوا عليه من قراءة القرآن وإهداء ثوابها لمولاى الشريف ومولاى إسماعيل

стр. 1425

وأعطى لطبيبه الماهر العلامة الحكيم أبى العباس أحمد بن عبد الوهاب آدراق ألف دينار في آن واحد كما في الجيش وغيره. ولما سرح عبد العزيز العبدلى الذى كان قاضيا بمراكش بعد نكبته المتقدمة الذكر أعانه بألف ريال للحج كما سلف. وأعطى في فكاك أسارى الأتراك من مالطة مائتى ألف ريال وأربع وسبعين ألف ريال دورو، ولما لم يتيسر الفداء ورجع المال المذكور وجه بجميعه للسلطان عبد الحميد، وقال له: إن هذا المال أخرج في سبيل الله لفكاك أسارى المسلمين منكم، وحيث رده الكفار لا يرجع لنا، فأنفقه في فداء أساراكم أو في الجهاد أو فيما يظهر لكم. وقد بلغ عدد الأسارى المسلمين الذين أنقذهم من الأسر سنة ١٢٠٠ ثمانية وأربعين ألف أسير وزيادة من المغرب وغيره، وأنفق في ذلك أموالا طائلة. ورتب لأشراف تافيلالت في كل سنة مائة ألف مثقال زيادة على ما يقبضونه في أيام السنة متفرقا. ورتب لشرفاء الحرمين الشريفين واليمن مائة ألف مثقال في السنة، ومثلها لشرفاء المغرب، ونحو ذلك للطلبة والمؤذنين والقراء بالمكاتب وأئمة المساجد في كل عام. ولما كانت مسغبة عام تسعة وثمانين أجرى أرزاقا على الضعفاء والأغنياء، وأسقط الخراج فلم يُجبَ لبيت المال في تلك السنين من أحد شئ قط، وأوقف دورا لاستعمال الطعام للأرامل والأيتام والمساكين، ولم يزل على ذلك حتى صرف الله تلك الأزمة عن المسلمين، قاله في درة السلوك.

стр. 1426

وفى غلاء عام خمسة وتسعين ومائة وألف وصل أهل العدوتين الرباط وسلا وأهل مراكش وغيرهم بأموال لها بال، وكان يفرق على الدور ويوالى العطاء على الضعفاء والمساكين بيده، ورتب لهم الخبز مياومة، ودام على ذلك حتى اضمحلت المسغبة، وكان يعطى للتجار الأموال لجلب الميرة من الخارج وبيعها في الإيالة برأس مالها رفقا بعامة الضعفاء. ولما زار تافيلالت عام تسعة وثمانين وصل الشرفاء بما يزيد على مائتى ألف دينار، وأنعم على أهل الزاوية الناصرية بتامكروت بعشرة قناطير من معدن الحديد، خمسة من الصويرة وخمسة من آسفى. وفى عام سبعة وتسعين ومائة وألف وجه لأشراف الحرمين الشريفين أموالا صلة، وللشيخ مرتضى الزبيدى خمسمائة دينار ذهبا ومجانة منه، ومثل ذلك للشيخ أحمد الدردير، ولباقى علماء مصر سبعمائة دينار ذهبا. قاله الضعيف. وقال إن الشيخ مرتضى: لم يقبل تلك الهدية واعتذر عن عدم قبوله إياها بأنه لم يؤذن له ولم يقابل الوفد السلطانى الذى أتاه بها وكتب لهم بما نصه: وبعد السلام على كرام الوقت اقبلوا عذرى في التخلف عنكم في هذه الساعة وما ذكرتم لنا من أنكم صحبتم معكم صلة من جانب المنصور بالله، فإنه لم يؤذن لنا في قبولها وهو نصره الله قد استسمن ذا ورم. ونفخ في غير ضرم. والآن اذهبوا بالسلامة والسلام. ووجه مع صهره ابن عمه مولاى عبد المالك ابن إدريس في سفارته للسلطان عبد الحميد وحجته مع ابن عثمان، والسيد محمد الموزيرق، وشيخ الركب الحاج عبد الكريم بن يحيى هدية كبيرة للأشراف وأمرهم أن يتوجهوا من إِسَطنْبول للحج، وكان مقدار المال الموجهين به ثلاثمائة ألف ريال دورو وستين ألف ريال

стр. 1427

ومن الذِهب ضبلون ومنيضة وبندقى أربعين ألف لمعينين في الحرمين الشريفين في أحقاق كل حق مكتوب عليه صاحبه. ومن ذلك ما أصدره في الاستمرار على ما كان يعطيه لسيدى على منون، ونص ذلك بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكريم: "خديمنا الراضي بن القاضى سلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد: فنأمرك أن تدفع لدار سيدى على منون الزرع الذى من عادتنا الكريمة أن نعطيه إياه لعولته ولا تقطعه عليه والسلام في متم ربيع الأول سنة ١١٨٧". ومن ذلك أيضًا ما وجهه مع ولده العلامة أبى محمد عبد السلام صاحب درة السلوك وغيرها للسادات الأشراف أهل الحرمين الشريفين والينبوع وبدر وغيرهم، حسبما ذلك مفصل بالكناشة التي وجه بها لعلماء مصر وإليك نصها حرفيا: "الحمد لله وحده، هذا زمام هدية الحرمين الشريفين المتوجهة مع ولدنا الأرضى سيدى عبد السلام أصلحه الله ورضى عنه، وقدر الهدية المذكورة ألف سبيكة من الذهب، وقد أمرنا أن يفرق ذلك على ما هو مذكور ومبين بالكناش حتى يتوصل كل ذى حق إلى حقه إن شاء الله، وكتب في أوائل جمادى الأولى عام أربعة ومائتين وألف: القسمة الأولى: للسادات الشرفاء أهل المدينة المنورة ومن بينه وبين المدينة مرحلة واحدة مائتان من السبائك.

стр. 1428

القسمة الثانية: للسادات الشرفاء أهل مكة والوادى وجدة والطائف مائتان من السبائك. القسمة الثالثة: للسادات الشرفاء أهل ينبوع النخل وأهل ينبوع البحر مائتان من السبائك. القسمة الرابعة: للسادات الشرفاء أهل بدر ورابغ وخليص والصفرا والجديدة والحسينية وعين عجلان وجميع أشراف الحجار عن آخرهم، وإن نسينا فرقة منهم ولم نسمها فهى داخلة مع أشراف الحجار مائتان من السبائك أيضًا. القسمة الخامسة: لأهل المدينة المنورة خصوصا وعموما من غير الأشراف وفقنا الله وإياهم وأهل الرباطات والرواقات ومن له وظيف مائتان من السبائك إلا أن أهل الوظائف يأخذون على قدر خدمتهم في الحجرة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فيكون منهم من يأخذ ثلاث قسمات، ولحملة القرآن ثلاث قسمات ومنهم من يأخذ قسمتين، وعامة الناس يأخذون قسمة واحدة. وحاصل الأمر أننا فوضنا لأهل المدينة المشرفة في القسمة المذكورة فيقتسمون ذلك على قوانينه المعهودة عندهم، ولا حظ للرافضية الذين يبغضون الشيخين أبعدهم الله فلا يأخذون شيئا من المال المذكور ولو درهما واحدا، ومن حبى الرافضية المذكورين بشئ من المال المذكور فالله حسيبه وحسيب كل من منع حق مسكين من الغرباء والمجاورين لحرم رسول الله ﷺ من أهل الرباطات والرواقات وغيرهم من الذين لم يقدم بهم من بلادهم إلا شوق المصطفى ﷺ وجواره.

стр. 1429

وأنا أقول واجب على أهل المدينة أن يقدموا هؤلاء الغرباء المجاورين لحرم رسول الله ﷺ في الهدية على أنفسهم والهدية المذكورة لأهل المدينة خصوصا وعموما على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام، واعلموا أنه لا مدخل للشريف أمير مكة في تفريق المال المذكور بل يفرقه سرامين (١) وشرفاء المدينة، وإن بعث صاحبًا له يحضر على تفريق المال المذكور فليطرده أهل المدينة ويقولون له: إن بعث صاحبك شيئا فاحضر عليه، وأما هذا المال فلا مدخل لك فيه؛ لأن الشريف المذكور نهب من مال هدية شرفاء اليمن ستة عشر ألف مطبوع في العام الماضى فلا يحضر على تفريق هذا ولا مدخل له فيه بوجه ولا بحال، وإنما يحضر على تفريق المال المذكور شرفاء المدينة مع سرامين (١) والتفريق المذكور يكون على النسق المذكور إن شاء الله. الفصل الأول: قسمة السادات الأشراف أهل المدينة المنورة وما حولها فإنها ظاهرة، ويعرف بعضهم بعضا لأنهم حاضرون بطيبة. الفصل الثانى: قسمة السادات الأشراف أهل مكة والوادى وجدة والطائف، فإن قدم عليكم منهم نحو العشرين أو الثلاثين رجلا فلا تدفعوا لهم شيئا من الهدية المذكورة إلا إذا قدم عليكم منهم نحو المائة رجل وزيادة من خيار الشرفاء المذكورين وأعيانهم، وكل فرقة منهم تأتي بوكالة إخوانها وكالة مفوضة. وكيفية التفريق عليهم هو أن أهل مكة يأخذون حظ إخوانهم أهل مكة فقط بعد أن يبينوا لكم كل بيت وما يجب له في حظه من الهدية المذكورة، وكذلك سكان الطائف إنما يأخذون حظ إخوانهم سكان الطائف فقط، بعد أن يبينوا لكم

стр. 1430

كل بيت، وما يجب له في حظه من الهدية المذكورة، وكذلك أهل الوادى يأخذون حظ إخوانهم سكان الوادى فقط، وكذلك أهل جُدَّة يأخذون حظ إخوانهم سكان جُدَّة فقط، وكذلك إن كان بعض ديار السادات الأشراف قرباء لمكة المشرفة ولم يكونوا مذكورين في الزمام فيحسبون مع أهل مكة ويأخذون معهم، وسواء كانوا ديارا أو خياما، وكذلك إن كان بعض ديار السادات الأشراف قرباء للطائف فيحسبون من جملة أهل الطائف ويأخذون معهم، وكذلك أهل الوادى، وكذلك أهل جدة إن كان بعض ديار السادات الأشراف قرباء منهم فيحسبون من جملتهم ويأخذون معهم. الفصل الثالث: قسمة السادات الأشراف أهل ينبوع البحر وينبوع النخل، فكذلك أيضًا إن قدم عليكم منهم نحو العشرين أو الثلاثين رجلًا فلا تدفعوا لهم شيئا من الهدية المذكورة إلا إذا قدم عليكم منهم نحو المائة رجل وزيادة من خيارهم وأعيانهم، لأن السادات الأشراف أهل ينبوع البحر، وينبوع النخل فرق متعددة وبيوت كثيرة من الشرفاء، فكل فرقة منهم تأخذ حظ إخوانها من الهدية المذكورة، لكن بعد أن يبينوا لكم كل بيت وما فيه ويأتوا بوكالة إخوانهم وكالة مفوضة، فعند ذلك يدفع لهم حظهم ولا يدخل معهم فيها من هو مضاف لهم ومن لهم، إنما الهدية المذكورة مخصوص بها أبناء المصطفى ﷺ . الفصل الرابع: قسم السادات الأشراف أهل بدر، ورابغ، وخليط، والصفراء، والجَدَيِّدَة (١)، والحسينية، وعين عجلان، وجميع أشراف الحجاز عن آخرهم، وإن نسينا فرقة منهم ولم نسمها فهى داخلة في القسمة الرابعة مع السادات أشراف

стр. 1431

الحجاز، فالقسمة الرابعة كلها عامة على من هو شريف في الحجاز وإن لم يكن مذكورًا في الزمام، فكذلك وإن قدم عليكم منهم نحو العشرين أو الثلاثين رجلًا فلا تدفعوا لهم شيئًا إلا إذا أتتكم منهم نحو المائة رجل وزيادة من خيارهم وأعيانهم، وكل فرقة منهم تأتي بوكالة إخوانها، وكالة مفوضة. فأهل بدر يأخذون حظ إخوانهم الساكنين ببدر، وكذلك أهل رابغ يأخذون الساكنين برابغ، وكذلك أهل خليص يأخذون حظ إخوانهم الساكنين بخليص، وكذلك أهل الصفراء يأخذون حظ إخوانهم الساكنين بالصفراء، وكذلك أهل عين عجلان، وكذلك جميع أشراف الحجاز عن آخرهم كل واحد منهم يأخذ حظ إخوانه فقط. وأنتم إياكم ثم إياكم أن تدفعوا لأحد من السادات الأشراف حظ هذا لهذا أو حظ هذه الفرقة لهذه الفرقة، بل كل فرقة منهم تأتي بوكالة إخوانها وكالة مفوضة، وتأخذ حظها، لكن بعد أن يبينوا لكم كل بيت وما يجب له من الهدية المذكورة. وعلى هذا يكون عملكم، وقد تشفعنا للسادات الأشراف أهل المدينة المنورة بالمصطفى ﷺ ومحبتنا فيهم أن يقفوا على هذه القسمة في هذه السنة للسادات الأشراف حتى يتوصل كل ذى حق منهم بحقة، لأنها إذا تحققت القسمة في هذه السنة فتسهل في السنين التي بعدها، وبها ينقطع الخصام بين السادات الأشراف وفر الله جمعهم الحمد لله وحده. وكما يصل للحرمين الشريفين ومصر والإسكندرية مع ولدنا الأرضى سيدى عبد السلام أصلحه الله ورضى عنه وفى مهل جمادى الأولى عام أربعة ومائتين وألف:

стр. 1432

فللفقهاء وجميع الطلبة بالمدينة على مراتبهم من طلبة العلم وطلبة القرآن ألف منيضة يقتسمونها على المراتب. ولفقهاء الاسكندرية ومدرسيها وسائر طلبتها وطلبة القرآن والعلم ألف منيضة يقتسمونها على المراتب. ولمدرسى مصر والفقهاء وسائر طلبة الرواقات على مراتبهم خمس عشرة مائة منيضة يختص الفقهاء والمدرسون بالأزهر بخمسمائة، الألف الباقى يفرقونه الطلبة على المراتب جميع المنيضة ثلاثة الآف وخمسمائة. وللحسنين بمصر مائتان من البندقى. وللإمام سيدى محمد بن إدريس الشافعى مائة بندقى. وللبكريين خمسمائة بندقى. وللعمريين خمسمائة بندقى. وللوفائيين مائة بندقى. ولسيدى أحمد البدوى مائة بندقى. وللشيخ أبى العباس المرسى مائة بندقى. ولسيدى البصيرى مائة بندقى. ولبيت الله الحرام ألف بندقى لفقهائه وسائر طلبته وأهل الوظائف من عند ولدنا الأرضى سيدى عبد السلام أصلحه الله لأن ألفين مثقالًا التي تتوجه لكم من عندنا في كل سنة فقد كنا قدمنا لكم الكتب على أنكم تقبضونها من عند المتولى في موضع الشريف سرور عن كل سنة من الستة عشر ألف مثقال التي كان أخذ من الهدية، وهى واجب ثمان سنين فقد أذنا لكم في قبضها منه على حسب ألفين مثقال في كل سنة، وأما الألف بندقى المذكور فهو من عند ولدنا عبد السلام أصلحه الله آمين جميع البندقى ألفان وسبعمائة.

стр. 1433

فالصلة التي توجه بها ولدنا سيدى عبد السلام أصلحه الله هو يتولى تفريقها بالمدينة المنورة بعد أن يحج ويرجع من مكة، وواجب أهل مصر والإسكندرية يدفعه بمصر عند التشرقة. والهدية التي توجه بها السيد على الشبانى من اسطنبول مع سرامين، فقد كنا أمرناه وعنده أمرنا أن سرامين يفرقها بالمدينة المنورة قبل أن يحج وقبل أن يصل لمكة المشرفة، وقدر عدد الهدية المذكورة ألف سبيكة وتقسم على خمس قسمات مائتا سبيكة في كل قسمة: القسمة الأولى: لشرفاء المدينة وما حولها. الثانية: لشرفاء بيت الله الحرام ومن ذكر معهم. الثالثة: لشرفاء الينبوع ومن ذكر معهم. الرابعة: لشرفاء بدر وخليص والصفرا والجديدة وشرفاء الحجاز كلهم. الخامسة: لأهل المدينة خصوصًا وعمومًا وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله. وكل هدية وردت من عندنا لآل بيت رسول الله ﷺ تقسم على خمس قسمات كما ذكر، أربع للسادات الشرفاء، والخامسة لعامة أهل المدينة المنورة، وبمكتبتنا من هذا المنشور نسخة من أصله فتوكرافية. ومن ذلك هبته للسادات الشرفاء صرحاء الأنساب إراثة المنقطعين وجباية الأعشار وحصرهم في ستة عشر شعبة، جعل الإنعام عليهم خصوصًا بذلك، وأصدر بذلك ظهيرًا كريمًا أمر بتعداد النسخ منه وتسجيله في حوالة القرويين زيادة في صيانته والمحافظة عليه.

стр. 1434

وسبب تلك الهبة على ما في تحفة الحادى المطرب لأبى القاسم الزيانى: أنه لما كانت سنو المسغبة ورتب الخبز في المدن يفرق في كل حومة على ضعفائها، اجتمع شرفاء فاس وطلبوا منهم أن يخصهم بنصيبهم ولا يدخلون مع العامة، فقال لهم: هذا شئ تافه وسأخصكم بما هو كثير منه، فأنعم عليهم بمال إراثة فاس. اهـ. الغرض. فأصدر ظهيرًا لهم بتنفيذ ذلك على وجه الإقطاع وقفت على نسخة منه مسجلة إليك نصها: "الحمد لله، نسخة رسم وخطاب من يجب أمنه الله عقبه بما سيذكر نصه: الحمد لله نسخة ظهير كريم مولوى هاشمى سلطانى محمدى والخط والطابع الشريفان بين الحمدلة وصدر افتتاحه، ورسم الرفع عليهما بطرته، والقبول عقبه، نص أوله: "الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ونص الخط: محمد بن عبد الله كان الله له، ونص الطابع بما هو بداخله: محمد بن عبد الله بن إسماعيل الله وليه ومولاه، وما هو بدائرته المحيطة به: ومن تكن برسول الله نصرته؛ إن تلقه الأسد في إجامها تجم. ونص الظهير: " "هذا ظهير كريم، تتلقى أوامره المطالعة بالإجلال والتعظيم، وتتأرج منه نسمات الوقار والتكريم، يتعرف منه بسابغ يمن الله وطوله، وجميل بركته وجليل فضله، أننا وهبنا متخلف المنقطعين بحضرة فاس على ما يذكر في هذا المسطور الكريم من السادات الأشراف الجلة وفرهم الله وهم الشرفاء الإدريسيون: (١) أهل دار القيطون و (٢) الطاهريون و (٣) العمرانيون و (٤) الطالبيون و (٥) الغالبيون و (٦) الصقليون و (٧) العراقيون و (٨) المسفريون و (٩) الدباغيون و (١٠) الكتانيون و (١١) الكانونيون و (١٢) الشفشانيون و (١٣) الفضيليون

стр. 1435

والطاهريون (١٤) أهل مكناسة وأهل حمام الجديد و (١٥) أولاد سيدى على منون (١٦) ومن هو متأهل بفاس من بنى عمنا. فهؤلاء القبائل المذكور حفظهم الله هم الذين وهبنا عليهم متخلف المنقطعين بفاس، سواء كان أثاثًا أو عقارًا، أو غير ذلك، بحيث لا يدخل معهم غيرهم ولا يخرج من كان من شرفاء فاس قاطنا بغيرها كالدباغيين الذين بمراكش هبة مؤبدة مبتلة ممنوعة أسباب النقض إن شاء الله إلى يوم الدين، قصدنا بذلك وجه الله العظيم، وصلة رحمهم، تقبل الله منا ذلك بفضله. وقد قدرنا لهم القسم في مستفاد ذلك عن كل ثلاثة أشهر، بأن يعطى لكل متزوج من الشرفاء ومملك ومتزوجة ومملكة قسمة على السواء بينهم، وللعجائز منهم ومن ليست في نفقة أحد يسهم لها سهمان لعجزها، ومن كان من الشرفاء غنيا وسامح في واجبه لبنى عمه فالله يتقبل له، وإن أراد البقاء على حقه فله ذلك. وقد أبقينا الحاج محمد السراج ناظرًا على مال المنقطعين، ويلازمه اثنان من الشرفاء في جميع ما يتصرف فيه من ذلك مناوبة، وهذا الظهير الكريم يجعل في دار القيطون، وتجعل منه نسخة في حوالة مسجد القرويين عمره الله، وأذنا لكل فرقة من هؤلاء الشرفاء أن يتمسك بنسخة من هذا الظهير الكريم مسجلة على خط قاضى فاس الإدريسية، تقبل الله منا ذلك بفضله، وإنه ولى ذلك بمنه وكرمه آمين. وقد زدناهم كل أهل ورثه بيت المال لا قديمًا ولا حادثًا يباع ويفرق عليهم ثمنه إن كان فيه أحد ساكنًا يخرج منه ولا نقبل له كلامًا في ذلك، لأننا وهبناه لهم هبة لا رجوع فيها بالكلية، والله تعالى يصلحهم ويوفق جميعهم لما فيه رضاه آمين والسلام.

стр. 1436

صدر أمرنا المطاع بما سطر كله في ثامن عشرى ربيع الثانى عام تسعين ومائة وألف، ونص رسم الرفع بالطرة: "الحمد لله، فمن يعلم ويتحقق أن الخط الشريف والطابع الكريم الذين بين الظهير والحمدلة أعلاه هو خط مولانا الإمام. المظفر الهمام. السلطان الأعظم والملاذ الأفخم. أمير المؤمنين محيدى محمد بن مولانا عبد الله أيد الله مجده، وأدام في فلك السعادة سعده، وطابعه قاله عارفهما ومعرفا بهما من غير شك لحقه في ذلك ولا ريب، وبه قيد شهادته في ثانى رجب الفرد الحرام عام تسعين، المؤرخ به أعلاه أحمد بن محمد بن سليمان لطف الله به وعبيد ربه محمد بن طاهر الهوارى لطف الله به، وبعده بخط من يجب أمنه الله: الحمد لله أديا فقبلا وأعلم به عبد الله تعالى يوسف بن محمد الطالب البوعنانى الحسنى الله وليه ومولاه، قابلها بأصلها فماثلته وأشهده الفقيه الأجل، العالم الأفضل الشريف المنيف الأمثل، قاضى الجماعة بالحضرتين فاس الإدريسية والعليا، وهو يوسف بن محمد الطالب البوعنانى الحسنى أعزه الله تعالى وحرسها بقبوله الرسم المنصوص عنده القبول التام بواجبه، وهو حفظه الله تعالى بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر في رابع رجب الفرد الحرام عام تسعين ومائة وألف محمد بنيس وفقه الله بمنه ولطف به. وأحمد بن محمد بن سليمان لطف الله به، وبعده بخط من يجب أمنه الله: أعلمته قابلها بأصلها فما ثلته وأشهده الشريف الفقيه الأجل، العالم العلامة الأفضل، الدراكة الفهامة الأحفل، المدرس المحرر النحرير الأمثل، الحجة القدوة الأكمل، قاضى الجماعة بحضرة فاس الإدريسية المحفوظ بالله ، وهو عبد الهادي عبد الله الحسنى أعزه الله تعالى وحرسها بأعمال الرسم أعلاه عنده الأعمال التام بواجبه، وهو حفظه الله تعالى ودامت كرامته بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر، وفى عاشر ربيع الأول النبوى الأزهر عام تسعة بمثناة وستين ومائتين وألف محمد الطالب ابن حمدون ابن الحاج لطف الله به ومحمد بن محمد بن الطاهرى الحسنى وفقه الله بمنه ولطف به وبعده: استقل".

стр. 1437

وبعد صدور هذا الظهير تمشى فيه المكلفون بتنفيذ أوامره على غير ما رسمه المترجم مدة، ثم رفعت لجلالته الكريمة الشكاية بالحيف الواقع والمحابات، ولما تحقق لديه ذلك أصدر ظهيرًا آخر في الموضوع لولده المولى المأمون والشيخ التاودى نصه: "الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم؛ ولدنا المأمون أصلحك الله، والفقيه السيد التاودى السلام عليكما ورحمت الله وبركاته. وبعد: فإن بعض الشرفاء وردوا علينا شاكين بأبناء عمهم الستة عشر شعبة أهل العصبية الذين يقبضون مال المنقطعين، فقد بلغنا أنهم أطلقوا ألسنتهم بالمعرة ولم ينتهوا، فتحققنا أن سبب كل فتنة شعبتان من أهل العصبية سولت لهم أنفسهم الإمارة أن فاطمة رضى الله عنها لم تلد غيرهم. ولما تفطنا من كلام الشاكين وتأملنا أمرهم وجدنا الحق معهم، لأنهم كلهم أهل رسوم وظهائر، والنسب يحاز بما تحاز به الأملاك، ولا حجة للأقوياء على الضعفاء غير ما يقولونه بأفواههم، وكل ما ينشأ بينهم من الأذى فهو في صحيفة الفقيه المذكور، لأنا كنا عاهدنا الله في هبة ذلك لكل من تقدم سلفه قاطنا بفاس من أول المائة الثامنة إلى سيدنا الجد قدس الله روحه. فأبهم الأمر علينا حيث وقع الحيف والمداهنة، وأنا أستغفر الله من ذلك لأنهم جعلهم قبائل مع كونهم شعبًا، وهو محقق بأن الإمام مولانا إدريس أفاض الله علينا من بركاته آمين، خلف بضعة عشر ذكرًا ولكل منهم عقب، وقد علم ما وقع بهم حسبما ذكره المؤرخون، وعقد أغفلوا كلهم لدخولهم في غمار العامة تغطية على أنسابهم، فكان ذلك سبب سلبهم الشهرة من شدة ما أصابهم من

стр. 1438

الخطوب والأهوال وأذى الملوك الذين اغتصبوا خلافتهم حسدًا على ما آتاهم الله من فضله. وأما قوله على ما ذكره ابن السكاك وصاحب المرآة فإن ابن السكاك لم يتعرض إلا لثلاث شعب كانوا وقت زمانه بفاس، وأعطى للملوك ما يناسبهم في حق جميعهم، وأما صاحب المرآة فلم يكن بصدد. ذلك، وإنما عرف بأفراد اقتضى بهم الصحبة، وقد أحاطت الناس بما لم يحيطوا به علما، ويعلم ويتحقق أن العلماء العاملين أجمعوا على أن النسب المقطوع به في غربنا من غير شك ولا ريب هو ما أدخل في دفتر مولانا الجد ﵀ بعد ما تحقق أمره، لأن ملكه اتبع القرى المداشر والحواضر وشهدت لهم به الكافة والجمهور، وحقق من دفتر أبى العباس المنصور، وبحث فيه أولا وثانيا فإذا هو مشهور، وبوجوده ﵀ انقطعت شوكة أهل الظلم والجوار، والجرأة والعناد، بالكذب على سيد العباد، وطالع ما سطر بالطرة ينته، حسبما احتوت عليه ترجمة المشاهير في الدفتر الشريف الذين صحت نسبتهم من بنى إدريس رضى الله عنه، وعددهم ثمانية قبائل على حسب ما رسم أسفلها من الشعب المشاهير فأولهم بنو القاسم بن إدريس وآخرهم بنو أخيه يحيى بن إدريس، ثم بنو أعمامهم بنو عبد الله الكامل إلا أبناء عمنا أخرناهم عنهم لئلا يصابوا منهم، أو يصابوا منا. وأما الحسينيون فلا يحتاج إثباتهم في هذا الظهير الكريم، وأمرهم معلوم بينهم، ونحن وإياهم في ظل الله وظل جدهم (١) مولانا إدريس. فعلى هذا العدد أخرجت صلة مولانا الجد ﵀ إذ هو المقطوع به، ولا يحمل لنا أن نهمل ما أظهره الله بالمواجب الشرعية والظهائر السلطانية؛ لأن الملوك الأقدمين كانوا لا يجددون جديدًا إلا بعد شهادة أهل بلادهم لهم بتحقيق نسبهم،

стр. 1439

ولذلك أضربنا عن هذا الأمر صفحا، وطوينا دون الكلام فيه كشحا، وخرجنا من عهدة ذلك، وغضضنا الطرف عما هنالك، ووكلنا النظر في أمر المستترين لعامة كل بلد، وإليهم أسند الأمر في ميز الشريف من المتشرف، كما فعله سيدنا الجد ﵀، فعلى هذا يكون الأمل، والله يتقبل العمل. وبعد مطالعتك إياه طالع عليه الفقيه المذكور ومكنه للشريف الأجل؛ الناصح الأكمل، مولاي الرشيد بن عبد الهادى بن عبد النبي الدرقاوى الحسنى، فقد وليناه خطة النقابة والبحث في شئونها وشروطها، وأن يجد ويجتهد في الحواضر والقرى، وأن يأخذ ما هو لجانبها معروف، وعلى خطتها موقوف، وعليه بتقوى الله في سره ونجواه، ولا تأخذه في الله لومة لائم والسلام وفى سابع عشرى جمادى الأخيرة عام واحد ومائتين وألف". ونص ما بطرته: "من بنى القاسم بن إدريس عدد شعبهم والجوطيون (١) على عدد شعبهم وحتى أبناء عمهم أهل حمام الجديد (٢) والكنونيون وأولاد أبى العيش على عدد شعبهم والداوديون وأولاد ابن العياشى (٣) وأولاد الشدادى وأولاد الشماع (٤) وأهل المصدر والوكيليون (٥) والزكاريون وأولاد بوسرغين".

стр. 1440

"ومن بنى عيسى (١) بن إدريس ستة شعب الدباغيون والمناليون (٢) على عدد شعبهم والبوزيديون (٣) واليعقوبيون والشنويون والمرهبيون (٤) ". "ومن بني محمد بن إدريس وعد ١٢ شعبهم العلميون (٥) على عدد شعبهم وحتى أولاد النيار وابن الطائع والكتانيون (٦) والودغيريون وأولاد ابن الحسن المراكشى وأولاد المسواك وأولاد ابن عدوا وأولاد محمد بن هاشم وأولاد ابن عمرو، والشبانيون والكثيريون". "ومن بنى أحمد بن إدريس وعددهم شعبتان الدرقاويون وأولاد جنون أهل الزواقين". "ومن بنى عمر بن إدريس وعددهم أربعة شعب أولاد المرى وأولاد الحصال والبلغيثيون والحموديون (٧) ".
следующие страницы →