بإعدامه، وهو كالمنافي للمقصود. هذا وليس يقصر ارتفاع هذه الهياكل وصرحها عن أربعين مترا وذلك أيام بهجته وشبابه.
ومن المفاخر الإسماعيلية المعصرة الفاخرة البناء الواقعة في الجانب الشرقي من أروى مزيل التي صارت اليوم معملا للصناعة الحديدية، يقال إن زيتون حمرية كان يطحن بهذه المعصرة.
وقد وصف هذه القصبة الإسماعيلية بعض من كان مستخدما في بنائها من أساري الأورباويين وهو مويت الفرنسي في كتابيه اللذين وضعهما في وصف المملكتين الرشيدية والإسماعيلية وفتوحاتهما وقضية أسره فيهما فقال: إنها في الجنوب الشرقي للمدينة، وأن ابتداء بنائها عام أربعة وسبعين وستمائة وألف مسيحي، وطولها أكثر من عرضها، كما أن عرضها من الجانب الجنوبي الغربي أقل من عرضها من الجانب الجنوبي الشرقي.
ولها ثلاثة أبواب أعظمها الذي بالجانب الجنوبي الشرقي ويسمي باب الخلاء أي المفضي لخارج المدينة، على جانبيه برجان عظيمان عاليان مربعان على كل واحد منهما ثلاث شرافات على هيئة نور السوسان بنتهما الأسارى عام سبعة وسبعين وستمائة وألف مسيحي. وهذا الباب يقابل المقبرة.
والباب الثاني يسمى باب الحجر لبنائه بالحجر المنحوت وهو المقابل لروى مزين.
والثالث يسمى باب المدينة وهو المقابل لها ثم هذه القصبة لها ثلاثة أسوار من جهة الشمال الشرقى عرض أولها ستة أشبار، وعلى طرفيه برجان مربعان ذوا شرافات، وعرض السور الثاني ثلاثون شبرا، وبين هذين السورين فسيح مربع يسمى روى مزين والثلاثون شبرا التي في عرض الحائط الثاني لم تستمر في عرض
стр. 177
الحائط كله، بل أسقط البناءون منها حتى صار البارز منه عشرة أشبار بني على طرفيه جداران صغيران عرضهما ثلاثة أشبار وعلوهما قامة وبينهما داخل الجدار المذكور يطوف على القصبة العبيد الساكنون بالأبراج من غير أن ينظر إليهم أحد لا من داخل القصبة ولا من خارجها.
وأما السور الثالث وهو سور قصر الحريم وهو أعلى من الأولين وبه كوات وفرج وعليه يطوف عبيد الدار المخصيون وليس على القصبة من الجهة الأخرى إلا سور واحد عرضه عشرة أشبار، وله أبراج متينة شاهقة مربعة من جملتها معقلان: أحدهما في جانب القصبة الشرقي، والآخر في جانبها الغربي.
وفي الجانب الجنوبي من هذه القصبة قصبة صغيرة بنيت سنة ثمانين وستمائة وألف مسيحية تسمى الأوَدايَة، عرض أسوارها ستة أشبار، ولها أبراج مربعة بشرافاتها تفضل بين القصبتين مقبرة، قال: وللقصبة الإسماعيلية منظر رائق من بعيد. قال: وتتصل بها مدينة مكناس من الجهة الشمالية الغربية. قال: وفي عام واحد وثمانين وستمائة وألف اشترى مولاى إسماعيل الجنات المجاورة للجنان الذي أنشأه على هيئة أكدال بمراكش، وكان قصده أن يجعل دائرته ثلاثة كيلو مترات، وقد كمل عمله في شهر واحد استخدم فيه في أبان المطر الغزير الأسارى والعبيد والقواد والأشراف وغيرهم كما خدم فيه بنفسه وكذا خدم بنفسه في بناء قصوره اهـ.
قلت: أما باب الخلاء المذكور فهو المعروف اليوم بباب الرايس، وإنما كان يسمى باب الخلاء زمن خدمة هذا الأسير بالبناءات الإسماعيلية، وإلا فقد صار باب العمارة، وفي وسط القصبة ومن هنا يفهم أنه لم يصف القصة بتمامها لأنها زادت بعده كثيرا، والباب المفضى للخلاء من تلك الجهة هو باب الناعورة البراني والمقبرة التي أشار لمقابلة باب الرايس لها هي مقبرة سيدى عمرو الحصيني، ومقابلتها له ليست حقيقية، بل هي مقابلة في الجملة لأن الخارج من باب الرايس
стр. 178
تكون المقبرة عن يساره، وقد حال الجدار المار فيه ماء شرب المدينة المقابل لباب القصر الملوكي المسمى بالمدرسة بين المقبرة والباب المذكور.
وأما باب الحجر فإنه لا زال يعرف بهذه الإضافة إلى الآن، وهو الذي يدخل عليه لحومة سيدي النجار ويمر فوقه لحومة الدريبة وكلام هذا الأسير فيه يدل على أن باب أبي العمائر الواقع خارج هذا الباب لم يكن في رمنه وكذا باب المرس وإنما حدثا بعده، وهو قد كان المولى إسماعيل مَنَّ عليه بالفكاك من الأسر في جملة سبعين أسيرًا عام واحد وثمانين وستمائة وألف مسيحى.
وأما باب المدينة الذي ذكره فهو المعروف بباب منصور العلج، وكلام هذا الأسير نص في كون أصل هذا الباب للمولى إسماعيل فولده مولاي عبد الله إنما نمقه كما يأتي ذلك بحول الله.
وأما القصبة الصغيرة التي قال الأسير إنها في الجانب الجنوبي الشرقي فهي قصبة هدراش، ونسبته إياها للأوداية لعل ذلك كان لسكنى الأوداية بها أول الأمر، والمقبرة الفاصلة بين القصبتين هي مقبرة الحصيني المتقدمة، وأما قوله: روى مزير، فهو عنده آخره راء، الشائع في ألسنة العامة آخره نون، والذي يكتبه الموثقون والمتفاصحون آخره لام، ويذكر أن مزيل المضاف إليه كان قيما على أروى خصوصية هناك، وهو من أرقاء السدة الملوكية، وبالأسف فقد أصبحت مشيدات هاتيك القصور بلاقع، ولم تلف لتلافي أشلائها من راقع، استعمرتها أنواع العصافير والحشرات ودرست معالم تلك الزينة الثمينة، وخربت تلك القبب بل انمحت آثارها وجعل عاليها سافلها وإلى الله عاقبة الأمور.
ولما وقفت على تلك الرسوم الدارسة، المستوحشة بعد أن كانت مؤنسة، وطال تدبري في مبداها والمآل، تذكرت ما أنشاه ابن عربي الحاتمي في كتاب "المسامرات" لما دخل الزاهرة فوجدها بلاقع إذ قال:
стр. 179
ديار بأكناف الملاعب ترتع ... وما إن لها من ساكن وهي بلقع
ينوح عليها الطير من كل جانب ... فتصمت أحيانا وحينا ترجع
فخاطبت منها طائرا متفردا ... له شجن في القلب وهو مروع
فقلت على ماذا تنوح وتشتكي ... فقال على دهر مضى ليس يرجع
وخيل لي أنها تنشدني قول من قال:
الله أخر مدتي فتأخرت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا
وليس ببعيد من طريق الاعتبار أن تكون الحكمة في سرعة تخريب تلك القصور وغيرها مما يأتي من البناءات الإسماعيلية على عظمها وثخانة بنائها القاضيتين بالنظر للعادة بتأبيدها في الجملة جعل ذلك في مقابلة هدم قصر البديع الذي كان أسسه بمراكشة السلطان أبو العباس أحمد المنصور السعدى الملقب الذهبي، لفيضان الذهب في زمانه حتى قيل كانت ببابه أربع عشرة مائة مطرقة تضرب الدينار دون ما هو معد لغير ذلك من صوغ الأقراط والحلي وشبه ذلك -المبتدأ تأسيسه في شوال عام ستة وثمانين وتسعمائة، واتصل العمل فيه إلى عام اثنين وألف ولم يتخلل ذلك فترة، وفي عام تسعة عشر ومائة وألف أمر مولانا إسماعيل بهدمه فهدمت معالمه، وبددت مراسمه، وغيرت محاسنه وفرق جمع حسنه وعاد حصيدا كأن لم يغن بالأمس.
قال في "نزهة الحادي" تأملت لفظ البديع فوجدت عدد نقط حروفه بحساب الجمل مائة وسبعة عشر، وهذا القدر هو الذي بقي فيه البديع قائما عامرًا فإنه فرغ منه عام اثنين وألف، وشرع في هدمه عام تسعة عشر ومائة وألف، فمدة بقائه بعد تمام بنائه مائة وسبعة عشر سنة على عدد اسمه وذلك من غريب الاتفاق اهـ، وكون الجزاء من جنس العمل أمر معهود في التصاريف الإلهية في كثير من
стр. 180
الجزئيات، وليس هذا بمزاحم لما أشار البعض إليه في حكمة هدم البديع من كون أنقاضه صارت بعد هدمه كالراجعة لأصولها، إذ ما من نقطة مغربية إلا وصار إليها في الأغلب بعض أنقاضه، كما أن القوة المخزنية كانت ألزمت وقت بناء البديع سائر النقط المغربية حمل ما قدرت عليه مما لديها من مقومات بناء قصر البديع المذكور وإيصاله إلى محل بنائه.
قال في "النزهة" حتى إنه وجدت بطاقة فيها إن فلانا دفع صاعا من جيار حمله من تنبكتو وظف عليه في غمار الناس اهـ. فكان تفريق أجزائه بعد الهدم وفق ما جمعت عليه حين البناء وذلك أيضا جزاء من جنس العمل جزاء وفاقا والحكم والنكت لا تتزاحم على أن ما ذكروه هو حكمة لهدم البديع، وهذا الذي أشرنا إليه هو حكمة لهدم ما شيده سيدنا الجد هادم البديع برد الله ثراه.
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
فليعتبر بذلك البصير، وليراقب فيما يأتيه وما يذره الآخذ بالنواصي الوارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، وليعلم أنه كما يدين يدان.
ومن تأسيساته الفائقة العجيبة التي لم ينسج على منوالها ناسج مدينة الرياض العنبري، جوار قصبته السعيدة لا زال موقعها إلى الآن بدخول الغاية يعرف لدى الجمهور بالرياض، خارج باب زين العابدين، أخذ أبواب المدينة اليوم كان عينها لأخواله الأوداية عام ألف وثمان وثمانين كما في "الروضة السلمانية" وأمرهم ببناء دورهم بها.
وفيها كانت دور العمال والكتاب وذوى الحيثيات من أعيان الدولة، قال أبو القاسم الزياني: وكانت مدينة الرياض زينة مكناسة وبهجتها، وبها آثار أهل دولة مولانا إسماعيل كل من كان له وظيف بخدمته بني داره بها وتنافس العمال والقواد
стр. 181
في بناء القصور والدور، فقد كان بدار على بن يش أربعة وعشرون حلقة يجمعها باب واحد، وكانت دار عبد الله الروسي وأولاده أعظم منها كانت حومة وأمثالها من القواد، وبنى كل عامل مسجدًا في حومته وبوسطها المسجد الأعظم الإسماعيلي ومدرسته وحمامه وفنادقه وأسواقه الموقوفة عليه وكانت تنفق فيها البضائع التي لا تنفق بغيرها. اهـ.
هذا وقد طارت الركبان وقص التاريخ لنا ما كان لسيدنا الجد الأكبر السلطان المولى إسماعيل من الاهتبال بأمر هذه المدينة مدينة الرياض المذكورة، وما كان لذويها لديه من شفوف المكانة، وناهيك أنها كانت كرسي الوزارة في دولته، بل كانت محيي رحال أولي الأمر من رعيته في عصمته، شيد فيها المسجد الأعظم الحافل الذي فاخرت به الأواخر الأوائل، وشيد بها الدور والقصور والأسواق، والحمامات، وغير ذلك من الرباع والعقار، ووقف الجميع على ذلك المسجد الفاخر.
ولقد وقفت في بعض التقاييد التي يكاد القطع يحصل بصحتها والعقود القديمة التي لا مطعن فيها على ما صورته: الحمد لله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا, ولا يخيب لمن أخلص له النية أملا، والصلاة والسلام على سيدنا محمدا آخرا وأولا، وبعد فإن مولانا أمير المؤمنين، الموفق بتوفيق المعين المتوكل في جميع أموره على رب العالمين، المنتخب من عترة النبي الطاهر لصلاح الدنيا والدين. عز الإِسلام والمسلمين. تاج الملوك المجاهدين، الملك الهمام الذي اعتز الإِسلام تحت لوائه، ورتع الأنام في ظل هديه الصالح واهتدائه، وأسس قواعد الملك الذي أناف على ثواقب الكواكب شامخ بنائه، ذو المجد الأثيل، والفخر الأصيل. أبو الوليد مولانا إسماعيل، شكر الله أنظاره، وخلد مآثره وآثاره، وعمر بالنصر العزيز منازله ودياره، ابن مولانا الشريف، العلى القدر المنيف، لما وصل
стр. 182
الله لخلافته العلية ما عود، ومتع مما خول وأعان على ما خلد، أعلى الله منار عدلها، وشكر مكارم قولها وفعلها، جاهد في الله حق جهاده، حتى استخلص من أيدي الكفار رقاب عباد الله وحصون بلاده، وجدد ما اندثر من العمائر، وشيد ما تركه الأوائل للأنام من المآثر، إلى غير ذلك من المآثر الحسان، الدالة على معاليه في كل زمان، اللهم كما نصرت به الدين، وأيدته على أعدائك الكافرين، وجعلته رحمة للعباد، وعصمة للبلاد، ونقمة لأهل الفساد، فأكرم اللهم خلافته العزيزة بطول البقاء، وألزم أوامره وصوارمه أقوم الاضاء.
وحين بوأه الله المراتب العلية، والأفعال الزكية المرضية. صرف همته لتشييد المساجد، وتشهير المعاهد، وخصوصا مسجد المدينة العليا الجديدة العنبرية الذي جعل له من الأوقاف داخل المدينة وخارجها ما هو مرسوم بالورقات الثلاث قبل هذه المواليات لها وقف شهيداه الواضعان لاسميهما عقب تاريخه مع ناظر المسجد في حينه، وهو المكرم عبد الوهاب ابن الناظر المكرم عبد العزيز حجاج على عين جميع أوقاف المسجد المذكور عمره الله بدوام ذكره داخل المدينة المذكورة وخارجها، كل وقف منها على انفراده، وحازه معاينة، وجدد الحوز، ولما تحقق عند العلامة القاضي بحضرة مولانا العلية، وخطيب منبرها العالي المخصوص لديه بترفيع المزية. المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته الحسنية، قاضي الجماعة، ومصرف الأحكام المطاعة، سيدي محمَّد أبو مدين بن حسين السوسي ما عليه الناظر المذكور من الحزم، والسعي في المصالح والعزم، أوصاه أن يعمل على ما يقربه عند الله من مرضاته، ويظفر بجزيل مثوباته، وفي أواسط رجب الفرد عام ثمانية ومائة وألف الحمد لله شهد واضع اسمه عقب تاريخه بمعرفة المواضع المقيدة بالقوائم الست بمحوله مع ما في القائمتين أعلاه معرفة تامة كافية ويشهد مع ذلك بأنها محبسة على المسجد الأعظم، من المدينة العليا المختطة عن الإذن العلى بالله
стр. 183
من قبل مولانا المنصور بالله الإمام العدل المعظم المتواضع لذكر الله ورسله، فرع الدولة الحسنية وأمكن ركنها، حامي حمى خلافة الإِسلام، مولانا إسماعيل بن مولانا المقدس مولانا الشريف الحسني أمده الله بعزيز تأييده وبمعونة نصره ورشده آمين.
وهي المسماة بالرياض العنبري عمره الله بدوام ذكره وحرسها حبسا يجري مجراها ولا يحيد عن طريقها وسبيلها مؤبدا ووقفا مخلدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ومن بدل أو غير فالله حسيبه وسائله وولي الانتقام منه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فمن عرف ذلك كما ذكر قيد به شهادته في أواخر جمادى الثانية عام ثمانية ومائة وألف، الحمد لله الذي جعل الخلافة شمسا من عنصر النبوءة فأضاءت على أديم البسيطة أنوارها، وارتفع إلى السها والفراقد منارها، وتألق بالإصباح نهارها, ولاحت في سماء المجد بدورها وأقمارها، وهزت عطف الزمان انتشاء مناقبها الشريفة وأخبارها، وفاض لبركتها على أكناف المعمور خضمها الزاخر وتيارها، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد الذي ظهرت نبوءته قبل ولادته، وبشرف الأحبار والرهبان بعموم رسالته، وخرقت له حجب الآفاق، وفرجت له السبع الطباق، فحاز على كافة الأنبياء والمرسلين خصال السباق، صلى الله عليه وعلى آله والرضى عن أصحابه صلاة كاملة ورضى تاما وسلم كثيرًا أثيرًا، أما بعد: فإن الله تعالى قد اختار لصلاح هذه المغارب، من سعد به البادي والحاضر والشاهد والغائب، الإِمام المنتخب من عترة النبي الذين علوا مناقب ومناصب، ورقوا إلى أشرف المنازل والمراتب، الملك الهمام، حافظ بيضة الإِسلام وكافل أمة النبي ﵇، صاحب الفتوحات المنسقة النظام، جمال الأنام، تاج الإمارة عز الإِسلام، الذي أسفر عن صبح النصر العزيز نصله، واشتمل على خواص الشرف الأصيل جنسه وفصله، وطابت فروعه
стр. 184
لما استمد من ريحانتي الجنة أصله، ذا العزم الأمضى، والسعي الأَرْضَى، الملك المنصور أبا المآثر الحسان والمفاخر السلطان المجاهد في سبيل ربه وابتغاء مرضاته، مولانا إسماعيل بلغه الله من رضاه أقصى مسئوله، وأعانه على جهاد عدو الله وعدو رسوله، ابن مولانا الشريف بن مولانا على جدد الله عليهما ملابس الرحمة. وجزاهما أفضل ما جزى الصالحين من ملوك هذه الأمة، لما ولاه الله أمر عباده، وبسط يده في أرضه وبلاده، ونصره على أعدائه، وأيده في أرضه بملائكة سمائه، واستقر ملكه الشامخ البناء بمدينة العز مكناسة الغراء، دار ملك الجهاد، وكرسى دار الإمارة المظفرة العساكر والأجناد، عصمها الله ووقاها، وحفظ بها كلمة الإِسلام وأبقاها، فلما استقر بها ملكه الأشرف وانعقدت بالنصر العزيز راية الفتوحات على قناة العدل الذي عليه مدار الأمور، وعشا إلى نور سراجه الوهاج الخاصة والجمهور، ضاقت المدينة المولوية بجيشه المنصور، أمر أيد الله أمره، وأبد فخره، وأدام تأييده ونصره، ببناء المدينة الجديدة العنبرية المختصة بأمره السلطاني، المؤيد بالتأييد الرباني، لا زال نافذا بعون الله ميسر المآرب، ومطاعا له في جميع أقطار المغارب، فبنيت صانها الله من طوارق الحدثان وحاطها من سوء ما يجري به الملوان، وأسس بها مسجدا للخطبة عتيق، وبنى عن أمره العالي البناء الحسن الوثيق، وصل الله عوائد صنعه الجميل لديها، وعمره بدوام الذكر والعبادة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما كمل بناؤه وأعانه من له القوة والعون سبحانه على ذلك حمد الله تعالى، وأثنى عليه الذي وفقه وأعانه عليه، ورجا كمل الله رجاءه أن يدخل تحت عموم حديث الصادق المصدوق، صلوات الله عليه وهو قوله ﷺ : "من بنى لله مسجدًا بنى الله له قصرًا في الجنة"، وقوله ﷺ : "من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله العظيم بنى الله له مثله في الجنة" وقوله ﷺ : "من بنى لله مسجدا بنى
стр. 185
الله له في الجنة أوسع منه" إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية. وصحاح الأخبار المصطفية.
وأمر أيد الله أمره عام ستة ومائة بعد ألف بجلب الماء له من عين البيضاء في قادوس مختص به ويكون الموضع الذي يجري فيه القادوس حبسا عليه من العين المذكورة إلى المسجد الجامع المذكور في جميع الأملاك السلطانية، وألزم ناظر المسجد المذكور في حينه وهو المكرم عبد الوهاب بن الناظر المسن المكرم محمَّد بن عبد العزيز حجاج مع من له النظر العام والأمانة الكاملة في أمر البناءات كلها السلطانية على اختلاف أنواعها وأجناسها بداره العلية حرس الله رفيع أعتابها، وصان من طوارق الحدثان على أبوابها، ناصح خدمته السلطانية، في السريرة والعلانية، وهو الطالب محمَّد بن الثقة الخير خديم أهل كتاب الله المحب لآل بيت رسول الله ﷺ وعلى آله محمَّد الكاتب شُهِر الأندلسي نَجِارًا، الفاسي دارًا، ومنشأً وقرارًا، بالوقوف التام على خدمة ذلك الماء على أن يصل إلى المسجد الجامع المذكور فوقفا عليه، وصرفا كليتهما إليه، حتى بلغ على مقتضى غرضه السلطاني فجعل نصره الله ثلاثة أرباعه للمسجد الجامع المذكور، والربع الواحد الباقي منه للسقاية التي هنالك بإزاء المسجد.
تقبل الله عمله، وبلغه في نصر الإِسلام وصلاح الأنام أمله، ولما علم من قوله ﷺ ما علم من أنه ﵇ قال: "من بنى لله مسجدا بنى الله له في الجنة أوسع منه" أراد حصول تلك الفضيلة فأمر أيده الله بزيادة صفين اثنين ليوسع بهما، فزيدا على نظر الإمام المقرون بالبركة قبلي المسجد الجامع المذكور وصل الله سعده، وأناله من الثواب الجزيل قصده، والحمد لله ولي التوفيق والتسديد، المتكفل لمن شكره بالمزيد، ولمن توكل عليه بالإعانة والتأييد.
وصلى الله عليه سيدنا محمَّد نبيه الذي اصطفاه من العبيد، وجعله السبب الأوصل في نجاة الناجي وسعادة السعيد، وعلى آله وصحبه صلاة لا تنقطع أبد الأبد ولا تبيد.
стр. 186
فحبس عليه من الأوقاف بداخل المدينة وخارجها ما يذكر، ويعين ويفسر بعد إن شاء الله، فالذي بداخلها أمنها الله وسماها جميع الدار المتصلة بغربي المسجد المذكور، وجميع الدر ذات البيوت المتصلة بشرقي المسجد المذكور، وجميع الطراز المسند للسقاية الكبرى المنشأة هناك قرب المسجد المذكور وهو الذي صار الآن دارا، وجميع الحمام الجديد المقابل لقبلى المسجد المذكور بفرنه ومنافعه، وجميع الفرن الذي بأعلى الحمام قبلي المسجد المذكور، وجميع النصف الواحد على الشياع في كافة فندق ابن عزور صاحب إفراك في شركيته بالنصف الآخر على مقربة من باب الرياض، المواجه لسيدي سعيد بن أبي بكر نفعنا الله به، وجميع الحوانيت الثلاثة التي بأسفل باب المِيضَأَة (١) مع البيوت المسندة إليه، وجميع الحانوتين المتصلتين بالقنت المواجه لداخل الرياض من بابه الأكبر باب ثلاثة فحول أسفل دار الباشا منصور الرامي، وجميع التسع حوانيت المتصلات بداخل الرياض أمام بابه النافذ لقرب الولى سيدي سعيد، مبدؤهن من الحانوت. الثانية لحانوت القنت المواجه للباب المذكور بصف واحد، وجميع الحانوت الصغرى التي برحبة التبن عن يسار الصاعد غربا بعد دخوله من الباب المذكور، والذي بخارجها جميع الأربعين حانوتا عن يمين الصاعد لباب المشاوريين، أحد أبواب مكناسة، وجميع موضع الثاني عشر حانوتا المتصلة بها من جهة روضة سيدي عبد الرحمن القرشي، وجميع التسع حوانيت المتصلة بها من أعلى التي بناها حجاج، وكل الحوانيت صف واحد في اعتمار صنعة الذميين، عددها إحدى وستون حانوتا بجميع ما لذلك من المنافع والحرم وكافة الحقوق الداخلة والخارجة، ليصرف من فوائد الحبس ما يفضل عما يحتاج إليه أصله من الوجوه الضروريات مما يبقى أصل الحبس معه محوطا فيما يحتاج إليه المسجد الجديد المذكور من إصلاح مبانيه ومياهه وحصره وزيت الاستصباح به وراتب القائمين بأموره وغير ذلك مما يحتاج إليه.
стр. 187
ومن إنشاءاته المحبسة جميع المكتب المسند إلى المسجد المذكور لتعليم أولاد المسلمين قراءة القرآن، وجميع السقاية التي هناك، صير في بنائها مائة مثقال دون الخشب، وجميع المنجرة المتصلة بالمسجد المذكور لخدمة الخشب لإصلاح المسجد وأوقافه، وصير في جلب الماء من العين البيضاء إلى المسجد المذكور ما يذكر مفصلا، من ذلك ثمانية وعشرون قنطارا من الزيت من معصرة مولانا المظفر المنصور، وثمانية وعشرون ألفا من القادوس الثلثي مدفوع في جملته بيد الفخار ألفا أوقية اثنان دراهم وأربع كوشات من الجير مدفوع فيها مائة مثقال، وأجرة المعلم القوادسي عن مدة خدمته عشرة أشهر ثلاثمائة أوقية دراهم، وأن المال المدفوع على يد الناظر المذكور في الصفين اللذين أمر مولانا بزيادتهما قبلي المسجد المذكور صرة من التبر بيعت بمائة وثلاثين مثقالا دراهم، وكل المال المصير في بنائهما وفي جلب الماء للمسجد المذكور وفي بناء السقاية والمكتب هو من مال مولانا الخاص به.
وحبس نصر الله أعلامه ماء آخر يطوى له قادوسه وحده من الوادي إلى أن يصل للمَسجد المذكور. اهـ.
ومع هذا الاهتمام العظيم بتحصين هذا السعي المشكور المكين من هذا الإمام العظيم منشئ مدينة الرياض، حتى تدوم قائمة بنفسها في سائر الشئون والأغراض، لم ينفع حذر من قدر فلم تعش المدينة بكل بناءاتها الدينية والدنيوية إلا خمسا وخمسين سنة قضتها كلها في ازدهاء وازدهار، لا تحوم نحو ساحتها الأكدار، وطالع السعد على أرجائها مشرق، وخميس اليمين والأمانى بأكنافها محدق.
وفي هذه المدينة يقول الفقيه الكاتب أبو حفص عمر الحراق من قصيدة يخاطب بها كتاب الحضرة الإمامية.
стр. 188
أكتاب الإِمام لقد سعدتم ... بآثار لسيدنا سديدة
دنوتم من قصور أبي المعالى ... وقد كانت منازلكم بعيدة
وما دار تقرب منه إلا ... مباركة بلا ريب سعيدة
قال في "الدر المنتخب المسْتحسن" وقد أجازه السلطان على هذه القصيدة بأربعمائة مثقال نفذها له عند عامله الباشا على بن عبد الله الريفى فقبضها منه في الحال. اهـ.
قلت: هذا وأبيك الكرم ونخوة الملك، فالأربعمائة مثقال في ذلك الزمان من الأمر ذى البال تقوم بما لا تقوم به اليوم أربعمائة ألف فرنك، ثم لما قضى الله بخرابها ونثر نظام عقد محاسنها، قيض لنقض محكم بنائها السلطان المولى عبد الله نجدٍ مؤسس قواعدها على تقوى من الله ورضوان، فأمر النصارى وغيرهم بهدمه لأمر عرض له في الحال اعتراه بسببه شبه اختلال، وذلك الأمر هو ما ذكره صاحب "الدر المنتخب" من إنه كان إذا جن الليل اجتمع من سكانها القواد والأعيان وتذاكروا الأمور الواقعة في الآفاق والبلدان، وتذاكروا فيما بينهم وإن أرادوا أمرا عليه صمموا ويدبرون الأمر حتى يكون ما عليه عولوا، فنصر مولاى أحمد الذهبي أولا كان في مدينة الرياض المذكورة، وفيها اتفقوا على عزله ونصر مولاى عبد المالك في الرواية المشهورة، وفيها عزلوا مولاى عبد المالك وردوا مولاى أحمد، وفيها اجتمع رأيهم على نصر مولاى عبد الله وكان مولاى عبد الله إذا فعل فعلا اجتمعوا وتحدثوا، فكان مولاى عبد الله لأجل ذلك لا يبلغ مناه، وإن أراد مولاى عبد الله أن يبرم أمرا اجتمعوا وقالوا هذا أمر لا نفعله بوجه ولا بحال، فبلغ الخبر لمولاى عبد الله فأعرض عن ذلك الأمر الذي أراد كأنه لم يبق له ببال، وأرسل إلى العبيد الذين بمشرع الرملة ومن كان غائبا من جنوده وكساهم وفرق عليهم الأموال، وزادهم في الراتب وقدمه لهم على الكمال.
стр. 189
ففي فجر يوم السابع والعشرين من شوال عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف حشد تلك الجنود وأعد آلة الهدم وركب فرسه ووقف على تل مشرف عليها وأمر بالهدم من كل ناحية والناس نيام فمن أسرع وحمل رزقه وقشه نجا، ومن لا معين له بقى قشه تحت الردم وارتحل الوداية لفاس الجديد مع إخوانهم وتفرق غيرهم بالمدينة، فما مضت عليها عشرة أيام إلا وصارت كدية من تراب يعشش فيها اليوم، ولم يبق بها إلا الأسوار والجدرات قائمة كما قاله أبو القاسم الزيانى وغيره، والبقاء لله وحده، وله الأمر من قبل ومن بعد.
وقد صارت موقعها من مزارع العاصمة المكناسية ومراعى مواشيها, ولا زالت إلى الوقت الحاضر بعض الأطلال قائمة بها، وقد كانت تلك المزارع فيما سلف معدة لنزول الجيوش السلطانية عند ما يحل ركابها الشريف بالعاصمة المذكورة، وأحدث بها الآن محالا لسكنى اليهود لضيق حارتهم عنهم.
ومن تأسيساته حارة اليهود التي بها سكناهم الآن، أسسها عام ثلاثة وتسعين وألف كما بتأليف الضعيف وغيره، وأمر بإخراج أهل الذمة من المدينة وإسكانهم بالمحل المؤسس لأجلهم فسكنوه، وأخليت دورهم التي كانت وسط دور المسلمين بالمدينة، ثم سكنها أهل تافيلالت الذين بفاس بأمر من السلطان.
ومن تأسيسات مولانا إسماعيل قصبة بريمة التي لا زالت قائمة العين والاسم إلى الحين الحالي الواقعة غربا من قصبة قصور الملك السعيدة، وقد وقفت في بعض العقود الموثوق بها على بعض ما يتعلق بذلك ونص الغرض منها: كان الجناب العالى بالله مولانا أبو النصر تملك جميع أرض بريمة خارج الحضرة الهاشمية محروسة مكناسة، وأعطى مولانا المنصور ثمنها وأمر ببناء حوانيت خارج باب المشاوريين بالثمن المذكور، لكون الأرض المذكورة من أوقاف جامع الخضراء، وفضل من الثمن المذكور من بناء الحوانيت مائة مثقال، وكان المتولى لذلك عن أمر
стр. 190
مولانا المنصور بالله تعالى القائد الأرضى. الأجل الأحظى، خديم المقام العالى بالله أبا العباس أحمد بن الأجل الفقيه الأكمل المرحوم بكرم الله سيدي أبي يعزى العرايشى، أشهد الآن أنه صير لجانب الحبس في المائة مثقال كذا في سنة اثنتى عشرة ومائة وألف، اهـ.
ومن تأسيساته قصبة جناح الأمان الشهيرة إلى الآن.
ومنها قصبة قعر وردة التي لا زالت قائمة العين والاسم إلى الحين الحالي، وكان تأسيسه إياها عام واحد ومائة وألف.
ومنها قنطرة دردورة الشهيرة المعروفة قبل بقنطرة ابن يشو، أسسها عام واحد ومائة وألف على ما في بعض التقاييد، وأنشأ بهذه القنطرة سقاية اهتم بشأنها اهتماما زائدا حتى حبس عليها عدة أوقاف من رباع وعقار، كانت تعرف هذه السقاية بسقاية الذهب، ودونك بعض النصوص الشاهدة لما لمنشئها من الاهتمام والاعتناء بأمرها: الحمد لله ضهد لدى شهيديه أمين الدار العالية بالله، وناظر سائر الإيالة الشريفة المعلم محمَّد بن محمَّد الكاتب الأندلسى أن مولانا المنصور بالله تعالى مولانا أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، مولانا إسماعيل أبد الله أوامره، وخلد مفاخره الكريمة ومآثره، آمين، حبس جميع الحوش المستدير بالحيطان -غير ربع واحد منه بلا حائط- الكائن بقصبة تزيمي المجّاور من أسفل الحوش حبس مسجد صواغة الذي بيد الوقاد على وجه الجزاء على إصلاح الماء المجلوب لسقاية الذهب التي أحدث بناءها مولانا المذكور بقنطرة دردورة خارج مدينة مكناسة، وهذا العقد بتاريخ جمادى الأولى عام سبعة عشر ومائة وألف، ولما رأى أنجاله ورؤساء أعيان دولته العظيمة ما لمتبوعهم الأمير الطائر الصيت من الاهتبال والاهتمام بهذه السقاية، تسارعوا لاقتفاء أثره في التحبيس عليها، فحبس عليها نجله المظفر أبو الحسن مولانا على كوشة وحانوتين حسبما بعقد تحبيس ما
стр. 191
ذكر المؤرخ بعام ثمانية وأربعين ومائة وألف، وحبس عليها خديم مقامه العالى القائد على بن يشو اليازغى عقارا حسبما بعقد وقفت عليه بتاريخ أواسط جمادى الثانية عام سبعة وعشرين ومائة وألف، ومع الأسف فقد اندثرت هذه السقاية وعفت منها الآثار, ولم تنتج لها أحباسها العديدة أدنى وقاية من يد الاضمحلال والاندثار.
ومنها مسجد باب البراذعيين الشهير، وكان تأسيسه له تحت نظر وزيره على ابن يشو، وذلك عام واحد وعشرين ومائة وألف، وهذا التاريخ هو الذي رسم بخشب باب مقصورة المنبر بالجامع المذكور في أبيات لعمل منبره، ونصُّ ذلك:
أنا منبر للذكر والوعظ أنصب ... دوائى لأمراض القلوب مجرب
ومولاى إسماعيل عز عن امره ... تأنق في صنعى الوزير المهذب
على بن يشو راجيا فضل ربه ... وإن رمت تاريخى بحقّ سيحسب (١)
ومنها جامع الأنوار المعروف بهذا الاسم إلى الزمان الحاضر الذي بابه الأكبر عن يمين الداخل للقصبة الإسماعلية من باب منصور العلج، ففي "زهر البستان". في نسب أخوال سيدنا زيدان بن مولانا إسماعيل، أن مما شيده مولانا إسماعيل مسجد الأنوار الذي هو لأشتات المحاسن جامع، فمن سوارى رخامية يقارب عددها المائتين، ومن صحن بديع الشكل بهى المنظر رجب المتسع عدم النظير بالعدوتين، بوسطه قبة ارتفعت عن أن تقاس بمثال، قائمة على أعمدة من الرخام مختلفة الأشكال، بزواياها الأربع شبابيك مصنوعة من الخشب أمسكت بصفائح مذهبة أركانها، أرضها مفروشة بالرخام، وسماؤها وشيت من خشب ملون
стр. 192
منقوش بأبهى من طرق الحمام، يدخل إليها من جهاتها الأربع وبداخلها خصة رخام لم ير الراءون مثلها في ضخامة الشكل وسعة الدائرة وإحكام صنعة ترصيف ما أحدق بها من الرخام، وبإزاء القبة بئر أحدق به أربع خصص صغار وإلى جنب كل خصة حوض يمتلئ منها، وبإزاء الصحن المذكور بالركن الذي التقى فيه الربع الشرقى بالربع القبلى منار يرقى فيه بغير مدارج، بل بترصيف مستوى المعارج، مطبق الأعلى فلا يصيب فيه المؤذن حر شمس ولا مطر، ولا ينال بصره من محارم المسلمين قطاف وطر.
ومن محاسن هذا الجامع أن أسند إليه بربعه القبلى من حيث اتصاله بالربع الشرقى خزانة الكتب مشملة على قبتين قائمة حلقتها على أربعة قوائم من الرخام، وبها من الكتب العلمية ألوف عديدة ... إلخ ما وصفه به مما لا ينطبق إلا على جامع الأنوار المعروف بهذا الاسم الآن وذلك الانطباق وقت شبابه، وقبل انقلابه وإيابه، أما بعد ذلك فلم يبق من دلائل ذلك الانطباق إلا شهرته قديما وحديثا بجامع الأنوار مع ما أدركناه من بقايا دار الوضوء الموصوفة في الجهة الشرقية إلى أن استأصلتها الدولة الحامية، ومع بقايا خزانة الكتب الموصوفة في كلام زهر البستان، فإن بابها بالمحل المعين في كلام زهر البستان مع ما سمعته من والدى عن والده رحمهما الله أن تلك الباب هي باب خزانة الكتب الإسماعييلية التي فرق السلطان سيدي محمَّد بن عبد الله كتبها على مساجد المملكة، وإنما قلت لم يبق من دلائل الانطباق إلا ذلك, لأن جامع الأنوار قد مسخ، وتقلب في أطوار النحس والمسخ، حتى إنا ما أدركنا شيئًا مما وصف من بهجته، ولا بعض ما يمثل حسن صورته، سوى الجدرات المحيطة به وأطلال بعض ما عداها، أما ما عدا ذلك فلم ندرك منه رسما ولا طللا وليت هو أنه انتهى عند هذا الحد، ولكنه زاد على. ذلك بأن أُعِدَّ تارة لربط الدواب وأخرى لاستقرار من هم شر من الدوابِ، وهم
стр. 193
أخلاط أوباش العساكر الذين كانوا يأتون فيه كل الفواحش بكل معنى الكلمة، وآونة يكون سجنا للمتمردين، وطورًا يجعل خزينًا للشعير، إلى أن حازته الدولة الحامية وصيرته مدرسة لقراءة لغتها وغيرها, ولا ينافى كونه من الإنشاءات الإسماعيلية ما هو منقوش في زليج بأعلى بابه ولفظه: ما للخورنق والبديع كمال ... إلخ ما سيمر بك قريبا بحول الله لأنه إنما أسند في هذه الأبيات لمولاى عبد الله إنشاء حلة تلك الباب لا غير وتلك الحلة وذلك الكمال يحملان على إنشائه بها خاصة تنميقا وتزويقا، أما أصل ذلك فهو لوالده المولى إسماعيل لما قدمناه عن زهر البستان من أن المولى إسماعيل هو المنشئ لذلك المسجد بكماله، وقد وصفه بذلك قيد حياة منشئه كما ينبنى عنه ما ترجم المولى إسماعيل به في الكتاب المذكور.
وقد قدمنا أن هذا المسجد هو الذي يقوى في نظرنا أنه المسجد الذي أسسه لما ضاق به مسجد القصبة الذي لا زال يعرف بهذا العنوان إلى الآن، وكذا قدمنا أن دليل ذلك قول واصفى المسجد الذي أسسه بعد ضيق الأول وجعل له بابين بابا إلى المدينة ... إلخ، فإن الباب الذي للمدينة بدون حاجز لم يوجد إلا في هذا، ويزاد على ذلك أن ما وصف به "زهر البستان" جامع الأنوار مع قبته أظهر في وصف الأخضر الذي أطلقه على المؤسس بعد الضيق واصفوه من وصف مسجد القصبة به، وكذلك ما في بيت ذلك الشاعر السابق وهو قوله ففي القبة الخضرا، البيت، القبة الموصوفة في جامع الأنوار أحق به وأليق، ويتأكد ذلك يكون الزيانى ومن تبعه لم يفصحوا في البناءات الإسماعيلية بجامع الأنوار بهذا العنوان، مع أنه أحق بالذكر من كل مسجد بناه, لأن ما وصف به زهر البستان بناءه لم يوصف به شيء من المساجد التي شيدها، فدل ذلك على أنه هو مرادهم بقولهم أسس المسجد الأخضر إلى قولهم وجعل له لابين بابا المدينة ... إلخ.
ويحمل المسجد الذي وصفنا تهدمه داخل الباب الأول للضريح الإسماعيلى
стр. 194
على أنه كان معدا عند المولى إسماعيل للصلوات الخمس، ومسجد القصة المعروف بهذا الاسم لصلاة الجمعة، وقد يصلى فيه الخمس أيضا عند ما يجده الوقت في قصر الستينية المتصل به، أو لمقتض آخر، مقتضيات عظم المملكة وشامخ أبهنها.
والظاهر أن ذلك الاحتفال الهائل الذي خص به المولى إسماعيل جامع الأنوار، حتى إنه جعل أعمدته على كثرتها كلها رخاما مع تلك الخصة التي لم ير الراءون مثلها عظما وحسنا وغير ذلك، ولا سيما مع حصول الاستغناء عنه بعد العظمة الإسماعيلية لا بالنظر للمدينة ولا بالنظر للقصبة، فتكون خطبة مسجدها مع تخريب هذا رجعت إلى محلها الأصلى والله أعلم. وكان تأسيسه لهذا المسجد العظيم المقدار عام عشرة ومائة وألف كما في "الدر المنتخب".
ومن إنشاءاته أيضا مسجد الأنوار المعروف في العصر الحاضر بمسجد سوق السباط، ويدل لذلك ما هو منقوش في لوح خشب ببعض جدراته ولفظه:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليما، الحمد لله الذي جعل أهل العلم أنجما يقتدى بهم في كل وقت وزمان وزين بالاهتداء بهم كل مكان، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمَّد سيد ولد عدنان، وعلى آله وأصحابه ما تتابع الملوان، هذا وإن مولانا المؤيد بالله الهمام محيى الملة والدين، وسالك سبيل الأئمة المهتدين، المجاهدين في سبيل رب العالمين، أمير المؤمنين، مولانا إسماعيل بن الشريف الحسنى أيده الله ونصره، لما أنهى إليه أمر المسجد الذين أنشأه الناظر الأسعد, الموفق الأرشد، أبو عبد الله سيدي محمَّد بن محمَّد الكاتب القيسى الأندلسى أصلا ونجارًا، الفاسى نشأة ودارًا، المسمى بمسجد الأنوار أمر نصره الله بإحضار علماء التوقيت العارفين بدلائل القبلة وهم السيد محمَّد بن عبد الرحمن المرابط والسيد العربي بن عبد السلام الفاسي والسيد حسيت الكامل، والسيد محمَّد بن سليمان العونى وحضروا بالمسجد المذكور واستعملوا البحث والنظر بطرق علماء الفن والأسطرلابات والدائرة ومقاييس الشمس، فأداهم اجتهادهم إلى أن
стр. 195
المحراب هو سمت مكة شرفها الله تعالى على المشهور، وأن طول مكة سبعة وسبعون درجة، وعرضها اثنان وعشرون درجة، وطول مكناسة خمسة وعشرون درجة، وعرضها أربع وثلاثون درجة بتقاطع خطي الطولين والعرضين بالدائرة الهندسية، قيدوا به شهادتهم لسائلها وفي أوائل جمادى الثانية عام اثنين وعشرين ومائة وألف الحمد لله لما ثبت بشهادة أهل العلم المذكورين الواجب تقليدهم للخاص والعام فيما ذكر وجب المصير إليه واتباعه "إذا قالت حذام فصدقوها" وهذا سبيل الحق وطريقه ففي الخبر عنه ﷺ أنه قال كل صنعة يرجع فيها إلى صانعها أو كما قال (١) ﵊ وكتب سعيد العميرى الحمد لله أعلم بأعماله عبد الله تعالى عبد الوهاب العرائشى هـ.
وأسس باب الخميس القائم العين إلى الآن، وهو أحد أبواب مدينة الرياض السالفة الخبر، وذلك عام ثمان وتسعين وألف، ويدل لذلك ما هو منقوش في الزليج المتوج به أعلى الباب المذكور ودونك لفظه:
стр. 196
أنا الباب السعيد سموت فخرا ... سمو البدر في الفلك السعيد
سنا مولاى إسماعيل يبدو ... على ذاتى المنوطة بالسعود
ففي وقت سعيد قد بنانى ... وورخ نشأتى (جود المشيد)
وأسس باب الجديد على ما في بعض التقاييد الموثوق بصحتها عام خمس ومائة وألف.
وجدد المسجد الأعظم عام سبعة ومائة وألف، وكان انتهاء العمل فيه عام تسعة ومائة وألف، ويشهد لذلك ما هو منقوش في لوح خشب بباب المقصورة التي يخرج منها الخطيب بالمسجد المذكور ولفظه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾، صدق الله العظيم، وبلغ رسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، أمر بتجديد هذا المسجد الأعظم مولانا إسماعيل بن الشريف أيده الله عام سبعة ومائة وألف، وكان الفراغ منه عام تسعة ومائة وألف:
يا أيها المنظر الجديد ... زينك الطالع السعيد
وقر منك الأمير عينا ... ومات من غيظك العنيد
وما هو منقوش بأعلى السقاية من المسجد المذكور ولفظه: الحمد لله وحده وصلى الله على من لاَ نَبِىَّ بعده.
تأمل بعد حمد الله حسنى ... وصل على محمد الشفيع
فما أبصرت في الدنيا كشكلى ... أذكر زهر أيام الربيع
وللوراد أسقى سلسبيلا ... فلى فخر بذاك على الجميع
بجامعنا الكبير سموت فخرا ... علا شرفى بجانبها المنيع
بأمر إمامنا المنصور شادورا ... بنائي الرائق الأبهى الرفيع
وتاريخى أمعطاش هنيئا ... وقاك الله من ظما وجوع
стр. 197
وما هو منقوش بخشب عنزته البديعة الإتقان العجيبة الصنع اللطيفة المنظر ودونك لفظ ما هو منقوش في الجهة الموالية للصحن:
ذى عروس من المحاسن تجلى ... باليواقيت وشحت واللآلي
وسراج الملوك بالغرب اسما ... عيل من دأبه اكتساب المعالي
كان عن أمره المطاع وجودى ... كن له حافظا أيا خير والي
وما هو منقوش بها أيضا ولفظه:
بحمد الله يفتتح الكلام ... كذاك صلاة ربى والسلام
على المختار مع آل وصحب ... كعرف المسك ما انسكب الغمام
آدم يا رب عز الدين وانصر ... إِماما لا يعادله إمام
وما هو منقوش بدائرة هذه العنزة من الجهة المذكورة أيضا ولفظه:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله، ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبَّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾، وبوسط هذه الدائرة ما لفظه:
لك الحمد يا ألله والأمر كله ... فصل على سر الوجود محمد
إمام الورى طرا وقبلة آدم ... نبى أتى بالخمس في كل مسجد
ومعجزة القرآن أكبر آية ... فطوبى لمن يتلوه عند تهجد
على العنزات الفضل لي لتقرري ... بمكناسة دار الإِمام المؤيد
وجامعة أكرم ببيت إلهنا ... فكم حله من عالم متعبد
وتاريخ إنشائى وإظهار بهجتى ... وحسنى فشا مسجد تراه بمشهد
وصل إله العرش في كل لحظة ... على أحمد الهادى وأشرف سيد
стр. 198
ومنقوش بدائرة هذه العنزة أيضا من الجهة المقابلة لمحراب المسجد الداخلى ما لفظة:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) [آل عمران]، إلى غير هذا مما هو منقوش بالقلم الكوفى وغيره في هذه العنزة المباركة.
وجدد مدرسة الشهود المتقدمة الذكر عام ثلاثين ومائة وألف، ودليل ذلك ما هو منقوش بها على جدارها الشرقى قبالة الداخل وذلك في زليج أخضر على صورة محراب ونصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بحمد إلهى أبتدى وصلاته ... على أحمد المختار طول المدى تترا
تأمل جمالى كى ترى الآية الكبرى ... أحاكى لزهر في السنا والعلا زهرا
تأنق في البنيان والوشى صانعى ... أنا منزل القراء حزت بذا فخرا
عن أمر أمير المؤمنين الذى سما ... بنسبته للمصطفى وعلا قدرا
أبى النصر إسماعيل كمل بهجتى ... بناظره السهلى قد سهل الأمرا
سليل العلا مزاج عبد الرحيم من ... بإتقانه الأوقاف يلتمس الأجرا
وكملت عام الألف مع مائة وزد ... ثلاثين شهر المولد أحبب به شهرا
فقوله كمل بهجتى ... إلخ، معناه بتجديد إصلاحها وتنميقها.
وقد غلط في فهمه بعض المتأخرين واغتر به صاحب "الدر المنتخب المستحسن" فقال: قال بعض المتأخرين: وأما المدرسة التي عن يسار المقابل لمحراب المسجد الكبير المقابلة بابها لباب المسجد فقد رأيت تاريخها في رخامة مقابلة
стр. 199
للخصة، وأن أمير المؤمنين مولانا إسماعيل هو الذى بناها نصه نظما: بحمد إلهى ... إلخ، الأبيات المارة ولا شك في خطأ هذا النقل، إذ تقدم بناء هذه المدرسة وهى المعروفة بمدرسة القاضى وبمدرسة الشهود وذكرها في "رَوْض" ابن غازى أشهر من نار على علم، كما أنه أخطأ في نسبة التاريخ للرخامة، فإن الأبيات التي بها التاريخ إنما هى منقوشة هناك في زليج أخضر كما قدمنا، وكفى بالعيان برهانا، وأشنع من هذا أن صاحب "الدر المنتخب" المذكور ما ذكر هذا الذى قدمناه عنه حتى قدم متصلا به أن مدرسة القاضى والشهود بانيها هو أبو يوسف المرينى، ومعلوم خارجا أنها هى التي عن يسار المقابل للمحراب المذكور، ثم أثره ذكر أن بانى التي على اليسار المذكور هو المولى إسماعيل، وهذا أقوى دليل على أنه لا يتصور أن المدرسة المذكورة هى التي على اليسار المذكور، فلم يميز بين مدرسة الشهود والقاضى وبين المدرسة الجديدة في كلام ابن غازى، وظن أن التي على اليسار هى غير مسمى مدرسة الشهود فخلط، وما حرر ولا ضبط.
(رجع) والمولى إسماعيل هو الذى نصب المنبر المرونق بالمسجد الأعظم الموجود لهذا العهد يوم الجمعة ثانى عيد الأضحى عام اثنى عشر ومائة وألف على ما في بعض التقاييد التاريخية.
وجدد مسجد سهب الملح وهو المعروف اليوم باسم مسجد ابن عزو على يد المسن المكرم السيد عبد الرحمن بن أحمد بن عزو، كما وقفت على ذلك في بعض التقاييد، وكان تجديده له عام واحد وثمانين وألف.
(فائدة) قال القلقشندي: أول من عمل المنبر في الإسلام سيدنا تميم الدارى عمله للنبي ﷺ ، وكان قد رأى منابر الكنائس بالشام. (١) اهـ.
قلت: ويدل له ما في أبي داود عن الحسن بن على عن إبراهيم بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لما بدن قال له تميم الدارى: ألا أتخذ لك منبرا تجمع أو تحمل عليه عظامك؟ قال: "بلى"، فاتخذ له منبرًا مرقاتين. اهـ.
وما في طبقات ابن سعد من حديث أبى هريرة وغيره، قال كان النبي ﷺ
стр. 200
يخطب يوم الجمعة إلى جذع، فقال: إن القيام يشقّ علىّ، فقال تميم الدارى: ألا أعمل لك منبرا كما رأيته بالشام؟ فشاور النبى ﷺ المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلابٌ أعمل الناس، فقال النبي ﷺ : مره أن يعمله، فعمله درجتين ومقعدا، ثم جاء به فوضعه في موضعه. (١) اهـ.
وتميم هذا هو أيضا أول من أسرج السراج في المسجد كما في "الإصابة" (٢) من رواية الطبراني.
(رجع) ومن تأسيسات الأمير المذكور بناء قنطرة السيد على بن منصور الشهير، الآتي الذكر بحول الله، وكان تأسيسه إياها عام أربعة ومائة وألف.
ومنها القبة التي أمام المدرسة الجديدة الشهيرة اليوم بالبوعنانية عام تسعة ومائة وألف.
وجدد ضريح الولي المتبرك به سيدي يوسف الشريف أحد الصلحاء الذين ضمتهم داره الكبرى المتقدمة الوصف، وكان تجديده له عام ألف ومائة واثنين وعشرين ويدل له ما هو منقوش في رخامة بضريح الولي المذكور نقشا بديعا ودونك لفظه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، هذا ضريح الولي الصالح أبو المحاسن سيدى يوسف الشريف الشهير بأبي قنادل نفعنا الله ببركاته آمين، أمر بتجديد هذا الضريح المبارك الملك الإمام الجليل أبو النصر مولانا إسماعيل أيده الله ونصره أوائل المحرم فاتح سنة ١١٢٢ هـ.
هكذا بالقلم الفاسي، ويوجد هذا الضريح وراء دفة الباب للدار المذكورة دار الخلافة على يسار الداخل.
стр. 201
ومنها ضريح الولي الصالح المولى أحمد الشبلي ﵁ وأرضاه، ويدل لذلك ما هو منقوش بأعلى القوس الواقع يسار الذاهب من نهج القبابين لضريح سيدي عبد الواحد الأشقر المجاور هو أي القوس للسقاية يسار الذاهب منه لضريح الشبلي المذكور ولفظه:
يا ناظرا حرم الولي أحمد الـ ... شبلي وحسن جماله المتوقد
مولاي إسماعيل أسسه وهو ... تاج الملوك ونجل آل محمد
ومثله أيضا باللفظ ما بأعلى القوس الذي يذهب منه للضريح المذكور الأتي من ساباط الزمراني.
وضريح سيدي عبد الله القصري الولي الشهير.
وأسس جامع الزيتونة عام تسعة وتسعين وألف كما صرح بذلك صاحب الدر المنتخب المستحسن، ونصب منبرها في التاريخ المذكور وشاهده ما هو منقوش عليه الآن ولفظه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب]، صنع هذا المنبر المبارك عام تسع وتسعين وألف، وقد كان سرادق ملكه في هذا التاريخ على الأنام ممدودا وأنت ترى سائر الآثار الدينية وخصوصا في عاصمته التي قصرنا الكلام فيها إنما كانت تبرر عن أوامره وهذا منها.
ومن تأسيسات مبانيه القصبات العديدة المحيطة بعاصمته المتصل منها بسور البلد والمنفصل عنه.
فمن المتصل القصبات الثلاث المتقدمة وهي: بريمة، وجناح الأمان، وقعر وردة ومنها القصبة المعروفة بقصبة هدراش وقد سبق بيان موقعها وتاريخ بنائها، ولا زالت قائمة آهلة إلى الآن.
стр. 202
ومنها القصبة المعروفة اليوم بقصبة سيدى سعيد، خارج باب وجه العروس المعروف اليوم بباب الملاح، أحد أبواب المدينة، ولا زالت قائمة آهلة أيضا إلى الآن.
ومنها القصبة المعروفة بتزيمي الكبرى خارج باب البراذعيين القديمة التي موقعها الآن عن يسار الداخل لباب البراذعيين الجديد، وهو الذي يعنون عنه بهذا الاسم الآن، فالجدار الذاهب عن اليسار المذكور من الباب الجديد المذكور إلى الباب القديم أمامه هو لقصبة تزيمي الكبرى المذكورة، والباب الذي عن يسار الداخل للباب القديم المذكور هو لها وبين البابين البراح الذي يباع فيه الخشب الآن كل يوم جمعة بعد الصلاة، ولا زالت هذه القصبة قائمة آهلة أيضا إلى الآن ولفظ تزيمي -بكسر أوله وثانيه المعجم بعده ياء ساكنة وميم مكسورة بعدها ياء ساكنة- هو اسم لقبيلة من عمل سجلماسة نقلت لسكنى القصبة المذكورة.
ومن القصبات المنفصلة التي أسسها سيدنا الجد المولى إسماعيل حوالي مكناسة وعلى مقربة منها قصبة الكدارة بكاف معقودة وقصبة حَرْطَان -بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفتح الطاء المشبعة ثم نون- وقصبة المولى المستضئ.
وقصبة بوفكران.
وقصبة المنزه.
أما قصبة الكدارة فنسبتها لفرقة من فرق الجيوش المولوية أنزله بها مؤسسها على ضريحه صيب الرحمات وموقع هذه القصبة في الجهة الجنوبية من المدينة وهي الآن خراب بيد المكلف بالأملاك المخزنية يكتريها منه من شاء لكون عمارتها الأصلية بطلت.
وأما قصبة حرطان فموقعها غربا من المدينة يسكنها فريق من قبيلة الخلط، وأصل الخلط من العرب لا من البربر كان نقلهم السلطان سيدي محمد زمن خلافته عن والده السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام في شهر قعدة الحرام عام سبعين ومائتين وألف على القول الصحيح من بلاد سفيان وبني مالك وأحواز
стр. 203
العرائش وعددهم إذ ذاك مائتان وثمانية عشر نفرا وأنزلهم بأرض مَكَّس -بفتح الميم والكاف المشددة بعدها سين مهملة- وزكُّوطة -بفتح الزاى المعجمة وضم الكاف المعقودة مشددة بعدها واو ساكنة ثم طاء فهاء ساكنة- وأضافهم إلى الجيش البخاري، ثم صار يلحق بهم إخوانهم من القبيلة المذكورة إلى أن صار عددهم ألفا وخمسمائة، ثم نقلهم إلى وادي الشجرة مع القصبة المذكورة ونقل من القصبة والوادي المذكورين من كان بهما من أهل تادلا وأنزلهم بأرض مكس، ولا زال بها نسلهم إلى الزمان الحاضر.
وأما قصبة مولاي المستضيء فموقعها غرب المدينة قرب قصبة حرطان، وليس بها اليوم إلا البوم وأنواع الحشرات، ولذلك تعرف بالخالية، قالوا: ووجه إضافتها للمولى المستضيء أن السلطان المولى إسماعيل كان مخيما في بعض أسفاره بالمحل الذي موقعها به، فجاء الطلق لبعض حظاياه ثَمَّ فولدت المولى المستضيء، وأقام السلطان هنالك مدة نفاسها، وفي ذلك الوقت أمر ببناء القصبة، كذا تلقيته من غير واحد من ذوي السن العالية.
وأما قصية بوفكران، فإضافتها للوادى الشهير الداخل للمدينة يسكنها اليوم فريق من الأشراف العلويين، تقع في جهة الشمال من المدينة على مسافة ثمانية عشر كيلو مترا، وبمقربة منها قصبة المنزه يسكنها مثل سابقتها فريق من العلويين.
ومنها أنه لَمَّا تملك أرض حمرية التي كانت تسمى قبل بأبي حفص بالمعاوضة الشرعية مع مالكها حسبما وقفت عليه في نسخة مسجلة ثابتة نص ظهير تقديم النائب في عقدها بعد الافتتاح:
من عبد الله تعالى أمير المؤمنين، المتوكل على رب العالمين، المجاهد في سبيله ناصر الدين مولانا إسماعيل بن مولانا الشريف الحسني، ونص الطابع: اليمن والإقبال اليمن والإقبال اليمن والإقبال إسماعيل بن الشريف الحسنى رعاه الله، أيد الله تعالى بعزيز نصره أوامره، وظفر عساكره، وخلد في الصالحات
стр. 204
مآثره، وأسعد بمنه موارده ومصادره، آمين آمين، قدمنا بحول الله وقوته خديم جانبنا العالى، والنجد الذى أحرز من اشتراط النباهة والنجابة المقدم والتالى، القائد الأوجه، الأثير الأنبه، الأحفل الأرضى، الحازم الأحظى، القائد على بن يعقوب اليوسفى المكناسى دارا، وصل الله أنجاده وأحرس على المسالك الحميدة والمساعى الجميلة إصداره وإيراده، لحيازة الأراضى التي لنا بحوز حضرتنا العالية بالله مكناسة وبيان حدودها وتعيينها وإخراجها من يد من كانت وعلى عقد المعاوضة فيما يظهر له منها بغيرها التي هى على ملك أناس المتصلة بأراضينا المجاورة لحضرتنا المذكورة، وعلى الصلاح في ذلك والسداد تقديما أمضاه بعلائه وكساه رائق هلاله، لعلمنا بأنه أهل لما إليه قدمناه، وأحق بما أسديناه إليه وأوليناه، والله يصل توفيقه، ويجعل السداد والنجح رفيقه، بمنه والسلام وفى يوم الأحد رابع وعشرين المحرم الحرام فاتح سنة ثلاث وتسعين وألف عرفنا الله خيره وبركاته. اهـ.
ونص المعاوضة: الحمد لله انعقدت المعاوضة ببركة الله تعالى بين الشريف الأوجه الخير الأنزه الأحظى الأنقى السيد محمد دعي بسيدي حمّ بن إدريس بن وحود الحسنى المنونى، وبين القائد الحاج على بن يعقوب المذكور أعلاه النائب عمن ذكر أعلاه بحكم ما ذكر أعلاه في جميع الأرض المعروفة بأبى حفص المشتملة على سقى وبعل، التي على ملك الشريف المذكور الكائنة خارج باب القورجة، أحد أبواب مدينة مكناس، يحدها سهب الطبال والطريق الممرور عليها لفاس، وتتصل بساقية خنفر وبطريق عين الشلوقى، وفى جميع الأرض التي للجانب العلى البعل الكائنة ببراكة خارج باب البراذعيين من المدينة المذكورة، يحدها الأرض المعروفة ليوسف النحال قبلة ومقطع الريح غربا، ويحدها أرض سيدى على بن قاسم الشريف المنونى من الجهتين، والطريق الآتية من قبور الطوال وتتصل بأرض عزور التي على ملك الشريف المذكور أولا، وذلك بأن أخرج
стр. 205
الشريف المذكور نفس ملكيته عن أرض أبى حفص التي كانت له عوضا عن أرض براكة التي صارت له بسبب المعاوضة المذكورة، كما أخرج القائد المذكور نفس ملكية المنوب عنه عن أرض براكة، التي صارت للشريف عوضا عن الأرض التي صارت للجانب العالى المعروفة بأبى حفص المشتملة على سقي وبعل، معاوضة صحيحة تامة بتلة بتة على سنة المسلمين في معاوضتهم، ومرجع دركهم، وتملك كل واحد ما صار له عوضا عما صار عنه تملكا تاما على السنة في ذلك، والمرجع بالدرك بعد النظر والتقليب والرضا صحيحا كما يجب من ناب عن نفسه فعن نفسه ومن ناب عن غيره فعنه عرفا قدره، شهد به عليهما بحال كمال الإشهاد وعرفهما أواخر القعدة من عام ستة وتسعين وألف الحق فيه والطريق الآتية من قبور الطوال صح به شهد عليهما بما ذكر أواخر صفر اثنين ومائة، ألف، أحمد بن محمد لطف الله به وعبد السلام بن محمد. اهـ.
غرسها (١) كلها بأشجار الزيتون حتى تمت فيها مائة ألف شجرة من الزيتون ثم حبسها على الحرمين الشريفين، ثم لما توالى على مكناس ما توالى بعده ﵀ من الهرج والمرج، وشبت نيران الفتن بين أولاده، وتمكن عيث العبيد على البلاد والعباد ومد الفساد والخراب في الأرض أطنابه، كان مما امتدت إليه اليد بالحرق والقطع هذه الغاية، حتى تلفت من شجرها كمية ذات بال، ولما تمهدت البلاد، وانقادت العباد لسيدى محمد بن عبد الله واستتب الأمن وخضعت له الرقاب وانكسرت راية أهل الزيغ والفساد، قام على ساق من رتق ما أنتجته تلك الفتن من الفتق، فكان من جملة ما تلافاه بهمته الفعالة إحياء ما اندثر من تلك الأشجار، بإعادة غرس ما قلع وحرق منها حتى رجعت لشبابها، ثم بعد ذلك فصل التحبيس، فجعل النصف حبسا على الحرمين الشريفين تختص المدينة المنورة على منورها أفضل الصلاة وأزكى التسليم بالثلثين، ومكة المشرفة بالثلث،
стр. 206
والنصف الأخر للمسجد الأعظم بمكناس يخرج منه كل سنة نحو الخمسمائة فرنك، يوجه منها خمسة وثلاثون فرنكا ونصف الفرنك تقريبا لجد العائلة المالكة مولانا على الشريف دفين سجلماسة، تصرف في مهمات الروضة والطلبة الذين يقرءون الحزب ودلائل الخيرات، والمؤذنين وقيم الروضة وطعام ليلة المولد النبوى، ومنها ثلاثة عشر فرنكا تقريبا تورع على الطلبة الموظفين لقراءة الحزب والصلاة على النبى ﷺ على قبر والدة المحبس الثانى وأعمامه بروضة أبي زكرياء الصبان نفع الله به، وقد كان لهذا القدر التافه الآن إذ ذاك شأن وبال، كما يخرج من النصف المذكور كل يوم رطل زيتا لضريح سيدى أبى يعزى ورطل لضريح مولانا إدريس الأزهر بانى فاس رضى الله عنهم جميعا وعنا بهم آمين.
ومنها أى الآثار الإسماعيلية جر الماء من بوفكران لزيتون حمرية في ساقية وسط جدار ضخم لازالت بقاياه جهة باب القرمود وسيدى الشريف الوافى لهذا العهد.
ومنها بناؤه الجدار المحيط بغاية حمرية، ولا زال بعضه قائما إلى الآن.
ومنها جر ساقية لجنان العريفة طوطو ببنى موسى في جدار عميق إلى أن يمر ماؤها فوق أقواس باب ثلاثة فحول التي هد منها قوس في هذا التاريخ، والعريفة طوطو هذه هى: بنت بوشتى السفيانى، كانت عريفة للمولى إسماعيل وخلفت أولادًا منهم: القائد قاسم المجاهد، والحاج سليمان، وهنية المدعوة بالنسيم والتومية، وقد كان المولى زين العابدين بن المولى إسماعيل تزوج بالنسيم المذكورة فولدت له الشاد بالله، ومليكة وخلفت العريفة المذكورة أموالًا طائلة من العقار وغيره بمكناسة وغيرها.
ومن تأسيسات المولى إسماعيل ومآثره الخالدة التالدة الضريح الإدريسي الأفخر، والمشهد العلوى الأنور، الواقع بزاوية جبل زرهون التي قال غير واحد من أئمة الدين، حملة شريعة سيد الأولين والآخرين، بتفضيلها على سائر الأقطار
стр. 207
المغربية، لضمها جسد هذه البضعة الطرية، وكان تأسيسه لذلك المشهد الفاخر، الزهي الزاهر، سنة عشر ومائة وألف.
ويدل لذلك ما هو منقوش في الرخامة الأولى المثبتة في الجدار المواجه للداخل من باب قبة الضريح الإدريسي زاده الله بهاء ونورا ودونك لفظه:
هذه روضة بها خير هاد ... بضعة المصطفى وعين الرشاد
ملك طهر الإله به الغر ... ب من الشرك والشقا والعناد
واستقامت له الحشود وقد كا ... نت زمانا بالغى في كل واد
فإذا ما نسبته فرسول اللـ ... ـه في القرب رابع الأجداد
وتأدب فأنت ما بين صوم ... وصلاة وسنة وجهاد
وتلطف فأنت ضيف إمام ... في حماه علاج كل فؤاد
خصه خالق الخلائق بالفضـ ... ـل وأحيا به أقاصى البلاد
فسل الله ما تشاء من الفض ... ـل فليس لفضله من نفاد
وتوسل بالمولى إدريس واقصد ... في علاه بلوغ كل مراد
وابتهل للإله في نصر مولى ... شأنه السعى في صلاح العباد
شاد هذا المقام والفعل منه ... خالص لكريمه الجواد
عام ألف ومية بعد عشر ... من سنين السرور والإسعاد
وهذا تاريخ بناء نفس الضريح، وأما باب حفاته المقابل للباب المعروف هناك بباب المعراض، فكان تمامه في السنة التي بعد التاريخ المذكور اتصالا كما يدل له المنقوش في الزليج أعلى باب الحفاة المذكور ولفظه:
стр. 208
هذا مقام الحسنى الذى ... وصل أهل الله من بابه
أنشأه السلطان محتسبا ... لله في موصول أسبابه
على يد الكاتب في (ايقش) ... ناظر الأحباش في آلائه
بشبرى لمن قد جاءه زائرا ... ومرغ الخد في أعتابه (١)
اهـ.
على ما في البيت الثالث مما لا يجور في الصناعة الشعرية وعلى ما في البيت الرابع من المبالغة الشعرية التي لا ينبغى الاغترار بها، إذ لا يجوز في الشريعة الإسلامية تمريغ الخدود بالأعتاب كيفما كانت، وقد عده ابن حجر الهيثمى بل وما هو أدنى منه من الكبائر، هذا إن لم يقصد به العبادة وإلا فهو كفر كما في غير ما ديوان.
وقد ذكر السيخ زروق في "قواعده" أن الزيادة لا تجور إذا كان هناك منكر من تقبيل جدرات القبر وغيرها، فكيف بالتمريغ، والتاريخ المذكور هو المشار إليه بلفظ أيقش، اهـ.
قلت: انظر هذا مع ما وقع لصاحب البستان وغيره من أن البناء كان سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف، وتيقن أن الحق ما نقلناه، وبالدليل القاطع أيدناه.
وما هو منقوش في خشب بباب المدرسة المعدة لسكنى الطلبة المهاجرين لقراءة العلم والقرآن الكريم المقابلة لباب الحفاة المذكور، ولفظه: النصر والتمكين، والفتح المبين، لمولانا إسماعيل أمير المؤمنين، لكن هذه الخشبة يجور أن تكون من أنقاض الدار الإسماعيلية الكبرى التي جلبها سيدى محمد بن عبد الله مثل رخامتى خدى باب القبة كما يأتى.
وما هو منقوش في خشب مظل باب المسجد الإدريسى المتصل هو أى الباب
стр. 209
[صورة]
رخامة ضريح أبي القناديل سيدي يوسف الشريف
стр. 210
بالجدار الشرقى من المدرسة المذكورة ولفظه: النصر والتمكين، والفتح المبين، لمولانا إسماعيل أمير المؤمنين، فإن قلت المسجد المذكور قديم ليس لمولانا إسماعيل فيه غير يد التجديد والتنميق. قال الحلبى في الدر النفيس: أما المسجد الجامع الذى حذاء الروضة فقديم والله أعلم؛ أنه من عهد مولانا إدريس فيما يظهر ولم أقف على خبر أمره، ولكن فهمت ذلك بالعرف المألوف أن المسجد بنى بقرب قبره المبارك كما يفعل بقبور الصالحين وقيل إنه محدث. اهـ.
قلت: يمكن أن البناء الحالى هو بناء للمولى إسماعيل أحدثه بعد زمن تأليف الحلبى وعليه فلا مخالفة وقوله وقيل: إنه محدث يعنى أحدثه غير المولى إسماعيل لأن الحلبى كان في رمانه وألف تأليفه المذكور قبل بناء المولى إسماعيل لهذا الضريح، وكان فراغه من تأليف الدر النفيس يوم الأربعاء العشرين من ربيع الثانى سنة ثمان وتسعين وألف.
ثم بعد كتبى هذا وقفت في الدر المنتخب على ما لفظه: ثم بنى جامع الخطبة الكبير المتصل بمولانا إدريس بزرهون وهذا لا شك فيه ولا ترديد، ورتب رواتبها، وجعل لها ما هو معلوم للمساجد العظام، واشترى بذلك فضلا يبقى على التأبيد، يعم الأهل والآباء والوليد، إذ ذاك من الأعمال التي لا تنقطع بالمنية، وتبلغ فاعلها في الدارين غاية الأمنية، ثم بنى المنار وشيده ورتب فيه المؤذنين ووقت لهم الأوقات، وعلم القائم بذلك ما يحتاج إليه في سائر الحالات، ونصب لهم ما يحتاجون إليه من الآلات، ثم بنى المدرسة المتصلة بما ذكر على الشكل الذى هو الآن معروف، ورتب فيها طلبة للقراءة على الأمر المألوف، ثم بنى دار الوضوء وجلب إليها الماء وأحسن في ذلك وأتقنها، وبنى دوراً ومكاتب ومواضع عديدة لنزول الزوار والضعفاء والأضياف وأعلنها، ثم بنى المساجد والمكاتب لتعليم الصبيان، ووقف على ذلك أوقافا عالية الأثمان، وبين لمن يقوم بكل وظيف ما له
стр. 211
من الأوقاف المختصة به وما يشترك فيه اثنان، ثم بنى الحوانيت والفندق والحمام والسقايات، وأجرى الماء في سائر النواحى والجهات، وبنى قبة سيدى راشد المتقدم ذكره، وبنى حول ذلك بناءات ثم أدار البناء على الجميع ليطمئن الزائر والساكن ولا يخشى العاهات، وبنى قنطرة الوادى وقنطرة أخرى بناحية قصر فرعون وسهل الطرقات، وأمر ببناء الدور في المواضع المرتفعات، وذلك كله على يد خادمه الباشا ابن الأشقر، وبعض كتابه ومن له الأمر.
وعند ذلك رغب الناس في سكنى زَرْهُون، وصار منازل الأشراف وأهل الفضل والدين، وان كان قديما هو مأوى الصالحين، ومحل إجابة السائلين وملجأ الراغبين، لكن كان غير مقصود للسكنى، وبوجود مولانا إسماعيل صار يغبط السكنى فيه الناس، وتقصده القبائل والرؤساء من سائر القبائل والأجناس.
وحين تم بناؤه على الوجه الذى أراده السلطان، وزاره ورأى ذلك بالعيان، ورأى عمارته واغتباط الناس في البنيان، سجد لله شكرا، وحمد الله على عادته سرا وجهرا. اهـ.
وإنما تعرضنا هنا لذكر هذا الضريح الأعظم في جملة تأسيسات مولانا الجد مولانا إسماعيل بعاصمته المكناسة لأن متبوعنا الإمام ابن غازى تعرض لذكر صاحبه ولذكر عاصمة ملكه التي كانت حاضرة البلاد مدينة وليلى ولكون المحل من جملة الأحواز المكناسية، وهذا هو ملحظ ما نأتى به بعد إن شاء الله مما يتعلق بزرهون وأهله.
وأما باقى بناءاته في غير مكناسة فقد أتينا على جملة صالحة منها في كتابنا المنزع اللطيف مفصلة وما أشرنا إليه من التأسيسات المتقدمة من هذا الإمام في العاصمة المكناسية، فإنما هو قُلٌّ من كُثْر، إذ لا نسبة لما انهد منها واندثر أثره مع ما بقى منها مما مر بك.
стр. 212
قال أبو القاسم الزيانى: ومن يوم مات المولى إسماعيل والملوك من بنيه وحفدته يخربون تلك القصور على قدر جهدهم وما أكملوا نصفها مدة من نحو مائة سنة. اهـ.
قلت: ولا زالت يد التخريب عاملة إلى الحين الحالى في تلك الحصون والأسوار الهائلة.
ولضخامة الآثار الإسماعيلية وانتشارها في سائر الأقطار المغربية، توهم بعض الجاهلين أن ذلك فوق مقدور البشر وأنه من عمل الجان، وليس الأمر كما توهم أولئك الأغبياء، وإنما بناءات مولانا إسماعيل الهائلة أثر من آثار على همته، ووافر ثروته، وعظم دولته، ونفوذ كلمته، وكمال اقتداره، وحزمه وصرامته، في سائر أطواره، ولذلك أزرت مبانيه بما بناه الفراعنة والأكاسرة حتى قال بعض حذاق الشعراء:
لقد بنت الملوك بناء فخر ... به ذكرت على مر الدهور
وأبنية الإمام أبى الفداء ... سليل المصطفى الليث الهصور
أتم ضخامة وأجل قدرا ... وأجمل منظراً أبهى قصور
وفى كل البلاد له حصون ... لتأمين المسافر في المرور
ولو قيست مبانيه بما قد ... بناه من تقدم في عصور
لكان لها اعتزاز وافتخار ... ببهجة حسنها وبنا الأمير
فدونك فاستمع قولى مصيخا ... فإن مقالتى ليست بزور
وفى مكناسة الغرا دليل ... كمثل الشمس في صفة الظهور
فرحمة ربنا عدد الرمال ... على ملك تسامى عن نظير
стр. 213
وقال الوزير ابن إدريس:
قال للذين استعظموا من جهلهم ... إيوان كسرى أو بنا الأهرام
لم يبن ملك قد تقدم ما بنى ... مولاى إسماعيل في الإسلام
وقال صديقنا المؤرخ النقاد أبو عبد الله محمد بوجندار الرباطى مساجلا صديقنا الفقيه الأديب الكامل أبا عبد الله محمد بن اليمنى الناصرى وكان ابتداؤها
من الأول إذ قال:
مآثر إسماعيل أسمى المآثر ... ففاخر بما شاهدت منها وكاثر
ونزه جفونا في محاسن صنعها ... تجد مفخرا يسمو جميع المفاخر
مفاخر إلا أنهن بدائع ... بدائع إلا أنها صنع ماهر
مصانع إلا أنهن نواصع ... نواصع إلا أنها كالزواهر
فعج بى رعاك الله نحو ضريح من ... غدت عن مزايا ملكه خير سافر
مزايا غدت علوية علوية ... علت بمليك كامل الفضل وافر
وقول الوزير ابن إدريس لم يبن ملك ... إلخ، إشارة إلى تعضيد قول مؤرخ الدولة العلوية أبى القاسم الزيانى إن مبانى المولى إسماعيل بقلعة مكناسة وقصوره ومساجده ومدارسه وبساتينه شيء تذهل عند مشاهدته العقول، وتعجز عنه قدر الدول القديمة والحادثة، قال: ولا تلحق ضخامة مبانيه ما بنى كسرى في المدائن، ولا الفراعنة في مصر، ولا الروم برومة والقسطنطينية، ولا اليونان بأنطاكية والإسكندرية، ولا العماليق بالشام، ولا ما بناه بنو أمية ولا بنو العباس ولا العبيديون ولا المرابطون ولا الموحدون، ولا بنو مرين، ولا السعديون، قال: ولقد شاهدت الكثير من آثار الدول المذكورة فما رأيت أثرا أعظم من آثاره وأضخم من
стр. 214
بنائه، وأكثر من قصوره لأن من بنى من هذه الدول إنما يعتنى بتشييد قصر وتنميقه، والمولى إسماعيل لم يقتصر على قصر ولا على عشرة ولا على عشرين، بل جعل مبانى الدول كلها في بطن قلعته بمكناسة كما يقال: كل الصيد في جوف الفرا. اهـ.
وقد تابع الزيانى على مقاله هذا من نسج على منواله كصاحبى "الجيش العرمرم" و"الاستقصاء" وعليه جرى الوزير ابن إدريس كما رأيته.
وأما تعقب بعض فضلاء العصر وهو الشيخ محمد فريد وجدى ما في الاستقصاء بقوله نقول في هذا الكلام غلو عظيم لا يصحّ أن يصدر من مؤرخ على أنه يَدُلُّ في الجملة على ما كان لهذا السطان من المبانى العظيمة. اهـ. فغير سديد لأن الغلو مدفوع بما بينه الزيانى من اقتصار كل دولة على تشييد بناء عظيم خاص، والولى إسماعيل شيد في بناءاته الضخمة الهائلة ما يوارى بناء كل دولة، وجمع ذلك في قلعته فصارت قلعته جامعة لا يماثل ما شيدته الدول كلها، وهذا شيء انفرد به دونهم فاستحق بذلك تفضيل جملة مشيداته على ما شيده كل فرد منهم، إذ لم يتفق لفرد من تلك الدول من كثير المبانى الضخمة الممثلة لسائر مبانى من عداه من الدول ما اتفق للمولى إسماعيل، فأين الغلو في ذلك حينئذ! وأين ادعاء أن ذلك لا يصدر من مؤرخ! كيف وقد صدر عن مؤرخين كما رأيت وأولهم الزيانى، ما أعلن بذلك حتى أخبر بمشاهدته لمبانى الفريقين فريق الدولة الإسماعيلية وفريق من عداها من الدول المتقدمة عليها في أقطار المعمور، وجناب الشيخ الفاضل المعترض ليس معه إلا تحكيم الاستبعاد، الخالى عما يدعمه من وجوه الاستناد، وذلك هو منشأ الفساد، على أنه سيوافيك في ترجمة المولى إسماعيل من مشيداته في الأقطار المغربية الخارجة عن مكناسة ما يزيح عنك كل تشكيك وشبهة.
стр. 215
هذا والذى حدانا لشرح نقض ذلك الانتقاد، زيادة المنتقد قوله لا يصدر عن مؤرخ المعنونة بأن الغلو المنتقد به غير مقبول، لخروجه عن مناهج المعقول، أما لو طوى بساط تلك الزيادة المفسدة واقتصر على مجرد التنبيه على الغلو لقبلناه، وحملناه على الفرد المقبول عند سماسرة الفن ولم يعبأوا بمن خالفهم فأباه، وقلنا حينئذ بمجالات المديح التي لا غنى للمؤرخ عنها هى معدن ذلك ومأواه.
(تنبيه) علم مما سبق اهتمام المولى إسماعيل وغيره ممن تقدمه من ملوك المغرب بتشييد المساجد العظيمة والمدارس البهية والمشاهد العلية وتجديدهم لما وهى من ذلك تجديدًا أرفع مما كان، لكن مع التجافى في الجملة عن الإسراف وعدم التجاور عن حدود الإمكان.
وعليه فما وقع في رحلة الزيانى بعد بيان فخامة مسجد السلطان حسن بمصر من قوله: فرحم الله أفاضل الملوك الذين درجوا، والذين من خلفهم على مناهجهم نهجوا، لقد خلدوا من المآثر الدينية ما أوجب خلود الثناء عليهم ووصول الدعاء ممن بعدهم إليهم، ولم يزل أهل المشرق إلى الآن لهم فضل اعتناء ببناء المساجد والخانات، ويبالغون في تعظيمها ويتنافسون في ذلك ويبادرون إلى إصلاح ما وهى منها.
وأما مغربنا فلا تكاد ترى في مدنه مسجدًا عظيمًا قد أحدث بل مهدوما قد جدد، أو واهيًا قد أصلح، بل إن سقط شيء من أكبر مساجدهم فأحسن أحوالهم فيه إن كان مبنيا برخام أن يعاد بجص وآجر، وإن كان مجصصا أن يعاد بطين، بحيث تجد المسجد كأنه مرقعة فقير من كل لون رقعة، وما أرى سبب ما لمغربنا من الوهن إلا أمثال هذا من عدم تعظيم الله ولو في الأمور الظاهرة، فضلا عن الباطنة، ولم يعتن بإقامة معالم الدين إلا أمير المؤمنين سيدنا محمد بن عبد الله فقد شيد بمدنه مساجد ومدارس ورباطات، واقتفى آثاره في ذلك سلطاننا مولانا سليمان في تشييد معالم الدين بكل مدينة. اهـ.