← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الشرط الثامن عشر: إذا أراد سيدنا نصره الله إبطال هذه المهادنة والصلح الواقع بينه وبين سلطان البرتغال فلا يحاربهم سيدنا نصره الله إلى بعد ستة أشهر من الإبطال، ليرحل من إيالته القونصو أجرال ومن معه من البرتقيز في هذه المدة المذكورة، وينقلون حوائجهم وأمتعتهم من غير أن يتعرض لهم في الأمر المشار إليه معارض من ولاة أمر سيدنا نصره الله. الشرط التاسع عشر: إذا حدث خلاف أو نقض شروط من هذه الشروط المرسومة في هذه المعاهدة بين رعية سيدنا نصره الله وبين رعية البرتغال، فلا ينقض الصلح المثبوت بين سيدنا أيده الله والجنس المذكور، بل يحفظ ما حدث ويرسم ليقع جبر الخاطر وإصلاح ما فسد. الشرط الموفى عشرون: هذه المعاهدة المرسومة بهذا السجل بين سيدنا نصره الله وسلطان البرتغال المذكور تمضى وتسجل في مدة ثلاثة أشهر، لكن يبتدر لحفظها ثلاثة أشهر بعد ذلك. الشرط الحادى والعشرون: أن جميع جنس البرتقيز من انبرام هذا الصلح والمهادنة لا يمكن بوجه أسره في مملكة سيدنا نصره الله ما دام الصلح واقعا ولا يقع بيعهم في مملكة سيدنا نصره الله ولا يشترون من أرض أخرى ويباعون في إيالته، وبهذا الشرط يعامل كل من هو في إيالة سيدنا نصره الله فلا يباع بأرضهم، كما أن من كان منهم مقبوض في إيالة سيدنا في بياع ولا يشترى في إيالة سيدنا نصره الله.

стр. 1507

الشرط الثانى والعشرون: إذا وقع نقض لهذا الصلح من قبل سيدنا نصره الله أو من قبل سلطان البرتغال فأسارى المسلمين الذين يكونون بيد البرتقيز من إيالة سيدنا نصره الله بعد النقض المذكور لا يكون في حكم الأسرى، بل يضمحل عنهم اسم الاستيسار ولا يكلفون بعمل إلى أن يسرحوا، وكذلك ما استيسره سيدنا نصره الله من جنس البرتقيز فإنه يعامل بهذا الوجه، ويكون أسرهم كالمسجونين ولا يكلفون بعمل كذلك إلى أن يقع تسريحهم من قبل سيدنا نصره الله" انتهى.

стр. 1508

مع الدولة العثمانية * * * كانت الروابط بين صاحب الترجمة والدولة العثمانية موصولة الأسباب، وثيقة الأَطناب، وطالما أعانها بالأموال الطائلة الوافرة، وأهدى من نفيس لسلاطينها الهدايا الفاخرة، ووجه لهم الوفود والسفراء، من الأعيان والكبراء، وقد اتصلت المودة بينه وبين السلطان مصطفى الثالث بن أحمد الرابع المتولى سنة ١١٧١ إلى أن مات سنة ١١٨٦، وخلفه أخوه السلطان عبد الحميد الأول فسار معه المترجم على ما كان عليه مع أخيه من قبله، واتصلت بينهما المودة إلى أن مات سنة ١٢٠٣ وتبعه المترجم في السنة بعدها. ففى سنة ١١٧٥ وجه للسلطان مصطفى المذكور بالأستانة العلية الحاج الخياط عديل سفيرًا بهدية ورسالة يهنئه بالملك، ويقرر أسباب المودة والإخاء في ذات الله، فكافاه على هديته مع رسوله بهدية من آلة الحرب والمدافع والمهاريس وآلة المراكب القرصانية. وفى سنة ١١٧٩ بعث إليه بكاتبيه الفقيهين السيد الطاهر بن عبد السلام السلوى والسيد الطاهر بنانى الرباطى سفيرين وأصحبهما هدية نفيسة فيها خيل عتاق بسروج مثقلة بالذهب مرصعة بالجوهر والياقوت ونفيس الأحجار، وفيها أسياف محلاة مرصعة بالياقوت المختلف الألوان، وفيها حلى من عمل المغرب وبنود منسوجة بالذهب من عمل فاس، فابتهج السلطان مصطفى بذلك، وكافأ عليه بمركب موسوق من آلة الحرب مدافع ومهاريس وبارود وإقامة كثيرة للمراكب القرصانية من كل ما تحتاج إليه. قال أبو عبد الله بن على الدكالى السلوى في إتحاف أشراف الملا، لما ذكر طبقة أدباء سلا:

стр. 1509

ومنهم المحاضر الأديب ... الكاتب المبرز الأديب محمد الطاهر وهو ابن على ... ثم ابن عبد للسلام منجلى كان بعصر الملك المعظم ... منصور دولة العلاء الأفخم غدا جليسا كاتبا موجها ... إلى ملوك عصره منزها برع في العلم وفى الآداب ... وفى الدهاء بادى الإعجاب سافر عنه لبلاد الترك ... في عهد مصطفى الجميل النسك وحمل الهدية العظيمة ... ولم تزل معروفة فخيمة ما بين أفراس وحلى وتحف ... ونخب جلت وفاقت في الطرف وكان من أهم ماله قصد ... جلب المدافع وإحكام عدد مما به مصلحة الأسطول ... والعود بالخير وبالمأمول وأن يزال الحلى عن مصاحفا ... كانت لدى الحرام وقفا شرفا لما تعذر انتفاع الواقف ... بها وخيف من مآل التلف وأن يعاد جلدها جديدا ... ويحصل النفع ولا مزيدا وقيمة الحلى على الأشراف ... تفرق مع محاوج الأطراف فاعمل النظر مصطفى وحل ... بتركها بحالها وقفا كمل ثم اشترى مصاحفا بعدها ... ووقفت يتلى بها لنفعها وجعل الثواب للذى وقف ... أولها فأمنت من التلف وخاطب المولى بهذى المصلحة ... وأنها أعلى الآراء الناجحة تأدبا مع الرسول المصطفى ... وحفظ آثار الجدود الشرفا

стр. 1510

ثمت عاد ثانيا سفيرا ... في عهد نجل مصطفى (١) ظهيرا لأجل أن يفتدو الأسارى ... من كل أقطار لدى النصارى بمائتى ألف من الريال ... مع ثلاثمائة من مال وشاء من عبد الحميد (١) أن يرا ... برأيه في فكها محررا فوجه التركى بسفن أربع ... لمالطة لأجل فصل المنزع فتم الافتدا بذاك المال ... وعظم الأجر بكل حال انافت الأسرى على العشرينا ... من الألوف عددا مبينا ذكره مؤرخ تركى ... (جودت) عثمانى به حرى وخاطب الصدر السفير هايرا ... أميرك القرض لنفع غزرا فقال ممكن له ما ترتضى ... وليس يعتاص كهذا الغرض وكان من أمر غزير السلف ... ما جل ذكره لعهد الخلف وكم لهذا الشيخ من سفارة ... عادت بربح القطر والعمارة حج وزار ورأى المعالما ... وقيد (الرحلة) فيما أبهما ثم إن المترجم وجه خديمه الرئيس عبد الكريم راغون التطوانى سفيرا سنة ١١٨٠ للسلطان مصطفى، وأصحبه كتابا يتضمن التعزية فيما أصاب الأسطول العثمانى من الروس وزوده بهدية نفسية للسلطان مكافأة له على هديته التي أرسلها مع بنانى وابن عبد السلام. ولما دخلت سنة إحدى وثمانين ورد الحاج عبد الكريم المذكور من سفارته عند السلطان المذكور ومعه هدية عظيمة أعظم من الأولى، تشتمل على مركب

стр. 1511

موسوق بالمدافع والمهاريس النحاسية قامتها وإقامة المراكب القرصانية وغير ذلك من آلات البحر، ومعها بعثة حربية تركية تتركب من ثلاثين من مهرة المعلمين، فنزلوا بمرسى العرائش، ومنها توجهوا لمكناس حيث مثلوا بين يدى صاحب الترجمة فكان بينهم ما تقدم عند الكلام على اهتمامه بالأساطيل البحرية. ولما مات السلطان مصطفى المذكور وبويع لأخيه السلطان عبد الحميد سنة ١١٨٦، وجه له المترجم رسوله سفيرا بكتاب التهنية له بالملك وتجديد المودة، وهدية فيها طرف عظيمة من طرف المغرب وسارت معها أربع مراكب من المراكب المغربية. ثم وجه المترجم خديمه القائد علال الدراوى، والقائد قدور البرنوصى، والكاتب السيد محمد الحافى الذى كان توجه لفداء أسارى الأتراك من جزيرة مالطة، فأنكر أهلها الفداء وردوا المال، فوجه المترجم ذلك المال البالغ قدره مائتى ألف ريال وأربعة وسبعين ألف ريال مع المذكورين ليدفعوه للسلطان عبد الحميد ويقولوا له إن هذا المال أخرجه أمير المؤمنين لفكاك أسارى المسلمين، وحيث رده الكفار ولم يتيسر الفداء لا يرجع إلينا، فأنفقه في فداء الأسرى أو في الجهاد أو فيما يظهر لكم وكتب لهم بذلك كتابا للسلطان عبد الحميد، وذكر فيه حال حكام أهل الجزائر وما هم عليه من الجور والظلم لضعفاء العرب الذين كانت وفودهم تلوذ بصاحب الترجمة وتشكو إليه ما أصابها، فكان يكاتب أولئك الحكام (١) ويحضهم على العدل وينهاهم عن الظلم فلا يسمعون له كلاما بل يقابلون من يأتيهم بمكاتبه ورسائله بالعقوبة الفادحة، فلما أعياه أمرهم كتب بهم للسلطان المذكور مع هذه السفارة.

стр. 1512

ثم وجه بعد هذه السفارة عبد الكريم العونى أحد أعيان تطوان بهدية منها اثنا عشر قنطارا مع ملح البارود في أربعة مراكب، وكتاب آخر في شأن أهل الجزائر وضررهم بالمسلمين، فلما بلغ الدولة الكتاب أرسلت إلى حاكمى الجزائر وتونس تأمرهم بالتأدب مع المترجم وتنفيذ ما يكتب لهم به، وأن يفعلوا معه من أنواع الأدب ما يفعلونه مع السلطان عبد الحميد. ورجع مع العونى أحد كتاب الدولة إسماعيل أفندى سفيرا من السلطان عبد الحميد مصحوبا بهدية وكتاب، فوجه السلطان المترجم كبير الطبجية القائد الطاهر فنيش لمرافقته للرباط، وكان يوم استقبال السفير المذكور يوم العيد بعد إقامة سنة صلاته، فقرئ كتاب العثمانى في مشهد حفيل بجامع السنة، وكان فيه الاعتذار عن أهل الجزائر والإيصاء بهم وبأهل تونس. ثم بعث المترجم بعد ذلك كاتبيه السيد محمد بن عثمان والسيد محمد الموزيرق، وصهره مولاى عبد الملك بن إدريس بمكاتبة للسلطان عبد الحميد، ووجه معهم شيخ الركب النبوى الحاج عبد الكريم بن يحيى، ومن هناك أمرهم بالتوجه للحج مع أمين الصرة الشريفة. وكان خروجهم من حضرته وهو بالرباط في مهل محرم سنة ١٢٥٠ بعدمه أصحبهم هداياه المالية لأشراف الحرمين وغيرهم، وقدرها ثلاثمائة ألف ريال وستون ألف ريال وأربعون ألفا من الضبلون والمنيضة والبندقى ما بين ذهب وفضة على عادته في كل سنة، وسار معهم إسماعيل أفندى السفير العثمانى الذى كان ورد على أبوابه قبل ذلك. وذكر الزيانى أنه أخر عن السفر معهم بعد ذلك إلى أن سار معه هو في سفارته ولما لم يتيسر لهم الركوب من تطوان لشدة هيجان البحر بعد أن أقاموا فيها أربعة أشهر ونصف، توجهوا لطنجة، ومنها كان ركوبهم بثانى رجب من السنة

стр. 1513

بعد إقامتهم فيها نحو شهر ونصف في مركب إسبانى بعثه ملك الاسبان إجابة لرغبة المترجم ليقلهم إلى قرطاجنة. ومنها ركبوا في سفينة حربية كبيرة أرست بهم في سرقوسة بصقلية للتزود وأقيمت لهم على ظهره حفلة راقصة حضرها أهل المدينة وأعيانها بعد أن استدعوا السفارة مرارا للنزول لبلدهم فاعتذرت ثم تحركت بهم إلى القسطنطينية في رابع رمضان فوصلوها رابع شوال وأنزلوا فيها بدار خاصة، وترادفت عليهم أعيان الدرلة بالهدايا، وبعد خمسة أيام استدعاهم الوزير لمقابلته فساروا إليه في موكبهم لداره، ولما وصلوا قبته قام إليهم واستفهمهم عن حال السفر وما أصابهم من التعب وما يناسب المقام، وقدمت إليهم الأشربة والطيب والبخور، ثم خلعت عليهم خلع من أرفع الثياب يقال لها "لاكراك" وخلع على أصحابهم، ثم خرجوا من حضرة الوزير بعد ما دفعوا له الرسائل السلطانية على ما جرت به العادة مع تقديمها للوزير أولا لتترجم وتفهم، وساروا إلى خليفته المسمى بالكاهية، ففعل معهم مثل ما فعل رئيسه، ثم ساروا إلى الدفتدار ففعل كذلك ثم انقلبوا لمحل نزولهم. ثم بعد ذلك بعث لهم بالإعلام بوقت مقابلة السلطان، ولما كنت ليلة السابع والعشرين من الشهر أتى لمحل النزول جماعة من الناس مشاة وركبانا وأعلموهم بالتوجه للمقابلة، فركبوا عند مطلع الفجر الخيول وسار موكبهم تتقدمه خيول الركبان وتحف به المشاة إلى مسجد صلوا به الفجر، ولما وصلوا دار الوزير وقف السير عندها فخرج إليهم عند طلوع الشمس في موكبه، وأشار إليهم بالسلاح فردوا عليه بمثله، وتقدمهم إلى القصر السلطانى، فلما وصلوه دخل الوزير لمحله منه وجلسوا هم في الانتظار، ثم دعوا بعد ذلك إلى قبة، فلما قعدوا فيها خرج إليهم الوزير فأشار بالسلام فردوا عليه كذلك، وجلس وقعد عن بعيد من يساره قاضى العسكر وأخذ في مباشرة أشغاله الرسمية وتوقيعاته الوزيرية.

стр. 1514

ولما فرغ من ذلك أتى بالغذاء فتناولوا منه على المائدة الوزيرية، ثم أخرجوا من حضرته إلى قبة أخرى وأحضرت لهم الخلع فألبسوها، ثم خرجوا من هناك إلى محل فقعدوا فيه هنيئة ثم دعوا إلى الدخول على السلطان، فدخلوا بابا قد اصطفت فيه الرجال، وتقدم إليهم رجال عينوا للدخول بهم فأمسك بثوب كل واحد منهم رجلان أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار، ثم دخلوا بابا آخر وقف فيه الحجاب، ثم دخلوا على قبة السلطان فوجدوه جالسا على مرتبة والوزير قائم عن يمينه فتكلم الوزير بالتركية كأنه يعلم السلطان بالوفد ومن أين أتى على العادة في ذلك، ثم قربت إلى السلطان الهدية التي جاءت بها السفارة فاستلمها رجل مسن، ودفعها للوزير يدفعها للسلطان. وبعد أن وقفوا أمامه مقدارا قليلا خرجوا من عنده على الهيئة الأولى وركبوا الخيل وأخذ أعيان الدولة يمرون عليهم كل في موكبه، ثم خرج الوزير فرجعوا بعده لمحل نزولهم وانفض بذلك الجمع الذى وقع لهذا الاقتبال الذى جاء غريبا في بابه لأن لقاء السفراء عندهم إنما يقع في الأعياد أو في يوم الديوان الذى يفرق فيه الراتب على العساكر. ولما كان وصول هذه السفارة قد تأخر عن سفر ركب الحجاج أقامت بالقسطنطينية بين معاهدها ومشاهدها في انتظار الموسم القابل، وفى الثانى والعشرين من رجب سنة ١٢٠١ استدعاهم الصدر الأعظم للوداع فتوجهوا إليه على الهيئة المتقدمة. فلما دخلوا عليه قام إليهم وقعدوا معه وتناولوا بعض الأشربة وأجرى ذكر الحرب الناشبة بين الدولة وبين الروس والنمسا وطلب منهم الدعاء للدولة بالنصر على أعدائها في المشاهد الكريمة من البقاع الطاهرة، ثم أحضرت لهم الخلع ولجميع أصحابهم وودعوه وساروا إلى خليفته ثم إلى الرئيس أفندى الذى هو

стр. 1515

رئيس الكتاب، ثم انصرفوا للتأهب للسفر من الغد، وكان السلطان قد أعد لهم المحامل والخيام والبهائم لركوبهم وحمل أمتعتهم وأثقالهم اعتناء بأمرهم، فاخترقوا الأناضول والشام إلى دمشق فمكثوا بها ثمانية وثلاثين يوما، وخرجوا منها ليلة التاسع عشر من شوال. وذهبوا على طريق معان والعقبة للمدينة المنورة فزاروا ومنها لمكة فنزلوا بظاهرها في سابع ذى الحجة وأقاموا بها بعد أداء المناسك إلى السابع والعشرين من ذى الحجة، فرجعوا مع الركب الشامى للمدينة فدمشق، وخرجوا منها في تاسع ربيع الأول إلى عكا فأنزلهم صاحبها أحمد باشا الجزار في أحسن حال، وأقاموا فيها تسعة أيام عينوا فيها المركب الذى يحملهم في البحر، وتركوه يستعد وذهبوا للقدس والخليل وفى السابع والعشرين من ربيع الثانى ركبوا البحر وأرست بهم السفينة بقبرص نحو العشرة أيام، ثم سارت بهم لتونس حيث أنزلهم أميرها وتقدموا للجزائر فالمغرب برا، وكان دخولهم لفاس آخر شعبان سنة ١٢٠٢. ولما سمع المترجم بورود السفارة بعث إليها أن تخرج إليه، فكان اللقاء بمخيمه من وادى العطشان بين فاس ومكناس. قال ابن عثمان: فتبركنا بحضرته، والتمتع برؤيته، وختمنا أعمالنا بمشاهدة أنوار طلعته، ولله الحمد، ثم تعاطينا معه أكرمه الله وأعزه أخبار الحرمين الشريفين والمشرق والشام والقسطنطينية وغيرها من البلدان التي رأيناها ومررنا بها. لخ. وقد فصل ابن عثمان أخبار هذه الوجهة وبين مراحلها بالساعات في رحلته الثالثة المسماة بـ (إحرار المعلى والرقيب، في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والتبرك بقبر الحبيب) وكان جمعه لها بأمر المترجم له عند سفره حسبما أشار لذلك صدرها.

стр. 1516

وفى سنة ١٢٠٠ أرسل السلطان المترجم كاتبه أبا القاسم الزيانى سفيرا للأستانة بهدية عظيمة للسلطان عبد الحميد، من جملتها أحمال من سبائك الذهب الخالص مثل بارات الجديد وأربعة آلاف قنطار من النحاس فأقام هناك مائة يوم في رعاية وإكرام إلى أن قضى الغرض وقابل السلطان، واشترى الكتب التي أوصاه المترجم بشرائها ووجد سفارة الكاتبين قبله لازالت هناك في انتظار موسم الحج من العام القابل. ولما أراد الرجوع وجه معه السلطان وبلغه مكاتب السلطان عبد الحميد وهديته وقص عليه خبر سفارته وما قال وما قيل له وأنهم أبدوا له رغبتهم في السلف من المترجم، فأمر بتوجيه إعانة للدولة على الجهاد وقدرها ستمائة ألف ريال وخمسين ألف ريال سبائك ذهبية جعلها في صناديق، وختم عليها ووجهها على يد ملك إسبانيا فملك فرنسا وهو يبلغها للسلطان عبد الحميد. فجاء الجواب ببلوغ المال في ستين يوما، وكان قد جاء كاتب آخر وجهوه بعد الذى ورد مع الزيانى، فبعث لهما المترجم الجواب المذكور، فتعجبا من علو همته وحسن مسارعته لأعمال الخير والبر، ثم كتب لهما الجواب وأرجعهما مكرمين. وكان قصده ﵀ بإرسال تلك الإعانة على الوجه المذكور الفخر على الملوك وإظهار الغنى وكمال الثروة للدول، وقد بين الزيانى سفارته هذه في كتابه الترجمانة الكبرى، الجامعة لأخبار المعمور برا وبحرا. وفى سنة ١٢٠٢ ورد عليه سفير السلطان عبد الحميد خان المذكور وهو كاتب ديوانه أحمد أفندى في جملة من أعيان القسطنطينية مصحوبا بهدية فاخرة منها سفر واحد مشتمل على صحيحى البخارى، ومسلم، والموطأ، والمسانيد

стр. 1517

الستة، والشمائل، وعمل اليوم والليلة. قال في درة السلوك: والسفر الجامع لما ذكر غير كبير الجرم، ومنها سروج ثلاثة مرصعة بالجواهر، وصينية ذهبا وكئوس عشرة من الذهب أيضا وبراد ذهبا، كذلك الجميع مرصع بالجواهر واليواقيت والألماس، وجبنيتان مرصعتان بالألماس وراية عظيمة من الحرير الأخضر مكتوب عليها بالذهب الأحمر آيات قرآنية، وتخوت وثياب من عمل الهند وحلب، منسوج بالذهب، ومصحف كريم محلى بالذهب مرصع بالجوهر، وأقواس للرمى محلاة بالذهب مرصعات بالجوهر، وبسط أرمنية بمخائدها وسجاداتها. وفى سنة ١٢٠٣ أرسل السلطان المترجم صاحبه القائد محمد الزوين ولد القائد عبد الله الرحمانى وأخ روجه السيدة البتول الرحمانية سفيرا للسلطان عبد الحميد مصحوبا ببعض الأسارى الذين أنقذوا مما كانوا فيه، وهدية من جملتها ثلاثون وصيفا من الأرقاء وفرصان من عتاق الصافنات الجياد، وسرجان مزركشان بالذهب مرصعان بأنفس الجواهر، وسفن أربع عدة رجالها نحو أربعمائة رجل بين رؤساء وبحرية وطبجية، وكان رؤساء تلك السفن الذين ذهبوا بها الرئيس على الصابونجى السلوى والرئيس قدور شايب عينو الرباطى والرئيس عبد الله العمرى السلوى والرئيس محمد العنقى (١) الرباطى التركى الأصل حسبما وجدت أسماؤهم بخط كاتب الديوان الجهادى بسلا في ذلك العهد، سيدى عبد القادر الجعيدى، وإليك نص الكتاب الذى توجه به السفير المذكور: "المقام المتوج بتاج العز والعناية والسيادة، والمحلى بحلية الفضل والمجادة، البالغ في أفعال الخير حد النهاية، والكوكب الطالع في برج اليمن والسعادة، معدن السادات الأخيار، الأجلاء المجاهدين لأعداء الله الكفار، من جعلهم الله

стр. 1518

حماة للإسلام، وأنام سبحانه في ظلهم جميع الأنام، سلطان البرين، وخاقان البحرين، وخديم الحرمين الشريفين، السلطان بن السلطان عبد الحميد خان بن أحمد خان جعل الله أيامهم السعيدة كلها محمودة، ومآثرهم الكريمة شهيرة مشهودة، سلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وتحياته ورضوانه. أما بعد فيصل حضرة أخينا المنصور بالله، صحبة خديمنا القائد محمد بن عبد الله، خمسمائة أسير وستة وثلاثون أسيرا منَّ الله ﵎ عليهم وأنقذهم من الأسر والحمد لله الذى من علينا بإنقاذ إخواننا المسلمين من يد الكفرة، كما يصل حضرة أخينا العلية بالله أربعة مراكب من مراكبنا الجهادية هدية منا إليك، ونطلب من الله النصر والتمكين، والفتح المبين، لنا ولكم ولسائر المسلمين، وأن تكون عساكر المسلمين أعزة منصورة، وأعداء الله الكفرة أذلة مقهورة، والسلام في أوائل شعبان عام ١٢٠٣". ومن إعانة المترجم للدولة العثمانية ما وجهه لها مع القائد مبارك بن هماد، والأمين الحاج عبد الله الشرايبى وهو ستمائة ألف ريال، وما بعثه مع القائد الطاهر فنيش وهو أربعة آلاف برميل من البارود في كل واحد منها قنطار، ووجه معه مرة أخرى أربعة مراكب قرصانية. وبعث للسلطان عبد الحميد مرة ثلاث سفن جهادية بإقامتها، واثنى عشر مائة قنطار من البارود الرومى، وأربعة آلاف قنطار من ملح البارود المغربية بعد تصفيتها، واثنى عشر مائة قنطار من النحاس، وثلاثمائة ألف دينار وخمس عشرة وصيفة من قصر الخلافة كلهن ماهرات في الطبخ، ومصحفا كريما محلى بالذهب مرصعا بالألماس يساوى مائة ألف دينار، وسرجين، وجبنيتين، الجميع مكلل بالدر والياقوت، وعشرين مدفعا من المدافع الكبار النحاسية، وعشرة من الخيل العتاق العراب التي لا يوجد في دول العجم مثلها.

стр. 1519

علائقه مع إسبانيا كان سبب نشوء العلائق بين المترجم ودولة إسبانيا وجود أسارى المسلمين في بلادها، وقد علمت رغبته ﵀ في افتدائهم من أى بلاد كانوا، وتقرر أمرها واشتهر، فاتفق أن وردت إليه عدة رسائل من أولئك الأسارى وفيهم بعض الطلبة وعلماء الدين يعلمونه بما هم فيه من الشدة والضيق، فلما اتصل بها تمكنت منه ضراعتهم فأمر لهم بصلة حسنة، حسبما هى عادته معهم في كل سنة. وكتب في الحال لملك الأسبان (كارلوس الثالث) يقول له: إننا في ديننا لا يسعنا إهمال الأسارى وإبقاؤهم في قيد الأسر، ولا حجة للتغافل عنهم ممن ولاه الله التصرف والأمر، وفيما نظن أن في دينكم لا يسوغ لكم ترك أساراكم في الأسر مع الإمكان والاستطاعة ووجود ما يفتدون به من أسارى المسلمين واتساع البضاعة، فما للتغافل من الجهتين وجه يعتبر، ولا أمر ينتظر، والحرب سجال، في المبارزة والنزال. ومسألة هى من أعظم هذا كله، هى إغفالكم عن البحث في أسارى المسلمين حتى يتبين لكم العالم بعلمه، والجاهل بجهله، ثم تجعلون لأهل حرمة ومكانة، وعزة وصيانة، بحيث تجعلون لهم كعلامة يميزون بها عن الغير، حتى لا يقع أحد فيهم بشتم ولا بهضم حرمة في مقامهم والسير، مثل ما نفعله نحن بأساراكم من الفرايلية، إن قدر الله بأسرهم لا نكلفهم بخدمة، ولا نخفر لهم ذمة، فعلام تحترمون الرؤساء من الأسارى؛ ولا تعبئون بحامل كتاب الله، على أنهم أفضل منهم عند الله، ومطلق أساراكم لا نحملهم ما لا يطيقون، ولا نلزمهم ما لا عليه يقدرون، نترك مريضهم لمرضه، ونسمع ضراعتهم وننصت لما يقولون، فتأمل ذلك في نفسك، واعمل بمقتضاه وأمر به أبناء جنسك.

стр. 1520

فلما وصل هذا الكتاب للملك سر به وأمر في الحين بإطلاق الأسارى الذين بحضرته وبعث بهم للمترجم، وأخذ يبحث عمن بقى من أسارى المغرب متفرقا في بلاده، وأجاب بتلطف وتودد وتحبب ورغب في المهادنة مثل ما وقع لمن تقدمه من الدول. فلما وصل كتابه للمترجم بذلك وقع منه موقعا حسنا، وأمر على الفور بمقابلة الجميل بمثله، فأطلق لملك الأسبان سراح جميع الأسارى الإسبان، وقدم له اثنين من رجال الدين عندهم كانا أسيرين منذ مدة، وبعث له بعدة من الأسود هدية، وكتب له كتابا بذلك ووعده بالمهادنة وسراح أسارى من غير جنسه، لتكون له بذلك مزية على غيره من الدول، وإشارة لما ينبغى من عدم التفرقة بين أسارى المغرب وأسارى غيره من بلاد الإسلام. ووجه الجميع على يد حاكم سبتة، فلما وصل ذلك للملك سر بذلك كل السرور وشمر عن ساعد الجد، وهيا هدية بالغ فيها غاية الجهد، وبعثها مع كبير الرهبان وبعض الضباط، وأصحبهم كتابه مع السفن لحمل الأسارى الذين سرحوا، والفرقة الموعود بها وطلب من المترجم أن يبعث له ببعض رجال دولته لتكمل بذلك المواصلة ويشتهر أمرها، فأسعفه بذلك وبعث إليه خاليه عمارة بن موسى الأودى، ومحمد بن ناصر الأودى، وأحد كتابه أبا العباس أحمد الغزال، ووجه معهم عدة من الإبل وعتاق الخيل، هدية للملك لما له في ذلك من المحبة والميل. ولما حان وقت التشييع لقن الكاتب المذكور ما يكون عليه عمله، وأوصاه بتفقد حال بقية الأسارى واختبار أمورهم، وأعطاه صلة أنعم بها عليهم، وأمره أن يحصى كل واحد باسمه ولقبه، واسم رئيسه ومركبه، وتمييز الحامل لكتاب الله من غيره ومواعدة الجميع بخير، وأمره بتقييد ما يلقى في رحلته، ووصف ما يرى في وجهته، وأحضر سفراء الملك ودفع لهم الأسارى الطاعنين في السن من غير

стр. 1521

جنسهم، وخرج الجميع من مكناسة لطنجة، ومنها كان ركوبهم لإسبانيا، ودخلوا في طريقهم لسبتة منتصف ذى الحجة سنة ١١٧٩، وأطلقت لأجل حلولهم بها المدافع، وتلقوا فيها بكل ترحيب، وأقاموا فيها ستة أيام، في رعاية وإكرام. وطلب منهم حاكم المدينة أن يكلموا له المجاهدين المرابطين على أبواب سبتة وحدودها ليتركوا مواشى المدينة ترعى قرب رباطهم بقليل، فأجيب إلى ذلك. وفى الواحد والعشرين من ذى الحجة ركبت السفارة منها البحر للجزيرة الخضراء، وشيعت بالمدافع كما تلقيت بمثل ذلك في الجزيرة، وأقيمت فيها حفلة رقص تكريما لها، حضرها حاكم المدينة وغيره، ومن الغد اتصل الحاكم بكتاب ملكه يخبره أنه بعث خمس مراكب لمرسى سبتة لعبور السفارة عليها، وأمره إذا كانت قد عبرت قبل وصول الكتاب أن يبقيها في ضيافته ثلاثة أيام حتى تجئ الخيل التي بعثها للسفارة، فإذا مرت الأيام دون مجيئها فليبعثها مع ثلانين فارسا مما عنده. ومن الجزيرة ساروا لمدينة طريف فدخلوها في ازدحام عظيم واحتفال كبير كما خرجوا منها في مثل ذلك إلى مدينة (حراثة) حيث التقوا بالخيل المبعوثة من الملك مع الفسيان المكلف بمصاحبتهم، وقد ذكر لهم اعتناء الملك بهم وتشوفه لملاقاتهم، وأقيمت للسفارة في هذه المدينة حفلة رقص وشاهدت مصارعة الثيران، المعروفة عن الإسبان، ثم ساروا لمدينة (حريز) ومنها لـ (الابريخة) فـ (بلاصيوص وبلا فرنكة) فإشبيلية، حيث نزلوا منها بقصر فخم للملك وشاهدوا جامعها الأعظم ومصنع المدافع والمدرسة البحرية، ومنها ساروا لمدينة قرطبة على طريق قرمونة (فالفوينصى) فـ (أيسخا) فـ (الراملة) فزاروا جامعها الشهير ورأى فيه الغزال لوحتين كتبت فيهما البسملة والصلاة على النبى ﷺ موضوعتين بعتبة بعض

стр. 1522

الأماكن المخصصة لسكنى الرهبان، فاقترح عليهم رفعهما لأعلى سور المسجد تكرمة لما فيهما، فأجابوه لذلك بعد أن راجوا وماجوا واعتذروا، ثم ساروا منها يخترقون البلاد إلى عاصمة مدريد، ومنذ خرجوا من قرطبة ورسل الملك تتردد عليهم بالترحيب والسلام من قبله، ثم يرجعون إليه. ولما دنوا من مدريد وكان هو في بعض ضواحيها أرسل إليهم أحد أعيان رجاله مصاحبا لكتابه مضمنه التهنئة بالقدوم وأمر الفسيان المكلف بمرافقتهم بالذهاب بهم إلى مدريد، كما أمر بالاستعداد لدخولهم إليها، وأن يكون اليوم مشهودا، وأن يذهب بهم إلى أماكن خاصة ليروها، وقد كانت السفارة تقابل في المدن التي مرت عليها في طريقها لمدريد بالحفاوة العظيمة ويحتشد الناس لرؤيتها من أطراف البلاد وتحيا بالمدافع والموسيقى والسواريخ، وتذهب في خفارة الجنود المصلتة السيوف إلى الدور المعدة لنزولها، وتقام لها حفلات الاقتبال والرقص والغناء لأعيان المدينة، وتدعى للحفلات والمشاهد. ولما وصوا لمدريد نزلوا فيها بالقصر المخصص لنزولهم، وهو قصر بديع بناه فيليب الرابع، ولم تزل أعيان الدولة الاسبانية تتوارد إليهم بقصد السلام والترحيب حتى إنهم لم يجدوا استراحة مقدار لحظة، ثم ورد خبر موت أم الملك فأعلن الحداد عليها في البلاط الملوكى وتأخرت بسبب ذلك مقابلة الملك حسبما أفصح بذلك وزيره في رسائله للسفارة، وقد أقاموا بمدريد ما يزيد على الشهر بأيام قلائل، زاروا في أثنائه بعض مشاهدها ومنتزهاتها وقصورها. وكان الجمهور الإسباني يجتمع كل عشية حول القصر الذى نزلوا فيه رغبة في مشاهدتهم فكانوا يشرفون عليهم مشيرين إليهم بالتحية فيضجون بالدعاء للسلطان المترجم ويتفرقون مسرورين، ثم يجتمع مثل ذلك في الغد، وهكذا وفى مدريد تقدمت إليهم شكوى من أربع وعشرين من أسارى المسلمين فوجهت لهم بالمستشفى صلة ووعدوا خيرا.

стр. 1523

ثم بعث لهم الملك بأكداش ليركبوها ويذهبوا إليه للمدينة التي هو بها، فخرجوا من مدريد عاشر ربيع الأول سنة ١١٨٠ ومروا على الطريق الجارى العمل بتمهيدها قرب قرية (ورامة)، وكان أسارى المسلمين يعملون هناك في شق الجبال وهد الشواهق بالبارود، وكانوا يصابون في ذلك ولم يتيسر للسفارة لقاءهم لأنها كانت تسرى ليلا فلم تشعر إلا وقد جاوزت محل قرارهم الذى واعدتهم باللقاء عنده، فكتبت لهم إنها ستلاقيهم عند الأوبة. ولما أشرفوا على (لا كرنخة) مقر الملك ومصيفه خرج لاستقبالهم أعيان الدولة ووزراؤها مرحبين مهنئين بالنيابة عن ملكهم، وقدموا لهم أكداشا ركبوها، وساروا في جمع عظيم إلى محل النزول، ومن الغد استدعاهم الوزير لمحله فذهبوا إليه، وجرى بينهم الحديث في علائق الدولتين ومحبة الملك للسلطان وأنه مسرور من إيصاء السلطان على الإسبان، الواردين على المراسى المغربية بالإحسان، ثم أخبرهم بأن لقاء الملك يكون من الغد. وفى الغد أتاهم الوزير بكدش يركبه الملك، وأخبرهم أنه يريد رؤيتهم، فركبوا إليه والتقى بهم عند الباب خلق كثير من رجال الحكومة وسفراء سائر الدول وغيرهم من الخاصة والعامة مسلمين بعكس الرءوس ونزع غطاءها، ولما دخلوا على الملك وجدوه قائما وعن يمينه الراهب الملازم له وعن يساره أربعة من الوزراء، فلما دنوا نزع ما على رأسه وطأطأه شيئا ما، وبعد السلام هناهم بالسلامة وسألهم عن تعب الطريق وعما لقوا في المدن التي مروا عليها، فأجابه الغزال بما يناسب، وأنهم لقوا في المدن المبرة والإكرام، وأن الكتب بذلك سارت للسلطان، وتحققت عنده محبتكم ثم أخذ يسألهم عن السلطان، وكما ذكره نزع ما على رأسه فأجابه إنه بخير، وإنك عنده بمنزلة لم تكن لغيرك من الملوك المصالحين مراعاة لما صدر منكم في قضية الأسارى.

стр. 1524

وكان لا يزال واقفا وقد طال وقوفه بما يزيد على ربع ساعة فاستأذنه الغزال بواسطة الترجمان في الانصراف إشفاقا عليه من طول الوقوف طالبا منه المسامحة على ما يحصل له من التعب الناشئ عن اقتباله لهم الموجب لوقوفه، ذاكرًا أن نفوس الولاة ليست كنفوس الناس، فانشرح لهذا الخطاب وجعل يضحك وينظر للأعيان الحاضرين متعجبا وشكره على كلامه، ثم طلب منه الإذن لوزيره في المفاوضة معهم في أمور منها ما أمرهم به السلطان، ومنها ما اقتضاه الحال، فأجابه إلى ذلك، وأمر وزيره بتعاهدهم ومباشرة أمورهم، وفوض له في ذلك، ثم انصرفوا عنه وقد أوصى أعيان دولته بكثرة التردد على السفارة صباح مساء، وكتب السفراء لدولهم يصفون حالة هذا الاقتبال الذى بهتوا له ولم يحصل لأحد مثله. ومن الغد ذهبوا للسلام على الأمراء أولاد الملك الأربعة وأختهم بأمر من الملك، حيث طلبوا منه ذلك، ثم ساروا إلى أخ الملك لزيارته فتلقاهم بالرحب والسعة وأراهم بعض النفائس التي عنده، ثم انصرفوا من عنده، وفى آخر اليوم استدعاهم الملك لزيارة حدائق قصره ومشاهدة ما أعد فيه مما صنعه المهندسون في جريان المياه على صفة غريبة، وكانوا ينتزهون بتلك الحدائق كثيرا بأمر الملك، كلما ذهبوا إليها تلقاهم أخوه وأولاده وبنته بالبشاشة والترحيب، كما أمر أن يروا معمل الزجاج والبلور. ثم جاء للسفارة إعلام بلقاء الملك خارج المدينة صحبة الهدية السلطانية، فلما كان الوقت صارت للمحل فوجدت القوم قد اصطفوا هناك وتلقاها الوزراء الأربعة، ثم لم تلبث إلا والملك مقبل هو وأخوه في كدش تتبعه أكداش أخرى حاملة أولاده، فنزل من كدشية وأخذ بيد الغزال وهش وبش، وقال: إن هذا اليوم عنده أعظم عيد، وقدم إليهم اثنين من أولاده الصغار فنزعا قبعتهما وأعلنا بالدعاء للسلطان وبالحياة للسفير، فضمهما الغزال إليه فرحا بهما، ثم قدمت إليه الخيل

стр. 1525

فجعل يمسح على كفل كل فرس ثم يستره بجلاله ويقبله بين عينيه، وقال إن هذه الخيل أريد أن تنسل منها خيلا حرائر، وكلذلك الجمال سر بها سرورا عظيما. ولما حان الانصراف أمر بإحضار الكدش الذى يركبه الغزال، فقدم إليه ثم أراد من الغزال أن يركبه قبل ركوبه هو زيادة في الاعتناء والإكبار، فامتنع الغزال من ذلك فحتم عليه، ففعل بمرأى من جماعة سفراء الدول الذين كتبوا بذلك لدولهم. ثم أراد الملك أن يبعثهم لمدريد لأن هواء المدينة لم يوافقهم ومنها يكون انصرافهم بعد صحبة سفيره الذى يريد إرساله للسلطان مع هديته، فأرسل وزيره إليهم يخبرهم بذلك، ولكن الغزال ذكر لهم أن السفارة مأمورة بالذهاب لقرطجنة لملاقاة الأسرى والنظر في شئونهم وتفريق المال عليهم، وكذلك ستذهب لغرناطة ومالقة وقالص لاستصحاب العالم الأسير بها، وفى مدة ذلك يتمون هم أغراضهم وأعلن مع ذلك استعداده لقبول رأيهم فوقع العمل برأيه. ثم أخذ يكلم الوزير في المطلب التي جاء بها، منها تسريح الأسارى الطاعنين في السن والبصراء والمصابين بفقد بعض أعضائهم ومن في معناهم من أى بلاد كانوا ثم ما قد تجده السفارة من أسارى المغرب عند استعراض جميعهم واستيعاب أسمائهم وألقابهم، ثم إطلاق رجلين من الجزائر أحدهما طالب علم وهو الفقيه السيد مصطفى بن على البابادغى، والآخر ذو مروة. وقد كتب للسلطان طالبا منه إنقاذه من الأسر، ثم أمور اشتكى منها الكثير من الأسارى، منها أنه إذا مات أحدهم يتولى دفنه إخوانه ومتروكه لهم وألا يولى عليهم أحد من المتنصرة حال الخدمة لأنهم أضر عليهم من مطلق النصارى، وأن لا يمنعوا من كتب رسائلهم بالعربية، وأن يرفق بهم في الخدمة ولا يكلفون ما لا

стр. 1526

يطيقون، وأن يعالج مريضهم بالمستشفى كغيره، وأن لا يلزموا بالعمل وقت صلاتهم، وأن لا يهملوا فيما لابد منه من الكسوة والمأكول. وذكر للوزير أن هذه الأمور لا تكبر على الملك، ولا يأمر بخلافها ولكن المكلفون بهم يجحفون بها ويؤذونهم، فوافق الوزير على جميع ذلك وأمضى عليه بعد إعلام ملكه به، وفى الحال أمر لجميعهم بالكسوة وأوصى بالرفق بهم. وسأل الوزير نيابة عن ملكه هل لكم من حاجة أخرى نفور بقضائها، فشكروه على تحقيق أملهم في شأن الأسرى وأنهم لم يبق لهم إلا ما وعد به الملك على لسان الراهب الملازم له من كتب الإسلام، وتمييز حملة القرآن من الأسرى بعلامة يعرفون بها. ثم ذهبوا لمدينة (شغوبية) لرؤية الرؤساء الأربعة عشر الأسرى المسجونين بها إجابة لطلبهم، فأنسوا غربتهم وواعدهم خيرا، وبقوا معهم، من الصباح للعصر، وأحضر الغزال المكلف بهم وأوصى بهم وواعده بقضاء غرض له عند الوزير في مقابلة ذلك، ولما أرادوا الرجوع لـ (الاكرانخة) وجدوا بباب مدينة (شغوبية) تمرينا على الرمى بالمدافع أقيم لهم هناك، وبعد أربعة أيام من ذلك خرجوا من (الاكرانخة) للاسكوريال بعد الوداع، ومنها لمدريد. وفى أثناء الطريق التقوا بالأسارى فأنسوهم وواعدوهم، ودفعوا لهم الصلة السلطانية الجارية عليهم عادة كل سنة، ووجدوا الكثير منهم مثقلا بالسلاسل لتكرار فرارهم، فكتب الغزال للملك متشفعا في إزالة قيودهم وراغبا في إطلاق رجل أعماه البارود فأجابه إلى ذلك، وكان عدد أولئك الأسرى العاملين في الطريق التي بين المدينتين مائتى أسير وأربعة، وكانوا ثلاثمائة فر بعضهم ومات الآخر، وجلهم من الجزائر وبعضهم أتراك ولما دخلوا مدريد توجهوا للمستشفى لزيارة بعض الأسرى المرضى المعالجين به وإعطائهم صلتهم وإيصاء كبير المستشفى

стр. 1527

عليهم بزيارة الاعتناء بهم، ومكثوا في هذه المرة ما يقرب من الشهر في انتظار ما وعدوا به من كتب الإسلام التي كانت بمدريد، ثم أضافوا لها كتبا أخرى من غرناطة ثم أخرى بعثت لهم لقالص. وفى الثامن والعشرين من جمادى الأول بارحوا مدريد إلى (ارخويس) إحدى مصايف الملك، فمكثوا بها يومين، وراروا القصر الملوكى، ثم ساروا إلى طليطلة فزاروا مسجدها الأعظم، وركب الغزال مع الحاكم للطواف على الآثار الإسلامية بها، ومكثوا هناك ثلاثة أيام ثم ساروا متنقلين في القرى والبلاد إلى قرطاجنة، فلما أشرفوا برز للقائهم جماعة من المسلمين رجالا ونساء وصبيانا معلنين بالهيللة ثم يتبعونها بالدعاء للسلطان ولهم ضجة، وكانوا مسرحين وحكمهم حكم الأسير لا يستطيعون الخروج من البلاد إلا بعد أداء ما أوجبوه عليهم وواعدوهم وبشروهم بأداء ما يطلبون به وحملهم لبلادهم، فأخذت نساؤهم في الزغاريت وصبيانهم يرقصون والرجال يشكرون الله ويدعون للسلطان الذى أنقذهم. وقد خرج للقائهم حاكم المدينة وأمراء البحر وغيرهم ودخلوا على العادة في ازدحام عظيم، ثم بعد ذلك ذهبوا لرؤية الأسرى بحضرة المكلف بهم فتلقوهم بالإعلان بالشهادة والدعاء للسلطان، وأخبروهم بما أتوا لأجله، وجعل الغزال يكتب اسم كل واحد ولقبه والشيوخ الذين يقع الاختلاف في قوتهم طلب الغزال أن يحكم فيهم الأطباء، فأحضروا فكان المسرحون من الشيوخ اثنين وستين نسمة، ومن أهل المغرب أربعين وجدت أسماؤهم مكتوبة على أنهم مغاربة، ثم ألحق بهم عند الاستعراض واحد وعشرون ثبتت مغربيتهم، والمنتسبون الذين لم تثبت نسبتهم أخروا للاستفسار.

стр. 1528

ثم بعد ذلك فرقت عليهم الأموال المنعم بها عليهم، ثم أخذت السفارة في مخاطبة الحاكم في الأسرى المرهونين في الأداء فأحضرت رسوم فكاكهم فوجدت صحيحة، فأدت السفارة عنهم الواجب وكان بينهم امرأة لها بنتان وأبوهما لا يزال أسيرا ففدى منه. ثم أخذ الغزال يبحث عن الأسرى الذين بيد أفراد الناس ليعطيهم صلتهم، فكان من جملتهم بنت من ناحية تلمسان قد بلغت الحلم يملكها جيار منعها من الذهاب للسفارة حتى سمع أن ذلك إنما هو لأخذ الصلة، فلما جاءت أخذت تبكى وتطلب العتق وذكرت أنهم يريدون بيعها ببلدة بعيدة، وأن ربتها تدعوها لدينها، وأنها لا تريد بالإسلام بديلا، فوقع فداؤها بعد توسط الحاكم عند مالكها الذى علق ذلك على مشورة زوجه، وهذه أجابت لذلك بعد المشقة الفادحة، فأضيفت للنساء وأجريت عليها النفقة. كما وقع إنقاذ أسيرين آخرين، أحدهما كان عند "الضون اسدر كم صلص" التاجر الجميل الأخلاق الذى أنزلت بداره السفارة في إكرام بقرطجنة، وكان يريد أن يفتدى والسفارة لا ترى من المروءة أن تخاطب صاحبه في شأنه وهى في داره موضع إكرامه، فلما بلغه ذلك قدمه هدية وأبى أن يقبل عنه عوضا، فلما أبى الغزال قبوله إلا بعوضه قال: فلتكن المكافأة عند وصولى لبلادك في المسائل التي تعرض لى بالبربرية، والثانى تونسى مسن كان عند ضابط اسمه "سبيكيلطو" قدمه صاحب هدية ورجع مشكورا. وقد حمل الأسرى من قرطجنة لقالص في مركب حربى أعد لهم حيث يذهبون مع السفارة من هناك، وذهب أصحاب النساء والأولاد في مركب اكترى لهم بمائتى ريال وخمسين ريالاً خشية حدوث ما لا يحمد من الجنود.

стр. 1529

وبعد ذلك ذهبت السفارة لزيارة مرسى المدينة ورؤية معاملها البحرية، ثم غادرتها إلى لروقة، ثم سارت في طريقها إلى غرناطة إلى أن بلغت قالص، فخرج القوم للقائها يتقدمهم السفير الإسبانى الذى سيرافقها للمغرب، والتقت بداخل المدينة بمن فك من الأسرى القادمين من قرطجنة، وقد انضم إليه من ورد من "برطونة" و"الكراكة" فصارت جملتهم ثلاثمائة إلا عشرة، وبعد انتظار هدية الملك التي يذهب بها سفيره، أبحر الجميع إلى تطوان فوصلوها بعد أربع وعشرين ساعة. وقد ضمن الغزال أخبار هذه الرحلة كتابه (نتيجة الاجتهاد، في المهادنة والجهاد) وصف فيه المدن التي مر عليها، والقصور والمشاهد التي رآها وبقية آثار الإسلام التي هناك امتثالا للأمر المولوى. وفى سنة ١١٨٢ كتب ملك الإسبان للسلطان يطلب توسطه بين صاحب الجزائر وبينه في شأن مبادلة أسرى الفريقين، فكاتب المترجم والى الجزائر يعرض عليه المفاداة فامتنع، فكرر الكتب إليه ثانيا وثالثا في الحض على فكاك أسرى المسلمين فأجاب لذلك بعد الوعظ والتحذير، فكتب المترجم حينئذ للملك أن تبعث أولئك الأسرى في مركب للجزائر وينتظر هناك وصول السفير الذى سيرسله من قبله ليتولى المفاداة بنفسه، وكان هذا السفير هو الغزال مع صاحبيه، فلما وصلوا للجزائر أرسى مركب الإسبان بظاهر مرساها، وأنزل من فيه من الأسرى، فأخرج أهل الجزائر مثل عدهم من الإسبان وانقلب الغزال راجعا إلى الحضرة السلطانية. وذكر الكاتب ابن عثمان في آخر رحلته إحراز المعلى والرقيب أنه لما قدم من سفارته للمغرب سنة ١٢٠٢ أمره المترجم بالورود عليه لمخيمه بالحياينة قال: فتلاقينا معه أدام الله تعالى عزه فبقينا مخيمين هناك ثلاثة أيام، وقد كان ورد عليه

стр. 1530

جمع من أسارى المسلمين بعثهم إليه عظيم الإصبنيول على سبيل الإهداء والإكرام لكونه لما عمل الصلح مع أهل الجزائر ووقع فداء الأسرى بينهما من الجانبين على ما تقتضيه قوانين الصلح امتنع أمير الجزائر من إعطاء المال في هؤلاء الأسارى كما فعل النصارى في إخوانهم، ولم يقبل أن يفديهم بالنصارى، بل قبض المال في أسارى الإصبنيول الذين عنده، ولم يرد بهم بدلا بأسير مسلم، وأهمل هؤلاء المسلمين وأبقاهم بأيدى الكافرين فإنا لله وإنا إليه راجعون. فلما سمع ذلك عظيم الإصبنيول اغتاظ من ذلك وأعطاه ما أراد من المال في النصارى إخوانه، وجمع هؤلاء الأسرى من المسلمين وبعثهم مجانا إلى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين على سبيل الإهداء والإكرام لما يعلم من حرصه أيده الله تعالى على إنقاذ المسلمين، وأن هدية الأسارى عنده لا يعادلها شئ من هدايا الدنيا وقد كان عند هذا الجنس من الأسارى الآلاف فأنفذهم جميعا لسيدنا أدام الله علاه، وأبقاه وتولاه، منذ عمل معه الصلح، وهو أيده الله في كل حين يخرج منهم حصة، فكان آخر من بقى من المسلمين بأيدى الأصبنيول هذه الجماعة. ثم ذكر أن المترجم كلفه بإيصالهم إلى بلادهم ناظرا إليهم في ركوبهم وأكلهم وشربهم حتى يوصلهم لتلمسان ويدفعهم إلى عاملها ويفرق عليهم الصلة هناك عشرة مثاقيل لكل واحد، ففعل ما أمر به وتوجه بهم إلى تلمسان وقضى الغرض. وقد ذكر ابن عثمان في الرحلة المذكورة أنه رحل لبلاد الأندلس عام ١١٩٣ كما أشار في رحلته البدر السافر إلى ذلك وإلى سابق معرفته بملكها كارلوس الثالث، وإلى وصفه لمدينة قادس في رحلته المسماة (بالإكسير، في فكاك الأسير) وغير ذلك مما يفيد أنه تولى السفارة للمترجم إلى إسبانيا وقد صرح بذلك أخيرا وذكر أنه عقد معها معاهدة صلح من شروطها عقد صلح مع ملك نابولى الذى هو

стр. 1531

ولد ملك الإسبان، فتكون هذه معاهدة ثانية بعد معاهدة الغزال التي من شروطها الصلح برا وبحرا المشار لها في قضية حصار مليلة. وفى سنة ١١٩٩ أسر أهل الجزائر أميرة من بيت ملك إسبانيا كانت ذاهبة في مركبها لزيارة عمها صاحب نابولى، وامتنعوا من فدائها فكتب الملك للسلطان أن يتشفع في فدائها بكل ما يطلبون فأسعفه، وكتب لصاحب الجزائر في ذلك فاعتذر له بأنها وقعت في سهم الجيش ولا يمكن إكراههم على الفداء فوجه السلطان كتابا للسلطان عبد الحميد العثمانى يذكر له ذلك فكتب لأهل الجزائر يوبخهم على رد شفاعة السلطان ويأمرهم بتسريحها، ويذكرهم بما فعله السلطان من تسريح أسارى الأتراك فأرسلوها إلى حضرة السلطان وكتبوا إليه معتذرين بخشية بلوغ خبرها لسلطانهم والافتيات عليه في إطلاقها. مع مالطة وبعد أن أنقذ المترجم له الأسارى الذين كانوا عند الإصبان وجه همته لإنقاذ غيرهم من الأسارى الذين عند غيرهم، فوجه لجزيرة مالطة -وكانت يومئذ بيد الطائفة المعروفة بفرسان رودس- كاتبه السيد محمد الحافى وأمره بتقييد زمام أسارى الأتراك الذين بها فبقى هناك وثيقة ورهنا في مال بعض المالطيين الذين كانوا بالحضرة السلطانية في بعض الدعاوى على ما في البدر السافر، وقد تقدم نقلا عن الزيانى أن أهل الجزيرة أنكروا الفداء وردوا المال، فوجهه السلطان به إلى الدولة العثمانية. وبعد ذلك بنحو سنة أرسل السلطان للجزيرة المذكورة كاتبه وسفيره السيد محمد بن عثمان السالف الذكر، ومعه أربعة من الطلبة وهم السيد عبد الكريم بن قريش، والسيد التهامى البنانى (١)، والسيد محمد المير السلوى، والسيد الطيب بن

стр. 1532

جلول لقضاء الغرض المذكور، وأصحبهم ما ينيف على ستة وثمانين ألف ريال لصرفها في فداء الأسارى. يبتدأُ بالنساء والصبيان والشيوخ وذوى الأعذار ثم غيرهم من الرجال، وأمرهم بالمكث هناك حتى ترد عليهم خمسة مراكب جهادية يركب الأسارى في أربع منها والمركب الكبير تتوجه عليه السفارة من ثم إلى نابولى لعقد الصلح مع مملكتها وفداء الأسارى الذين بها، فسافروا من حضرته حمراء مراكش في ثانى ذى الحجة متم سنة ١١٩٥ إلى طنجة فمكثوا بها اثنين وعشرين يوما في انتظار الريح المساعد لركوب البحر. وفى سابع ربيع النبوى سنة ١١٩٦ ركبوا في مركب حربى بعثه ملك الإسبان لإبحار السفارة عليه لما سمع أنها تريد التوجه لقادس لكراء مركب لمالطة وقد وجدوه هناك، فبقى معهم في الانتظار وقد حياهم بعد الركوب بإطلاق المدافع ثم سار بهم إلى قادس، فتلقاهم بعد الوصول كبير المراكب الحربية وأخبرهم أنه مأمور بتنفيذ ما يريدون من المراكب لهم، وتوارد عليهم الرؤساء ليلا للسلام، ومن الغد عند النزول أخرجت المراكب مدافعها جوابا لمدافع مركب السفارة وذهبوا في احتفال بحرى للبر، ولما وصلوه حيتهم أبراج المدينة بمدافعها ثم توجهوا للمحل الذى أعد لنزولهم واقتبلوا حاكم المدينة وأعيانها وكتبوا لملك الإسبان يشكرونه على ما لقوا من رعيته ورجاله ويخبرونه أنهم سيتوجهون إلى ولده صاحب نابلولى بعد قضاء الغرض من مالطة. وأرادت السفارة أن تتولى الإنفاق على نفسها فأبى عليها ذلك حاكم المدينة، ثم جاء جواب الملك للسفارة مرحبا وكتب للحاكم بقضاء جميع مآربها وتحذيره من التقصير مما جعل الحاكم يعتذر لها عن أن يكون قد صدر منه شئ مما ذكر، وقد

стр. 1533

بلغت نفقاتها مدة ستة وعشرين يوما قضتها بين ظهرانيهم ألفى ريال وسبعة وأربعين ريالا كبيرا. وفى خامس ربيع الثانى ركبوا البحر ولما صعدوا المركب حيتهم المدافع، ومن الغد سار بهم إلا أن اضطراب البحر اضطرهم للرجوع للمرسى فمكثوا بها ثلاثة أيام ثم سافروا إلى مالطة، فوصلوها بعد معاناة أهوال البحر وشدائده في اثنين وعشرين يوما من يوم خروجهم الأول من قادس، فمكثوا بالمرسى سبعة عشر يوما في الحجر الصحى، وبعث لهم صاحب الجزيرة يخبرهم بإسقاط ثلاثة أيام من الحجر عنهم لأن مدته كانت عشرين يوما، فحملت أمتعتهم ونزلوا من المركب فحيتهم المدافع وتلقوا في البر بالأكداش لركوبهم، وفى طريقهم التقوا بصاحب الجزيرة مارا في طريقه فحيوه بالإشارة، وساروا للمحل الذى أعد لنزولهم دون إجراء نفقة عليهم، لأن السفير الحافى كان لا يزال مقيما في الجزيرة، فكأنهم لا يستطيعون الإنفاق على السفارتين. وكان المحل دارا ﴿كبيرة فيها نحو السبعين قبة أحاطت به طائفة من الجنود لأداء واجب التعظيم، وبعد ثلاثة أيام أتاهم وكيل كبير الجزيرة وأعلمهم بالملاقاة عند العصر، ولما دنا الوقت أتاهم بكدش الحاكم موكله "منويل دروبلد" فركبوه وتوجهوا إليه، فلما دخلوا عليه وجدوه واقفا ولباسه لباس الرهبان، فنزع ما على رأسه وأبدى لهم البشاشة والانشراح وأشار إليهم بالجلوس فجلسوا وجلس، ثم أعاد ﵈ وسألهم عن سفرهم وعن البحر﴾. ثم أخرج ابن عثمان الكتاب السلطانى فقبله ودفعه إليه ففضه فوجده بالعربية فأعطاه للترجمان وطلبوا منه الوقوف معهم في أمر الفداء فأجابهم لذلك، وعين وكيله ثم انصرفوا عنه بعد هنيئة وتركوه واقفا. ثم شرعت في افتداء الأسارى الذين جاءت من أجلهم، وفى أثناء ذلك

стр. 1534

راجت إشاعة في البلد مضمنها أن السفارة جاءت لإحداث ثورة بدليل أن الأسارى إذا سرحوا لا يذهبون بل يجمعون، وأن الأدب المعهود منهم انقلب إلى غلظة، وأن السفارة تنتظر ورود خمس مراكب بحرية، وكان قد سبق قبل هذا بمدة أن اتهم الأسرى بمحاولة الثورة فلم يسع حاكم الجزيرة حينئذ إلا أن أرسل للسفارة يطلب منها ألا تبقى أولئك المسرحين في البلاد أكثر من ثلاثة أيام قطعا للقيل وتجنبا للكلام، وبعث من اكترى لهم المراكب، وبعد ثلاث ركبوا البحر في مركبين أحدهما سار لبنى غازى والآخر لطرابلس وكان عددهم نحو المائتين وخمسين، ثم وقع افتداء أسارى آخرين بلغ بهم العدد إلى ستمائة وثلاثة عشر، واكترت لهم السفارة المراكب فسار بهم أحدهما لطرابلس، والآخر لصفاقص، والثالث لتونس بين زغاريت النساء ودعوات الرجال والأطفال. وقد كانت جماعة منهم تستخدم في مراكب الجزيرة، فما شعر القوم إلا وقد شملهم الفداء فأرادوا نقضه لما يؤدى إليه من تعطيل مراكبهم، وحصل الشجار بينهم وبين الوكلاء على ذلك، ثم تداخل كبيرهم في القضية ومضى الفداء وأحصى الباقون من الأسارى المسلمين فكانوا سبعمائة وبضعا وعشرين، تكلمت السفارة مع أصحابهم في قدر فدائهم وبعثت بتقييدهم للسلطان المترجم عسى أن يضيفهم إلى إخوانهم مشيرة عليه ببعث مال الفداء لكبير الجزيرة. ثم استعدوا للسفر، وعين لهم صاحب الجزيرة وقت الوداع فذهبوا إليه فيه على الهيئة المتقدمة وتلقاهم آخر كما تلقاهم أولا فشكروه على وقوفه معهم في ذلك الفداء وودعوه، وكان يبعث إليهم في مدة مقامهم لحضور الحفلات بقصره، ويريهم ما اشتمل عليه. وفى سابع شعبان من السنة بعد ذلك بثلاث أيام ساروا للمرسى في الأكداش مع الأعيان المودعين، وركبوا في السفينة التي قدموا عليها قاصدين نابولى.

стр. 1535

مع نابولى فوقع لهم بعد الخروج مثل ما وقع لهم أولا عند الخروج من قادس، واضطروا للرجوع لمرسى مالطة، وبقوا هناك ثلاثة أيام كان يتردد عليهم فيها كبار المدينة يهنئونهم بالسلامة ويدعونهم للعودة لمحلهم، ثم ساعدت الرياح فسار بهم المركب إلى نابولى، فلما وصلها أرسل صاحبها (الملك فرناند الرابع) أحد الأعيان عنده للسلام على السفارة وإبلاغها اشتياقه لرؤيتها، وأن الحجر الصحى ساقط عنها، ودعاها للنزول من يومها، ولكنها تأخرت للغد، وفيه جاءت الزوارق تحمل الأعيان ونواب الملك لإنزال السفارة، ولما نزلت من مركبها أخرج مدافعه تحية لها، ووجدوا على ساحل المدينة أفواج الخلائق مصطفة فركبوا في الكدش الخاص بهم وتقدمت أمامهم طائفة من خيل الخاص بالمير مصلتة السيوف تفسح لهم الطريق الممتلئة بسكان المدينة. فما وصلوا لمحل النزول حتى كادت الشمس تزول، وكانت هذه الدار قد أعدت لهم قبل وصولهم بنحو ستة أشهر لما سمعوا بقدومهم، فلما وصلوها وجدوا العسكر مصفوفا ببابها لأداء التعظيم، وتلقاهم فيها أحد أرباب الدولة بعثه الأمير لينوب عنه في إعادة سلامه على السفارة والترحيب بها، ثم طاف بها على الدار يريها ما احتوت عليه، وقدم لهم ثلاثة أطباق كبار فيها فاكهة وحلويات يحملها ستة من الأسارى المسلمين الذين هناك هدية من الأمير، فتقبلوها شاكرين، وأشاروا إلى رغبتهم في إلحاق الحامل بالمحمول، فأجيبوا لذلك فكان فاتحة عملهم هناك. ثم ترادف للسلام عليهم الأعيان والأكابر وأرسل لهم الأمير خمسة أكداش لتكون مركوبهم، وعدة من الخيل العتاق المذهبة السروج المهداة إليه من الملوك،

стр. 1536

وبعث لهم طبيبا خاصا لملازمتهم، وبعد ستة أيام استدعاهم الوزير لمقابلته، فذهبوا إليه وأعطوه نسخة الكتاب ليترجمه. ثم أعلمهم الأمير بوقت الاقتبال قبل زوال الغد، ومن الغد جاءتهم الخيل التي سترافقهم، وجاء بعدها صاحب ملاقاة مع السفراء مع الملك، فأخبرهم أن الملك مستعد للملاقاة وكذلك الملكة زوجه الألمانية الأصل في الانتظار بعد لقاء زوجها، وذلك وإن لم يكن عادة لكنها جعلتها فرحا وسرورا بالسفير ومرسله. ثم ساروا في جمع حاشد للقصر الملوكى، وجعلوا كلما دخلوا قبة من قبابها وقف من فيها ونزع ما على رأسه إلى أن وصلوا قاعة الاقتبال، فاستأذن المرافق المذكور ثم أدخلهم إليها فوجدوا الملك واقفا والقاعة مملوءة بالوزراء وأرباب الدولة، فلما قابلوه أزال ما على رأسه مسلما فأشاروا إليه باليد ثم دنوا منه ففعل كذلك، وفعلوا هم كذلك حتى الثالثة. فلما التقوا أخرج ابن عثمان الكتاب المولوى وقبله ودفعه إليه فتلقاه بكلتا يديه، ثم سأل ابن عثمان عن السلطان وذكر محبته فيه ورغبته في مخاطبته وقضاء مآربه وعقد الصلح معه كما فعل أبوه (ملك إسبانيا)، فأجابه ابن عثمان بأنه ملحوظ ومقدم عند السلطان، وعن الصلح بأنه لذلك الغرض كان قدومه لما طلب له ذلك والده عاما أولا لما كان عنده المجيب بإصبانية، فأجابه الملك بالكلام مع وزيره، ثم خرجوا من حضرته وهو واقف ودعوا لمقابلة الملكة فأدخلهم حاجبها عليها فوجدوها واقفة والقبة ممتلئة بنساء الأكابر والأعيان فسلمت عليهم بالانحدار، حتى كادت تجثى على ركبتيها على عادة نسائهم، فأشاروا لها باليد ثم فعلت ذلك ثلاثا مثل زوجها وفعلوا مثله، فلما دنوا منها رحبت بهم وذكرت طول انتظارهم ووعدت بالوقوف في الأمور الصعبة مع الملك، فشكروها على ذلك

стр. 1537

وخرجوا مسلمين على الصفة المتقدمة، ثم امتطوا أكداشهم لمحلهم، فلما بلغوه أخذ الأعيان يفدون عليهم مهنئين بحسن اللقاء مع الملك. ولما قرأ الملك الكتاب السلطانى وعلم ما اشتمل عليه من توجيه السفارة إليه بقصد عقد الصلح معه حيث طلب والده ذلك واشترطه في عقد الصلح الذى عقده معه ابن عثمان ثم فداء أسارى المسلمين الذين في بلده وتحت حكمه أجاب عن ذلك ببعث ثلاثين أسيرًا مسرحين على سبيل الهدية للسفارة إكراما لها قائلا: وأما فداء الأسارى المشار إليه فالأسارى الذين في إيالتنا كلهم من تونس والجزائر وطرابلس وغير ذلك من البلاد المشرقية، وليس بيننا وبينهم إلا الحرب، وكذلك إخواننا عندهم أسارى بأيديهم ولو لم يكن إخواننا الذين عندهم لسرحنا جميع من عندنا من المسلمين ابتغاء خاطر مولانا أمير المؤمنين ورضاه، وحيث كان إخواننا في الأسر نحبكم أن تسعوا في فداء الجميع، فشكرته السفارة على ذلك وكتبت للحضرة السلطانية بذلك. وأما عقد الصلح فشرعت فيه مع الوزير حسبما تقدم من تقديم الملك له لذلك، واشترط كل جانب ما فيه مصلحته، ثم استنسخت تلك الشروط وأمضيت. ثم تيسر للسفارة افتداء مائة أسير أعدوا للبيع فضمتهم إلى إخوانهم، وكذلك استرجعت ما وجد في أحد المراكب السلطانية كان السلطان قد بعثه لأمير طرابلس حاملا القمح بسبب المسغبة التي كانت في بلاده، فتلقته مراكب نابلية وأخذته، ومع أن ذلك كان زمن الحرب فقد تمكن ابن عثمان من إقناعهم برد ما وجد فيه. وقد رأت السفارة أثناء إقامتها بنابل بعض الأبناك ومأوى الأيتام ودار الآثار ونادى الأعيان بدعوة من أهله، والبركان القاذف للنيران، وآثار مدينة بومبى، ولما

стр. 1538

رجعت منها لبلدة أخرى أنزلت فيها بالدار التي نزل فيها إمبراطور الألمان لما كان هناك، ورأت في هذه البلدة معامل السلاح والبارود والكاغد. وكان الملك يستدعيها مرارا لمشاهدة التمثيل بالأوبرا كلما ذهب، وكذلك استدعاها تكرارا لزيارة الحديقة الصيفية، وذهبت بدعوته لمشاهدة تعويم مركب في البحر، فأعد لابن عثمان مقعد بإزاء مقعد الملك واستدعاها لزيارة قصره في بلدة (برطج) مقره في الخريف، فرأته يسوق الكدش بنفسه، ولعب بمحضرها كرة "التنس" كما استدعاها لزيارة قصره في مشتاه ببلده (كزرته) وغير ذلك. ولما انتهت أعمالها أعلمت الملك بعزمها على السفر، وكان إذ ذاك بمشتاه فأجابها بأنه سيأتى لنابل بقصد وداعها، ولما جاء إليها أعلمها باللقاء بين العشاءين فوقع ذلك على الوصف المتقدم في لقائه ولقاء الملكة، وبعد ذلك بعث الملك للسفارة جوابه عن الكتاب السلطانى مع هدية من صنائع بلاده وتحفها وبعث لها هديتها الخاصة بها. وركبت السفارة ومن معها ممن فك من الأسرى البحر رابع المحرم فاتح سنة ١١٩٧ في مركب رئيسه من جنس (الراكوزة) تطوع به لحمل السفارة حيث تشاء دون عوض، فحياها بمدافعه وسار بها إلى أن أداه اضطراب البحر إلى صقلية، فخرجت زوارق أعيانها ونائب حاكمها للسلام على السفير، وعرض النزول عليه للمدينة للاستراحة فنزلوا من الغد نظرا لازدحام المركب بالأسارى في احتفال مثل ما جرى لهم في غيرها من البلاد التي كان ذهابهم إليها رسميا. وأعدت لهم دار خاصة، ثم طلب منهم حاكم الجزيرة أن يعينوا له وقتا للمقابلة، فعينوه له وقابلوه كما قابلوا أعيان المدينة (بلرم) ونوابها فكان الجميع يرحب بهم ويظهر لهم السرور بقدومهم، ودعوا لمشاهدة التمثيل بدار الأوبرا، وبعد أن أقاموا ستة وعشرين يوما عادوا لمركبهم، فلما سار بهم ثلاثين ميلا وجد

стр. 1539

البحر مضطربا فبقى هناك خمسة أيام اضطر بعدها للرجوع إلى صقلية مرة أخرى فتلقاهم أهلها، وأخبروهم أن الدار التي كانوا بها لا زالت بصددهم فنزلوا إليها، وكانت الليلة ليلة ميلاد الملك فاستدعيت السفارة لحضور الاحتفال الليلى بذلك كما دعيت لنادى أعيان المدينة، وفيه طلب بعضهم من ابن عثمان أن يلعب معه بالشطرنج فأجابه بعد إلحاح وغلبه فيه على مشهد من القوم، ورأت السفارة في أثناء مقامها كنيسة (سان مرتيل) وأدخلوا خزانتها فوجدوا فيها عدة من كتب المسلمين كسيرة ابن سيد الناس وبعض كتب الطب، كما زاروا غيرها من المعاهد والمدارس، وبعد إقامتهم بها ثلاثة أشهر وثلاثة أيام في انتظار سكون البحر، ركبوا سفينتهم في سادس عشر ربيع الثانى راجعين للمغرب، فوصلوا طنجة بعد اثنى عشر يوما، ونزلت السفارة في احتفال بحضور الحاكم ووجوه العسكر للمدينة، كما تلقى الأسارى بسرور وحبور وأنزلوا بديار بالمدينة بقصد الإرفاق على النفقة السلطانية، ووجه الكتاب للحضرة السلطانية بالإعلام بالوصول، وأقاموا بطنجة إلى أن ورد عليهم الجواب الشريف بالتهنئة بالسلامة وإعداد البهائم لحمل الأسارى وأمرهم بالقدوم عليه. قال ابن عثمان: فتوجهنا إليه أيده الله وهو بحضرة مكناسة، فبتنا آخر ليلة من السفر بوادى فرى بقرب المدينة بنحو ساعتين، ومن الغد بعث مولانا أعزه الله عساكر الخليل لملاقاتنا ووجوه العسكر والقواد، ومن حضر من العمال وبالغ في التنويه والفرح بهؤلاء المسلمين جعل الله ذلك بمنه من خالص الأعمال، وبلغه من حسن نيته، وصفاء سريرته وطويته جميع الآمال، ومن هناك والخيل تلعب وتخرج البارود إلى أن دخلنا المدينة فبعث إلينا سيدنا أيده الله أحدا من خدامه بأن ندخل الأسارى المذكورين إلى ضريح جده المقدس المنعم المرحوم سيدنا إسماعيل برد الله ضريحه، وأسكنه من الجنان فسيحه، وأحضر لذلك الفقهاء والأشراف والطلبة

стр. 1540

وأعيان البلد، فقرأنا هنالك ما تيسر من القرآن ودعونا لسيدنا بما نرجوا من الله قبوله. وبعث سيدنا الطعام للأسارى، فأكلوا، وأمرنا بإنزالهم بدور أعدها بالمدينة وأمرنا أن نستريح ونطلع لملاقاته عند العصر، فلما صلينا العصر توجهنا إلى بابه، ورحب جنابه، وأصحبنا إليه الهدية التي أصحبنا إليه الطاغية صاحب نابل فوجدناه داخل باب السوانى ففرح بنا وانشرح لقدومنا ودعا لنا بخير، تقبل الله منه. ثم ناولناه كتاب الطاغية مع عقد الصلح الذى أبرمنا ووقع عليه الاتفاق، وهدية الطاغية التي بعثها من الخوف والاشفاق، وناولناه أيضا أزمة ما دفع في الفداء وخطوط أيدى النصارى المفدى منهم مع قيمة المركب الذى غرموا وقد تقدم خبره. ومن الغد أطلعنا إليه أسرى المسلمين وهو بالدار البيضاء، فسألهم عن قبائلهم وعشائرهم وعن مدة أسرهم، أطال معهم الكلام جبرا لخاطرهم، وقال لهم: الحمد لله الذى عجل سراحكم، وكمل بجمع شملكم مع المسلمين أفراحكم. ثم هيأ لهم البهائم لحملهم إلى فاس في الحين، وتوجهوا من عنده أيده الله فرحين، وارتفعت بالدعاء لسيدنا أيده الله الأصوات، حتى كادت أن تسمع الأموات، وكتب لعامل فاس أن يحسن للقوم القرى ويفيض عليهم من مطايب ما يشترى، ويزيل عنهم درن الأسر، ومذلة القهر والقسر، ثم يكترى لهم البهائم إلى الجزائر، ومنها يتفرقون في البلاد كالمثل السائر. قال المولى عبد السلام نجل المترجم في درة السلوك في مآثر أبيه: ومنها أنه لم يترك ببلاد النصارى أسيرا، ولا بالمغرب فقيرا، بفيض أياديه العظام، ومكارمه

стр. 1541

الجسام، ففدى من أسارى المسلمين، من أهل المغرب والترك وأهل الشام وأهل الأرمين، ما يزيد على أربعة آلاف، ثبت الله له الأجر، وأناله الفتح والنصر". وقد ألف ابن عثمان في سفارته الثانية لمالطة ونابولى هذه التي قضى فيها سبعة عشر شهرا كتابه (البدر السافر، إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر) وكان فراغه من تأليفه بعد تلف المبيضة على يد اللصوص أوائل جمادى الثانية عام ١١٩٧. وقد وقعت الإشارة إلى معاهدة ابن عثمان مع مملكة نابولى المشار إليها في معاهدة السلطان المولى عبد الرحمن المجددة مع تلك الدولة سنة ١٢٥٠ على ما يأتي في ترجمته إن شاء الله. فتوحاته فمن فتوحاته إجلاء البرتغال عن ثغر البريجة المعروفة اليوم بالجديدة وما والاها، حاصرها نحو أربعين يوما ونصب عليها المدافع والمهاريز، ووالى عليها صيب القنابل إلى أن فتحها في سابع عشرى رمضان ١١٨٢ وهدمها وأمر بتسميتها بالمهدومة، وعمرها بأهل دكالة المجاورين لها، وأنزل معهم فرقة من عساكره، وكان ممن حضر هذا الفتح وأبلى فيه البلاء الحسن الحاج سليمان التركى معلم الرمى وشيخ طبجية الرباط قاله في الترجمان المعرب وغيره، وغنم أموالها ومدافعها ومهاريزها وغير ذلك من معداتها ومقوماتها الحربية. وحاصر مليلية وحاربها إلى أن صالحه أهلها طبق ما أشرنا إليه. آثاره قال نجله المولى عبد السلام في درة السلوك لما ذكر مآثر أبيه: ومن مآثره أيضا اتخاذ الثغور بالمغرب وشحنها بالعساكر والجنود، والرايات والبنود، فمن ذلك ثغر الصويرة أحدث بناءه، ووسع قباءه، فاختطه رضى الله عنه في سابع عشر من

стр. 1542

شوال عام ثمانية وسبعين ومائة ألف، وبنى له الأسوار العجيبة، واتخذ به البساتين، وشحنه بالمدافع والبنب والكور، فجاء من أعظم المدن وأشرف الثغور، واتخذ به المساجد والصوامع والأسواق والدور والحمامات ورغب في سكنى هذا الثغر المبارك الناس، وقصده التجار وغيرهم من جميع الأجناس. وكان سبب إنشائه لهذا الثغر أن المراسى المغربية متصلة بالأودية، وفى غير إبان الشتاء يقل الماء ويعلو الرمل بأفواه المراسى، فيمنع من اجتياز القراصين بها ويتعذر السفر، ففكر فيما يتأتى به السفر للمراكب القرصانية سائر أيام السنة، فبنى ثغر الصويرة، واعتنى به لسلامة مرساه من الآفة المذكورة. وقيل: إن السبب هو أن حصن أكادير كانت تتداوله الثوار أهل سوس مثل الطالب صالح وغيره، ويسرحون وسق السلع منه افتياتا ويستبدون بأرباحها، فرأى أن حسم تلك المادة لا يتأتى إلا بإحداث مرسى آخر أقرب إلى تلك الناحية، وأدخل في وسط المملكة من أكادير حتى تتعطل على أولئك الثوار منفعته فلا يتشوق أحد إليه. ولما تم أمرها أمر أهل فاس أن يعمروها مناوبة تأتى ثلاثمائة رجل من أصحاب الحرف ويقيمون بها سنة كاملة، ثم تذهب وتأتى ثلاثمائة أخرى وهكذا، ونقل إليها العلماء لنشر العلم، ورتب لهم ما يكفيهم. قال الزيانى في شرح ألفية السلوك: وجعل -أى المترجم- قضاء فاس للفقهاء الذين يتوجهون للصويرة كل من درس بها ستة أشهر يقضى بفاس ستة أشهر، وجعل كذلك للحكام كل متوجه للصويرة حاكما ستة أشهر يحكم بفاس ستة أشهر إلى أن مات. وأنفق في سبيل صيانة ذلك الثغر وتحصينه بالمعدات والمقومات الحربية برية وبحرية أموالا طائلة، وجلب إليها تجار النصارى بقصد التجارة بها وأسقط عنهم

стр. 1543

وظيف الأعشار، ترغيبا لهم فيها فأسرعوا إليها فعمرت في الحين (واستمر الترخيص لهم فيها مدة من السنين) ثم ردها إلى ما عليه سائر المراسى. ثم قال المولى عبد السلام في الدرة: ومن ذلك أيضا بناء مدينة طيط (الجديدة) وقد كانت قديما بأيدى الروم كما قدمنا وخربها بعد الفتح سنة اثنتين وثمانين، وأمر بتجديد عمارتها سنة واحد ومائتين وألف، واتخذ بها ألفا من العسكر من جنود الوصفان، وأدار سورها وعظم بها العمران، فصارت إحدى مدن المغرب، يقصدها التجار من الآفاق، وترد إليها القوافل والرفاق، وترسى بها السفن الجهادية وسفن التجار، فجاءت من أشرف الحسنات وأعظم الآثار. وكذلك تجديد مدينة آنفا وكانت اندثرت رسومها، وطمست معالمها، فجدد بناءها ورفع قواعدها فبنى بها المساجد والحمامات، واتخذ بها المعاقل الجهادية وجميع الآلات، وسكن بها ألفا من أجناده، فقصدها التجار من جميع مملكته وسائر أقطار بلاده، فجاءت من أحسن الثغور، نسأل الله تعالى أن يضاعف له بها الحسنات وينيله الأجور. وكذلك عمر ثغر فضالة، ورباط الفتح، ومهدية، والعرائش، وطنجة، وتطاوين وغيرها، وجدد جميع أسوارها واحتفل في تكثير آلاتها وبنى بها المساجد والأسواق والحمامات، ضاعف الله له بذلك الأجور وأسنى له الحسنات. ومن مآثره أيضا بناؤه المشهد الأعظم، والأثر الأفخم، على ضريح الإمام إدريس بن عبد الله الكامل فجاء في غاية ما يكون من الإتقان، وعظيم الأبهة وعلو الشان، كسا القبة كلها من داخل بالحرير الأحمر وسفائف الذهب الأحمر، وبسطها بالبسط الأرمينية، وأوقف على الضريح المذكور أوقافا عظيمة للطلبة

стр. 1544

والمؤذنين والوقادين والفراشين والمستعفين والمساكين، وكذلك أيضا بناؤه الضريح الأعظم على سيدى على بن حرزهم، وبناؤه أيضا على سيدى عبد الله التاودى خارج باب عجيسة أحد أبواب فاس. ومن آثاره أيضا بناء المشهد الأعظم على القطب الولى سيدى أبى العباس أحمد بن جعفر السبتى، وأوقف بهذا الضريح أيضا أوقافا عظيمة على المدرسين، والحزابين، وذوى العاهات، والمساكين. وبناؤه أيضا القبة العظيمة الشكل، المهندسة الأصل، التي لم توجد بالمغرب قبة تشاكلها، ولا بناء يماثلها، وهى قبة الشيخ الإمام، علم الأعلام، أبي عبد الله سيدى محمد بن سليمان الجزولى نفع الله به وبأمثاله. وكذلك بناؤه على الشيخ التباع، والسيد عبد الله الغزوانى. وبنى أيضا المشهد الأفخم، والمسجد الجامع الأعظم، بضريح جدنا مولاى على الشريف دفين باب هيلانة أحد أبواب مراكش، صانها الله، وضريحه مجاور لضريح القاضى عياض، وقد أوقف للذاكرين والحزابين والأرامل والمساكين، ولو تتبعنا مثل هذا من مآثره أيده الله لطال الخطاب، وخرجنا إلى الإطناب، من دورة السلوك. ومن آثاره مدينة فضالة ومسجدها ومدرستها، والمنصورية ومسجدها وله آثار أخرى بالرباط والعرائش وطنجة. وتافيلالت ومراكش وفاس ومكناس وغيرها، منها المساجد والمدارس والدور والقصور والأسوار والأبراج والقصبات والأضرحة وغير ذلك، وقد أسلفنا ما له من الآثار بمكناسة عند الكلام على آثار ملوكنا العلويين بها. ومن آثاره تجديد المسجد الأعظم بثغر آسفى حسبما يستفاد ذلك من كتاب له أصدره لأمناء الثغر المذكور بتاريخ تاسع قعدة الحرام عام ثمانية وثمانين ومائة

стр. 1545

وألف، وعليه فإن ما جاء في الجيش والاستقصا من أنه المؤسس للمسجد المذكور ومدرسته يتعين حمله على التجديد، لوجود النص على أن المسجد أسس قبل دولة صاحب الترجمة بأمد بعيد، وممن نص على ذلك قاضى آسفى العلامة الأديب أبو عبد الله محمد فتحا بن عبد العزيز المدعو بابن عزوز الآسفى، قال في كتابه إرشاد السائل، إلى معرفة جهة القبلة بالدلائل، لما تكلم على انحراف محرابه أنه بنى بإثر خروج النصارى من آسفى، قال: فلبنائه ما يقرب من مائة سنة، وقد كان متوليا خطة القضاء بالثغر المذكور قبل زمن المترجم حسبما أخبرنى بذلك مكاتبة مؤرخ آسفى الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد العبدى المدعو الكانونى. أما المدرسة فقد أشرنا في المنزع اللطيف إلى أن مؤسسها سيدنا الجد الأكبر أبو النصر والفدا إسماعيل، وأنه فرغ من تأسيسها في رمضان سنة خمس ومائة وألف، وأفادنى مؤرخ آسفى المذكور أنه رأى ذلك بخط الشيخ الجيلالى بوخريص قاضى الثغر أواسط القرن المنصرم، وأن بناءها كان على يد عامل ذلك الثغر القائد العربى امزاج، والقاضى أبى محمد عبد الله بن محمد، وأن في التاريخ المذكور كان تجديد الصف الأول من المسجد الجامع المشار على يد من ذكر وذلك مما يؤيد تعيين صرف كلام صاحبى الجيش والاستقصا عن ظاهره. سككه ومن آثاره السكك التي أمر بضربها في داخل البلاد وخارجها للتعامل بها، وقد كان بعضها يضرب بالرباط بالدار المعروفة بدار السكة من حومة الجزاء حسبما يوجد اسمه منقوشا على بعض مسكوكاتها الفضية والنحاسية والبعض كان يضرب بالصويورة كتب على وجهيه معا (ضرب بالصويورة عام ١١٨٠". وكذلك أمر بضرب أنواع السكك الذهبية والفضية بمدريد وإشبيلية سنة ١٧٨٧ ميلادية حسبما وقفت على بيان ذلك في تقييد دفعه كبير دار السكة
следующие страницы →