الجسام، ففدى من أسارى المسلمين، من أهل المغرب والترك وأهل الشام وأهل الأرمين، ما يزيد على أربعة آلاف، ثبت الله له الأجر، وأناله الفتح والنصر".
وقد ألف ابن عثمان في سفارته الثانية لمالطة ونابولى هذه التي قضى فيها سبعة عشر شهرا كتابه (البدر السافر، إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر) وكان فراغه من تأليفه بعد تلف المبيضة على يد اللصوص أوائل جمادى الثانية عام ١١٩٧.
وقد وقعت الإشارة إلى معاهدة ابن عثمان مع مملكة نابولى المشار إليها في معاهدة السلطان المولى عبد الرحمن المجددة مع تلك الدولة سنة ١٢٥٠ على ما يأتي في ترجمته إن شاء الله.
فتوحاته
فمن فتوحاته إجلاء البرتغال عن ثغر البريجة المعروفة اليوم بالجديدة وما والاها، حاصرها نحو أربعين يوما ونصب عليها المدافع والمهاريز، ووالى عليها صيب القنابل إلى أن فتحها في سابع عشرى رمضان ١١٨٢ وهدمها وأمر بتسميتها بالمهدومة، وعمرها بأهل دكالة المجاورين لها، وأنزل معهم فرقة من عساكره، وكان ممن حضر هذا الفتح وأبلى فيه البلاء الحسن الحاج سليمان التركى معلم الرمى وشيخ طبجية الرباط قاله في الترجمان المعرب وغيره، وغنم أموالها ومدافعها ومهاريزها وغير ذلك من معداتها ومقوماتها الحربية.
وحاصر مليلية وحاربها إلى أن صالحه أهلها طبق ما أشرنا إليه.
آثاره
قال نجله المولى عبد السلام في درة السلوك لما ذكر مآثر أبيه: ومن مآثره أيضا اتخاذ الثغور بالمغرب وشحنها بالعساكر والجنود، والرايات والبنود، فمن ذلك ثغر الصويرة أحدث بناءه، ووسع قباءه، فاختطه رضى الله عنه في سابع عشر من
стр. 1542
شوال عام ثمانية وسبعين ومائة ألف، وبنى له الأسوار العجيبة، واتخذ به البساتين، وشحنه بالمدافع والبنب والكور، فجاء من أعظم المدن وأشرف الثغور، واتخذ به المساجد والصوامع والأسواق والدور والحمامات ورغب في سكنى هذا الثغر المبارك الناس، وقصده التجار وغيرهم من جميع الأجناس.
وكان سبب إنشائه لهذا الثغر أن المراسى المغربية متصلة بالأودية، وفى غير إبان الشتاء يقل الماء ويعلو الرمل بأفواه المراسى، فيمنع من اجتياز القراصين بها ويتعذر السفر، ففكر فيما يتأتى به السفر للمراكب القرصانية سائر أيام السنة، فبنى ثغر الصويرة، واعتنى به لسلامة مرساه من الآفة المذكورة.
وقيل: إن السبب هو أن حصن أكادير كانت تتداوله الثوار أهل سوس مثل الطالب صالح وغيره، ويسرحون وسق السلع منه افتياتا ويستبدون بأرباحها، فرأى أن حسم تلك المادة لا يتأتى إلا بإحداث مرسى آخر أقرب إلى تلك الناحية، وأدخل في وسط المملكة من أكادير حتى تتعطل على أولئك الثوار منفعته فلا يتشوق أحد إليه.
ولما تم أمرها أمر أهل فاس أن يعمروها مناوبة تأتى ثلاثمائة رجل من أصحاب الحرف ويقيمون بها سنة كاملة، ثم تذهب وتأتى ثلاثمائة أخرى وهكذا، ونقل إليها العلماء لنشر العلم، ورتب لهم ما يكفيهم. قال الزيانى في شرح ألفية السلوك: وجعل -أى المترجم- قضاء فاس للفقهاء الذين يتوجهون للصويرة كل من درس بها ستة أشهر يقضى بفاس ستة أشهر، وجعل كذلك للحكام كل متوجه للصويرة حاكما ستة أشهر يحكم بفاس ستة أشهر إلى أن مات.
وأنفق في سبيل صيانة ذلك الثغر وتحصينه بالمعدات والمقومات الحربية برية وبحرية أموالا طائلة، وجلب إليها تجار النصارى بقصد التجارة بها وأسقط عنهم
стр. 1543
وظيف الأعشار، ترغيبا لهم فيها فأسرعوا إليها فعمرت في الحين (واستمر الترخيص لهم فيها مدة من السنين) ثم ردها إلى ما عليه سائر المراسى.
ثم قال المولى عبد السلام في الدرة:
ومن ذلك أيضا بناء مدينة طيط (الجديدة) وقد كانت قديما بأيدى الروم كما قدمنا وخربها بعد الفتح سنة اثنتين وثمانين، وأمر بتجديد عمارتها سنة واحد ومائتين وألف، واتخذ بها ألفا من العسكر من جنود الوصفان، وأدار سورها وعظم بها العمران، فصارت إحدى مدن المغرب، يقصدها التجار من الآفاق، وترد إليها القوافل والرفاق، وترسى بها السفن الجهادية وسفن التجار، فجاءت من أشرف الحسنات وأعظم الآثار.
وكذلك تجديد مدينة آنفا وكانت اندثرت رسومها، وطمست معالمها، فجدد بناءها ورفع قواعدها فبنى بها المساجد والحمامات، واتخذ بها المعاقل الجهادية وجميع الآلات، وسكن بها ألفا من أجناده، فقصدها التجار من جميع مملكته وسائر أقطار بلاده، فجاءت من أحسن الثغور، نسأل الله تعالى أن يضاعف له بها الحسنات وينيله الأجور.
وكذلك عمر ثغر فضالة، ورباط الفتح، ومهدية، والعرائش، وطنجة، وتطاوين وغيرها، وجدد جميع أسوارها واحتفل في تكثير آلاتها وبنى بها المساجد والأسواق والحمامات، ضاعف الله له بذلك الأجور وأسنى له الحسنات.
ومن مآثره أيضا بناؤه المشهد الأعظم، والأثر الأفخم، على ضريح الإمام إدريس بن عبد الله الكامل فجاء في غاية ما يكون من الإتقان، وعظيم الأبهة وعلو الشان، كسا القبة كلها من داخل بالحرير الأحمر وسفائف الذهب الأحمر، وبسطها بالبسط الأرمينية، وأوقف على الضريح المذكور أوقافا عظيمة للطلبة
стр. 1544
والمؤذنين والوقادين والفراشين والمستعفين والمساكين، وكذلك أيضا بناؤه الضريح الأعظم على سيدى على بن حرزهم، وبناؤه أيضا على سيدى عبد الله التاودى خارج باب عجيسة أحد أبواب فاس.
ومن آثاره أيضا بناء المشهد الأعظم على القطب الولى سيدى أبى العباس أحمد بن جعفر السبتى، وأوقف بهذا الضريح أيضا أوقافا عظيمة على المدرسين، والحزابين، وذوى العاهات، والمساكين.
وبناؤه أيضا القبة العظيمة الشكل، المهندسة الأصل، التي لم توجد بالمغرب قبة تشاكلها، ولا بناء يماثلها، وهى قبة الشيخ الإمام، علم الأعلام، أبي عبد الله سيدى محمد بن سليمان الجزولى نفع الله به وبأمثاله.
وكذلك بناؤه على الشيخ التباع، والسيد عبد الله الغزوانى.
وبنى أيضا المشهد الأفخم، والمسجد الجامع الأعظم، بضريح جدنا مولاى على الشريف دفين باب هيلانة أحد أبواب مراكش، صانها الله، وضريحه مجاور لضريح القاضى عياض، وقد أوقف للذاكرين والحزابين والأرامل والمساكين، ولو تتبعنا مثل هذا من مآثره أيده الله لطال الخطاب، وخرجنا إلى الإطناب، من دورة السلوك.
ومن آثاره مدينة فضالة ومسجدها ومدرستها، والمنصورية ومسجدها وله آثار أخرى بالرباط والعرائش وطنجة. وتافيلالت ومراكش وفاس ومكناس وغيرها، منها المساجد والمدارس والدور والقصور والأسوار والأبراج والقصبات والأضرحة وغير ذلك، وقد أسلفنا ما له من الآثار بمكناسة عند الكلام على آثار ملوكنا العلويين بها.
ومن آثاره تجديد المسجد الأعظم بثغر آسفى حسبما يستفاد ذلك من كتاب له أصدره لأمناء الثغر المذكور بتاريخ تاسع قعدة الحرام عام ثمانية وثمانين ومائة
стр. 1545
وألف، وعليه فإن ما جاء في الجيش والاستقصا من أنه المؤسس للمسجد المذكور ومدرسته يتعين حمله على التجديد، لوجود النص على أن المسجد أسس قبل دولة صاحب الترجمة بأمد بعيد، وممن نص على ذلك قاضى آسفى العلامة الأديب أبو عبد الله محمد فتحا بن عبد العزيز المدعو بابن عزوز الآسفى، قال في كتابه إرشاد السائل، إلى معرفة جهة القبلة بالدلائل، لما تكلم على انحراف محرابه أنه بنى بإثر خروج النصارى من آسفى، قال: فلبنائه ما يقرب من مائة سنة، وقد كان متوليا خطة القضاء بالثغر المذكور قبل زمن المترجم حسبما أخبرنى بذلك مكاتبة مؤرخ آسفى الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد العبدى المدعو الكانونى.
أما المدرسة فقد أشرنا في المنزع اللطيف إلى أن مؤسسها سيدنا الجد الأكبر أبو النصر والفدا إسماعيل، وأنه فرغ من تأسيسها في رمضان سنة خمس ومائة وألف، وأفادنى مؤرخ آسفى المذكور أنه رأى ذلك بخط الشيخ الجيلالى بوخريص قاضى الثغر أواسط القرن المنصرم، وأن بناءها كان على يد عامل ذلك الثغر القائد العربى امزاج، والقاضى أبى محمد عبد الله بن محمد، وأن في التاريخ المذكور كان تجديد الصف الأول من المسجد الجامع المشار على يد من ذكر وذلك مما يؤيد تعيين صرف كلام صاحبى الجيش والاستقصا عن ظاهره.
سككه
ومن آثاره السكك التي أمر بضربها في داخل البلاد وخارجها للتعامل بها، وقد كان بعضها يضرب بالرباط بالدار المعروفة بدار السكة من حومة الجزاء حسبما يوجد اسمه منقوشا على بعض مسكوكاتها الفضية والنحاسية والبعض كان يضرب بالصويورة كتب على وجهيه معا (ضرب بالصويورة عام ١١٨٠".
وكذلك أمر بضرب أنواع السكك الذهبية والفضية بمدريد وإشبيلية سنة ١٧٨٧ ميلادية حسبما وقفت على بيان ذلك في تقييد دفعه كبير دار السكة
стр. 1546
[صورة]
стр. 1547
بمدريد، للخليفة مولاى العباس بن السلطان المولى عبد الرحمن لما ذهب لإسبانيا لعقد معاهدة مع دولتها سنة ١٢٧٨، ونص تعريب ذلك بلفظه من أصله على ركاكة تعبيره وعاميته:
ما صنع في القديم من السكة المراكشية المصنوعة في هذه المدينة في سنة ١٧٨٨ ثمان وثمانين وسبعمائة وألف بإذن المخزن في ثالث عشر يناير عام سبعة وثمانين وسبعمائة وألف أن يجعلوا طوابع أربعة أشكال من السكك لسلطان مراكش، ولذلك كان موجود بطنجة المعدن ما يساوى مائة ألف ريال كبير لاستعمال سكة الذهب ووجهوا لنا المشطرات.
وفى شهر ينيه من العام المذكور صنعوا الطوابع وتوجهوا المشطرات للمخزن لينظرهم سلطان مراكش مجموعتين في صندوق مغلق بالموبر اثنين منضات من الذهب كبار ثمن عشرة ريال لكل واحدة، واثنين أيضا من صغار ثمن ريال في الواحدة، واثنين كبار من الفضة، واثنين صغار أيضا من الفضة.
وبإذن آخر من المخزن في اثنين وعشرين شتنبر من العام المذكور ظهر القبول متع المشطرات المذكورين وجميع المنضات التي تخدم هى عشرة آلاف من الذهب الكبير، ومائة ألف أيضا من الصغار، واثنين ملايين وأربعمائة وستة وخمسين ألفا ومائتين وثلاثة وستين كبار من الفضة، وتسعة ملايين وثمانمائة وخمسة وعشرون ألفا وأربعون صغارا من الفضة، وزائد لازم نعملوا طوابع جداد على خلاف القليل الواقع في الدائرة والكتابة حتى في المنضات الصغار من الفضة.
وفى شهر يناير عام ثمانية وثمانين وسبعمائة وألف أن الخلاف الذى كان في المنيضة المراكشية هو أن نعمل مدريد في موضع مراكش لئلا يظهر أنها مطبوعة في مراكش، وفى الشهر المذكور كان الإذن المشهور اللائق باش تكون المنيضة الكبيرة متع الذهب تساوي عشرة ريال مكمولة، والصغيرة واحد والكبيرة متع الفضة
стр. 1548
تساوى مثل واحد من الفضة متاعنا والصغيرة متع نصف ريال بليون، لازم يطبعوا العدد من المنيضات الذى سيذكر:
من الأولين ١٠٠٠٠.
ومن الثانين ١٠٠٠٠٠.
ومن الثالثين ٢٤٥٦٢٦٣.
ومن الرابعين ٩٨٢٥٠٠٠.
وفى شهر يليه عام ١٧٨٨ كملوا الطوابع الجداد، وفى شهر شتنبر الذى بعده انطبعوا العشرة آلاف منيضات من الذهب الكبار المذكورين، والجميع اندفعوا للرجل المأذون له بذلك في سابع نونبر من السنة المذكورة، وأما المنيضات متع الفضة المذكورين ورد الإذن لتكون صناعتهم في دار اشبيلية.
مدريد في ٣ أكتوبر عام ١٨٦١.
فيرمه:
كبير دار المنيضة:
ميكال بشيكو.
قضاته:
قال في ذيل التاريخ المسمى بـ (اليواقيت الأدبية، في محاسن الدولة المحمدية) ما نصه:
قضاة السلطان سيدى محمد بن عبد الله: الفقيه السيد عبد الرحمن بوخريص (١) بفاس، الفقيه السيد (٢) عبد السلام حركات بمكناسة، الفقيه السيد
стр. 1549
محمد بن أحمد الغربى الرباطى، والفقيه السيد عبد الله بنانى الرباطى، والفقيه السيد محمد بن اليسع الفيلالى هؤلاء الثلاثة كانوا يتناوبون القضاء بالرباط واحد بعد واحد ثلاثة أشهر للواحد، ويرجع بعده الآخر، والفقيه زنيبر (١) بسلا، وابن أخته الفقيه بناصر معنين والفقيه السيد التهامى (٢) ابن عمرو الرباطى بالصويرة.
ومن قضاته على فاس يوسف بوعنان ولاه بعد بوخريص، ثم نقله لمكناسة، وولى الهوارى مكانه، ثم أبو محمد عبد القادر بن شقرون أشار لذلك الزيانى في شرح ألفية السلوك.
وعلى مراكش عبد العزيز العبدلى، ثم عزله كما مر ذلك، ثم أعاده بعد حجه وأشرك معه في القضاء غيره كعبد العزيز بن حمزة، وابن الخطاب، وأبى بكر الشنقيطى، ثم تداوله جماعة من فقهاء مراكش كما في الترجمان.
وعلى مكناسة أبو القاسم العميرى، ومحمد العربى القسمطينى، والطيب ابن محمد بصرى، والمولى أحمد بن على العلوى، وقد تقدمت لك ترجمة الأخيرين.
وعلى الرباط المهدى مرين، ثم ولده محمد، والحسن بن أحمد الغربى، ثم العربى القسمطينى، ويوسف بوعنان.
стр. 1550
ومن قضاته على الصويرة أحمد زروق.
وزراؤه
منهم العربى أفندى قادوس، قال في الجيش: إن السلطان سيدى محمد كان يدعوه بذلك يعنى أفندى إعظاما واستفخاما لشأنه، وكان من مواليه الذين نشأوا في حجور تربيته ورضعوا أخلاق حضرة الملك وارتشفوا لبانها، قال: وأصله من علوج الأسبان كما أخبرنى بذلك ولده السيد محمد، وكان شعلة من الذكاء والفطنة، وركنا شديدًا من أركان الدولة المحمدية في حسن التدبير والحزم، وكان شأنه في أمور ال كتابة أن يأمره السلطان بأن يأمر الكتاب بالكتابة لفلان بكذا ولذوى فلان بكذا فيكتبون ما أمرهم به، فيأخذه عنهم ويطبعه ويدخل به إلى حضرة السلطان فيسرد عليه تلك الأوامر ثم يخرج بها ويدفعها لأربابها.
كتابه
من حذاق كتابه وكتاب جدته السيدة خناثة بنت بكار الأستاذ أبو عبد الله محمد المكى الشاوى حج معهما، والكاتب المشارك أبو العباس أحمد بن عثمان المكناسى كان من الرؤساء المهرة في الإنشاء والترسيل، وأبو عبد الله محمد سكيرج الفاسى، وأبو القاسم الزيانى، والطيب كدران المكناسى، والمهدى الحكاك المراكشى، وعبد الرحمن بن الكامل المراكشى، وأحمد الغزال الفاسى، والطاهر بنانى الرباطى، والطاهر بن عبد السلام السلوى، وسعيد الشليح الجزولى، وإبراهيم اكيل السوسى، وأبو عبد الله محمد بن عثمان المكناسى، وعبد الكريم ابن زاكور، ومحمد الموزيرق المراكشى، ومحمد الحافى، ومحمد بن المبارك، والطيب الحناش وغيرهم.
стр. 1551
كان أهل الإنشاء والبلاغة قائمين بوظيفهم الذى لا يقوم به غيرهم، وأهل الخط المبسوط يستعملهم في مكاتب العمال والثغور والرعايا والشكايات، إذ تلك المكاتب لا تحتاج إلى صناعة ولا إعراب، وأهل الدفاتر والحساب يستعملهم في مصارف الدولة وحسابتها داخلا وخارجا، قاله أبو القاسم الزيانى.
شعراؤه
منهم أبو العباس ابن عثمان، وقد تقدمت ترجمته وبعض ما له فيه من بليغ القول، ومنهم أبو عبد الله ابن الطيب سكيرج الآتى الترجمة، ومنهم أبو العباس أحمد بن المهدى بن محمد الغزال الحميرى الأندلسى المالقى الفاسى السفير الكاتب المتوفى سنة ١١٩١، ومن شعره فيه قوله:
سلا بانة الجرعاء هل جادها قطر ... وهل أمرعت أجزاع ساحتها الغر
وهل نسجت أيدى الحياء بروضها ... برودالها من كف راقمها نشر
فيا لك روضا من بكاء غمامه ... تبسم من أثغار أكمامه الزهر
كان به الأدواح تهتز نضرة ... عرائس تزهو فوقها حلل خضر
كأن بها ورق الحمائم سجعا ... قيان لها في صوغ ألحانها جهر
كأن ثغور الأقحوان مباسم ... تسلسل من ظلم الرضاب بها خمر
كأن الشفاء اللعس منها شقائق ... تناسق فيها تحت قانئها در
كأن احمرار الورد في ريق الحيا ... خدود غوانى الغيد لاح بها بشر
كأن ذبول النرجس الغض عادة ... لواحظ من أهواه ماج بها سحر
كأن غصون البان والرند ميسا ... خرائد دب في معاطفها سكر
كأن شذا الأزهار ينفحها الصبا ... فيملأ أرجاء المتان لها نشر
стр. 1552
خلال أمير المؤمنين (محمد) ... إذا صيغ فيه المدح أو نظم الشعر
إمام له في باذخ العز رتبة ... تقاصر عنها الوهم والوصف والحصر
تسامى على سامى السماك مكانها ... وصار إلى عليائها يخضع الدهر
وماد لها شم الشوامخ هيبة ... وأمسى يراها فوق هامته البدر
تذل لها الآساد في أجماتها ... وترتاع في أغمادها القضب البتر
تزلزل أهل الشرك منها وأذعنوا ... وعم على آفاق أجناسهم قهر
وصاروا عبيدا من مهابة بأسها ... ولم ينجهم في الأرض بر ولا بحر
يؤدون بالإذلال والهون جزية ... يقون بها الأنفاس فهى لهم عمر
ومن لم يرم إعطاءها متكبرا ... يحيق به في الحين من بأسه مكر
كما حاق بالمهدومة الخير جهرة ... وحل بها من سوء أفعالها خسر
تصدى لها فخر الملوك بغزوة ... تزعزع منها الجو والبر والبحر
وصب عليها من بوارق بطشه ... صواعق حتف لا يطاق لها أسر
فأفسدها قهرا وخرب دورها ... وشدد أهل الكفر عنها لهم ذعر
ومن ذا يلاقى صولة هاشمية ... إذا انتهضت للأمر يسبقها النصر
فيا لك من عز تكامل سعده ... ويا لك من فتح به سمح الدهر
تقاصر عن إدراكه شأو سابق ... وحاول أن يلقاه فانعكس الأمر
فأخره الرحمن للعادل الرضا ... ليعظم في الأعمال منه له الأجر
بك اختتم الإحسان والعدل والندى ... كما ختم الأشفاع في فضلها الوتر
وكيف تدانيك الملوك سماحة ... وعزا وفخر أو يكون لها خطر
стр. 1553
ولم لا تفوق الناس مجدا وسوددا ... وتعنوا إلى أوصافك الأنجم الزهر
وأنت سليل المصطفى سيد الورى ... ومَن مِن نداه الجم يغترف البحر
ورثت نداه والسجايا وعدله ... وسيرته في الخلق فاكتمل الفخر
فأصبحت للإسلام طود حماية ... وغيثا لأهل الأرض إن نالهم فقر
تود البحور الزاخرات لو انها ... يكون لها من جود راحتك العشر
تناسى الرشيد والأمين وصنوه ... وجعفر والمهدى والواثق الصدر
نسخت حديث القوم في الجود والندى ... فأصبح وهو اليوم ليس له ذكر
أتتنا بك الأيام عند مشيبها ... فعادت عروسا بالبهاء لها قدر
وعادت رياض العلم عابقة الشذا ... تغرد في أفنان أدواحها الطير
وشدت ذُرَا الآداب فاعتز أهله ... وصار لهم في كل شاشعة فخر
فخذها من العبد المحب قلادة ... تناسق من غالى المديح بها در
يؤد جرير والفرزدق حقها ... وتخجل من ألفاظها الأنجم الزهر
تطرز عذب النظم منها بمجدكم ... ونادى جهارا هكذا ينظم الشعر
فقابل ثناها بالقبول فإنه ... عرائس مدح والقبول لها مهر
وجزمى كل الجزم أنك فاعل ... وأنى بها لا شك ينضحنى البحر
وإن قصرت في حصر مجدك إنها ... ستنشد ما قد قاله العالم الحبر
إذا نحن أثنينا عليك بمدحة ... فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر
ولكننا نأتى بما نستطيعه ... ومن بذل المجهود حق له العذر
أدام لنا الرحمن ملكك عزة ... وفخرا إلى الإسلام ما بعده فخر
стр. 1554
وخلد رب العرش أمرك في الورى ... به تسعد الدنيا ويبتهج الدهر
ودمت قرير العين للدين والهدى ... ودام مدى الأيام يخدمك النصر
وقد ألف فيه ثلاث رسائل في مدح مخدومه فيها مسلكا لم يسبق إليه واستنبط كما قال من أمداحه، ما لم يهتد إليه بلغاء مداحه، فلغزال أمداحه الباع العريض، في منافسة أهل الأدب وبلغاء القريض، وقد آلى على نفسه، ألا يأتي في أمداح سيده بما تستطيعه أبناء جنسه، وأن يخترع بكل عام من الأدب ما يتعجب من إبداعه، على اختلاف أصنافه وأنواعه.
ولم يزل يجيل فرس الفكر بميدان التأمل والاعتبار، فيما يناسب من أمداح هذا الملك الجليل المقدار، إلى أن فتح عليه في طرق ما سلكها قبله ذو ذهن ثاقب، ولا عبرها من سمت منه في الأدب مناقب، أول تلك الرسائل (اليواقيت الأدبية، بجيد المملكة المحمدية) وضع فيها أربعة أبيات في مربع كل بيت من بيوت ذلك المربع فيه تاريخ لبيعة الممدوح الذى هو حادى عشر المملكة العلوية فاجتمع من بيوت ذلك المربع ستة عشر تاريخا، أضاف لها قصائد على عددها الذى هو عدد البحور الشعرية، فجاءت كل واحدة من بحر، وافتتح حروف أوائل أبياتها بحروف الأبيات الأربعة الموضوعة في المربع، ثم أتى بعدها بستة عشر بيتا مفردا من كل بحر بيت، وفى نقط حروف كل بيت تاريخ.
كذلك من قوله في تلك القصائد من (نزهة الملك المنصور، في مستعذب وافر البحور:
(ر) حيب البذل بادى العدل مسدى ... جزيل الفضل عن كرم وجود
(فـ) ضائله الغزيرة ليس تحصى ... ومن يحصى الجواهر بالعقود
(خـ) لافته أمان في أمان= ... ولايته سعود في سعود
стр. 1555
(ط) ليق الوجه بادى البشر أوفى ... وفى في المصادر والورود
(يـ) راعى العهد يحفظه امتنانا ... يفك أسير ظلم من قيود
وقوله من "نزهة الإمام الكامل، في جواهر الكامل":
(يـ) حمى ذمار المسلمين بعدله ... وبسيف حق كف كف المعتدى
(د) امت صنائعه الجميلة في الورى ... أمد المدى أمدادها لم ينفد
(و) تراكمت أمواج بحر نواله ... ومعينها مستعذب للورد
(صـ) افى المشارب كوثرى طعمه ... في ورده نيل المنى والمقصد
(فـ) اضت علينا من زلال معينه ... نعم لها شكرى بيومى والغد
(أ) عظم بها نعما إذا ما شئتها ... يمم حمى تاج الملوك محمد
أول حروفها من قوله "بعرف خطير" و "يشيد وصفا" في أبيات المربع ومن الأبيات المفردة في قوله في "المفرد الرابع، للمحاسن جامع" من الوافر:
ولاية ملكنا وافى العهود ... بها نيل الأمانى في الوجود
والرسالة الثانية (الأطروفة الهندسية، والحكمى الشطرنجية الأنسية) ذكر فيها مثمنا ثم شحنه كما قال بفصول أربعة، تتألف بأخذ حرف من كل بيت على طرق مبتدعة، غير إن أحد الفصول يفتتح غالب بيوت المثمن بحروفه، وتعميره على سير الفرس في جمعه وتصنيفه، إلخ.
والثالثة (نتيجة الفتح، المستنبطة من سورة الفتح) استنبط فيها اشتمال حروف ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣] على اسم صاحب الترجمة واسم أبيه وجده وأخبار مملكته بما لفظه:
стр. 1556
"محمد بن عبد الله نسل إسماعيل ينصر نصرا عزيزا رائقا، ويملك فتحا ذا غنى فتكون مملكته ممكنة ولكل خير كافية وأيامه طاهرة نقية" كرر من الحرف ما هو مكرر في الآية وقابل كل حرف بمثله عدى الصاد من الصراط أبدله بالسين، على قراءة أحد المكيين، وخاطبه فيها بقوله:
واى عز وفخر ... لمن له الذكر ذاكر
تلك السعادة ممن ... حار العلى عن أكابر
فكن إمام المعالى ... لأنعم الله شاكر
فقد بلغت الأمانى ... وحزت أسمى الذخائر
وذكر أن مما ثبت من أخبار ملوك الأعاجم، واعتنى به اليونانيون ووضعوا له الفصول والتراجم، أن للحروف خواص وأسرارا، يستخرجون بها أحاديث وأخبارا، وأعظم ما يعتنون به عند كل سنة، يقترحون على من له فكرة صقيلة حسنة، أن يجمع كلمات نقط حروفها ما مضى من الأعوام، فيتفاءلون بما أبررته القدرة عن الإلهام، فيكون غالب ذلك موافقا للمتوقع في ذلك العام.
ولم تزل المشارقة تتمذهب بذلك في سائر أوقاتها، وتستعمله الملوك في مهماتها، ثم ذكر خمسة أبيات كل بيت منها في مسدس فاجتمع من فواتح كلمات تلك الأبيات ثلاثون حرفا، إن جمعتها وجدتها هكذا "محمد بن عبد الله بن إسماعيل نصره الله" وإن عددت نقط حروفها خرج لك عام البيعة.
والرسائل الثلاث بخط مستنبطها الحسن المتسع موجودة بخزانتنا فرغ من آخرها ثامن عشر شوال سنة ١١٧٢ كما وقفت على رحلته نتيجة الاجتهاد بخط يماثل ذلك الخط، وإن كان أدق منه حروفا، وهى بخزانة الدولة بالرباط.
стр. 1557
ومن شعرائه الأديب الماهر أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد الونان الحميرى التواتى الفاسى صاحب الأرجوزة الشهيرة بالشمقمقية المشتملة على كثير من الآداب والحكم ولطائف الإشارة لأيام العرب ووقائعها ومشاهير رجالها ومطلعها:
مهلا على رسلك حادى الأينق ... ولا تكلفها بما لم تطق
فطالما كلفتها وسقتها ... سوق فتى من حالها لم يشفق
ولم تزل ترمى بها أيدى النوى ... فكل فج وفلاة سملق (١)
وما ائتلى يذرع كل فدفد ... ذراعها وكل قاع قرق (٢)
إلى أن قال في التخلص لمديحها مشيرا إلى تكنية الممدوح لوالده بأبى الشمقمق لما كان عليه من جودة القريحة وغزارة المادة وحسن البديهة والمشاركة في الأدب تشبيها له بأبى الشمقمق مروان بن محمد الكوفى الشاعر مولى الحمار آخر خلفاء الأمويين:
وإن أردت أن تكون شاعرا ... فَحْلاً فكن مثل أبى الشمقمق
ما خلت في العصر له من مثل ... غير أبى في مغرب أو مشرق
لذاك كناه به سيدنا السلطان ... عز الدين تاج المفرق
(محمد) سبط الرسول خير من ... ساد بحسن خلقه والخلق
أعنى أمير المؤمنين بن أمير ... المؤمنين بن الأمير المتقى
خير ملوك الغرب من أسرته ... في وقته على العموم المطلق
стр. 1558
له محيا ضاء في أوج الدجى ... سناه مثل القمر المتسق
وراحة تغار من سيولها ... سيول ودق وركام مطبق
ودوحة المجد التي أغصانها ... بها الأرامل ذو تعلق
فاق الرشيد وابنه في حلمه ... وعلمه ورأيه الموفق
وساد كعبا وابن جدعان وطا ... هرا وحاتما ببذل الورق
ولم يدع معنى لمعن في الندى ... ولم يكن كمثله في الخلق
مذ كان طفلا والسماح دأبه ... وغير مأخذ الثنا لم يعشق
نشأ في حجر الخلافة ومذ ... شب فتى بغيرها لم يعلق
فبايعته الناس طرا دفعة ... لم يك فيها أحد بالأسبق
وأعطيت قوس العلا من قد برا ... أعوادها رعاية للأليق
فصار فئ العدل في زمانه ... منتشرا مثل انتشار الشرق (١)
وشاد ركن الدين بالسيف وقد ... حار بتقواه رضا الموفق
وقد رقى في ملكه معارجا ... لم يك غيره إليها يرتقى
ورد أرواح المكارم إلى ... أجسادها بعد ذهاب الرمق
والسعد قد ألقى عصا تسياره ... بقصره وخصه بمعشق
يا ملكا ألوية النصر على ... نظيره بغربنا لم تخفق
طاب المديح فيكم وازدان لى ... فالفكر في بحر الثنا ذو غرق
لولاك كنت للقريض تاركا ... لعدم الباعث والمشوق
стр. 1559
وهى معروفة مطبوعة وقد شرحت في مجلدات، وأول من شرحها أبو عبد الله محمد الحريرى قاضيها المتوفى سنة ١٢٤٠ في نيف وتسعين كراسا، ثم الطاهر ابن العناية المكناسى المتقدمة ترجمته، ثم شرحها أديبا العدوتين أبو حامد المكى البطاورى الرباطى قاضيها وأبو العباس أحمد بن خالد الناصرى السلوى وكل منهما في مجلدين.
وكان ابن الونان ناظمها لما انتهى من نظمها قصد بها المترجم الممدوح بها، فتعذر عليه الوصول إليه، فتحين خروجه في بعض الأيام واعترضه في موكبه وصعد نشزًا عاليا من الأرض ونادى بأعلى صوته:
يا سيدى سبط النبى ... أبو الشمقمق أبى
فعرفه ﵀ وأمر بإحضاره بعد بلوغه إلى منزله فحضر وأنشده إياها فوقعت منه أحسن موقع فأجزل صلته، ورفع منزلته.
ومن شعره فيه قوله وقد أوقع بطائفة من الريف:
سعد الذى آوى لظلك طائعا ... وسعى لخدمتك السعيدة وابتدر
لم يشق إلا خائن متمرد ... نبذ الأمانة والشريعة مذ ختر
كبغاة أهل الريف لا قرت بهم ... عين ولا أسقى بلادهم المطر
شقت عصا الإسلام منهم فرقة ... سلك الغرور برأيها نهج الغرر
ضلوا عن النهج السوى ببغيهم ... فسطا بهم سيف الإمام وما ائتمر
ألقى عليهم من صواعق بنبه ... ما كاد يمحو العين منهم والأثر
ظنوا صياصيهم لهم وزرا وإذ ... خابت ظنونهم تنادوا لا وزر
طهرت بقتلهم البلاد من الأذى ... ولكم بهم قد كان فيها من قذر
стр. 1560
وله في مدحه قصيدة أخرى من البسيط على روى الدال يذكر فيها فتح ثغر الجديدة وإجلاء البرتغال عنها ويصف الحال، وهى طويلة وأخرى من الطويل على روى الحاء يعارض فيها قصيدة عوف بن محلم في عبد الله بن طاهر، وهى مشهورة كما قاله الجريرى في شرحه المذكور.
ومن شعره أيضا قوله على لسان الباب المواجه لقبة الضريح الإدريس بفاس الموالى لسوق المجادليين الذى بناه المترجم هناك وهو منقوش عليه:
بديع محاسنى زان العيونا ... وحسن شمائلى سحر الجفونا
وموطنى السعيد يفوح عطرا ... بذكر الله رب العالمينا
ومجدى ثابت لا ريب فيه ... بقطب الغرب كهف العابدينا
وردت مجادة لما كسانى ... وطرزنى أمير المومنينا
(محمد) الإمام أخو المزايا ... وبانى المجد بنيانا مكينا
أجاد أمينه (الصفار) صنعى ... وأحسن إذ تخيره أمينا
وتاريخى بشعبان جلى ... يدوم به هناء المسلمينا
ويقال: إن الصفار أعطاه على البيت المذكور هو فيه خمسمائة مثقال.
سفراؤه
الحاج الخياط عديل الفاسى، والطاهر بنانى الرباطى، والطاهر بن عبد السلام السلوى، وعبد الكريم راغون التطوانى، ومحمد الحافى، وعبد الكريم العمونى التطوانى، والمولى عبد الملك بن إدريس العلوى، ومحمد بن عثمان المكناسى، وأبو القاسم الزيانى، والقائد محمد الزوين بن عبد الله الرحمانى، والقائد الطاهر فنيش السلوى وغيرهم للدولة العثمانية.
стр. 1561
وأحمد الغزال الفاسى وابن عثمان المكناسى إسبانيا.
وعلى مرسيل الرباطى والطاهر فنيش لفرنسا
ومحمد الحافى، وابن عثمان لمالطة.
والرئيس العربى المستيرى الرباطى لانجلترا.
والحاج التهامى المدور الرباطى، وفى روضة الزيانى مدون وكلا البيتن موجود بالرباط، للسويد.
وابن عثمان لنابولى.
عماله
على فاس الحاج محمد الصفار، ثم ولده العربى، ثم المنكاد ثم عزله وأعاد العربى الصفار، ثم عزله وولى عبد السلام الجعيدى، ثم محمد بن حدو الدكالى فشدد في الأحكام على أهل الجرائم، وكان من أحسن العمال إلى أن وقع بينه وبين القاضى ابن شقرون خصام فعزلهما، وولى ولده المأمون خليفة فاس العليا، وجعل ثلاثة خلائف عنه من أهل فاس، ولما مات المأمون ولى العربى الصفار، وبعد سنة وجهه للمشرق سفيرا، وولى أخاه محمد الصفار وكان حازما ضابطا أحسن من أخيه، ثم بعد مدة جعل الأحكام مناوبة لقواد الصويرة إلى أن توفى.
وعلى الرباط على مرسيل، والعربى المستيرى، والحاج عبد الوهاب أشكلانطو.
وعلى تطوان عبد الكريم بن زاكور.
وعلى طنجة محمد بن عبد الملك الريفى لما قبض على صاحبها عبد الصادق ابن أحمد الريفى.
стр. 1562
وعلى العرائش ابن زاكور ثم نقله لطنجة، وكان عليها سنة ١١٧٩ الزيانى.
وعلى درعة الباشا سعيد بن العياشى.
وعلى تارودانت القائد الشيخ البخارى.
وعلى دكالة، وتامسنا، البوزرارى الجابرى، ثم محمد وعزيز.
وعلى شفشاون وقبائل غمارة والأخماس ونواحيهما الباشا العياشى.
وعلى الغرب الهاشمى السفيانى والحبيب المالكى.
وعلى آيت إدراسن ولد محمد وعزيز كبير البربر.
وعلى الشاوية عبد الله الرحمانى.
وعلى تادلا المولى إدريس بن المنتصر.
وعلى الشياظمة القائد محمد وبلا وأخوه أحمد.
وعلى سوس عبد الرحمن الوفريتى والباشا عبد النبى المنبهى.
نقباؤه على الأشراف
منهم المولى الرشيد بن عبد الهادى بن عبد النبى الدرقاوى الحسنى المتقدم الذكر في ظهير المترجم للشيخ التاودى في باب عطاياه وأحباسه، ومنهم الأشراف الاثنا عشر الذين أسند إليهم النقابة بفاس ونص ظهير ذلك بعد الحمدلة والصلاة:
"عن أمر عبد الله، المتوكل على الله، أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ثم الطابع بداخله: محمد بن عبد الله بن إسماعيل الله وليه ومولاه وبدائرته ومن تكن إلخ البيت، حرس الله جوانبه، وخلد في صفحات الدهر مزاياه ومناقبه، يستقر هذا المكتوب الكريم، المصحوب إن شاء الله باليمن والتعظيم، بيد حملته ساداتنا الشرفاء الأخيار الأنجاب، المذكورة أسماؤهم
стр. 1563
[صورة]
ظهير سيدى محمد بن عبد الله للنقباء الاثنى عشر
стр. 1564
عقب تاريخ هذا الكتاب، وجملتهم اثنا عشر، صانهم الله في الورد والصدر، يعلم منه أنه لما ثبتت لدينا نجدتهم، وتحققت عندنا ثقتهم وأهليتهم، قلدناهم بعون الله خطة النقابة على الأشراف بحضرة فاس القرويين عمرها الله.
وأذنا لهم في تصفح الرسوم الحادثة والقديمة، والبحث عن أصول المنتسبين للنسبة الطاهرة الكريمة، والاطلاع على ما في أيديهم من البينات والعقود، والنظر في الموجبات والشهود، وتصحيح النسبة وإبطالها بالموجب الشرعى، والوجه الواضح المرعى، على السنن المعروف، والنهج المعهود لمن قبلهم والمألوف.
وحسبهم أن يحكموا في ذلك بالظاهر، والله سبحانه يتولى السرائر، وعليهم حفظهم الله بالتثبت واتباع الشريعة ونبذ الشهوات، وإمعان النظر فيما يرجع للخطة المذكورة من الجزئيات والكليات، وكل من أثبتوه أثبتناه، ومن نفوه نفيناه، استنادا منا لأمانتهم وحسبهم، واعتمادا على ديانتهم وشريف نسبهم، تقليدا تاما صحيح المبنى، شاملا لجميع من كان من أهل فاس بالأصالة أو بالسكنى، ونأمر أهل الدعوات الذين يدعون هذه النسبة الشريفة ويزعمونها أن يتكلموا معهم فيها ويعملوا بقولهم، ولا يخرجوا عن رأيهم وحكمهم، ومن نازعهم فيما قلدناهم، أو عارضهم فيما وليناهم، فليكن من العقوبة على وعد إن شاء الله، وحسب الواقف عليه من القضاة، والحكام والولاة، أن يعمل بمقتضاه، ولا يتعدى ما أبرمه أمره الشريف وأمضاه، والسلام وفى أواخر جمادى الأولى من عام واحد وسبعين ومائة وألف.
ذكر السادات الشرفاء الموعود بذكرهم صدر الكتاب:
مولاى عبد المالك بن مولاى أحمد الحسنى العمرانى الجوطى، مولاى عمر ابن مولاى حم الحسنى الجوطى، مولاى الطب بن مولاى حفيد الحسنى الجوطى، ولد عمه مولاى عبد الله بن عبد الرحمن الحسنى الجوطى، مولاى هاشم بن
стр. 1565
مولاى عبد الواحد الطاهرى الحسنى الجوطى، ولد عمه مولاى على بن التهامى الجوطى، مولاى محمد بوغالب بن العربى الحسنى الجوطى، مولاى عبد الهادى ابن عبد الرحمن عرف بالدباغ، مولاى الفضيل بن محمد الكتانى الحسنى، مولاى أحمد بن مولاى إدريس الطاهرى الصقلى الحسينى من أهل النعال الشريفة، مولاى حفيد بن مولاى محمد الصقلى الحسينى، مولاى أحمد بن مولاى إدريس العراقى الحسينى، وبه تم بتاريخ الكتاب يسرته".
نظاره
منهم ناظره على جميع الزوايا القادرية وأوقافها بالمغرب المولى الطيب ابن على القادرى وقد تقدم في ترجمته الظهير المتولى به على ذلك.
ومنهم ناظره على الرباط الحاج المكى بركاش تولاها سنة ١١٨٥.
ومنهم ناظره على مكناسة الحاج الطيب المسطاسى وقد تقدمت لك بعض الوثائق الدالة على ذلك والمحاسبات التي أوقعها فيما بيده ومما وقفت له عليه في هذا الباب ما نصه:
"تقييد محاسبة الناظر السيد الحاج الطيب المسطاسى فيما دخل عليه من مستفاد المسجد الأعظم من محروسة مكناسة وأوقاف السور ومسجد مولانا إسماعيل، ومسجد الأزهر، وأوقاف المساكين، وروضة مولاى عبد الله بن أحمد عن مدة من أربعة عشر شهرا أولها المحرم فاتح عام اثنين ومائتين وألف وآخرها شهر صفر من عام ثلاثة ومائتين وألف: ".
جملة الداخل أربعة آلاف مثقال ومائتا مثقال ثنتان وسبع وثمانون أوقية واثنان وعشرون فلسا:
стр. 1566
فمن أوقاف المسجد الأعظم ألف مثقال واحد وستمائة مثقال وخمسة وعشرون مثقالا وخمس أواقى وستة عشر فلسا.
ومن أوقاف مسجد الأزهر ستمائة مثقال وتسعة وخمسون مثقالا وأوقيتان.
ومن أوقاف المساكين خمسمائة مثقال وأربعة وتسعون مثقالا وثمان أواقى وأربعة أفلس.
يضاف لذلك ما دورك عليه في المحاسبة قبل هذه ألف مثقال وواحد وأربعون مثقالا وخمس أواقى ونصف وثمانية أفلس اجتمع في الداخل المذكور والمدرك خمسة آلاف مثقال ومائتا مثقال ثنتان وخمسون مثقالا وأوقيتان وثلاثة أرباع الأوقية وستة أفلس والداخل المذكور في المشاهرة ومسانهة جامع الأزهر فقط".
"الحمد لله تقييد الصائر في المدة المذكورة أعلاه عن المرتب وسائر الكنانيش: جملته خمسة آلاف مثقال ومائة مثقال واثنان وثلاثون مثقالا وست أواقى إلا ربع أوقية.
فمنه في مرتب المسجد الأعظم ثمانمائة مثقال وسبعة وستون مثقالا دراهم.
ومنه في مرتب مسجد مولانا إسماعيل وضريحه ومسجد قصبة هدراش ومدارس القصبة السعيدة، ومرتب الشريف الضرير، والفقيه السيد محمد بن المهدى المدرس بالزاوية الإدريسية ألف مثقال وأحد وثلاثمائة مثقال واثنان وثمانون مثقالا وأوقية.
ومنه في مرتب مسجد الأزهر ومدرسته وما صار في إصلاح رباعه ومرتب السيد عثمان التازروتى ستمائة مثقال وسبعون أوقية.
ومنه في صائر الكنانيش على إصلاح الرباع وأجرة الناظر على الداخل والخارج وأجرة المحاسبة ألف مثقال واحد وثمانمائة واثنان وتسعون مثقالا وثلاث أواقى.
стр. 1567
ومنه في صائر حبس المساكين وروضة مولاى عبد الله بن أحمد ثلاثمائة مثقال وتسعون مثقالا وخمس أواقى إلا ربع.
يسقط من الداخل الصائر المذكور يبقى مدركا عليه لجانب الحبس مائة مثقال واحدة وسبعة عشر مثقالا وسبع أواقى، وجميع الداخل والخارج المذكوران أعلاه مبين جميعه في أصل المحاسبة التي تحت يد الناظر فمن أراد تفصيله فليقف عليها".
ومنهم الحاج سعيد بن الحاج العربى بن الصغير الفيلالى، وقفت على دفتر صائره على الأحباس ابتداء من سنة ١١٨٧ إلى سنة ١١٩٢ على بتر وقع في أوله وآخره وصف فيه المذكور بالنظارة وذكرت فيه الصوائر بشهادة عدلين كل نصف شهر على حدة، وهى في المدة تختلف من ألفى أوقية وخمسمائة أوقية ارتفاعا إلى مائتى أوقية ونيف نزولا وعلى الدفتر خطاب "محمد المكى بن محمد المزوار بمكناسة" بخطه، وفيه محاسبة الأمناء الثلاثة الحاج العياشى بن محمد حميش، والشافعى بن عبد الله بادو، والحاج قاسم بن عبد السلام بن مومو الناظر المذكور بما لهم من النظر في الأحباس بالأمر المولوى على بعض ما تحصل في يده من مال الأحباس، وكان ينوب عنه إذا غاب الحاج الهادى غريط.
ومن نظاره السيد على مرسيل، كان على المسجد الأعظم بالرباط ولا زال توقيته بيد أحفاده إلى الآن، ولما مات أسند ذلك إلى والده ونص الظهير الذى أصدره بذلك لأمناء العدوتين وفيه الأمر بالوقوف في إحصاء مستفاد موازين البلدتين وما أضيف إليها بعد الحمدلة والصلاة والتوقيع السلطانى بخطه أعلاه وهو "وعلى هذا يكون العمل":
"كافة خدامنا أمناء ثغر سلا والرباط، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فالذى يكون عليه عملكم في موازين سلا والرباط أن يقف أربعة من أمناء
стр. 1568
سلا مع الطالبين الواردين من حضرتنا العلية بالله عليكم، وهما الطالب المأمون عليش وولد أخ الطالب عبد الرحمن الكدميوى على إحصاء مستفاد موازين الرباط، وما هو مضاف إليها إحصاء ضابطا.
ويقف أربعة من أمناء الرباط مع الطالبين المذكورين أيضا على إحصاء مستفاد موازين ثغر سلا وما هو مضاف إليها أيضا من رحاب وغيرها، بحيث لا يغيب عنكم من ذلك كله شاذة ولا فاذة، وحين يتم شهر شعبان أخبرونا بما استفيد من كل مدينة في الشهر المذكور لنكون على خبرة بجميع ذلك، وولد خديمنا على مرسيل الكبير وليناه ما كان بيد أبيه يقف عليه كما كان أبوه وحتى المسجد يبقى ناظرا عليه كما كان أبوه قبله، ورتبنا له عشر موزونات عن كل يوم، ويقف في خدمتنا بالمرسى وغيرها والسلام في سابع عشرين رجب ١١٨٨".
ونص ما أصدره في ولاية السيد أحمد ولد المذكور التوقيت بجامع السنة الذى أحدثه المترجم بآكدال الرباط بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"يستقر هذا الظهير الكريم، المقابل بالإجلال والتعظيم، بيد ماسكه خديمنا الطالب أحمد ولد خديمنا الطالب على مرسيل الرباطى، يعلم منه أننا وليناه التوقيت بمسجد جامع السنة وكلفناه به من غير معارض يعارضه ولا منازع ينازعه، وأنعمنا عليه بقبض ثلاثين أوقية في كل شهر من الحبس إنعاما كليا، صدر أمرنا بهذا في ٧ محرم الحرام فاتح اثنى عشر مائة ١٢٠٠".
ونص آخر بعد الحمدلة والتوقيع السلطانى وهو "أوقية ٣٠":
"ليعلم من كتابنا هذه أسماه الله أننا أذنا لناظر الأحباس برباط الفتح أن يدفع لأولاد السيد مرسيل من مال أحباس رباط الفتح زيادة على ما يقبضونه ثلاثون أوقية عن كل شهر من شهر المحرم المؤرخ به والسلام وفى ٢٢ محرم الحرام فاتح ١٢٠١".
стр. 1569
ونص آخر بعد الحمدلة والتوقيع بـ "١٢٠٢":
"نأمر خديمنا أولاد مرسيل أن يمكنا لخديمنا الزوين المكانتين الاثنتين اللتان إحداهما فيها السفن والأخرى التي فيها النصرانى يدق على أطرافها فالتى فيها السفن ستفاها في صندوقها والأخرى تبقى على تستافها ٣".
ومن نظاره الحاج التهامى بن يحيى السوسى السلوى ولاه النظر في سائر مساجد سلا، وأوقافها مع نيابة بيت المال في إرث المنقطعين وغير ذلك ونص ظهير ولايته بعد الحمدلة والصلاة:
"عن الأمر العلى العلوى، الإمامى المولوى، الفاطمى المؤيدى أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين (ثم الطابع بداخله محمد بن عبد الله بن إسماعيل الله وليه).
أيد الله أمره، وأبّد في معالم السعادة فخره ونصره، هذا ظهير ظهرت عليه آثار الإجلال، وتكاملت لديه عساكر الإفضال، يتعرف منه بسابغ يمن الله وطوله أن حامله الطالب الحاج التهامى بن يحيى السوسى أصلا السلوى دارا، وليناه النظر في سائر مساجد ثغر سلا المحفوظ بالله وفى جميع المواضع المحبسة عليها جليلها وحقيرها، بحيث لا يشذ عن نظره شئ منها، وكذلك جعلنا له التولية على إرث المنقطعين الذى يستحقه بيت مال المسلمين عمره الله، كما جعلنا له قبض مستفاد غلات أملاك ابن عزور الكائنة بثغر سلا، وقصرنا عليه النظر في ذلك كله، وكلامه منه إلينا وعليه بضبط الجمع وإصلاح كل ما يحتاج إلى الإصلاح من المساجد ورباعها والوقوف على ذلك جهد استطاعته، بحيث لا يعتريه كسل ولا ملل، وغليه بتقوى الله ومراقبته فيما وليناه عليه وحسب الواقف على هذا المسطور الكريم من خدامنا أن يعمل بمقتضاه ولا يتعداه، والله يصلحه ويوفقه لصالح العمل، والسلام سابع شعبان المعظم عام ١١٨٠".
стр. 1570
[صورة]
ظهير سيدى محمد بن عبد الله بإسناد نظارة سلا للحاج التهامى السوسى
стр. 1571
ووقفت له على ظهير شريف بالأمر بمحاسبة أولاد ساسى السلويين عما كان بيد والدهم السيد العربى ساسى من مال الأحباس بحضور القائد عبد الحق فنيش ونصه بعد الحمدلة والطابع:
"حملة كتابنا الكريم، المتمسكون بخطابنا الجسيم، السيد عبد الله ولد الصائر لعفو الله السيد العربى ساسى السلاوى وولد أخيه سيدى محمد بن محمد ساسى أسدلنا عليهم أردية الاحترام، وجعلناهم على كاهل المبرة والإكرام، بحيث لا يضرب إليهم أحد ساحة، ولا يقرب إليهم مساحة، ومن اهتضم لهم حرمة يخاف على رأسه، وقد أبرأناهم من متخلف الحاج محمد بن يوسف وعلال بن مبارك والزعرى من حراطين سلا فقد أديا ما وجب عليهم لبيت المال عمره الله حسبما تضمنته الرسوم التي بأيديهم ولم تبق عليهم تباعة، ومن كانت له دعوى عليهم فليسلك معهم الشريعة، وإن كانت لهم دعوى على أحد فليصحبهم للشرع الكريم.
ونأمر قاضى مدينة سلا حرسها الله السيد عيسى، والفقيه السيد محمد ملاح، وعدول الصائر أن يحاسبوهم بحضور خديمنا القائد عبد الحق على ما كان بيد والدهم من مال الأحباس وما أبرزته الحاسبة من وفر يجعل في مصارفه وفى ثانى شعبان المبارك عام اثنين وسبعين ومائة وألف".
ومن نظاره السيد محمد فتحا بن محمد ساسى كان على أوقاف المسجد الأعظم بثغر سلا، حسبما جاء بوثيقة شرائه الموطأ بالنيابة عن المسجد من الكاتب السيد الطاهر بن عبد السلام ونص ذلك بعد الحمدلة:
"اشترى الناظر على أوقاف المسجد الأعظم من مدينة سلا أمنها الله تعالى سيدى محمد بن البركة الأجل سيدى محمد ساسى، وهو نائب في الشراء ودفع الثمن عن المسجد المذكور، ولا حق له في ثمن ولا مثمن من البائع له الفقيه
стр. 1572
الأجلّ العلامة السيد الطاهر بن الأبر السيد الحاج على بن عبد السلام جميع المجلد المحتوى على موطأ الإمام سيدنا مالك بن أنس رضى الله عنه المكتوب هذا على أول ورقة منه للحاجة إليه اشتراء تاما، بثمن قدره له ثلاثون أوقية دراهم سكة تاريخه، قبض البائع المذكور جميع الثمن دراهم عينا معاينة، وأبرأه من ذلك القبض أتم إبراء، وتملك المشترى للمشترى له المذكور تملكا تاما وحازه بالدرك عرفا قدره شهد به عليهما من أشهداه بأكمله وعرفهما في الثانى عشر من جمادى الثانية عام أربعة وسبعين ومائة وألف".
ومنهم السيد محمد بن أحمد الشامى المدعو النقيب، كان ناظرا على مسجد القرويين، ورد ذكره كذلك بدفتر الأحباس المكناسية.
ومنهم الشيخ أبو مدين الفاسى أسند إليه النظارة وغيرها بزاوية جده سيدى عبد القادر بفاس، حسبما مر ظهير ذلك في باب اعتنائه بالعلم وأهله.
أولاده
وكان له ﵀ عدة أولاد أكبرهم أبو الحسن على خليفته على فاس المتوفى سنة ١١٩٧، وأشقاؤه المأمون خليفة فاس المتوفى سنة ١٢٠٠، وهشام أحد المبايعين من أولاده بعده وعبد السلام مؤلف درة السلوك واقتطاف الأزهار، أمهم ربة الدار العلية المولاة فاطمة بنت عمه المولى سلمان بن إسماعيل.
ثم سليمان السلطان وشقيقاه الطيب خليفة أخيه على مراكش وقائد جيوشه وموسى أمهم حرة من الأحلاف.
ويزيد السلطان ومسلمة أحد المبايعين، وشقيقتهما السيدة حبيبة زوج ولد الشريف سرور شريف مكة، وقد ردها أخوها اليزيد لما مات الزوج كما عند الضعيف، أمهم شهرزاد علجة من سبى الإسبان.
стр. 1573
والحسين أحد المبايعين وعبد القادر أمهما من الأحلاف.
والحسن وعمر أمهما من الأحلاف أيضا
وعبد الواحد أمه حرة من أهل رباط الفتح.
وعبد الرحمن أمه حرة من هوارة السوس.
وعبد الله أمه حرة من عرب بنى حسن.
وإبراهيم أمه علجة رومية.
ومن أولاده أيضا أحمد والتهامى.
ومن بناته بنت كانت عند المولى عبد الملك بن إدريس وهى التي تشفعت له عند أخيها المولى سليمان، ومنهن السيدة لبابة وقفت على كتاب للسلطان سيدى محمد بن عبد الرحمن أيام خلافته قبل ولايته بعثه للقائد الجيلانى بن بوعزة جوابا عن كتابه في الإعلام بوفاتها ونصه بعد الحمدلة والصلاة:
"وصيف مولانا الأرضى القائد الجيلانى بن بوعز أعانك الله وأصلحك وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير سيدنا أيده الله.
وبعد: فقد بلغنا كتابك مخبرا بوفاة عمة سيدنا لال لبابة قدس الله روحها نسأل الله أن يجعلها ممن قدم صالحا، وسعى سعيا رابحا، والله يعينك والسلام في ٢٦ من شوال عام ١٢٥٩ ثم الطابع سفل الكتاب فيه "محمد بن أمير المؤمنين وفقه الله".
مؤلفاته
منها كتاب (الفتوحات الإلهية، في أحاديث خير البرية، التي تشفى بها القلوب الصدية)، في مجلد جمع فيه ما اتفق عليه الأئمة الستة أبو حنيفة
стр. 1574
والشافعى وأحمد والبخارى ومسلم ومالك، يذكر أولا ما اتفق عليه الستة، ثم ما اتفق عليه خمسة منهم، ثم ما اتفق عليه أربعة، ثم ما اتفق عليه ثلاثة، ثم ما اتفق عليه اثنان، ثم ما انفرد به كل واحد من الأئمة الأربعة، ثم ثنائيات البخارى ومسلم، والتزم تقديم أكبر الأئمة سنا في الذكر مقتصرًا في الأسانيد على ذكر الصحابى.
ثم ختم بذكر مناقب آل البيت، والعشرة، ومن استشهد منهم ووفياتهم رضى الله عنهم، وافتتحه بعقيدة ابن أبى زيد القيروانى التي صدر بها رسالته، وأول حديث فيه إنما الأعمال وإن كان رباعيا لأن الأعمال كما قال كلها موقوفة عليه، وذكر آخر كل فصل من الفصول المذكورة عدد ما اشتمل عليه من الأحاديث فكانت جملة أحاديث الكتاب ١٥١٦ حديثا.
وعقد آخر الكتاب بعد ذلك فصلين أحدهما فيه معنى قوله في ترجمة الكتاب "قال محمد بن عبد الله المالكى مذهبا الحنبلى اعتقادا"، والثانى ذكر فيه اعتقاده في الأئمة الأربعة فذكر في الأول: "أن الإمام أحمد ثبت الله المسلمين بثبوته سد طريق الخوض في علم الكلام، وقال: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا ترى أحدًا ينظر في علم الكلام إلا وفى قلبه مرض، وهجر أبا عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى وكان ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن وذلك لتصنيفه كتابا على المبتدعة، وقال له: ويحك ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة والتكلم فيه! فيدعوهم ذلك إلى الرأى والبحث، فاختفى المحاسبى، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة، وإلى ذلك ذهب الشافعى ومالك وسفيان وأهل الحديث قاطبة، حتى قال الشافعى رضى الله عنه: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشئ من الكلام، فلزم السكوت عن الخوض في علم الكلام إلى أن نبغ الإمام الأشعرى فاشتغل يرد على
стр. 1575
المعتزلة أقوالهم الفاسدة ويجيب عن آرائهم الواهية، فأتبعه المالكية على ذلك وسموه ناصر السنة، وهو ومن تبعه على صواب، موافقين في اعتقادهم للسنة والكتاب، لا في الخوض مع الخائضين، والتصدى لذكر شبه المبطلين، وتخليدها في الأوراق إلى يوم الدين.
وأما الحنابلة فأنكروا عليه، وفوقوا سهام الانتقاد إليه، وقالوا له: كان ينبغى لك أن تسكت كما سكت الأئمة قبلك من السلف الصالح المهتدين الذين يرون أن الخوض في علم الكلام من الباع المحدثة في الدين، أمَالَكَ فيهم أسوة؟ أفلا وسعك ما وسعهم من السكوت عن تلك الهفوة؟ فطريق الحنابلة في الاعتقاد سهلة المرام، منزهة عن التخيلات والأوهام، موافقة لاعتقاد الأئمة كما سبق مع السلف الصالح من الأنام، أعاشنا الله على ما عاشرا عليه، وأماتنا على ما ماتوا عليه، بجاه النبى وآله".
وذكر في الثانى أن اتباع كل إمام من الأئمة الأربعة يعظمونه ويذكرون أحاديث وردت عن النبى ﷺ فيه ويزعمون أن من تمسك بمذهبه فقد تمسك بالعروة الوثقى ويرجحون مذهبه على سائر المذاهب قال: "وأنا أقول قد صدق الجميع من أئمة الهدى المذكورين أعاشنا الله على هديهم وطريقهم بجاه النبى وآله إلا في كلمة واحدة، وهى كلمة الترجيح، لأن اعتقادى في الأئمة الأربعة أنهم على هدى وكلهم على التساوى لا يرجح أحدهم على الآخر، وكل من تمسك بمذهب من مذاهبهم فقد تمسك بالعروة الوثقى، فكلهم والحمد لله آخذون بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأقول: هم الخلفاء الأربعة على أمة رسول الله ﷺ ، فجعل أبا حنيفة خليفة أبى بكر، ومالكا خليفة عُمر، والشافعى خليفة عثمان، وأحمد خليفة على رضوان الله على الجميع.
стр. 1576
وقد فرغ من تأليف هذا الكتاب الذى لم يسبقه إليه أحد من أئمة الحديث المبرزين على هذا الصنيع العجيب في جمادى الثانية عام ١١٩٨.
ومنها كتاب (الجامع الصحيح الأسانيد، المستخرج من ستة مسانيد) وهو مرتب على أبواب الفقه مبين فيه عقب كل باب ما فيه من الأحاديث مفصول الكتب التي هى فصوله بالبسملة على عادة قدماء المحدثين، وذكر في آخره الفصلين المتقدمين في شرح قوله الحنبلى اعتقادا مذهبا، وبيان اعتقاده في الأئمة، وختمه بذكر اشتغاله بالحديث وكيف استخرج مصنفاته فيه وإدخاله المسانيد الثلاثة للمغرب فقال:
"إن من أعظم نعم الله على، وأجل مننه لدى، أن وفقنى للاشتغال بالعلم والبحث عنه والمذاكرة لأهله، وإنى بعد ما خضت في علم اللغة برهة من الزمان، وحفظت من كلام العرب وأشعارهم جملة صالحة معينة على فهم السنة والقرآن، اشتغلت بعلم الحديث فاعتكفت على قراءة صحيح الإمام أبى الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى، ومراجعة صحيح الإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، وموطأ الإمام مالك بن أنس إلى أن ورد على مسند الإمام أبى حنيفة النعمان بن ثابت فقرأته حتى ختمته والحمد لله.
ثم بعثنى الحديث الوارد عن الرسول ﷺ من حفظ على أمة الأربعين حديثا من دينها حسبما سبق ذكره في طالعة هذا الكتاب على تأليف جملة من الأخبار، من غير تطويل ولا استكثار، فألفت كتاب (الفتوحات الصغرى) معتمدا في ذلك على المسانيد المذكورة: مسند الإمام أبى حنيفة، ومسند الإمام مالك المسمى بالموطأ، ومسند الإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، ومسند الإمام أبى الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى.
стр. 1577
ولما أراد الله تعالى إكمال منته، وإتمام نعمته، وجزيل عطيته، ورد علينا مسند الإمام أبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعى، ومسند أمير المؤمنين في الحديث الإمام أحمد بن حنبل فاعتكفت على قراءتهما، ودأبت على مطالعتهما ومراجعتهما، فبعثنى صدق النية، وفرط محبتى للسنة النبوية، على جمع عيون من كلام خير البرية وسلكت فيها مسلكا لم أسبق إليه، ونسجت على منوال لم نر من نسج عليه، وسميته (الفتوحات الكبرى) فجاء بحمد الله كتابا بديع التصنيف حسن الترتيب والترصيف، يعد في المسندات.
ثم بَدَا لى أن أجمع أربعمائة حديث من مسانيد الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبعة، خاصة بهم دون غيرهم مائة حديث لكل واحد منهم، فأعدت قراءة المسانيد المذكورة مرة أخرى واستخرجت منها على الوجه المذكور كتاب (الجامع الصحيح الأسانيد) ثم ظهر لى أن أجمع هذه المصنفات الثلاثة التي هى الفتوحات الصغرى والفتوحات الكبرى والجامع الصحيح الأسانيد وأضم بعضها إلى بعض، وأرتبها على أبواب الفقه وأضيف إليها من حديث الأحكام، ما يكمل به الغرض والمرام، مأخوذا ذلك كله من الكتب الستة المذكورة التي هى مسند الإمام أبى حنيفة النعمان بن ثابت، ومسند الإمام مالك بن أنس المسمى بالموطأ، ومسند الإمام محمد بن إدريس الشافعى، ومسند أمير المؤمنين في الحديث الإمام أحمد بن حنبل، ومسند الإمام سيدى محمد بن إسماعيل البخارى، ومسند الإمام أبى الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى.
فأضفت ذلك كله بعضه إلى بعض، ورتبته على أبواب الفقه وفصوله، ليسهل أخذ الحكم من قواعده وأصوله، وسميته كما تقدم بالجامع الصحيح الأسانيد، المستخرج من ستة مسانيد، فجاء بحمد الله كتابًا بديعا نافعا، ولما يحتاجه الطالب من أدلة الحلال والحرام جامعا، جعله الله خالصا لوجهه الكريم، ومقربا من رضوانه العميم".
стр. 1578
ومن مؤلفاته كتاب (مواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان) قال في أوله "لما كان غالب اعتناء طلبة الوقت بحفظ القرآن والتفنن في قراءته بالروايات، وإهمالهم ما فرضه الله على الأعيان مما يدان به من علم العبادات والاعتقادات، وإن كان فضل كتاب الله مأثورا، ومقام حفاظه بين أولياء الله مشهورا، لكن لامع الجهل بما يعبد الله به من ضرورى الدين، فإنه على الموصوف بهذه الصفة حجة في كل حين، لأن المقصود الأهم من حفظ القرآن، هو تعلم أحكام الدين التي بها الله يدان، إذ مجرد حفظ مجموعة فرض كفاية بلا ارتياب، ومعرفة ما تبرأ به الذمة فرض عين وإيجاب".
ثم قال: "وكنت لقيت حال سفرى من مكناسة إلى مراكش سنة ١٢٠٣ ثلاث بعد المائتين والألف من الأساتيذ الجم الكثير، وألفيت كل من اختبرت منهم لم يتمسك من علم دينه بقطمير، حملنى ذلك لما انطوى عليه الفؤاد من حب النصح للمسلمين، أن أجمع لهم مسائل مهمة من علم أمور الدين، قريبة المقاصد، شهيرة الموارد، مقتصرا فيها على الضرورى ليسهل حفظه على الصبيان وهى أيضا نافعة لمن اقتصر عليها في دينه من الشيوخ والكهول والشبان، راغبا بذلك في محصول قوله ﷺ فيما أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الخير الناس، وما رواه ابن ماجه من أنه ﷺ قال: أفضل الصدقات أن يتعلم المرء المسلم العلم ثم يعلمه أخاه المسلم".
وقد أوقف ﵀ مؤلفاته وبالأخص المسانيد على خزائن المشرق والمغرب، وأوقف على تدريسها أوقافا وشرحها غير واحد من الأعلام، وذكر الضعيف في تاريخه أن شيخه ابن أبى القاسم السجلماسى الرباطى ختم كتاب الفتوحات المذكور في متم جمادى الثانية ١٢٠٠ وابتدأ البخارى عقبه أرشد الله
стр. 1579
إمامنا لإحياء مآثر سلفه الصالح وألهمه طبع هذه الكتب القيمة ونشرها بين الناس.
وفاته
أصيب برد الله ثراه عند خروجه من مراكش للنظر في أمر ولده اليزيد المعتصم بجبل العلم بمرض خفيف تزايد به في الطريق، فلما وصل عين الحمارة بين وادى "الشراط ووادى يكم من أعمال الرباط أدركته منيته، وهو في محفته على نحو نصف يوم من الرباط بعد العشاء من ليلة الاثنين السادس والعشرين من رجب عام ١٢٠٤ (١) ودفن عشية يومه كذا ببعض التقاييد، وقيل: إنه مات يوم الأحد الرابع والعشرين منه وحمل لداره بالرباط حيث دفن بإحدى قبابها بحضور الفقهاء والعلماء والشرفاء والطلبة، وصلى عليه العلامة محمد بن أبى القاسم السجلماسى وضريحه هناك مشهور.
ولخاتمة الحفاظ المحدثين بالديار المشرقية الشيخ محب الدين أبى الفيض السيد مرتضى الحسينى الواسطى الزبيدى الحنفى صاحب شرحى الإحياء والقاموس وغيرهما يرثيه ويهنئ بالملك ولده المولى اليزيد رحم الله الجميع بمنه:
وجدى يجد وحسرتى تتجدد ... وطويل حزنى وافر لا ينفد
ومصيبتى ذهبت بكل جلادتى ... وذهبت لا أقوى ولا أتجلد
وأسى أقام وإننى من قبله ... ما كنت أعلم ما المقيم المقعد
ما لى أرى بعد النباهة والنهى ... بين المعالم باهتا أتبلد
سيان عندى عاذر ومعنف ... ومحسن ومقبح ومفند
حجبت وجوه الرأى دون تصبرى ... والرشد قل لى كيف ويحك أرشد
стр. 1580
لله غرب مدامعى شققته ... لو كان ينفع غلتى ويبرد
يا صاح عذرًا إن عصيتك في العزا ... مالى بذاك لا لسان ولا يد
يهنيك سيل الدمع قد بلغ الزبى ... وأنقدنى الجوف القوى والأكبد
وقد التقت حلق البطان فلا تلم ... لا أمس أمس ولا غد عندى غد
فصمت عرا الصبر الجميل وخاننى ... ما كنت تعلم يا فلان وتعهد
كبد مفتتة وجسم ناحل ... وهوامع تجرى وقلب مكمد
يا دهر بع رتب المعالى كلها ... مات الشريف ابن الشريف (محمد)
أعنى أمير المؤمنين وعصمة الـ ... ـمجد المكين المستغاث المسند
ملك الملوك الصالحين وحرزهم ... بيت القصيد المرتجى والمقصد
نجل الملوك الطاهرين رءيسهم ... تاج الأئمة والفخار الأوحد
الصالح البر التقى العالم ... الورع الولى العابد المتهجد
الحازم اليقظ (١) الذكى اللين الـ ... خشن الرضا المتنمر المتأسد
الناسك القرم الوفى بعهده ... القانت الحبر الحفى الأسعد
ملك المغارب سيد الصيد (٢) الجحا ... جح (٣) من قصى والكريم الأمجد
ابن النبوءة والمروءة من سما ... وزكا وطاب غراسه والمحتد
حلت عزائمها الغمام على ثرى ... فيه استقل ضريحه والملحد