← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وقد فرغ من تأليف هذا الكتاب الذى لم يسبقه إليه أحد من أئمة الحديث المبرزين على هذا الصنيع العجيب في جمادى الثانية عام ١١٩٨. ومنها كتاب (الجامع الصحيح الأسانيد، المستخرج من ستة مسانيد) وهو مرتب على أبواب الفقه مبين فيه عقب كل باب ما فيه من الأحاديث مفصول الكتب التي هى فصوله بالبسملة على عادة قدماء المحدثين، وذكر في آخره الفصلين المتقدمين في شرح قوله الحنبلى اعتقادا مذهبا، وبيان اعتقاده في الأئمة، وختمه بذكر اشتغاله بالحديث وكيف استخرج مصنفاته فيه وإدخاله المسانيد الثلاثة للمغرب فقال: "إن من أعظم نعم الله على، وأجل مننه لدى، أن وفقنى للاشتغال بالعلم والبحث عنه والمذاكرة لأهله، وإنى بعد ما خضت في علم اللغة برهة من الزمان، وحفظت من كلام العرب وأشعارهم جملة صالحة معينة على فهم السنة والقرآن، اشتغلت بعلم الحديث فاعتكفت على قراءة صحيح الإمام أبى الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى، ومراجعة صحيح الإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، وموطأ الإمام مالك بن أنس إلى أن ورد على مسند الإمام أبى حنيفة النعمان بن ثابت فقرأته حتى ختمته والحمد لله. ثم بعثنى الحديث الوارد عن الرسول ﷺ من حفظ على أمة الأربعين حديثا من دينها حسبما سبق ذكره في طالعة هذا الكتاب على تأليف جملة من الأخبار، من غير تطويل ولا استكثار، فألفت كتاب (الفتوحات الصغرى) معتمدا في ذلك على المسانيد المذكورة: مسند الإمام أبى حنيفة، ومسند الإمام مالك المسمى بالموطأ، ومسند الإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، ومسند الإمام أبى الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى.

стр. 1577

ولما أراد الله تعالى إكمال منته، وإتمام نعمته، وجزيل عطيته، ورد علينا مسند الإمام أبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعى، ومسند أمير المؤمنين في الحديث الإمام أحمد بن حنبل فاعتكفت على قراءتهما، ودأبت على مطالعتهما ومراجعتهما، فبعثنى صدق النية، وفرط محبتى للسنة النبوية، على جمع عيون من كلام خير البرية وسلكت فيها مسلكا لم أسبق إليه، ونسجت على منوال لم نر من نسج عليه، وسميته (الفتوحات الكبرى) فجاء بحمد الله كتابا بديع التصنيف حسن الترتيب والترصيف، يعد في المسندات. ثم بَدَا لى أن أجمع أربعمائة حديث من مسانيد الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبعة، خاصة بهم دون غيرهم مائة حديث لكل واحد منهم، فأعدت قراءة المسانيد المذكورة مرة أخرى واستخرجت منها على الوجه المذكور كتاب (الجامع الصحيح الأسانيد) ثم ظهر لى أن أجمع هذه المصنفات الثلاثة التي هى الفتوحات الصغرى والفتوحات الكبرى والجامع الصحيح الأسانيد وأضم بعضها إلى بعض، وأرتبها على أبواب الفقه وأضيف إليها من حديث الأحكام، ما يكمل به الغرض والمرام، مأخوذا ذلك كله من الكتب الستة المذكورة التي هى مسند الإمام أبى حنيفة النعمان بن ثابت، ومسند الإمام مالك بن أنس المسمى بالموطأ، ومسند الإمام محمد بن إدريس الشافعى، ومسند أمير المؤمنين في الحديث الإمام أحمد بن حنبل، ومسند الإمام سيدى محمد بن إسماعيل البخارى، ومسند الإمام أبى الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى. فأضفت ذلك كله بعضه إلى بعض، ورتبته على أبواب الفقه وفصوله، ليسهل أخذ الحكم من قواعده وأصوله، وسميته كما تقدم بالجامع الصحيح الأسانيد، المستخرج من ستة مسانيد، فجاء بحمد الله كتابًا بديعا نافعا، ولما يحتاجه الطالب من أدلة الحلال والحرام جامعا، جعله الله خالصا لوجهه الكريم، ومقربا من رضوانه العميم".

стр. 1578

ومن مؤلفاته كتاب (مواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان) قال في أوله "لما كان غالب اعتناء طلبة الوقت بحفظ القرآن والتفنن في قراءته بالروايات، وإهمالهم ما فرضه الله على الأعيان مما يدان به من علم العبادات والاعتقادات، وإن كان فضل كتاب الله مأثورا، ومقام حفاظه بين أولياء الله مشهورا، لكن لامع الجهل بما يعبد الله به من ضرورى الدين، فإنه على الموصوف بهذه الصفة حجة في كل حين، لأن المقصود الأهم من حفظ القرآن، هو تعلم أحكام الدين التي بها الله يدان، إذ مجرد حفظ مجموعة فرض كفاية بلا ارتياب، ومعرفة ما تبرأ به الذمة فرض عين وإيجاب". ثم قال: "وكنت لقيت حال سفرى من مكناسة إلى مراكش سنة ١٢٠٣ ثلاث بعد المائتين والألف من الأساتيذ الجم الكثير، وألفيت كل من اختبرت منهم لم يتمسك من علم دينه بقطمير، حملنى ذلك لما انطوى عليه الفؤاد من حب النصح للمسلمين، أن أجمع لهم مسائل مهمة من علم أمور الدين، قريبة المقاصد، شهيرة الموارد، مقتصرا فيها على الضرورى ليسهل حفظه على الصبيان وهى أيضا نافعة لمن اقتصر عليها في دينه من الشيوخ والكهول والشبان، راغبا بذلك في محصول قوله ﷺ فيما أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الخير الناس، وما رواه ابن ماجه من أنه ﷺ قال: أفضل الصدقات أن يتعلم المرء المسلم العلم ثم يعلمه أخاه المسلم". وقد أوقف ﵀ مؤلفاته وبالأخص المسانيد على خزائن المشرق والمغرب، وأوقف على تدريسها أوقافا وشرحها غير واحد من الأعلام، وذكر الضعيف في تاريخه أن شيخه ابن أبى القاسم السجلماسى الرباطى ختم كتاب الفتوحات المذكور في متم جمادى الثانية ١٢٠٠ وابتدأ البخارى عقبه أرشد الله

стр. 1579

إمامنا لإحياء مآثر سلفه الصالح وألهمه طبع هذه الكتب القيمة ونشرها بين الناس. وفاته أصيب برد الله ثراه عند خروجه من مراكش للنظر في أمر ولده اليزيد المعتصم بجبل العلم بمرض خفيف تزايد به في الطريق، فلما وصل عين الحمارة بين وادى "الشراط ووادى يكم من أعمال الرباط أدركته منيته، وهو في محفته على نحو نصف يوم من الرباط بعد العشاء من ليلة الاثنين السادس والعشرين من رجب عام ١٢٠٤ (١) ودفن عشية يومه كذا ببعض التقاييد، وقيل: إنه مات يوم الأحد الرابع والعشرين منه وحمل لداره بالرباط حيث دفن بإحدى قبابها بحضور الفقهاء والعلماء والشرفاء والطلبة، وصلى عليه العلامة محمد بن أبى القاسم السجلماسى وضريحه هناك مشهور. ولخاتمة الحفاظ المحدثين بالديار المشرقية الشيخ محب الدين أبى الفيض السيد مرتضى الحسينى الواسطى الزبيدى الحنفى صاحب شرحى الإحياء والقاموس وغيرهما يرثيه ويهنئ بالملك ولده المولى اليزيد رحم الله الجميع بمنه: وجدى يجد وحسرتى تتجدد ... وطويل حزنى وافر لا ينفد ومصيبتى ذهبت بكل جلادتى ... وذهبت لا أقوى ولا أتجلد وأسى أقام وإننى من قبله ... ما كنت أعلم ما المقيم المقعد ما لى أرى بعد النباهة والنهى ... بين المعالم باهتا أتبلد سيان عندى عاذر ومعنف ... ومحسن ومقبح ومفند حجبت وجوه الرأى دون تصبرى ... والرشد قل لى كيف ويحك أرشد

стр. 1580

لله غرب مدامعى شققته ... لو كان ينفع غلتى ويبرد يا صاح عذرًا إن عصيتك في العزا ... مالى بذاك لا لسان ولا يد يهنيك سيل الدمع قد بلغ الزبى ... وأنقدنى الجوف القوى والأكبد وقد التقت حلق البطان فلا تلم ... لا أمس أمس ولا غد عندى غد فصمت عرا الصبر الجميل وخاننى ... ما كنت تعلم يا فلان وتعهد كبد مفتتة وجسم ناحل ... وهوامع تجرى وقلب مكمد يا دهر بع رتب المعالى كلها ... مات الشريف ابن الشريف (محمد) أعنى أمير المؤمنين وعصمة الـ ... ـمجد المكين المستغاث المسند ملك الملوك الصالحين وحرزهم ... بيت القصيد المرتجى والمقصد نجل الملوك الطاهرين رءيسهم ... تاج الأئمة والفخار الأوحد الصالح البر التقى العالم ... الورع الولى العابد المتهجد الحازم اليقظ (١) الذكى اللين الـ ... خشن الرضا المتنمر المتأسد الناسك القرم الوفى بعهده ... القانت الحبر الحفى الأسعد ملك المغارب سيد الصيد (٢) الجحا ... جح (٣) من قصى والكريم الأمجد ابن النبوءة والمروءة من سما ... وزكا وطاب غراسه والمحتد حلت عزائمها الغمام على ثرى ... فيه استقل ضريحه والملحد

стр. 1581

ديما ترى وجه الدموع وتفترى ... وتصوب طورا في الضريح وتصعد خرجوا به تتلوا المعالى خلفه: ... (اليوم عهدكم فأين الموعد) وبكت قلوب كالحديد لفقده ... فرأيت كيف يذوب ثم الجلمد يا تربة ضمت على أعضائه ... يهنى رحابك غار منك الفرقد هذا نسيمك إن تنسم راحة ... مهما يراوحنا وتربك إثمد لازالت الرحمات تغشى روحه ... يجرى بها أبدا عليها سرمد وتقدست نفس له بمكان ما ... يتنافس المتنافسون ويجهد نزلا يكون له الرضا من ربه ... ومقام صدق في النعيم ومقعد والله أكرم ما استعيض فعاضنا ... عوضا خليفته الأشم الاجود ما غاب مولانا وفرقد سعده ... حتى بدا وجه اليزيد المسعد عادت لنا الحسنى وكانت فارقت ... والعود من بعد التفرق أحمد إلى أن قال: يا أهل إسماعيل يا أهل الوفا ... يا من لهم ذاك العلا والسودد القائلين الفاعلين المطعميـ ... ـن المصطلين لنار حرب توقد ما منكم إلا زعيم ماجد ... شيخ وكهل في الكمال وأمرد هذى الخلافة ما تعدت بيتكم ... فارعو المعروف المهيمن وأحمد بيت له عند الملوك جلالة ... وهم لديه راكعون وسجد بيت له شرف أشم وعزة ... ومهابة وصلابة وتسدد بيت (يزيد) مليكه وبنو أبيـ ... ـه معاضدوه فكيف لا يتأيد

стр. 1582

إلى أن قال: لازلتم تتوارثون سيادة ... أبدا يقوم بها وينهض سيد وإليكموها في الهناء وفى الرثا ... غراء ينشدها حبيب معبد تسرى بها الركبان ما بين الورى ... مثلا وتتهم في البلاد وتنجد خلعت ثياب الحزن منها واكتست ... ثوب السرور واقبلت تتأود الله أولى من شكرت صنيعه ... وأحق من يثنى عليه ويحمد أصبحت مسرور الفؤاد ولم أقل ... وجدى يجد وحسرتى تتجدد ١٧٩ - محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان . حاله: من خيرة بنى أبيه وأكثرهم برورًا به، وأشدهم اقتداء به وامتثالا لأوامره حتى إنه كان لا يراجع فيما يقال له إن والده كان وعد به، وكان يمضى ذلك اعتمادا على أخبار المخبر من غير بحث ولا مناقشة، وهذا بعد وفاة والده، فما ظنك به في حياته، فهذا لعمرى غاية البرور وبسبب ذلك حصل على المكانة المكينة لديه. أخذ عن الفقيه السيد الطيب بن اليمنى بو عشرين السالف الترجمة، وهو الذى تولى تأديبه، وتربيته وتهذيبه، وعن العلامة السيد المدنى بن الكبير الفيلالى الغربى قاضى مراكش، والأستاذ المقرئ السيد محمد بن عبد الواحد الزجلى الفاسى المعروف بابن تمو حسبما وقفت له على ظهير شريف أصدره لأحفاده بالتوفير والاحترام.

стр. 1583

ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير بداخله "محمد بن عبد الرحمن الله وليه" وبزوايا خاتمه السليمانى "وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" ثم اسم الجلالة ومحمد وأسماء الخلفاء الأربعة وبدائرته ومن تكن إلخ البيتين: "كتابنا هذا اسماه الله وأعز أمره، وأطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، يستقر بيد حملته أحفاد شيخنا الفقيه الأستاذ المقرئ البركة سيدى محمد بن عبد الواحد الزجلى ثم الفاسى المعروف هو وقومه بأولاد ابن تمو، وهم أولاد ولديه الموقت الحيسوبى السيد على، وأخيه الحاج محمد ويتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، أنا سدلنا عليهم أردية التوفير والاحترام، وحملناهم على كاهل المبرة والإنعام، والرعى الجميل المستدام، وأسقطنا عنهم التكاليف المخزنية، والوظائف السلطانية، لما لجدهم علينا من الحق بتعلم كتاب الله العزيز ولانتمائهم للنسبة الشريفة، ولانخراط البعض منهم في سلك خدمتنا السعيدة، فمن حام حول حماهم بما يخالف هذا فلا يلومن إلا نفسه، ونأمر الواقف عليه من خدامنا وولاة أمرنا أن يعمل بمقتضاه، ولا يحيد عن كريم مذهبه ولا يتعداه، صدر به أمرنا الشريف المعتز بالله في رابع قعدة الحرام عام ١٢٨٥". وكان ذكيا زكيا فاضلا جامعا لأوصاف الخير والنبل، محبا في العلماء محسنا إليهم معتنيا بشأنهم، مشاورا لهم لا يبرم أمرًا دونهم، له باع طويل وقدم راسخ في العلوم العقلية كالحساب والتوقيت والتنجيم والهندسة والهيئة والموسيقى، درس تلك الفنون بالنقد والتحرير، وختم كتاب إقليدس في الهندسة عام واحد وسبعين ومائتين وألف. أحيا ﵀ دارس تلك العلوم، ونفق في زمانه سوقها بعد الكساد وأسس مدرسة لتلك الفنون في خلافته على عهد والده المقدس جوار القصر السلطانى من فاس الجديد تخرج منها جماعة من الطلبة النجباء النبلاء، منهم الفئة

стр. 1584

[صورة] وجدت هذه الصورة محفوظة عند بنت باشادور الإنحليز بطنجة الميسطر (جان هي) أخذت عند مقابلته الرسمية مع الجلالة السلطانية المحمدية والقنصل المذكور هو الواقف أمام الجلالة مع أعضاء سفارته وعن اليمين زوج السفير المذكور وبنته. وقد امتد مقام هذا السفير بالمغرب من الدولة العبد الرحمانية إلى أواسط الدولة الحسنية

стр. 1585

[صورة] ظهير سيدى محمد بن عبد الرحمن لأحفاد شيخه ابن تمو

стр. 1586

الموجهة لتتميم دروسها بعواصم أوربا، كالفقيه أبى عبد الله محمد العلمى الشهير ببنانى بإيطاليا، وآخرون في فرنسا وألمانيا وذلك في حدود ١٣٠٠ حسبما بسطه. وكان ولوعا بجمع الكتب الغريبة، حتى إنه جمع وهو خليفة عددا من النساخ وجعل لهم محلا مخصوصا لنسخ كتب الحديث وغيرها ورئيسا هو الفقيه الأديب الكاتب السيد محمد بن محمد غريط. وكان آية عظمى في السماحة والجود. قال في اقتطاف زهر الأفنان: أخبرنى من يوثق به ويعتمد على خبره ممن لازمه يعنى المترجم اللازمة لخاصة أنه لم يقل لا في شئ سئله قط، وهذا من أغرب ما يتحدث به من كرم الشمائل مع كثرة السؤال وتعدد أنواعه كما هو معروف، وهو متأس في ذلك بصالح سلفه كسيدنا زين العابدين القائل فيه الفرزدق. ما قال لاقط إلافى تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم وكان كثير الإغضاء بحيث كان يبغت بعض خاصة الأتباع وهم على غير ما ينبغى فيرجع متعوذا من الشيطان الرجيم، كما أنه كان من التواضع بمكانة، ومن تواضعه أنه كان يخرج للصلوات الخمس متأبطا لبدته سواء في ذلك الحضر والسفر. وكان مقبلا على شأنه، برع في نظم الأرجال وفاق، يأتى بالتخييلات العجيبة والتشبيهات البديعة والنوادر. وكان له ولوع بالطرب والنغمات الموسيقية، اتخذ لتعلم ذلك جماعة من الإماء وعين لتعليمهن المعلم الساورى أمهر أرباب الصناعة الموسيقية في عصره، فتعلمن وبرعن في ذلك أعرف بعضهن بالعين والاسم، ولا زالت واحدة منهن

стр. 1587

حية ترزق إلى الآن، واقتفى أثره من بعده في ذلك نجله الإمام المقدس مولانا الحسن برد الله ثراه، وكذلك حفيده إمام عصرنا الكوكب الدرى الأصعد، أبد الله علاه ونصره، وأبهج بالعلوم والمعارف عصره، أمين. وكان المترجم من أعلم أهل عصره بالسياسة، وأمثل البررة إخوته طموحا للمعالى، حريصا على نفع العباد، بصيرا بعواقب الأمور، ذا تأن وتؤدة ووقار كم رشحه والده للمهمات، وكشف به من مدلهمات، استخلفه بفاس على حداثة سنة عام ١٢٥٥، واستوزر له السيد الطيب بو عشرين إذ كان مؤدبا له، فأحسن السيرة وقام بمأموريته أحسن قيام، فازدادت مكانته عند أبيه وفوض إليه، وألقى زمام المملكة بين يديه، لم يستثن عليه شيئا منها فاتخذ العساكر وجند الجنود، وأمر ونهى وولى وعزل وقدم وأخر. وقفت على كثير من ظهائره التي أصدرها في خلافته للقائد الجيلانى ابن بوعزة والقائد فرجى وغيرهما، وكان يختمها من أسفل بختم نقش عليه "محمد ابن أمير المؤمنين وفقه الله". ولما وجهه والده لناحية وجدة وجرت على جيشه الهزيمة الشهيرة بوادى ايسلى في شعبان سنة ١٢٦٠ ورجع لفاس حجب عنه وجه رضاه، واستشار الوزير الصدر ابن إدريس في شأنه فأشار عليه بعزله من الخلافة وتولية أحد إخوته، فلم يعمل بإشارته، ثم استشار عامل السراغنة السيد أحمد بن القائد في شأنه أيضا فأشار عليه بإقراره على الخلافة، وقال له: إن ما وقع من انكسار الجيش لا عهدة عليه فيه إذ ذاك كان من تهاون كبراء الجيش وإخلادهم إلى الراحة وطمع الجنود في خزينة مال المؤنة، وإذا عزلته فربما يظن الأجانب أن عزله كان لأجل ما ضاع من المال والأخبية والآلات. فأعمل رأيه وأقره على الخلافة، وعزل الفقيه بو عشرين عن وزارته ونكبه، وعين لوزارته الفقيه السيد محمد غريط، ومن ثم أخذت حالته تتدرج لديه في

стр. 1588

الاستحسان وحظوته تتزايد إلى أن صار يولى من أشار بولايته ويعزل من أشار بعزله، ثم أرجع الفقيه بو عشرين لوزارته، وفوض له أمور القبائل المندرجة في خلافته، فبنى قبة سيدى عمارة خارج باب القصبة بمراكش، وبنى مسجد مولاى عبد الله بفاس الجديد، غير أنه انتقد عليه بناء ذلك، وأمر باتخاذ مسجد مولاى عبد الله مخزنا للشعير وإغلاقه حيث إن الناس في استغناء عنه بتعدد المساجد، ولم يقبل شفاعة الشافعين في فتحه إلى أن خطب الفقيه الخطيب سيدى علال الفاسى في جمعة من الجمع بالمسجد الأعظم بفاس الجديد والسلطان إذ ذاك حاضر، فقرأ في خطبته قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]. فتأثر السلطان لما سمع ذلك وأمر بفتح المسجد حينا فكان للخطيب بذلك جميل ويد بيضاء لدى المترجم وأولاه الإنعامات والتنافيذ الجزيلة التي ورثه بنوه من بعده. ولما توفى الوزير الصدر المذكور، وتولى الوزارة السيد العربي الجامعى حملته الدالة بالمصاهرة والأثرة لدى السلطان على أن صار لا يبالى بالمترجم ويغض من مكانته، فتذمر لذلك، واشتكى لوالده بأن الأوامر المهمة لا تصله مكاتيبها إلا بإمضاء الوزير مع أحقيتها بالطابع الشريف، وكان ذلك عند ملاقاتهما ببلاد الشاوية، فواعده والده بانه إذا وصل لمراكش عزله ومن ثم تغير للوزير، ووظف عليه مائة ألف ريال غرامة فادى منها سبعين ألفا وعجز عن الباقى، ولما وصل لمراكش عزله كما ومحمد المترجم، وولى الفقيه السيد محمد غريط بإشارته. وكانت العادة بينه وبين والده أنه إذا كان والده بمراكش نهض هو للقيام بأعباء الخلافة بمكناس وفاس والعكس، وعلى هذا استمر عملهما إلى أن ليس والده داعى مولاه بالعاصمة المكناسية يوم الاثنين التاسع والعشرين من المحرم عام ستة وسبعين ومائتين وألف.

стр. 1589

ولما ختمت أنفاسه أجمع أهل الحل والعقد بالعاصمة المذكورة على بيعة المترجم، وقال أبو عيسى المهدى ابن سودة المرى في كناشته ومن خطه نقلت: كانت بيعته بمكناس في الساعة السابعة من يوم الثلاثاء فاتح صفر العام انتهى. وتبعهم على ذلك أهل فاس وغيرهم من الإيالة المغربية ولم يختلف فيها اثنان لما أنسه الناس فيه وسابروه من عدله وتقاه وسيره في الرعية على أقوم سنن، ووجهت له البيعات مع وفود التعزية والتهانى. ولم يكن لديه من الخبر إلا أن والده مريض، فلم يرعه إلا ورود الخبر من أخيه المولى العباس والصدر أبى عبد الله محمد الصفار التطوانى بأن أباه قد أشرف، فخرج من مراكش مزعجًا كى يدرك والده حيا، ولما صدر عن العاصمة الجنوبية بيوم أو يومين بلغه نعى والده وبيعات العاصمتين مكناس وفاس ومن انضم إليهما من القبائل والقرى، فوجهها لمراكش وسار هو إلى أن حل بالعاصمة المكناسية في صفر وأقام بها إلى ثانى ربيع الثانى كما قرأت ذلك بخط العلامة القاضى أبى عيسى المهدى ابن سودة المذكور. ولما وصلت البيعتان المكناسية والفاسية للعاصمة المراكشية اجتمع أهلها بجامع الكتبيين كما حضر معهم العسكر السوسى، وأعيان الرحامنة، وأهل الحوز، والدير وغيرهم، وحضر معهم كبار إخوته وفى طالعتهم أبو الحسن على العلامة المشارك، وعامل البلد أحمد بوستة، وباشا الجيش القائد إبراهيم الأجراوى، وعمال الرحامنة وشرفاء البلد وعلماؤها، فلما غص الجامع بالخلائق قرئ عليهم الكتاب المتضمن للأخبار بموت السلطان أبى زيد والبيعة لولده المترجم فلم يختلف في ذلك أحد، ولا استنكف ولا جحد، فاتفق رؤساء ذلك المشهد على كتب البيعة المحمدية.

стр. 1590

[صورة]

стр. 1591

هذا محصل ما أفاده صاحب الجيش العرمرم وهو من جملة من حضر، واليه أسند كتب البيعة باقتراح من العلامة أبى عبد الله محمد السعيد حسبما حكى ذلك عن نفسه قائلا: فكتبت نسخة مباركة على لسان الرحامنة، وعين وفد منتظم من الأشراف والأعيان والرؤساء للوفادة بالبيعات على المترجم للحضرة المكناسية للتهنية والتعزية. ولما وردت تلك البيعات على صاحب الترجمة أصدر أوامره بقراءتها بالعاصمتين مكناس وفاس، وإليك نص البيعة المراكشية وإن كان صاحب الجيش مرصع جواهرها لم يثبتها في تاريخه، وكان يود إثباتها ولكنها لم توجد عنده بعد البحث عنها في حال التقييد حسبما صرح بذلك في تاريخه المذكور: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الأسد في آجامها تجم إن ينصركم الله فلا غالب لكم، نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين، الحمد لله الذى أطلع شمس الخلافة في مطالع السعود، وأثمر في رياض مننه لأمله كل عود، وأنجز لمن أهله لإدراك التقدم على عباده صادق الوعود، وفتح أبواب السعادة لقارعها، وأربح بيعة ملتمس فضله لمشتريها وبائعها الذى بنوره تنجلى الغما، وتتصل النعما، نحمده حمدا يتكفل بتحسين العواقب، وترقية الآمال إلى أرفع المراقى والمراقب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذى تفجرت بوجوده بحور المواهب، وجاءت شريعته بأوضح المسالك والمذاهب، وأنزل عليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠] صلى

стр. 1592

الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وسلم تسليما، والرضا عن أصحابه الذين كانوا له خير أنصار وأعوان، وخصوصا أهل بيعة الرضوان. أما بعد: فهذه بيعة شريفة مباركة ميمونة، بها سعادة الدين والدنيا إن شاء الله مقرونة مضمونة، بيعة كريمة يصلح الله بها الأمة، ويفيض بسببها سحائب النعمة، ويشمل ببركاتها جميع الأقطار بكل رحمة: تولى اختيار الله حسن اختيارها ... فلم يحتج الإنسان فيها لإنسان بيعة حسنية علوية إسماعيلية هشامية محمدية، بيعة عاطرة تعبق في رياض البشائر أزهارها الفواحة الندية، بيعة صحيحة شرعية، ثابتة شروطها المرعية، بيعة لا يحوم حولها زيغ ولا طيش، يشيد بناءها الأئمة من قريش، فلا ينحل عقدها، ولا ينقض عهدها: تمد بنود النصر منها ظلالها ... على الأرض طرا بالمسرة والأمن حضرها العامة والخاصة، والملائكة الذين أضحت بهم البسيطة غاصة، واحتف بها القبول والسرور، وكانت مركزا تطوف بها الكمالات وتدور، وتتمنى محاسنها الشموس والبدور، ما تخلف عنها أحد من أهل هذه الحضرة المراكشية وأحوازها وبواديها، ولا بقى أحد من أعرابها وبرابرها إلا حضر في ناديها، وأجاب دعوة مناديها، من الشرفاء والعلماء والصلحاء والقضاة والعدول، والكبار والصغار وكل فاضل ومفضول: جحاجحة غير الوجوه كأنها ... إذا أسفرت ليلا بدور كوامل وخصوصا الأعيان والرؤساء والرماة، الذين هم لحوزة الإسلام أسوار وحماة، إلا صرح بالإذعان والقبول حين حضر انعقادها، وأضمر اعتقادها، وكل فرد من أولئك الأشهاد، يعلن بالإشهاد على نفسه غاية الإشهاد، وما منهم إلا من

стр. 1593

آمن بها وأمن عليها وصدق، وغض بصره خاشعا من هيبتها وأطرق، وينادى أشهدوا فينى أشهدكم وأشهد الله، وأقول الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله. ثم إنه لما استأثر الله سبحانه بمولانا أمير المؤمنين، وإمام المسلمين السلطان الهمام، المعتصم بالله مولانا عبد الرحمن بن مولانا هشام، ونقله من دار الإسلام إلى دار السلام، وآثره بجواره وقربه، ومهد له بساط الكرامة إلى جنبه، وأقدمه إلى مدخرات حسناته الجسام، وحوز له من جزيل المثوبات أوفر الأقسام، واختار له في مقر رحمته من جملة حزبه وأوليائه فريقا، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، كرم الله مثواه وأحسن مأواه، آمين. ووالله ثم والله لولا أنه خلف فينا خلفا صالحا، واتجر لنا متجرا رابحا، لكان من فقده تضيق الأرض بما رحبت، وتجزى كل نفس بما كسبت، وتخر الجبال هدّا، وتصد الأرواح عن أجسادها صدا، ولم يكن في النسب العلوى الطاهر، ولا في البيت الإسماعيليّ الشهير الظاهر، ولا من بيوت الحلفاء من بقية أولئك الآباء والجدود، بل ولا ممن تنتج به الليالى وهى عاقر غير ولود، من تسلم في يده الأمة زمامها، وتقدمه في محراب السلطنة العظمى إمامها، إلا واحد قد اختص بجميع الكمالات البشرية وتفرد، وذلك الواحد هو الإمام المؤيد المنصور، والأسد الورد الهصور، أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، سيدنا ومولانا محمد بن سيدنا ومولانا عبد الله بن سيدنا ومولانا هشام بن سيدنا ومولانا محمد بن سيدنا ومولانا عبد الله بن سيدنا ومولانا إسماعيل أعز الله ذكرهم، وخلد في صفحات الأيام مجدهم وفخرهم.

стр. 1594

فلذلك وقع هذا الاتفاق على بيعته، والدخول تحت طاعته والإذعان لكلمته والرمى على نبعته، وتمت له كلمة ربه الحسنى، بإدارك هذا المقام الأكبر الأجل الأسنى، واحتياز ميراث النبوة والملك المتخلف عن آبائه، الغائظ لأعدائه السار لأحبائه، فيا لها من بيعة تامة غاية التمام، جاءته عفوا على طرف الثمام، محبوكة على عادة أيمان البيعة وحدودها المحدودة، وشروطها المؤكدة في أقسامها المعدودة، ويا له من إمام، أسعد الله به جميع الأنام: هذا الذى هبت نواسم حمده ... وأتت بعرف الروضة المعطار هذا الذى طلعت شموس سعوده ... تغشى أشعتها قوى الإبصار هذا إذا افترت مباسم بشره ... وهب النفوس وزاد في الأعمار والله المسئول سبحانه أن يبارك لمولانا فيما وهبه، ويوضح في اتباع الحق وأفعال الخير مذهبه، ويجعل مفاتح جميع السعادات في يمينه، كما مسح في الأزل بيمينه المقدسة على جبينه، ويملكه مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها وشاهدها وغائبها، ويجعل النصر والظفر مصاحبين لأعلامه، والفتح والقبول عن يمينه وشماله ومن خلفه ومن أمامه، ويقر بولايته المباركة عيون أهل ملة الإسلام، بجاه جده سيدنا ومولانا محمد عليه وعلى آله أزكى الصلاة والسلام، قال ذلك وكتبه شاهدا على الجموع المذكورة بما فيه به. شهادهم قوة وفعلا العبد الضعيف محمد بن أحمد أكنسوس لطف الله به" من خطه. ونص بيعة الصويرة بعد البسملة والصلاة: "لما استأثر الله بعبده إمام المسلمين مولانا عبد الرحمن بن هشام، نقله عن سرير الخلافة إلى جواره مع أسلافه البررة الكرام، قدس الله ضريحه، وأسكنه من الجنان فسيحه، وورد الإعلام بذلك من نجله الشريف، وخليفته العلم المنيف،

стр. 1595

الفقيه العالم الأمجد الأسعد، سيدنا ومولانا محمد، على عامله وأمينه بثغر السويرة وهو الحاج عبد الكريم ابن الحاج أحمد الرزينى التطاونى وكافة من بها من المسلمين. اجتمع أعيان البلد من الشرفاء والعلماء والتجار وكافة الجيش السعيد الذى بها وقرئ عليهم الكتاب الشريف معلما بذلك وباجتماع أهل الحل والعقد على بيعة نجله المذكور، وسليله المنصور، فتأسف جميعهم لما حل بالمسلمين من المصيبة العظيمة واستبشروا لبيعة نجله الميمونة، التي هى بكل خير كفيلة مضمونة، وأشهد إذ ذاك القائد المذكور وأعيان البلد المذكورون وشرفاؤها وعلماؤها وجيشها الذى بها وجميع كبراء أهلها أنهم بايعوا أمير المؤمنين المؤيد، سيدنا ومولانا محمد، على السمع والطاعة، وتلقين أوامره بالقبول والرضا، وأحكامه بالنفوذ والإمضا، جهد الاستطاعة، موافقة لجميع المسلمين، ودخولا في زمرة المؤمنين، وعملا يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ [النساء: ٥٩]، وفرارا من الخروج عن كلمة جماعة المسلمين لما ورد أن جماعتهم لا يخالفها إلا شيطان بيعة تامة، ألزموا أنفسهم أداء واجبها في أموالهم وأبدانهم، ودعوا لجنابه بالظفر والفتح المبين، والظهور والنصر المستبين، عرفوا قدره، شهد به عليهم وهم بحال صحة وطوع وجوار وعرفهم، وفى خامس عشرى صفر الخير سنة ستة وسبعين بموحدة بعد السين ومائتين وألف". بعض ما قام به من الأعمال ذات البال بعد جلوسه على العرش غير خاف ما كان له من الاهتمام بمصالح الرعية، وأنه كان ناظرا إليها في مصالح دينها ودنياها عامها وخاصها، حريصا على إيصال كل خير إليها، مناضلا

стр. 1596

ومدافعا لكل من يروم اغتصاب شئ من حقوقها على قدر الإمكان، ولننبه من ذلك على نقط تكون أنموذجا لغيرها: فمن اهتمامه بمصالحها في أمور دينها ما أصدره لنائبه وخديمه أبى عبد الله بركاش ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكريم: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فقد تساهل الناس خصوصا الأغنياء وأهل الوجاهة في أمر الأحباس حتى صاروا يتوصلون إلى ما أرادوه منها بأى وجه أمكنهم، ويجعلون ذلك في صورة المعاوضة، وصار النظار والقضاة يعتبرونهم فلا يردون لهم حاجة، حتى انتقل بذلك كثير من الأحباس. فبلغ لمولانا المقدس بالله ذلك فأمر الولاة خصوصا القضاة الذين لهم دخل في هذا الأمر بعدم معاوضتها رأسا، وتقرر هذا الأمر بمراكشة وفاس فلا يوجد أحد يعاوض شيئا منها، وحتى إن تعينت المصلحة فيها فلابد من رفع أمرها لسيادته لينظر فيها بما اقتضاه نظره، ولما ولانا الله سبحانه هذا الأمر اقتفينا أثره في ذلك وسددنا الأبواب في وجوه طلابها، على أن هذه المعاوضة إنما قال من قال بها من العلماء على شروط، وأين هى تلك الشروط! وما تقرر بهذه المدن أردنا أن يتقرر بذلك الثغر السعيد وها نحن أمرنا القاضى هناك وأكدنا عليه في عدم الموافقة على المعاوضة رأسا، كما أمرنا وصيفنا القائد محمد بن عبد الكريم الجبورى بأن لا يساعد أحدا عليها بوجه، وأعلمناك لتكون على بصيرة، وقد توعدنا القاضى والعامل على ذلك والسلام ٤ من صفر عام ١٢٧٩".

стр. 1597

ومنها أيضا ما أصدره له أيضا ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فإنا كنا أمرنا خديمنا القائد الطيب ابن هيمة بأن يكون عملهم في أملاك الأحباس التي بآسفى أن تستمر كل سنة حتى تقف على آخر زائد فيها لكون كل من بيده محل منها يحب أن يتقاعد عليه ويملكه ولا يزيد في كرائه، سواء غلا الكراء أو رخص، فأجاب بأنه تكلم مع نواب الأجناس فلم يحصل معهم على طائل في ذلك ما عدا قونص النجليز فأجاب بالموافقة، وقد أمرناه بأن يسمسرها على كل حال وحين تقف يظهر ما يكون في أمرها، وأنت ولابد تكلم مع نواب الأجناس في ذلك ليكتبوا لخلائفهم بالإذعان للحق وعدم تعرضهم لما لا يعنى، فإن أملاك الأحباس لا ينبغى أن تبخس ويتصرف فيها بغير حق، فإن الأحباس النظر فيها للقاضى الذى هو نائب فيها عن جماعة المسلمين ولا دخل فيها للمخزن إلا من جهة شد العضد والمحبس قصد بما حبسه انتفاع المسلمين بمستفاده وصرفه في مهماتهم الدينية، فلا وجه لمن يريد أن يحول بينه وبين ما قصده، وهذه أمور دينية ينبغى الاهتمام بها والسلام في ٣ جمادى الأولى عام ١٢٩٠". ومن هذا القبيل أيضا ما أصدره إليه في شان إغاثة حجاج بيت الله الحرام. ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله "محمد بن عبد الرحمن الله وليه": "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 1598

وبعد: فقد أخبر وصيفنا الحاج سعيد جسوس أن البابور الذى رجع بالحجاج من طنجة توجه لجبل طارق وأرسى هناك، وأن الذين فيه في حيرة مما وقع لهم لا يعلمون أين يذهبون ويتوقعون الهلاك، ولولا أن أهل جبل طارق أذنوا لهم في الإرساء واشتراء ما يحتاجون إليه من المؤنة لكانوا معرضين للتلف في البحر جوعا، وذكر أن جميع أهل جبل طارق أنكروا ما حكمت به جماعة السنيدة وأنهم عدلوا عن الصواب وحكموا بشهوة أنفسهم، وأن حكم جميع الأجناس مخالف لهذا ومن جملتهم الصبنيول، جعلوا لمن يتوجه من جبل طارق لقالص خمسة أيام كرنطينة، وأما رد هؤلاء بالكلية من بلادهم وتعريضهم للهلاك فلا يقول به أحد من الأجناس. وأخبر أنه يلزمهم في جبل طارق صائر كبير في كل يوم، وطلب تدارك أمرهم، وقد قدمنا لك الكتب في شأنهم وأعدنا لك هذا تأكيدا، والذى فهمناه من الكتب الواردة على حضرتنا العالية بالله أن أمر السندة مسند إلى نواب الأجناس، لكن لا يمكنهم أن يحكموا فيه بغير العدل بل يجرونه على القوانين، وقد أمرنا الأمناء بأن يدفعوا لك ألفى ريال لتوجهها لجبل طارق تفرق على ذوى الحاجة من الحجاج الذين في البابور المضطرين بقصد الاستعانة بها على حالهم، وذلك على يد الحاج سعيد جسوس، والرجل المعين معه المقيد بالطرة والسلام في ٢٤ ربيع الثانى عام ١٢٨٢" والمقيد بطرته الحاج الطاهر بن المليح بنانى والتاجر العربي ابن كيران ومن اهتمامه بمصالح دنياها أنه لما بلغه ارتفاع ثمن الحبوب التي يقتات بها بتطاوين وطنجة والعرايش، أصدر ظهيرا شريفا لبعض عماله فيه ما نصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بن عبد الكامل الصبيطى وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 1599

وبعد: فإن الحبوب غلت أثمانها وارتفعت بتطوان وطنجة والعرائش حتى وصل ثمن المد بها إلى ست وثلاثين أوقية، وهو في الزيادة إن لم يحصل لطف من الله تعالى، واستغاثوا بجانبنا العالى بالله في توجيه الزرع إليهم بثمنه، فاقتضى نظرنا أن نوجهه إليهم من الدار البيضاء والجديدة وآسفى، فأمرنا أمناء الدار البيضاء باشترائه مما يرد عليهم من الشاوية بأمرنا الشري عليهم، وأمناء الجديدة باشترائه مما يرد عليه من دكالة، وأمناء آسفى مما يرد عليهم من عبدة، فنأمرك أن توجه من يريد بيع ما عنده من الحبوب من إيالتك واصلا لأمناء الجديدة ليشتروه منه ويخلصوه فيه، فإن في هذا أجرا عظيما لأنه من الرفق بالمسلمين وإعانتهم. فقف في ذلك ولا بد أصلحك الله وأعانك، كان شق على المتوجهين للمرسى بالزرع لبيعه بها وأرادوا الاقتصار على بيعه بسوق قريب منها فلهم ذلك، وقد أمرنا الأمناء بتوجيه من يشتريه من أقرب سوق إليها إن شاء الله، وحينئذ فمن وصل للمرسى منهم فيشتريه منه الأمناء، والله يعينك والسلام في ٢٣ من ربيع النبوى الأمور عام ١٢٨٢". ومن اهتمامه بماليتها وما ينضبط به نمو بيت مالها وداخل مراسيها، ما أصدره للنائب المذكور، وغيره من عمال الثغور، عند تبديل أمناء المراسى. ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فلما تقرر لدينا وثبت عندنا ما يقع بالمراسى من التساهل في الأمور، وعدم إجرائها على مقتضاها في الورود والصدور، حتى أدى ذلك إلى ضياع مال، بها له قدر وبال، وكان في ذلك من المفاسد العظيمة، ما لا ينكره من له أدنى مسكة من العقل لا سيما أهل العقول الكاملة والآراء المستقيمة، وجب رد البال

стр. 1600

إليها وحسم مادة فسادها وسلوك طريق تنضبط به أمورها، منها: أنا جعلنا لكل أمين من المرتب الشهرى ما يعينه على القيام بأوصافَ الصدق والأمانة، واجتناب ما يزرى بجانبه من السرقة والخيانة، ومن عثرنا له بعد ذلك على خيانة أقمنا عليه حد السارق وأهناه، وزجرناه زيادة على ذلك وعاقبناه. ومنها أن لا يتجر أحد بالمرسى التي يكون أمينا بها بل يجاوزها إلى غيرها. ومنها أن يجعل بكل مرسى واحد من أهلها مرضى وآخر كذلك أجنبى. ومنها أن يجعل أمين معروف بالحزم والأمانة، والعفاف والصدق والصيانة، وإجراء الأمور على مقتضاها، وسلوك طريق النصح التي يحبها الله ويرضاها، يكون مشرفا على جميع أمناء المراسى ليفتقد أحوالهم، ويراجع أعمالهم، من كل ما يرجع للداخل والخارج ويرد باله للسلع التي تظهر في البلدان، من الحرير والصقلى والجوهر والمرجان، وغير ذلك مما هو رائج ليعلم هل أعطى عليها بالمرسى ما هو لازم، أو أغفلها المجالس بها والملازم. ومنها أنا جعلنا لكل من رئيس المرسى وخليفته والعدول، من المرتب الشهرى ما يكفيهم من مصروفهم ليحصل لهم ما يغنيهم ويعدلوا به عن الخيانة أى عدول، ومن الله تعالى أسأل لنا ولهم وللمسلمين التوفيق، والهداية إلى أحسن طريق. هذا وقد عينا لمرسى طنجة الأمين الحاج بوجنان البارودى، والحاج عبد الكريم أحرضان الطنجوى ونفدنا للأول منهما تسعين ريالا، وللثانى ستين ريالا في كل شهر، ولكل واحد من العدلين اللذين أمرنا القاضى بتعيينهما عشرين ريالا عن كل شهر في مقابلة خدمتهما، وخصصناهما بأمر المرسى من غير إشراف لأحد عليهما ولا دخول معهما في عملهما كائن من كان، وعينا لرئيس المرسى خمسة عشر ريالا، ولخليفته سبعة ريال عن كل شهر، ووجهنا صحبة بوجنان الحاج الطاهر بن المعطى بل المدنى القباج بقصد الخدمة معه بمرسى طنجة، حتى تفتح

стр. 1601

تطوان ويكون بها من يعين معه من أهل البلاد إن شاء الله، وقد نفذنا له ما نفذناه للبارودى مشاهرة والسلام في متم رمضان عام ١٢٧٨". وبمثله وتاريخه كتب لغيره من العمال مع اختلاف في الأواخر. وقد جاء في ظهير القائد محمد بن إدريس الجرارى عامل الدار البيضاء ما نصه: "هذا وقد عينا لمرسى الدار البيضاء الأمين الحاج محمد بن عبد المجيد بن جلون وسيزاد عليه أمين آخر من العدوتين، وقد نفذنا لكل واحد منهما تسعين ريالا مشاهرة، ولكل واحد من العدلين الذين أمرنا القاضى بالرباط بتعيينهما عشرين ريالا مشاهرة لخ". ومن اهتمامه بأمور السلاح والحرب ما أصدره لبركاش أيضا ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فقد وصلت الخمسون جملا التي وجهت من الكور والبنب وبينت عدد ٥٦٩٦ ما في الجميع، وذكرت أنك بصدد توجيه وقر الإبل ٥٠ الباقية من العدد ١٠٠ الذى وجهناه بقصد ذلك، وأنك قمت بعلف الإبل المذكورة ومؤنة من معها من المخازنية مدة إقامتهم وزادهم عند سفرهم، وصار ذلك بالبال وها نحن وجهنا مائتين وخمسين بغلة لحمل ما بقى من الكور والبنب لما في توجيه الإبل من تعبها لفرط الحرارة والله يعينك والسلام ٢١ صفر عام ١٢٧٨". وما أصدره للمذكور ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فقد وصل ما وجهتموه من البنب ٧٠٨ محمولا على الجمال ٥٠ الباقية من الإبل ١٠٠ التي كنا وجهنا لكم لحمل ذلك فوجد موافقا لما في كتابك، والله يعينك والسلام في ٢٣ صفر عام ١٢٧٨".

стр. 1602

وما أصدره له أيضًا ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد وصلنا كتابك مخبرا بأن العدة التي أمرنا بجلبها على يد نائب الطليان وصل منها لمرسى الصويرة ٣٥٢ ما ذكرته ثم أخبرك النائب بعد ذلك أنه وجه للصويرة عدد ٣٢٠ آخر مع صناديق ١٢ من القرطوس ١٢٠٠٠ وأن تمام العدد ١٥٠٠ الذى أمرنا بجلبه سيصل بحرا في الإثر، وطلبت أن ننفذ لك ثمن الجميع ٣٣٣٣٠ ريالا لتدفع له منه ثمن ما وصل منها وما يصل حتى يتم العدد المشار إليه، فها نحن كتبنا لولدنا الأرضى سيدى حسن أصلحه الله بتوجيه العدد المذكور من الريال واصلا لأمناء مرسى الصويرة ليدفعوه لنائب الطليان هناك، والله يعينك والسلام في ١٣ جمادى ٢ عام ١٢٨٥". وما أصدره له أيضا ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فإنا أجرينا الخفيف مجرى آلة الحرب مثل الكبريت والبارود وملحته، وصدر أمرنا الشريف لولاة المراسى بتثقيفه، وأن لا يختص به إلا المخزن لئلا يتوصل الفساد به إلى أغراضهم، وأعلمناك بهذا لتكون على بصيرة، وتتكلم مع نواب الأجناس ليأمروا تجارتهم بعدم جلبه وبإجرائه مجرى غيره من آلة الحرب والسلام في ١٣ جمادى الأولى عام ١٢٨٦". وأما نضاله ومدافعته عن آحاد رعيته، وحقوق دولته، فقد كانت له فيها مواقف شهيرة، في قضايا كثيرة، نذكر منها أمثله تكشف عن ذلك، وتبين بعض ما كان هنالك، فمن ذلك ما أصدره للنائب المذكور في قضايا الوسق للخارج.

стр. 1603

ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: وصلنا كتابك جوابا عما أمرناك به من تجديد الإعلام مع نواب الأجناس في شأن انصرام الأجل المحدود لوسق الصوف والحبوب، وفى الوفاء بما كنا شرطناه في تسريحها ليبقى الأمر منضبطا، وذكرت أنك كنت تكلمت في ذلك مع نائب الفرنصيص وبينت له ما في خروج التجار ونوابهم للقبائل من المضرة والمفاسد فقبل الشرط المذكور، كما كنت قدمت الإعلام به وأنه جدد الكلام معك في ذلك واستفهمك عن موجب منع جنسه مع قبوله الشرط، فلاطفته واعتذرت له بما ذكرته، ولم ينفصل عنك حتى وعدته بتجديد الكتب إلينا في ذلك. وذكرت أنك كنت أجبت باشدور النجليز ونائب الصبليون بأنك لا تشاورنا على تسريح ما ذكر إلى أن قبلوا الشرط المشار إليه فكتب الباشدور بذلك لتجاره فقبلوه، وكتب لك به حسبما في إحدى كتابيه اللذين وجهت، ثم دار الكلام بينك وبينه في ذلك أيضا إلى أن أطلعك على كتاب للحاج عبد الرحمن العاجى يتضمن أنا لا نمنع الوسق لا في الداخل ولا في الخارج إلى أن يوفى أمر السلف، وأن محبته في جانبنا العالى بالله حملته على المساعدة على هذه الشروط، وتفاصل معك على أن تكتب لنا بأن نأمر بتسريحهما على شرط عدم خروج أحد من التجار ولا نوابهم لاشترائها من البادية، كان خرج أحد من الأجناس واشتراهما منها يقع المنع ويكون هو سبب الكلام مع ذلك الجنس كالصبنيول إن لم يقبل، وذكرت ما أجبت به نائب الصبنيول لما أخبرك بصدور أمرنا لأمناء آسفى بمنع وسق الصوف والحبوب، وذكر لك أنه كتب لدولته في ذلك ولم يرد عليه جواب عنه، ودار بينك وبينه من الكلام ما لم تنفصل معه على طائل فيه حتى يأتيه الجواب من دولته، وأن نائب جنس الطليان تكلم معك في هذه القضية فأجبته بما أجبت به غيره، وذكرت أنهم ذكروا أن المراكب مكتراة عندهم لوسق ما وجده الحال بأيديهم

стр. 1604

مشترى من الحبوب ولم يعجلوا بوسقها ظنا منهم أنهم باقون على عملهم لما شرطه عليهم نواب الفرنصيص والنجليز والطليان، وأن الضرر يحصل لهم بوقوع المنع، ولا يبقى لهم هناك جلوس، وصار كل ذلك بالبال. وقد صدر أمرنا لأمناء المراسى بتسريح وسق الصوف والقطانى لتجار النجليز والفرنصيص والطليان، وحين تخبر بقبول غيرهم من الأجناس الشرط المشار إليه نأمرهم بالتسريح لتجارهم إن شاء الله، وقد عينا للأمناء أمد التسريح وهو سنتان مبدؤهما من أول شهر نونبر العجمى إن شاء الله، وأيام أكتوبر زائدة عليها في التسريح فلا تعد من السنتين، وما احتج به الباشدور بما في كتاب العاجى إنما كان توثقا للسلف وسلفهم صرنا نخلصه من عندنا، فلا تعلق للسلف بالتسريح والله يعينك والسلام في ١٧ من ربيع الثانى عام ١٢٧٩". ونص آخر في الموضوع: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: وصلنا كتابك جوابا عما أجبناك به عن قضية التاجر الصبنيولى الذى طلب وسق العظام من مرسى اسفى، وجعل الاسترعاء على منع الأمناء له من وسقها، وذكرنا لك أن منع وسقها كان بعد جعل ستة أشهر أجلا ليسق فيها كل من عنده شئ منها، وأنه إن عمل موجبا يشهد له بأنه جمعها في وقت التسريح تسرح له، فذكرت أن الستة أشهر التي تقدمت بالتسريح ليسق فيها كل من عنده شئ منها هى الحجة عنده علينا حيث وقع التسريح بعد مضى الأجل المذكور بالخصوصية، لأنّ الستة أشهر مجعولة ليسق كل من عنده شئ منها، والذى تأخر عنها فتكون عهدته عليه. وذكرت أنك تكلمت مع الباشدور في هذه القضية بما أشرنا به فقام وقعد، وأجاب بنقض الشروط وعزم على الفساد ووقع بينك وبينه ما أشرت إليه،

стр. 1605

وتأجلتم معه خمسة عشر يوما بعد أن نزلتم وثيقة من ألفى ريال كبيرة على وجه الأمانة إلى أن يرد عليك جوابنا قبل انصرام الأجل المذكور بما طلبه في كتابه الذى وجهت، وإلا فينزل الصارى ويركب ولم تؤخره عما كان عزم عليه خمسة عشر يوما إلا بعد المشقة العظيمة. وجعلت لنا النظر في جوابه بالمنع وحوز الوثيقة المذكورة ووقوع الغيار مع جنسه أو يجاب بالمساعدة فيما طلبه ميلا للمهادنة، فحيث بينت أن في وسق غيرهم العظام بعد مضى الستة أشهر التي كنا أجلنا التجار فيها ليسق منهم من كان عنده شئ منها -حجة له فها نحن أمرنا أمناء آسفى بوسقها للتاجر الذى طلبه وها كتابهم يصلك فوجهه لهم على يدلّ والله يعينك والسلام ٢٨ صفر عام ١٢٨٢". ونص آخر في عتق أمة ادعت الضرر ووقع كلام من أراد الدخول في قضيتها: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فاعلم أن أمةً غير تامة العقل بآسفى ادعت أن سيدتها أضرت بها وتعلقت بنصرانى اسمه كنبر واحترمت به، فوعدها بأن يعطيها ما تفك به رقبتها ففعل ودفعته لسيدتها فعتقتها وجعلها من جملة من له تعلق بالفرنصيص واحتماء به، ثم أعلمنا عامل آسفى بالقضية فأجبناه بأن سيدتها حيث أضرت بها فقد أعتقها الشارع بمجرد وجود الإضرار بها لأن الشارع لا يقر أحداً على ظلم، وأن ما فعلته سيدتها من عتقها بعد أن قبضت ثمنها لم يصادف محلا، لكونها معتوقة الشرع، وأعلمناك لتخبر نائب الفرنصيص بالقضية وتقول له: إن شرعنا لا يقر أحداً على

стр. 1606

ظلم، وأن من أضر برقيقه يعتق عليه كرها، وأن العتق المصادر من سيدتها لم يصادف محلا وولاؤها لمسلمين، والله يعينك والسلام ١٥ صفر عام ١٢٧٨". ونص آخر في قضية لأهل قلعية مع الإسبان في حدود مليلية: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فقد أخبر عامل الريف أنه وجه جماعة من كلعية واصلة إليك ليتكلموا معك فيما حل لهم من الضرر من جهة نصارى أمليلية، ويشرحوه لك مشافهة لتفاصل بينهم وبين باشدورهم، وفى الشروط أن يتلاقوا بحدود الريف ويحصر الكبراء ويتفاوضوا في نوازلهم ويذكر كل واحد حجته ومطلبه ويقع الفصال هناك. وأما القدوم لطنجة والمفاصلة فيها فليس من الشروط في شئ، وربما يتفاصلون مع الباشدور بما لا ترضاه قبيلتهم ويجعون للنزاع، وحيث وقع ونزل فرد بالك لما يذكه الباشدور لهم ويريد أن يلزمه لهم مما عليهم ضرر فيه وهو لا يلزمهم والسلام في ١٣ صفر الخير عام ١٢٨٢". ونص آخر في بعض القضايا من الباب: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فإنك متوجه على بركة الله لهذا الوجه التي عينت لها ولم ندر هل استحضرت قضاياك العويصة المتعددة، وأعددت لها حججك الواضحة البينة لتكون مستعدا للمحاجة فيها وطلب الحق والقانون إن تلاقيت مع نواب الأجناس هناك أم لم تستحضر شيئا من ذلك، وغرضك أن تتوجه خالى الذهن من ذلك متفرغا منها

стр. 1607

حتى تتلاقى معهم كذلك ويلقوا عليك من الحجج ما يعمر ذهنك ويثقل ظهرك على عادتهم في التعلق بالأمور الواهية، وتصحيح الحجج المتلاشية، فتذهب خفيفا وتئوب مثقلا. ولذا أردنا تنبيهك لقضايا شنيعة وقعت بهذه الإِيالة لتنظر في رتق خرقها، وتدارك أمرها معهم حتى تحسم مادة فسادها، وإن كانت كلها مرت على يدك وتداولها ذهنك مخافة أن تكون نسيتها أو أهملتها: فمن جملتها قضية مسعود ولد عبد القادر التلاوى الذى مكث الزمان الطويل في الحرمات وهو مطالب بالأموال الثقيلة التي احتجناها وخان فيها مدة ولاية والده ومدة ولاية أخيه وبعد موته مما هو من حقوق الناس ومال بيت المال، وكان يتلوى هكذا وهكذا، ولم يوجد في تلك المدة من يقول إنه في حمايته أو متعلق به، حتى إذا وجد فلتة ركب برأسه وذهب إلى الصويرة، فوجد نائب النجليز هناك فحماه ومنعه من المخزن على وجه الخرق للقانون والخروج عن الحد، مع أن المتعلق بالخدمة لا يدخل تحت حماية أحد، ومع هذا فلم يكف عن فساده بل صار يفعل بفساده ما أراد، ويعطى العدة والبارود للفسّاد من قبيلته ويغريهم على الخروج على العامل وإيقاد نار الفتنة متجاهرا بذلك من غير استتار ولا استخفاء، فهل هذا الفعل من القانون؟ وهل الصبر على مثل هذا من الحق؟ وهل يستقيم حكم لأحد مع بقاء هذا على حاله؟ ومن جملة موبقاته أنه تلاقى برجل من امتوكة على يد اليهودى قرقوز وغره على أنه يصرف له عدة ريال بالضبلون حتى حار منه ثمانية آلاف ريال، وتقاعد له عليها ومنعه منها ولم يذعن لحكم حاكم ولا لأمر آمر، ولعل القضية تكون وصلتك بأبسط من هذا، فكيف يسوغ السكوت على مثل هذا! ومن جملتها قضية الشريف الذى قتله الصبنيولى بطنجة، وكانوا زعموا أنهم أرادوا الحكم على القاتل وتحيلوا حتى أخرجوه من البلاد، ثم صاروا يتلاعبون،

стр. 1608

مع أنهم في قضية مرطوس تعنتوا غاية التعنت وألزمونا قتله فصبرناهم ريثما تتم الموجبات ويحكم الشرع بقتله، فلم يصبروا وما قصروا في التعنت وطلبوا رفع النازلة لغير القاضى فوقع الحكم عليه بالقتل، ومع ذلك طلبوا أداء المال في القتل فكان ذلك كله، فأى فريق بين هذا وذاك وأى قانون يحكم بقتل هذا ومنع هذا من القتل؟ وقد بلغنا أن القاتل المذكور قدم لطنجة وسكن غير مكترث بأحد، فبأى موجب سرح وبأى موجب لم يقتل مع ثبوت قتله وبأى وجه يسكت عن دعوته؟ فلا صبر على هذا، ولا بد من الكلام فيه حتى يعمل في دعوته الحق بحول الله وقوته. ومن جملتها قضية أملاك ابن الغنيمى التي بآسفى، أراد المخزن حيازتها لاستغراق ذمة مالكها بمال بيت المال، فتعرضوا لها وقالوا: إنه في حمايتهم مع ندائه هو بالتبرى منهم وإعلانه بأنه ليس في حماية أحد إلا حماية المخزن، وما زالوا يتعنتون فيها ويطلبون ما ليس لهم بقانون ويدخلون في الأمور التي لا دخل لهم فيها بالحق، ومن جملتها أمر حماية البادية التي أسقطوها وكتبت أنت بذلك وكتبت تحت اليد بذلك، ومع ذلك فلم يكفوا عنها ولا زالوا يحمون بها ويدافعون ويتعرضون لما ليس لهم فيه حق إلى غير ذلك من القضايا العويصة المتعددة التي سردها يؤدى إلى التطويل الكثير. فلا بد استحضر هذه القضايا كلها واستعد للكلام فيها كلها، فإنها من أهم أمورك وآكدها، ومما لا يمكن السكوت عليه ولا يسوغ الصبر عليه حتى لا تذهب سفرتك مجانا بلا طائل، بل ربما إن تعاميت عليها يلقون عليك من حججهم ودعاويهم ما يثقلك ويذهلك فتزيد الثقل على عدم قضاء مآربك المهمة والسلام في ١٨ ربيع الثانى عام ١٢٨٤". ونص آخر في المكاففة في مسائل الديون:

стр. 1609

"خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: وصلنا كتابك تذكر فيه أنه كان بلغك أن قائد الصويرة قبض أناسا من أهل سوس مكاففة فيما على إخوانهم الفارين من الديون لتجار النصارى وسجنهم حتى أعطوا ما بأيديهم، فطلب منه القونصو إبقاءهم مثقفين في الباقى حتى يتفاصل إخوانهم الفارون مع أرباب الديون، فاستبعدت ذلك ولم تعلم حينئذ مستنده فيه، فكتبت له بعدم المكاففة وبعدم قبض البرئ في الغريم الفار من الدين، ثم كتب التجار في ذلك لنوابهم وتكلم معك فيه قونصو المركان فحاججته بما ذكر فأجابك بانا أذنا لعامل الصويرة في ذلك متابعة لمولانا المقدس بالله واحتياطا لأموال التجار، وأطلعك على نسخة من كتابنا الشريف بالعدول فأجبته حينئذ بأن لا محيد عن الامتثال، وأنه لابد من الاقتصار على الرسوم القديمة التي كانت قبل تاريخ صدور المنع الذى أوهمت أنه من قبلنا عملا بما كنا أمرناك به من التنبيه بما وقع في ورديغة، فأدخلت في ذلك كل القبائل التي لا تنالها الأحكام منهم دواخل سوس، وتكلمت مع النواب بأن ما يتجدد بعد ذلك لا يقبض فيه أحد ممن يتسوق المدينة للمصلحة التي أشرت إليها، وأفصحت لهم عن هذا الشرط فاستصوبوه، وكتبت للعامل بالمشى على العادة على الشرط المذكور من كونه في الرسوم القديمة لا غير، فلم يلتفت لما كتبت له به، وبقى الأمر موقوفا فأكثروا عليه من الاسترعاءات، وكتب لقونصو الصويرة بما في النسخة التي دفعها لك باشدور النجليز، ووجهتها مع ما كتب لك به هو في القضية طالبا رفعها لجانبنا العالى بالله لنجرى أمر التثقيف على الرسوم القديمة، ذاكراً أن ذلك إن لم يقع لابد من إحضار المدينين كما في الشروط حسبما في كتابه الذى وجهت.

стр. 1610

فاعلم أن لتجار الصويرة مخالطات مع أهل سوس ثم منهم -أى أهل سوس- من له مخالطة مع تجار غير التاجر المكافف، ولم يقطع المعاملة مع التاجر المخالط له، ومنهم من له مخالطة مع التجار وقطع رجله عن القدوم عليهم وعن مخالطتهم، فأما من لم يقطع المعاملة أو كان في قبيلته من هو مخالط للتجار وقبض هو أو إخوانه كفافا فلا شك أن إخوانه يقبضون أصحاب من كاففهم ويكاففونهم ويتسع الخرق حينئذ، وأما من قطع المعاملة مع التجار وقطع رجله عن المدينة ولم يكن في قبيلته من هو مخالط مع التجار فلا بأس بقبضه، إذ لا محذور فيه إن ظفر به أو قبض إخوانه. وبالجملة إن في كفاف من له مخالطة مع التجار أو قبض إخوانه قطع أرجلهم عن المدينة، وتعرضهم لقبض أصحاب التجار وفى ذلك من الضرر على التجار من جهة كفاف أصحابهم وأخذ ما بأيديهم من متاعهم، ومن جهة المرسى بقطع ما يرد من سوس على التجار بقصد وسقه، بخلاف ما إذا كان المكافف قطع رجله رأسا ولم يكن لإخوانه مخالطة مع التجار فلا ضرر في كفافه، أو كفاف إخوانه. وعليه ففى الكفاف تفصيل، والذى يقبض كفافا يكون هو أي المدين المطالب بعينه أو قرابته، لأنهم إذا قبضوا والحالة هذه فلابد أن يفاصل عليهم إخوانهم وأما إذا كان المقبوضون كفافا أجنبيين من المدين المطالب فينهم يتركونهم ولا يعبأون بهم ولا يفاصلون ما عليهم، إذ ليس الأجنبى الذى لا يعبأ بأمره كالقريب الذى يعبأ به ويخلص عليه، وهذه الكفافة المشار لكيفيتها تكون في الرسوم القديمة خاصة والله يعينك والسلام في ٢٢ رمضان المعظم عام ١٢٨٤"

стр. 1611

ونص آخر في نصراني أسلم وطلبت دولته تسليمه إليها: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: وصلنا كتابك جوابا عما كتبنا لك به في شأن النصرانى البرطقيزى الذى أسلم بالصويرة، فذكرت أن كبيرهم بطنجة تكلم معك في أمره فأجبته بما قدمناه لك من عدم تمكينهم منه، ونبهت على ما كان عليه هذا النصرانى بالجديدة من الاشتغال بالفساد ومخالطة أهله، والدخول للسجون وتسريح من وجب عليه الحق إلى غير ذلك مما وقعت الشكوى به لدولته، فعزل من الخدمة فكان عزله سبب ما أظهره من الإسلام، وأنه إن قبل وقرب وتكلم عليه يظهر لهم أن ما اشتكى به أولا سفسطة وعملا بيد، ويرجع اللوم على كبيره، وأشرت بأن يجرى مجرى أمثاله من العلوج ويذهب حيث شاء ليظهر ما يبطنه، فها نحن أمرنا الأمناء بأن يكسوه كسوة تستره ويدفعوا له ما يجعله في يده ويذهب حيث شاء والله يعينك والسلام في ٢٨ صفر عام ١٢٨٥". ونص آخر فيما يقع في حقوق النزائل المقامة لحفظ الأمن بالطريق: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فقد تشكى أهل النزائل الذين يقرب الرباط بأن الجمالة أصحاب النصارى يأخذون من أصحابهم بطائق ويمرون بها عليهم ولا يعطون حق النزائل، ثم يبيعونها لجمالة آخرين ليسوا من أصحاب النصارى ويسلكون بها مجانا، وإذا حاول أحد منهم مخاطبتهم بحق النزالة يرمون بعض حوائجهم ويدعون أنهم نهبوهم، حتى صار أهل النزائل لا يقدرون على مخاطبة جل الناس بحق النزالة خوفا على أنفسهم.

стр. 1612

فلا بد تكلم مع النواب في ذلك، وقرر لهم أن هذه النزائل أنزلت هناك قديما من عهد جدنا مولانا سليمان وسيدنا الوالد قدسهما الله لمصلحة حفظ الطريق والقيام بحراستها ليلا ونهارا، وما يقبضونه من القوافل هى إعانة لهم على ذلك وما قط وقع فيهم كلام منهم في شأنهم في هذه السنين الماضية إلى هذه الأيام أرادوا خرق القانون الذى وجدنا عليه أسلافنا معهم، وذلك فيه ما فيه ومخالف للشروط، وان ادعوا أنه في الشروط فما سبب سكوتهم ولم يتكلموا في ذلك إلى هذا الوقت. وبين لهم -أى النواب- ما صار أصحابهم يفعلون من بيع نفائلهم لأصحاب قوافل أخرى هروبا من الإعطاء، ليعرفوا ما آل إليه أمر عدم الإعطاء حتى أدى لأمر آخر، وهو عدم إعطاء غيرهم مع أنهم -أى النواب- لا يوافقون على هذا ولا يحبونه، وليس سبيل هذا الإعطاء سبيل الكنطردة، لأن هذا الإعطاء هو لأجل تحصين متاع التجار وتوجيهه في الأمان، فليس الإعطاء إلا على نفعهم بخلاف الكنطردة، فينها لمصلحة الإيالة فلا كلام فيها مع التجار، فإذا وسع الله تعالى على المخزن فإنه يسقطها كما كنا أسقطناها قبل إلى أن دعت الحاجة إليها والسلام في ١٠ رجب ١٢٨٥" ونص آخر في قضية اعتداء فرنسيين على يهودي مراكشى: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش، أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: وصلنا جوابك عما صدر من التاجرين الفرنصيصيين بملاح مراكشة من التعدى والجسارة وهتك حجاب الوقار على وصيفنا القائد إبراهيم الأكراوى بما ارتكباه في إِيالته من الأفعال الشنيعة التي تمجها الأسماع، وتنفر منها الطباع، من تعليق اليهودى والاستيلاء على ملك زوجته وغير ذلك مما قدمناه لك، وبينا لك ما دار بين كاتبنا الطالب ابن إديس وبين قونصو الفرنسيس في الدعوى، وما وقع به

стр. 1613

الصلح بينهما فيها وتوجه به الحكم على النصرانى المعلق مما لا معنى له من الاكتفاء بسجنه أياما ودفع ٤٦٠ ريال ذعيرة لمخزنهم مما يستبعد في هذه النازلة، ولا يسلم لما أوضحناه لك، وبينا لك وجه عدم تسليمه وما يترتب على قبوله وإمضائه، فذكرت أنك تكلمت في ذلك مع باشدورهم بطنجة وشرحته له على نحو ما أمرناك به وصرحت له بأن ما حكم به قونصوهم بالصويرة في هذه الدعوى غير مقنع عندنا، فأجابك بأن القونصو المذكور هو المتولى الحكم في هذه النازلة بإذن من دولته إلا إذا تم الحكم منه فيها ولم نقبله فيكون لنا الحق في طلب رفعها للحكم عليها عنده بطنجة وتمنى فصلها بالصويرة بوجه جميل، لما ظهر له من أن فصالها هناك أفضل من رفعها لطنجة، وذكر أن فيها دعوتين واحدة لهم والأخرى عليهم، وأن تعليق اليهودى لم يكن من عنقه للقتل، وإنما هو ربط من وسطه كالضحك عليه كما يفعلون ببلدهم بحيث إن لم يصبر المعلق واشتكى لمخزنهم بالمعلقين يعاقبون بسجن يسير وذعيرة لأجل المسخرة التي فعلوا، وأن طلب حسم مادة هذه الدعوى لما ذكر أنه ينشأ عن وصولها لدولته من إمعان النظر فيها والبحث فيما يدعيه التاجران وتوصلهما بما يثبت لهما لما وصفهما به. ودار بينك وبينه في القضية حسبما سطرته وطلبت فصلها على يد كاتبنا المذكور لما وصفته به وأثنيت به عليه وأشرت بتقليل المشاحنة مع هذه الدولة لما ظهر لك من أنها مهما تشعر بشئ من الإهمال والدوران إلا وتشعب، فتكون في مطلب وترجع في مطلب آخر، وصار ذلك منا على بال. فاعلم أن الناس عندنا في الحق سواء، لا نحب إبطال حق ولا تحقيق باطل، وحاصل أمر هذه القضية أن هذين التاجرين ثبت عليهما تعليق اليهودى ظلما وافتياتا على العامل كما ثبت عليهما إفساد دار اليهودية بما أحدثا فيها من الهدم والبناء بغير رضاها، مع ما آل إليه الأمر من الجسارة على جانب العامل حسبما

стр. 1614

قدمنا لك، وكل ذلك بحجج وقف عليها نائب جنسهما بثغر الصويرة وسلمها غير أنه حكم عليهما بعقوبة لا تفى ببعض فعلهما، وللبحث فيها مجال، فلذا لم تقبل لأنها لو قبلت وعلم الناس قبولها لتشوف بعض من لا خلاق له بهذه الإِيالة السعيدة لأن يفعل مثل ذلك بتاجر من تجار الأجناس، وتهون عليه العقوبة المذكورة، فسد الذرائع متعين. وقول الباشدور، إن التعليق لم يكن من العنق وإنما كان ربطا من الوسط هو على كل حال تعليق في الهواء ورفع على الأرض، سواء كان من العنق أو غيره وأمره شنيع، وفعله هائل فظيع لا صبر لليهودى على ما هو أدنى منه، فكيف به ولو عاين الباشادور هرجهم ومرجهم وارتفاع أصواتهم في حارتهم وقت تعليق اليهودى، حتى إنه ربما تسقط حواملهم ما استسهل الأمر وإنما يستسهل الأمر من اعتاده وفيه استخفاف وافتيات حتى بالدولة، لأن المعلوم بالتعليق والشنق هو المخزن. وكل من سمع هذا الفعل من الدول والأجناس يمجه ويستقبحه، وربما عيبوا حتى على من سكت عنه، وأما ما يدعيان به على العامل الأكراوى فإن أثبتاه بحجج مسلمة فنحن أولى بالانصاف ولا يسعنا إهمال حقهما، كان لم يكن عندهما إلا مجرد القول فغير خاف أن الدعوى المجردة عن الحجة لا توجب لصاحبها شيئا شرعا وطبعا، ولو كان كل من ادعى بشئ ولا حجة له يمكن منه لضاعت الحقوق، وتسارع لأموال الناس أهل الفجور والفسوق، ولم يبق لأحد بما في يده وثوق، فالشرع والطبع متطابقان على أن الدعوى المجردة عن الحجة غير ملتفت إليها، وحتى لو رفع التاجران أو الباشادور القضية للدولة، فهذه الدولة الفرنصيصية بمكان من العقل والعدل في الحكم، فإن بلغتها القضية على تحقيقها فكيف تسامح التاجرين في قبيح فعلهما أو تطلب ما ليس من حقهما ولا حجة لهما عليه والله يعينك والسلام في ١٢ من ذى الحجة عام ١٢٨٦".

стр. 1615

ومن ذلك ما أصدره له أيضا ونصه: "خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى. وبعد: فقد أخبر عامل الريف أن نفرا ثلاثة من أهل كلعية كانوا خارجين من أمليلية فتعرض لهم بعض العسكر على الباب يمازحهم فعمد أحد المسلمين إلى عسكرى وضربه بيده فأسرع إليهم العسكر وهرب النفر الثلاثة، فعثر العسكر على رجل آخر قرب الباب فضربوه بعمائر أربعة وقتلوه، وذكر أنه كتب لك في القضية وأن حاكم أمليلية أجابه بأنه تأسف وتغير على ما صدر من العسكر من قتل هذا المسلم، وأنه قبض على قائد العسة والذى ضرب وسجنهما حسبما تقف عليه في النسختين الواصلتين إليك في على هذا. فانظر إلى هذا الفعل، وهذا الظلم والتعدى، وقد علمت أن المسلمين لا يصبرون على أخذ ثأر أخيهم المقتول، وعليه فلا بُدّ اكتب لباشادورهم بطنجة واشرح له القضية واسترع عليهم واجعل لهم خمسة عشر يوما أجلا، فإن أخذوا الحق لإخوان المقتول في دم أخيهم فذاك، وإلا فلا ملامة على المسلمين إن أخذوا الحق لأنفسهم والسلام ٢١ صفر عام ١٢٨٦". ونص كتاب عامل الريف المشار إليه المترجم: بعد تقبيل حاشية سرادق بساط سيدنا نصره الله وأداء ما يجب للحضرة العالية بالله، ينهى لعلم سيدنا أعزه الله وخلد في الصالحات ذكره أن أمس تاريخه كانوا ثلاثة من المسلمين المجاورين لمليلية من آل قلعية خارجين على باب البلد المذكور، فتعرض لهم بعض العسكر الذين في العسة على الباب يمازحهم، وكان أحد المسلمين دون عقله، فضرب المسلم العسكرى بيده لا غير، فأسرعوا إليهم
следующие страницы →