من الأوقاف المختصة به وما يشترك فيه اثنان، ثم بنى الحوانيت والفندق والحمام والسقايات، وأجرى الماء في سائر النواحى والجهات، وبنى قبة سيدى راشد المتقدم ذكره، وبنى حول ذلك بناءات ثم أدار البناء على الجميع ليطمئن الزائر والساكن ولا يخشى العاهات، وبنى قنطرة الوادى وقنطرة أخرى بناحية قصر فرعون وسهل الطرقات، وأمر ببناء الدور في المواضع المرتفعات، وذلك كله على يد خادمه الباشا ابن الأشقر، وبعض كتابه ومن له الأمر.
وعند ذلك رغب الناس في سكنى زَرْهُون، وصار منازل الأشراف وأهل الفضل والدين، وان كان قديما هو مأوى الصالحين، ومحل إجابة السائلين وملجأ الراغبين، لكن كان غير مقصود للسكنى، وبوجود مولانا إسماعيل صار يغبط السكنى فيه الناس، وتقصده القبائل والرؤساء من سائر القبائل والأجناس.
وحين تم بناؤه على الوجه الذى أراده السلطان، وزاره ورأى ذلك بالعيان، ورأى عمارته واغتباط الناس في البنيان، سجد لله شكرا، وحمد الله على عادته سرا وجهرا. اهـ.
وإنما تعرضنا هنا لذكر هذا الضريح الأعظم في جملة تأسيسات مولانا الجد مولانا إسماعيل بعاصمته المكناسة لأن متبوعنا الإمام ابن غازى تعرض لذكر صاحبه ولذكر عاصمة ملكه التي كانت حاضرة البلاد مدينة وليلى ولكون المحل من جملة الأحواز المكناسية، وهذا هو ملحظ ما نأتى به بعد إن شاء الله مما يتعلق بزرهون وأهله.
وأما باقى بناءاته في غير مكناسة فقد أتينا على جملة صالحة منها في كتابنا المنزع اللطيف مفصلة وما أشرنا إليه من التأسيسات المتقدمة من هذا الإمام في العاصمة المكناسية، فإنما هو قُلٌّ من كُثْر، إذ لا نسبة لما انهد منها واندثر أثره مع ما بقى منها مما مر بك.
стр. 212
قال أبو القاسم الزيانى: ومن يوم مات المولى إسماعيل والملوك من بنيه وحفدته يخربون تلك القصور على قدر جهدهم وما أكملوا نصفها مدة من نحو مائة سنة. اهـ.
قلت: ولا زالت يد التخريب عاملة إلى الحين الحالى في تلك الحصون والأسوار الهائلة.
ولضخامة الآثار الإسماعيلية وانتشارها في سائر الأقطار المغربية، توهم بعض الجاهلين أن ذلك فوق مقدور البشر وأنه من عمل الجان، وليس الأمر كما توهم أولئك الأغبياء، وإنما بناءات مولانا إسماعيل الهائلة أثر من آثار على همته، ووافر ثروته، وعظم دولته، ونفوذ كلمته، وكمال اقتداره، وحزمه وصرامته، في سائر أطواره، ولذلك أزرت مبانيه بما بناه الفراعنة والأكاسرة حتى قال بعض حذاق الشعراء:
لقد بنت الملوك بناء فخر ... به ذكرت على مر الدهور
وأبنية الإمام أبى الفداء ... سليل المصطفى الليث الهصور
أتم ضخامة وأجل قدرا ... وأجمل منظراً أبهى قصور
وفى كل البلاد له حصون ... لتأمين المسافر في المرور
ولو قيست مبانيه بما قد ... بناه من تقدم في عصور
لكان لها اعتزاز وافتخار ... ببهجة حسنها وبنا الأمير
فدونك فاستمع قولى مصيخا ... فإن مقالتى ليست بزور
وفى مكناسة الغرا دليل ... كمثل الشمس في صفة الظهور
فرحمة ربنا عدد الرمال ... على ملك تسامى عن نظير
стр. 213
وقال الوزير ابن إدريس:
قال للذين استعظموا من جهلهم ... إيوان كسرى أو بنا الأهرام
لم يبن ملك قد تقدم ما بنى ... مولاى إسماعيل في الإسلام
وقال صديقنا المؤرخ النقاد أبو عبد الله محمد بوجندار الرباطى مساجلا صديقنا الفقيه الأديب الكامل أبا عبد الله محمد بن اليمنى الناصرى وكان ابتداؤها
من الأول إذ قال:
مآثر إسماعيل أسمى المآثر ... ففاخر بما شاهدت منها وكاثر
ونزه جفونا في محاسن صنعها ... تجد مفخرا يسمو جميع المفاخر
مفاخر إلا أنهن بدائع ... بدائع إلا أنها صنع ماهر
مصانع إلا أنهن نواصع ... نواصع إلا أنها كالزواهر
فعج بى رعاك الله نحو ضريح من ... غدت عن مزايا ملكه خير سافر
مزايا غدت علوية علوية ... علت بمليك كامل الفضل وافر
وقول الوزير ابن إدريس لم يبن ملك ... إلخ، إشارة إلى تعضيد قول مؤرخ الدولة العلوية أبى القاسم الزيانى إن مبانى المولى إسماعيل بقلعة مكناسة وقصوره ومساجده ومدارسه وبساتينه شيء تذهل عند مشاهدته العقول، وتعجز عنه قدر الدول القديمة والحادثة، قال: ولا تلحق ضخامة مبانيه ما بنى كسرى في المدائن، ولا الفراعنة في مصر، ولا الروم برومة والقسطنطينية، ولا اليونان بأنطاكية والإسكندرية، ولا العماليق بالشام، ولا ما بناه بنو أمية ولا بنو العباس ولا العبيديون ولا المرابطون ولا الموحدون، ولا بنو مرين، ولا السعديون، قال: ولقد شاهدت الكثير من آثار الدول المذكورة فما رأيت أثرا أعظم من آثاره وأضخم من
стр. 214
بنائه، وأكثر من قصوره لأن من بنى من هذه الدول إنما يعتنى بتشييد قصر وتنميقه، والمولى إسماعيل لم يقتصر على قصر ولا على عشرة ولا على عشرين، بل جعل مبانى الدول كلها في بطن قلعته بمكناسة كما يقال: كل الصيد في جوف الفرا. اهـ.
وقد تابع الزيانى على مقاله هذا من نسج على منواله كصاحبى "الجيش العرمرم" و"الاستقصاء" وعليه جرى الوزير ابن إدريس كما رأيته.
وأما تعقب بعض فضلاء العصر وهو الشيخ محمد فريد وجدى ما في الاستقصاء بقوله نقول في هذا الكلام غلو عظيم لا يصحّ أن يصدر من مؤرخ على أنه يَدُلُّ في الجملة على ما كان لهذا السطان من المبانى العظيمة. اهـ. فغير سديد لأن الغلو مدفوع بما بينه الزيانى من اقتصار كل دولة على تشييد بناء عظيم خاص، والولى إسماعيل شيد في بناءاته الضخمة الهائلة ما يوارى بناء كل دولة، وجمع ذلك في قلعته فصارت قلعته جامعة لا يماثل ما شيدته الدول كلها، وهذا شيء انفرد به دونهم فاستحق بذلك تفضيل جملة مشيداته على ما شيده كل فرد منهم، إذ لم يتفق لفرد من تلك الدول من كثير المبانى الضخمة الممثلة لسائر مبانى من عداه من الدول ما اتفق للمولى إسماعيل، فأين الغلو في ذلك حينئذ! وأين ادعاء أن ذلك لا يصدر من مؤرخ! كيف وقد صدر عن مؤرخين كما رأيت وأولهم الزيانى، ما أعلن بذلك حتى أخبر بمشاهدته لمبانى الفريقين فريق الدولة الإسماعيلية وفريق من عداها من الدول المتقدمة عليها في أقطار المعمور، وجناب الشيخ الفاضل المعترض ليس معه إلا تحكيم الاستبعاد، الخالى عما يدعمه من وجوه الاستناد، وذلك هو منشأ الفساد، على أنه سيوافيك في ترجمة المولى إسماعيل من مشيداته في الأقطار المغربية الخارجة عن مكناسة ما يزيح عنك كل تشكيك وشبهة.
стр. 215
هذا والذى حدانا لشرح نقض ذلك الانتقاد، زيادة المنتقد قوله لا يصدر عن مؤرخ المعنونة بأن الغلو المنتقد به غير مقبول، لخروجه عن مناهج المعقول، أما لو طوى بساط تلك الزيادة المفسدة واقتصر على مجرد التنبيه على الغلو لقبلناه، وحملناه على الفرد المقبول عند سماسرة الفن ولم يعبأوا بمن خالفهم فأباه، وقلنا حينئذ بمجالات المديح التي لا غنى للمؤرخ عنها هى معدن ذلك ومأواه.
(تنبيه) علم مما سبق اهتمام المولى إسماعيل وغيره ممن تقدمه من ملوك المغرب بتشييد المساجد العظيمة والمدارس البهية والمشاهد العلية وتجديدهم لما وهى من ذلك تجديدًا أرفع مما كان، لكن مع التجافى في الجملة عن الإسراف وعدم التجاور عن حدود الإمكان.
وعليه فما وقع في رحلة الزيانى بعد بيان فخامة مسجد السلطان حسن بمصر من قوله: فرحم الله أفاضل الملوك الذين درجوا، والذين من خلفهم على مناهجهم نهجوا، لقد خلدوا من المآثر الدينية ما أوجب خلود الثناء عليهم ووصول الدعاء ممن بعدهم إليهم، ولم يزل أهل المشرق إلى الآن لهم فضل اعتناء ببناء المساجد والخانات، ويبالغون في تعظيمها ويتنافسون في ذلك ويبادرون إلى إصلاح ما وهى منها.
وأما مغربنا فلا تكاد ترى في مدنه مسجدًا عظيمًا قد أحدث بل مهدوما قد جدد، أو واهيًا قد أصلح، بل إن سقط شيء من أكبر مساجدهم فأحسن أحوالهم فيه إن كان مبنيا برخام أن يعاد بجص وآجر، وإن كان مجصصا أن يعاد بطين، بحيث تجد المسجد كأنه مرقعة فقير من كل لون رقعة، وما أرى سبب ما لمغربنا من الوهن إلا أمثال هذا من عدم تعظيم الله ولو في الأمور الظاهرة، فضلا عن الباطنة، ولم يعتن بإقامة معالم الدين إلا أمير المؤمنين سيدنا محمد بن عبد الله فقد شيد بمدنه مساجد ومدارس ورباطات، واقتفى آثاره في ذلك سلطاننا مولانا سليمان في تشييد معالم الدين بكل مدينة. اهـ.
стр. 216
قلت: هذا مخالف للحقيقة، وبعيد عن سوى الطريقة، أما تأنق أهل المشرق في بناء المساجد في ينكر، وأما مبالغتهم في تعظيمها فإن عنى بتأنق البناء فهو ما تقدم وإن عنى تعظيم الحرمات الشرعية فيها الذى نسب ضده لأهل المغرب فهو من مجازفاته المعهودة منه ﵀، فإن المقرر والمعهود عند الثقات وأفاضل الرحالين عكسه، وقد قدمنا في الكلام على البربر وأهل المغرب كلام الشيخ زروق في قواعده "الناص" على أن الغيرة الدينية عزيزة في المشرق ولا توجد إلا في أهل الخصوصية من أهله.
وقد نبه أبو سالم العياشى في "رحلته" على ما يعضد ذلك من تهاون المشرقيين بحرمات المساجد، وإذا لم تكن حرمات المساجد قائمة وبأنواع التعبدات التي بنيت لها آهلة، فأى ثمرة للمبالغة في تزويقها وتنميقها! هذا لو كان ذلك التزويق مأذونا فيه شرعا، فكيف وقد أباه الكثير من السلف، وكراهته هى مشهور مذهب أهل المغرب وهو مذهب مالك.
وفى صحيح البخارى أن سيدنا عمر بن الخطاب أمر ببناء المسجد وقال: أُكِنُّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا، وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم.
قال القسطلانى: فيه كراهة زخرفة المساجد لاشتغال قلب المصلى بذلك أو لصرف المال في غير وجهه. اهـ.
وقال الخطيب ابن مرزوق في "شرح العمدة": وقعت المسألة بمجلس أمير المؤمنين أبى الحسن المرينى في المسجد الجامع الذى أنشأه بظاهر تلمسان بضريح سيدى أبى مدين، إذ زوقت قبلته وذهبت، فأفتى أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام ومن حضر من أئمة المغرب بزواله وأبيت لهم ذلك، قال: والحق منعه ابتداء وأما
стр. 217
بعد عمله فلا أرى أن يزال، وقد أمر أمير المؤمنين بإزالة ما قرب من المصلى من ذلك، قال: وهذه المسألة مما عمت به البلوى، لا سيما في بلاد المشرق، انظر المعيار فانظر قوله: مما عمت به البلوى لا سيما في بلاد المشرق، فهو ضد ما جازف به الزيانى من مدح أهل المشرق به، ثم استثناؤه خصوص سيدى محمد بن عبد الله ومولاى سليمان يدل على أنه قصد المولى إسماعيل في الدخول في الذم الذى ذكره، وربما كان هو المقصود عنده به، وأنت ترى مما تقدم كثرة ما شيده من المعاهد الدينية في خصوص مكناس وفى ترجمته المنزع اللطيف بعض ما شيده في غيره والله المرشد بفضله.
هذا وقول ابن مرزوق وأما بعد عمله فلا أرى أن يزال لا وجه له حيث إنه ممنوع ابتداء، والعلة هى شغل المصلى كما هو في كلام عمر، فالواجب هو زوال ذلك الشاغل والإقلاع عن ذلك المنهى عنه فالحق مع ابنى الإمام لا يقال في زواله إضاعة المال بلا فائدة، لأنا نقول وفى بقائه ضياع المال مع مفسدة شغل المصلى ودوام ارتكاب المنهى عنه.
وإذ قد أتينا على ما بلغه علمنا وما شاهدناه مما أسسه المولى إسماعيل من عظيم المبانى والغروس بعاصمته مكناسة الزيتون فلنعطف للتنبيه على ما أسسه فيها أيضا الملوك من بنيه وحفدته وعائلتهم الكريمة فنقول:
من تأسيسات السلطان الأصيل العريق المجد والفخار مولانا أحمد الملقب الذهبى بمكناسة ضريح والده الإمام الجليل، أمير المؤمنين مولانا إسماعيل، ذلك الضريح الذى أصبح في باب الإتقان آية، البالغ في التنميق والتنسيق الغاية، ذلك الضريح المحكم الصنع، العجيب الوضع، المنتظم من قبة لا نظير لها في الأقطار المغربية بل ولا الشرقية فيما أعلم، يقال إنه اخترع بناءها على الشكل والهيئة التي كان عليها إفراج والده صاحب الضريح المذكور الذى كان معدا لديه في حركاته
стр. 218
[صورة]
باب قبة ضريح السلطان مولاي إسماعيل
стр. 219
[صورة]
دويرية الشريح الإسماعيلي ومحرابها
стр. 220
لدى أسفاره وتجولاته في إيالته لتوطيد الأمن، وكسر صولة المتمردين، وبخدى باب هذه القبة الزكية البهية لوحتان رخاما بديعتان منقوشتان أبدع نقش وأعلاه، طول كل واحدة مترا وسبع وستون سنتيما وعرضها خمس وتسعون سننتيما منقوش في أعلى التي عن يمين الداخل ما لفظه:
باب ضريح إمام الغرب ذا فبه ... بدر الهناء ونجم الدين قد غابا
وبأعلى التي على اليسار ما لفظه:
فافسح له يا عظيم المن منزلة ... في الخلد وافتح إلى الغفران أبوابا
وبراح أمام هذه القبة طوله عشرة أمتار وعرضه كذلك محيط بمباحات أربع محمولة على اثنى عشر أسطوانة من بديع المرمر، وبوسطه خصة مرمرية لطيفة الشكل، وبهذا البراح أيضا قبة في الجهة الجنوبية تقابل قبة الضريح تعرف باسم الخراجة لكون الأمام أبى النصر مولانا إسماعيل كان يخرج منها من داره العلية إلى المسجد الذى وصفنا تهدمه الكائن الآن داخل الباب الأول للضريح الإسماعيلى، وهو الذى كان يؤدى فيه الصلوات الخمس كما أشرنا لترشيحه سابقًا، وحذو هذه الخراجة قوس صغير بمثابة بيت القنادل بالجانب الغربى منها، وبإزائه بهو يقابله في الجانب الشرقى محراب الصلاة وتحيط بجدرات الضريح والبراح المربع أمامها منطقة من الزليج المرصع أبدع ترصيع وأتقنه، ينيف ارتفاع تلك المنطقة على متر وبأعلى منطقة زليج قبة الضريح قصيدة رائقة منقوشة في زليج أسود بخط بديع رائق محيط بدائرة القبة، شاهدة بأن مولانا أحمد المذكور هو البانى والمؤسس لذلك المشهد الحفيل الفائق، بيد أنه ضاع أول تلك القصيدة وآخرها، ووقع اختلال في أواسطها ودونك لفظ ما هو موجود منها الآن مع إصلاح يسير فعلى يمين الداخل:
стр. 221
فتح المدائن والحصون بجنده ... وجهاده وحسامه البتار
نشر العطا غفر الخطا ستر الغطا ... أغضى الحيا من حلمه الستار
مد الأمان على الأنام بظله ... وشقى الحيا من كفه المدرار
قل للمفاخر لا تفاخر واعترف ... لكماله بالعجز والإقصار
ماذا تقول لفضل آل محمد ... وهم الغياث لكل خطب طارى
وهم الكرام إذا حللت بجاههم ... وهم الأمان لأرضهم والجار
وهم هم من أمهم وأبوهم ... متوسلين بجاههم للبارى
من ذا يعد على فضلا في الورى ... وأنا طويت المجد تحت جدار
فلى الفخار على المبانى كلها ... آثاره تنبيك عن أخبار
قد شادنى البانى ولله ما بنى ... وأطال في سمك السماء منار
وأنالنى شرفا وفخرا باذخا ... وبالانتساب له علا مقدار
خير الملوك من البرية كلها ... الذهبى أحمد نخبة الأخيار
غيث البلاد إذا البلاد قد أمحلت ... غوث الأنام لكل هول عار
جبر الإله به الأنام وصدعها ... وكَسَابِهِ في الفضل من هو عار
ورث الخلافة عن أبيه وإنه ... أهل لها من سائر الأنظار
عقلا ودينا سؤددا وشجاعة ... حزما وعزما دائم الأمطار
يغنى إذا أعطى وإن هو قد سطا ... فتخاف فتكته أسود الضارى
ما مات والده المخلف مثله ... فكأنه ما غاب، عن أبصار
حسب على حسب تكامل مجده ... وكذا ذوو الأحساب والأقدار
стр. 222
أبقاك مولانا لنصرة دينه ... ظلا ظليلا في سما الأمصار
تغشاك ألطاف الإله ونصره ... يتلو عليك معالى الإظهار
وسواك مفضول وقدرك فاضل ... وعلاك فوق الكل في الأسطار
ما رام شأوك في العَلا مسابق ... إلا وكنت أبا السنا المضمار
فعلى ضريح أبيك رضوان الإلـ ... ـه وألف ألف سلامه المعطار
وسقاه مولانا شآبيب الرضا ... تغشاه بالآصال والأبكار
في عام (لباشوق) داع إلهه ... قد صار في كرم مع الأبرار
وقول البيت الثانى: ستر الغطا معناه إما ستر السوء من قولهم فعل به ما غطاه أى ساءه كمال في المحكم، وإما ستر الكثير من قولهم ماء غاط أى كثير كما في تاج العروس، أو ضمن ستر الغطا انسداله إن لم يكن الأصل سدل فتصحف على الكاتب وهذا الاحتمال أظهر وقع تصحيف أو لم يقع، وقول السابع وهم هم من أمهم وأبوهم يقرأ من يكسر الميم في قوله من أمهم ويكون قوله وأبوهم مبتدأ خبره محذوف أى كذلك، وعلى يسار الداخل منها ما لفظه:
تاج الملوك إمامهم وضياؤهم ... سبط الرسول ونبعة المختار
مولاى إسماعيل خير بيوتها ... نجل الشريف وطلعة الأسرار
بيت المكارم والسيادة والندى ... قطب الجلالة معدن الإكبار
ورث المجادة كابرا عن كابر ... والمجد مجدهم بلا إنكار
قد طالما عبد الإله بليله ... ونهاره وسطا على الفجار
جبر الكسير وكم أسير قد فدى ... بنفائس الأموال والأحجار
وبنى المساجد والمدارس طائعا ... متواضعا لمليكه الجبار
كم عفر الوجه الكريم على الثرى ... بسجوده شكرا بلا استكبار
стр. 223
انتهى.
تبرج أعلى سطح هذه القبة بزينة حلة قرموده المزدرى بالزبرجد في الاخضرار، تعلو تلك الحلة السندسية طاسات خمس من صفر مموهة بخالص الإبريز منتظمة في قضيب من حديد سفلاها هى أكبرها والتى تليها دونها في الكبر وهكذا، وعلى رأس ذلك القضيب لوح حديد لطيف مغشى بورقة من خالص الذهب يعرف ذلك اللوح باسم الخلالة منقوش في إحدى جهتيها ما لفظه:
هذه رتب الكمال تبدت ... ولواء النبى خير البرية
وفى الجهة الأخرى ما لفظه:
فالتمس من شذاه أطيب نشر ... واغتنم طيبه بحسن الطوية
كان يعتقد كثير من الناس أن ذلك اللوح كله من خالص الذهب ويزعمون أنه كان لبعض حظايا الجناب المملوكى الإسماعيلى لما لبى مولاي إسماعيل داعى مولاه وبنى ضريحه على الوصف المذكور أمرت بجعله ثَمَّ، ولم يزل ذلك الاعتقاد ساريا في الناس حتى اعوج ذلك القضيب الحديدى الذى ركبت نيه تلك الطاسات الصفر وذلك اللوح المغشى بسبب هبوب عواصف الرياح توالت ثلاثة أيام أقلعت الأشجار، وكان ذلك في ثانى عشر جمادى الأولى عام خمسة وثلاثين وثلاثمائة وألف، فعند ذلك. أنزل ذلك القضيب بقصد إصلاحه فكشف الغيب أن اللوح إنما هو من حديد مغشى بالذهب وقد أعيد تمويه ما يحتاج للتمويه من تلك الطاسات لكن جاء التمويه الجديد بالنسبة للقديم بمثابة تشويه، إذ الأول قد مرت عليه قرون والثلوج تتراكم عليه وغزير الأمطار وعواصف الرياح تحمل إليه من الغبار، ما يغطى بهجته ويستر بريقه ولمعانه عن الأبصار، ومع ذلك فلم يؤثر ذلك أدنى تأثير، ويجد بباب الدويرية المذكورة باسم البراح السالفة الوصف زليج مكتوب في نفس تزديجه ما لفظه:
стр. 224
لساكنها السلامة والسعادة ... بطول الدهر ما غنت حمامه
وعز لا يدانيه هوان ... وإقبال إلى يوم القيامة
وما لفظه أيضا:
ألا إن دخلت القصر فانظر محاسنى ... وهل أبصرت عيناك مثل هذا الخد
تبارك الله ما أرق شمائلى ... على من الرحمن عز بلا حد
انتهى.
وقد اختلست في هذه الأيام الأخيرة زليجتان بهما البيت الأول وهو لسكانها. . إلخ، ويوجد خارج هذه الدويرة صحن فسيح طوله أمتار ثلاثون ونيف وعرضه أربعة عشر مترا به مباحان: أحدهما في الجهة الشرفية والآخر قبالته بالجانب الغربى، ومزارة يصعد إليها بدرج خمس يشرف منها على قبة الضريح الأقدس على تلك المزارة شباك من حديد مموه بالذهب، وذلك في الجانب الشرقى، وفى الجانب الشمالى من هذا الصحن قبة بها قبور بعض حرم السلطان المولى إسماعيل وبعض أنجاله وأحفاده تعرف هذه القبة بقبة الحاجبات، وفى قبالتها من الجهة الجنوبية ضريح العارف الكامل السيد عبد الرحمن المعروف بالمجذوب، وبوسط الصحن المشار أمام الضريح المجذوبى بئر حفرته امرأة بمال من صداقها بقرب عام ستة وخمسين وألف كما في "ابتهاج القلوب" ويأتى في ترجمة المجذوب بعض ما يتعلق بروضته المذكورة، وبعد الصحن المحدث عنه يوجد صحن آخر طوله يقرب من العشرة أمتار، وعرضه كذلك، بجانبه الشرقى صفة يقال إن بها مدفن الفرس الذى كان يركبه الشيخ المجذوب وحملت عليه جثته لمحل إقباره المشار، ومن هذا الصحن يخرج لمسجد صلاة الخمس المحدث عنه آنفا الذى بابه الأصلى القديم هو المعروف اليوم باسم باب مولاى إسماعيل، فإذا أراد الإنسان زيارة ذلك الضريح الأنور كلما وصل لصحن من الصحون المارة الوصف يصعد في درج، وهكذا إلى أن يصل قبة الضريح.
стр. 225
[صورة]
صحن البير بالضريح الإسماعيلي
стр. 226
ولأجل هذا العلو وارتفاع بقعة الموقع تتراءى تلك القبة المتبرجة بحلتها الزبرجدية وتاجها المغشى بالذهب من مسافة ليست بالقريبة من سائر نواحى جهات البلد، لا يرى الرائى أعلى منها ولا أروق في النظر، يغشاها نور نبوى تقر به أعين المحبين، ويكون قذى في جفون المارقين والملحدين.
ومن تأسيسات السلطان مولانا عبد الله بن مولانا إسماعيل بهذه العاصمة الفاخرة تنميق باب جامع الأنوار الشهير الواسع الأكناف الواقع بين باب زين العابدين أحد أبواب المدينة الآن، وباب منصور العلج، وكان تأسيسه لذلك عام ستة وأربعين ومائة وألف، ويدل لذلك ما هو منقوش في زليج بخط بارع على الباب المذكور ولفظه:
ما للخورنق والبديع كمال ... شرفي بمنشئ حلتي وكمالي
مولاي عبد الله من دانت له ... شم الأنوف أجلة الأقيال
حسبي من الفخر المخلد أنني ... أثر له والسعد في الإقبال
وقتي (مشوق ١١٤٦) كل نفس ودها ... تحظي به موصوله الآمال
وقد قدمنا أن أصل الجامع المذكور بكماله من أعظم منشآت والده المولى إسماعيل وشرحنا القول في ذلك بما له وما عليه فارجع إليه.
ومن تأسيساته أيضا تجديد باب القصبة الإسماعيلية المعروف باسم. باب منصور العلج على الطرز الذي هو عليه الآن على إصلاح للدولة الحامية فيما كان تصدع منه إصلاحا لم يغير ما كانت عليه، وهذا الباب أبت الأقطار المغربية أن تعزره بثان فهو وحيد الحسن بين أترابه، أنشأ تجديده عام أربعة وأربعين ومائة وألف وشاهد ذلك ما هو منقوش في زليج أسود بخط مشرقي بارع في أعلى ذلك الباب ولفظه: الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد الذي لا نبي بعده:
стр. 227
[صورة]
منظر باب منصورالعلج أحد أبواب القصبة الإسماعيلية
стр. 228
طلعت مطالع سعدها أبراجى ... وأضاء في فلك الجمال سراجي
وحللت من أوج المعالي صهوة ... تسمو على الصهوات والآراج
بوجود من أحيا الوجود وجوده ... وأناره بسراجه الوهاج
من شاد بالنصر العزيز قواعدي ... وأدار بالفتح المبين رتاجي
بيت النبوءة والجلالة والعلا ... كهف الضعيف وغنية المحتاج
مولاي عبد الله متى أضحى به الـ ... إسلام معقود اللوا والتاج
ملك يطاع محبة ومهابة ... فتجيء في زمر وفي أفواج
في كل صالحة آثار تو ... فيق تنادي باسمه وتناجي
فانظر وقس ما غاب عنك بما ترى ... هذا قياس صادق الإنتاج
هل ورخت مثلي (دمشـ ١١٤٤ ـق) أو وشت ... صنعى يد صنعاء في ديباجي
أم خصت الإسكندرية بالذي ... يصفون من عمد ومن أزاج
أم في الملوك نظير مولانا الذي ... هو للعباد كفاية الأماج
فالله يبقيه لرحمة خلقه ... ولغيثها بالصيب الثجاج
والله يبقى دينه بوجوده ... بادي المعالم واضح المنهاج
ونوافل الخيرات تجبى نحوه ... من مغنم وهدية وخراج
وتحية المولى السلام تحفه ... مسكية النفحات والآراج
أشار بحروف لفظة دمشق للتاريخ المشار له. والآماج -بالفتح- جمع أمج بالفتح أيضا وهو الحر والعطش كما في القاموس (١).
стр. 229
ومن تأسيسات السلطان الأعظم، والملاذ الأفخم، سيدي محمد بن عبد الله بقلعة مِكناسَة عاصمة ملك جده المولى إسماعيل المسجد الأزهر، الرافل في حلل الأبهة والفخار، ذلك المسجد الحافل الفاخر المعروف اليوم باسم جامع الأروى، وكان تأسيسه له عام تسعة وثمانين ومائة وألف، وشاهد ذلك ما هو منقوش في الجبص على يمين المحراب وشماله ودونك لفظه:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا محراب مبارك سعيد قد بناه بمسجدنا سيدنا ومولانا المنصور بالله المحروس بعين رعاية الله المجاهد في سبيل رب العالمين، المتوكل على الله القوي المتين، محمد بن عبد الله ابن إسماعيل في عام تسع وثمانين ومائة وألف. اهـ.
ينتظم هذا المسجد من صفوف أربعة ذات أقواس محمولة على أربعة وأربعين سارية مبنية بالجيار واللبن، وصحن فسيح لا يوجد له نظير في القطر المغربي فيما أعلم، طول هذا المسجد ثمان وثمانون مترا ونيف، وعرضه ستون مترا، بوسط صحنه الرحب جابية من أصفى المرمر، وأعلاه من أكبر وأوسع ما أنت راء جوانبها الأربع أعني ما اتصل بها من الصحن مفروشة بزليج الرخام البديع، وباقي الصحن مفروش بالزليج الملون الفاتن الباهي.
ولهذا المسجد ثلاثة أبواب لعموم المصلين أحدها في الجهة الغربية، وثانيها في الجانب الشمالي، وثالثها في الجانب الجنوبي وبويب صغير بالجانب الشمالي من الصفِ الأول يختص السلطان بالدخول منه لكيلا يقع في ورطة تخطي رقاب المصلين، ومع الأسف فقد أهمل هذا المسجد إهمالا ليس عليه من مزيد حتى عشش فيه عرمرم الخراب والتلاشي والدمار وباض وفرخ، رغما عن كونه تقام فيه الجمعة والجماعة، وكونه من المعاهد الإسلامية السامية ذات البال، اندثر زليج أرضه ونبت الكلأ في صحنه، وتكاثف، ونبت الكرم في خشب سقفه الذي كان على جانب من الزينة والزخرفة عظيم، هذا فيما بطن منه، فما ظنك بما ظهر من سطحه إلى غير هذا مما لا أذكره.
стр. 230
وبخارج الباب الشمالي من هذا المسجد توجد مدرسة تحتوي على بيوت ستة وثلاثين عن اليمين والشمال بوسطها خصة لطيفة وبئر، وبآخرها قبة بديعة الشكل كانت على جانب من الزخرفة والنقش عظيم، وبهذه المدرسة منار المسجد المحدث عنه، كما يوجد خارج الباب الجنوبي مرحاض حافل محتو على خمس وعشرين مِيضَأَة، بوسط صحنه صهريج للماء مستطيل كان في غاية اللطف، وخارج هذا المرحاض في جداره الشرقي صهريج مستطيل طوله نحو المترين منحوت في حجرة واحدة، ومع الأسف فقد أصبحت بهجة ذلك كله في خبر كان، ومدت الأيدي العادية لاختلاس مَائِهِ.
وقد كان السلطان المولى الحسن في عزمه إحياء هذا المعهد الإسلامي الذي هو من آثار أسلافه الكرام وأياديهم البيضاء ورده إلى شبابه وشرع في ذلك بالفعل ولكلن حالت المنية بينه وبين بلوغ مراده، ولولا تلافيه بجبر بعض ذلك الصدع لخرت سقوفه ولأصبح أحدوثة في خبر كان.
ومن تأسيسات الأمير سيدي محمد هذا قصره البهيج الموسوم باسم الدار البيضاء محل المدرسة الحربية الآن المعدة لتعليم ضباط المغاربة، أسس بهذا القصر الشامخ مسجدا منتظما من صفوف أربعة وصحن، وجعل له منارًا ومستودعا لوضع آلات التوقيت، وأسس بجانبه الشرقي مدرسة لطيفة وأحاط السور بالفسيح الطويل العريض المعروف باسم أجدال، وأسس بصدر هذا الفسيح قبة مرونقة بديعة على جانب من الإتقان والتزويق مكين، وجعل بإزائها حماما له باب ينفذ إليها وكنيفا، وكل ما يحتاج إليه من منافع ومرافق بحيث لا يحتاج القاطن فيها إلى الخروج منها لما تدعو إليه الحاجة اللازمة للإنسان أعد هذه القبة لفسحته، والجلوس لسماع مظالم رعيته، وأعد البسيط المذكور أمامها لرعي إناث الخيل العتاق أطلقها تغدو في مروجه وتروح إذ كان له ولوع تام بانتقاء الصافنات الجياد، وجلبها من كل صوب، وتربيتها والإنتاج منها.
стр. 231
وأسس بجوار هذا القصر جناني أسوفيط الكبير والصغير، وجنان باب القزدير، وجنان ابن حليمة وعرصة السنطرجية، والعرصة الجديدة حذوها المعروفة بالبحراوية وحبس جنان ابن حليمة المذكور مع العرصتين المشار لهما على المسجد الأعظم، ودونك نص عقد التحبيس:
الحمد لله حبس مولانا الإمام، السلطان المؤيد الهمام، ناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين، صدر الأفاضل المقدام، علم الأعلام، وابن سيد الأنام، العلامة الشهير، الداركة النحرير، صاحب الفتوحات الإلهية، والمواهب الربانية، الذي أشرق الوجود بكريم محياه، أمير المؤمنين سيدي محمد ابن أمير المؤمنين مولانا عبد الله ابن السلطان الجليل، الماجد الأثيل، مولانا إسماعيل، أدام الله عزه ونصره، وخلد في الصالحات ذكره، جميع جنان ابن حليمة وجميع عرصة السنطرجية وجميع العرصة الجديدة المجاورة لها والجميع داخل القصبة السعيدة على المسجد الأعظم من مكناسة تحبيسا مؤبدا، ووفقا مخلدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، ومن بدل أو غير فالله حسيبه وولي الانتقام منه، تقبل الله من مولانا عمله، وبلغه سؤله وأمله، وبسط للناظر الأحظى السيد الحاج الطيب ابن السيد أبي القاسم المسطاسي يد الحوز على ذلك يتصرف فيه للحبس المذكور من بيع غلته وعلاجه مهل رمضان عام اثنين ومائتين وألف.
وقد أفردت الكلام على ماضي هذا القصر الملوكي وحاضره وعلى الأجنة المحتفة به بما يهم القارئ في رسالة مستقلة.
وأسس مسجد قصبة هدراش السالفة الذكر، ويعرف هذا المسجد اليوم بجامع لال خضرا، وقد تقدم لنا أنه من المساجد التي تقام بها الجمعة، وينتظم هذا المسجد من بلاطين وجناحين وأسس به كنفا وحماما بمقربة منه.
قلت: هكذا ذكر تأسيسه لهذا المسجد الزياني ومن تابعه، وانظره مع ما
стр. 232
قدمناه عن ذلك العقد القديم الموثوق به، من أن أرض بريمة كانت من أوقاف جامع الخضرا، ثم انتقلت للمولى إسماعيل ... إلخ، وليس يعرف بمكناس جامع الخضرا غير هذا، فالظاهر أن سيدى محمد بن عبد الله جدد بناءه لا أنه أنشأ تأسيسه والله أعلم.
وأسس ضريح الشيخ محمد بن عيسى الشهير بالشيخ الكامل المتبرك به حيا وميتا، دفين خارج الباب المعروف باسم باب السيبة، أحد أبواب العاصمة المكناسية يقال إنه بناه من أنقاض ما هده من الدار الكبرى دار الخلافة الإسماعيلية المارة الذكر، وكان تأسيسه له عام ألف ومائة وتسعين، يدل لذلك ما هو منقوش داخل مزارة الضريح المذكور ولفظه:
أشاد أمير المؤمنين محمد ... علاه فلا زال العلي يؤيده
وجاء على أيدي ابن وعزيز طالعا ... يؤيده (نصر وفتح واسعده)
أشار للتاريخ المشار بحروف نصر وفتح واسعده، وما يوجد أيضا في نقش الجبص فوق المنطقة الزليجية المحيطة بجدار قبة الضريح ولفظه:
نزه جفونك في المشيد العالي ... لترى بدائع نشأي وكمالي
ما زهر أيام الربيع ووشي صنـ ... ـعاء يشابه حسن جيدي الحالي
حزت البهاء بجمع كل محاسن ... من ذا يزاحم رفعتي وجمالي
أو ما ابن عيسى القطب هذا من له ... سر شهير فاق كل جلال
بحر تلاطم موجه بعناية ... ومهابة وسعادة ونوال
قصاده خصوا بنيل مرامهم ... في عاجل أوْ آجل ومآل
لا يعرفن الضيم عبد يحتمي ... في حادث الدنيا له بظلال
стр. 233
قد سالمت كل السموم جميع من ... يعزى له في سهلها وجبال
غياث من في الأرض يهتف باسمه ... ومفرج الأزمات والأوحال
أنزل به كل المنى تجد الذي ... أملت من وجود ومن إفضال
من يستقم لا ينكرن ما قد يرى ... فحذار كل تعرض وجدال
أمؤمل المعروف هذا منهل ... من جاءه يسقي بعذب زلال
لكن كأس شرابه التسليم والـ ... ـظن الجميل وصادق الإقبال
كم كربة ومضايق قد فرجت ... بركاته بتضرع وسؤال
وغريب أوطان توطأ حبه ... فاقتاد ما يبغيه من آمال
ووضيع قدر قد رفعت حضيضه ... فوق النجوم فنال حسن منال
وبذا الإمام فزر تراه تبركا ... مولاي عبد المالك المفضال
إن الإمام محمد بن محمد الـ ... ـهادى الرسول به استقامة حالي
كم من مزايا نالها ظهرت كما ... أمن الورى بجلال ذي الإجلال
من ذاك أن أمر الخديم محمدا ... ولد العزيز بمبرر الأشكال
واشتد في أمر الأمير محمد ... ببنا ضريح مكثر الأفعال
قد حاز من حسن القوام لطافة ... أقسم بأنه فاقد الأمثال
واستنجز الأنصاف من كل غاية ... إن الصواب موضح الأقوال
وقل لمن رام ارتقاء كماله ... قصر فلا تدن بغير وصال
ولقد أتيت بما بدا أعلا الرضا ... فلعله من صالح الأعمال
ثم الصلاة على الشفيع محمد ... عين الوجود نهاية الإكمال
стр. 234
ولا يخفى ما في هذه القصيدة من التغالي الذي لا يكاد يخلو منه مديح في الغالب.
وبني قبة ضريح سيدي سعيد أبي عثمان.
وأسس مدرسة الشاوية وهي الواقعة أمام الداخل من المدينة لباب منصور العلج شرقا أحد أبواب القصبة الشهير، وهي المجاورة للباب المحدث لقصر الستينية المار الوصف، وبهذه المدرسة قرأت القرآن العظيم، وبها قرأه آباؤنا وأسلافنا الكرام برد الله ثراهم، ولقد تخرج بها من حملته منهم ما يناهز الألف، ومنا منهم إلا من له الخط الرائق الفائق، ولا زالت هذه المدرسة إلى حد الآن مكتبا لتعليم الصبيان ومسجدا لعبادة الرحمن، وقد كان الدهر أخنى عليها وبقيت في زوايا الإهمال دهرا طويلا إلى أن خرت سقوف صفوفها، واغتصب محرابها، ولعبت بجدراتها أيدي البلى، ونبتت بأرضها الكروم، وعششت بها البوم، وتكاثرت أنواع الطيور، وأخيرم صارت مقبرة معدة للدفن، وفي هذه الأزمنة الحاضرة أصلح ما يواجه الداخل منها.
وقد كان أول من انتدب لإصلاحه والدي قدس الله ثراه، فابتدأ مباشرة ذلك من ماله الخالص له ثم بعده أتم جانب الحبس ما كان ابتدأه من الإصلاح وبقي ما وراء ذلك وهو معظم المدرسة على ما وصفناه من الخراب والإهمال، مع توفر مادة الأحباس، إذ للمسجد الأعظم وما أضيف إليه من المساجد التي من جملتها المدرسة التي كلامنا فيها بالعاصمة المكناسية من الرباع ما بين دور ودكاكين وإصطبلات ومعاصر وديار الصابون وطرازات وحمامات ما قوم ثمن رقبته في أوائل رجب الفرد الحرام عام ألف وثلاثمائة وواحد وثلاثين بمائة ألف ريال وتسعة وأربعين ألف ريال ومائتى ريال وأربعين ريالا ونصف ريال.
وفي منفعته ثلاثة عشر ألف بليون ومائة وثمانية وخمسون بليونا، وفي مدخوله الشهري ثلاث وثلاثون مائة مثقال وستون مثقالا، وثلاث أواق ونصف
стр. 235
الأوقية حسبما وقفت عليه في صك الإشهاد بذلك بتاريخ أوائل رجب عام ألف وثلاثمائة وواحد وثلاثين.
وله من الأوقاف خارج المدينة بين بلادات وزيتون وجنات ما قومت رقبته بخمسائة ألف ريال وخمسة وثمانين ألف ريال وسبعمائة ريال واثنين وسبعين ريالا حسبما وقفت على ذلك أيضا في صك تقويم العراف المرجوع إليهم في ذلك بالتاريخ المتقدم.
ولمساجد السور من الأوقاف بداخل المدينة من حواديت وديار وفنادق ومعاصر وغير ذلك ما قومت رقبته بثمانية وتسعين ألف ريال ٩ مائة ريال بالإفراد وتسعة وخمسين ريالا، وفي المنفعة عشرة آلاف بليون وخمسائة بليون وسبعة وخمسين ريالا، وفي المنفعة عشرة آلاف بليون وخمسمائة بليون وسبعة وستون بليونا وفي المدخول خمس وثلاثون مائة مثقال وأربعة وثلاثين مثقالا وثمن المثقال حسبما وقفت عليه في عقد الإشهاد بذلك بالتاريخ المتقدم، وهذا خارج عن الأحباس الصغرى وما انضم إليها وعن أحباس مولاى عبد الله بن حمد، بل وعن المعاوضات التي وقعت في أرض حمرية ومدخولاتها.
وكذلك أسس السلطان سيدى محمد بن عبد الله أيضا بالقصبة مسجد باب مراح ومناره، وباب مراح هذا هو المعد إلى اليوم لسكنى مماليك الجناب السلطانى، وموقعه ما بين قصر المحنشة السعيدة وصهريج السواني المحدث عنه سابقا، وجوار جنان ابن حليمة الشهير، وجدد ما افتقر للتجديد من المسجد الأعظم، وجدد بناء مناره وذلك عام سبعين ومائة وألف، ويدل له ما هو مكتوب في نقش زليج بجدار المنار المذكور في الجهة الموالية للصحن ودونك لفظه: الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده.
стр. 236
بنى هذا المنار أمير صدق ... محمد الرضا في عام (عشق)
وجدد فيه مسجده فحازت ... به مكناسة قصبات سبق
أشار للتاريخ المذكور بحروف لفظة عشق، وجدد مسجد باب البراذعيين المذكور فيما مر كما جدد ضريح الولي الشهير سيدى سعيد المَشَنْزَائى ومسجده:
تنبيه: عدّ أبو القاسم الزياني من جملة ما شيده السلطان سيدي محمد بن عبد الله من المعاهد الدينية مسجد سيدي سعيد المذكور، ومسجد بريمة، ومدرسته، ومدرسة الصهريج، وقد تبعه على ذلك صاحبا "الجيش" و"الاستقصاء".
قلت: ويتعين حمل كلامهم في ذلك على تشييد الإصلاح والترميم، وإلا فقد قدمنا أن مؤسس تلك المعاهد الثلاثة الأولى ومشيد بناءاتها هو جده مولانا إسماعيل، وقد ألممنا بشواهد ذلك في تأسيسات المباني الإسماعيلية، كما أن الزياني وتابعيه قد أغفلوا من مباني سيدي محمد بن عبد الله بعاصمة جده مكناسة ما نبهناك عليه هنا فلتكن من ذلك على ذكر.
وأما مدرسة الصهريج فلا يعرف لها اليوم أثر ولا موقع، بعد أن كانت هي وغيرها من مدارس الدولة العلوية المتقدمة الذكر آهلة بما بنيت له، معتني بسكانها بمحافظة سلاطيننا على تفقد رواتبهم، ومن ذلك ما أصدره الإمام الذي افتخرت به الأواخر على الأوائل والمغارب على المشارق السلطان العادل سيدي محمد بن عبد الله لناظر الأحباس بهذه العاصمة ونصه:
نأمر أحباس مكناسة الحاج الطيب المسطاسي أن يجعل طلبة باب مراح في المرتب مثل المدارس الست، وهي: مدرسة الدار البيضاء، ومدرسة باب مراح ومدرسة قصبة هدراش، ومدرسة الصهريج، ومدرسة جامع الشاوية، ومدرسة
стр. 237
سيدنا ومولانا إسماعيل ﵀ بحسب سبع أواقي لكل واحد من الطلبة المذكورين في الشهر، ومثقال للمؤذن، وخمس عشرة أوقية للإمام، وخبزة لكل واحد في اليوم من عند الزياتينية كما تقدم لك أمرنا بذلك وراتبهم من الأحباس، كما هو مرسوم عندك ولا فرق بين الطلبة المذكورين فكلهم في ذلك سواء.
وأما طلبة مدرسة الأوداية فلا يقبضون إلا الراتب فقط، كما أمرناك قبل، وأما الخبز فلا تعطهم شيئا لأنهم في ديارهم ومع أهليهم هنالك، والسلام في ثاني عشر شوال من سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف.
ومن تمامه أن الخبز المذكور يكون من أربعة في الرطل، وكل ما يدفع الرياتينية من الخبز، فأعطهم خط يدك والسلام. اهـ.
فبمثل هذا الاعتناء من أمراء الملة كانت معالم الدين قائمة، وبه دامت المحافظة عليها حسا ومعنى ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن تأسيسات سيدي محمد بن عبد الله أيضا ما جدده بالضريح الإدريسي الأكبر المقدس، قال شيخنا الشريف البركة العلامة الأقعد سيدي محمد بن جعفر الكتاني في كتابه "الأزهار العاطرة الأنفاس" ما لفظه ثم لما ولى السلطان الأسعد، الهمام الأصعد، الأنوه الأرشد، مولانا محمد بن عبد الله بن مولانا إسماعيل المذكور، جدد بناء هذه القبة وما هو متصل بها مرة أخرى، وجلب لها المرمر الحسن مما كان بدار جده بمكناسة الزيتون، وبالغ في إتقان ذلك وإحكام عمله، وكان بناؤه له على ما هو مرقوم إلى الآن بالقلم الغباري برتاح دفة باب القبة المذكور سنة ثمانية وثمانين ومائة وألف. اهـ.
قلت: رتاج الدفة الذي به التاريخ المشار له هو الأسفل عن يمين الداخل للقبة، ولا زال ذلك التاريخ إلى الآن مفروشا فوقه الحصير لا تمكن رؤيته إلا برفع
стр. 238
الحصير عنه، ولعل من آثار هذا التجديد اللوحتين القائمتين في خدي باب القبة المصنوعين من المرمر الرفيع المنقوش في يمناها ما صورته:
يا ناظرا بهجتي الله يرعاكا
أمر بعمله مولانا إسماعيل بن مولانا الشريف عام ألف وسبع وثمانين. اهـ.
وفي يسراهما ما صورته:
أبشر بما ترتجي من خير مولاكا
فرغ من عمل هذا سنة سبع وثمانين وألف لمولانا إسماعيل أيده الله بعزيز نصره. اهـ.
فإن هذا التاريخ متقدم على تاريخ بناء المولى إسماعيل للقبة الإدريسية بنحو ثلاث وعشرين سنة كما قدم علم مما قدمناه، مع كون تاريخ اللوحين لا مزيد فيه على أنهما معمولان للمولى إسماعيل، وذلك يؤذن بأنه كان عملهما لقصور نفسه فنقلها حفيده مولانا محمد بن عبد الله لخدي القبه الإدريسية لما جدد ما احتاج للتجديد منها، وليسا هما بأصلين فيها ولا مصنوعين لأجلها، وإلا لكان تاريخهما موافقا لتاريخ البناء الإسماعيلي المتقدم للقبة، ولكان فيه أيضا ما يؤذن بأن إنشاءهما للضريح الإدريسي، على أن تجديد مولانا محمد بن عبد الله لنفس قبة الضريح هو عندنا الآن مجمل، لأنه لا دليل عندنا على أنه جددها بعد أن نقضها من أصلها، فتكون الرخامة التي في مواجهة الداخل المكتوب فيها ذلك القصيد المختوم ببيان تاريخ المولى إسماعيل لبناء القبة، إنما أعيد إلى محله بعد التجديد، أو إنما كان التجديد في بعضهما، فيكون رخام ذلك القصيد لم ينزل عن محله منذ وضعه البناء الإسماعيلي بذلك المحل، والعادة قاضية بهذا، فإنه يبعد كل البعد أن يحتاج الضريح كله إلى التجديد في المدة التي بين السلطانين مولانا إسماعيل
стр. 239
وسيدي محمد، مع متانة الأبنية الإسماعيلية ومزيد اعتنائه بإتقان الأضرحة، ومع هذا فعلم الحقيقة عند الله تعالى.
ومن المتصل بالقبة الساحة أمامها المحيطة من جهاتها الأربع بالمباحات الأنيقة المحمولة على اثني عشر عمودا من الأعمدة الرخامية البديعة، وبوسط الصحن المحيط بتلك المباحات خصة تقذف من جوفها المعين الفرات المزدري باللجين صفاء، ويوجد بجدار الجهة الشرقية بهذا البراح محراب للصلاة يقابله بالجهة الغربية باب بيت القناديل، وبالجهة الشمالية باب لدار الزاوية بهيج أنيق، يقابل باب قبة الضريح الأقدس.
ودار الزاوية هذه أسست وأعدت لسكنى المنقطعات من الشريفات وجراية النفقة عليهم، وعلى طلبة المدرسة هنالك، والملازمين لدار الأضياف المعدة لسكنى المنقطعين والغرباء والفقراء من الرجال، وكانت دار الزاوية المذكورة يؤكل فها كل يوم بضميمة ما يضاف إليها نحو خمسة أمداد من القمح وما يلزم ذلك من إدام (١) وحطب وتوابل، وكان معظم ما يقام به ذلك أعشار سكان الزاوية الإدريسية، وبعض المداشر التابعة لها حبا وزيتونا، وبسبب ذلك كانت تعظم ثروتها في بعض السنين حتى يكون لها المطامير العديدة موفورة حبا، والخزائن مملوءة زيتا.
وكانت الملوك تنفذ من مدخولات دار الزاوية هذه إعاناتى، قمحية وزيتية شهرية لبعض ذوى الحاجات وبالأخص الأشراف، كما كانت نفرق الخبز المستعمل هناك، وكذلك الكسكوسون على ديار المضطرين من آل البيت بالزاوية، وبسبب ذلك وجدت الأيدي العادية سببا إلى الاستيلاء منها على ما لا تستحقه، حتى أفضى ذلك إلى إغلاق باب دار الزاوية بعض السنين في وجوه المستحقين، وبقي من كان تجري عليه النفقة منها يتكفف الناس للإجحاف كثرة الخارج في غير
стр. 240
وجوهه من مدخولها حتى استسلف لها بأمر المخزن، ولم يوجد ما يرد منه السلف لكون الأعشار التي كانت منفذة لها إنما هى أعشار بعض العامة، وهم المقيمون بالزاوية والمجاورون لها وبقية الزراهنة كانت تدفع أعشارها بمكناس، وأما الشرفاء فقد كانت الملوك تسوغ لهم دفع أعشارهم لضعفائهم وتكل ذلك لأمانتهم، فلما رأى ذلك كثير من العامة تسارعوا لادعاء النسب النبوي الطاهر وفتحوا الطريق لتمشية ذلك وقبوله منهم وتأييد دعاويهم الباطلة ببذل المال لأولي الأمر، فآل ذلك إلى الإجحاف بدار الزاوية وإلى غلقها بالكلية كما تقدم، وهكذا عاقبة كل أمر أسند إلى غير أهله.
ثم لما رأى ذلك متأخرو الولاة والنظار اختصروا خارجها حتى ردوه لنحو خمس الخارج قبل، وصار لا يعطى منه إلا للمقيمات بدار الزاوية المذكورة مع طلبة المدرسة والقليل من المساكين المقيمين بدار الأضياف، ويدفع قليل منه لبعض محتاجي الشرفاء الساكنين بالزاوية، ثم لما أحدث الترتيب وقطع المخزن النظر عن التداخل في الزكاة لم يبق لدار الزاوية داخل إلا من بعض الأصول المحبسة عليها وخراجها يضعف عن القيام بخارجها، فكان المخزن بعد اختياره لذلك صار يؤدي لها مما يجيبه من الضرائب كل سنة خمسة عشر ألف بسيطة لتتميم الخارج اللازم لها، وكانت صورة الطعام المستعمل فيها في سائر الظروف المتقدمة أن القمح يطحن ثم تزال نخالته القوية بالغربال، وما عدا ذلك يستعمل منه الخبز والكسكوسون من غير تصفية، بل الغالب أن لبابه يستولي عليه نصف الخبزة السوقية وهو الذي يفرق على من عدا طلبة المدرسة ونوع فوقه، وهو الذي يدفع للطلبة.
ثم لما حسنت حالة الأحباس وتوفرت مادة ماليتها في الأقطار المغربية على يد المخزن حيث جعل لها وزارة خاصة تحت نظرها نظار ومراقبون، وعظم وفر
стр. 241
الأحباس بكل بلد، جاء وزير الأحباس المشار له لاختبار الأحوال بالزاوية وتعاهد الشئون، وذلك يوم الخميس فاتح صفر عام أربعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، وحين شاهد حالة الخبز والكسكوسون الموصوفة أنكر ذلك وأباه، وأمر في الحين بأن يكون يشترى ذلك صافيا من السوق وتكون الخبزة لا تنقص عن السوقية، كما أمر باشتراء قدر معين لها من اللحم وتوابعه كل يوم ليطبخ مع الكسكوسون، وقد كان اللحم قبل ذلك لا يشترى لها إلا يوم السبت الذي يعمر فيه السوق هنالك، فكان ذلك من أعظم حسناته، وإنما فسد ما فسد بإهمال الولاة، وتقاعسهم عن القيام بمثل هذه النهضات، ألهمنا الله وإياهم الرشد في الحال والآت.
ودار الأضياف المشار لها هي الواقعة في أسراك وهي الأولى عن يسار الداخل للحرم الإدريسي من باب المعراض الشهير، وتلك الدار عبارة عن مربع محيط بمباحات أربع محتو على عدة بيوت وكنيف حافل.
ومن تأسيسات الأمير الفخيم الليث الهصور مولانا اليزيد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الزيادة الواقعة في الجهة الغربية من المسجد الإدريسي، يفصل بينها وبين المسجد القديم الصحن، وذلك عام أربعة ومائتين وألف، ويدل له ما هو منقوش في خشب بباب المسجد المذكور ودونك لفظه:
يا سائلا عمن بنى طلعتي ... ومن لدين الله شكلي يشيد
أنشأني المولى الملك الرضى ... محمد المهدي الإمام اليزيد
أعطاه مولانا جميع المنى ... وزاده نصرا وفتحا يزيد
ونشأتي من رام تاريخها ... فإنني (رشد) أراه يزيد
أشار بلفظ رشد للتاريخ المذكور، ويدل له أيضا اختلاف البناء القديم مع الزيادة في الشكل.
стр. 242
ومنها أيضا المسجد الشهير بجامع مولاي اليزيد إلى الآن بالزاوية المذكورة موقع هذا المسجد بالحومة المعروفة بتازجا من الزاوية المشار لها، تقام بهذا المسجد الجماعة والجمعة.
ومنها الدار الجديدة وهي قصبة سكني الأشراف العلميين الآن بزاوية زرهون كان أنشأها لسكناه ولكنها لم تكمل في حياته.
ومن آثار السلطان العالم العامل الخاشع مولانا سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الدار المعروفة اليوم بالدار الجديدة مع روضها، جوار جعده المولى إسماعيل، وتلك الدار وروضها بها الآن إدارة شئون حاكم الأحواز المكناسية وما يضاف إليها.
ومنها تلافيه بالتجديد والترميم والإصلاح ما افتقر لذلك من القصور السلطانية المحنشة، والمدرسة وما انضم إليهما، قال أبو القاسم الزياني عاطفا على ما أسسه وشيده المولى سليمان بالأقطار المغربية كما ستقف عليه مفصلا في ترجمته بحول الله ما لفظه: ثم جدد قصور الملك لمكناسة بعد تلاشيها. اهـ.
قلت: مراده بالقصور قصر المحنشة، والمدرسة وما أضيف إليهما، أما قصور الدار الكبرى دار خلافة جده الأعلى فإنها إذ ذاك كانت خربة بيد بعض أفراد العائلة الملوكية الإسماعيلية، خربها والده سيدي محمد بن عبد الله وسلمها لمن استحقها من العائلة المذكورة حيث قاموا بطلب حقوقهم وراموا السكنى بدار والدهم، ولم يجد السلطان سيدي محمد بن عبد الله مناصا من ذلك لما لهم من الحق في بيت مال المسلمين، ورأى أن تسليمها لهم على بهجتها وضخامتها الملوكية التي مر بك بعض وصفها ليس من العدل والإنصاف في شيء لتعلق حقوق غيرهم من الخاصة والعامة ببيت المال.
стр. 243
ولذلك مَدَّ يَدَ الهدم والتخريب فيها لإزالة كل ما له قيمة، ولما صيرها بلاقع ولم يبق بها غير شاهق الجدرات المنسلخة عن كل زينة وما لا قيمة له توجب الالتفات نحوها، فعند ذلك سلمها لهم فتملكوها وبنوا فيها دورهم وأنشأوا بها غراسات متعددة واستقروا بها، ولا زال بها عقبهم إلى الحين الحالي يتصرفون فيها بالبيع والابتياع وسائر أنواع التصرفات.
ومن تأسيسات هذا السلطان الجليل المقدار مولانا سليمان السقايات التي على يمين ويسار الداخل من الباب المقابل لباب المعراض الشهير بالحرم الإدريسي بالزاوية، وكان تأسيسه لها عام ثمانية وعشرين ومائتين وألف، ويدل لذلك ما هو منقوش في زليج مثبت بالجدار الذي به السقايتان اللتان عن يمين الداخل ودونك لفظه:
تأمل بهجتي وبديع حسني ... وما ألبست من حلل البهاء
تجد عزي ومجدي وارتفاعي ... يفوق البدر في أفق السماء
جمعت من المحاسن كل فرد ... وأعظمها جوار أبي العلاء
إمام الغرب إدريس ذي المعالي ... سليل الأكرمين ذوي الوفاء
وقمت بباب روضته بجد ... أطهر زائريه بطيب ماء
بإذن إمامنا الأسمى بنوني ... وتاريخي (تجليت بالسناء)
أشار للتاريخ المذكور بحروف تجليت بالسناء.
ومن تأسيسات الأمير الأورع السلطان مولانا عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل بالعاصمة الإسماعيلية قبب الخشب البديعة الشكل العجيبة المثال المعروفة باسم الخيمة، وهي الواقعة بجنان ابن حليمة في الجهة الشرقية منه المحمولة على ساقية وادي بوفكران التي يجري فيها ماؤه الداخل
стр. 244
للمدينة، وهذه القبة تحتوى على مباحات ثلاث محمولة على الأعمدة الخشبية، وثلاثة بيوت وبهو بوسطها إلى ما يتبع ذلك من منافع ومرافق، وجعل في الساقية المذكورة أمام المباح الجنوبي دولبا يحمل الماء من الساقية ويصبه في القنوات الموصلة له للخصة الواقعة أمام المباح المذكور وإلى غيرها من الفروع التي يجري فيها الماء، ثم مع السقاية التي بأسفل القبة المذكورة ويصعد لهذه القبة بدرج، وتحيط بجوانبها الثلاثة أبواب الزجاج الملون تركب هذه الأبواب هناك وقت حلول السلطان بالعاصمة المكناسية، وعند سفره تزال وتصان بالخزائن السلطانية إلى أن يعود من سفره فترجع لمحلها، وعلى هذا استمرار العمل إلى أواخز الدولة العزيزية.
ومنها إنشاء الباب الثاني لجامع القصبة المار الذكر والمباح داخله المشار له آنفا.
ومنها المباح الواقع على يسار الخارج من باب منصور العلج لبطحاء الهديم المحمول هو أي المباح على أساطين ستة حجرية، وكان إنشاؤه إياه على يد عاصمة سلفه المكناسية الباشا الأنصح القائد الجيلاني بن العواد الشهير، وكان ذلك المباح مُعَدًّا لجلوس أعيان الجيوش المظفرة وذوي الحيثيات منها في أوقات الأحكام المخزنية، حيث إن باب منصور العلج المذكور كان هو المحكمة الرسمية لباشا مكناس، يجلس به لفصل الخصوم وسماع المظالم كل يوم صباحا ومساء، وبهذه المحكمة الواقعة بباب قصبة الدار العالية بالله كانت العادة جارية في كل يوم جمعة يتناول الباشا وقواد اراحي الجيش الغداء أثر الفراغ من أداء فريضة الجمعة بجامع القصبة المار الذكر، وصائر ذلك من بيت المال ولم يزل العمل مستمرا على ذلك إلى انصرام دولة السلطان مولاي عبد العزيز، كما كانت العادة جارية بأن سائر الاحتفالات والأفراح المخزنية الرسمية التي تقام تحت رياسة الباشا إنما تكون بالباب المذكور، واستقر على ذلك الحال إلى أواخر الدولة الحفيظية.
ومن تأسيساته المباحان خارج باب قصر المحنشة السعيدة المحمولان على
стр. 245
اثنين وثلاثين عموم من الأعمدة الحجرية، وأعدهما لجلوس الموظفين ورؤساء رجال البساط الملوكى وذوي الحيثيات وقت جلوس السلطان للنظر في أمور الرعية كل غدو ورواح عندما يكون جنابه بالقصر المذكور، وعند جلوسه في غيره من القصور السلطانية، أو نهوض ركابه الشريف من العاصمة يعمر الحرس المباحين المذكورين ليلا ونهارا ظعن السلطان أو أقام، ومع الأسف فقد استولى الخراب على تلك المباحات وعما قريب يستأصل شأفتها إن لم تتداركها يد الإصلاح.
ومن آثاره إتمامه لمسجد ومنار ضريح الولي الشهير مولانا عبد القادر بن محمد بن بلقاسم العلمي، ونقل الخطبة من مسجذ سيدي أحمد بن خضراء إلى مسجده وذلك بعد وفاة صاحب الضريح، ووفاته كانت يوم الاثنين وقيل الجمعة سادس عشري رمضان المعظم سنة ست وستين ومائتين وألف.
كما أن السلطان مولانا عبد الرحمن المذكور هو الأمر والمنشئ لأحباس المسجد المذكور، وذلك من متخلف الولى سيدي عبد القادر المذكور حسبما تضمن ذلك ظهير له شريف هذه صورته:
خديمنا الأرضي الناظر الطاهر بن عثمان وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فقد بلغنا كتابك أن الولى الصالح سيدى عبد القادر العلمي نفع الله ببركاته، خلف من الناض اثني عشر ألف مثقال ومائة مثقال واحدة وواحدا وستين مثقالا وست أواقي وريع الأوقية، وقد كنا مهتمين بأمر مسجد زاويته المباركة الذي ابتدئ بناؤه في حياته من أين يكون الصائر على إكماله، حتى بلغنا تخليفه لهذا القدر المذكور فسري عنا، وعلمنا أن ذلك من بركاته ﵁، فنأمرك أن تقف في حيازة ذلك ووضعه تحت أيدي الأمناء هناك على وجه الحفظ والأمانة، وتشرع في إكمال المسجد المذكور وإتمام تلك الحسنة على حسب ما كان يشير به السيد المذكور في حياته، وجد في ذلك كل
стр. 246
الجد ومهما احتجت إلى ما تصيره عليه يدفعه لك الأمناء، فإن عندهم أمرنا بذلك، وكن في خلال ذلك عينا وأذنا على الأصول التي تباع بمكناسة الزيتون وزرهون، فمهما ظهر لك أصل نفاع يشتريه الإنسان لنفسه فاشتره للزاوية المذكورة، ويؤدي الأمناء ثمنه حتى يستوعب بناء المسجد والأصول التي تشترى للزاوية من جميع متخلفه من الناض وغيره، ومهما اشتريت أصلا لذلك فأعلمنا به لنمضي تحبيسه ومتخلفه من الأثاث والبهائم، ثم أجره على ما تقتضيه السنة من البيع ونض الثمن، فإن السيد إنما ترك ذلك في حياته لأسرار لا نعلمها نحن، ولا يليق به بعد مماته إلا البيع، وما يتجمل في ذلك بعد التنضيض، يضاف لما تحت أيدي الأمناء ويسلك به سبيله من الصائر على المسجد وشراء الأصول التي تحبس على الزاوية، والسلام في سابع شوال المبارك عام ستة وستين ومائتيين وألف.
وقد امتثل الناظر المذكور أمره الشريف فاشترى أصولا هي الآن من أحباس ما ذكر بإمضاء الأمير المذكور لتحبيسها، ومن جملتها حظ في رحى وقفت على إمضائه لتحبيسه هذه صورته:
الحمد لله أمضينا بحول وقِوته شراء الحظ في الرحى المذكور أعلاه يليه، وتحبيسه على الزاوية ومسجدها حيث أشير وبسطنا اليد للناظر على التصرف التام فيه وعلى الواقف عليه أن يعلمه ويعمل به، ولا يحيد عن كريم مذهبه، والسلام في ذي الحجة الحرام عام ١٢٦٦.
وأول من خطب بذلك المسجد العلمي الفقيه السيد قاسم بن حلام. كان ﵀ من أهل الدين والورع ومن خاصة أصحاب صاحب الروضة العلمية، ثم بعده خطب سيدي محمد فتحا بوزكري من آل الولي الصالح سيدي أبي زكرياء الصبان أحد صلحاء مكناسة المشهور، ثم خطب بعده أخوه سيدي عبد الحق بوزكري، ثم بعده النقيب المفضال سيدي المختار الإدريسي الشبيهي، ثم بعده نجله
стр. 247
النقيب الأجل سيدي مشيش، ثم بعده أخوه سيدي محمد بن المختار المذكور وهو الخطيب الحالي.
أما الزاوية التي بها الضريح العلمي فمؤسسها هو صاحبها سيدي عبد القادر المذكور، كانت داره ورثها من أبيه، وكان يسكن بها مع أخته السيدة خديجة، ولما توفيت دفنها في بيتها الذي كانت تسكن فيه، وهو القبة المدفون معها هو فيها، كما أنه هو الذي شرع في تأسيس المنار واخترمته المنية قبل إتمامه، وكان تأسيسه لهذه الزاوية عام تسعة وخمسين ومائتين وألف، ويدل له ما هوه نقوش في الجبص فوق الشرجب الذي عن يسار الداخل لقبة الضريح ولفظه:
سمت روضة لله فتح بابها ... وفاض بسر الهاشمي عبابها
فللواردين من هناها ظلالها ... وللصادرين من جناها رطابها
وللزائرين بالمكارم عمرت ... على بركات الله جل رحابها
وباليمن والإقبال والسعد خاطبت ... لقاصدها فوزوا فهذا لبابها
هلموا إلى كهف السعادة والرضى ... وكيف وللتاجين صح انتسابها
(وبالشكر) للمولى مطالع أفقها ... مدى الدهر ترجوا أن يدوم احتسابها
فذي روضة ورحمة الله غيثها ... إلى البعث لا ينفك عنها انصبابها
فطوبى لمن يأوي إليها وينتمي ... ويلقاه من بشرى الكريم خطابها
أشار للتاريخ المشار بحروف لفظ وبالشكر، وهو مؤسس مسجد ضريحه القديم أيضا، أما الزيادة التي وقعت فيه مع الحالة التي هو عليها الآن فإنما أحدثت - بعد على ما سيمر بك بحول الله قريبا.
ومنها تأسيس ضريح الولي الشهير سيدي عمرو الحصيني عام اثنين وخمسين
стр. 248
ومائتين وألف ويدل لذلك ما هو منقوش في الجدار الشمالي من قبة الضريح المذكور المقابل الداخل ولفظه:
متع جفونك في محاسن شاني ... عاد الشباب فعاد عيشي الثاني
ألبست من حلل الجمال قلادة ... كسيت بنور بهائها أركاني
فأنا الحصيني الشهير مقامه ... ما بين قِاص في البلاد وداني
فالله يمنح من يشا بهباته ... كمليكنا المنصور ذي السلطان
ملك الملوك الصالحين وفخرهم ... نور الخلافة عابد الرحمن
ابن الهمام هشام نجل محمد ... من آل أحمد سيد الأكوان
عرفت بصيرته المعارف والهدى ... فلذاك جاد بجوده فبناني
في عام (بشرى لي) بنيل مسرتي ... إذ أتى البشير بدولة السلطان
بقيت مآثره الحسان مصانة ... كبقاء مجده سائر الأزمان
الله يكرمه بكل كريمة ... وينيل قلبه منتقى الإيمان
بأجل مبعوث وأكرم مرسل ... وبآله والصحب والتبيان
ثم الصلاة عليهم ما صافحت ... أيدي النسيم ذوائب الأغصان
أشار للتاريخ المذكور بحروف: "بشرى لي".
ومنها إحداث بَابَىْ السيبة ووجه العروس مع السور الممتد من الأخير إلى باب بريمة على ما سيمر بك لدى الكلام على الأبواب. ومنها مسجد السلامي بحومة الحفرة من الزاوية، وكان صدور إذنه بذلك في حادي عشر صفر عام تسع وثلاثين ومائتين وألف، ومحبس هذا المسجد المذكور وما بني به هو سيدي عبد
стр. 249
السلام بن على الإدريسي الشبيهي، جَدّ أولا سيدي عبد الله المعروفين بهذا الاسم الإضافي إلى الآن بالزاوية الإدريسية.
ومنها القصبة المعدة الآن لسكنى الشرفاء آل سيدي أبى الغيث بالزاوية المذكورة، قد كان أسسها للشرفاء الأمرانيين أهل يفران، وقفت على بطاقة من عامل الزاوية الإدريسية لخليفته بها إذ ذاك.
لفظها بعد الحمدلة والصلاة: محبنا وخليفتنا القائد قاسم بن علال أعانك الله وأرشدك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير مولانا نصره وأيده، وبعد: فيرد عليك ساداتنا الشرفاء العلاويون أولاد سيدي بلغيث، فاعلم أنه قد أتى أمر مولانا المولوي المطاع وها نص كتابه:
وبعد فإن أربعة وعشرين رحيلا من أبناء عمنا الشرفاء أهل سيدي بلغيث قد أنعمنا عليهم بالمحل الذي كنا أسسنا بناءه للشرفاء أهل يفران بزرهون، فأمر خليفتك أن يمكنهم من النزول به والسكنى فيه والبناء فيه لأنفسهم، فإن هؤلاء الشرفاء أهل سكينة وخير، وفيهم ثلاثة أناس طعنوا في السن، فانظر لهم دورًا بزرهون يسكنون بها والسلام، في ثامن رمضان عام ستة وخمسين ومائتين وألف. وأنت نفذ الأمر المطاع على ما أمر به مولانا المنصور بالله. اهـ.
ومن تأسيسات نجله السلطان الأفخم سيدي محمد القبة الواقعة في الجهة الشمالية من جنان ابن حليمة السالف الذكر، وكان بناء هذه القبة على يد أمينه الصادق الأحزم الطالب بوعزة الفشار البخاري.
ومنها قبة الزجاج الواقعة على الصقالة المشرفة على الغرصة المعروفة بالبحراوية، تلك القبة هي التي بين قصري سكنى الجناب السلطاني من قصور المدرسة المولوية وبين الباب المعروف إلى الآن بباب الشبكة.
стр. 250
ومن آثاره زيادته في سمك قبة الضريح الإدريسي الأنوه بزاوية زرهون ورفعها في الهواء زيادة على ما كانت عليه من قبل، وتزيين ذلك بالحزام الأخضر الزليجي الكائن أعالي القبة الآن، وكان انتهاء العمل في تلك الزيادة سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف، والزيادة المذكورة هي من ابتداء حزام الزليج المذكور الذي لا يقل ارتفاعه عن متر، فالحزام داخل في الزيادة، ويوجد تاريخ البناء مرموقا بالقلم الغباري بلون أحمر فوق الحزام المذكور، ومنها في حرم ذلك الضريح أيضا المباح الأول خارج الباب الذي يدخل منه للصحن الذي به السقايات الذي تقدم، أن السلطان المولى سليمان كان أنشأها وكان السلطان سيدي محمد هذا المباح عام تسعة وثمانين ومائتين وألف على يد ناظره على ذلك الحرم الإدريسي الحاج قدور ابن عبد الرحمن بن الحاج محمد السراج دفين أبي العباس السبتي ﵁.
ويدل لذلك ما هو منقوش في زليج أسود بأعلى القوس الوسط من المباح المذكور ودونك محل الشاهد منه:
وانصر إماما عادلا في حكمه ... أعلى الإله بأمره هذا البنا
ذاك الأمير محمد المنصور نجـ ... ـل هشام البدري نجل نبينا
ولتذكر السراج ناظر وقفه ... إذ لم يزل في ذا النظارة محسنا
وقل إن تسل يا صاح عن تاريخه ... (يا زائرا إدريس سعدك قددنا)
أشار بحروف كلمات الشطر الأخير للتاريخ المومى إليه.
ومنها أيضا المدارج الرخامية المفضية لداخل ذلك الحرم الإدريسي مع تسوية الصحن المفضي لهذه المدارج وتزليجه على ما هو عليه الآن وتبديله الخصة الرخامية أمام قبة الضريح بالخصة العديمة المثال الموجودة هناك الآن.