مكتوبة في كراريس كل يوم الأربعاء فيتصفحها يوم الخميس يوم تعطيل الدروس انتهى.
مشيخته: منهم أبو عبد الله محمد بن قاسم القورى المكناسى لازم مجلس درسه في المدونة أعواما، وسمع عليه كثيرا من الموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثى، وسمع عليه السير لابن إسحاق رواية عبد الملك بن هشام وتهذيبه بحثا وتفقها، وسمع عليه بعض مدارك القاضى عياض وبعض مختصر الجوزقى وبعض وثائق أبى القاسم الجزيرى، وبعض المختصر الخليلى، وبعض المدونة رائدا على ما في مجلس درسه العام، وسمع عليه أيضا تبحرا وتوسعا بعض التفسير وبعض رسالة الشيخ ابن أبى زيد، وبعض المرادى على الألفية وغير ذلك.
ومنهم الشيخ النظار أبو العباس أحمد بن عمر المزجلدى المتوفى بفاس عام أربعة وستين وثمانمائة قال: ما أدركنا بفاس أعلم منه بالمدونة، كانت نصب عينيه يستظهر نصوصها ويسردها عند الحاجة سردا، وإذا قعد لإقرائها تسمع منه السحر الحلال، ينقل عليها كلام شارحيها بألفاظهم بلا تكلف، ثم يكر على أبحاثهم فيبين من أين أخذوها منها، ويقول: إنهم فهموها ففسروا بعضها وضربوا أولها بآخرها وآخرها بأولها، قال: ولم يكن يقرر في مجلسه إلا الفقه الساذج، ولازمت مجلسه بمدرسة مصباح مدة، سمعت منه فيها بعض رزمة البيوع.
ومنهم الحافظ المكثر الخطيب أبو على الحسن ابن منديل المغيلى المتوفى بفاس عام ثلاث وستين وثمانمائة، لازم مجلسه بجامع القرويين مدة، سمع عليه فيها رسالة أبى محمد، قال: وسألته واستفدت منه.
ومنهم الولى الصالح أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبى القاسم القرمونى القيسى المتوفى عام أربعة وستين، قال: جالسته كثيرا واستفدت منه، وحضرت مجلسه بجامع القرويين في الرسالة.
стр. 1857
ومنهم أبو زيد عبد الرحمن المجدولى المشهور بالتونسى، كان ربما حضر مجلسه واستفاد منه بعض الشئ، وكان مبرزا في علم المعقول وعنه كان يؤخذ بفاس.
ومنهم أبو زيد عبد الرحمن الكاوانى دفين مكناسة، قرأ عليه الرسالة وختمتين في فرائض التلقين تفقها وعملا، وبعض الألفية، وسمع عليه بعض المدونة وبعض تفريع ابن الجلاب، قال: وكان إماما في أصول الدين فتح بصائرنا فيها وفى أصول الفقه.
ومنهم أبو الحسن بن منون الحسنى المكناسى ختم عليه ختمات كثيرة من القرآن العزيز، وتمرن عليه في الفرائض والوثائق وإعراب القرآن العزيز وأوقافه، واستفاد منه كثيرا.
ومنهم أبو العباس أحمد بن سعيد الحباك المكناسى، قرأ عليه نحو ثلث شرح ابن عقيل تحقيقا وتدقيقا لا سيما شواهده الشعرية، وقرأ عليه نظمه لبيوع ابن جماعة قراءة تحقيق وتدقيق وبحث وتغلغل، كانت سببا في رجوعه عن بعض أبيات الرجز المذكور تبديلها بغيرها، ولازم مجالسته واستفاد منه كثيرا.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبى عبد الله محمد بن جابر الغسانى الآتى قريبا المكناسى، جالسه بمكناسة واستفاد منه كثيرا، ومن أغبط ما أخذ عنه المصافحة المروية عن الخضر، قال: صافحنى بالمسجد الأعظم من مكناسة الزيتون، وقال: صافحنى والدى الأستاذ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى ابن جابر، وقال: صافحنى الشيخ الفقيه العالم الصالح الزاهد الأكمل أبو عبد الله محمد بن على المراكشى المعروف بابن عليوات بيده المباركة، وأمرنى أن أشد على يده، وقال لى: إن معنى ذلك الاشتداد في الدين فشددت وذلك بالجامع الأعظم من مدينة مكناسة حرسها الله تعالى في أوائل عام اثنين وثمانمائة، وأخبر أنه
стр. 1858
صافحه كذلك أبو عبد الإله الصدفى، وصافح أبا عبد الإله الصدفى أبو العباس ابن البناء، وصافح أبا العباس ولى الله تعالى أبو عبد الله الهزميرى أخو ابن أبى زيد الهزميرى وشيخه، وصافح الهزميرى أبو العباس الخضر وصافح الخضر سيدنا ونبينا محمد ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم.
وكذلك صافحنى الشيخ العدل المبارك أبو خالد يحيى بن خالد بن أبى بكر ابن يحيى بن خالد، قال: صافحنى والدى المذكور، والشيخ الفقيه المفتى أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى بن معطى العيدروسى، قالا: صافحنا الأستاذ أبو عبد الله بن جابر المذكور بمثل السند المذكور انتهى من خطه.
ومنهم العلامة أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن حمامة الأوربى النيجى الشهير بالصغير، المولود بالحمر من بلاد نيجة بطن من أوربة عام ثلاثة وثمانمائة، المتوفى بفاس ليلة سادس شعبان عام سبعة وثمانين وثمانمائة، وكان متبحرا في القراءات وأحكامها، وبلغ في النحو مبلغا لم يصل إليه أحد من أترابه ولا من أشياخه، لازمه كثيرا وقرأ عليه القرآن ثلاث ختمات آخرها للقراءة السبعة على طريقة الدانى، وحدثه بذلك عن شيخيه أبى العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى موسى الشهير بالفلالى، وأبى الحسن على بن أحمد الورتناجى الشهير بالوهرى، وأخذ عنه بحثا وتدقيقا لامية الأفعال وبعض كتاب سيبويه، وإيضاح أبى على، والتسهيل، والمغنى، والبداية والهداية للغزالى، وغيرها، وروى عنه بعض المصنفات في القراءات والفقه والحديث بأسانيده إلى أربابها.
ومنهم أبو الحسن الأنفاسى، وأبو سالم إبراهيم المعروف بالحاج من شيوخ فاس المهرة، وكانا من شيوخ شيخه الصغير المذكور، قال: وقد شاركته في لقاء هذين الأخيرين -يعنيهما- وحضرت مجلسيهما.
стр. 1859
ومنهم القاضى أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد الورياجلى قال: جالسته وذاكرته كثيرا واستفدت منه كثيرا في الفقه وأصوله وأصول الدين، وأجازنى متلفظا وخاطا جميع ما حمله عن شيوخه، وكان ذلك في ربيع الثانى عام ستة وثمانين وثمانمائة.
ومنهم الفقيه الصالح الورع أبو عبد الله محمد بن يحيى البادسى، قال: جالسته كثيرا وصاحبته في السفر مرارا، واجتمعت معه ومع غيره على قراءة جمع الجوامع لابن السبكى تفقها وبحثا، وعلى المذاكرة في العلم، ثم ذكر أنه أجاره فيما يرويه عن شيخه الصالح المؤلف عبد الرحمن بن مخلوف الثعالى، وهو يروى عن أبى زرعة بن الحافظ العراقى.
ومنهم الأستاذ المحقق أبو الفرج محمد بن محمد بن موسى بن أحمد الطنجى قال: جالسته كثيرا للمذاكرة واجتمعنا بجامع القرويين عمّره الله تعالى على قراءة صحيح البخارى حتى ختمناه تحقيقًا وبحثًا، ومطالعة لما نحتاج إليه من الغريب ونحوه، وذكر أنه قرأ عليه بعضه وبعض مسلم وأجازه في سائرهما، وقرأ عليه فهرسة أبى شامل الشهنى، وفرغ من ذلك كله بفاس في محرم عام ستة وسبعين وثمانمائة.
ومنهم الفقيه أبو عبد الله بن العلامة الراوية أبى سعيد بن أبى محمد عبد الله بن أبى سعيد السلوى شيخ شيخه الطنجى المذكور قال: أدركته وجالسته ولكن ما كتب لى أن أروى عنه إلا بواسطة هذا الشيخ، وبواسطة شيخنا أبى عبد الله الصغير.
ومنهم الشيخ المبارك أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد النفزى الحميرى الشهير بالسراج، يروى عنه بالإجازة العامة عام ستة وسبعين وثمانمائة عن أبيه عن جده مسند فاس أبى زكريا المذكور.
стр. 1860
ومنهم المحدث الرحال أبو محمد عبد القادر زين الدين بن عبد الوهاب بن أحمد البكرى المقدسى الشامى المولد المتوفى ببلاد مزاورة البربر، كان قدم المغرب سنة ثمانين وثمانمائة، قال: فجالسته وذاكرته في الفقه وغيره وربما كنت أذكر مذهب مالك في الفرع ويذكر فيه مذهب الشافعى، وربما يملى في ذلك نص المنهاج، وكان مستحضرا له واستفاد بعضنا من بعض فوائد جمة، وكان له نظر في الحساب فاستجازنى في الرجز الذى لفقته فيه المسمى بمنية الحساب فأجزتها له، وحمل منها نسخة بخطى واستجزته فيما حمله عمن لقى بالعراق والحجاز والشام ومصر فأجاز لى جميع ذلك إجازة عامة.
ومنهم الحافظان المصريان: أبو عمرو عثمان الديمى، وأبو عبد الله محمد ابن عبد الرحمن السخاوى، حصل على إجازتيهما عام خمسة وثمانين وثمانمائة بواسطة الشيخ زروق الذى استدعى الإجازة منهما لصاحب الترجمة ولولده أحمد، وللفقهاء: عيسى الماواسى، وأحمد بن يحيى الونشريسى، وموسى العقدى، وقاضى الجماعة محمد بن محمد بن عيسى بن علال المصمودى.
ومنهم الراوية المحدث المتفق أبو عبد الله محمد بن شيخ الإسلام أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبى بكر بن مرزوق العجيسى، يروى عنه هو وولده أحمد بطريق الإجازة العامة التي بعثها إليهما متلفظا بذلك وآمرًا لتعذر بصره بكتابته.
الآخذون عنه: ممن أخذ عنه العباس الصغير، ومحمد بن على الحسنى التلمسانى شارح الشفا، أخذ عنه سنة ثلاثة عشر وتسعمائة كما صرح بذلك صدر شرحه للشفا، وأحمد الدقون، والمفتى على بن هارون، وأحمد باب التنبكتى،
стр. 1861
[صورة]
الصحيفة الأولى من الروض الهتون بخط مؤلفه إمام الأئمة وبهجة الأمة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن غازى
стр. 1862
[صورة]
إجازة الشيخ ابن غازي لأولاده وغيرهم بخطه
стр. 1863
وعبد الواحد الونشريسى، ومحمد بن شقرون بن أبى جمعة المغراوى ثم الوهرانى المتوفى في حدود تسع وعشرين وتسعمائة، وأبو عبد الله محمد بن عدة الأندلسى المتونى سنة خمس وسبعين وتسعمائة على ما في لقط الفرائد في خلق لا يحصون.
وقد وقفت على إجازته لولديه أحمد ومحمد والونشريشى وابن هارون والإخوة محمد وعبد الرحمن، وأحمد أولاد محمد بن إبراهيم الدكالى ومحمد ابن عبد الواحد الغزال بخطه على ظهر فهرسته التي بخطه.
مؤلفاته: منها شفاء الغليل، في حل مقفل خليل، في جزء أوضح فيه هفوات وقعت لبهرام ومواضع مشكلة من المختصر أجاد فيها ما شاء من أحسن الموضوعات عليه، وتكميل التقييد وتحليل التعقيد، على المدونة كمل به تقييد أبى الحسن الزرويلى، وحل مشكل كلام ابن عرفة في مختصره في ثلاثة أسفار كبار. وحاشية لطيفة على الألفية مفيدة نبه فيها على مواضع من كلام المرادى مع نقل زوائد الإمام الشاطبى وتحقيقاته العجيبة وهى بخزانتى، ومنية الحساب وشرحها المسمى بغية الطلاب في مجلد مطبوع متداول، وذيل الخزرجية في العروض وشرحه المسمى بإمداد أبحر القصيد ببحرى أهل التوليد، وإيناس الإقعاد والتجريد بجنسهما من الشريد، ونظم مشكلات الرسالة، وحاشية لطيفة على البخارى في نحو أربعة كراريس، وإنشاد الشريد في ضوال القصيد، تكلم فيه على الشاطبية، والمطلب الكلى، في محادثة الإمام القلى، والجامع المستوفى، بجداول الحوفى، والمسائل الحسان، المرفوعة إلى حبر فاس والجزائر وتلمسان، ونظم مراحل الحجاز، وشرحه. ومؤلف صغير في ماحيا (١) سماه مذاكرة ابن إسحاق بن يحيا. وإسعاف
стр. 1864
السائل في تحرير المقاتل والدلائل، ونظم فواصل المقال وشرحه، واستنبط من حديث أبى عمير ما فعل النغير مائتى فائدة وترجمها، قال في نيل الابتهاج: وقد وقفت على التراجم، والروض الهتون، في أخبار مكناسة الزيتون، وفهرسة شيوخه المسماة بالتعلل برسوم الإسناد، بعد انتقال أهل المنزل والناد، وذيلها الذى ذكر فيه إجازة ابن مرزوق له والثلاثة توجد بخطه في خزانتنا في مجلد فرغ من الفهرسة أواسط شعبان عام ستة وتسعين وثمانمائة وفرغ من ذيلها عام خمسة وتسعمائة وكان يكتب التسعمائة والثمانمائة مفصولتين.
ومن مؤلفاته كليات فقهية على مذهب المالكية مرتبة على الأبواب قال أولها: وكان سبب جمعنا لها إقامتنا في بعض الأيام بطريق تامسنا حين توجهنا للقاء مع الشاوية حين طلبوا على ذلك في أوائل عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة وهى مطبوعة.
شعره: له مقطعات منتشرة ضمنها فوائد فقهية وفرائد تاريخية من ذلك قوله لما نفى من مكناسة:
طلقت مكناسة ثلاثا ... والشرع يأبى الرجوع فيه
ليست بدار سوى لقاض ... أو عامل الجور أو سفيه
وقوله:
السمن والزبد والأجبان مع أقط ... لا تبتعن بعضها بالبعض إذ منعا
والجبن إن بعته بالمثل من أقط ... فلا يراه أبو إسحاق ممتنعا
وله أيضا في حل الأعداد إلى أيمتها التي تركب منها:
إذا عدد قد حل سفر بعدوه ... فعشر له والخمس والنصف في الطبع
стр. 1865
[صورة]
أول فهرست الشيخ ابن غازي بخطه
стр. 1866
وإن خمسة فالخمس والزوج إن يفد ... بتسع فذو ثلث وسدس وذو تسع
وإن تبق ست أو ثلاث فإنه ... أخو الثلث مع سدس وإلا فبالشفع
ثمان فإن أفنت بثمن وضعفه ... وإن أربع تبقى فليس سوى الربع
وإن غيرها فاطرح بسبع فإن أبى ... فنصف له في الزوج أولى فذو سبع
وفردًا إذا يفنى بتسع فإنه ... أخو الثلث مع تسع ولا وجه للمنع
وإن تبق منه ستة أو ثلاثة ... فثلث وإلا السبع إن يفن بالسبع
وإلا أصم خالص أو مركب ... من الصم لا يخلو من الأصل أو فرع
وقد كملت والحمد لله وحده ... وأزكى صلاة تأتى بالخير والنفع
على المصطفى المبعوث من آل هاشم ... وعترته والتابعين ذوى الرفع
ومما ينسب إليه:
أقمت بمكناسة مدة ... أعلم أبناءها ما الكلام
فلما توهمه بعضهم ... على به بخلوا والسلام
ولادته: ولد بمكناسة الزيتون عام ثمانية وخمسين وثمانمائة وهو خلاف ما قال الشيخ المنجور على ما في كفاية المحتاج من أنها عام واحد وأربعين وثمانمائة.
وفاته: توفى بفاس إثر صلاة الظهر يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة تسع عشرة وتسعمائة، ودفن من غده الذى هو يوم الخميس كما بكناشة الوزير اليحمدى، واحتفل بجنازته احتفالا عظيما، وحضر السلطان ووجوه دولته فمن دونه، وتبعه ثناء حسن جميل ودفن في عدوة الأندلس من فاس برد الله ثراه ورضى عنه.
стр. 1867
٢٠٧ - محمد فتحا بن عيسى الفَهْدى - بفتح الفاء وسكون الهاء وبعدها دال مهملة- السفيانى الأصل ثم المختارى النشأة المكناسى الدار والإقبار.
حاله: من فحول المشايخ الدالين على الله، من أجل من يهتدى بهديهم ويقتدى بأقوالهم وأفعالهم، مرب عارف بالله تعالى، مورد المريدين، ومفيد المسترشدين، جليل المقدار، صاحب أذواق ربانية، وإفادات عرفانية، طريقه تتبع العمل بالعلم، ومقامه في مشاهدة الواسطة مشهد الروح، واقف في مقام هيبة الجلال، مفارق سره عالم الخلق، مستوطن عالم الأمر تبعا لمشهوده، وهو روحه ﷺ فليس له مع غير الله قرار، ولا عما سوى الله أخبار.
نقل عنه أنه كان يقول: كيف تشرق ذات بأنوار النبى ﷺ ولم تفعل ما كانت تفعله الذات الشريفة، وأنه كثيرا ما كان يقول: السنة تجمعنا والبدعة تفرقنا، وأن من الشروط عنده على المريد في تلقين ورده امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، والمحافظة على الصلوات، ومراقبة الله تعالى في جميع الأوقات، والصمت والمحبة والصبر والعزلة والحنانة والرأفة، وأن يرى جميع معاملة الإخوان معه من الله.
ويقول في حق المبطلين: يريدون الياقوت بالضرب في الحديد، ويريدون مقام الرجال، بأعمال الجهال، ويريدون أحوال الأبرار، بأعمال الفجار، وما أفلح من أفلح إلا بمجالسة من أفلح، ومخالطة الخواص تكسب ثلاث خصال: العلم وصفاء القلب، وسلامة الصدر والعكس بالعكس.
والصدق مع الله نور والمعرفة برهان، والالتفات إلى غيره بهتان، وإضاعة حقوقه كفران، والغفلة عن ذكره خسران، إلى غير هذا.
стр. 1868
[صورة]
ظهير السلطان سيدى محمد بن عبد الله لأولاد الشيخ الكامل سيدى محمد بن عيسى
стр. 1869
ولد ونشأ في مختار فرقة من قبيلة بنى حسن الشهيرة، ثم دخل فاسا فقرأ ما تيسر من القرآن، ورجع إلى قبيلة سفيان، ثم رحل لمكناسة الزيتون آخر عمره واستوطنها، وقد وقفت على ظهير سلطانى أصدره السلطان أبو عبد الله محمد بن عبد الله العلوى لأولاد المترجم صرح فيه بثبوت شرفهم، وإليك لفظه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"كتابنا هذا أيد الله أمره، وخلد في الصالحات طيه ونشره، يستقر بيد حملته الشرفاء أولاد الولى الصالح، والبرهان الواضح، سيدى محمد بن عيسى نفعنا الله به أننا أسْدَلْنا عليهم أردية التوقير والاحترام، والرعى الجميل المستدام، والمحاشات عما تطالب به العوام، فلا يسام جنابهم ولا يضام، ولا يدخلهم أذى ولا اهتضام، وأسقطنا عنهم كل وظيف، قوى كان أو ضعيف، وجعلنا زكاتهم وأعشارهم يدفعونها للضعفاء من أقاربهم وعليهم بتقوى الله في ذلك ومراقبته في السر والعلانية رعيا لنسبتهم الطاهرة، واشتغالهم بما يعنيهم، فالواقف على كتابنا الشريف من عمالنا وولاة أمرنا العمل بمقتضاه ولا يتعداه، ومن رام حول حماهم أو قاربهم بشئ فإنا نعاقبه أشد العقوبة، صدر بذلك أمرنا المعتز بالله والسلام في فاتح رجب الفرد الحرام عام ١١٧٤".
ولم أر من تعرض لرفع نسب الشيخ المترجم غير صاحب سلوك الطريق الوارية والمؤلف المنسوب للغزال.
هذا وقد قال في ابتهاج القلوب نقلا عن ابن عسكر في دوحته ما لفظه: سمعت بالتواتر من أهل مكناسة أيام سكناى بها كرامات كثيرة يتحدثون بها عن الشيخ وكان تلميذه شيخنا أبو الحجاج بن مهدى يقول: سيدى ابن عيسى هو الإكسير الذى لا نظير له، ولقد حضرت عنده يوما وقد جاءه تلميذه الشيخ أبو الرواين وقال له يا سيدى: إنى جعلت زمام نفسى بيدك وقد شغفت بحب النساء، فإن لم تكن لك عناية ربانية فصاحبك يعصى الله تعالى في هذه الليلة يعنى
стр. 1870
نفسه، ووالله حتى أفعل فقال الشيخ: اذهب وافعل ما شئت فإن الله قادر على أن لا تفعل، ولن تستطيع ولو أردت بعناية الله سبحانه. قال فلما كان من الغد جاء أبو الرواين وهو في غاية الضعف ووجهه مصفر فقلنا له: مالك هكذا؟ فقال شاهدت العجب البارحة، فقلنا له: وما ذاك؟ قال: ذهبت إلى امرأة عربية وتكلمت معها أن تبيت عندى لما سبق من يمينى بالأمس فأتت. فما كان إلا أن وصلتها (١) وهممت بمواقعتها، فإذا أنا كالمفلوج لا أستطيع تحريك عضو من أعضائى فبقيت مستلقيا على ظهرى كالميت لا أقدر على نطق ولا حركة، حتى طلع الفجر فسمعت صوت الشيخ وهو يقول: أتتوب إلى الله يا أبا الرواين؟ فقلت: بصوت خفى: أنا تائب لله، فقال: قم إلى صلاة الصبح، فنهضت فإذا أنا قائم كأنما نشطت من عقال، فلما دخلت على الشيخ قال: يا أبا الرواين ما فعلت؟ فقلت: يا سيدى من يكون في رعاية مثلك لا يخشى على نفسه غواية، فقال: الحمد لله على تأييده ورحمته. ثم قال لنا أبو الرواين: من لم يوكل على نفسه مثل هذا الشيخ فهو في غرر، فقضينا من الأمر العجب وسمعت الشيخ بصرى يقول: ثلاثة مشايخ لم يكن لهم نظير بالمغرب: السيد ابن عيسى، والسيد أبو محمد الغزوانى، والسيد أبو محمد الهبطى (٢).
قال: وكثيرا ما ينتسب إلى الشيخ ابن عيسى أقوام يهتكون أسرار الشريعة، ويحلون المحرمات ويظهرون أفعالا لا تشبه خرق العادات، ويدعون أن ذلك مما خصهم به من البركات، وحاشاه من ذلك إنما هم زنادقة أو مبتدعة، وكثير منهم يمر بالأسواق يخطفون الصابون وغيره، فيأكله ولا يرى تضررا بذلك، ويدخلون بيوت النار ولا يتضررون، ويشيرون بالهتك والبعج وغير ذلك.
стр. 1871
والحق أن ذلك من الحيل كما شاهدناه من بعضهم، وصدقنا في أصل فعله، وذلك أنهم يأخذون الشرناك وهى شجرة معروفة فيسمونها البلعلع، وإذا أكلتها البقر ماتت من ساعتها، ولا يضر غيرها من الحيوان، وإذا قطعت عروقها يخرج منها ماء أحمر كالدم فيتبعون عروقها بالحفر احترازا من تجريحها ولا يحبسونها باليد لكن بخرقة كتان نقية، ويجعلونها في العسل سبعة أيام حول مستوقد النار، ثم يفطرون عليه أو يضعونه تحت لسانهم، ثم يقع لهم شبه السكر فيثبون من المواضع العالية، ويشيرون بالبعج ويدخلون الأفران الى غير ذلك.
وغاية هذا، التحريم لإدخاله الضرر على العقل، فضلا عما يبنون عليه من ادعاء خرق العادة والتصرف في أموال الناس ويتحاشى جانب الأولياء عن هذا ومثله. انتهى.
قلت: جل من ينتمى لهذا الشيخ وأمثاله في كل بلد رعاع لا همة لهم في تحل ولا تخل، ولا رغبة لهم في حق ولا حقيقة، بل لا يهتدون إلى ذلك سبيلا، ولا يطلبون عليه دليلا، وحسبهم تقليد اللاحق منهم للسابق، فيما هو عليه من ذميم الأفعال والطرائق، وهذا النوع هو الغالب في الوجود في كل زمان ومكان، ولذلك انتشرت بدعهم وتكاثرت أتباعهم وهم مع كونهم عميت عليهم الأنباء، إن أرشدتهم طعنوا فيك وقابلوا نصحك بالإباء، وما أحسن قول مخلص ودنا الفقيه أبى العباس أحمد الزيانى:
عجبا للعيساويين وما قد ... نسبوه إلى ابن عيسى الولى
نسبوه إلى الضلال وظنوا ... أن ذاك الضلال هدى النبى
زعمهم يحسنون صنعا وهم من ... أخسر الناس صفقة يا أخى
جلبوا كل بدعة وذميم ... وتساموا لكل شر وغى
стр. 1872
تركوا الدين والصلاة جهارا ... شأن كل معاند أو غوى
عطلوا كل مسجد عن صلاة ... عمروه بكل فحش جلى
وبه رقصوا بدون حياء ... عانقوا كل خودة وصبى
أكلوا الميت والدما وهى رجس ... فرسوها افتراس كلب ضرى
سودوا وجهك ابن عيسى وحاشا ... أن يضاف إليك كل دنى
إيه والله ما أمرت ولا يو ... ما أشرت بذا الضلال الجلى
بل ولو كنت قد رأيت فعالا ... تخجل الميت لو رآها كحى
لتبرأت منهم دون ريب ... واقتديت بقول عيسى الصفى (١)
ولعراقتهم في الجهل والغباوة لم يعلموا أن المشايخ الصوفية أهل الحنيفية السمحة بنوا نحلتهم على أصول أصيلة في نظر الشارع، منها متابعة النبى ﷺ في الأقوال والأفعال، ومراقبة الله تعالى في سائر الأحوال، وأكل الحلال والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن مقصودهم من تأسيس الطرق يدور على أمور جاءت الشريعة بتأييدها والحض عليها، منها بث روح الاتحاد في نفوس الأمة وجمع كلمتها صونا لها عن الوقوع في مهواة التفريق، ومنها السير بالأمة على المنهج السوى والصراط القويم القوى.
ومنها الاجتماع على ذكر الله تعالى على الكيفية الواردة على لسان الشارع.
ومنها الاجتماع على مدارسة القرآن والمذاكرة في معانيه والخوض في عباب معارفه وعوارفه، ولطائفه وطرائفه، والنظر في شئون الإصلاح الظاهرى والباطنى
стр. 1873
العامة الهامة وملافاة ما أصاب القلوب من الرعونات والأدواء خوفا من أن ينتشر الداء، ويعز الدواء، نظر الناقد البصير فإن وجدوا خيرا حمدوا الله وحضوا على ملازمته واعتناقه بكلتى اليدين، وان وجدوا شرا سعوا في علاجه خوفا من أن تنتشر العدوى، وتعم البلوى، ولا تنفع الشكوى، ولا تسمع الدعوى.
ومنها الاجتماع لما فيه صلاح وتقوية للرابطة الإسلامية وتصفية القلوب بالأدوية النافعة الناجحة المنورة للسرائر والضمائر، المخلصة من الوقوع في شبكة النفس والشيطان والهوى، المنجية من تلبيس إبليس، وتحبب العمل وحمل النفوس عليه حتى تكون دائبة على العمل صابرة عليه ولا تألف الكسل، ولا تميل للراحة فتخلد إلى أرض البطالة والتوانى فتخور عزائمها وتسفل هممها وتهلك مع الهالكين.
ولكن بالأسى والأسف أبى زاعمو أتباع أولئك المشايخ المصلحين إلا أن يخرجوا عن الخطة المثلى التي رسموها لهم، ويحيدوا عن سننهم القويم، ولسنا نشك ولا يشك كل مؤمن صحيح الإيمان أنه لو قدر ظهور أولئك الشيوخ المتبوعين اليوم، ورأوا ما عليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم من أتباعهم من اختلاط النساء بالرجال، والتلطيخ بالدم المسفوح والشطح والردح وضرب الرءوس، بالمعاول والفئوس، وتضييع الصلوات، واعتقاد ذلك دينا من أعظم القربات، وتشويه وجه الإسلام والمسلمين بذلك، لتبرءوا منهم براءة الذئب من دم يوسف ﵇، ولفوقوا إليهم سهام المؤاخذة والملام.
فإن قلت: فها نحن بين ظهرانينا علماء الإسلام وهم مفرون لذلك ونجد بعضهم مكثرين لسوادهم في مجتمعاتهم ومواسمهم متبركين بهم ملتمسين لصالح دعواتهم، قلنا: أما السكوت المضاف لمن هو من أهل العلم الحقيقى فعنه جوابان: أحدهما أنهم إن سكتوا فلعلمهم بأن كون تلك الأفعال الشنيعة من المناكر المباينة
стр. 1874
لخصال الإسلام صار ضروريا في الدين بمنزلة الزنى والسرقة وشرب الخمر. وكتب الإسلام، ودواوينه الفخام، أتت من بيان ذلك على غاية ما يرام، حتى اشترك في معرفته الخاص والعام، وساوى العلماء في معرفة حرمته وقبحه الغوغاء والعوام، ومثل ذلك يستغنى عن تكرار التنبيه عليه في كل مقام، ولا سيما عند مشاهدة امتلاء الوجود بالشح المطاع والهوى المتبع، وإعجاب كل ذى رأى برأيه فإن هذا إذا وقع ولسنا نشك في وقوعه منذ زمن طويل، قد رخص لنا الشارع عنده أن يكون كل واحد منا مقتصرا على النظر في صلاح خويصة نفسه كما جاء به الحديث الشريف، ولذلك طالما حض الراسخون من متأخرى علمائنا على ترك التعرض للإنكار في العموم.
ثانيهما: أنا لا نسلم سكوتهم وكيف يصح أن يضاف السكوت لهم عن ذلك جملة وهم في كل زمن وفى كل بلاد عاكفون على دروس دواوين الإسلام وإيضاح ما فيها من خاص أو عام في مجالسهم العمومية، وفى خطب مواسمهم وأعيادهم، فيقرعون بإيضاح ما فيها آذان العموم، ومن جملة ما فيها بيان كل محرم مذموم، وكل فعل صاحبه ملوم، ومنه مناولة الدم المسفوح، وتعريض النفس للتهلكة، وتضييع الصلوات، وتحريم التلبيس والغش والخديعة وغير ذلك مما استوعبته الشريعة.
فالذام لأهل العلم العلم الحقيقى بإضافة مثل ذلك السكوت إليهم هو المذموم، أوقعه في ذلك شدة غباوته وجهالته وفساد تصوره وذهوله عما يقرع آذانه في كل جمعة وعيد وموسم، وعما يلقى إلى العموم دائما في الدروس الدينية ولكن.
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادى
стр. 1875
وأما من يكثر سواد أولئك الجهلة الضلال، أو يلتمس بركتهم ممن ينسب نفسه إلى علم، فذاك من شواهد عدم علمه، وكيف ومن العلم الحقيقى معرفة أن البركة إنما تلتمس من المهتدين والتنفير من تكثير سواد الضالين، وقد بين النبى ﷺ ما أنزل من الذكر الحكيم إليه، وشرح لنا فيه طريق الرشد وطريق، الضلال، وتركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقام بإيضاح ذلك علماء الملة وأعلامها بعده حتى بلغ الأمر من ذلك غايته وحده، فعلم من يتعود الجريان على ما يخالف مقتضى العلم ولا يرعوى عن ذلك، هو جهل في الحقيقة لأنه إن كان يعتقد الحرام ومع ذلك يفعله ولا يقلع عنه فقد قال غير واحد من الراسخين في العلم يهتف العلم بالعمل، فإن أجاب وإلا ارتحل.
وقد جزم القسطلانى في مقدمة إرشاده بأن ما يحمله الفساق ليس بعلم على الحقيقة، ولذلك علل المولى سعد الدين قول التخليص وقد ينزل العالم منزلة الجاهل هـ بقوله لعدم جريانه على موجب العلم نعم القادح في العلم هو الذى تعود منابذة مقتضاه من غير إقلاع ولا توبة، أما صدور ذلك من عالم على سبيل الزلة والفلتة ثم إقلاعه عن ذلك وندمه عليه فهذا غير قادح في علمه، لأنه غير معصوم.
وقد قيل للجنيد: أيزنى العارف؟ فقال: وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وشاهده أن بعض الصحابة لما لعن بحضرة النبى ﷺ شخصا ارتكب موجب حد وأقامه ﵇ عليه نهاه النبى ﷺ عن ذلك وقال له: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله انتهى.
فأثبت ﷺ لهذا العاصى محبة الله ورسوله مع عصيانه لهما في بعض ما نهياه عنه، وكيف تكون زلة العالم قادحة وهو بالعلم عرف قبح ما وقع فيه
стр. 1876
وبجريانه على مقتضاه بادر إلى الإقلاع والإصلاح لما فسد فكان بذلك من العلماء الذين عملوا بعلمهم.
ثم اعلم أن وقوع المعاصى في الوجود لا يعد وصمة في علم العلماء وفضلاء الفضلاء إلا أخرق عريق الجهالة، فإن الله سبحانه من غناه عن العالمين وأعمالهم قدر المعاصى كما قدر الحسنات، وخلق الدارين دار الإكرام ودار الانتقام، وخلق لكل بنين يعمرونها، وقال لخلقه: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فلا بد من وقوع الأمرين، وامتلاء الوجود بالفعلين، ولذلك كانت تقع المخالفات والمعاصى قيد حياته ﷺ المتعارفة ومن صحبه الكرام.
فكان منهم من سرق فقطعت يده، ومن زنى فرجم، ومن شرب الخمر فحد ومن غل ومن خان إلى غير ذلك مما تكفلت بنقله كتب السنة والسير.
وقد علم أنه هو ﷺ وصحبه الكرام وزمنهم هو الطبقة العليا في الكمال، ولم يمنع ذلك من صدور المعاصى وقتئذ كما لم يقدح ذلك في علم الصحابة ولا في عملهم، إذا هم أهل العلم والعمل بالإجماع، وسر ذلك ما تقدم من أن المعاصى سبق القضاء بوجودها، فليس في طوق أحد محو ما سبق به القضاء، ثم المضر هو الإصرار عليها وعدم التوبة منها، وهم رضى الله عنهم ما كانوا يصرون على ما يقعون فيه من ذلك بل كانوا يسرعون إلى الإنابة، ولو أتت على نفوسهم.
ولا شك أن التوبة وعدم الإصرار هو من جملة العمل بالعلم، والعصمة لا تشترط قطعا فقد قال الله تعالى: ﴿. . . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ. . . (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهل تكون التوبة إلا من ذنب! وفى الحديث لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم، أخرجه مسلم عن أبى هريرة، فمن يجعل مجرد جريان المعاصى في الوجود أو وقوعها فلتة من بعض العلماء مع قيامهم بالشرح والبيان في كل موطن قد حافى علم العلماء وفضل الفضلاء فهو
стр. 1877
ضال، حقيق بكل نكال، وقد بالغ أئمة التحقيق من المتأخرين في رد قول الحكم العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك، وقالوا: إنه من تخليط مقام البداية بالنهاية، وذلك أقرب إلى الضلال من الهداية.
وممن قرر ذلك وحرره المواق في سنن المهتدين، وابن زكرى، والشيخ جسوس في شرح الحكم، فهذا وفقك الله هو القسطاس الذى يزن به من وقع في الإنكار على العلماء لا ما تسوله النفوس وتوحيه شياطين الجن إلى شياطين الإنس.
وأما ما سبق عن ابتهاج القلوب من قوة هؤلاء الضالين على الأفعال التي سبق وصفه إياها هى بحيلة عمل الشرّ ذاك، فهو لا يطرد في عموم المتظاهرين بذلك، ومن أبعد البعيد أن تقوم على اطراده في كل زمن ومكان حجة، وإنما غالب ذلك من آثار سلطة الروح على الجسم حين الخروج عما هو الأعم الأغلب من الأحوال الاعتيادية بأسباب شيطانية أو ربانية، وقد قرر ذلك وبسطه ابن تيمية في رسائله الكبرى، وابن خلدون أواخر مقدمته.
مشيخته: أخذ عن أبى العباس الحارثى السفيانى المترجم قبل وصحبه إلى وفاته، ثم عن سيدى عبد العزيز التباع بعهد من الأول له وعلى يده تم له الفتح، ثم عن سيدى الصغير السهلى، والثلاثة عن الإمام الجزولى رضى الله عنه وعن أهل الله فطريق المترجم جزولية.
الآخذون عنه: منهم أبو الحجاج بن مهدى، ومنهم أبو الرواين الحجوب المترجم بعد.
ولادته: ولد سنة اثنين وسبعين بتقديم السين على الموحدة من التاسعة بمختار فرقة من قبيلة بنى حسن الشهيرة.
стр. 1878
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون سنة ثلاث وثلاثين (١) وتسعمائة، ودفن بمقبرة شيخه الحارثى خارج باب السيبة أحد أبواب المدينة الآن، وقبره ثم مزارة شهيرة عليه بناء حافل أنيق.
٢٠٨ - محمد بن مخلوف الضريسى المكناسى .
حاله: كثير التنسك والانقطاع إلى الله أحد الزهاد والعباد، وأهل المحبة في الله، مستغرق الأوقات في الذكر والعبادة، ورده ختم القرآن العظيم كل ليلة بين العشاءين في ركعتين، يفتتح القراءة في أول ركعة بعد صلاة المغرب ويختمها في الثانية، فإذا سلم علم الناس بدخول وقت العشاء الأخيرة فيسمعون الأذان في الحين، وذلك كل ليلة لا يزيد ولا ينقص.
وكان فصيح اللسان يرتل القرآن ترتيلا دون عجلة، وتلك خصوصية ربانية، وكان يزور الشيخ أبا يعزى في كل سنة يمشى حافيا من مكناسة الزيتون إلى قبره بتاغيا، وكان يقول: من زار هذا الشيخ وسأل الله تعالى عند قبره حاجة واحدة في كل زورة فإنها تقضى له بإذن الله تعالى.
مشيخته: منهم أبو اليمن مبارك الحصينى.
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون عام اثنين وأربعين وتسعمائة.
٢٠٩ - محمد بن قاسم بن عبد الواحد الكتانى النسب الفاسى الأصل المكناسى النشأة الحسنى الإدريسى .
حاله: بركة صالح، سالك سبيل السنة في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، معظم وقور، خطير القدر، فاضل جليل، ماجد أصيل، وهو أول من انتقل من مكناسة لفاس من هذه الشعبة الكتانية أواسط المائة العاشرة، وكان انتقال هذه الشعبة الكريمة من فاس إلى مكناسة أواسط العشرة الثانية من القرن الرابع.
стр. 1879
وسبب ذلك أن موسى ابن أبى العافية المكناسى لما استولى على فاس والمغرب شمر لطرد الأدارسة عنه، وأخرجهم من ديارهم وأجلاهم عن بلادهم إلى آخر ما هو معلوم، وصار من قدر منهم على الفرار يفر طالبا للنجاة، وكان من جملة من فر إذ ذاك جد هذا القبيل، وهو الشريف الجليل الماجد الأصيل المتبرك به أبو زكرياء يحيى الملقب بأمير الناس ابن عمران بن عبد الجليل بن يحيى بن يحيى ابن محمد بن إدريس، وكان فراره إلى زواوة، ثم إلى بنى حسن من عمل شالة أى المدينة الخربة الآن بإزاء رباط الفتح، ومنها لمكناسة الزيتون، وكان لهم فيها الصيت الشهير بصراحة النسب وعلو المكانة وعظيم الحظوة عند ملوك بنى مرين، ومنها انتقلوا إلى فاس.
وقال في الدرة الفائقة: ثم انتقل الكتانيون من زواوة إلى مدينة شالة، وذلك أيام السلطان عبد المؤمن بن على الموحدى واستوطنوها إلى آخر دولة الموحدين، ثم انتقلوا إلى مكناسة الزيتون وذلك في أوائل دولة بنى مرين، والإمام إذ ذاك هو أبو بكر بن عبد الحق المرينى، وذلك سنة نيف وستين وستمائة، وقيل أربع وستين وستمائة، ثم من مكناسة إلى فاس القرويين هـ ملخصا من النبذة اليسيرة النافعة، التي هى لأستار بعض أحوال الشعبة الكتانية رافعة، لشيخنا أبى عبد الله محمد ابن جعفر الكتانى.
وقد يجمع بين قول من قال: إن القدوم من زواوة كان لبنى حسن، ومن قال إلى شالة، بأن منهم من استوطن شالة، ومنهم من استوطن بنى حسن والله أعلم.
٢١٠ - محمد بن أبي القاسم بن على بن عبد الرحمن بن أبي العافية المكناسى .
стр. 1880
[صورة]
إجازة الحافظ ابن فهد لولدى الشيخ ابن غازى بخطه
стр. 1881
حاله: فقيه أستاذ نحوى، كان يستظهر مختصر ابن الحاجب ويقوم عليه وعلى الرسالة قياما تاما.
مشيخته: أخذ عن أبى الحسن بن هارون المطغرى، وعن أبى مالك عبد الواحد بن أحمد الونشريسى.
وفاته: توفى بفاس عام اثنين وستين وتسعمائة.
٢١١ - محمد بن الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد ابن على بن غازى العثمانى المكناسى الملقب غازى، نجل الإمام ابن غازى السابق الترجمة، وشقيق أبي العباس المتقدم الذكر في الأحمدين.
حاله: علامة نابغة، ومحقق واعية، قال في الجذوة: كان نحويا بارعا فيه أستاذا، أم بجامع القرويين أزيد من عشرين سنة، لم يحفظ عنه فيها سهو في الصلاة، وكان الخطيب بالمسجد المذكور.
مشيخته: أخذ عن والده وأجازه عامة كما تقدم نص إجازة والده له في ترجمة أخيه في الأحمدين نقلا عن خط المجيز، ووقفت على إجازة العز بن فهد له ولأخيه، ودونك نص الإجازة نقلا عن خطه المرقوم على آخر ورقة من فهرسة ابن غازى التي وقفت عليها بخطه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، الحمد لله الذى وفق العلماء لاتباع السنة، وجعل للمستنبطين منها الأحكام فضلا ومنة، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد الذى بين الله لنا على لسانه الفرض والسنة، ورضى الله عن آله وأصحابه الذين كانوا له أعظم جنة.
стр. 1882
وبعد: فقد سألنى من لا أستطيع رده الإجازة لسيدينا الشيخين الإمامين العلمين الأوحدين، العلامتين الأمجدين، أبى العباس أحمد وأبى عبد الله محمد ابنى الشيخ الفقيه العلامة المقرئ أبى عبد الله محمد بن غازى المكناسى ثم الفاسى أمتع الله بحياتهما ونفعنا ببركاتهما، فبادرت لإجابته فأقول مستعينا بالقادر الوهاب: قد أجزت سيدينا الشيخين المذكورين جميع ما يجوز لى وعنى روايته متلفظا بذلك، وكذا لأولادهما وإخوانهما وأقربائهما وخدمهما ومن يلوذ بهما، ولجميع أهل بلدهما، بل ولجميع المسلمين على مذهب من يرى ذلك من المسلمين، قاله وكتبه المفتقر إلى لطف الله وعونه، محمد عبد العزيز بن عمر بن محمد بن فهد الهاشمى المكى الشافعى خادم الحديث النبوى بالحرم الشريف المطهر المنيف هو وأسلافه، وهو يسأل الشيخين المذكورين نفع الله بهما أن لا ينسياه من دعائهما الصالح، خصوصا بخاتمة الخير وقضاء الدين، وكفاية مهمات الدنيا والآخرة والحمد لله وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا حسبنا الله ونعم الوكيل" انتهى من خطه.
وفاته: توفى سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة.
٢١٢ - محمد بن حسين العبدلى السهلى، وقيل اسمه أحمد، شهر بأبى الرَّوَايَن .
حاله: مجذوب سالك ملامتى، أحد عجائب الدهر، ذو أحوال خارقة للعادة جليل القدر، شهير الذكر، جمالى الحال، واسع النظر، عالى الهمة، حسن السمت، رفيع اللباس، يمسى غنيا ويصبح فقيرا، يدفع كل موجود له للضعفاء والمساكين، وكان أعجوبة الدهر في التوكل والثقة بالله.
قال صاحب ابتهاج القلوب: حدثنا الشيخ الوالد رضى الله عنه، قال: مر
стр. 1883
الشيخ المجذوب عليه -يعنى المترجم- يوما بباب داره فقال ايت فاكنس ما تحت هذه الدابة لدابة كانت له بالاروى، فدخل أبو الرواين يخرج له ما يحمل فيه الزبل، وقد كان على الشيخ المجذوب برنس جيد فطرحه في الأرض وأخذ يحمل فيه الزبل، فما خرج أبو الرواين حتى وجده قد فعل، فقال متعجبا منه: ما رأيت مثل هذا قط! وقد غلبنى لأنه أراد أن يختبر مكانه من النظر إلى نفسه والرضا عنها، فوجده فوق ما يظن من خفض النفس وعدم المبالاة بها.
وشأن المشائخ أن يحملوا المريدين على إذلالها وما يوجب إخمادها وقضاياهم في ذلك مشهورة، لأنه كلما خمدت النفس وانخفضت قوى معناه وتنور باطنه، إذ لا حجاب له إلا رؤيتها، وقد ورد في الأحاديث الربانية عاد نفسك فليس لى في المملكة عدو غيرها، وورد أيضًا في مناجاة موسى أنه قال: كيف أجدك يا رب؟ قال له عاد نفسك وتعالَ. قال وقد أخبر الشيخ المجذوب أن ذلك البرنس الذى حمل فيه الزبل لم تزل رائحة المسك تفوح منه من ذلك الوقت، وكان عند أهله في الصندوق مع الثياب يتبركون به انتهى.
ومعلوم أن العز في مخالفة النفس والذل في طاعتها واتباع هواها ولله در القائل:
إذا شئت إتيان المحامد كلها ... ونيل الذى ترجوه من رحمت الرب
فخالف هوى النفس الخبيثة إنها ... لأعدى وأردى صفقة من هوى الحب
ولقد أجاد من قال:
إذا شئت أن تحظى وأن تبلغ المنى ... فلا تسعد النفس المطيعة للهوى
وخالف بها عن مقتضى شهواتها ... وإياك لا تحفل لمن ضل أو غوى
ودعها وما تدعو إليه فإنها ... لأمارة بالسوء من هم أو نوى
стр. 1884
لعلك أن تنجو من النار إنها ... لقطاعة الأمعاء نزاعة الشوى
وقد تحدث عن المترجم بكرامات، وخوارق عادات، من ذلك ما حكاه في ابتهاج القلوب قائلا: حدثنى شيخنا الإمام محمد بن الشيخ أبي العباس الفاسى، عن الشيخ المعمر سيدى أحمد السفاج، أن الشيخ أبا الرواين، مرّ يوما مع الشيخ المجذوب على حلة، فقال: لا أذهب حتى أعمر هذه الخيمة أو أخليها، وكانت خيمة جليلة لذى مال من تلك الحلة، فصاح بربها فطلب منه فرسه فقال: يا سيدى عندى من أشاوره في ذلك، فذهب إلى زوجته فقال لها: إن أبا الرواين والمجذوب هنا، وقد قال كذا وكذا، فقالت: وما يكون منك إذا بقيت بلا فرس، فجاء واعتذر بذلك، فقال أبو الرواين: من يشترى منى الخيمة وصاحبتها؟ فلم يجبه إلا خماس كان هنالك، قال له: إن عندى عجلا إن قبلته فخذه، فقبله وسار، ثم إن صاحب الخيمة كان له أندر مجوف فدخله يوما ففقد حتى قيل بعد مدة إن آخر العهد به مكان الأندر، ففتش فوجد ميتا هنالك واعتدت المرأة بعده فأخذها الخماس وركب الفرس وأحاط بالخيمة وما فيها.
قال: ومما يحكى عن أبى الرواين أيضًا أن بعض أهل مكناسة لما رأوه على ما هو عليه من الثياب الرفيعة النقية من الدنس وكان عليه كساء مصبوغ الأطراف باللك (١)، وصادف أن كان في الطريق طين مطر فأخذ ذلك الرجل يقدم له الله أن يتمرغ في ذلك الطين هزؤا ولعبا وسخرية منه، فأخذ أبو الرواين يتمرغ فيه لما سأله بالله، فلما قام قال: اليوم أنا وغدا أنت، فمن الغد قتل هنالك.
وأظن الحكاية مع ولد الفقيه أبى على حرزوز، فإنه كان أخبر بما وقع له وقد سمى لى صاحبها من أخبرنى، إلا أنه طال عهدى هل هو المذكور أو غيره.
стр. 1885
قال: ولما تغلب السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ على مكناسة ألح بالمطالبة لأخذ فاس فجاء الشيخ أبو الرواين وقال له: اشتر منى فاسا بخمسمائة دينار، فقال السلطان: ما أنزل الله بهذا من سلطان، هذا شئ لم تأت به الشريعة فقال: والله لا دخلتها هذه السنة، فبقى شهرًا والأمر لا يزداد عليه إلا تصعبا (١)، ففال الأمير أبو محمد عبد القادر لأبيه السلطان المذكور، يا أبت افعل ما قال لك الشيخ أبو الرواين، فإنه رجل مبارك من أولياء الله، وما زال به كذلك حتى أذن له في الكلام معه، فكلمه الأمير عبد القادر فقال: ادفع المال! فدفعه له، فقال: عند تمام السنة إن شاء الله يقضى الله الحاجة وأمري بأمره سبحانه، ثم إن الشيخ فرق المال من يومه ولم يمسك منه لنفسه حبة واحدة، ومن ذلك اليوم والسلطان المذكور في ظهور إلى أن تمت السنة فدخل فاسا كما قال (٢) انتهى.
قلت: قول السلطان محمد الشيخ السابق: إن الشريعة لم تأت بمثل هذه الأفعال التي كان يتظاهر بها المترجم وأمثاله، لعله يعنى من حيث كون الإقدام على أمثال ذلك لم تأذن فيه الشريعة للعموم ومدعى التخصيص عليه البيان، وإقامة البرهان، وإلا فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قضى على الربيع بأن تكسر ثنيتها قصاصا لها على ما فعلته بغيرها من مثل ذلك، فقال له سيدنا النضر: والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فأجابه ﷺ بأن كتاب الله القصاص، وإثر هذا بادر المجنى عليهم إلى العفو عن الربيع، فحينئذ قال ﷺ : إن لله (٣) رجالا لو أقسموا على الله لأبرهم أو كما قال.
стр. 1886
ولأهل الخصوصيات من الشواهد في كتب السنة ما هو كثير ويكفى من ذلك ما قصه الله عن الخضر لما صاحبه موسى ﵉، وذلك كله من شواهد أصحاب الأحوال مثل المترجم، ولكن مثل ذلك خاص لخاص، فلا ملام على المتمسك عند حدوث شئ من ذلك بمقتضى ظاهر الشرع وعموماته، حتى يتحقق أن فاعل ذلك من أهل الخصوصية فيسلم له ولا يقتدى به والله أعلم. انظر ابتهاج القلوب.
مشيخته: أخذ عن المترجم قبل وهو الشيخ الكامل.
الآخذون عنه: منهم أبو عبد الله محمد بن صالح المعروف بعريان الرأس دفين تسابت إحدى عمالة توات كذا لبعضهم.
وفاته: توفى سنة ثلاث وستين -بتقديم السين على المثناة فوق- وتسعمائة عن نحو ستين سنة، ودفن قريبا من شيخه ابن عيسى وضريحه مزارة مشهورة إلى الآن.
٢١٣ - محمد بن قاسم بن على بن أبى العافية المكناسى الشهير بابن القاضى.
حاله: كان فقيها أستاذا نحويا جلس مجلس أبيه في الرسالة بجامع القرويين.
وفاته: توفى سنة خمس وستين وتسعمائة.
٢١٤ - محمد بن محمد بن أحمد بن على بن عبد الرحمن بن أبى العافية المكناسى الشهير بابن القاضى.
стр. 1887
والد أبى العباس صاحب الجذوة والدرة وغيرهما.
حاله: فقيه نوازلى فرضى حيسوبي، علامة نبيه، فاضل وجيه، من بيت علم وفضل ودين متين.
مشيخته: أخذ الحساب والفرائض عن أبى محمد عبد الحق المصمودى السكتانى، وعن أبى الحسن على بن هارون المختصر الخليلى، وعن أبى عبد الله اليسيتنى تلخيص المفتاح.
الآخذون عنه: منهم ولده أخذ عنه الفرائض والحساب وشيئا من المنية لابن غازى.
وفاته: توفى بفاس سنة إحدى وثمانين وتسعمائة، ودفن بمطرح الحلة (١).
٢١٥ - محمد بن عبد الرحمن بن بصرى الولهاصى المكناسى المعروف بسيدي بصرى.
حاله: عالم عامل ذو أنفاس صادقة، وأحوال رائقة، أستاذ مجود فقيه، ولى صالح، عارف صوفى، نزيه مرشد ناصح، خطيب مصقع، تولى الخطابة بجامع مكناسة كما في درة الحجال.
قلت: ولا زالت الخطبة بيد حفدته إلى الآن، ونقل في المنحة عن بعض أتقياء مكناسة وطلبتها أن الشيخ استمر على الإمامة بالمسجد الأعظم إلى أن توفى، وأنه رد جميع ما كان أخذه من أوقاف المسجد، وأنه كانت له زوجة اسمها آمنة بنت الولى الصالح سيدى أبى على منصور الهروى دفين مدينة سلا، ولا زال أهل الفضل من مكناسة يتحدثون عنه بأنواع الكرامات. قال ابن عسكر: غير أنه يزعم أنه أخذ طريقة التصوف عن امرأة هنالك ويدعى لها أسرارًا ومناقب ونحوه في ابتهاج القلوب.
стр. 1888
شيوخه: قال أبو عبد الله محمد العربي بن محمد البصرى في الباب الرابع من كتابه منحة الجبار، ونزهة الأبرار، وبهجة الأسرار، في ذكر الأقطاب والأولياء والأشراف والعلماء الأخيار، إنه تلا بالسبع على الإمام أبى العباس الحباك المتوفى سنة ست وثلاثين وتسعمائة، واستجازه فأجازه فيها وفيما يتعلق بها من كتب القراءات مع الألفية والرسالة والبردة كما هو دأب أهل الإجازات، ونص ذلك:
"يقول العبد الفقير إلى رحمة مولاه، الغني به عمن سواه، أبو العباس أحمد بن الشيخ المكرم الوثايقى الملحوظ المبارك الأسعد أبى عبد الله محمد بن الشيخ المكرم المرحوم أبى عبد الله محمد الأنصارى عرف بالحباك سمح الله له، وسدد قوله وعمله، إن الشاب الطالب النجيب، الكيس الحاذق اللبيب، أبا عبد الله محمد بن الشيخ الأجل، الأفضل الأكمل، أبى زيد عبد الرحمن بن عبد الله ابن عمر الولهاصى المكناسى الدار المدعو بابن بصرى شرح الله صدره، ورفع بالعلم والعمل الصالح قدره، وقواه وأرشده، ووفقه وسدده، كان ممن تردد إلى، وتوخى المثول بين يدى، واعتمد في قصده على ما لدى، فقرأ علىّ القرآن العظيم، المنزل على سيدنا محمد المصطفى الكريم، من فاتحته إلى خاتمته ختمة واحدة، جمع فيها بين قراءة الأئمة السبعة المشهورين، رضوان الله عليهم أجمعين، وأدرج في ذلك الإدغام الكبير لأبى عمرو بن العلاء وكل ذلك بطريق التيسير للحافظ أبى عمرو الدانى، وملخصه حرز الأمانى، ووجه التهانى؛ للإمام أبى القاسم الشاطبى رحمه الله تعالى.
ولما كمل له ذلك على على نحو ما ذكر من التعيين والتفصيل، وكان من أهل التجويد للقراءات مع الضبط لأحكامها والتحصيل، سأل منى وفقه الله تعالى أن أجيز له ذلك وأشهد له به في كتاب، ليرتفع به عنه تخالج الظنون وخطرات الارتياب وليكون بيده حجة ساطعة، وبنبله وثبات نقله بينة قاطعة، كما جرت بذلك عادة الأئمة، ومعتمدى هذه الأمة، فأجبته إلى ما سأل، وأسعفته فيما رغب
стр. 1889
وأمل، وحدثته بالقراءات السبع تلاوة عن الشيخ الفقيه الأستاذ الخطيب الشهير أبى عبد الله محمد بن أحمد بن غازى العثمانى، عن الشيخ الفقيه الأستاذ الخطيب الشهير أبي عبد الله الشهير بالصغير ابن الحسن النيجى إلى آخر السند.
ثم قال أبو العباس المجيز: وقد عرض على المجاز أبو عبد الله محمد المذكور هداه الله تعالى قصيد أبى القاسم الموسوم بحرز الأمانى ووجه التهانى عرضا جيدا من صدره، واستفهمته عنه وعن فصوله، وحدثته به عن شيخنا الفقيه المقرئ الصالح أبى عبد الله محمد بن غازى، عن شيخه الفقيه الخطيب المقرئ محمد بن الحسن النيجى الشهير بالصغير، عن شيخه الأستاذ المقرئ المحقق أبى الحسن على الوهرى إلى آخر السند.
قال: وعرض على أيضًا المجاز المذكور قصيد أبى الحسن بن برى المرسوم بالدرر اللوامع عرضا جيدا من صدره كله بالتفهم، وحدثته به عن شيخنا الفقيه أبى عبد الله بن غازى المذكور، عن شيخه الفقيه أبي عبد الله محمد الصغير إلى آخر السند.
قال: وعرض على أيضًا الرجز الموسوم بمورد الظمآن، في رسم أحرف القرآن، مع الذيل الملحق به في النقط للإمام العالم العلامة أبى عبد الله محمد بن إبراهيم الشهير بالخراز، وعرض على أيضًا المجار المذكور صدرا من رسالة الإمام العالم أبى محمد عبد الله بن أبى زيد القيروانى، وحدثته بها عن الشيخ الفقيه أبى عبد الله محمد بن غازي المذكور، عن شيخه أبى عبد الله محمد الصغير المذكور إلى آخر السند المرسوم في الإجارة، وفيما كتب به ابن غازى لمن استجازه من أهل تلمسان.
стр. 1890
قال: وعرض على أيضًا صدرا من كتاب التيسير، وحدثته به قراءة لبعضه، وسماعا لسائره عن الشيخ أبى عبد الله بن غازى، عن الشيخ أبي عبد الله الصغير المذكور إلى آخر السند المذكور في الإجازة أيضًا.
قال: وعرض عَلَىَّ أيضًا جميع القصيدة المباركة المسماة بالبردة من نظم الإمام شرف الدين أبى عبد الله محمد بن سعيد البوصيرى، وحدثته بها عن شيخنا أبى عبد الله بن غازى، قال: أخبرنا بها الشيخ الإمام العالم العلامة أبو عَمْرو عثمان بن محمد بن عثمان الديمى المصرى، عن ابن فهد، أخبرنا بها أبو بكر المراغى، قال: أخبرنا بها أبو الفتح الميدومى، عن ناظمها أبى عبد الله البوصيرى رحمهم الله تعالى أجمعين.
قال: وعرض عَلَيَّ أيضًا جميع ألفية ابن مالك عرضا جيدا من صدره، وحدثته بها عن شيخنا أبى عبد الله بن غازى، عن الشيخ الإمام العلامة تاج المحدثين وإمام المسندين فخر الدين أبى عمرو عثمان بن محمد بن عثمان الديمى المصرى المذكور، أخبرنا بها عن هاجر بنت محمد بن محمد المقدسى، عن أبى إسحاق التنوخى، عن أحمد بن محمد بن غانم عن المصنف ﵏.
قال أبو العباس المذكور: وقد أجزت للطالب المكرم أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن بصرى المذكور جميع ما قرأه على من القراءات السبع المذكورة، وجميع ما عرضه على وسمعته منه مما ذكر في هذا الكتاب إجازة عامة على أكمل شرطها وأوثق ربوطها، وأذنت له في أن يروى عنى، وعن الشيوخ الذين في هذا الكتاب مما تضمنه من الأسانيد المذكورة، والقراءات المسطورة، وكذلك ما رويته عن شيخى المذكور من تآليف الشيخ أبى وكيل ميمون المذكور كالمورد الروى في نقط المصاحف، وتحفة الإعراب، والدرة الجلية، في نقط المصاحف العلية، وجميع ما قيدته تلاوة وسماعا، وأوصيه ونفسي بتقوى الله تعالى ومراقبة أمره في جميع
стр. 1891
أحواله، وتحرى الصدق والصواب في جميع أقواله، والله يعصمنا وإياه من الخطأ والزلل، ويرشد كلًا منا لصالح القول والعمل، بمنه وكرمه.
شهد على الفقيه المجيز أبى العباس أحمد المذكور بما فيه عنه وهو بحال كمال الإشهاد وعرفه وعرف تصدره لذلك وعلى المجاز المذكور بطلبه الإجازة المذكورة، وهو بحال صحة وطوع وجواز، وعرفه في أواسط رمضان المعظم عام خمسة وعشرين وتسعمائة عبد الله بن محمد بن على الحسنى الجوطى لطف الله به، وأبو عبد الله محمد المعروف بالعربى الحسنى الجوطى لطف الله به، وعبد الله وأقل عبيده عبد القادر بن محمد الحسنى خار الله تعالى، والواضع خط يده الفانية الشريف أحمد بن محمد بن على بن محمد بن محمد بن عمران الحسنى الجوطى لمن طلب التبرك بالجناب الطاهر النبوي بلغ الله قصده وأمله بمنه، وشهد بذلك أحمد بن أبى القاسم عراقى الحسنى لطف الله به، ومحمد بن على بن طاهر الحسنى وبعد ذلك إشكال أعيان أهل الوقت وقاضيه على المتعارف الآن في عصرنا رحم الله الجميع".
وقال: هذا ما وقفت عليه من أمر الشيخ أبى عبد الله في شأن القراءات السبع، ولم أقف إلى الآن على شيخه الذى أخذ عنه الروايات السبع على التدريج إلى أن بلغ أن يجاز، نعم يمكن أن يكون الشيخ أبو العباس هو الذى رقاه من البداية إلى النهاية كما كان يصنع شيخنا أبو عبد الله الأصغر مع بعض طلبته.
وأما شيوخه في العلم فلم أقف له الآن على شيخ مع إدراكه لجملة من مشايخ نحارير، وأئمة مشاهير، ورأيت الجزء الأول من التوضيح، وشرح الصغرى للإمام السنوسي بخطه.
ووصفه جماعة من الأئمة بالفقه والتدريس منهم الفقيه الحيسوبى الموقت الشريف الطاهرى الجوطى سيدى أحمد بن عبد القادر، ونص ما رأيت بخطه ومنه
стр. 1892
نقلت: توفى الإمام الخطيب العالم العامل به قطب زمانه المدرس المحقق الزاهد سيدى محمد بن سيدى عبد الرحمن المكناسى يدعى ببصرى يوم الأربعاء موفى عشرين من ذى الحجة الحرام إلخ إلى أن قال: ورأيت بخط غير واحد من عدول مكناسة الذين انقرض عصرهم وصف الشيخ بالعلم والتدريس والمعرفة بالله تعالى ونص المرئى: الفقيه الأجل المدرس المحقق الأتقى الأرفع الأنزه الأسرى الأحفل الأزكى الأعدل الأكمل الخطيب البليغ الحسيب الولى الكامل، القطب العامل، الشيخ الإمام الأوحد الهمام إلخ.
وأما المرأة التي أخذ عنها التصوف حسبما تقدم في كلام ابن عسكر فقال في المنحة: إنها هى السيدة الجليلة ذات الأحوال الباهرة، والخوارق الظاهرة، مريم بنت عبود الأندلسية دفينة رأس التاج خارج باب عيسى أحد أبواب مكناسة الزيتون لها روضة هنالك مشهورة بها مقصودة للزائرين، وأصل الروضة لسيدى عبد الرحمن والد الشيخ أبى عبد الله.
وأخبرني بعض الأندلسيين من أهل القورجة أنها السيدة فتحون البزازية، وأن السيدة مريم هى التلميذة، وللسيدة فتحون أيضًا روضة برأس التاج مشهورة هنالك".
فائدة: ذكر في منحة الجبار أن جميع من بمكناسة من البصريين منحصرون فكتابنى محمد صاحب الترجمة وبنى عبد الواحد قال: ومنهم شيخنا أبو عبد الله، وبنى عبد السلام، وبنى عبد الرحمن لا غير وكلهم من ذرية ولى الله تعالى أبى موسى عمران، يعنى دفين روضة رأس التاج بمكناسة.
قلت: وينحصر عقب المترجم الآن في أولاد قاسم بن الطيب، وأولاد أخيه المهدي بن الطيب بن الصغير بن مسعود بن محمد فتحا بن المترجم.
стр. 1893
وعقب بنى عبد الواحد ينحصر في أولاد محمد بن الطيب بن عبد الرحمن.
وعقب بنى عبد السلام ينحصر في أولاد محمد فتحا بن عبد الرحمن بن عبد السلام بحمام الجديد.
وأولاد ابن عبد الرحمن بقى منهم محمد بن الطيب بن محمد بن عبو المدعو ابن دحمان، ويجتمعون كلهم في عمران المذكور، هكذا وجدت هذا التفصيل في بعض التقاييد بخط بعض عدول بلدنا المبرزين الأثبات قائلا: وهذا في أوائل العشرة الثانية من المائة الثانية بعد الألف انتهى.
وفاته: توفى بمكناسة آخر ذى الحجة سنة إحدى وتسعين وتسعمائة ودفن بداره من القرسطون إحدى حومات مكناس الشهيرة وقبره إلى الآن مزارة شهيرة.
٢١٦ - محمد فتحا بن الشيخ أبى المحاسن يوسف الفاسى وأكبر أولاده .
حاله: فقيه علامة وجيه نبيه، نشأ في حجر أبيه المذكور بالقصر نشأة حسنة، وقرأ القرآن وطلب العلم هنالك، وحضر مجالس أبيه، ثم رحل إلى مكناسة وفاس وقرأ على مشيختهما فاستفاد وحصل وأفاد وعلم، وانتفع به جماعة من الطلبة، وكان الغالب عليه علم القرآن والفقه، وكان خيرًا دينًا فاضلا رقيق القلب كثير الخشوع سريع العبرة، سمحا جوادا كريم النفس، مستطاب الحديث، حسن التلاوة، شجى الصوت، لا يكاد يسمع أحد تلاوته إلا بكى ورق قلبه. قال في المرآة: سكن بفاس إلى أن توفى بها في حياة أبيه.
مشيخته: منهم والده، وجماعة من أئمة فاس ومكناس وغيرهما.
ولادته: ولد بالقصر سنة تسع وخمسين وتسعمائة.
стр. 1894
وفاته: توفى سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، ودفن بالكغادين في مقبرة الشرفاء الطاهرين كما بعناية أولى المجد.
٢١٧ - محمد فتحا بن محمد بن موسى المكناسى المدعو العشير .
دفين روضة سيدى عمرو بو عوادة من حومة حمام الحرة بالحضرة المكناسية.
حاله: شيخ صالح فالح، صوفى فاضل، ولى معتقد متبرك به من أعظم صلحاء مكناسة الزيتون.
مشيخته: وجد منقوشا بلوح خشب في الجدار الجنوبى عند قبر المترجم ما لفظه: أخذ الطريقة عن سيدى محمد بن التقى الخلوتى، عن سيدى محمد بن عبد الله المدعو بالشيخ دمرداش المحمدى، عن سيدى عمر الرقاشى، عن سيدي يحيى عن صدر الدين، عن عز الدين، عن السيد أخى هرمز، عن سيدى عمر الخلوتى، عن سيدى أخى محمد، عن إبراهيم الزاهد، عن سيدى جمال الدين، عن السيد شهاب الدين الغزى، عن سيدى زين الدين محمد السجاسى، عن قطب الدين الأبهرى، عن سيدى أبى نجيب السهروردى، عن القاضى عمر البكرى، عن سيدى محمد البكرى، عن الشيخ محمد، عن سيدى ممساد الدينورى، عن الجنيد البغدادى، عن سيدى سرى السقطى، عمر، سيدى معروف الكرخى، عن سيدى داود الطائى، عن حبيب العجمى، عن الحسن البصرى، عن على رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ هـ بلفظه.
وفاته: توفى سنة ثمانين وتسعمائة وفى روضته دفن عمرو بوعوادة على قبريهما دربوز خشب.
٢١٨ - محمد الوقاد المكناسى .
حاله: أحد شعراء المغرب المجيدين، وأفاضله المتقين ذو نفس أبية وهمة
стр. 1895
تطاول الجوزاء له مهارة في علوم الأدب وغير ذلك وكان أوحد عدول مدينة فاس. قال ابن القاضى في الجذوة: حدثني بخبره شيخنا ابن راشد، وذكر أنه أتى القاضى نيابة عن الونشريسى أبا الحسن عليا الشامى ليؤدى عنده وكالة، فقصد تحقيره فهجاه بقصيدة مطلعها:
فآه ثم آه ثم آه ... على أسد تمزقه الكلاب
فاشتكى الشامى المذكور على القاضى أبى مالك عبد الواحد بن أحمد الونشريسي بالوقاد الذى هجاه بالقصيدة المذكور مطلعها، فبعث إليه أبو مالك وعاب عليه هجوه، فأجابه الوقاد بأن قال له وهبه هجوًا كان ماذا؟ أشهد على أنى لا أشهد [أبدا] (١) عندى ثلاث من الإماء يغزلن وآكل حتى لا أحتاج إليه أبدا هـ.
٢١٩ - محمد بن أحمد بن محمد التلمسانى أبو محمد قاضيها يعرف بابن الوقاد .
حاله: إمام له مشاركة ومهارة في التفسير والحديث والفقه، المرجوع إليه في الأصول والفروع والعلوم العربية بسائر أنواعها، وإليه المرجع في الإفتاء، وعليه التعويل في النوازل والأحكام، ومعرفة الخلافات المذهبية، خطيب مصقع بليغ، أصله من تلمسان، وبها نشأ ثم انتقل بعد التحصيل لسوس الأقصى، ونزول مدينة ترودانت، وتولى خطة القضاء بأعمالها وخطابة جامعها الأعظم، ثم ولى قضاء الجماعة بها نحو ستة أشهر، فأعفى لكون أهلها برابر لا يعرف لسانهم.
ثم وجهه أمير وقته قاضيًا لسجلماسة وخطيبًا، فبقى بها مدة، ولقى بها الولى الصالح سيدى عبد الرحمن وغيره من أعلامها، ثم نقل لمكناسة الزيتون وتولى القضاء بها والخطبة بجامعها، ثم خطب بجامع الأندلس بفاس المحروسة،