أحواله، وتحرى الصدق والصواب في جميع أقواله، والله يعصمنا وإياه من الخطأ والزلل، ويرشد كلًا منا لصالح القول والعمل، بمنه وكرمه.
شهد على الفقيه المجيز أبى العباس أحمد المذكور بما فيه عنه وهو بحال كمال الإشهاد وعرفه وعرف تصدره لذلك وعلى المجاز المذكور بطلبه الإجازة المذكورة، وهو بحال صحة وطوع وجواز، وعرفه في أواسط رمضان المعظم عام خمسة وعشرين وتسعمائة عبد الله بن محمد بن على الحسنى الجوطى لطف الله به، وأبو عبد الله محمد المعروف بالعربى الحسنى الجوطى لطف الله به، وعبد الله وأقل عبيده عبد القادر بن محمد الحسنى خار الله تعالى، والواضع خط يده الفانية الشريف أحمد بن محمد بن على بن محمد بن محمد بن عمران الحسنى الجوطى لمن طلب التبرك بالجناب الطاهر النبوي بلغ الله قصده وأمله بمنه، وشهد بذلك أحمد بن أبى القاسم عراقى الحسنى لطف الله به، ومحمد بن على بن طاهر الحسنى وبعد ذلك إشكال أعيان أهل الوقت وقاضيه على المتعارف الآن في عصرنا رحم الله الجميع".
وقال: هذا ما وقفت عليه من أمر الشيخ أبى عبد الله في شأن القراءات السبع، ولم أقف إلى الآن على شيخه الذى أخذ عنه الروايات السبع على التدريج إلى أن بلغ أن يجاز، نعم يمكن أن يكون الشيخ أبو العباس هو الذى رقاه من البداية إلى النهاية كما كان يصنع شيخنا أبو عبد الله الأصغر مع بعض طلبته.
وأما شيوخه في العلم فلم أقف له الآن على شيخ مع إدراكه لجملة من مشايخ نحارير، وأئمة مشاهير، ورأيت الجزء الأول من التوضيح، وشرح الصغرى للإمام السنوسي بخطه.
ووصفه جماعة من الأئمة بالفقه والتدريس منهم الفقيه الحيسوبى الموقت الشريف الطاهرى الجوطى سيدى أحمد بن عبد القادر، ونص ما رأيت بخطه ومنه
стр. 1892
نقلت: توفى الإمام الخطيب العالم العامل به قطب زمانه المدرس المحقق الزاهد سيدى محمد بن سيدى عبد الرحمن المكناسى يدعى ببصرى يوم الأربعاء موفى عشرين من ذى الحجة الحرام إلخ إلى أن قال: ورأيت بخط غير واحد من عدول مكناسة الذين انقرض عصرهم وصف الشيخ بالعلم والتدريس والمعرفة بالله تعالى ونص المرئى: الفقيه الأجل المدرس المحقق الأتقى الأرفع الأنزه الأسرى الأحفل الأزكى الأعدل الأكمل الخطيب البليغ الحسيب الولى الكامل، القطب العامل، الشيخ الإمام الأوحد الهمام إلخ.
وأما المرأة التي أخذ عنها التصوف حسبما تقدم في كلام ابن عسكر فقال في المنحة: إنها هى السيدة الجليلة ذات الأحوال الباهرة، والخوارق الظاهرة، مريم بنت عبود الأندلسية دفينة رأس التاج خارج باب عيسى أحد أبواب مكناسة الزيتون لها روضة هنالك مشهورة بها مقصودة للزائرين، وأصل الروضة لسيدى عبد الرحمن والد الشيخ أبى عبد الله.
وأخبرني بعض الأندلسيين من أهل القورجة أنها السيدة فتحون البزازية، وأن السيدة مريم هى التلميذة، وللسيدة فتحون أيضًا روضة برأس التاج مشهورة هنالك".
فائدة: ذكر في منحة الجبار أن جميع من بمكناسة من البصريين منحصرون فكتابنى محمد صاحب الترجمة وبنى عبد الواحد قال: ومنهم شيخنا أبو عبد الله، وبنى عبد السلام، وبنى عبد الرحمن لا غير وكلهم من ذرية ولى الله تعالى أبى موسى عمران، يعنى دفين روضة رأس التاج بمكناسة.
قلت: وينحصر عقب المترجم الآن في أولاد قاسم بن الطيب، وأولاد أخيه المهدي بن الطيب بن الصغير بن مسعود بن محمد فتحا بن المترجم.
стр. 1893
وعقب بنى عبد الواحد ينحصر في أولاد محمد بن الطيب بن عبد الرحمن.
وعقب بنى عبد السلام ينحصر في أولاد محمد فتحا بن عبد الرحمن بن عبد السلام بحمام الجديد.
وأولاد ابن عبد الرحمن بقى منهم محمد بن الطيب بن محمد بن عبو المدعو ابن دحمان، ويجتمعون كلهم في عمران المذكور، هكذا وجدت هذا التفصيل في بعض التقاييد بخط بعض عدول بلدنا المبرزين الأثبات قائلا: وهذا في أوائل العشرة الثانية من المائة الثانية بعد الألف انتهى.
وفاته: توفى بمكناسة آخر ذى الحجة سنة إحدى وتسعين وتسعمائة ودفن بداره من القرسطون إحدى حومات مكناس الشهيرة وقبره إلى الآن مزارة شهيرة.
٢١٦ - محمد فتحا بن الشيخ أبى المحاسن يوسف الفاسى وأكبر أولاده .
حاله: فقيه علامة وجيه نبيه، نشأ في حجر أبيه المذكور بالقصر نشأة حسنة، وقرأ القرآن وطلب العلم هنالك، وحضر مجالس أبيه، ثم رحل إلى مكناسة وفاس وقرأ على مشيختهما فاستفاد وحصل وأفاد وعلم، وانتفع به جماعة من الطلبة، وكان الغالب عليه علم القرآن والفقه، وكان خيرًا دينًا فاضلا رقيق القلب كثير الخشوع سريع العبرة، سمحا جوادا كريم النفس، مستطاب الحديث، حسن التلاوة، شجى الصوت، لا يكاد يسمع أحد تلاوته إلا بكى ورق قلبه. قال في المرآة: سكن بفاس إلى أن توفى بها في حياة أبيه.
مشيخته: منهم والده، وجماعة من أئمة فاس ومكناس وغيرهما.
ولادته: ولد بالقصر سنة تسع وخمسين وتسعمائة.
стр. 1894
وفاته: توفى سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، ودفن بالكغادين في مقبرة الشرفاء الطاهرين كما بعناية أولى المجد.
٢١٧ - محمد فتحا بن محمد بن موسى المكناسى المدعو العشير .
دفين روضة سيدى عمرو بو عوادة من حومة حمام الحرة بالحضرة المكناسية.
حاله: شيخ صالح فالح، صوفى فاضل، ولى معتقد متبرك به من أعظم صلحاء مكناسة الزيتون.
مشيخته: وجد منقوشا بلوح خشب في الجدار الجنوبى عند قبر المترجم ما لفظه: أخذ الطريقة عن سيدى محمد بن التقى الخلوتى، عن سيدى محمد بن عبد الله المدعو بالشيخ دمرداش المحمدى، عن سيدى عمر الرقاشى، عن سيدي يحيى عن صدر الدين، عن عز الدين، عن السيد أخى هرمز، عن سيدى عمر الخلوتى، عن سيدى أخى محمد، عن إبراهيم الزاهد، عن سيدى جمال الدين، عن السيد شهاب الدين الغزى، عن سيدى زين الدين محمد السجاسى، عن قطب الدين الأبهرى، عن سيدى أبى نجيب السهروردى، عن القاضى عمر البكرى، عن سيدى محمد البكرى، عن الشيخ محمد، عن سيدى ممساد الدينورى، عن الجنيد البغدادى، عن سيدى سرى السقطى، عمر، سيدى معروف الكرخى، عن سيدى داود الطائى، عن حبيب العجمى، عن الحسن البصرى، عن على رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ هـ بلفظه.
وفاته: توفى سنة ثمانين وتسعمائة وفى روضته دفن عمرو بوعوادة على قبريهما دربوز خشب.
٢١٨ - محمد الوقاد المكناسى .
حاله: أحد شعراء المغرب المجيدين، وأفاضله المتقين ذو نفس أبية وهمة
стр. 1895
تطاول الجوزاء له مهارة في علوم الأدب وغير ذلك وكان أوحد عدول مدينة فاس. قال ابن القاضى في الجذوة: حدثني بخبره شيخنا ابن راشد، وذكر أنه أتى القاضى نيابة عن الونشريسى أبا الحسن عليا الشامى ليؤدى عنده وكالة، فقصد تحقيره فهجاه بقصيدة مطلعها:
فآه ثم آه ثم آه ... على أسد تمزقه الكلاب
فاشتكى الشامى المذكور على القاضى أبى مالك عبد الواحد بن أحمد الونشريسي بالوقاد الذى هجاه بالقصيدة المذكور مطلعها، فبعث إليه أبو مالك وعاب عليه هجوه، فأجابه الوقاد بأن قال له وهبه هجوًا كان ماذا؟ أشهد على أنى لا أشهد [أبدا] (١) عندى ثلاث من الإماء يغزلن وآكل حتى لا أحتاج إليه أبدا هـ.
٢١٩ - محمد بن أحمد بن محمد التلمسانى أبو محمد قاضيها يعرف بابن الوقاد .
حاله: إمام له مشاركة ومهارة في التفسير والحديث والفقه، المرجوع إليه في الأصول والفروع والعلوم العربية بسائر أنواعها، وإليه المرجع في الإفتاء، وعليه التعويل في النوازل والأحكام، ومعرفة الخلافات المذهبية، خطيب مصقع بليغ، أصله من تلمسان، وبها نشأ ثم انتقل بعد التحصيل لسوس الأقصى، ونزول مدينة ترودانت، وتولى خطة القضاء بأعمالها وخطابة جامعها الأعظم، ثم ولى قضاء الجماعة بها نحو ستة أشهر، فأعفى لكون أهلها برابر لا يعرف لسانهم.
ثم وجهه أمير وقته قاضيًا لسجلماسة وخطيبًا، فبقى بها مدة، ولقى بها الولى الصالح سيدى عبد الرحمن وغيره من أعلامها، ثم نقل لمكناسة الزيتون وتولى القضاء بها والخطبة بجامعها، ثم خطب بجامع الأندلس بفاس المحروسة،
стр. 1896
ثم رد لتارودانت قاعدة السوس وولى الإمامة والخطبة بجامعها الأكبر، وتصدر للإفتاء والتدريس بها قائمًا على مختصر ابن الحاجب الفرعى، والشامل لبهرام وغيرهما، صلب في دينه، لين الجانب متواضع، متحمل للأذى؛ صابر على جفاء الفدادين من الطلبة وغيرهم، حسن العشرة، حلو الشمائل، كريم المائدة مبسوطها، مقصود للأرامل والأيتام، مشفق على القوى والضعيف، لا يقدر للدنيا قدرا ولا يستقر بيده شئ منها مع وفور ما ينصب إليه من الجرايات والجوائز.
وحصل له جاه ووجاهة عند الخاصة والعامة، تعظمه الملوك فمن دونها ويقدرون قدره، ويجرون عليه الجرايات التي لم ينلها من قبله، وهو أول من سن إبداء الأفراح بتارودانت في ليلة مولد النبي ﷺ ، وبذل النفقات فيها على السنن الشرعى، كان يجمع الناس في منزله ليلة العيد النبوى على قراءة الأمداح النبوية بالأناشيد المطربة، وينفق في ذلك نفقة عظيمة إجلالا وتعظيما ومحبة في جانب خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واهتماما بإقامة موسم ذكرى مولده.
وهو أول من قرأ بها الجامع الصحيح للإمام البخارى قراءة ضبط وإتقان، وأول من خطب بها بلسان عربى مبين وقرط الآذان، بمواعظ توقظ الوسنان، حسن العبارة، لطيف الإشارة، فصيح اللسان، ثبت الجنان، ينشئ الخطيب البديعة الرائقة العذبة، الخالية عن التكلف على حسب ما تقتضيه الأزمنة وما يقع من الحوادث، قال أمير وقته الإمام المنصور في حقه: ليس عنده في المغرب أخطب منه إلا أن الله اختاره لمدينة ترودانت وأن لم تكن كرسى الخلافة.
مشيخته: أخذ عن الإمام أبى عبد الله محمد بن محمد بن عبد الجليل التنسى خطيب جامع تلمسان وعن مفتى تلمسان وفقيهها الفقيه أبى عبد الله محمد ابن هبة الله الزناتى المعروف بشقرون المتوفى سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، وعن أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن جلال التلمسانى المتوفى ثامن رمضان سنة إحدى وثمانين وتسعمائة، والعلامة المشارك أبى عبد الله اليسيتنى
стр. 1897
المتوفى في سادس عشر محرم الحرام عام تسعة وخمسين وتسعمائة، والعلامة الرحال أبى العباس أحمد بن محمد بن أحمد إذ قال به شهر، المتوفى ليلة الجمعة ثامن عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وألف وغير هؤلاء من الأعلام.
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو زيد عبد الرحمن التمنرتي بفتح المثناة فوق بعدها ميم ثم نون فراء ساكنة فمثناة فوق بعدها ياء النسب مؤلف الفوائد الجمة، ومنها استفدت هذه الترجمة، أخبر عن نفسه في كتابه الفوائد الجمة المذكور أنه أخذ عنه رسالة ابن أبى زيد القيروانى، والمختصر الخليلى من أولهما إلى آخرهما قراءة تفهيم وتحرير، والمختصر الفرعى لابن الحاجب إلى قرب ثلثه، وسرد عليه شامل بهرام إلى قرب نصفه، والعقائد والتفسير من تلك الرسل غاية سورة الأعراف.
شعره: من ذلك قوله:
من الله أرجو أن يبوئنى غدا ... مقاما عليا في الجنان مخلدا
ويسكننى رضوان جنته التي ... أعدت لأهل العدم والحلم والندا
بفضل أحاديث البخارى ووجهه ... له ما حييت الدهر أقرأ سرمدا
وقوله:
لم يبق دهرك من تامن مودته ... ولا صديق إذا خان الزمان وفى
فعش فريدا ولا تألف إلى أحد ... فقد نصحتك جهدى والزمان كفى
وفاته: توفى ليلة الخميس لعشر خلون من ربيع الثانى سنة إحدى وألف، ودفن قبلة الجامع الكبير بترودانت وهو أول مدفون فيه.
٢٢٠ - محمد بن قاسم بن محمد الأنصارى المالقى الضرير الشهير بابن قاسم نزيل مكناسة الزيتون .
стр. 1898
حاله: فقيه أستاذ جليل، ذكره صاحب الجذوة في ترجمة أحمد بن تميم اليفرني.
الآخذون عنه: منهم أحمد بن عبد الرحمن بن تميم اليفرنى الشهير بالمكناسى.
٢٢١ - محمد بن محمد الغمارى بالمعجمة الكومى المكناسى .
حاله: فقيه نحوى مشارك متفق، مفتى مكناسة، كان يستظهر مختصر خليل، وله مشاركة في الحساب والفرائض والقرآن العظيم بالمقاريء السبعة.
مشيخته: أخذ عن أبى عبد الله محمد المسارى، وعن أبى زكرياء يحيى السراج، وأبى راشد اليدرى وغيرهم.
وفاته: توفى ببلده مكناسة في الثالث والعشرين من ربيع النبوى عام اثنين وألف كما في التقاط الدرر وغيره.
٢٢٢ - محمد بن مبارك الزعرى الأصل المكناسى النشأة .
حاله: من مشاهير الأولياء الكاملين، وأعيان الصالحين، كان أول أمره.
بمكناسة الزيتون يتعاطى القراءة فصعب عليه الأمر وتعذر عليه الفهم، فرأى النبي ﷺ فقال له: إنك لن تقرأ، ولكنك شيخ، فظن أنه يكون من أشياخ القبائل، فرحل للبادية فلم يزل بها حتى هبت عليه نفحة القرب، من حضرة الرب، فذهب لمراكش ولقى بها الشيخ الكامل أبا عمرو القسطلى، ورجع إلى باديته فبنى مسجدا بالموضع الذى عين له شيخه لسكناه، فيقال: إنه قال له: جعلت محرابه منحرفا فأشار بيده إلى جهة مكة فتزحزحت الجبال حتى شهد الحاضرون مكة والله على
стр. 1899
كل شئ قدير، وهذا غير مستغرب في جانب كرامات الأولياء التي لا ينكرها إلا مبتدع مارق لثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع، وكان يقول: أهلا زماننا محسوبون علينا، فبلغ ذلك لعصريه الشيخ أبى عبد الله محمد الشرقى فقال رضى الله عنه: اشهدوا أنا من أهل زمان ابن مبارك.
مشيخته: منهم الشيخ أبو عمرو القسطلى.
الآخذون عنه: منهم العارف الكبير أبو عبد الله الشرقى.
وفاته: توفى بتاستاوت سنة ست وألف، وضريحه شهير يزار، قرب ضريح الشيخ أبى يعزى، وهو لا يبعد عنه إلا بنحو ثلاثين كيلو متر.
وقد أخبرني بعض من وثقت بخبره أنه وقف بزاوية هذا الشيخ المباركية على نسختين من مؤلف في كرامات الشيخ المترجم لا تاريخ بهما ولا ذكر لمؤلفهما فيهما، إحداهما من حبس الزاوية المذكورة، وثانيتهما ملك للغير، بالثانية نقص في آخرها وأوراق كل نحو الخمسين وليس بذلك المؤلف من الفوائد التاريخية ما يهم الباحث الاطلاع عليه.
وللشيخ هناك عقب ذوو وجاهة. وله زاوية بالرباط تعرف بالزاوية المباركية.
٢٢٣ - محمد السبع بن عبد الرحمن المجذوب الولى الشهير .
حاله: شيخ عابد بركة من أولياء الله الصالحين، كان أوصاه والده بخدمة الشيخ أى المحاسن الفاسى، ذكره صاحب المطمح وغيره.
مشيخته: أخذ عن أبي المحاسن المذكور وغيره.
وفاته: توفى سنة أربع عشرة وألف.
стр. 1900
٢٢٤ - محمد بن أبى القاسم بن محمد بن محمد بن قاسم بن أبى العافية الشهير بابن القاضى المكناسى .
حاله: فقيه عالم علامة قدوة محصل حيسوبى فرضى مشارك رحالة كان أوحد عصره في علم الحساب والفرائض والتوقيت والتنجيم والجدول وغير ذلك وله مخالطة لعلم الحدثان تذكر عنه حكايات في ذلك غريبة مع الفهم الثاقب والإدراك التام، حج ولقى جماعة كالأجهورى وأضرابه.
مشيخته: أخذ عن عمه مؤلف الجذوة وعن الحافظ أحمد المقرى وسيدى العربى الفاسى وغيرهم.
مؤلفاته: منها البرق الوامض، في الحساب والفرائض، وكتاب لطيف أخذ فيه فصول الفرائض من لفظ زيد بن ثابت، وتحقيق المذهب في مسائل الجد، ورحلة للمشرق، ومحاذى على قصيدة ابن ليون في التكسير، ومحاذى على الروضة في التوقيت، وتحفة الخالى، على نظم سلك اللئالى في المخمس الخالى، لسيدى العربى الفاسى وله غير ذلك.
وفاته: توفى ﵀ قتيلا بمسجد القرويين من فاس غدرًا بعد أن قام من مجلس تدريسه عند عشاء يوم الاثنين في واحد وعشرين من ذى الحجة سنة أربعين وألف.
٢٢٥ - محمد بن أحمد بن عزون الجزنائى أبو عبد الله المكناسى .
أورده في نشر المثانى من جملة أهل العام الثامن من العشرة السادسة.
٢٢٦ - محمد بن أحمد بن عزوز المكناسى .
حاله: قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر
стр. 1901
الفاسى في كتابه الإعلام في حقه ما نصه: فقيه أديب شديد الطلب، بارع في الأدب.
مشيخته: منهم أبو محمد عبد القادر الفاسى حضر مجالسه المختلفة الفنون، واقتنى منها ما تقر به العيون.
وفاته: توفى بتونس سنة ست وستين وألف، قاله في الإعلام.
٢٢٧ - محمد بن أحمد الصباغ لقبا البوعقيلى نسبا .
أصله من مكناس ونشأ بفاس.
حاله: فقيه علامة مشارك حيسوبى فرضى، جليل القدر، ناقد بصير عارف بعلم الحديث والفقه، ماهر في علم الهيئة والحساب والفرائص، سلم له أهل عصره في ذلك، ورجعوا له في خبايا تلك العلوم، وتصدر هو لتعليمها فانتفع به قوم.
مشيخته: أخذ عن الشيخ أبى العباس أحمد بن القاضى، وابن عمه أبى عبد الله محمد بن القاضى وغيرهما.
مؤلفاته: منها شرح على المنية لابن غازى سماه البغية في شرح المنية، أجاد فيه ما شاء، واليواقيت، في الحساب والفرائض والمواقيت، وكشف قناع الالتباس، عن بعض ما تضمنته من البدع مدينة فاس، وشرح الروضة، واختصار شرح المنجور على المنهاج، وغير ذلك من التآليف والتقاييد الحسنة المحررة.
ولادته: ولد سنة تسعين وتسعمائة.
وفاته: توفى سنة ست وسبعين وألف ودفن بعين أصليتن من الحضرة الفاسية بدار ضريح ابن عبد الكريم وعمره ست وثمانون سنة.
стр. 1902
٢٢٨ - محمد فتحا ابن الحافظ الضابط أحمد بن أبى المحاسن يوسف الفاسى .
حاله: طائر الصيت، منتشر الذكر في سائر البلاد، فقيه علامة متضلع في جميع العلوم، إمام حجة، ناقد خبير بصير، ضابط متقن مشارك متفق، مقرئ بارع في قراءات السبع، محصل محرر، مدرس نفاع، مقيد حافظ، مستحضر للمسائل، يستظهر تسهيل ابن مالك، ومختصر ابن الحاجب الأصلى وغير ذلك، فصيح العبارة لا يجارى في سائر الفنون، قوى الفهم، حسن الأخلاق، لين الجانب بشوش، مقبل على الصغير والكبير، كريم سريع الدمعة.
استوطن مكناسة الزيتون، وتقلد قضاءها مدة، فحمدت سيرته، وتواطأت الألسن على مدحه إلى أن نقله السلطان المولى الرشيد لفاس سنة سبع وسبعين وألف، وولاه الفتيا والخطابة بالقرويين، ثم أخر عن ذلك فلازم القرآن والتقييد والإفادة للخاص والعام.
مشيخته: أخذ عن ابن عاشر، وابن أبى النعيم، وعمه سيدى العربى، وعم أبيه سيدى عبد الرحمن بن محمد، وعن أبى الحسن بن الزبير السجلماسى، وأبى الحسن البطوئى (١).
وبالإجازة عن الشيخ القصار، وأبى زيد بن القاضى، وصاحب الترجمة مع الإمام أبى محمد سيدى عبد القادر بن على الفاسى قرينان في طلب العلم والسن ولقاء المشايخ، وكلاهما من أجل أهل زمانهما كذا في نشر المثانى.
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو محمد عبد السلام القادرى، وسيدى محمد
стр. 1903
وعبد الرحمن ابنا شيخ الإسلام أبي محمد عبد القادر الفاسى، والقاضى أبو عبد الله بن الحسن المجاصى، والقاضى أبو عبد الله بردلة.
مؤلفاته: منها شرح لطيف على المختصر الخليلى، وشرحان على نظم المراصد لعمه سيدى العربى، وشرح لنظمه أيضا في المنطق.
ولادته: ولد بفاس ضحى يوم الخميس تاسع محرم سنة تسع وألف وفى النشر ثمان وألف.
وفاته: توفى بفاس آخر ليلة الثلاثاء ثانى عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وألف، ودفن بروضة جده أبى المحاسن من جهة القبلة خارج القبة، وإلى ذلك إشارة الشيخ المدرع في منظومته بقوله:
وسيدى محمد بن أحمد ... سليل يوسف الإمام الأمجد
بخارج القبة حوشه اشتهر ... من جهة القبلة بان وظهر
٢٢٩ - محمد العرائشى أبو عبد الله .
حاله: فقيه نبيه جليل، صوفى نبيل، كان ناظرا في العهد الإسماعيلى على أحباس الولى المتبرك به حيا وميتا عبد الله بن حمد، وهو الذى تولى بناء ذلك الضريح المرونق عن إذن سلطان وقته سيدنا الجد المذكور حسبما ذلك مرقوم في نقش زليج بالحائط عند رأس قبر المترجم.
ودونك نص الغرض منه:
هذا ضريح خديم هذا الولى الصالح سيدى عبد الله بن حمد نفع الله به، وناظر أحباسه والذي بنى هذه الروضة المباركة عن أمر مولانا إسماعيل نصره الله، وهو الحاج محمد العرائشى ﵀.
стр. 1904
وفاته: توفى عند فجر يوم الثلاثاء ثامن عشر من جمادى الأولى سنة ثمانية وتسعين وألف.
٢٣٠ - محمد الغمارى .
دفين حومة حمام الحرة جوار الولى الصالح السيد عمرو بوعوادة آتى الترجمة.
حاله: لم أقف في ترجمته على شئ زائد على ما برسم حبس دونك لفظه:
"الحمد لله وحده، نسخة رسم واحد والإعلام بالقبول عقبه وخطاب نائب من يجب سدده الله لمغيبه عقبه نصه، الحمد لله بشهادة شهيديه أمنهما الله بمنه حسبما في غير هذا حبس الشريف الأصيل مولاى السعيدى ابن مولاى الجيلانى المنونى من داره المعروفة له في جوار سيدى عمرو بواعوادة، الأولى عن يمين الداخل للدرب الذى كان به سكنى العلامة سيدى الغازى، جميع براحها مع البيتين الصغيرين المستندين على اروى مولاى الطيب على الولى الصالح، الكوكب اللائح، سيدى محمد الغمارى نفعنا الله به ليدفن بهما هو ويدفن غيره من سائر الناس، وثمن القبور يكون في مصالح ضريح الولي بعد أن يبني ويكون زاوية، وإن فضل على ذلك شئ اشترى به ما يوقف على روضة الولي للانتفاع به في مصالحه من إيقاد وغيره، وأبقى الشريف المذكور من داره المذكورة مما عدا ما حبسه لنفسه، وذلك البيت المقابل للداخل للدار المذكورة المستند على روضة ولى الله سيدى عمرو بوعوادة، والمقابل له ينتفع بهما بما شاء من دفن أو غيره، والباب تبقى متحدة بينه وبين الروضة، وإن شاء أخرج البيتين أو أحدهما.
стр. 1905
وشهد به عليه بأكمله وعرفه في أواسط ذى القعدة الحرام عام خمسة وتسعين ومائة وألف محمد بن عبد الله الرجراجى لطف الله به، وعبد الرحمن ابن الحاج قاسم الفلوسى وفقه الله آمين.
وبعده: الحمد لله أعلم بقبولهما عبد الله محمد الطيب بن محمد بصرى وفقه الله بمنه ولطف به.
وبعده بخط نائب من يجب لمغيبه: أعملته انتهت قابلها بأصلها فماثلته وأشهده الفقيه الأجل، العالم الأفضل، نائب قاضى الجماعة لمغيبه بمدينة مكناس، وهو الكبير بن أحمد العوفى تغمده الله برحمته أعزه الله تعالى وحرسها، بأعمال المنصوص عنده الإعمال التام لأعماله لديه بواجبه، وهو حفظه الله تعالى بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر، وفى التاسع والعشرين من رمضان المعظم عام أربعة ومائتين وألف عبد الله فلان بشكله ودعائه وعبد ربه فلان بشكله ودعائه".
وقد أخبرت على لسان أهل العدل أن كرامات المترجم تواترت لدى الخواص والعوام من قدماء أهل بلدتنا المكناسية، من ذلك ما حدثني به بعض المبرزين الموثوق بأمانتهم وديانتهم من العدول أهل العلم والثبات عن بعض الأساتذة الطاعنين في السن، أنه سمع بالتواتر على ألسنة أهل الصدق والدين أن المترجم دخل يوم عيد أضحى لدار من دور حومة حمام الحرة حيث مدفنه الآن، فوجد ربة الدار تشوى كبد أضحيتها وهى تبكى، فاستفهمها عن سبب بكائها فأخبرته بأنها تذكرت ولدًا لها ذهب حاجا في ذلك العام، وأنها لم يطب ولم يهنأ لها أكل ذلك الكبد دونه، فقال لها: ناولينى حظه فناولته قطعًا من ذلك الكبد في آنية، وجعلت له مع ذلك خبزة، فأخذ منها ذلك وخرج، ثم رجع لها من حينه، وقال لها: قد أعطيته ذلك فشكرته، والله أعلم بما يخامر ضميرها.
стр. 1906
ثم إن ولدها بعد رجوعه من الحج أخبر بأنه كان مارًا في زقاق من أزقة مكة المشرفة يوم النحر، وإذا برجل جبذه من ثيابه فلما التفت إليه قال له: خذ هذه الآنية بما فيها فأخذها ظنا منه بأنه من أهل مكة، ثم لما رجع لرفقته بمحل نزوله متأبطا لما ذكر وأخبرهم بالواقع، وأنه بمجرد ما سلم له الرجل الآنية غاب عنه، ولم يدر أى فج سلك، وأنه جزم إذ ذاك بأن الرجل ليس من أهل مكة، وأنه ولى كان أولياء الله تعالى خصه بذلك فضلا منه سبحانه، وأن تلك الآنية بعينها تركها بداره بمكناسة عند والدته فسخروا منه وعدوا مقالته من هزل القول، وقالوا له: إنما تلك فضلة فضلت عن عيال الرجل فخرج يتصدق بها فصادفت أمامه فأعطاك إياها، فانتظر مجيئه في طلب الآنية، فلم ير للرجل بعد أثرًا.
ثم بعد أوبته من الحج أخبرته أمه بحقيقة ذلك، وقصت عليه القصص فصدق لها الواقع بإخراج الآنية وشاعت القضية بين أهل البلد وغيرهم، وزاعت وازداد حسن اعتقاد جميع الناس في المترجم، وأن المترجم كان يدخل لسائر دور أهل البلد من غير استئذان وبالأخص دور الحومة التي فيها مدفنه اليوم، ويقابل عند الكل بكل تكرمة وإجلال لحسن اعتقادهم فيه ورغبتهم في نيل بركته، وأنه كان يصبح كل يوم في حلة بيضاء ناصعة فيروح بها كأنها ثوب زيات ولم يدر من أين تصاب له بذلك ولا ما يعمل حتى تصير على ظهره كالليل الحالك إلى غير هذا من أنواع الكرامات، الخارقة للعادات.
وقد علم وتقرر أن كرامات الأولياء ثابتة كتابا وسنة وإجماعا، فلا يستغرب هذا وأكثر منه في جانبهم رضوان الله عنهم.
٢٣١ - محمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن جابر الغسانى الأصل .
стр. 1907
نسبة إلى غسان -بفتح الغين المعجمة والسين المهملة وبعد الألف نون- وهى قبيلة كبيرة من الأزد، شربوا من ماء غسان وهو باليمن فسموا به، المكناسى الدار.
حاله: ثبت ذكى واعية، أستاذ حافظ متضلع، مطلع نقاد.
مشيخته: أخذ عن والده، والشيخ المبارك أبي خالد يحيى بن يحيى بن خالد وغيرهما.
الآخذون عنه: منهم الإمام ابن غازى قال: جالسته بمكناسة واستفدت منه كثيرا، ومن أغبط ما أخذت عنه المصافحة المروية من طريق الخضر، ومنهم الإمام سقين العاصمى رأيت في إجارة لأبى القاسم الغسانى أجاز بها سيدى محمد العياشى روى فيها المصافحة عن المنجور عن سقين عن المترجم عن والده بالسند السابق في ترجمة ابن غازى.
ولم أر من تعرض لولادة المترجم ولا وفاته، لا ممن ترجمه كسيدى أحمد بابا في النيل، وتلميذ المترجم ابن غازى في الفهرسة، والذى يظهر من أحواله أنه عمر ﵀ رحمة واسعة.
٢٣٢ - محمد بن الحسن المجاصى .
الغياثى الأصل، المكناسى الولاية والوفاة، قاضيها أبو عبد الله.
حاله: فقيه ناقد، علامة مشارك، متبحر مدرس نفاع، مفت مطلع متضلع، محرر محقق، حافظ متقن، خطيب مصقع، بليغ واعظ ناسك، من أهل التثبت في الأحكام والتحرى فيها، له عارضة في التقييد، وباع في النظم والنثر.
стр. 1908
وكان في أول أمره خامل الذكر معتزلا عن الناس فولاه السلطان المولى الرشيد بن الشريف الحسنى بإشارة من العلامة الأستاذ سيدى عبد الرحمن بن القاضى المكناسى قضاء فاس الإدريسية، بعد أن عزل حمدون المزوار على ما في الدر المنتخب، وذلك آخر جمادى الأولى عام تسعة بمثناة وسبعين بموحدة، وخطبة جامع القرويين بها في ثانى وعشرى رجب عام أربعة وثمانين وألف، فجمع بين قضاء فاس وخطبة مسجدها الأعظم.
والذى في نشر المثانى أن تولية المترجم كانت بعد عزل سيدى محمد البوعنانى (١) فالله أعلم بالحقيقة.
قال في الدر المنتخب: إن مولانا الرشيد لما دخل فاسا سأل أهلها عن أفضل علمائها وأسنهم، فقيل له: سيدى عبد الرحمن بن القاضى، فاستدعاه للقدوم عليه فأجابه بأنه لا قدرة له على القدوم عليه لكبر سنه وملازمته بيته، فقال للرسول: إنى آتيه ويخرج بمحل قريب من بيته ألتقى معه به، فخرج لعرصة درب الدرج التي حائطها موال لمصمودة، ولما ورد السلطان فتحوا له نقبا في جوار العرصة دخل على الشيخ منه واجتمع معه، وبعد التماس بركته والفراغ من سنة السلام، قال له: أتيتك لأستشيرك فيمن أوليه بفاس من حاكم وقاض ومحتسب وناظر؟ فقال له: أما الحاكم فلا أتقلده، والقاضى حمدون المزوار، والمحتسب عبد العزيز الفركلى الفيلالى، والناظر العدل مسعود الشامى.
ولما خرج من عنده أمر أن يبني بالمحل الذى دخل منه باب ويبقى طريقا، فهو الآن درب الدرج لم يكن قبله، ولما بلغ دار الإمارة نفذ القضاء لحمدون المزوار، والحسبة للفركلى الفيلالى، والنظر في الأوقاف للعدل مسعود الشامى فامتنع منها وسجن عليها سبعة أشهر، ولما ضاق عليه الأمر أجاب على شرط أن
стр. 1909
لا يتعرض له قاض ولا وال، لأن الأحباس كلها حازها اللصوص والأشراف أيام الفترة حتى كادت أن تستأصل كلها، واشتغل بالبحث عنها واستظهارها ومن اتهمه بربع أو أرض يحوز عليه كل ما عنده من الرباع، فما ظهر رسمه رده له، والذى لا يظهر رسمه علم أنه مغصوب فيحوزه للحبس حتى رد الأوقاف كلها.
قال: ولما تولى القضاء المزوار المذكور، وكان كثيرا ما يردّ أحكامه المفتى سيدى عبد الوهاب الفاسى في نوازل وأحكام تقع منه تخالف المشهور، وعلم بذلك الشيخ ابن القاضى كتب بذلك للسلطان الرشيد يقول: إن من أشرت عليك بتوليته القضاء له أصهار وأنصار، فأقلنى من عهدته أقالك الله من النار، فأمره أن ينظر للقضاء من هو غريب الدار، فأشار عليه بالمترجم.
قال: وتقدم ما ذكره في نشر المثانى في سبب عزل المزوار وتولية صاحب الترجمة وهو ليس مخالفا لما هنا، لأن ما هنالك مجمل وما هنا مفصل هـ وكلام النشر المحال عليه هو ما سيمر بك.
ثم صرف، أعنى المترجم، عن القضاء بفاس والخطبة بجامعها في رابع ذى القعدة عام ثمانية وثمانين، ثم بعد مضى عشرين يومًا رام من المتولى بعده وهو الشيخ أبو عبد الله العربي بردلة أن يشركه معه في فتوى فاس أو خطبة مسجدها المذكور، فامتنع الشيخ بردلة من ذلك.
فأخذ المترجم في التدريس بجامع القرويين في بعض الكراسي بها من دون تولية إلى أن ولى قضاء حضرة السلطان المظفر مولانا الرشيد الحسنى بمكناسة الزيتون، وسبب تولية صاحب الترجمة قضاء فاس فيما يحكى، أن السلطان المذكور رد إلى القاضي بعض مسائل من الأحكام المتعلقة بنسبة من له الشرف بفاس فلم يتضح للقاضى المذكور ما يجيبه به عنها، فاستعجله السلطان من ذلك وعزله، وقال: لا أولى قضاء فاس إلا من كان غريبا لا أهل له ولا صهر، فاختبر
стр. 1910
الفقهاء الذين بمدارس فاس، فلم يجد أنجب من صاحب الترجمة حينئذ فولاه قضاءها، فسلك ﵀ سبيلا حسنا، وكفى به أن الشيخ اليوسى ارتضاه للمشورة في الرسالة التي كتبها لسيدنا الجد السلطان مولانا إسماعيل، إذ قال له فيها: فعلى سيدنا أن يقتدى بهؤلاء الفضلاء ولا يقتدى بأهل الهوى، وشمال من معه من الفقهاء، كسيدى محمد بن الحسن -يعنى صاحب الترجمة- وسيدى أحمد بن سعيد وغيرهما من العلماء العاملين الذين يتقون الله ولا يخافون فيه لومة لائم. انتهى.
وما أراده السلطان من اتخاذ القضاء غريبا هو من أسباب العون على العدل وتيسيره، وما زال أهل العدل يحتاطون له.
انظر ما فعل القاضى ابن محسود فإنه حكى عنه في التشوف: أنه لما ولى قضاء فاس اتخذ رياتا بمكناسة يقضى له الضروريات لئلا يكون له مخالطة مع أحد من أهل ولايته بوجه ما، انظر لفظه في ترجمة أبى عبد الله بن محسود.
وقد كان صاحب الترجمة من أهل التثبت في الأحكام والتحرى، ومما يحكى عنه في ذلك أنه كان إذا أشكل عليه وجه الحكم قيده وضرب الأجل للخصم حتى يفرغ لتأمله، وكان مظنة وقت فراغه يوم الخميس، فيمضى إلى شيخه إمام الجماعة أبى محمد عبد القادر بن على الفاسى ويذاكره فيه بمحضر من يتفق له حضوره من العلماء حتى يتضح الأمر فيحفظه ليحكم به على الخصمين، وهذه سيرة عالية تدل على قوة الدين، والتمسك بحبله المتين.
مشيخته: أخذ عن سيدى عبد القادر الفاسى، وناهيك به وعمن في طبقته من شيوخ عصره، وأجازه عامة: الملا إبراهيم بن حسن الكورانى الشهرزورى بواسطة صاحبه قاضى سجلماسة أبى مروان عبد الملك التجموعتى عندما رحل للحج، كما وجد ذلك بخط التجموعتى المذكور.
стр. 1911
والملا إبراهيم هذا يروى عن العارف بالله صفى الدين أحمد المدنى وغيره.
الآخذون عنه: تخرج عليه جماعة من الفقهاء القادة الأعلام، منهم سيدى عبد السلام بن الطيب القادرى جد صاحب النشر للأب.
مؤلفاته: منها تقييد في الأشراف الجوطيين في نحو نصف كراسة صغيرة قال في آخره: ولجلالة هذا النسب الشريف وعظيم مكانته تعلق به جماعة من أعيان العلماء وصدور الأئمة، فقائل يقول: أمى شريفة، وآخر يقول: جدتى وآخر يحكى أن له في شريفة رضاعا كالشيخ السنوسى، وجلال الدين السيوطى، والشيخ زروق. وقال صاحب الزلفى: ليت لمثلى من ذلك ولو كخيط العنكبوت، ثم قال: وفى الحديث إن الداخل فيهم وليس منهم يفضح بين الخلائق إذا لم يدع باسم أبيه ويستحى، وهذا إذا لم يكن هو المتسبب فيه، وأما المدعى الكاذب الأول فما يناله من العقوية واللعنة أبشع وأفظع من فضيحة تابعه إذا لم يعلم باعتداء آبائه، ولعل هذا سبب من يتورع من الانتساب، ويقول: إن يكن شئ من هذا حقا فإنما نحتاج إليه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وإن كان باطلًا فنحن منه على جناح سلامة، ويحسن هذا في حق من وجد شيئا بيد أبائه ولم يكن متواترا شائعا ذائعا نعم من غير أن يتبرأ منه، ولعله ينتفع انتفاعًا ما.
وفى فهرسة شيخ المشايخ، شيخ شيوخ شيوخنا العلامة سيدى أحمد المنجور في ترجمة شيخه العلامة المحقق أبى عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الرحمن اليسيتنى قال: أصله من بنى يسيتن بربر من عمالة دبدو، من بطن منهم يقال لهم بنو كلال، وهم يشمون إلى الشرف العلوى من فاطمة البتول رضى الله عنها، ولكن لم يثبت لهم ذلك كالمشاهير بالشرف من القبائل، ولهذا لم أسمع شيخنا المذكور قط ينتمى إليه ولا رأيته بخطه في براءة أو كتاب علمى، ولا يزيد على لفظ اليسيتنى وأن كان أبوه الفقيه أبو العباس -وكان يقرأ فرعي ابن الحاجب من أقران أبى العباس الزقاق- ينتمى إليه وكذلك جده الصالح التالى لكتاب الله
стр. 1912
تعالى أبو زيد عبد الرحمن كان يقرئ الصبيان بالمكتب المقابل بانحراف لدرب اللمطى من عدوة فاس الأندلس مشهورا بالبركة.
وقد رأيت رسم شرف لأم عبد الرحمن هذا وقال لى صاحبنا الفقيه أبو عبد الله ولد شيخنا الإمام: إنه كان عندهم رسم شرف لجده عبد الرحمن من قبل الأب أيضًا، فلما لم يصح ذلك عند الشيخ هرب من ذلك، وأخذ بالاحتياط والحزم في دينه مخافة أن تلحقه لعنة رسول الله ﷺ للداخل من غير نسب.
وسمعت مولانا أمير المؤمنين أبا عبد الله محمد الشيخ المهدى يوم خروجه لحركة مللو سنة ثمان وخمسين يسأل الشيخ كم لهم بفاس؟ فقال له: نحو مائتى سنة، قال: ملفق هذه العجالة وقضيتنا قريبة من قضية هذا الشيخ فإنى وربى العالم بالخفيات والمجازى يوم تبلى السرائر أدركت والدى ﵀ وعمًّا لى من حملة القرآن العظيم وهو ابن الصغير بن يعقوب المغراوى ينتمون للجانب العلوى ولا يتوقفون في ذلك، ورأيت بعينى رسم شرف وظهائر ولا أدرى أين صارت، وكان أبى يقول: إن أخاه سيدى محمد قدم مع والده سيدى الصغير من مغراوة الجزائر وأنهم من ذرية ولى صالح يدعى بسيدى يعقوب أو أبى يعقوب وأنهم يعرفون بذلك ببنى مرزبة -بميم فراء ساكنة فزاى مكسورة فباء موحدة بعدها هاء التأنيث- سموا بنبت يعرف بذلك.
أما أبى فإنما ولد بحوز فاس ببنى واريش على ما حدثنا به ﵀، وبأيديهم رسم الآن ثبت بشيوخ مسنين ممن أدرك الأب والعم، والله المسئول أن يجمع همتنا عليه ويحقق لنا النسبة الروحانية ويرعانا بعين رعايته في الدارين، وأدعو بدعاء القطب العارف بالله مولانا عبد السلام نفعنا الله به: اللهم ألحقنى بنسبه وحققني بحسبه، والسلام على من يقف عليه عبد الله محمد بن الحسن المجاصى وفقه الله وكان له بتاريخ تسعة وتسعين وألف هـ.
стр. 1913
ووجد مقيدا عقب التقييد المذكور ما نصه بعد الحمدلة والصلاة:
تصفحت الأنقال المشار إليها أثناء هذه الأوراق فألفيتها مطابقة لما تحصل من أصولها المنقولة منها، وأما ما ذكره صاحبنا الفقيه العلامة سيدى محمد بن الحسن عن سلفه فقد سمعته منه والله يثبتنا على القول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة، ويجعلنا من أمة سيدنا المصطفى ﵊ يوم فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة، قال ذلك وكتبه العبد الفقير أواسط ذى القعدة الحرام سنة تسع وتسعين وألف عبد الملك بن محمد التجموعتى وفقه الله هـ.
ومن تآليفه: تقييد في مسألة العكاكزة، ونظم في أشراف المغرب، وأجوبة حسنة تضمنتها نوازله على ما له من العارضة في العلوم.
شعره: من ذلك قوله ناظما عمود نسب النقيب مولاى عبد القادر بن عبد الله الشبيهى:
حمدًا لمن جعل السعادة كلها ... حب النبي وصحبه والآل
ثم الصلاة على الرسول محمد ... قطب البرية غوثها المتعال
وسلامه الأزكى يؤم ضريحه ... طيبا على طيب المكان العال
وعلى صاحبته وعترته النهى ... أهل الندى والجود والإفضال
هذا وقد أمر العلى جانبه ... أمرا يذل ضئولة الرئبال
أمرا ببذل الدر من أسلافه ... من أصله والى زمان الحال
فأجابه العبد العيي لسانه ... مولاى هذا موقف الإبطال
فازداد حرصا بعدها وتحتمت ... طاعاته في سائر الأحوال
أسعفته وجعلت بيت قصيدتى ... مولاى عبد القادر المفضال
стр. 1914
الفائق الأبهى البديع جماله ... عجبا لطينته من الصلصال
وسعيت بين جنابه متضرعا ... بأبيه عبد الله في تسآل
نجل العروف اللوذعى محمد ... بيت النبوءة سيد الأقيال
بأبيه عبد القادر الأسمى الذى ... يعلو على التفصيل والإجمال
نجل الشريف الشامخ القدر العلا ... مولاى عبد الواحد المفضال
بأبيه أحمد ذى الفضائل والحجا ... هو الشبيه بسيد الإرسال
بالزاهد القرشى عبد الواحد بـ ... ـن الهاشمى صاحب الأحوال
عبد إلى الرحمن فيه إضافة ... يحمى حماية صاحب الأشبال
فاضت أبا غالب بحار نوالكم ... كأبيك عبد الواحد الهطال
والفارس الحامى الذمار محمد ... واعرف عليا كاشف الأوجال
بأبيه عبد الواحد بن الماجد الـ ... أرقى الذى أحلى من السلسال
أعنى أبا عبد الإله وصل به ... عبدا إلى الرحمن ذى الإكمال
بالواحد الأسنى الشريف محمد ... من كان والده عليا عال
بأبيه حم نجل يحيى المنتقى ... كل المجادة فيه في اضمحلال
بأبيه إبراهيم للأصل المنتمى ... للمجد يحيى بارع الأفعال
بالفاضل الأرقى الحسيب محمد ... بالجوط يحيى نخبة الأبدال
والقاسم الأزكى الرفيع مقامه ... نفع الموالى قاسم الأموال
بأبى العلا إدريس ناشئ فاسنا ... بأبيه إدريس المقام العال
بابيه عبد الله نجل المجتبى ... حسن المثنى صادق الأقوال
стр. 1915
بالسبط والده البهى جماله ... حسن بن فاطم بغية الآمال
بالوالد الأدرى على المرتضى ... ليث الحروب مفرج الأهوال
من عرسه بنت النبي محمد ... فيه انتهاء العز والإجلال
وقوله:
يا روضة كملت محاسنها التي ... جلب العقول بهاؤها للناظر
في عام شمل غير حول زررت ... أزرارها وتنظمت بجواهر
وتزخرفت وتعطرت وتهذبت ... أغصانها وتبسمت للزائر
وتشعشعت أنوارها وتكلمت ... أطيارها وتدفقت بكواثر
وتهذبت أخلاقها وتنسمت ... أوراقها وتفتحت بأزاهر
من بعد أن طرب الزمان بحسنها ... زفت إلى بحر البحور الزاخر
قطب البرية عزها وفخامها ... سر النبوءة فخر كل مفاخر
المولوى الهاشمى المنتقى ... إدريس منقذ غربنا في الغابر
قد صاغها النجل السرى تكرما ... وتفضلا مولاى عبد القادر
ابن الرضى مولاى عبد الله ذى الـ ... أصل الزكى الطيب بن الطاهر
دامت مسرته ودام سعده ... وحسوده في ضنك عيش خاسر
ووقاه من شر الزمان وفتكه ... وكفاه ثورة فاجر أو جائر
وأناله في الناس ظلا وافرا ... يكفيه من بغى المظلوم الماكر
وكسا بنيه الغر فضل ردائه ... يتناسقونه كابرا عن كابر
لا زال مجدهم العلى مؤزرا ... ومؤيدا باسم العزيز القاهر
دخل الحمى يا آل بيت المصطفى ... عبد ذليل ماله من ناصر
стр. 1916
وفاته: توفى عصر يوم السبت رابع ربيع الأول عام ثلاثة ومائة وألف، ودفن عند الغروب من يومه بمكناسة الزيتون في روضة سيدى أحمد الحارثى، المعروفة الآن بروضة الشيخ الكامل، وعليه بناء متصدع على يمين الداخل للروضة المذكورة من الباب المعروف بباب المعراض خارج باب السيبة أحد أبواب العاصمة المكناسية.
٢٣٣ - محمد بن أحمد المزطارى المكناسى الشاذلى .
ذكره في سلك الدرر.
حاله: شيخ إمام عارف مسلك مرشد أستاذ كامل صوفى ربانى، حكى تلميذه الشهاب أحمد بن إبراهيم الحبالى الإسكندرى أنه ما غفل قط في وقت من الأوقات الخمسة عن سبعين ألفا من لا إله إلا الله في مدة إقامته معه، وكانت المدة المذكورة ثمانية عشر عاما، وكان جبلا من جبال المعارف منار هدى وإرشاد، وله كرامات كثيرة، وخوارق شهيرة، لا تسعها الأفهام، ولا يطيقها نطاق الأقلام، رحل من بلده مكناسة إلى دمشق الشام، وقدمها غرة جمادى الأولى سنة ست وتسعين وألف، ثم رحل من دمشق إلى مكة المشرفة واستوطنها وبها كانت منيته.
مشيخته: أخذ الطريقة الشاذلية عن شيخه الفرد الربانى سيدى قاسم بن أحمد القرشى السفيانى المدعو بابن بلوشة.
الآخذون عنه: منهم الشيخ عبد الرزاق بن عبد الرحمن السفرجلانى، والشيخ محمد بن خليل العجلونى، وكتب له بذلك إجازة مطولة، والشهاب أحمد الحبالى وخلق، ويتصل سند المترجم من طريق الشيخ محمد أمين أفندى السفرجلانى الدمشقى الشامي بالسند المذكور، في ثبته عقود الأسانيد.
стр. 1917
ولادته: ولد عام أربعة وأربعين وألف.
وفاته: توفى بمكة المشرفة في محرم الحرام ليلة الجمعة سنة سبع ومائة وألف عن ثلاث وستين سنة، ودفن بباب المعلى بقرب ضريح السيدة خديجة الكبرى.
٢٣٤ - محمد بن محمد العناية .
حاله: ولى صالح عارف بربه، دال عليه ناصح، يقال: إنه من ذرية مولانا عبد السلام بن مشيش رضى الله عنه وعنا به آمين، ويقال: إنه كان من المجاذيب، وإنه من أهل العصر الإسماعيلى، ولم أقف على ترجمته بعد البحث المديد.
وشريح من أشهر المزارات المقصودة للمتعلقين بأذيال أهل الله العارفين بحومة باب البردعيين المسماة بجناح الأمان.
٢٣٥ - محمد بن عمر السجلماسى الأصل الزرهونى الزاووى الدار والإقبار .
حاله: فقيه علامة جليل، مشار إليه بالفضل والدين والثبات والرسوخ، كان السلطان مولانا إسماعيل منحه خطبة وإمامة مسجد الضريح الإدريسي الأكبر من زاوية زرهون، حلاه سيدى أحمد بن المبارك في إبريزه بالشيخ الفقيه العالم العلامة، وشهد بمعرفته لمكانته، وقد كان المترجم صاهر ابن مبارك المذكور ببناته الثلاث، وكاتبه لما استدعاه سيدنا الجد السلطان مولانا إسماعيل للقدوم لمكناسة الزيتون للصلاة بالناس في جامع مدينة الرياض العنبرى، فتوجه مع من وجه للقدوم به، ثم رجع لفاس قبل أن يلتقي بالسلطان بدون إذن يحذره مخالفة السلطان قائلا: إنك رجعت من مكناسة ولم تلتق مع السلطان نصره الله ولا فاصلت نفسك فلا تدرى ما ينزل بك بعد قدومك، فالرأى أن ترجع إلى مكناسة وتلقى مع السلطان نصره الله وتظهر له الرضا بقبول الإمامة في المسجد المذكور
стр. 1918
وغير هذا لا تفعله، ولعل استدعاء ابن المبارك للإمامة كان عام خمسة وثلاثين ومائة وألف، وهى السنة التي نزل فيها ضيفا على أبى القاسم بن دارا أياما بداره بمكناسة والله أعلم.
وفاته: لا أحفظ الآن تاريخ وفاته بيد أنه توفى بزاوية زرهون وضريحه أعلى سقاية البيبان، حذو باب المعراض عن يمين الطالع هناك لحومة تارجا.
٢٣٦ - محمد البصرى المكناسى .
حاله: طاهر السريرة، دين صالح بركة واعظ، إذا وعظ وجلت القلوب وذرفت العيون، ثلثاه غفلة لا يستعمل الأدب مع الملوك، فكان يتمرغ على نمارق المنصور مستندا بين يديه والمنصور يتحمل له ذلك لما يعلم من ديانته وصفاء باطنه.
ذكره القشتالى في مناهل الصفا، وقال في الصفوة: لم أقف على سنة وفاته، وقبره داخل مكناسة شهير هـ.
قلت: لا يعرف له اليوم قبر بل ولا ذكر، وإنما المعروف أبو عبد الله محمد الخطيب بصرى المترجم فيما قبل، وهو غير صاحب الترجمة قطعا كما يعلم بالوقوف على ترجمتيهما.
٢٣٧ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بصرى المكناسى الشيخ المقرئ .
حاله: فقيه جليل المقدار، جامع لأشتات خصال الفضل والمجد، حامل لراية الإقراء، وخاتمة الحفاظ والقراء، صدر عالم عامل، حافظ للسبع متقن عارف بتجويد القرآن العظيم، حسن الصوت، مجتنب للمحرمات، متوق للشبهات، لا تراه سالكا طريقا إلا وعيناه في الأرض، وإذا لقى امرأة نحى وجهه عنها، وكان ذا كرامات ظاهرة، وإشارات باهرة.
стр. 1919
قال تلميذه أبو القاسم بن درة من أجل ما شاهدناه منها -يعنى كراماته- أن بعض الناس كان يحب أن يرومه بشئ يكرهه، فمهما أراد منه ذلك يعطيه الله ما يشغله عنه فيكف عنه إذايته، وقصده بذلك مرارا فلم يظفر به، ونجاه الله منه حتى لقى ربه. قال: ومن أعظم ما رأيت من مكاشفاته أنى جئته يوما فوجدته بداره التي بقرب الجامع من زقاق القرمونى، فقال لى: يا قاسم، ووجهه عبوس، ونظر إلى نظر مغضب، اترك أو فارق عنك كذا وكنت والله مصرا على ما نهانى عنه، فأظهرت له التجلد وتعللت له بعلل فصفح عنى ودعا لي بالهداية، وكان ﵀ راضيا عنى ودعا لى عند موته بخير فما على إلا فضله وبركته.
سمع السلطان الأعظم مولانا إسماعيل بحسن صوته وجودة تلاوته فأمر بإحضاره ليلة سابع عشرى رمضان، فأم به تلك الليلة وختم القرآن برواية ابن كثير يكبر ويهلل عند ختم كل سورة من آخر والضحى إلى آخر والناس، وأدرج القراءة إلى المفلحون فخلع عليه السلطان دائرة سنية كانت عليه وطلب منه صالح الدعاء انتهى.
وقد حظى المترجم من لدن جناب مولانا الجد السلطان المذكور بإجلال ورعاية وتبجيل، ووصفه بأوصاف عالية في ظهيره الشريف المطاع الأوامر الذى أصدره بالتنويه بقدر بيت المترجم، ونشر ما لسلفه من المجد المؤثل، والحض على إنزالهم منزلتهم، ومقابلتهم بكل تكرمة وإعظام، والتعريف بما له ولسلفه وبنى عمه من الحظوة لديه، والاعتبار والإكبار، وإليك نصه بعد الحمدلة والصلاة:
"عن أمر عبد الله المتوكل على الله، أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، إسماعيل ابن الشريف الحسنى أيد الله أمره، وأعز نصره وخلد في صحف المجد والحمد ذكره، وأشرق في الصالحات شمسه وبدره، يستقر كتابنا هذا أسماه الله بيد حملته أولاد ولى الله تعالى العارف بربه الصالح سيدي بصرى نفع
стр. 1920
الله به وأولاد أولاده وحفدته ومن انتمى منهم إليه، وخصوصا الفقيه الأجل السيد محمد بن أحمد بصرى، وبنى عمه وأولاده وأولاد أولاده ما تناسلوا ويتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه العميم وبركته.
إننا أسبلنا عليهم جلابيب الإيثار والوقار، وكسوناهم أردية الاحترام ونمارق الإجلال والإكبار، وعاملناهم بما يجب وما يجعل بنظائرهم من السادات الأخيار، ووقرناهم وحررنا جانبهم وأكرمنا مثواهم، وحشيناهم من كل بها يغيض بقدرهم، وأسقطنا عنهم كل مغرم أو تكليف، وسلكناهم مسالك آبائهم وأجدادهم وأسلافهم من قبلهم، وأنعمنا عليهم بمزيد أثرة، وكريم حظوة على ذلك، حيث هم بحمد الله من أولاد هذا الولى العارف المذكور، ومن خيار أهل حضرتنا العلية بالله، ومن لباب اللباب بها ومن أعيانها ومن ذوى الحسب والمروءة والأصالة منها.
ولا سيما وفيهم ومنهم النشأة الطيبة والنخبة الزكية الجامع لأشتات خصال الفضل والمجد حامل راية الإقراء، وخاتمة الحفاظ والقراء، الفقيه الصدر العالم العامل السنى أبو عبد الله السيد محمد بن عبد الرحمن بصرى وابن عمه الأحظى الأجل، الأنوه الفقيه النبيه الأمثل، السيد أحمد بن محمد، فما عندنا أعز منه ومنهم، فنحن منه وهو منا وفينا وإلينا، ومحسوب على الله وعلينا، والعلم والدين والسنة معه تجمعنا، والجهل مع البدعة لغيره يفرقنا والعلم والخلافة إخوان.
وما هو لدينا في نفوسنا الكريمة إلا من أعيان العصر؛ وأعوان النصر؛ والقلوب تتجازى فلا يقرب أحد ساحته وساحة أهله وبنى عمه وأقاربه بما يسوءهم أو يضرهم في نفوسهم أو يشوشهم على أسبابهم ومعاشهم أو أمر من أمور دنياهم في هذا الأوان، ولا فيما يأتى من الأزمان، ما تعاقب الجديدان، واختلف الملوان، وعلى الدوام، وما توالت السنون والأعوام، من غير منازع، ولا معارض ولا مدافع فيما قابلناهم به وحملناهم عليه واختصصناهم به وأردناه لهم وآثرناهم به
стр. 1921
عن سواهم، لأننا جربنا الناس وبلوناهم فألفيناهم ليسوا كغيرهم، وكفى بشهادة الناس فيهم والناس شهداء الله في أرضه، وما علمنا في جملة أولاد سيدي بصرى إلا خيرًا وصلاحًا، ونجدة ومروءة وفلاحا، وكيف يجهل قدرهم أو لا تراعى حرمتهم ولا نؤثرهم على من عداهم. فنعهد بمسطورنا الكريم أعزه الله لكل من وقف عليه من أولادنا أو ولاة أمرنا وقوادنا ووصفاننا أن يعتقد فيهم معتقدنا، وأن ينهج فيهم منهجنا حسب الواقف عليه العمل بمقتضاه، ولا يحيد عن كريم مذهبه ولا يتعداه، صدر به أمرنا المعتز بالله والسلام بتاريخ ربيع النبوى عام اثنى عشر ومائة وألف".
وكان المترجم مع ذلك بارعًا في فنون العربية والتصريف كاتبا بليغا شاعرا مجيدا فقيها محققا فصيح اللسان في الخطبة والتلاوة كثير التواضع ثاقب الذهن كريم الأخلاق حسن اللقاء أمه السيدة آمنة بنت أبى سرحان مسعود بن محمد ولى الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بصرى وأمها السيدة عائشة من حفدة سيدى على منون وأم أبيه السيدة عائشة بنت الفقيه السيد العربى المرينى من ذرية ابن الحنفية.
مشيخته: أخذ القراءات السبع على شيخى التجويد أبى زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد القادر الرايس وأبى الحسن على بن أحمد بن جارية القصرى وأجازاه في القراءات وسلم له جماعة من أئمة عصره ما في الإجازتين، ومن شيوخه أبو عبد الله محمد بن أحمد القسمطينى وأبو العباس أحمد بن العربي بن الحاج وأبى عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسى وأبو مدين السوسى وبردلة وغيرهم.
الآخذون عنه: أخذ عنه من أهل مكناسة والطارئين عليها خلق كثير لا يحصى منهم عبد الوهاب ابن الشيخ وأبو عبد الله محمد العربي بصرى صاحب منحة الجبار.
стр. 1922
مؤلفاته: له شرح على مختصر خليل بلغ فيه إلى الزكاة واخترمته المنية ومنظومة في إمالة أبى عمرو ابن العلاء وأخرى أفرد فيها رواية ابن عامر الشامى تسمى المنار السامى.
شعره: من ذلك قوله في منظومة الإمالة:
يقول عبد ربه محمد ... عرف بالبصرى ربى أحمد
ثم الصلاة والسلام السرمدى ... على النبي المجتبى محمد
وبعد فالقصد بذا النظام ... ذكر إمالة الرضى الإمام
أعنى أبا عمر والزكي بن العلا ... من لاح بالبصرة بدرًا كملا
وقوله في نظم رواية الشامى:
قال محمد بن بصرى وقد ... نوى افتتاحا باسم ربنا الصمد
مصليا على الرسول المجتبى ... وآله وتابعيه النجبا
وبعد فالقصد بذا النظام ... بيان مقرأ الإمام الشامى
ولما أوقف عليه شيخه أبا مدين سماه له بيت رجز بالمنار السامى:
هذا واسميه المنار السامى ... لمبتغ نهج الإمام الشامى
ومن شعره قوله:
ظعنت وفى نفسى من البين لوعة ... ونار اشتياقى في الضلوع كما هيا
وجئت بجسم فارغ من فؤاده ... وربى عليم أين حل فؤاديا
لعمرى لقد خلفته رهن ما اشتهى ... بأيدى أناس يحسنون التقاضيا
وددت ولم أيئس من إدراكى المنا ... لو أن إله العرش حل عقاليا
стр. 1923
فجاورتهم عمرى ومتعت أعينى ... بطلعتهم في غدوتى ومسائيا
فيا أهل فاس خلصوا من نواكم ... وأم حماكم مستهامًا وباكيا
أليس بعار أن ينيخ ببابكم ... بأشجانه عبد فيرجع خاسيا
وما شرف الضرغام إلا ببطشه ... ولا الهندوانى غيران كان ماضيا
وقولوا لمن في أسرنا قد تنافسوا ... فإما يمنوا أو يحوزوا فؤاديا
ألم يكفهم أن قدار أقوام دم امرئ ... خديم الهدى دأبا ولو كان عاصيا
ألم يغلبوا في عالم الله كله ... سواى ولم يلفوا ضعيفا ورائيا
سمعت بأن خافوا على حرارتى ... بلى قصدهم منى عقوقى إلاهيا
على أن لى فيمن قصدت كفاية ... وعهدي بهم والله أسدا ضواريا
وكيف وقد وجهت نحو محمد ... إمام الهدى شكوى تهد الرواسيا
وفاته: توفى في ثامن محرم فاتح عام أربعة وعشرين ومائة وألف بعد أن ألبس البلايا دهرا كما رأيت من شعره ألخ.
٢٣٨ - محمد بن محمد الكاتب القيسى الأندلسى نجارًا، الفاسى منشأ ودارا وقرارا .
حاله: فقيه، نبيه، أمين وجيه نزيه، كان سيدنا الجد المولى إسماعيل برد الله ثراه، جعل له النظر العام والأمانة الكاملة في البناءات السلطانية على اختلاف أنواعها وأجناسها، وله النظر العام في كافة الأحباس الموقوفة على مساجد الحضرة، العلية بالله المكناسية، وكانت له لديه خطوة ومكانة وثقة كاملة به بلغت به أن جعله أمينا على داره العلية، وناظرا على سائر أحباس إيالته الشريفة.
стр. 1924
وقفت على تحليته في بعض العقود بما نصه: من له النظر العام والأمانة الكاملة في أمر البناءات كلها السلطانية على اختلاف أنواعها وأجناسها بداره العلية حرس الله رفيع أعتابها، وصان من طوارق الحدثان على أبوابها، ناصح خدمته السلطانية، في السريرة والعلانية، وهو الطالب محمد بن الثقة الخير أهل كتاب الله المحب لآل بيت رسول الله ﷺ وفي بعضها بما لفظه: الناظر الأفلح، الأشهر الأنجح، الفقيه النزيه الأريب النبيه، أمين الدار العالية بالله وناظر سائر أحباس الإيالة الشريفة أبو عبد الله السيد محمد بن محمد الكاتب" بتاريخ خمسة عشر ومائة وألف.
٢٣٩ - محمد المدعو حم بن عبد الوهاب الوزير الغسانى الأندلسى الأصل الفاسى الدار والوفاة المكناسى الوظيف .
حاله: فقيه علامة مشارك متقن، كاتب بارع، يكتب كما يراد منه، انتهت إليه رياسة صنعة الترسيل، ولم يعزر في عصره بتمثيل، استكتبه سيدنا الجد السلطان مولانا إسماعيل وكانت له لديه جلالة ومكانة يوحى إليه المكاتيب العديدة في مواضع مختلفة للعمال وغيرهم من ذوى الحيثيات، فيذهب لمنزله ويكتب جميع ما أملى عليه مخدومه، وينزل في مخاطباته كلا منزلته من غير زيادة ولا نقصان في أيسر وقت مع إيجاز، وحسن عبارة كادت أن تبلغ حد الإعجاز، وذلك مما زاد السلطان به ابتهاجا، وكانت له سرعة في نسخ الكتب لم تعرف لغيره، وقد رشحه مخدومه للسفارة لبلاد الأندلس لفكاك أسرى المسلمين، واستخراج ما بقى من الكتب الإسلامية بالمشاهد المهجورة هناك.
مؤلفاته: منها رحلته الموسومة برحلة الوزير، في افتكاك الأسير، شرح بها ما شاهده في سفارته المذكورة من العجائب والغرائب.
стр. 1925
وفاته: توفى عام تسعة عشر ومائة وألف.
٢٤٠ - محمد فتحا بن مولانا الجد الأعظم أمير المؤمنين مولانا إسماعيل .
حاله: جهبذ نحرير، ناقد بصير، ديباجة الدنيا وبهجتها، عالم علامة، بارع مطلع، متضلع نقاد، ذو ملكة واسعة، وعارضة عريضة، وذهن وقاد، له مشاركة تامة، ومهارة كاملة في النحو والبيان والمنطق والكلام والأصول.
قال في الشجرة الزكية في حق المترجم: أدرك درجة الاجتهاد، فأداه اجتهاده إلى أن خرج عن طاعة والده انتهى.
وكان والده يحبه محبة شديدة لما رأى عليه من مخايل النجابة وتوقد الذهن والتيقظ والمقدرة في الحل والإبرام والنصح له وإخباره بما تخفيه عنه الوزراء والكتاب وأولو الأمر، حتى صار عيبة سره ومحل مشورته، دون سائر إخوته، يسارره ويعمل برأيه في المهمات، ويثنى عليه بالصدق والأمانة ورجاحة العقل، وينوه بقدره بمحضر ولاته ووزرائه وكتابه، فكرهه لذلك غير واحد من الوزراء فمن دونهم، فشمروا على ساق لإفساد ذات البين بينه وبين أبيه والسعى في التفرقة بينهما، فزينوا لوالده ولايته.
فاتفق أن وقع اختلاف بين درعة ونواحيها واحتاجوا إلى تولية واحد من أبناء السلطان يكون له عقل راجح، فاغتنم أعداؤه الساعون في ابتعاده عنهم، فأسروا للسلطان أنه لا يصلح لهذا المهم إلا ولدك المولى محمد العالم، فإنه يحسن التدبير مع القريب والبعيد والأخرق، ولا يصدر منه إلا ما فيه مصلحة وسداد، ولم يزالوا يحسنون له ويجيدون توليته إلى أن ولاه بدرعة فحصلوا أمنيتهم في إبعاده عنهم من إحصائه الأنفاس عليهم.
стр. 1926
ثم إن والده لما رأى ما أظهره المترجم في محل مأموريته درعة من العدل والإنصاف ومحبة أهلها له لفضله وهديه وسيرته فيهم سيرة حسنة، وعلا صيته وانتشر في الآفاق نقله منها وولاه على مراكش وما والاها، فأقام سنة العدل ونشر الأمن والطمأنينة، وسار على ما نهجه الشرع الكريم، فسعد الناس بولايته وأشرب حبه في قلوب الخاصة والعامة وراد اشتهارا، وبعد صيت، فحسده أضداده من خاصة والده على ما آتاه الله من فضله.
فدسوا لوالده ما أوغر صدره عليه مما هو برئ منه، فعزله عن مراكش، وترك أهلها يبكون، وأهمله مدة مع الفحص والتنقير عما اختلقه الحسدة وألصقوا به حتى ثبتت لديه براءته، فولاه عام أحد عشر ومائة وألف على تارودانت ونواحيها، ورتب معه ثلاثة آلاف من الخيل وفوض له فيها التفويض التام، وقام بمأموريته فيها أحسن قيام، إلى أن صدر منه ما كان في الكتاب مسطورًا.
وكان المترجم كثير المخالطة والمجالسة للعلماء، يفدون إليه من كل صوب، وكانوا يقاسون معه الشدائد لذكائه وشدة فطنته مخافة الافتضاح معه في قصور فهم أو نقل كما أفاده أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد القادر الفاسى في المورد الهنى.
وكان من أخص خاصته الشيخ أبو عبد الله المسناوي، فوشى به إلى السلطان، وقيل له مع شدة اتصاله به لا يعيب عليه عزمه على القيام على أبيه فهو موافق على ذلك، فبادر بعض أصحاب السلطان إلى الاعتذار عن الشيخ لأنه كان ينهاه عن إرادة القيام وأنشد للمسناوى:
مهلا فإن لكل شئ غاية ... والدهر يعكس حيلة المحتال (١)
стр. 1927
فالبدر ليس يلوح ساطع نوره ... والشمس باهرة السنا في الحال
فإذا توارت بالحجاب فعند ذا ... يبدو بدو تعزز وجمال
فقبل السلطان ذلك وتحقق براءته، وكان ينفعل للشعر ويتأثر بأريحية الأدب، استخلفه والده بفاس مدة.
وفى سنة أربع عشرة ومائة وألف بعث سيدنا الجد الأكبر السلطان الأعظم مولانا إسماعيل ولده المولى الشريف واليا على درعة فثار المترجم ببلاد السوس ودعا لنفسه وزحف لمراكش فحاصرها في رمضان من السنة المذكورة، وفى العشرين من شوال اقتحهما عنوة.
ولما اتصل خبره بأبيه بعث ولده سيدنا الجد المولى زيدان في العساكر لقتاله، فقدم مراكش ودخلها في أمن واطمئنان، وذلك سادس عشر ذى الحجة عام خمسة عشر ومائة وألف، فوجد المترجم قد بارحها وعاد إلى تازودانت فدخلها غرة المحرم عام ستة عشر على ما صححه في الدر المنتخب المستحسن، وجمع عليه العرب والبربر، وعظم أمره واشتدت شوكته، ولما احتل مولانا الجد مراكش عاثت عساكره فيها، ثم تبع أخاه محمد إلى السوس فنزل على تارودانت، وكان بطلا شهما مقداما، وشبت الحرب بينهما ودامت ثلاثة أعوام على ما قاله بعضهم.
والذى في الدار المنتخب أن مدة الحصار ستة أشهر وستة عشر يومًا من غير اعتبار يوم الدخول، لأنه كان غلسا قبل الإسفار، وقيل مدة الحصار سبعة أشهر وثلاثة عشر يوما، وقيل غير ذلك والله أعلم.
وأول يوم التقى فيه الجمعان وشب القتال رابع عشر جمادى الأولى عام سبعة عشر ومائة وألف، وكان نزول مولانا الجد زيدان على تارودانت وحصاره إياها لثلاث خلون من رجب أحد شهور العام المذكور، وكان فتحه إياها تاسع
стр. 1928
عشر المحرم عام ثمانية عشر، وقيل في سادس عشر صفر وقيل خامس عشر الشهر المذكور.
ولما علم المولى محمد بدخول البلد خرج فارا لناحية الجبل، فاقتفى أثره في الحين وأتى به لأخيه زيدان، فلما وقع بصره عليه حن له وقام إليه وعانقه وبكى وهون عليه الأمر، وقال له: لا ترى إن شاء الله إلا الخير، ثم سلمه لمن يذهب به لأبيه، ووكل بحفظه من وثق به وأوصى بصيانته ورعايته والإحسان إليه والبرور به، وكتب كتابا لوالده يخبره بيوم خروجه من تارودانت قاصدا حضرته المكناسية.
ولما بلغ الخبر مولانا إسماعيل وذلك في الحادى والعشرين من صفر عام ستة عشر ومائة وألف، خرج بجيوشه ونزل على وادي بهت لينظر في أمره، ولم يخرج معه أحد من الوزراء والكتاب لاستعجاله الخروج، ووصل لوادي بهت يوم الثلاثاء ثالث ربيع النبوى عام ثمانية عشر، فخيم به وشاور بعض من كان في معيته من العلماء ممن كان يبغض باطنًا صاحب الترجمة فأغراه وأظهر له المصلحة في إقامة الحد عليه، وتلا ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٣٣)﴾ [سورة المائدة: آية ٣٣] فصدر الأمر بذلك، وعلل بعضهم ذلك بأن السلطان كان اشتد به الجوع حيث إن خروجه كان على غير أهبة ظانا أنه يلقى المترجم على مقربة من البلد، فطال به السير إلى وادي بهت فكان ذلك مما زاد في غضبه. انتهى.
ومن الغد وهو رابع ربيع الأول وصل الولى محمد مقبوضا عليه مقيدًا إلى وادي بهت، فبعث السلطان من قطع يده ورجله من خلاف.
والذى في كناشة اليحمدى أن المولى إسماعيل كان خروجه لوادي بهت في الثالث من ربيع الأول. وفى هذه القضية قال بعض الأدباء:
стр. 1929
ويوم (وى) من صفر سنة (حى) ... رودانة لم يبق فيها العشر حى
ودخلت بالسيف يوم الجمعة ... ولم يفد صاحبها ما جمعه
ويوم رابع ربيع الأول ... جئ بنجل الملك المفضل
أعنى محمدًا مكبلًا على ... بغلته بوادي بهت أنزلا
وقطعت يمناه من خلاف ... ورجله بسبب الخلاف
وفى إقامة هذا السلطان الجليل المقدار الحد الشرعى على فلذة كبده وعضده وساعده دلالة واضحة في وقوفه لدى حد ما حده الشرع الأقداس، لا يراعى في ذلك قاصيا ولا دانيا، شأن أهل العدل والإنصاف، وبعد أن وقع ما كان في الكتاب مسطورًا أمر السلطان بحمل المترجم لمكناسة وملازمة الأطباء له فعالجوه بما قدروا عليه، مع قطعهم بأنه لا ينفع فيه دواء، لأنه اعتراه إسهال كبدى لانصراف مادة الأعضاء المقطوعة إليه، ولم يجزع المترجم لما أصابه بل كان في غاية الثبات والرضا والتسليم.
أما والده فقد عظم حجابه، وقل طلابه، وأظهر ما كان أخفاه في باطنه من الحزن على قتل ولده، وأساء السيرة مع الذى أشار بذلك من قريه وبعيده، وصار يطلب ما يسليه، ويطالع كتب التاريخ والأمور التي تزيل ما في ضميره من الغم الذى فيه، وكتب ظهيرًا لبعض أهل مكناس نص المراد منه بعد الحمدلة والصلاة:
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وأطلع في سماء المعالى شمسه وبدره، بيد حامله المتمسك بالله ثم به الأمين الحسن بن محمد بوستى المتطبب والحجام، حرفة يتعرف بحول الله وقوته أننا وقرناه واحترمناه لثقتنا به وله علينا جميل في احترامه لولدنا مولاى محمد ﵀ حين أمرناه بقطع يده، فتنصل من ذلك وأبى إباية شهدت بديانته واحترامه الأشراف من آل النبي ﷺ ، فلذلك جعلناه داره حرما لمن يجئ إليه. هـ بتاريخ سادس عشر ربيع الأول شهر الموت كما بالدر المنتخب المستحسن.
стр. 1930
وقد كان المترجم محبا في العلماء، مكرما ومعظما جانبهم، محبوبا مبجلا لديهم، يمدحونه ويثنون عليه، فمن مديحهم فيه قول علامة شنجيط وأديبها المفوه النحرير عبد الله بن محمد العلوى المعروف بابن رازكة بكاف معقودة كما في الوسيط من قصيدة:
أثار الهوى سجع الحمام المغرد ... وأرقنى الطيف الذى لم أطرد
ومسرى نسيم من اكيناف حائل ... وبرق سقى هاميه برقة ثهمد
وذكر التي بالقلب خيم حبها ... وألبسنى قهرا علالة مكمد
فبت أقاسى ليلة نابغية ... تعرفنى هم السليم المسهد
طويلة أذيال الدجا دب نجمها ... إلى الغرب مشى الحائر المتردد
ويزعج وراد الكرى دون مقلتي ... بعوث غرام من لدن أم معبد
بنفسى عرقوبية الوعد ما نوت ... وإن حلفت قط الوفاء بموعد
ترد إلى دين الصبابة والصبا ... فؤاد الحليم الراهب المتعبد
وتقصد في قتل الأحبة قربة ... بشرعة ديان الهوى المتأكد
فتاة حكاها فرقد الجو منظرا ... كما ناسبتها نظرة أم فرقد
مهفهفة الكشحين لم يدر طرفها ... من الكحل الخلقى ما كحل أثمد
إذا ما تثنت واسبكر قوامها ... علمت بأن البان لم يتأود
وخاطب قاضى شرعة الشكل (١) ردفها ... إذا ما أقام العطف منها بأقعد
غضوب أرتها نخوة في عظامها ... أن الوصم وصل العاشق المتودد