ثم إن والده لما رأى ما أظهره المترجم في محل مأموريته درعة من العدل والإنصاف ومحبة أهلها له لفضله وهديه وسيرته فيهم سيرة حسنة، وعلا صيته وانتشر في الآفاق نقله منها وولاه على مراكش وما والاها، فأقام سنة العدل ونشر الأمن والطمأنينة، وسار على ما نهجه الشرع الكريم، فسعد الناس بولايته وأشرب حبه في قلوب الخاصة والعامة وراد اشتهارا، وبعد صيت، فحسده أضداده من خاصة والده على ما آتاه الله من فضله.
فدسوا لوالده ما أوغر صدره عليه مما هو برئ منه، فعزله عن مراكش، وترك أهلها يبكون، وأهمله مدة مع الفحص والتنقير عما اختلقه الحسدة وألصقوا به حتى ثبتت لديه براءته، فولاه عام أحد عشر ومائة وألف على تارودانت ونواحيها، ورتب معه ثلاثة آلاف من الخيل وفوض له فيها التفويض التام، وقام بمأموريته فيها أحسن قيام، إلى أن صدر منه ما كان في الكتاب مسطورًا.
وكان المترجم كثير المخالطة والمجالسة للعلماء، يفدون إليه من كل صوب، وكانوا يقاسون معه الشدائد لذكائه وشدة فطنته مخافة الافتضاح معه في قصور فهم أو نقل كما أفاده أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد القادر الفاسى في المورد الهنى.
وكان من أخص خاصته الشيخ أبو عبد الله المسناوي، فوشى به إلى السلطان، وقيل له مع شدة اتصاله به لا يعيب عليه عزمه على القيام على أبيه فهو موافق على ذلك، فبادر بعض أصحاب السلطان إلى الاعتذار عن الشيخ لأنه كان ينهاه عن إرادة القيام وأنشد للمسناوى:
مهلا فإن لكل شئ غاية ... والدهر يعكس حيلة المحتال (١)
стр. 1927
فالبدر ليس يلوح ساطع نوره ... والشمس باهرة السنا في الحال
فإذا توارت بالحجاب فعند ذا ... يبدو بدو تعزز وجمال
فقبل السلطان ذلك وتحقق براءته، وكان ينفعل للشعر ويتأثر بأريحية الأدب، استخلفه والده بفاس مدة.
وفى سنة أربع عشرة ومائة وألف بعث سيدنا الجد الأكبر السلطان الأعظم مولانا إسماعيل ولده المولى الشريف واليا على درعة فثار المترجم ببلاد السوس ودعا لنفسه وزحف لمراكش فحاصرها في رمضان من السنة المذكورة، وفى العشرين من شوال اقتحهما عنوة.
ولما اتصل خبره بأبيه بعث ولده سيدنا الجد المولى زيدان في العساكر لقتاله، فقدم مراكش ودخلها في أمن واطمئنان، وذلك سادس عشر ذى الحجة عام خمسة عشر ومائة وألف، فوجد المترجم قد بارحها وعاد إلى تازودانت فدخلها غرة المحرم عام ستة عشر على ما صححه في الدر المنتخب المستحسن، وجمع عليه العرب والبربر، وعظم أمره واشتدت شوكته، ولما احتل مولانا الجد مراكش عاثت عساكره فيها، ثم تبع أخاه محمد إلى السوس فنزل على تارودانت، وكان بطلا شهما مقداما، وشبت الحرب بينهما ودامت ثلاثة أعوام على ما قاله بعضهم.
والذى في الدار المنتخب أن مدة الحصار ستة أشهر وستة عشر يومًا من غير اعتبار يوم الدخول، لأنه كان غلسا قبل الإسفار، وقيل مدة الحصار سبعة أشهر وثلاثة عشر يوما، وقيل غير ذلك والله أعلم.
وأول يوم التقى فيه الجمعان وشب القتال رابع عشر جمادى الأولى عام سبعة عشر ومائة وألف، وكان نزول مولانا الجد زيدان على تارودانت وحصاره إياها لثلاث خلون من رجب أحد شهور العام المذكور، وكان فتحه إياها تاسع
стр. 1928
عشر المحرم عام ثمانية عشر، وقيل في سادس عشر صفر وقيل خامس عشر الشهر المذكور.
ولما علم المولى محمد بدخول البلد خرج فارا لناحية الجبل، فاقتفى أثره في الحين وأتى به لأخيه زيدان، فلما وقع بصره عليه حن له وقام إليه وعانقه وبكى وهون عليه الأمر، وقال له: لا ترى إن شاء الله إلا الخير، ثم سلمه لمن يذهب به لأبيه، ووكل بحفظه من وثق به وأوصى بصيانته ورعايته والإحسان إليه والبرور به، وكتب كتابا لوالده يخبره بيوم خروجه من تارودانت قاصدا حضرته المكناسية.
ولما بلغ الخبر مولانا إسماعيل وذلك في الحادى والعشرين من صفر عام ستة عشر ومائة وألف، خرج بجيوشه ونزل على وادي بهت لينظر في أمره، ولم يخرج معه أحد من الوزراء والكتاب لاستعجاله الخروج، ووصل لوادي بهت يوم الثلاثاء ثالث ربيع النبوى عام ثمانية عشر، فخيم به وشاور بعض من كان في معيته من العلماء ممن كان يبغض باطنًا صاحب الترجمة فأغراه وأظهر له المصلحة في إقامة الحد عليه، وتلا ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٣٣)﴾ [سورة المائدة: آية ٣٣] فصدر الأمر بذلك، وعلل بعضهم ذلك بأن السلطان كان اشتد به الجوع حيث إن خروجه كان على غير أهبة ظانا أنه يلقى المترجم على مقربة من البلد، فطال به السير إلى وادي بهت فكان ذلك مما زاد في غضبه. انتهى.
ومن الغد وهو رابع ربيع الأول وصل الولى محمد مقبوضا عليه مقيدًا إلى وادي بهت، فبعث السلطان من قطع يده ورجله من خلاف.
والذى في كناشة اليحمدى أن المولى إسماعيل كان خروجه لوادي بهت في الثالث من ربيع الأول. وفى هذه القضية قال بعض الأدباء:
стр. 1929
ويوم (وى) من صفر سنة (حى) ... رودانة لم يبق فيها العشر حى
ودخلت بالسيف يوم الجمعة ... ولم يفد صاحبها ما جمعه
ويوم رابع ربيع الأول ... جئ بنجل الملك المفضل
أعنى محمدًا مكبلًا على ... بغلته بوادي بهت أنزلا
وقطعت يمناه من خلاف ... ورجله بسبب الخلاف
وفى إقامة هذا السلطان الجليل المقدار الحد الشرعى على فلذة كبده وعضده وساعده دلالة واضحة في وقوفه لدى حد ما حده الشرع الأقداس، لا يراعى في ذلك قاصيا ولا دانيا، شأن أهل العدل والإنصاف، وبعد أن وقع ما كان في الكتاب مسطورًا أمر السلطان بحمل المترجم لمكناسة وملازمة الأطباء له فعالجوه بما قدروا عليه، مع قطعهم بأنه لا ينفع فيه دواء، لأنه اعتراه إسهال كبدى لانصراف مادة الأعضاء المقطوعة إليه، ولم يجزع المترجم لما أصابه بل كان في غاية الثبات والرضا والتسليم.
أما والده فقد عظم حجابه، وقل طلابه، وأظهر ما كان أخفاه في باطنه من الحزن على قتل ولده، وأساء السيرة مع الذى أشار بذلك من قريه وبعيده، وصار يطلب ما يسليه، ويطالع كتب التاريخ والأمور التي تزيل ما في ضميره من الغم الذى فيه، وكتب ظهيرًا لبعض أهل مكناس نص المراد منه بعد الحمدلة والصلاة:
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وأطلع في سماء المعالى شمسه وبدره، بيد حامله المتمسك بالله ثم به الأمين الحسن بن محمد بوستى المتطبب والحجام، حرفة يتعرف بحول الله وقوته أننا وقرناه واحترمناه لثقتنا به وله علينا جميل في احترامه لولدنا مولاى محمد ﵀ حين أمرناه بقطع يده، فتنصل من ذلك وأبى إباية شهدت بديانته واحترامه الأشراف من آل النبي ﷺ ، فلذلك جعلناه داره حرما لمن يجئ إليه. هـ بتاريخ سادس عشر ربيع الأول شهر الموت كما بالدر المنتخب المستحسن.
стр. 1930
وقد كان المترجم محبا في العلماء، مكرما ومعظما جانبهم، محبوبا مبجلا لديهم، يمدحونه ويثنون عليه، فمن مديحهم فيه قول علامة شنجيط وأديبها المفوه النحرير عبد الله بن محمد العلوى المعروف بابن رازكة بكاف معقودة كما في الوسيط من قصيدة:
أثار الهوى سجع الحمام المغرد ... وأرقنى الطيف الذى لم أطرد
ومسرى نسيم من اكيناف حائل ... وبرق سقى هاميه برقة ثهمد
وذكر التي بالقلب خيم حبها ... وألبسنى قهرا علالة مكمد
فبت أقاسى ليلة نابغية ... تعرفنى هم السليم المسهد
طويلة أذيال الدجا دب نجمها ... إلى الغرب مشى الحائر المتردد
ويزعج وراد الكرى دون مقلتي ... بعوث غرام من لدن أم معبد
بنفسى عرقوبية الوعد ما نوت ... وإن حلفت قط الوفاء بموعد
ترد إلى دين الصبابة والصبا ... فؤاد الحليم الراهب المتعبد
وتقصد في قتل الأحبة قربة ... بشرعة ديان الهوى المتأكد
فتاة حكاها فرقد الجو منظرا ... كما ناسبتها نظرة أم فرقد
مهفهفة الكشحين لم يدر طرفها ... من الكحل الخلقى ما كحل أثمد
إذا ما تثنت واسبكر قوامها ... علمت بأن البان لم يتأود
وخاطب قاضى شرعة الشكل (١) ردفها ... إذا ما أقام العطف منها بأقعد
غضوب أرتها نخوة في عظامها ... أن الوصم وصل العاشق المتودد
стр. 1931
على نحوها تأبى الخليل تانفا ... وشحا برشف من لماها المبرد
إذا ما ترضاه تسامت بأنفها ... صدودا وسامتني تجرع جلمد
وأحرق صدرى ما زها فوق نحرها ... وأشرق من جمر الغضا المتوقد
سبتنى فقبلت الثرى متخلصا ... أمام امتدح ابن الشريف (محمد)
هو الوارث الفضل النبيئى خالصا ... من العلم والعليا ومن طيب محتد
ثمال اليتامى والأيامى موكل ... بتفريج غماء الشجى المتنكد
غيور إذا ما الحق غير مولع ... بقطع لسان الباطلى اليلندد (١)
أديب أريب لين الجنب هين ... ولكن متى عادى فأى مشدد
إذا كشفت عن ساقها الحرب والتظت ... وسلوت صدوق الملتقى بالمفند
سقى الرمح من نحر العدو -فديته- ... وقام بحق المشرفى المهند
أغر المحيا ظاهر البشر طاهر الـ ... سجايا كريم اليوم والأمس والغد
جزيل الندا ما أف في وجه حاجة ... ولا كف حاشى جوده كف مجتدى
كلا الدين والدنيا به ازدان وازدهى ... وأمن شر المبطل المتمرد
فريد العلا يقوى لرقة طبعه ... عن الجمع بين النار والماء في يد
حميد المساعى سار في الرتب العلا ... من المجد سير الفائق المتفرد
تساعله في ذاك نفس نفيسة ... تعد الثريا للفتى غير مصعد
دأبت على السير المبرح والسرى ... أجوب الفيافى فدفدا لعد فدفد
مهامه للسارين فيها توقع ... لأهوال أغوال طواغيت مرد
стр. 1932
يطير لما يبدينه من تلون ... شعاعا فؤاد الضابط المتجلد
إلى حضرة سنية حسنية ... منيرة آلاء (١) الهدى المتصعد
حوت شرف العلم الرفيع عماده ... إلى شرف البيت الكريم المصمد
فما تم الاثم فضل ولا استوى ... سوى ما نحلت من كمال وسؤدد
وبحر ندى ما للفرات انسجامه ... ودجلة لا تحكيه فسحة مورد
فأعتاد منه ما تعودت من يدى ... أبيه أمير المؤمنين المؤيد
هما والد ما توج الملك مثله ... ومولود صدق بالمكارم مرتدى
عظيمان معنيان بالدين وحده ... فأعطتهما الدنيا سلالة مقود
فلا برحا بدرين عم سناهما ... وبحرين لا يعدوهما قصد مجتدى
أمكنه من بكر شعر خريدة ... نتيجة فكر سلسل الطبع جيد
عروب عروس الزى أندلسية ... من الأدب الغض الذى روضه ندى
من اللائى يستصبين مينحن (٢) عنوة ... ويعهدن في الحراق أطيب معهد
ويسلبن معقول ابن زيدون غبطة ... بأسلوب ما يسقين من خمر صرخد
مهذبة يستملح الذهن سرها ... ويستعذب استرسالها ذوق منشد
ترقت لما فارقت وراقت تبرجا ... على معتلى برج البديع المشيد
وجانستها لفظا ومعنى كما اكتست ... نقى (٣) السيراء (٤) البضة (٥) المتجرد
стр. 1933
وقيدت فيها عزلة لا ينالها ... سوابق فكر السابق المتصيد
واودعتها مما ابتدعت خلاصة ... يبادرها بالمدح ألسن حسد
تمنى العذارى لو تقلدن سمطها ... مكان عقود الزبرج المزبرجد
وزخرفتها في معرض المدح روضة ... لتسقى بوبل من نداه مسرمد
روى أنفا زان الندى صفحاتها ... قلدها أسلاك در منضد
أرت من رياحين الثناء أنيقها ... ومن زهر الأدب ما لم يخضد
هدية من كسرى وقيصر عنده ... من النزر في ذاك المقام المحمدى
تخادع وإن كنت اللبيب لبهرجى ... ولا تنتقد يا سيدى وابن سيدى
يمينا بما أولاك مولاك من علا ... وعز حلى فاتت بنان المعدد
لطابقت وسم الفاطمى وسمته ... فأهلا وسهلا بالإمام المجدد
تهنأ على رغم الحسود وذله ... لذاك الكمال الصرف واسعد وأسعد
وأبجح وأهلك وأملك الأرض كلها ... فأنت ولى العهد واغور وانجد
وشرق وغرب فالبلاد مشوقة ... بما سوف تحبى واشكر الله واحمد
وقوله:
دع العيس والبيداء تذرعها شطحا ... وسمها بحور الآل تسبحها سبحا
ولا ترعها إلا الذميل فطالما ... رعت ناضر القيصوم والشيخ والطلحا
ولا تصغ للناهين فيما نويته ... وخف حيث يخفى الغش من يظهر النصحا
فكن قمرا يفرى (١) الدجا كل ليلة ... ولا تك كالقمرى (٢) يستعذب (٣) الصدحا (٤)
стр. 1934
وقارض (١) هموم النفس بالسير والسرى ... على ثقة بالله في نيلك الربحا
وأم بساط ابن الشريف محمد ... مبيد العدا ذكرا ومبدى الهدى صبحا
فتى يسع الدنيا كما هى صدره ... فأمسى به صدر الديانة مندحا (٢)
ومن هديه ساوى النهار وليله ... فأمسى ينير الخافقين كما أضحى
ومن هو غيث أخضل الأرض روضه ... فلا يظمأ الآوى إليه ولا يضحى (٣)
وليث بحق الله لم يبق رعبه ... عواءً لكلب الترهات (٤) ولا نبحا
هزبر عدا في شرعة الرمح والعدا ... غدوا بقرا يستعمل النحر والذبحا
أمير ملوك الكفر أضحوا لسيفه ... كما تبتغى الذبح في عيدها الأضحى
تزيد على الفاقات فيضات كفه ... فيغرق في التيار من يأمل النضحا
فأى منى لم ترو منها فإن تكن ... فمحرومة أن تبرد الظمأ (٥) البرحا
فلا ترم التشبيه فيه فقد جرى ... مع الظاهر المدنى إلى السكر الملحا
سعى فسعوا للمكرمات فأقصروا ... ولم يرض حتى استكمل الكرم الفحا (٦)
وفلق فيهم بيضة المجد قاسم ... فناولهم قيضا (٧) وناوله المحا (٨)
стр. 1935
فتى يستقل البحر جود بنانه ... على حالة استكثار حاتم الرشحا
مساعيه في الخطيب الجليل يرومه ... كآمال من يرجوه يستصحب النجحا
صفاة كدر البحر صفوا ولجه ... حسابا فمن يأتي على مائه نزحا
وآيات علم أغمد الجهل نورها ... وغايات جد ليس تطلابها مزحا
ورأى يريه اليوم ما في حشا غد ... ويكشف عنه من دجى ليله جنحا
وحزم يهز الراسيات ثباته ... وعزم يحاكى الزند ماضيه (١) قدحا
وكف ترى وكف الحيا كيف ينهمى ... إلى خلق يرى نسيم الصبا النفحا
وبشر محيل علم الصبح ما السنا ... وقبض أرى النار التأجج واللفحا
وتأليفه أشتات كل فضيلة ... ومكرمة غراء تعجزنا شرحا
كفانا اتخاذ الفال في القصد يمنه ... فلسنا نخط الرمل أو نضرب القدحا
مهيب مخوف بطشه تحت حلمه ... عفو يرى إلا عن الباطل الصفحا
فهل كان معزوا إلى الحلم قبله ... نعم أو كريم يدعى عيره سمحا
فأقدم حتى فارق الجبن صافر (٢) ... وجاد إلى أن عاف مادر (٣) الشحا
ولم تذعن الأعداء محض مودة ... إليه ولكن إنما كرهوا القرحا
رأوا ضيغما يعطى الحروب حقوقها ... وإن تضع الأوزار يبرم لها صلحا
стр. 1936
ويستغرق الأوقات في الجد كلها ... ولا يهب التلعاب (١) ما يسع اللمحا
مواصلة حبل الجهاد جياده ... ووقفا على غزو العدا عدوها ضبحا (٢)
معاديه معطى بالحياة منية ... وبالجنة الأخرى وبالسندس المسحا
أيا ابن أمير المؤمنين وسيفه ... وصمصامه أن يرفع الضرب والنطحا
تشابهه خلقا وخلقا فسامه ... إلى الفلك الأعلى فإنك لا تلحا
تهندست العليا فأحرزت جسمها ... لا حرازك النقطات والخط والسطحا
فكم من حديث كان يسند للندى ... ولكنه لولا نوالك ما صحا
فأعطيتنى الأعيان والعين والكسا ... وبيض الظبا والنوق والخيل والطلحا
فلا زلت للإسلام عيدا منغصا ... تنغص حسناه السعانين (٣) والفصحا
أبوك لحكم الشرع ولاك عهده ... فلم تلق كدا للسؤال ولا كدحا
وأعطاكه إذ ليس غيرك أهله ... وللعقل نور ميز الحسن والقبحا
كفى دره فخرا تحليك سمطه ... ومنعكه تلك المعرة والقدحا
فأهدى إليك الدهر بلقيس ملكه ... وأبدى لك الكرسى والعرش والصرحا
وولاك رب العرش ملك بقاعها ... وأصحبك التمكين والنصر والفتحا
إليك بها يا كعبة المجد كاعبا ... من الشعر لا يسطاع أركانها مسحا
إذا شهدت زكى الأعادى حديثها ... وإن أثخنت عنا قلوبهم جرحًا
стр. 1937
أكلفها فرض المحال أداءها ... لشكر ندى لا ينتهى مزنه سحا
فخذها ابنة الحاء التي الحمد مبتدأ ... لها وبها خلاقها كمل المدحا
هذا وأبيك الشعر.
وقول شيخه العلامة خاتمة المحققين سيدى محمد بن أحمد المسناوى حين فتح المترجم حصن السوسى التمنارى من بلاد سوس.
فجر سعدك لاح شمس نهار ... وفخارك ليس فيه ممارى
ومعاليك أنجدت وأغارت ... وتلى آى ذكرها كل قارى
ووفود التهانى نحوك جاءت ... مهديات عرائس الأفكار
ورياح المنى بنصرك هبت ... سائقات له على أقدار
مؤذنات لكم بأسنى فتوح ... وبراعة ذلك التمنارى
طالما رامه سواكم فولى ... آيسا منه بعد طول حصار
وهو يسخر بالجميع ويهزا ... ويدليهم بحبل اغترار
وبدا منه إذ رآك ارتياع ... أظلمت منه سبله في النهار
شام بارق نصركم فتدلى ... وأتى خاضعا بحكم اضطرار
موقنا أن للإله اعتناء ... بكم بشهادة الأبصار
فاهن واسلم وقر عينا بما لم ... يؤته أحد من الأنظار
وتحس أفواق عيش هنى ... واقتطف زهر روضه المعطار
واجرر الذيل في مغانى سعود ... واركبن متن رفعة وفخار
واسق دوح النعيم منك بشكر ... إن سقى الرياض نجح الثمار
стр. 1938
وأدر عنه جوائح الدهر بالصنـ ... ـع الجميل فإنه خير دارى
وأضف شرف الخلال إلى ما ... حزت من شرف الجدود الخيار
واسم بالنفس لاقتفاء هداهم ... إنه المجد لا احتساء عقار
دمت يا كعبة الوفود مطافا ... لبنى الدهر عالى المقدار
وعليك من المحب سلام ... فائح كنوافح الأزهار
ما تجلت بأفق مجد علاكم ... وغدت طرز حلة الأشعار
وقوله أيضًا في الفتح المذكور:
بشراك يا تاج الكرام فقد غدت ... أيام سعدك وهي في إقبال
وغدت رياح النصر تخدم مجدكم ... وتؤمكم في الحل والترحال
وشدت بزاهر روضكم طير الهنا ... بموشحات البشر والأزجال
ورياض أشتات المنى قد أثمرت ... أدواحهن بمبتغى الآمال
واتتك وافدة الفتوح مجيبة ... لنداك طائعة على استعجال
ولطالما اعتاصت على من رامها ... من قبلكم من سائر الأقيال
حتى غدت كالأبلق الفرد الذى ... ضربوا به مثلا من الأمثال
هذا وكم من مطلب أعيا النهى ... قد نلته بسهولة في الحال
فالسعد أنى سرت فهو مقدم ... واليمن صار لكم محط رحال
والنصر مقرون برايتك التي ... تكسو العدو ملابس البلبال
فاشكر لمن أولاك ما يشجى العدا ... ويعيدهم في أسوأ الأحوال
واعرف ومثلك لا يعرف قدر ما ... أوتيته من رفعة وجلال
стр. 1939
واختر لها ما لا يشين جمالها ... من سيرة وشمائل وخلال
فطراز ديباج الخلافة مذهبا ... ومرصعا وأبيك حسن معال
واشرب كئوس الفخر صافية على ... غيظ الحسود ورغم أنف القال
واسحب ذيول العز في روض الهنا ... فالدهر دان لكم أخا إذلال
وأصخ إلى سجع القريض فإنه ... يحدو الكريم إلى اقتناء معال
لا زلت في أوج الخلافة راقيا ... حتى تهنأ فيه باستقلال
وعليك من صافى الوداد تحية ... تغشاك بالبكرات والآصال
ما غردت ورق فهاجت شجو من ... قد صار مثلي نازح الأطلال
وقول شيخه أبى مروان عبد الملك بن محمد التجموعتى قاضى تافيلالت مجيبًا له:
ولولاك ما راجعت عصمة طالق ... ثلاثا ولكنى إلى الله تائب
أبنت بنات الفكر واخترت بعدها ... من العلم ما يروى البراء بن عازب
إلى غير هذا مما يطول، وليس لغايته وصول.
مشيخته: أخذ عن الشيخ محمد بن أحمد بن المسناوى الدلائى المتوفى بعد زوال يوم السبت سادس عشر شوال عام ستة وثلاثين ومائة وألف، وقاضى سجلماسة أبى مروان عبد الملك التجموعتى المتوفى بتافيلالت عام ثمانين ومائة وألف، والمولى عبد السلام القادرى المتوفى صبيحة يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول عام عشرة ومائة وألف، وقدر رمز لوفاته ابن عمه أبو العباس أحمد بن عبد القادري بقوله:
(يشق) على الأقوام موت إمامهم ... كعبد السلام القادرى المبجل
стр. 1940
والرمز المشار إليه في قوله يشق الياء عشرة، والشين ألف، والقاف مائة، والحافظ أبى عبد الله محمد بن أحمد القسمطينى المعروف بالكماد المتوفى عام ستة عشر ومائة وألف، والسيد أحمد بن العربي بن الحاج السلمى المرداسى قاضى فاس الجديد المولود سنة اثنين وأربعين وألف، المتوفى سنة تسع ومائة وألف وأجاز له، وأحمد الولالى وأجاز له أيضًا، وأبى عثمان سعيد العميرى وغيرهم من فحول أئمة عصره.
ونص إجازة الولالى له: حمدًا لمن جعل الاستمساك بأسباب ضروب العلوم وسيلة للمفاز، وبلغ بفتوح الرواية والدراية من تشرق بالتهمم بطلبهما إلى كنه حقيقة المجدون المجاز، طالبا فصولها إلى فصل الخطاب في إدراكها الإطلاق من غير تخيل مانع يكون منه الاحتزاز، وشرف بشرف التأهل بمعانيها، من كشف له الغطاء عن بديع مبانيها، وشرح بدقائق أفكار الحكماء صدر من نطقت بالاستجابة وانكشف عن حانها وحوانها، ونشر أعلام المجد على رأس من انتخب شراب زلال صفيها في زلال عيونها، ومنازل شهودها وعيانها، والصلاة والسلام على أصدق من أخبر عنه الرواة، وأعلم من أسند بتسلسل الأخذ عنه العلماء الهداة، الذى من بحر نوره فاضت العلوم وتخبرت الأخبار، ومن بركة طلعته طلعت أنجم السعود حتى سعد مقتفوه من العارفين الأبرار، سيدنا محمد أجله الله أن يدرك العارفون حقائقه، وحكم على خلقه أن لا يكون كل منهم إلا تابعه لا لاحقه، ولا سابقه، صلى الله عليه وعلى الله وصحابته الذين هم في الإسناد أرفع الأسانيد وهم في الاقتداء أكبر الأساتيذ.
وبعد، فيقول العبد الكثير الذنوب أحمد بن محمد بن يعقوب إن من المنن التي تجب أن تشكر، والمواهب الربانية التي يحق لها أن لا تنسى أبدا على الدوام تذكر، تعاطى العلوم مع من هو أهل لدرايتها، وإيصال متونها لمن هو جدير بحفظها والقيام بروايتها، وإن من أجل من لقيناه في هذا المعنى، وكبر لبيب قام ببنائها على هذا المبنى، العالم العلم، وركن المجادة المستلم، فرع الدولة الهاشمية
стр. 1941
الأنضر وأرفع من يرى من أشراف الأوان وينظر، نجل الخليفة الإمام، وابن السلطان الهمام، مولاى محمد بن مولاى إسماعيل خلد الله تعالى مجد الأصل والفرع، ونصب على كل سرادق عز الأمر والمنع، فقد تعاطينا معه علوما سبعة وهى البديع والبيان والمعانى وأصول الفروع وأصول الدين وقواعد التصوف وعلم المنطق، والجمع عن بلوغ ما فيه ينطق.
أما الثلاث الأول فقرأنا المشتمل عليها وناهيك به وهو تلخيص المفتاح، وأما الأصلان والتصوف فقرأنا عليها كتاب السبكى الذى جمع من ذلك ما كلت عن الإحاطة به المطولات والشراح، وأما المنطق فقرأنا فيه كتاب الشيخ السنوسى وكفى به شرفا فلجريانه في كتب المنطق مجرى الياقوتة المفردة في عقود الملاح، قرأنا تلك الكتب من أولها إلى آخرها حرفا حرفا، قراءة تحقيق المسائل وتدقيق المعانى صنفا صنفا.
فوجدناه أدام الله توفيقه في إدراكها بديع زمانها وفى دراستها والقيام بقياساتها وأدلتها حنيفى رأيها في أوانها، ما عدم تثبتا في مداركها، ولا تتبعا لنهاية حقائقها في مسالكها، بل وسعها بفضل الله تعالى علما، وأحاط بها مدى الدهر فهما، فانشالت به من غير تربص فتلقتها بالوسع بصيرته، وانقاد له صعبها فأخذت بقلادتها سريرته، ثم إن من تواضعه الذى له شيمة في الأصل، وتهممه بمعالى الأمور الذى هو له طبع واستحق به كمال الوصل، أن إشار إلى بالإجازة في تلك العلوم وفى غيرها قضاء بحق الإنصاف، وكان الحق أن يجيز لا أن يجاز، لولا ما فيه من مكارم الأخلاق وشيم الأشراف.
فلم أجد بدا من الامتثال، ولا سبيل فيما أشار إليه من الإهمال، لما ألبسنى هذا التاج، وطوقنى ما لست أهله لما في من الاعوجاج، وبضاعتي من العلم مزجاة، ولكن لابد من إجابة الطالب لما يترجاه، لا سيما إن كان من أهل الفضل
стр. 1942
والشرف والعلم والصلاح والدين والجاه، وممن يحصل منهم في غد النجاء، إذ هو من الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، ولا تزال تزيد مدى الأيام سموا ونماء فامتثال الأمر واجب، وكل واحد في هذا الجناب العظيم راغب، وللتعلق بأذياله طالب.
فقلت مقالة صدق ووفا، لست أهلا لان أجاز فضلا عن أن أجيز لاسيما من حاز في تحقيق العلوم شرفا، أجزت هذا العالم الشهير، الذى يعجز اللسان عن أوصافه المحمودة فلا يمكنه عنها تعبير، إجازة مطلقة عامة فيما قرأته، وعن الأئمة رويته، من العلوم العقلية والنقلية، وسائر العلوم القريبة والنائية، لعلمى أن الفنون كلها صارت تحت ظله، وبلغ والده أمير المؤمنين فيه ما أمله على الشرط المقرر عند أهل الأثر، ورواه غير واحد من أصحاب الخبر، من إخلاص النيات، وتنقية الطويات لمن لا تخفى عليه السرائر، ويعلم سبحانه الباطن والظاهر، وأن يتقى الله في سره ونجواه، ويتوكل في الأمور كلها على مولاه، ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين، قال سيد الخلق أجمعين وأفضل العالمين، من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، وأن يقول لا أدرى حيث يشكل عليه الأمر، ولا تأخذه أبهة العلم ولا نخوة الملك في السر والجهر، فإن العلم مناف لذلك، واتباع السنة المحمدية طريقة المجذوب والسالك، والذى يحيد عنها يوقع نفسه في المهالك، أدام الله عز والدك ونصره، وتوجه بتاج السعادة سره وجهره، وأمدك وإياه بتوفيق مولاه، ورزقك رضاه، والمطلوب منك أن لا تنسانا من دعواتك، في خلواتك وجلواتك، فإن دعاء الغيب مستجاب لاسيما إن كان من أهل الفضل والدين والعلم والشرف من ذوى الألباب. هـ.
مؤلفاته: منها حاشية على التسهيل كما صرح بذلك صاحب درة السلوك.
شعره: من ذلك قوله مرحبا بصديقه الحميم السيد عبد الله بن محمد العلوى الشنجيطى صاحب القصيدتين الطنانتين في مدحه في إحدى قدماته على والده السلطان المولى إسماعيل:
стр. 1943
مكناسة الزيتون فخرا أصبحت ... تزهو وترفل في ملاء أخضر
فرحا بعبد الله نجل محمد ... قاضى القضاة ومن ذؤابة مغفر
وقوله مخاطبا شيخه القسمطينى المذكور أيام خلافته بسوس الأقصى ومتشوقا إلى فاس كما في اقتطاف الأزهار، من حدائق الأفكار، وغيره:
ألا ليت شعرى هل أنزه ناظرى ... وللنفس أقبال بوادى الجواهر
أمتع طرفى في رياض أنيقة ... وأقطف أزهارا بها كالزواهر
بحيث نرى أسد العرين صريعة ... وقد فتكت فيها ظباء المقاصر
وحيث نرى غلب الحدائق سلسلت ... حديثا صحيحا عن نسيم الأزاهر
وقد نسجت كف النسيم عشية ... دروع مياه بين تلك النواعر
وأصبحت الأطيار فوق غصونها ... فصاحا تقص فوق خضر المنابر
سقى الله أدواحا بفاس عهدتها ... تغازل أنواء الغيوث المواطر
ولا برحت عين تراها قريرة ... وإن قذفت بالقلب جمرة حائر
لك الله من إلف بدرعة جسمه ... وقلب بفاس في قدامة طائر
تراوحه الأشواق في كل ليلة ... فما بين مزور هواه وزائر
ولو أنه يعطى على قدر قدره ... لكان له ما بين بسر وباسر
فمن مبلغ عنى رسالة شيق ... إلى عالم الأعلام صدر الأكابر
إلى العالم النحرير والحجة التي ... روى فضلها غير السراة الجماهر
إلى شيخنا الأسمى السمى محمد ... أحملها هوج الرياح العواطر
أحملها مر النسيم تحية ... إلى الماجد الأرضى الكريم العناصر
стр. 1944
وأقطعها الود الصميم وإن نأت ... به الدار عن بحر من العلم زاخر
فلله ما يشكو الفؤاد من النوى ... ولله ما تطوى بطون الدفاتر
إذا ما ذكرت العهد واشتقت للقا ... جعلت فؤادي بين أضلع صابر
فيا دوحة العلم التي عم عرفها ... جميع البرايا بين باد وحاضر
ويا سيدًا حملته كل وارد ... سلامى وقد حملته كل صادر
ويا كوكبا قد حل في أفق الهدى ... فألقى سناه في عيون المئاثر
ألست الذى إن عز في العلم مشكل ... تلقاه فهم منك في زى باتر
ألست الذى ترتاح كل عويصة ... إلى ذهنه من بين ناه وآمر
حنانيك هاض القلب سهم ابن مقلة ... فأدمى فهل تروى حديث ابن جابر
عليك سلام الله ما هاج شيقا ... بريق وما لاح الصباح لناظر
فأجابه شيخه الممدوح بقوله:
خليلى عج بالركب من أمن عامر ... وعرج على كثبان نجد وحاجر
وسل واكفات الدمع فوق محاجرى ... أثار الغضا في القلب أم أُم جابر
إلى أن قال:
ديار بها روحى وروحى وراحتى ... وقلبى وريحان الفؤاد وناظرى
سليل أمير المؤمنين وعلقه ... محمد محمود لسجايا العواطر
إلى أن قال:
ولا عيب فيه غير أنه حازم ... وحامى الذمار ملجأ للقواسر
وعالم أهل البيت فخر سراتهم ... وتاج وسيف الدين عند التشاجر
стр. 1945
وقاعدة التحصيل أنك فاضل ... إمام همام مركز للدوائر
وقد كانت الأيام تجمع شملنا ... فهل عودة للوصل يا خير شاكر
إلى أن قال:
عليك من الرحمن صوب تحية ... مبشرة بالوصل من أم عامر
وقوله مخاطبا لأخيه جدنا مولاى زيدان أيام حروبه معه:
أبلغ الزيدان عنى آية ... بسيوف العدل تشفى ذا الغلل
كم لنا يا ابن العلا من وقعة ... كان منا الفضل فيها لو عدل
حصحص الحق ولاحت شمسه ... وزمان الغى ولى وانخذل
ولواء النصر خفاق ولم ... يبق إلا الجد قولا وعمل
وكتب له أخوه مولاى الشريف صدر كتاب بعثه إليه قول سيف الدولة ابن حمدان يخاطب أخاه الناصر:
رضيت لك العليا وإن كنت أهلها ... وقلت لهم بينى وبين أخى فرق (١)
أما كنت ترضى أن أكون مصليا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
فاقترح المولى محمد على شيخه المسناوى أن يجيبه فقال على لسانه:
بلى قد رضيت أن تكون مصليا ... ويتلو نداكم في العلا من له السبق
وما لى لا أرضى لك المجد كله ... وأنت شقيق النفس إن عرف الحق
ولكن ذوو الضغن انتحوا ذات بيننا ... فغادرهم إفسادهم وبهم رنق (٢)
стр. 1946
نثره: من ذلك ما كتب به لوزير والده اليحمدى الطائر الصيت وقد بلغه أنه بالغ في الثناء عليه لوالده وفند أقاويل وشاته، لفظه: حيا الله تعالى بمنه مقام ركن الدولة الإسماعيلية وسميرها، ومنتقى هاتيك الحضرة السامية ووزيرها، مطلع أنوارها، ومعدن أسرارها. فوالله ما اجتبى لتلك المثابة العالية العلوية حتى كان لها أهلا، وما قرر بذلك البساط المؤيد بالله جهلا، فكم عجمت قبله من عود، فألقته وأبت إليه أن تعود، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، صاحب القلم العالى والقدم الذى رسخت أنامله على هام المعالى، أبى العباس اليحمدى هذا ولا زائد سوى تأكيد ود صفا مشربه، وطاب أعذبه، وعهد برز الصفاء ميثاقه، وشد بحبل الوفاء وثاقه، لا يبلى منه الجديد، ولا يتألم منه الوريد، وإعلامك بأن بعض محبيك كاتبنا بجميع ما قلته فينا، وما صدر منك إلينا من الصنائع والإحسان، فقد أحسنت أبا العباس ولم يتقدم لك منا إحسان، وقمت في نصرتنا مقاما لم يقم معك فيه إنسان، فلا أنسى لك يوم الفقهاء تنويهك بقدرنا، وإعظامك لأمرنا، ومن قبل كنا بحقك جاهلين وعن قدرك ذاهلين.
والآن تبين الحق، وحصحص الصدق، واتضح الصارم من الحسام، والصيب من الجهام، فكم لنا هنالك من خالص وده، ومحفوظ عهده، فما قام أحد منهم مقامك، ولا أرشق سهامك، ولا دافع دفاعك، ولا نازع نزاعك، فسترى إن وسع الله علينا نتيجة تلك المقالات، وثمرة تلك المدافعات، فوالله ما نطلب التوسعة إلا لمكافأة أمثالك، ومجازات أشكالك، فدم على ذلك أدام الله سيادتك، وأبقى بمنه مجادتك، وأبقاك لنا في ذلك المحل ركنا نستند إليه، وعمادا نعتمد عليه. والسلام وفى الخامس والعشرين من شعبان المبارك سنة خمسة ومائة وألف، محمد ابن أمير المؤمنين إسماعيل بن الشريف لطف الله به.
стр. 1947
وفاته: توفى بمكناسة ليلة الأحد خامس عشر وعليه اقتصر الوزير اليحمدى في المجلد الرابع من كناشته، وقيل ثامن عشر ربيع الأول عام ستة عشر ومائة وألف، واإى ذلك أشار بعض الأدباء بقوله:
وقد قضى نحبه سادس عشر ... من شهره ومالك قبل انتشر
من رأسه لفرجه شطرين ... بقدر ما تجود السطرين
والأمر لله العلى وحده ... يذل من شاء ويحمى جنده
وفى منحة الجبار: أنه توفى سادس عشر ربيع الأول سنة ثمان عشرة، قيل دفن بسيدي بوزكرى، والذى ذكره الحافظ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأغزاوى الإبراهيمى أنه مدفون بضريح سيدى عمرو الحصيني، وأن السلطان مولاى عبد الرحمن أوقفه على قبره، وأراه إياه خارج القبة عن يسار الخارج منها.
وقال بعض الأئمة الأعيان: إنه زار السيد عمرو الحصيني، هذا مع بعض أولاد السلطان مولانا سليمان فأوقفه على القبر الذى ذكر مولاى عبد الرحمن وأنه مشهور عند الخاص والعام. هـ.
قال في الدر المنتخب: وهذا هو الذى جزم به الوزير اليحمدى في المجلد الرابع من كناشته وبه ينتفي كل ريب ووهم فإنه أدرى وأوثق وأضبط.
وكان الذى تولى الصلاة عليه بوصية من المترجم -كما أوصى بدفنه بمقبرة عامة المسلمين وأن لا يبنى عليه فنفذت وصيته ﵀ حكاه حسبما صرح بذلك الوزير المذكور في المجلد المذكور- هو القاضى أبو عبد الله، وأبو حامد العربي بن أحمد بردلة المتوفى بفاس يوم الاثنين خامس عشر رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، فنقم عليه بعضهم وأوغر عليه قلب السلطان وقال: إنه يبغضك ولولا شدة بغضه ما سارع إلى الصلاة على عدوك الذى قام عليك، وأراد نزع الملك منك، فكتب السلطان إلى القاضى يهدده ويوبخه فأجابه بما نصه:
стр. 1948
"الحمد لله الجواب: قد ورد تقييد من الجناب العالى أدام الله أيامه، ونصر أعلامه، وسد بهيبته يأجوج الفتن، وأبقاه لإظهار واضح الهدى والسنن، يتضمن ذلك التقييد التقبيح لما صدر من أمر الصلاة الموصى بها واستعظام أمر ذلك: إذ كان بغير إذن من الجناب العالى نصره الله، وأنه في عداد الافتيات، وأقول معتذرا عن نفسى ومجيبا عنها بتقرير ما كان وحكاية ما صدر أن ذلك، لم يكن من غير إذن، وإنما كان بإذن جاءنا من قبل الدار العلية بلغ مبلغ الشهرة وخرج من طريق الشك، وكان أمرا مقررا، وحديثا شائعا مكررا، ثم مع هذا لم أذهب لمحل إلا بقائد يقودنى ومترجم ينسب الأمر إلى الجناب العالى ولم أفعل فعلا صلاة أو غيرها إلا مدفوعا إليها ومجذوبا نحوها وكالمجبور عليها، وإذا كان كذلك فلا لوم من جهة عدم الإذن لأن من تلقى ذلك وسمعه وجاءه الأمر به وكان حاله على ما وصف لا يسمى مفتاتا ولا منزلا منزلته، هذا لو فرض أن لا إذن من الجناب العالي بالكلية.
فالواجب في حقنا والمناسب لحالنا ولسائر رعية مولانا نصره الله، هو القيام بذلك والسعى والمبالغة فيه إجلالا وإعظاما لجناب مولانا نصره الله، وإذا كان المقصود تعظيم جنابه فلا ينصت إلا لما هو من قبيلة، وسالكا على سبيله، لأن ما هو من قبيل الإجلال والتعظيم واجب أن يعامل به ولا يعذر مثلنا في عدم القيام به، وقد قال مولانا علي كرم الله وجهه لما كتب في قضية صلح الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله أهل مكة، فقال المشركون لو علمنا أنك رسول الله ما صددناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال رسول الله ﷺ : والله إنى لرسول الله وابن عبد الله، امح يا علي رسول الله، فقال سيدنا علي: والله لا أمحو رسول الله أبدا تعظيما لجانب النبي وترجيحًا لإجلاله وإعظامه على امتثال أمره، لأن المقام تعارض فيه وجوب امتثال أمره بالمحو ووجوب الإجلال والتعظيم لمقامه، فرجح جانب التعظيم والإجلال، على جانب امتثال الأمر.
стр. 1949
وهذا شاهد جلى لمسألتنا لو فرضنا وقوع النهى وعدم الإذن، مع أنه لم يكن نهى واشتهر بدله الإذن فتعين ما فعلنا من جهة ما سمعنا من الإذن ومن جهة ما هو متعين من الإجلال والتعظيم لمولانا نصره الله، إذ كان من قيم بحقه ممن يمت إليه بل مريب القرابة، ثم من جلى الإذن ما كان منه نصره الله صبيحة وقوع الموت مما كان شائعا وسمعه من حضر، وأسمعونا إياه من أمر مولانا نصره الله له بالقيام بأمر التجهيز والتشييع، وفى الأُبي شارح مسلم أن الحسن البصرى لما ليم على صلاته على الحجاج، قال: كرهت أن أستعظم ذنب الحجاج في جانب عفوه.
وفى الخازن مختصر تفسير البغوى ما نصه على قوله تعالى: ﴿... لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [سورة: المائدة: آية ٣٣] هذا الوعيد في حق الكفار الذين نزلت الآية فيهم، فأما من أجرى حكم الآية على المحاربين من المسلمين فينفى العذاب العظيم عنهم في الآخرة، لأن المسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له، وإن لم يعاقب في الدنيا كان في خطر المشيئة، إن شاء الله عذبه في الآخرة بجنايته ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة. هذا مذهب أهل السنة بحروفه.
وفى كتاب الإيمان من البخارى ما نصه: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهرى، قال: أخبرنى أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت، وكان شهد بدار وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله ﷺ قال، وحوله عصابة من أصحابه: بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم، وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك.
стр. 1950
هذا ما تيسر من الاعتذار، والله يديم عز مولانا ويخلده، ويديم الملك فيه وفى عقبه الأكرمين ويؤيده، والسلام من العربي بن أحمد كان الله له".
٢٤١ - محمد بن الفقيه البركة أبى القاسم عليلش الحضرمى القرشى البكرى الصديقى التيمى .
كذا وصف في عقد عتيق.
حاله: فقيه جليل عالم علامة، دراكة فهامة، متفنن متقن مشارك، حارم ضابط قوال للحق، جامع ما افترق في غيره من المحامد، عدل رضى، تقى نقى، حيى أريحى، خير دين فاضل كامل، موثق ماهر، فرضى عارف، تولى النيابة عن القاضى في الأحكام، واختص بقلم وثائق البياطرة والقوابل النظار بالدويرية بحومة الأسبوع بقبلة المسجد الأعظم محل سكنى شيخنا السيد محمد فتحا بن أحمد السوسى الآن.
وقفت على رسم مشهود له فيه بنحو ما وصفناه به أنه المستحق لما رشح له من المناصب العلية، والوظائف السنية، من جم غفير من أعيان صدور معاصريه من أئمة العلم والدين، وفضلاء العدول المبرزين، يبلغ عدد عدوله ستين وعلمائه أربعين، منهم سعيد بن قاسم العميرى، وأحمد بن ناجى، وعبد الجليل بن عبد السلام القباب، وأحمد بن محمد دادوش، ومحمد الشطيبى الزروالى، ومحمد بن أحمد بن سودة، ومحمد بن أحمد الكوهن، ومحمد بن محمد الحلفاوى، ومحمد بن الحسن بن إدريس الغمارى، ومحمد بن عبد الرحمن الحريشى، والكبير بن محمد حجيج، ومحمد بن الحاج بن إبراهيم وذلك بتاريخ ثمانية عشر ومائة وألف.
стр. 1951
٢٤٢ - محمد بن أبى مدين بن الحسين بن إبراهيم السوسى المنبهى .
الزيادى الأصل المكناسى الدار والإقبار، قاضيها بل قاضى القضاة بالمغرب أبو عبد الله شهر بأبى مدين.
حاله: محدث متفنن ناظم ناثر نحرير الزمان، ونخبة الأعيان، علامة جليل إمام في المعقول والمنقول، وعلم الأبدان والأديان، مرجوع إليه في النوازل والفتيا والأحكام، موثق بارع، موثوق بفتواه وحكمه، ملحوظ بعين الإجلال والاعتبار بين معاصريه لفضله ومتانة دينه، مقتدر على الترسيل، فصيح بليغ سيال القلم، خطيب مصقع بل أخطب أهل زمانه.
ومن براعته أنه خطب بسيدنا الجد السلطان مولانا إسماعيل في موسم عيد اجتمع فيه جمع عظيم وجم غفير من أعيان المغرب وسراة وجوهه، ولما تعرض لذكر السلطان في الخطبة الثانية على العادة المعروفة ورى باسمه فقال: لو رآه والده الجليل، في هذا الجمع الحفيل، لقال: الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل، فأعجب به وخلع عليه وهو من جيد التورية التي يقل من يهتدى لها في مثل هذا.
وفى أواسط شوال عام ثمانية وثمانين وألف أخر عن القضاء وولى مكانه أحمد بن سعيد المجيلدى، ثم أعيد بعد لخطبته، فقد وقفت على عدة خطابات له بعد التأخير وتسجيلات من ذلك رسم مسجل عليه بتاريخ أواخر جمادى الأولى عام ستة عشر ومائة وألف محلى فيه بما لفظه: الفقيه الأجل، العالم العلامة الأكمل، المدرس البركة الحافظ الحجة الخطيب البليغ المحدث الراوية قاضى الجماعة بمكناس ومفتى الأنام بها.
стр. 1952
مشيخته: منهم أبو على الحسن اليوسى وهو عمدته وغيره من فحول عصره.
الآخذون عنه: منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الواحد بصرى، أخذ عنه شرحه على المسلم، وقرأ عليه مختصر السنوسى والمحلى والسعد وغير ذلك، وابن عاشر الحافى السلوى حضر مجلسه في صحيح البخارى، وأبو نصر عبد الوهاب العرائشى، وأبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بصرى.
مؤلفاته: له شرح على منظومة الأخضرى في المنطق المعنونة بالسلم المرونق، أبدع وأودع فيه من التحقيق الدال على مهارته الكاملة ما شاء. قال في منحة الجبار: وله في الأصلين معا أبحاث وتحقيقات، وفوائد وتدقيقات، وله الخطيب التي لم يسبق بمثلها، التي يقف فحول الأدباء عند حدها.
نظمه: من ذلك قوله مداعبا لرجل يدعى سينو من أهل تطوان كما بكناشة العلامة الأقعد أديب الثغر الرباطى السيد محمد بن التهامي بن عمرو:
تبارك الملك تحمينا وياسين ... من شر ما نتقيه منك يا (سين)
بالأمس يشكوك إسحاق وجيرته ... واليوم بها هى تشكوك المواسين
تألف اسمك من ضدين وانتقضا ... نعم لا وهو بمعنى قولنا (سى) (١) (نو)
نثره: من ذلك ما كتب به للسلطان المظفر سيدنا الجد مولانا إسماعيل: "مولانا الذى لألأت الأكوان غرر شيمه الطاهرة ومفاخره، وملأت الأذان والأذهان درر خيمه البهية الباهرة ومآثره، واستطال نجاد الدين بملازمة حضه على إقامة
стр. 1953
منائره الرائقة ومنابره، ظل الآنام، وكهف الإسلام، ملاذ الخاص والعام، مقيم فخر أمة جده ﵊، أبقى الله مجد بيته العتيق، تأوى إليه الأعيان خاضعة من كل فج عميق.
السلام التام، على شريف البساط وعلى المقام، والرحمة والبركة ما أدار رائد فلكه، وأنام ثاقب فلكه، هذا وليعلم مولانا، المقيم لشعائر الشرائع المحمدية قواعد وأركانا، أن مملوك نعمك، وغريق بحر جودك وكرمك، قد والله ملئت أردان قلبه شوقًا، وجرت به أفراس التشوق إلى مشاهدة الطلعة العلية طلقا، فلا والذي بعث جدك بالحق، وأقامك مقامه في إقامة الشرائع وسياسة الخلق، ما قطعت بك الصافنات الجياد سبسبا أو وهادا، إلا وسوابق الأرواح بين يدي جحافل مولانا تتهادى، ولا نفحت قواصف أو لمحت هواجر، إلا والعيون من فرط الإشفاق، من معاناة مولانا المشاق الشواق، للذيذ كراها هواجر.
لكن إذا ارتاد المشفق فكره، وبصر بأن الله سبحانه قد ضاعف لخلفاء العدل مثوبته وأجره، حيث جعل سبحانه هاطل المنافع والمصالح من عنان عدلهم يسح وابله وطله، وناهيك بما أتحفهم من مطارف المجازات إذ جعلهم أشرف الأصناف السبعة الذين يظلهم بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فعند ذلك تعم بالحبيب باله، واضمحل لاعج الإشفاق وبلباله، وانقشعت مزن الأتراح والمواجد، وأفترت بواسم الأفراخ حتى أبدت النواجذ.
ويكفى في الباب، قول صفوة الأنبياء ولباب اللباب: لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عبادة العابد في بيته مائة سنة كما في حديث أبى هريرة، ولا غرو كما قال الأئمة في أن الأجور باعتبار المشاق، ومقاساة الأمور الشواق، ولذلك كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أزكى الناس مناصب، وأعلاهم مراتب، وقد استحثتني بواعث اشتياقى، واستنجدتنى للقدوم عزائم
стр. 1954
أشواقى، حتى أشاهد أنوار هاتيك الأخلاق الزكية، وأنتشق من أزهارها الذكية، فأشير على من مملوك مولانا بما حاصله أن تقدم الاستئذان على الوفادة، من أجل ما يتحلى به أدب المرء من السنن المستفادة.
ثم مع ذلك فالجوارح ناطقة بشكر ما لمولانا من جزيل الأيادى، والجوانح معترفة بعظيم نعمه التي عمت الحواضر والبوادى، والرعية معتكفة على حب أميرها، لاهجة بجميل الذكر على لسان صغيرها وكبيرها، والخصب ببركة مولانا قد أغنى وأقنى رفده، وجاد على الأعجم والناطق بما ملكت يده.
وهذه الحضرة المشرفة بعناية مولانا إذ جعلها من ذماره، واصطفاها لقربه وجواره، وشنفها من بديع الفراديس ورفيع القباب، ما لو رآه الإسكندر الأكبر لاعترف بأنه العجب العجاب، قد حليت من المحاسن بمنتهاها، أسعدها الإسعاف بنيل أرفع مشتهاها، والعلوم قد تدفقت بها أنهارها، وتفتقت على أوج التحصيل أزهارها، والأكف مرتفعة لمولانا بصالح الأدعية، والألسنة معربة بما لمولانا من عظيم الحق في المجالس والأندية، إذ هو حفظه الله رفع للعلم مناره، وبوأه قراره، وأحيا معالمه الدواثر، وألزم نصره الله نشر ما حوته الدفاتر، فله المنة بدءا وعودا وجميل الثناء والشكر على ما أولى وأسدى".
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون زوال يوم الجمعة ثامن أو سابع شوال عام عشرين ومائة وألف عن أربع وثمانين فيم قيل، ودفن عند العصر بضريح ولى الله المولى عبد الله بن حمد خارج باب البرادعيين أحد أبواب المدينة، وقبره هناك مشهور.
٢٤٣ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد فتحا .
الفاسى لقبا، الشاوى المعزاوى أصلا، المكناسى نشأة ودارا وقرارا.
стр. 1955
حاله: ميقاتى فاضل معدل، حيسوبى ماهر، انتهت إليه رياسة التوقيت والتعديل وما يتعلق بذلك في زمانه، مع سمت حسن، ودين متين، فقيه أديب، لبيب زكى ذكى، كاتب بارع، ذو أخلاق مرضية، وأفعال سنية سنية، نزيه وجيه حيى أريحى مهذب، له اليد الطولى في الإنشاء والترسيل بديع الخط، رحل لفاس. ولازم فطاحل جلة أعلام مشايخها حتى فتحت له النجابة بابها وأدخلته المهارة حجابها، فرجع لمسقط رأسه مملوء الجراب آية في الفهم والإدراك لا يجارى ولا يبارى، فتولى رياسة التوقيت بالمسجد الأعظم بالحضرة المكناسية قبل وفاة والده إمام الفن المرجوع إليه فيه على عهد سيدنا الجد السلطان مولانا إسماعيل قدس الله روحه، وكانت توليته الوظيف المذكور عام ثمانية وعشرين ومائة وألف، وكان السلطان المذكور يجله ويبجله، وقفت على ظهير بإسناد الوظيف المذكور إليه ودونك نصه:
"الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، عن أمر عبد الله المتوكل على الله، المفوض جميع أمره إلى مولاه أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، الشريف الحسنى إسماعيل بن الشريف الحسنى الله وليه أيد الله بعزيز نصره أوامره، وظفر جنوده وعساكره، وخلد في الصالحات مآثره.
يستقر بعون الله تعالى هذا الظهير المبارك بيد حامله المتمسك بالله ثم به الفقيه الوجيه، المعزاوى النزيه، الموقت المعدل السيد محمد بن عبد الرحمن الفاسى لقبا المكناسى دارا الشاوى أصلا، يتعرف منه أننا حيث ثبت لدينا بتعريف من وثقنا بتعريفه الإمامة والعدالة والمعرفة والتوقيت وأحكامه وآلاته، وليناه خطة التوقيت بالمستودع من الجامع الكبير من حضرتنا العالية بالله، ومباشرة آلة التوقيت ليلا ونهارا، مواظبا على ذلك، ملازما لمحله وشغله منقطعا إليه دون معارض له ولا
стр. 1956
منازع وأذنا له في قبض ما هو حبس على التوقيت بالمحل المذكور من الرباع وبلاد الحرث وغير ذلك.
وكذلك أذنا له ووليناه الأذان في الصومعة وإقامة الصلاة ورواية الحديث الكريم على الكرسى يوم الجمعة موقرا محترما في جميع أحواله، وكذلك وقرنا والده الخير الدين السيد عبد الرحمن المذكور وأولاده العربى ومحمد توقيرا تاما لانتسابهم لهذا الوظيف الدينى وخدمة بيت الله الذى هو أشرف البيوت وأرفعها، والواقف على هذا المسطور الكريم يعمل به ولابد والسلام، وكتب في التاسع والعشرين من ذى الحجة الحرام مكمل ثمانية وعشرين ومائة وألف".
فانظر اعتناء واعتبار أسلافنا المتقين، لإقامة شعائر الدين، واحتياطهم جهدهم وطاقتهم في انتخاب من يرشحونه للقيام بذلك وبسطهم يد التصرف في الأوقاف المعينة لذلك الوظيف وقوفا مع ألفاظ المحبس التي يجب اتباعها شرعا وتحرم مخالفتها لتنزيله منزلة ألفاظ الشارع.
مشيخته: أخذ عن سيدى محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسى، وسيدى العربي بن عبد السلام بن إبراهيم الدكالى وسيدى محمد بن أحمد بن الحاج وسيدى العربي بن عبد السلام الفاسى، والسيد عبد الواحد بن محمد بن هارون، أجازه عامة في الفنون التوقيتية والتعديلية وما ينضم إليها الأول والرابع والخامس، وشهد له بالمهارة والاستحقاق غيرهم.
ودونك نصوص ما كتبوه له على الترتيب ومن خطوطهم نقلت، كما ذلك إثر تقريره الإجازة منهم وسيمر بك بحول الله:
الحمد لله، ما قاله الشاب الأرضى الأزكى الأحظى، الفقيه الأديب الفاهم اللبيب، أبو عبد الله المذكور صحيح وقد أجزته في ذلك وغيره من التآليف
стр. 1957
التوقيتية والآلات الفلكية، والله سبحانه يوفقنا وإياه، لما يحبه ويرضاه، بمنه وكرمه، نسأل من المجار المذكور ألا ينسانى من صالح دعائه.
وكتب عبيد الله وخديم أوليائه، محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسى الكنانى غفر الله له وستر عيبه صح في التاريخ أعلاه. هـ.
الحمد لله الذى جعل في السماء بروجا وجعل الشمس سراجا والقمر نورا، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وفرض فيها للدين أوقاتا شرعية رحمة منه وبرورا، ونصب لمعرفتها دلائل أشرقت بيانا وظهورا، والصلاة والسلام على مولانا محمد المنتقى للرسالة قبل أن يكون آدم خلقا مذكورا، المبعوث لإقامة دين الحق فكان به مؤيدا منصورا، والرضى عن أصحابه الذين كان سعيهم مشكورا.
هذا وقد وقفت على ما سطره أعلاه الفقيه الأجل، العالم الأفضل، المعظم المبجل الأحفل، شيخ العلوم العقلية والنقلية، والمتفنن في حقائق ودقائق صوفية وشرعية وحكمية، وفرع دوحة تدلت بالعلم أفنانها، وفرع شجرة أظلت الكرام أغصانها، وبيت كرع الأعلام من مناهله، واغترفوا من سيب تياره ونائله.
شيخنا أبو عبد الله سيدى محمد بن شيخنا الإمام، الأوحد الهمام، البحر الذى طما تياره، واستوى في البلاغة نظامه ونثاره، محلى أجياد المعانى بمنتقى جواهره، ومورق أفنان البلاغة بمونق أزهاره، الذى درس العلوم وألفها، وقرط المسامع بحلى فوائده وشنفها، ونظم درر الفصاحة في أسلاكها، وضم درارى الأدب في أفلاكها، وحاك ديباج البراءة وفوف، وقوم أود البيان وثقف، أبو زيد سيدنا ومولانا عبد الرحمن نجل الفضلاء الأعلام، أئمة الهدى ومصابيح الظلام، السادات الفاسيون دارا لقبا، الكنانيون أصلا ومنتسبا، أفاض الله تعالى علينا من بركتهم، وحشرنا في زمرتهم آمين.
стр. 1958
من إجازته للشاب الفقيه النبيه الأزكى الأحظى الموقت الأديب الزكى المرتضى سيدى محمد بن الفقيه المؤقت العفيف النزيه الخير ذى الأخلاق الزكية، والأحوال المرضية، سيدى عبد الرحمن الفاسى لقبا المكناسى دارا وقرارا في التآليف التوقيتية والآلات الفلكية، فإنه لجدير بأن يجار في ذلك، وأحق بأن يؤذن له في سلوك تلك المسالك، لحذاقته ونبله، وقوة إدراكه، وصفاء مرآة ذهنه وعقله، وولوعه بحصول هذا الفن وتحصيله وعكوفه على طلبه بكرة الزمان وأصيله.
وأخذه عن ذويه وخصوصا ما أحرز وحازه عن الشيخ العارف أعلاه فإنه القدوة في ذلك المشهور، وعلم الفلك في هذا العصر عليه مقصور، وهو قطبه الذى عليه يدور، فقد صادفت إجازته صوب الصواب، وكشفت عن وجوه الحق اللئام والنقاب، سيما وهو قد انتصب بالفعل لمباشرة الأوقات، بالحساب والآلات، ومارس أدوارها الفلكية بالأدراج والساعات، وظهرت في ذلك نجابته، وتحققت فيه موافقته للصواب وإصابته، وصدق فيه مقاله، وصح فيه حسابه وأعماله، في ليله ويومه، وصحوه وغيمه، منذ مدة مديدة وأزمان، وليس الخبر كالعيان، والله تعالى يوفقه ويمده بمدده، ويعينه على ما هو بصدده، وكتب الفقير إلى رحمة مولاه الكريم محمد العربي بن عبد السلام بن إبراهيم الدكالى كان الله له وليا وبه حفيا آمين. انتهى.
الحمد لله المجاز المذكور، بما هو مكتتب ومسطور، أولا وآخرا حرى بحلاه، وما نظم ورقم أعلاه، إلى ما جمعه من لآلئ ويواقيت، وصار به فذا في المواقيت، نشأة سنية، وسيرة سنية، والله ﷻ ينفعنا وإياه، ويديم رقيه وبغياه، وكتب طالبا دعاءه، وملبيا نداءه، ومتلمسا من مولاه ذى الطول، يوم الحر والهول، ظله ورداءه، محمد بن أحمد بن الحاج وفقه الله بجاه رسول الله ﷺ وعلى آله وذريته الأكرمين. انتهى.
стр. 1959
الحمد لله وكاتبه الواضع اسمه عقب تاريخه أحق بإجازة المجاز أعلاه، لمهارته في فن التوقيت وغيره، ولا أعلم أن في بلاده أفضل منه في فنه، ولا في بلادنا هذا، وكتب عبيد الله تعالى العربي بن عبد السلام الفاسى، كان الله له وليا ونصيرا بمنه. انتهى.
الحمد لله ما كتبه شيخنا الإمام، الأوحد الهمام، أدام الله الانتفاع به آمين، من إجازته للفقيه الأديب، العدل النجيب، أبى عبد الله بن الماجد الأنجد، العدل الأرضى الأسعد، سيدى عبد الرحمن الفاسى المذكور أعلاه، هو كما قال وهو عين الحق والصواب، لأن المجاز وفقه الله وأسعده ممن له في ميدان التحقيق والدراية جريان، فلا مرية أنه أهل لذلك أدام الله توفيقه، وله اليد الطولى والحمد لله في فن الحساب والتوقيت وسائر تعلقاته الفلكية، وآلاته الشعاعية، وله علم ومعرفة بفن التعديل، وقد أجزناه في ذلك كله كما أجازه شيخنا المذكور ونسأله أن لا ينسانا من دعائه الصالح، وكتب عبيد الله تعالى العياشي بن إبراهيم الخلطى الزرهونى وفقه الله بمنه آمين. انتهى
الحمد لله المجاز المذكور أعلاه، الموصوف بما واصفه به قد حلاه، وهو الفقيه النجيب، الفاضل اللبيب، أبو عبد الله سيدى محمد بن الفقيه النبيه، المرابط النزيه، أبى زيد سيدى عبد الرحمن الفاسى حقيق والحمد لله بالإجازة، لما قام به من التحقيق في علم المواقيت وحازه، وقد أجزته لما سبق له من القراءة من كتب الفن، وإن كنت لست ممن سلك تلك المسالك، كما أجازه شيخنا الإمام، الأوحد الهمام، سيدنا وسندنا أبو عبد الله سيدى محمد بن شيخنا العلامة المشارك الدراكة إمام عصره، وعلامة دهره، أبى زيد سيدى عبد الرحمن الفاسى والله يوفقنا وإياه، لما فيه رضاه، بجاه نبينا ومولانا محمد وآله، وفى الحادى والعشرين من ربيع النبوى، عام ثلاثة وعشرين ومائة وألف.
стр. 1960
وكتب عبيد ربه المعترف بذنبه الراجى عفو ربه عبد الواحد بن محمد بن هارون. انتهى.
نثره: من ذلك تقرير إجارة لفظها بعد البسملة والصلاة:
الحمد لله الذى رفع بعلم ما أودع من أسرار، ونفع بما نزع من قلوب المعتدين الأشرار، وأمتع لمن برع بما كشف عنه لأهله الأستار، فصاع بما أبدع مما لا تدركه العقول والأفكار، ورصع بما جمع القلوب بالسبر والمسبار، نحمده سبحانه على ما أبرز من نعمه وحجز من إثمه، وتجاوز عمن طلب الإجازة عن ذنوبه واجتزم من ظلمه، وأنعم على من أكرم بحسن الإنعام، فوفقهم لتعديل الأحكام ففازوا بالحياة والمكاسب، وحازوا بعد الانتقال حسن العواقب، فطوبى لمن صدق برسله ووعده، وتبا لمن عبد الشيطان وحكم بنده، فذلك الذى ضيع دنياه، وفاته مناه ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من أخلص عبادته وعلمه، ووحده في ملكه وشهد بأن الملوك خدمة، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذى أرسله بالهدى فيسر منهجه القويم بالموافق، وأصلح بيسارته الإصلاح الفائق، ﷺ وعلى آله وصحبه الشموس المضيئة مع الأقمار، كل بنوبته في روضة الأزهار، الذين تبعوا سنة المختار في الإقبال والإدبار، ففازوا بالأصل الحقيقى والمعدل، وبعد قطرهم عن الميل الثانى والميل الأول، وفضلوا بارتفاع البصر، في أبد الدهر، وحسن النعت، بتعديل السمت، على أن سمت الارتفاع، ظله باع، ومطالع الاستوا، في أفقها استوى، فلله من طالع قوى، ولله من غارب ارتفع صاحبه فكأنه ليس في المغرب ولا هوى، فهناك تود أن المواهب عندها تكمل، وتتلألأ المراتب أبهى من الشموس في الحمل.
هذا وإن للعلم ذروة يتبوأها كل ذى حجا، وهمة يتفيأ ظلالها المتفيئ في النهار وفى الدجى، وإن لذويه لخصيصة راسخة، ومراتب سنية غير رازخة، تأهل
стр. 1961
السير إليها حتى لجا، وقد سنى الله لنا زمنا امتن فيه بالمنة التي يجب شكرها أبدا، ويستمر على مر الزمان وحقائب المدى، أن تيسر لى ما جنح إليه البال، وسنح بحسب الحال منه المئال، الذي بحضرة شيخنا الذى افتقرت الكواكب في موضع معرفتها إليه، وتنورت منيراتها قبس يديه، فأصبحت تطيب منه النفوس، وقيل أن لا عطر بعد عروس، فهو محتد الفضائل والهدى، وَمَعَشُّ الاهتدا (١) يبدر وإن بدا. الهمام المتفنن، والجهبذ المتقن، العلامة الدراكة البركة المشارك الفهامة النحرير، أبى عبد الله سيدى محمد بن الإمام الأكبر، العلامة الأشهر، شيخ المعقول والمنقول، الذى له اليد الطولى في الفروع والأصول، أعجوبة الدهر، ونادرة العصر، أبى زيد سيدى عبد الرحمن نجل الشيخ الإمام، القدوة العارف الهمام، شيخ الجماعة أبى محمد سيدى عبد القادر بن على الفاسى خلد الله مناقب آبائه الحميدة، وأدار فلكه في سمائه السعيدة، فهو الجامع لما تفرق من مهم المهم، والمفرق لما تجمع من أباطيل الجهل الملم، فلله دره جمعا للعلم والفضائل، وتفريقا للجهل ومنكرات الأباطل.
فكم خصلة افترقت في غيره فجمعت عنده، وكم فضلة افتضلها رشحت واردها لما يكفى عن عدة، فمن ثمالته منهل المعاصر، ومن ذبالته ينبلج سنا العلم في المفاكر والمناظر، فإذا شرقت علينا بمشارقه العجيبة، ومفارقه الغريبة الرحيبة، كانت قراءته بغية الطلاب للإمام العلامة أبى عبد الله الحباك أروى فيها بمنهله المدرار وبمناجاته السقرطية ومفاكهته العبقرية يروق المنصف النحرير، ويعنى بها الألهوب (٢) والسفسير، بجمع من الشروح، وزيادة وضوح فوضوح، ثم كتاب السيارة، فما آربه أحباره، ورسالتى الربع المجيب والكامل، إلى غير ذلك من المسائل، مما تناولته حين الاقراء إلى هلم جرا.
стр. 1962
وأجازنى في ذلك مما قرأته بلفظى أو لفظ غيرى، وكل ما أورد من المسائل حين القراءة وما عرض الآن أو سوف يعرض لى منه وراءه حسب بها أخذ ذلك عن شيخه والده المذكور، المقدس المبرور، رضى الله عنهم أجمعين، ووفقنا لما يحبه ويرضاه ببركة الصالحين، وعلمنا علما ينفعنا في الدارين، وجعل تعلمنا لوجهه الكريم، ومقربا منه وموجبا للفوز بدار النعيم.
وكتب العبد الفقير لمولاه، الغنى عما سواه، محمد بن عبد الرحمن بن محمد الفاسى لقبا المكناسى دارا ومنشأ وقرارا، الشاوى نسبا، ثم المعزاوى من أولاد عمارة أحد أولاد سيدى يشو بن حمدون بتاريخ أواسط ربيع النبوى الشريف عام ثلاثة وعشرين ومائة وألف.
الآخذون عنه: منهم ولده عبد القادر آتى الترجمة.
وفاته: توفى شهيدا تحت الردم بالزلزلة في صفر عام تسعة وستين ومائة وألف.
٢٤٤ - محمد أبو عبد لله بن محمد العكارى الرباطى .
حاله: فقيه علامة صوفى صالح متبرك به، انتقاه سيدنا الجد الأكبر السلطان الأعظم مولانا إسماعيل إماما للصلاة به بمسجده الأعظم داخل قشه المولوية وخطيبا به حسبما أفصح بذلك ابن أخيه أبو الحسن على العكارى فيما قرأته بخطه، وقد ألف في مناقبه حفيده أبو الحسن على بن محمد تأليفا حسنا سماه البدور الضاوية، في ذكر الشيخ وأصحابه وتلامذته وبناء الزاوية، قال في حقه ما نصه: كان الشيخ ذا مكاشفات ظاهرة، وكان يقرأ القرآن برواية السبع ويجوده ويتقنه غاية الإتقان وكان مشاركا في فنون من العلم كالقراءات والبيان والهندسة والفقه والنحو والتصوف والتوقيت والبديع والحساب والكلام والحديث والتفسير، ويتقن ضبط ذلك، ويحسن المشاركة في غير ما ذكر، دءوبا على نشر العلم، ناسكا ورعًا
стр. 1963
زاهدًا، حافظا دراكة، متوسعا في علم التفسير ومعانى الأحاديث، قائما بالطريقة لا يخل بعلم الظاهر تدريسا، وألف تأليف عديدة تقييدا وضبطا، فنفع الله به جميع العدوتين سلا ورباط الفتح، وانتفع به الخلق من كل فج عميق بالتعليم والتربية للمريدين بقوله وفعله.
وكان له همة عالية وحالة مرضية، وقلم فصيح مع التمكين والرسوخ، إذا تكلم انتقش كلامه في القلب، وإذا وعظ وضع الهناء موضع التعب، قدم من مراكش إلى سلا، واستوطنها وتعرف بأهلها واجتمع عليه أعيان البلاد، وطلبوا منه التدريس بجامعها الأعظم فامتثل وحضر درسه جماعة من أعيان علماء سلا ثم زاره الأمير العلامة الكبير مولاى عبد الواحد نجل السلطان مولانا إسماعيل، كان مستوطنا رباط الفتح بقصد قراءة العلم، واستدعى المترجم للرباط فلبى دعوته فأنزله بداره، ودرس بالولى الصالح أبى العباس أحمد بن موسى العايدى، وكان يحضر درسه علماء الرباط.
ثم ورد السلطان الأعظم مولانا إسماعيل على رابط الفتح، ولما التقى به نجله المولى عبد الواحد المذكور حدثه بحال الشيخ المترجم ومناقبه وفضائله ومحاسنه، فقال له: لابد لى أن التقى معه في هذا اليوم وأخذ عنه الطريقة الشاذلية تبركا فركب السلطان وولده فوجدوا المترجم بالجامع الأعظم يسرد صحيح الإمام البخارى، وكان السارد لديه الفقيه العلامة القاضى سيدى عبد الله بنانى الأندلسى.
ولما دخل السلطان صلى تحية المسجد، وجلس لاستماع الحديث والشيخ لم ينظر إليه، ولما تم الدرس نظر الشيخ إلى القاضى وقال له عظنى يا ولى الله، وتذاكروا ساعة زمانية وافترقوا، ولما رجع الشيخ إلى دار سكناه ألفي بها مالا كثيرا وجه إليه به السلطان مولاى إسماعيل هدية، فلما وجد الشيخ ذلك وجه على تلميذه الفقيه الزبدى، وقال له: خذا هذا المال وافعل به ما شئت، فتشاور مع
стр. 1964
المريدين، فقالوا له: اشتر له دارا كبيرة تكون حذاء هذه الدار التي نجتمع فيها فاشتروا له بحومة السويقة بدرب البروزى تعرف بدار الفقيه البروزى.
ولما أراد السلطان النهوض من الرباط وجه على الشيخ المترجم، وقال له: يا شيخ تقدم معنا إلى سجلماسة لتصل الرحم، ويتبرك بك أنجالى، وتؤم بنا صلاة الخمس، وتختم معنا صحيح البخارى، فإن معنا الفقهاء من فاس فإنهم أرادوا الاجتماع بك، والأخذ عنك. فقال الشيخ للسلطان: يذهب معنا خمسة من فقهاء سلا ومثلهم من الرباط فإنهم يليقون بنا وبك، ويكون الجمع مباركا سعيدا، فأجابه السلطان لذلك، ونفذ له ولهم صلة لعيالهم وصلة لمؤن سفرهم.
مشيخته: أخذ عن والده وغيره.
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو عبد الله محمد البيجرى المكناسى حسبما صرح بذلك ولده لابن أخى المترجم أبى الحسن على فيما قرأته بخطه، إذ قال: لما عرفنى يعنى البيجرى قال لى: إنكم ساداتنا، فقلت له: بل نحن إخوة لظنى أنه قاله تأدبًا، فقال لى: أنتم سادتنا حقيقة، وذكر لى أن والده من تلامذة الشيخين الجد والعم قدس الله روحهما.
وممن أخذ عنه العلامة الشيخ زنيبر السلوى، وأبو محمد عبد الله حجى، وأبو الحسن على بوشعرا، وأبو القاسم بن الحسين الغريسى، والسيد المكي الحافى وسيدى مسعود جموع، وأبو العباس أحمد حجى، وأبو عبد الله محمد الصبيحى، وأبو محمد عبد الواحد نجل السلطان مولاى إسماعيل، وسيدى المعطى مرينو، وأخوه أبو عبد الله محمد مرينو، وأبو عبد الله محمد بن الطاهر الزبيدى، وأبو العباس أحمد بن عبد الله الغربى، والقاضى أبو محمد عبد الله بنانى، وأبو عبد الله محمد بن اليسع الفلالى، وأبو العباس أحمد عاشور، وأبو محمد التهامى
стр. 1965
ابن عمرو، وأبو يعزى المسطاسى، وجل هؤلاء قضاة وغير من ذكر ممن لا يعد كثرة.
وفاته: توفى كما بكناشة اليحمدى سنة اثنين وتسعين وألف.
٢٤٥ - محمد بن العربى الغمارى .
حاله: فقيه علامة أصل، جهبذ أوحد نبيل، حلى بحجة الإسلام، البركة الهمام.
وفاته: توفى ضحوة يوم الأحد الثانى من ربيع الثانى عام تسعة وعشرين ومائة وألف حسبما وقفت على ذلك منقوشا برخامة ضريحه، ودفن بروضة المولى عبد الله بن حمد.
٢٤٦ - محمد فتحا الحاج بن عبد القادر التستاوتى .
صنو أبى العباس المترجم فيما مر من الأحمدين.
حاله: شيخ فاضل متبرك به.
وفاته: توفى في المحرم فاتح سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ذكره أبو العباس الحافى في بعض مقيداته في الوفيات.
٢٤٧ - محمد بن العلامة أبى عبد الله محمد بن الإمام المتقن أبي زيد عبد الرحمن بصرى الولهاصي .
حاله: علامة نظار، نحرير نقاد مشارك مطلع متضلع، إمام في صناعة التدريس وحسن الإلقاء، ماهر نفاع، أحد أعلام الدولة الإسماعيلية وجهابذتها النقاد.
مشيخته: أخذ عن العلامة أبى الحسن على بن عبد الرحمن بن عبود آتى