السير إليها حتى لجا، وقد سنى الله لنا زمنا امتن فيه بالمنة التي يجب شكرها أبدا، ويستمر على مر الزمان وحقائب المدى، أن تيسر لى ما جنح إليه البال، وسنح بحسب الحال منه المئال، الذي بحضرة شيخنا الذى افتقرت الكواكب في موضع معرفتها إليه، وتنورت منيراتها قبس يديه، فأصبحت تطيب منه النفوس، وقيل أن لا عطر بعد عروس، فهو محتد الفضائل والهدى، وَمَعَشُّ الاهتدا (١) يبدر وإن بدا. الهمام المتفنن، والجهبذ المتقن، العلامة الدراكة البركة المشارك الفهامة النحرير، أبى عبد الله سيدى محمد بن الإمام الأكبر، العلامة الأشهر، شيخ المعقول والمنقول، الذى له اليد الطولى في الفروع والأصول، أعجوبة الدهر، ونادرة العصر، أبى زيد سيدى عبد الرحمن نجل الشيخ الإمام، القدوة العارف الهمام، شيخ الجماعة أبى محمد سيدى عبد القادر بن على الفاسى خلد الله مناقب آبائه الحميدة، وأدار فلكه في سمائه السعيدة، فهو الجامع لما تفرق من مهم المهم، والمفرق لما تجمع من أباطيل الجهل الملم، فلله دره جمعا للعلم والفضائل، وتفريقا للجهل ومنكرات الأباطل.
فكم خصلة افترقت في غيره فجمعت عنده، وكم فضلة افتضلها رشحت واردها لما يكفى عن عدة، فمن ثمالته منهل المعاصر، ومن ذبالته ينبلج سنا العلم في المفاكر والمناظر، فإذا شرقت علينا بمشارقه العجيبة، ومفارقه الغريبة الرحيبة، كانت قراءته بغية الطلاب للإمام العلامة أبى عبد الله الحباك أروى فيها بمنهله المدرار وبمناجاته السقرطية ومفاكهته العبقرية يروق المنصف النحرير، ويعنى بها الألهوب (٢) والسفسير، بجمع من الشروح، وزيادة وضوح فوضوح، ثم كتاب السيارة، فما آربه أحباره، ورسالتى الربع المجيب والكامل، إلى غير ذلك من المسائل، مما تناولته حين الاقراء إلى هلم جرا.
стр. 1962
وأجازنى في ذلك مما قرأته بلفظى أو لفظ غيرى، وكل ما أورد من المسائل حين القراءة وما عرض الآن أو سوف يعرض لى منه وراءه حسب بها أخذ ذلك عن شيخه والده المذكور، المقدس المبرور، رضى الله عنهم أجمعين، ووفقنا لما يحبه ويرضاه ببركة الصالحين، وعلمنا علما ينفعنا في الدارين، وجعل تعلمنا لوجهه الكريم، ومقربا منه وموجبا للفوز بدار النعيم.
وكتب العبد الفقير لمولاه، الغنى عما سواه، محمد بن عبد الرحمن بن محمد الفاسى لقبا المكناسى دارا ومنشأ وقرارا، الشاوى نسبا، ثم المعزاوى من أولاد عمارة أحد أولاد سيدى يشو بن حمدون بتاريخ أواسط ربيع النبوى الشريف عام ثلاثة وعشرين ومائة وألف.
الآخذون عنه: منهم ولده عبد القادر آتى الترجمة.
وفاته: توفى شهيدا تحت الردم بالزلزلة في صفر عام تسعة وستين ومائة وألف.
٢٤٤ - محمد أبو عبد لله بن محمد العكارى الرباطى .
حاله: فقيه علامة صوفى صالح متبرك به، انتقاه سيدنا الجد الأكبر السلطان الأعظم مولانا إسماعيل إماما للصلاة به بمسجده الأعظم داخل قشه المولوية وخطيبا به حسبما أفصح بذلك ابن أخيه أبو الحسن على العكارى فيما قرأته بخطه، وقد ألف في مناقبه حفيده أبو الحسن على بن محمد تأليفا حسنا سماه البدور الضاوية، في ذكر الشيخ وأصحابه وتلامذته وبناء الزاوية، قال في حقه ما نصه: كان الشيخ ذا مكاشفات ظاهرة، وكان يقرأ القرآن برواية السبع ويجوده ويتقنه غاية الإتقان وكان مشاركا في فنون من العلم كالقراءات والبيان والهندسة والفقه والنحو والتصوف والتوقيت والبديع والحساب والكلام والحديث والتفسير، ويتقن ضبط ذلك، ويحسن المشاركة في غير ما ذكر، دءوبا على نشر العلم، ناسكا ورعًا
стр. 1963
زاهدًا، حافظا دراكة، متوسعا في علم التفسير ومعانى الأحاديث، قائما بالطريقة لا يخل بعلم الظاهر تدريسا، وألف تأليف عديدة تقييدا وضبطا، فنفع الله به جميع العدوتين سلا ورباط الفتح، وانتفع به الخلق من كل فج عميق بالتعليم والتربية للمريدين بقوله وفعله.
وكان له همة عالية وحالة مرضية، وقلم فصيح مع التمكين والرسوخ، إذا تكلم انتقش كلامه في القلب، وإذا وعظ وضع الهناء موضع التعب، قدم من مراكش إلى سلا، واستوطنها وتعرف بأهلها واجتمع عليه أعيان البلاد، وطلبوا منه التدريس بجامعها الأعظم فامتثل وحضر درسه جماعة من أعيان علماء سلا ثم زاره الأمير العلامة الكبير مولاى عبد الواحد نجل السلطان مولانا إسماعيل، كان مستوطنا رباط الفتح بقصد قراءة العلم، واستدعى المترجم للرباط فلبى دعوته فأنزله بداره، ودرس بالولى الصالح أبى العباس أحمد بن موسى العايدى، وكان يحضر درسه علماء الرباط.
ثم ورد السلطان الأعظم مولانا إسماعيل على رابط الفتح، ولما التقى به نجله المولى عبد الواحد المذكور حدثه بحال الشيخ المترجم ومناقبه وفضائله ومحاسنه، فقال له: لابد لى أن التقى معه في هذا اليوم وأخذ عنه الطريقة الشاذلية تبركا فركب السلطان وولده فوجدوا المترجم بالجامع الأعظم يسرد صحيح الإمام البخارى، وكان السارد لديه الفقيه العلامة القاضى سيدى عبد الله بنانى الأندلسى.
ولما دخل السلطان صلى تحية المسجد، وجلس لاستماع الحديث والشيخ لم ينظر إليه، ولما تم الدرس نظر الشيخ إلى القاضى وقال له عظنى يا ولى الله، وتذاكروا ساعة زمانية وافترقوا، ولما رجع الشيخ إلى دار سكناه ألفي بها مالا كثيرا وجه إليه به السلطان مولاى إسماعيل هدية، فلما وجد الشيخ ذلك وجه على تلميذه الفقيه الزبدى، وقال له: خذا هذا المال وافعل به ما شئت، فتشاور مع
стр. 1964
المريدين، فقالوا له: اشتر له دارا كبيرة تكون حذاء هذه الدار التي نجتمع فيها فاشتروا له بحومة السويقة بدرب البروزى تعرف بدار الفقيه البروزى.
ولما أراد السلطان النهوض من الرباط وجه على الشيخ المترجم، وقال له: يا شيخ تقدم معنا إلى سجلماسة لتصل الرحم، ويتبرك بك أنجالى، وتؤم بنا صلاة الخمس، وتختم معنا صحيح البخارى، فإن معنا الفقهاء من فاس فإنهم أرادوا الاجتماع بك، والأخذ عنك. فقال الشيخ للسلطان: يذهب معنا خمسة من فقهاء سلا ومثلهم من الرباط فإنهم يليقون بنا وبك، ويكون الجمع مباركا سعيدا، فأجابه السلطان لذلك، ونفذ له ولهم صلة لعيالهم وصلة لمؤن سفرهم.
مشيخته: أخذ عن والده وغيره.
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو عبد الله محمد البيجرى المكناسى حسبما صرح بذلك ولده لابن أخى المترجم أبى الحسن على فيما قرأته بخطه، إذ قال: لما عرفنى يعنى البيجرى قال لى: إنكم ساداتنا، فقلت له: بل نحن إخوة لظنى أنه قاله تأدبًا، فقال لى: أنتم سادتنا حقيقة، وذكر لى أن والده من تلامذة الشيخين الجد والعم قدس الله روحهما.
وممن أخذ عنه العلامة الشيخ زنيبر السلوى، وأبو محمد عبد الله حجى، وأبو الحسن على بوشعرا، وأبو القاسم بن الحسين الغريسى، والسيد المكي الحافى وسيدى مسعود جموع، وأبو العباس أحمد حجى، وأبو عبد الله محمد الصبيحى، وأبو محمد عبد الواحد نجل السلطان مولاى إسماعيل، وسيدى المعطى مرينو، وأخوه أبو عبد الله محمد مرينو، وأبو عبد الله محمد بن الطاهر الزبيدى، وأبو العباس أحمد بن عبد الله الغربى، والقاضى أبو محمد عبد الله بنانى، وأبو عبد الله محمد بن اليسع الفلالى، وأبو العباس أحمد عاشور، وأبو محمد التهامى
стр. 1965
ابن عمرو، وأبو يعزى المسطاسى، وجل هؤلاء قضاة وغير من ذكر ممن لا يعد كثرة.
وفاته: توفى كما بكناشة اليحمدى سنة اثنين وتسعين وألف.
٢٤٥ - محمد بن العربى الغمارى .
حاله: فقيه علامة أصل، جهبذ أوحد نبيل، حلى بحجة الإسلام، البركة الهمام.
وفاته: توفى ضحوة يوم الأحد الثانى من ربيع الثانى عام تسعة وعشرين ومائة وألف حسبما وقفت على ذلك منقوشا برخامة ضريحه، ودفن بروضة المولى عبد الله بن حمد.
٢٤٦ - محمد فتحا الحاج بن عبد القادر التستاوتى .
صنو أبى العباس المترجم فيما مر من الأحمدين.
حاله: شيخ فاضل متبرك به.
وفاته: توفى في المحرم فاتح سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ذكره أبو العباس الحافى في بعض مقيداته في الوفيات.
٢٤٧ - محمد بن العلامة أبى عبد الله محمد بن الإمام المتقن أبي زيد عبد الرحمن بصرى الولهاصي .
حاله: علامة نظار، نحرير نقاد مشارك مطلع متضلع، إمام في صناعة التدريس وحسن الإلقاء، ماهر نفاع، أحد أعلام الدولة الإسماعيلية وجهابذتها النقاد.
مشيخته: أخذ عن العلامة أبى الحسن على بن عبد الرحمن بن عبود آتى
стр. 1966
الترجمة، والقاضى الأعدل أبى القاسم بن سعيد العميرى، وأخيه سيدى على، وأخيهما أبى العباس أحمد والشيخ عبد الوهاب بن الشيخ، وأبى عبد الله محمد فتحا الدغوغى، والسيد المجذوب بن عبد الرحمن بن عزوز، وأبى الحسن الندرومى، وأبى عبد الله محمد اقلال، وأبى زيد عبد الرحمن بن سعيد العميرى، وأبى حفص عمر الكوش.
الآخذون عنه: منهم ولده المترجم بعد.
وفاته: توفى يوم السبت خامس شعبان المبارك عام ستة بسين مهملة فمثناة فوق وثلاثين ومائة وألف.
٢٤٨ - محمد بن العياشى أبو عبد الله المكناسى .
حاله: صدر نحرير فقيه جليل، حسيب أصيل، مدرس نبيل، قال في حقه مؤرخ دولتنا العلوية السيد أحمد بن الحاج السلمى صاحب حواشى المكودى والأزهرى وغيرهما المتوفى عام ستة عشر وثلاثمائة وألف في الدر المنتخب المستحسن: الفقيه المفتى النوازلى القاضى العلامة المدرس الكاتب، كان من جملة كتاب السلطان مولانا إسماعيل ملازما لخدمة بابه والوقوف بأعتابه، وأنه كان يستشيره في المهمات، من ذلك أنه استشاره في أى قبيلة يتخذها جندا؟ فقال له: إن المنصور السعدى كان وجه جيشا لفتح السودان فسبى عبيدا واتخذهم جيشًا ودفعهم لولده المدعو بالشيخ الثانى فأنزلهم في جنات أهل فاس بزواغة، وبقوا على ذلك إلى أن قام على والده ودعا لنفسه فقبض عليه والده ونهب العبيد وفرق جمعهم في القبائل، والآن اجمعهم فإنهم مملوكون لبيت المال، واتخذهم جيشا للخدمة، فقال له السلطان: أنت النائب عنى في جمعهم، فقال له: فليعين سيدنا وكيلا يقوم في طلب حق بيت المال وأنا أقضي بينهم وبينه، فقلده القضاء والفصل في ذلك وتسمى بقاضى القضاة، وعين السلطان وكيلا هو الباشا عليلش، فشرع
стр. 1967
في جمع العبيد، فكان ابتداء أمرهم أن ينادى في الأسواق في الحواضر والبوادى من يرد خدمة السلطان من العبيد فليأت إلينا إلى أن كان من ذلك ما نبسطه في محله بعد بحول الله وقوته.
تنبيه: قد رأيت لعدة من المؤرخين إنهم ذكروا في حق مولانا فخر الملوك أبي الظفر مولانا إسماعيل أنه كان يسترق الأحرار المسلمين بالحراطين، وتمالئوا على ذلك وصرحوا بأن الاسترقاق وقع منه في غير محله الشرعى، وهذا لعمرى من الكذب المفترى ولكن الجهل بالحقيقة أورثهم أن تقوّلوا ما لما يكن، وبنوا على غير أساس، ودونك الآيات البينات، فقد وقفت لى عدة دفاتر كتبت على عهده ﵀ وقدس سره أشرفت منها في القضية على كمال الاحتياط في استرقاق أولئك العبيد وجمعهم، إذ صنيعه فيه عقد التراجم، لما في كل مدشر من مداشر القبائل الهبطية من العبيد ذكورا وإناثا، ثم ذكر وثيقة مسجلة على قاضى مدينة القصر في حينه، وشكل القاضى المسجل عليه قائم العين به إلى الآن تتضمن تلك الوثيقة ذكر كل فرقة بذلك المدشر من الوصفان وذكر مالكهم وإثبات ملكه لهم وبيان وجه صيرورتهم له من شراء ونحوه، وبيان من تزايد لتلك الفرقة هناك بصفات كل المعينة له، ومن مات منهم، ومن هو في قيد الحياة، وبيان استمرار الملك للمالك إلى أن مات وخلفهم لورثته وهم فلان وفلان لخ، كل ذلك بشهادة الأعيان من علماء وعدول وغيرهم معتمدين فيمن أدركوه منهم على التحقيق والعيان وفى غيرهم على أعلى درجات شهادة السماع المستفيض الفاشى على ألسنة أهل العدل وغيرهم.
ثم يذكر تاريخ الشهادة وأول تاريخ وقع بأحد الدفاتر المشار لها وهو بمكتبتى أوائل ربيع الأول عام اثنين وعشرين ومائة وألف.
стр. 1968
[صورة]
كتابه على ظهركناش إحصاء العبيد الإسماعيليين وعقود أشريتهم
стр. 1969
[صورة]
صحيفة من علامات العدول وأشكالهم بكناش العبيد الإسماعيليين
стр. 1970
ثم يذكر أسماء الشهود ووصفهم وعدة الشهود بأول رسم ست وثلاثون.
ثم يذكر وثيقة أخرى مسجلة على القاضى المذكور شكله قائم بها إلى الآن تتضمن إشهاد القاضي بأداء أولئك الشهود عنده بجميع فصول الوثيقة، وبأنه استقلت عنده جميع فصولها، كما استقلت عند جميع من يعطف بشكله عليه من قضاة الإيالة السلطانية الموجودة أشكالهم لحد الآن بالدفتر المذكور وغيره.
وبعد ذلك تضمن الوثيقة المذكورة أيضًا أنه سئل من القاضى المذكور وكل من يوقع شكله بعده من قضاة وعلماء، هل بقى فيما ذكر من شهادة الملك ومتعلقاته عمل يتوقف عليه شرعا فيضاف إليه فاشهدوا بتمام ذلك واستجماعه للشروط الشرعية، وبأنهم حكموا بذلك وأمضوه ثم بعد هذا ورخت هذه الوثيقة بالتاريخ المذكور، وأمضاها عشرون من العدول بأشكالهم.
وبعدهم كتب قاضى تطوان بأداء الشهود وهم عدول الحكم لديه، وبإعلامه باستقلاله ووضع علامته، ثم كتب بمثل ذلك كل من قاضى طنجة، وقاضى قبيلة بني بوز كار، ثم قاضي بنى زروال، ثم قاضى فشتالة ثم قاضي بنى جرفط، ثم قاضى شفشاون، ثم قاضى رهونة، ثم قاضى العرائش وغيرهم من قضاة قبائل الهبط.
وعقب ذلك وثيقة مسجلة على القاضى المذكور أيضًا تتضمن التعديل من عدول سبعة موضوعة أشكالهم عقبها لأربعة من اللفيف الستة والثلاثين المذكورين قبل، معتمدين في ذلك على معرفتهم، ومخالطتهم لهم حضرا وسفرا بتاريخ أواخر ربيع المذكور.
ثم بعد ذلك وضع اثنا عشر من القضاة المذكورين خطوطهم وأشكالهم بأداء عدول التزكية عندهم واستقلال شهادتهم لديهم.
стр. 1971
وعقبه شهادة عدول ثمانية بمثل ما شهد به اللفيف المذكور من الإراثات، وبعد تسجيل ذلك على قاضى القصر وضع القضاة الاثنا عشر المذكورون خطوطهم وأشكالهم أيضًا بأداء الشاهدين بالمثل المذكور عندهم وباستقلال ذلك لديهم.
وعقب ذلك رسم آخر يتضمن الإشهاد على الأرقام المذكورين بالإقرار بالملك لملاكهم المذكورين عن طوع ورضا.
ثم بعد ذلك وثيقة مسجلة على القاضى المذكور تتضمن شراء نائب السلطان جميع الأرقاء المذكورين من ملاكهم بعشر أواقى لكل فرد منهم، وحيازة البائعين من النائب المذكور جميع الثمن عيانا، وخلوص ملكهم للجناب العالي بسبب ذلك في التاريخ المذكور أولا.
وعقب ذلك أشكال العدول الشاهدين بذلك وهم نحو خمسة وعشرين.
وعقبه وضع ستة من القضاة المذكورين قبل خطوطهم وأشكالهم بأداء عدول الشراء المذكور عندهم وإعلامهم باستقلاله.
وعلى هذا السنن جرت المسطرة في سائر الدفتر المذكور وهو غاية في الاحتياط لما فيه من الزيادات العديدة على ما يكتفي به في الثبوت الشرعى حسبما يعرفه كل ذى خبرة بالمسطرة اللازمة في ذلك، ومدار الشرع على إعمال اللازم في الظواهر، وإلى الله تعالى توكل السرائر.
ومن البديهى أن القائم بحياطة الدين، لا غنى له عن الاستظهار بمقتضى المصالح العامة والاستعانة بالحاجيات والاكتفاء بذلك كله بمقتضى ظواهر الشرع، وإن جاء على خلاف نظر بعض الخاصة الذين لم يطوقوا بحماية البيضة ولا حملوا عموم الذب عن الملة والأمة، وإنما نظرهم في خويصة أنفسهم، وفى التورع لحياطتها بالخصوص، وشتان ما بين النظرين، كما أن المطوق بالنظر العام في
стр. 1972
[صورة]
ترجمة من تراجم كناش العبيد الإسماعيليين مسجلة
стр. 1973
[صورة]
أسماء الشهود للملاك للعبيد
стр. 1974
مصالح الأمة ليس في طوقه أن يلى مباشرة جميع الشئون المطوق بها بنفسه، بل لابد له من أن ينيب عنه مباشرين فيما لا تمكنه مباشرته، وعلى العامل بعد ذلك بتقوى الله، وهذا هو المهيع المسلوك في النهضة الإسماعيلية بجمع العبيد، فإنه جدد الله عليه الرحمات بذل المجهود فيها وما ترك شيئًا يقتضيه ظاهر الشرع فيها إلا وقد وقف عند حده، بل كاد أن يتجاوز الحد المطلوب في زيادة التوثيق كما قد رأيت، وليت شعري بعد هذا ماذا يقال، وهل بعد الحق إلا الضلال.
ولهذا ومثله حذر المحققون من الاعتماد على جهة المؤرخين في كل ما نقلوا، وأن لا يعتمد منهم إلا على من عرفت ثقته وأمانته، وعلت في الصدق درجته ومكانته، وكلام القاضى أبى الفضل عياض في الشفا شهيد صدق على ذلك وليس هذا بأول حديث إفك منهم، فقد قصوا في الجانب العظيم ما يجب أن لا يلتفت إلى ذكره فكن ممن يعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال.
وقد صح عن هذا الإمام أنه جمع جميع عبيده ووضع بينهم صحيح الإمام البخارى، وقال لهم إنى وإياكم أرقاء لما تضمنه هذا الكتاب الجامع لأقوال من لا ينطق على الهوى وأفعاله، وسائر أحواله، من الأوامر والنواهى، هكذا هكذا وإلا فلا لا.
ولعلنا ما أوتينا إلا من قبل مسارعتنا للطعن على حماتنا ومن ذهبت دولته من ولاة أمرنا بغير حق، فليقصر العاقل ولْيَرْعَوِ عما ليس له لإدراك الكنه فيه يدان، وليحسن الظن بمن سلف من أكابر الأئمة وليجعل الدعاء بالمغفرة والرحمة لهم عوض تلطخه وتفكهه بما يزينه الشيطان له من المساوى وإلصاقها بجانبهم والله المرشد بمنه.
مؤلفاته: منها زهر البستان في أخوال مولانا زيدان، وهو كتاب كثير الجدوى في بابه، وزيدان هذا هو سيدنا الجد الأعلى نجل مولانا الجد الأعظم، السلطان الأفخم، مولانا إسماعيل برد الله ثرى الجميع، وأخواله هم سفيان القبيلة العربية
стр. 1975
الشهيرة بالغرب، وهم بطن من بطون اثبج بن ربيعة بن نهيك بن عامر بن صعصعة.
نثره: من ذلك قوله: عنصر العز والمجد، ومنبع البخت والسعد، من حصلت الدلالة على قدره بوسمه، وعلى قدره المسمى كاسمه، الصدر التقى الزكى، ذو القدر العلى، والفخر الواضح الجلى، جامع أشتات المحاسن بلا مَيْن، الشيخ على بن حسين، ما شئت من العقل الكامل الراسخ؛ والذهن الثاقب الشامخ، وما دل على طهارة الأصل وعلو المقدار، من الحلم والتؤدة والسكينة والوقار، الذى ادخر الله تعالى له من فضله وجزيل نواله ما كمل له به شرف الدين والدنيا، وأحله غير مشارك ما أحله من الدرجات العليا، من إنجاب الوصل بينه وبين مولانا الإمام، الملك الهمام، فخر السلاطين، وشمس الخلفاء أبناء سيد المرسلين، ظل الله في الأرض وناشر ألوية العدل بها بالطول والعرض، أمير المؤمنين وناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ذى الشرف الأثيل، والفخر الأصيل، أبى النصر والفداء مولانا إسماعيل، أدام الله تعالى نصره، وخلد في الصالحات مجده الأعلى وذكره.
وفاته: توفى في دولة المولى أحمد الذهبى عام تسعة وثلاثين ومائة وألف، اضطره العبيد على صلبه فصلب ومات شهيدا ﵀.
٢٤٩ - محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن يوسف الفاسى .
حاله: عالم علامة، دراكة مشارك، حافظ ضابط متقن، خطيب بليغ، فصيح بارع، ماهر باهر، له عارضة اللسان في التدريس والخطابة، كثير الحفظ، ولى قضاء فاس الجديد أولا، ثم ولى الإمامة بمسجد مولانا إدريس بزرهون وخطبته، ثم ولى بعد ذلك الخطبة بالسلطان مولانا إسماعيل، وخطب بولده السلطان مولاى عبد الله، وولى التدريس بمسجد قصبة دار الإمارة بالحضرة المكناسية.
стр. 1976
مشيخته: أخذ عن جلة شيوخ فاس كالشيخ سيدى محمد القسمطينى، والشيخ أبى عبد الله المسناوى وغيرهما.
الآخذون عنه: أخذ عنه كثير من أعيان طلبة فاس وغيرهم.
وفاته: توفى في جمادى الأولى عام اثنين وخمسين ومائة وألف.
٢٥٠ - محمد أبو عبد الله المكناسى الأصل الفاسى الدار والإقبار .
حاله: علامة محصل، مصيب في مضمار السبقية مفصل، محرر العلوم ومفيدها، ومجدد شبيبة الفضائل ومعيدها، أحرز قصبة السبق في مضمار التحقيق، وشيد مناره فكان على أصل وثيق، جمع إلى غزارة العلم فصاحة اللسان، وإلى ثبات الجأش وتوقد الذهن براعة البيان، فكان مجلسه لأرباب المحابر نزهة الأفكار، وصيقل القلوب ومنظر الاعتبار، آية الله في خلقه العجيب، ونعمة كبرى على بعيد الناس والقريب، وضع له القبول في الأرض، طولها والعرض، فكان الخاصة والعامة فيه محبون، وببراعته ومحاسنه يلهجون.
ختم بجامع القرويين مختصر الشيخ خليل أوائل العشرة الثامنة من المائة الفارطة، ثم رحل لأداء فريضة الحج، وهو يعطر برياه كل فج، فاتفقت له هنالك نكبة، أعانت عليه ليالى الغربة، وذلك أن صهرا له سرق لكبير القفلة التي اتفق لهما السفر معها حساما مرصعا بياقوت وجوهر، فكان وصفه يستغرب إذ يذكر، وحين ألجأ الحال، إلى البحث عنه بسائر خيام الحاج، ومنها منزل صاحب الترجمة ألقى تحت وسادته دسه هنالك ذلك الصهر الخبيث، ظنا منه أن محل الفقيه المترجم ينزه عن التفتيش لجلالته وعظم مكانته في القلوب، وعدم تطرق التهمة فيه، ولما وقع العثور على الحسام بمحله اغتاظ غيظا شديدا، وتألم ألما مزيدا، ومن ذلك الوقت تردى رداء السقم، ولم يزل عليلا بتلك الغصة حليف العنا، ملازم الضنا، إلى أن قضى نحبه بعد قضاء نسكه ﵀ وبرد ثراه.
стр. 1977
٢٥١ - محمد أبو عبد الله بن أحمد (١) بن الحسن بن أحمد بن محمد اليحمدى.
قال أبو الحسن على بن مصباح الزرويلى: هكذا كنت أراه بخطه أعزه الله في مكاتباته ورسائله، لا يزيد على ذلك. واليحمدى نسبة إلى بنى يحمد القبيلة المعروفة قرب جبال غمارة.
حاله: علامة فاضل نحرير، جهبذ نقاد، لوذعى أديب أريب، كامل مهذب، عارف خبير بصير، مستحضر محاضر بحر زخار في فنون العربية والإنشاء، نشأ ببلده بنى يحمد -بفتح الميم- في حجر الصيانة والعفاف، ولما شب ارتحل لفاس بقصد طلب العلم فأقام به مدة وكان ذكيًا نبيلا عاقلا، نزيها طاهر الشيم، حليته الوقار، ومئزره العفة والفخار، عالى الهمة مجتهد، في اقتناء المعانى وتأثيل المحامد، مبتعد عن السفاسف وكل ما يشين، له ولوع زائد بعلوم الأدب وكل ما يؤدى إلى مكارم الشيم، ولم يزل حميد السيرة محمود السريرة، حتى امتد ذكره وطار في الآفاق صيته، وأقر الخاص والعام بتفوقه وفضله.
ولما اتصل خبره بسيدنا الجد الأكبر السلطان المولى إسماعيل أدناه لحضرته، وأجلسه على منصة وزارته، واصطفاه لمحاضرته وسمره، وجعله مستودع سره ومحل مشورته، وذلك سنة نيف وتسعين وألف، وصار يسميه باسم جده الأعلى أحمد حتى غلب عليه، وصار لا يعرف إلا به، وخصه بأنعم لم يشاركه فيها سواه وعظمه وبجل، ونوه بقدره، وقصر المفاوضة في المهمات عليه، وجعل بيده أزمة
стр. 1978
الحل والعقد، حتى إنه لما عقد لوالده المولى المأمون على مراكش ألزمه الذهاب للمترجم لأخذ صك التقليد منه، وأمره بسماع وصيته والعمل بها رغما عليه، والحال أنه يعلم أن ولده المذكور يكره المترجم أشد الكراهة ولم يسمع منه وشايته فيه.
وقلده مفاتيح الخزانة المولوية التي حوت من التصانيف، وجمعت من أنواع الدفاتر وأسماء التآليف، ما لم تحوه خزانة بغداد، ولا علق بحفظ الدانى الأستاذ، وجعله الأمين عليها، بعد أن مدت أعناق شتى إليها، فنسخ أهم ما فيها في صحيفة صدره، وارتسمت علومها في مرآة فكره، فأصبح بحر علم لا يدرك قعره، ولا ينفد ولو كثر السائلون دره، قد تضلع في كل فن بما بهر الألباب، وترك جميع الكتاب وراء الباب، لاسيما في علوم الآداب، فإنه فيها العجب العجاب، له اليد الطولى في معرفة أيام العرب وأشعارها، وآثارها وأخبارها، لا يعزب عنه مثقال حبة من خردل من أمثالها، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا وهو خبير بتفصيلها وإجمالها.
وكان في جيد الدولة الإسماعيلية أفخر قلادة، وأفخم مأوى لأهل الفضل والسيادة، برعت في فن البلاغة أقلامه، وتقدمت في ميادين البراعة أقدامه، وطابت في عرش المعانى البديعية ثمرته، وخفقت في آفاق البيان أجنحته، لو رآه قدامة، لقدمه قدامه، ولو نظر إليه النضر بن شميل، لرآه أبعد عنه من السما وأعز عليه من سهيل، ولو أدركه محمد بن يزيد، لكان له كالتلميذ والمريد، يحمده عبد الحميد، ويعتمد عليه العماد وابن العميد، ولو بدا لشاعر بنى حمدان، أو لبدع همذان، لعداه بالخنصر من حسنات الزمان، وفرسان البلاغة والبيان، ولو فتح عينيه في الفتح بن خاقان، لطار لبه من شدة الخفقان، له الأفلام التي تخضع لكلماتها قامات الرماح، وتذوب منها في أجفانها القواضب الصحاح، استخدمت
стр. 1979
الأقاليم ورجالها، وهابت فحول الكلام نضالها ونزالها، فمزنها كل يوم فسام الأوداء، وسم الأعداء هامى، حتى كأنه المعنى بقول التهامى:
وإذا رأس في الأنامل منه ... قلما واستمد ساء وسرا
قلما دبر الأقاليم حتى ... قال فيه أهل التناسخ أمرا
يتبع الرمح أمره أن عشريـ ... ـن ذراعا بالرأى يخدمن شبرا
وبالجملة فترجمة الرجل طويلة الذيل، بعيدة النيل، أفردها عصريه أبو الحسن على بن أحمد بن قاسم مصباح الزرويلي بالتأليف في مجلد ضخم سماه: سنا المهتدى، إلى مفاخر الوزير ابن أبى العباس اليحمدى. ألفه سنة خمسة وعشرين ومائة وألف، حسبما أفصح بذلك عن نفسه في مؤلفه المذكور، وهو من نفائس مكتبتنا الزيدانية ومفاخرها الثمينة.
مشيخته: منهم أبو محمد القادر الفاسى، وأبو العباس أحمد بن حمدان، وأبو عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسى ونظراؤهم.
الآخذون عنه: منهم مخدومه السلطان الأكبر مولانا إسماعيل، فقد صرح قدس الله روحه بذلك لولده المأمون المذكور لما قال له في وشايته به إن اليحمدي يزعم أنه هو الذى علمك الدين، إذ قال في جوابه: والله إنه لصادق إن قال ذلك، هو الذى علمنى دينى وعرفني بربى. هـ.
وذلك أكبر دليل وأعظم شاهد على إنصاف هذا السلطان واعترافه بالحق وعدم ميله للنفس الأمارة.
مؤلفاته: منها كناشته الحفيلة المحشوة بكل نادرة وغريبة في مجلدات عشر ضخام، موجودة بتمامها بمكتبتنا، وقد وصف كناشته هذه بعض معاصريه بقوله:
стр. 1980
ألف فيه نفائس تبهر العقول، واقتنص من جوها كل عنقاء من مستحسنات النقول، قال: وفيها أقول:
معان من الصنع البديع تصيدها ... بزاة عقول في سماء من الفكر
تجول مجال الطير فى جو أفقها ... وتسبح كالحيتان في لجة البحر
فمنها لطيف صيده نحلة ... ومنها قوى يخطف الصيد كصقر
وله عدة رسائل مختلفة الأوضاع، تشهد له بما منحه من غزارة الاطلاع، أورد منها عصريه مترجمه في سنى المهتدى جملة وافرة تركنا جلبها هنا اختصارا.
ولادته: ولد على رأس الستين بعد الألف ببلده بنى يحمد حسبما صرح بذلك لعصريه مترجمه المذكور.
بعض ما قيل فيه من الأمداح
من ذلك قول أبى الحسن على مصباح المذكور مستشفعا عنده في ابن أخ له وعلى لسانه، وذلك أنه كانت ابنة له تحت ابن أخيه فأحفظها يوما فلحقت بأبيها المترجم، فاشتدت ندامة الزوج على ما صنع، فلما أراد أن يهب إلى صاحب الترجمة في شأن أهله هابه وخاف عقوبته، فكتب إليه هذه القصيدة وارتحل بها إليه، فلما قرأها سرى عنه وأرضاه، ورد عليه روجه راضية مرضية:
ما لى سوى ذا إليك سبيل ... والذل بين يد الكرام جميل
فاصفح فمنك الصفح يرجى وامحون ... حقدا جلاه حاسد وعذول
أولست طود الحلم والعفو الذى ... لو زال هذا الدهر ليس يزول
وإذا دعت همم العلا أبناءها ... فلانت جد جدودها وسليل
وإذا الطريق طريق كل مزية ... ضلت فأنت إلى الطريق دليل
стр. 1981
وإذا الوزارة قلدت فرشادها الـ ... ـمتبوع أنت وغيرك التضليل
وإذا انتضيت العزم منك فإنه ... سيف بأيدى الفاتكين صقيل
وإذا سخطت على الزمان بدا به ... وجل يهين خطوبه ويديل
وإذا السياسة فاخرت بسراتها ... فبأصغريك على الكبار تصول
وإذا السماحة ساجلتها أهلها ... غمرتهم من راحتيك سجول
فلو أصبحت كف الغمام بخيلة ... سقت البرية من يدك وبول
بالله ياغوث الطريد ويا أبا الـ ... ـعباس يا من جوده مأمول
هذا ابن صنوك وابن نعمتك الذى ... هو في أداهم شكرها مكبول
فلقد نزلت وفى اعتقادى أنه ... ما إن يضام لدى الكرام نزيل
وأنا الذى لو لم تفيدنى اعتزا ... زًا خامل بين الورى مجهول
لو لم تحى غمامة زهر الربا ... لأتى عليه تصوح وذبول
ولقد ندمت ندامة الكسعى من ... فعلى الذى هو فلتة مفعول
وتأوهى وتولهى وتملقى ... وتواجدى شهدا على عدول
فامدد على من الرضاء سرادقا ... يجلو الهناء وصدى الفؤاد يزيل
وامنح بفائقة الثريا بعلها ... قد طال منه بها بكى وعويل
رضها إلى فإن روض مسرتى ... مذ شح وابل وصلها لمحيل
إنى وحقك تائب توبا نصو ... حا ليس ينسخ توبتى تنكيل
وأرى أقل حقوقها موتى إذا ... غضبت على وأمرها مقبول
ولكم علينا يا منى أملى جميـ ... ـل وافر متكامل وطويل
стр. 1982
وقوله جوابا عن رسالة راسله بها المترجم مع صلة سنية وذلك قبل أن يقع بينهما تلاق جثمانى:
يا من بدا في سواد العين إنسانا ... فوق الثرى لم أرى سواك إنسانا
رمنا تطاول ذلك العلا بتشـ ... ـييد قباب من الثنا فأعيانا
ما زلت ترقى مقامات الجلال إلى ... أن فقت في المجد أعيانا فأعيانا
لو حاول الدهر حسبانا لما بلغت ... علياك باد وما أطاق حسبانا
يا يحمدى قر عينا إذ ظفرت بما ... أعيت به كف يعرب وقحطانا
أنت البليغ متى تحز شبا قلم ... أنسيت قسا بما تنشى وسحبانا
فداؤك النفس إذ كاتبتنا فلقد ... كسوت والله جسما كان عريانا
روت أناملك اللطاف إذ كتبت ... قلبا لأسجاعها العذاب غرثانا
كنا رماما لأجداث الخمول فها ... كتابك اليوم بعد الموت أحيانا
أحببتنا عن سماع دون سابقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
فكم مساو سترت وهي بادية ... وبالمحاسن كم شنفت آذانا
ولم تذر غير مشغوف بنامقة ... ولم تدع من بسوء القول آذانا
كذلك الغيث لا يأتى على دمن ... لم ترو في غابر الأزمان تهتانا
إلا وغادرها تزهو مقلدة ... درا نفيسا وياقوتا وعقيانا
فها كها كاختلاس الوصل من رشاء ... غراء راجحة معنى وميزانا
صنع امرئ ليس في التجنيس همته ... إلا إذا دون ما قصد له جانا
لنا قواف لما نريد قافية ... لم يعرف الناس إيطانا وأكفانا
стр. 1983
وقوله معتذرا عن تأخير المكاتبة، وراجيا سد باب أليم ألم المعاتبة.
لا والذى زان الكواعب بالحور ... وأجال في وجناتها ماء الخفر
وأسال من كفيك أمطار الندى ... ما عن قلى غيث الرسائل قد فتر
كلا ولا ملل هفا إعصاره ... يوما فغار لحره ماء الفكر
لكن نزلت بموطن متبذل ... لا مبتدا السفراء منه ولا خبر
فلكم طرقت مسار ركبان إلى ... تلك الديار فما عثرت على بشر
ولكم صبا منكم أثارت صبوتى ... فتلاطمت أمواج فكرى بالدرر
فنظمتها نظم الخريدة عقدها ... وغدا لها ديوان شعرى مستقر
درر بها ديوان شعرى قد زها ... وكذاك يزهو بين أنجمه القمر
ومتى ابتأست لنكبة أنشدتها ... والدمع فوق محاجرى يحكى المطر
فأرى رفاق الحزن ظاعنة وأفـ ... ـنان الغرام إليك رائقة الزهر
وحياة من ليست تبيد حياته ... ومؤيد الدين المؤيد بالسور
ما مر ذكر (اليحمدى) بخاطرى ... إلا ترقرق ماء عينى فانهمر
يا سيدا تعنو الوجوه لذكره ... غيبا وتكبره العيون إذا ظهر
لا زلت في برد الوزارة رافلا ... محمودة منك الشمائل والسير
محفوفة بلطائف محفوظة ... طول الزمان من الحوادث والغير
ما هام صب أو هما ودق وما ... فازت يد الملهوف عندك بالظفر
وقوله:
بأى لسان أم بأى بنان ... وأى خطاب أم بأى بيان
стр. 1984
أترجم عن أعجوبة الدهر ماله ... إذا عد أرباب المكارم ثانى
فتى أثقلت ظهر الزمان هباته ... وأصبح من خدامه الثقلان
أمل على الدنيا من العدل ما به ... إلى الناس طرا أنصف الملوان
فلولاه لا أودى به الدهر ما نجت ... بنات المعالى من يد الحدثان
فذاك أبو عبد الإله الذي أتى ... لدعوته الرفدان يبتدران
وما لا لا الآفاق الاثلاثة ... سنا اليحمدى الوهاج والقمران
همام يخاف الدهر من سطواته ... ويرمى برضوى رعبه وأبان
متى ما يعد ينجزك إحسان وعده ... وينقض من إيعاده الحسنان (١)
وزير به استولى الأمير على العدا ... وعاش بخفضى نعمة وأمان
متى ما يرم أمنية عجزت بها ... فوارس قيس مده بأمانى
وكم في حماه من وزير وكاتب ... ولكن بكف اليحمدى القلمان
لكلهم من بأسه متضائل ... وهيبته قرت بكل جنان
بكفيه بحر الجود والفتك بالعدا ... فكم مرج البحرين يلتقيان
وكم في قضايا الدين حكم فانتضى ... لها صارما لم ينضه الحكمان
стр. 1985
وكم في سماء الفقه جلى طوالعا ... يرى الحق من أضوائها الاخوان
وإن تبغ أخبار الزمان فإنَّه ابـ ... ـن بجدتها السباق يوم رهان
خليلى لا تعتب على متقاصر ... فما لي على إحصا علاك يدان
وإنى وإن كنت امرءاً ذا بلاغة ... وسحر البيان اليوم طوع لسانى
وكنت متى لاحت صوارم فكرتى ... أتيت بما ينسى صريع غوان
فإنى طورا تصطفينى يد الهوى ... فنجرى بميدان القريض بنانى
وطورا ترى ذاك الجلال رويتى ... فأمسك من فرط الحياء عنانى
وقوله:
من لصب مولع بالجفاء ... شف جسمى ولم يجد بشفائى
كلما خلت جمر شوق طفا زا ... د اصطلاء الجوى على الأحشاء
رست صيد العنقاء إذ رست سلوا ... نا وأخيب بصائد العنقاء
قلت للصحب ما الدواء فقالوا ... ما لأدواء من صبا من دواء
حظ كل بني الصبابة تذرا ... ف الدموع ودائم البرحاء
هم أناس موتى جسوما وأحيا ... ء قلوبا سكرى بلا صهباء
حملوا الحب وهو أثقل من رضـ ... ـوى وهم في نحولهم كالهباء
فارتدوه زيا شريفا وزادوا ... في التصابى بأنفس شماء
كم ظريف أودت به لحظات ... أوردته موارد الشهداء
فغدا في أيدى الرواة حديثا ... بعد ما عاش في عنى أو رواء
فتمثل بعروة ابن حزام ... إذ قضى النحب في هوى عفراء
стр. 1986
لفتاة كانت تضئ كبدر ... مزقت عنه حلة الظلماء
أو كظبى نقى نقى المحيا ... صدته غرة بصيد الظباء
يتثنى غصنا ويفتر عن د ... ر يرنو بمقلة حوراء
فتجنى من بعد ما قد جنى طر ... في من ورد وجنتيه عنائى
ما بدا لي إلا وأوعدنى هجـ ... ـرا كهجران واصل للراء
رث صبرى به وجسمى حتى ... قد رثت لي في حبه أعدائى
كم بوعد أومى فعاد وعيدا ... خلق أهل الجمال خلف الوفاء
كم أمانى راقبت من طول آما ... لي فمالت بها يد الرقباء
كم ليال قطعتها نابغيا ... ت أناجى تنفس الصعداء
كم دموع أذريتها كغمام ... أو يد (اليحمدى) يوم سخاء
كعبة المجد والعلا بحر جود ... لم يكدر عبابه بالدلاء
سيد لم يزل يرود العلا حـ ... ـتى ارتدى بالمآثر الغراء
طار في كل بلدة صيته حـ ... ـتى غدا في اشتهاره ابن ذكاء
حسبه مفخرا ورفعة قدر ... أنَّه اليوم سيد الرؤساء
أعلم الأدباء في وقته بل ... هو في الوقت أأدب العلماء
أحرز السبق في الصناعة حتى ... فاق أهل الإنشاد والإنشاء
فإذا ما احتذت أنامله الأقـ ... ـلام أبدى أرق ما أنت رائى
ما رأى الناس مثله لا ولم يظـ ... ـفر به المنذر ابن ماء السماء
أو علا الأفق ماجد بمزايا ... هـ مشى اليحمدى على الجوزاء
стр. 1987
أبنى (يحمد) له فاشكروا حيـ ... ـث حصلتم به على الكيمياء
قد بنت كفه لكم قبة المجـ ... ـد ولم يبن مثلها من بناء
لم تقوض ولا تقوض حتى ... يرجع القارظان (١) بعد اختفاء
إنما (اليحمدى) على الناس طرا ... لسعيد من جملة السعداء
علم الله أنَّه لسداد الـ ... ـرأي حق لصحبة الخلفاء
فحباه منها بما لم ينل قد ... ما نديما جذيمة من صفاء
يا وزيرا في عصمة الوزرا لا ... ح لنا كاليتيمة العصماء
بأبى أنت دع لسانى يرد من ... حوض أمداحك الشهى الماء
ما أريد استقصاء مدح وهل ينـ ... ـزح بحر مخضم بالركاء
أنا ظمآن إن وردت حياض الـ ... ـمدح فيك استبعدت منها ارتوائى
منذ دهر والقلب صب وقد اتـ ... ـعبت بيني وبينكم سفرائى
فقدمنا عليكم كى نقضى ... بعض ما تقتضى حقوق الإخاء
واصطنعنا من الثنا حللا تقـ ... ـصر عنهن صنعة الخنساء
وشيها مطمع ويجز من حا ... وله من جهابذ الشعراء
كل بيت منها يحث إلى القلـ ... ـب غراما كالمقلة النجلاء
стр. 1988
أنا شمس القريظ إن شئت أبدو ... كى يرانى الورى وأنت سمائى
وعلى الشكر الجميل لما أو ... ليتنى أنت أنت مذكى سنائى
هاكها سيدي ولا عيب فيها ... غير مدح يسلى عن العذراء
لست بالراهب المريب ولا الرا ... غب أثنى معرضا بالحياء
أنت كوالد الشفيق وحزم ... بالفتى أن يبر بالآباء
ذاك أبقى للود وهي لي الشيـ ... ـمة أقضى بحسن قضائى
وقوله:
بدت فأرتنا الصبح في وجناتها ... وحيت بإيماء حذار وشاتها
وولت فكاد الترب يدمى بنانها ... إذا ما مشت تختال في حبراتها
فتاة روينا من طلا الحب حين إذ ... روينا حديث السحر عن لحظاتها
بدت وقلوب صاحبات من الهوى ... فأصبحن سكرى من كئوس ظباتها
فما ظبية ترعى الخزامى بربوة ... تراع لخفق الريح في أثلاتها
بأحسن منها يوم مرت عشية ... وقد قصر الإعياء من خطواتها
تضئ كبدر الأفق والزهر حوله ... إذا ما مشت تهتز بين لداتها
وعن كعبير المسك ضوع نشرها ... كريحانة أهدى الصبا نسماتها
وقد ملأت رحب الإزار بردفها ... كما ملأت عينى من عبراتها
ولاح لحانى في الصبابة كلما ... رآنى طموح النفس نحو جهاتها
وقال اصح من خمر الصبابة ترشدن ... وما ظن أن الرشد عند سقاتها
وقال أتلهو والليالى مناكد ... فكن حذرا يا صاح من غمراتها
стр. 1989
فقلت ومالى والليالى فإننى ... أمنت بجاه اليحمدى أزماتها
فلو ساورته لانثنت وصروفها ... مفللة والذل فوق قناتها
يداه يد يغنى عن السحب جودها ... وأخرى يخاف الدهر من فتكاتها
يزاحم في نيل العلا وهو واحد ... وما سقط الأقوام مثل سراتها
كذلك أعلام المناسك جمة ... ولكن جماع الحج في عرفاتها
وأن مصابيح السماء كثيرة ... وما الصبح إلا من طلوع مهاتها
به الدولة الغراء دام سكونها ... فلا قدر الرحمن من حركاتها
ولا زالت الآمال تعشو لضوئها ... ولا انقض نجم السعد من جنساتها
فدى لك نفسى أيها العلم الذي ... به اعتصمت من دهرها وعداتها
إليك تناهى كل مجد وسؤدد ... فدم في المزايا واصعدن درجاتها
بنيت قباب المجد أركانها التقى ... ورصفت من غمر الندا شرفاتها
فلو جمرات العرب كن بواقيا ... لما كان إلا أنت من جمراتها
لك القلم العالى الذي ببيانه ... تكسر من سمر القنا شبواتها
وتفتض أبكار المعانى بحده ... إذا احتجبت من عزها عن كماتها
ومنه بأحشاء الأعادى رواعد ... قواتل لا ينجون من سطواتها
ودونكها غراء تغرى على الصبا ... وها السحر كل السحر في لفظاتها
تشهيك في ترجيع إنشادها متى ... بلغت بإنشاد إلى أخرياتها (١)
стр. 1990
٢٥٢ - محمَّد حنوش (١).
المكناسى أصلاً، الفاسى دارا، الحمدوشى طريقة، يلقب أبا شكال لأنه كان برجله اليسرى خلخال من شعر مربوط ربطا وثيقا قرب ساقه.
حاله: كان ضيق الحال، الغالب عليه القبض، لا يدعى بدعوى ولا يسأل من الناس إلا ما يسد رمقه، شوهدت له كرامات، وخوارق عادات، أورده في سلوك الطريق الوارية وذكر بعض كراماته وسرد عدة مما وقع له معه من ذلك، وكان ينتسب في الطريق للشيخ على بن حمدوش، وكان مجذوبا غائبا متبركا به مسنا، وكان أولاً جعل لنفسه حوشا من حجارة بشرقى جامع القرويين بالساباط الكائن هناك، فكان يبيت به ويجلس ويتخذ فحما يتدفأ به، ثمَّ انتقل لباب القرويين المقابل سوق الشماعين، ثمَّ انتقل إلى رأس الجنان بعيون أبى خرز، فكان يقيل ويبيت بها إلى أن توفي هناك.
مشيخته: أخذ عن أبى الحسن على بن حمدوش على ما للزبادى في سلوك الطريق الوارية ولى في هذا الأخذ وقفة لجذب الآخذ والمأخوذ عنه.
وفاته: توفي بفاس عام أربعة وتسعين ومائة وألف.
٢٥٣ - محمَّد بن على العَفَّانِي (٢) الزرهونى أبو عبد الله.
حاله: ظاهر البركات، كثير المكاشفات، صالح الأحوال، أحد الأفراد من الأولياء الأكابر، رطب اللسان على الدوام بالتلاوة والذكر، أدام النظر في بدايته
стр. 1991
لامرأة شابة متزينة فقال: عين ترى محارم المسلمين إنما حقها العمى، فكف بصره من حينه.
وفاته: توفي في القصر سنة خمس وألف على ما في المرآة.
٢٥٤ - محمَّد البوعصامى:
حاله: فقيه علامة جليل، قال في حقه عصريه الشريف العلمى صاحب الأنيس المطرب في أنيسه ما لفظه: بليغ مصره، وإمام الأدباء في مغربه وعصره، رحل إلى المشرق، وطلع عليه كالبدر المشرق، فحل منه الجيد وتوج المفرق، وأخذ عن الأئمة، أعلام هذه الأمة، وقصد المشيخة، وألقى لهم أذنه المشيخة، حتى أثقل بالعلم ردنيه، وقرط بالفوائد والفرائد أذنيه، وبهر في علم النحو، وانتهى إليه الكتب والمحو، وعارض المناطة، بألسن إعجازه الناطقة، وخاض في البديع بحرا، وصنع من البيان للعقول سحرا، ويسر من التفسير، كل عويص وعسير، وعرف أخبار الدول، وفعل الزمان بالأمم الأوَّل، وأتى بكل خارق، وأنسى ذكر الموصلي ومخارق.
ثمَّ رجع إلى المغرب، بكل معنى يطرب، ولفظ عن أغراضه يعرب، فأقر له الفضل بما أقر، وانتهى إلى فاس واستقر، فمكث بها دهرا، أفاض على عرصات الأذهان من علومه نهرا.
ثمَّ انتقل إلى مكناسة، وحلها حلول الظبى كناسه، فتصدر للتدريس، وظهر ظهور ابن إدريس، ولقد فاق في علم العربية، ونودى باسمه فارتفع بالإفراد والعلمية، قال: حضرت معه يوما في مجلس لبعض الأصحاب، والأفق بطرز ثوب الرياض برقم السحاب، وكان معى الصاحب الظريف، أبو العباس سيدي أحمد الشريف، فمد يده إلى العود، والعود بين انخفاض وصعود، والجو بين
стр. 1992
بروق ورعود، فاستخبر العشاق بتوشيته، ورفل في حلل الغناء وأرديته، وعام في خلجان الإتقان وأوديته، فقال يمدحه:
تبدى كبدر لاح في غيهب الدجا ... غزال رآه ابن النبيه فحارا
يجس بأطراف الأنامل عوده ... فيأتى بشئ ليس فيه يجارى
ثمَّ أشار إلى أن عارض، ودع كل معارض، فقلت:
بدا كهلال الأفق ليل وصاله ... فصير ذاك الليل منه نهارا
وغنى بعود وهو سكران أعين ... فصير منه السامعين سكارى
وقد أطال وأطاب في ترجمته، فعلى مريد الزيادة الوقوف عليها.
(شعره) من ذلك قوله:
سحت بدمع كالعقيق محاجرى ... شوقا لطيبة والعقيق وحاجر
تلك المعاهد حيث أظهر دينه ... رب البرية للرسول الظاهر
سر الوجود محمَّد خير الورى ... والمنتقى من كل أصل طاهر
من قد تجلت طيبة الزهرا به ... وزهت ففاقت كل روض زاهر
وسمت على الفردوس حقا واكتست ... حلل السنا من شأنه المتواتر
وتواضعت لمعالم الهادي بها ... آفاق كالفلك المحيط الدائر
أين اجتلاء وجوهها وبدورها ... من آله والصحب ذخر الذاخر
زهر المناظر طيبو الأخلاق من ... فخروا به في الناس أي مفاخر
إلى أن قال:
عامل بفضلك عبدك الجانى وحط ... من كل خطب مدلهم ذاعر
стр. 1993
وامنن علينا منة تمحو بها ... أسطار إثم فاحش متكاثر
واسمح وجد وارحم وعجل بالهنا ... وادفع بيسرك كل عسر ضائر
واجبر صدوعا برحت ما إن لها ... مولاى غيرك يرتجى من جابر
واختم بحسن الختم واحشرنا مع ... الهادي محمَّد الرسول الحاشر
صلى عليه الله ما حل الحيا ... جدبا وأينع كل روض زاهر
والآل والصحب الأفاضل ما انتهى ... زهو بخير مثل عقبى الصابر
وقوله متغزلا:
بى شادن مهما سرى في غيهب ... وأرخى الحنادس أفضح الأقمارا
أمسى يجس العود جسا محكما ... فزرى بزرياب وأنسى الدارا
ومن العجائب والغرائب شاذن ... يأوى القفار يحرك الأوتارا
٢٥٥ - محمَّد بن عبد الله بن مصالة الفازازى المعروف بابن عبود المكناسى .
حاله: فقيه نحوى مفسر لغوى، تعرض لذكره السيوطي في بغية الوعاة وأسند حديثه في طبقاته الكبرى، ونقل عن أبي حيان في النضار أن قبيلهم يسمون عبد الله: عبودا، ومحمدا: حمودا، وأنه من مكناسة الزيتون.
مشيخته: روى عن أبي إسحاق الكمال، وأبى جعفر بن فرتون الحافظين.
الآخذون عنه: أخذ عنه إجازة أبو الحسين بن عبد الله الغرناطى.
٢٥٦ - محمَّد بن الطيب بن عبد القادر بن الحاج حم سكيرج .
стр. 1994
حاله: كان فقيها أديباً علامة مشاركا متقنا، أكتب كُتَّاب زمانه وأبرعهم في النظم والنثر، من رؤساء كتاب السلطان الأعظم، علم الأعلام سيدي محمَّد بن عبد الله، قال في حقه بلديه معاصره العلامة الأصيل الأديب الجليل، سيدي سليمان الحوات حسبما وقفت عليه في كناشة له ومن خطه نقلت ما نصَّه:
كتب صاحبنا العلامة الدراكة الأديب الجامع لأشتات العلوم قديمها وحديثها، سلطان الكتبة في ديوان الأمير ملك البحرين أبو عبد الله سيدي الحاج محمَّد بن الطيب سكيرج حفظه الله إلخ.
ومن خطه أيضاً بالكناشة المذكورة ما نصَّه: الحمد لله خرجت من فاس في جملة من أشرافها لزيارة ولى الله إدريس الأكبر بزرهون، فنزلنا مكناسة الزيتون، على روض البلاغة المزهر الأحفل، الكاتب الأديب الأنبل، العالم الأكمل، أبى عبد الله سكيرج الفاسى وصل الله عنايته فألفيناه في مجلس منادمته، مع خاصته من أحبته، على حالة أغرانى على وصفها باستطلاع مطلع أشرف منه على التخليص فقال:
لما أباح النوى راح الفراق وقد ... ركبت ظهر الفيافى منضيا تعبى
يممت ربعا به للحسن معترك ... وفيه روض لأهل الفضل والأدب
ثمَّ قال أجز، فأجزت بقولى:
وكيف لا ودليل الحب أرشدنى ... والحب يرشد أحيانا إلى الأدب
فكان لي موقف على الحبور به ... في مظهر الأنس بين اللهو والطرب
حيث محيا أبى زيد ورنته ... يستبعدان قريب الهم والوصب
ولابن زكرى جس في مثالثه ... أعربن في نغمة الحسين عن عجب
стр. 1995
يجيبها بمثانى الصوت مبتسما ... في وجه عاشقه عن بارق الشنب
في منتدى كعبة الجدوى سكيرجها ... والعلم ينسل من نجواه عن حدب
فلما وصلت إلى هنا استعادنى إنشادها وهو مقبل على بمحل معه يهتز إعجابا وطربا، ثمَّ تنحى دسته جملة وأجلسنى فيه منفردا بعدما كنت مشاركه في جهة منه فقط، فلما استويت أنشدنى للصاحب بن عباد:
فلو كان من بعد النبيئين معجز ... لكنت على صدق النبي دليلا
ثمَّ اجتليت عن يسارى، بدر تلك الهالة أبى زيد المزدارى، وهو يقول كأن البرق يلمع علينا من أدبك، والشمس تطلع من غرة طربك، وكأنى المعنى عنده أنشدته مغالطا فقلت:
البرق يلمع لكن من ثناياك ... والشمس تطلع لكن من محياكا
فاحكم بما شئت فينا غير مكترث ... بقتل أنفسنا فالحسن ولاكا
والله يا عابد الرحمن ما نظرت ... عينى بمكناسة الزيتون إلاكا
أودعت سر غرام بيته خلدى ... لديك فاجعله لي ببيت نجواكا
فنشط للمدح وارتاح، وناولنى مترعات الأقداح، وبقى لا يلتفت إلا إلى، ولا يقبل بحديثه إلا على، غير أنى بين حياة وحين، من صوارمه المصلتة من جفون العين، والنفس تشتهى اقتطاف ورد الخدود، النابت حول غاب قسى الحواجب وأسل القدود، فكان ذلك ولله الحمد داعية العفاف، وآية على حمد عاقبته الانصراف، إذ من العصمة أن لا تجد، إن وجدت فاتئد، فمكثنا على ذلك أياما بين تناشد الأشعار، وتجاوب الأوتار، وكئوس حلال الشراب علينا تدور، من راحات حسان كالبدور، لم نستيقظ من سنة المسرة، إلا بعد أن مضت من الشهر عشرة:
стр. 1996
نزلنا على أن المقام ثلاثة ... فطاب لنا حتى أقمنا بها عشرا
ورب المنزل المذكور، وعلم الإجلال المنشور، حملته الأريحية على المبالغة في الإكرام، بالتردد علينا في كل برهة بموائد الطعام، مختلفة الأجناس، تستلذ مضغها الأضراس، إلى أن انفصلنا كل في وجهته سعيد، وربك الفعال لما يريد، كاتبه سليمان لطف الله به بمنه آمين.
وقال في حقه المقيد المعتنى لسيد محمَّد بن عبد السلام المعروف بالضعيف في تاريخه لدى تعرضه لشعراء الدولة المحمدية أعنى دولة سيدي محمَّد بن عبد الله: الفقيه الأديب الماهر الشاعر، وقال قبله بنحو الورقة: الأديب الفقيه الأريب العروضى، وعده أبو القاسم الزيانى في كتاب الدولة المحمدية أهل الطبقة الثانية الذين نظموا في سلك الكتاب من أول نشأة الدولة المذكورة، وحلاه في بستانه الظريف بالكاتب البليغ الأديب.
وقال قريبه حبنا العلامة الأجل الناظم الناثر السيد أحمد بن الحاج العياشى سكيرج قاضى ثغر الجديدة في الوقت الحاضر في شرحه لرجز المترجم في علمى العروض والقوافى ما نصَّه: وممن ترجم له المؤرخ المتقن الضابط الحجة المتفنن سيدى الطالب بن الحاج كما وجد بخط يده ونصه: القرم الهمام، العلامة المبرز في حلبة النثار والنظام، نادرة الزمان، في التحقيق والبيان، عماد الدولة، وعظيم الصولة، أبو عبد الله محمَّد بن الطيب سكيرج الأندلسى الفاسى. هـ.
وقد كانت بينه وبين معاصره أديب الزمان، وفريد العصر والأوان، أبى العباس أحمد بن الونان صاحب القافية الموسومة باسمه بالشمقمقية التي مطلعها:
مهلا على رسلك حادى الأينق ... ولا تكلفها بما لم تطق
منافثة ومهاجاة قيل وهو أي المترجم المعنى في قول ابن الونان المذكور:
стр. 1997
فبشرن ذاك الحسود أنَّه ... يظفر من بحر الهجا بالغرق
مؤلفاته: منها رجزه الموسوم بالشافى، في علمى العروض والقوافى، يقول في فاتحته:
حمداً لمن بسط أبحر النعم ... ومن مديد طوله يؤتى الحكم
ثمَّ على خير الورى صلاتي ... وآله وصحبه الهداة
والتابعين نهجهم على الدوام ... ما مدحه صيغ بنثر ونظام
وبعد فالشعر له ميزان ... به يلوح النقص والرجحان
وفي الختام قال:
لما انتهى سميته بالشافى ... في علمى العروض والقوافى
وكان وضعه له في ربيع الثاني من عام ستة وسبعين ومائة وألف وأخرجه. من مبيضته في رمضان من السنة المذكورة كما بشرح هذا النظم لقريبه أخينا أبى العباس المذكور آنفا.
ومنها حواش على شرح سيدي محمَّد بن مرزوق المسمى بالمفاتيح المرزوقية، لحل الأقفال واستخراج خبايا الخزرجية، وغير ذلك.
شعره: من ذلك قوله يمدح السلطان الأعظم سيدي محمَّد بن عبد الله كما في تاريخ الضعيف:
ولما رأيت البحر في الجود آية ... ومن جوده الدر النفيس المقلد
سألته من في الناس علمك الندى ... فقال أمير المؤمنين محمَّد
وسبب ذلك كما في شرح ابن عاشور على البردة أنَّه اجتمع في مجلس السلطان فأنشد بعض الحاضرين قول الشاعر:
стр. 1998
سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكننى عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء قال لا بل وراثة ... توارثنى عن والد بعد والد
فقال السلطان إن ذلك لغاية في بابه فقال ذلك البعض يعني المترجم لو شئت لقلت أحسن منه وأنشد ما نصَّه:
ولما رأيت الجود في البحر فاشيا ... ومن جوده الدر النظيم المنضد
فقلت ومن في الناس علمك الندى ... فقال أمير المؤمنين محمَّد
فتعجب السلطان والحاضرون لارتجاله، وجودة مقاله، وأعطاه السلطان جائزة عظيمة.
وقوله كما في منهل الورد الصافى يهجو عصريه أديب الزمان أبا العباس بن الونان:
ألا قل لغمر جاهل وحسود ... غيى بليد الطبع حلف جحود
نافس في العلياء حبرا مهذبا ... له في مقام المجد خير شهود
لعمرك قد أرقيت نفسك للعلا ... بلا سلم إذ لم تبؤ بفريد
وحاولت أمراً لست تعلم أنَّه ... تمنع عن ذى منعة وعديد
فكم ظلت أسعى في رشادك علنى ... أراك حذورا على صرير وعيد
فهأنا ذا مستجمع الفكر راكباً ... مطية فخر في مقام شهود
تيقظ لقولى واستمع كل حجة ... فإنك يا ابن القن بيت قصيد
وخذ من قرى الأبطال ما أنت طالب ... فأنت على راصى الندى بشديد
ولا تأس إن أبصرت زلزال بارق ... تقدمه نكباء ذات خلود
стр. 1999
وأنك ما نبهت منى نائما ... فللطعن فاصبر واعتجز بضمود
فأما اكتساب المجد من عهد يعرب ... فما هو عن أسلافنا ببعيد
وأما العلا فاسأل ترى فضل آلنا ... فكم حملوا للمصطفى من بنود
وأما رعايات الذمام فأنها ... بأذيا لنا نيطت بغير جحود
وأما الندى فانظر بعينك حينا ... فإن عيون المرء خير شهيد
تخبرك الأنام عني حقيقة ... بأنى في لخم أعز وليد
ذوى الحسب الموفور والحلم والتقى ... وكل فخار دائر وجديد
إذا برزت يوما طلائع حزبهم ... ترى العز يومى نحوها بسجود
تراهم لدى الهيجاء أسدا فواتكا ... وفي المسلم سباقا لكل مشيد
تهابهم الأسد القواصم في الوغى ... ويألفهم في المسلم كل وليد
ركابهم تجدى على كل حالة ... بحرب وسلم من ندى وجسيد
هذا ما وجدته من خطه وهي غير مكملة. هـ لفظ منهل الورود.
وقوله مادحا شرح سيدي محمَّد جسوس على المختصر:
يا صاح إن شئت التنعم في غد ... والفوز بالعز الصميم السرمدى
وأردت في الدارين إدراك المنى ... والمكث في عيش هنى أرغد
دع ما يشين العرض من طرق الردى ... واترك مدى الدهر ادكار المعهد
وانزل من الوغد الجهول بمنزل ... واترك مصاحبة الذميم الفدفد
ودع التشبث بالغرام وأهله ... ودع التغزل في القيان الخرد
ودع التوغل في الهوى فطريقه ... صعب السلوك وشوكه لم يخضد
стр. 2000
فالكل حمق لا يرى بسبيله ... إلا غبى بالهدى لم يعضد
واجنح فديتك للعلوم فإنها ... تهدى الفتى وتنور القلب الصدى
وهي السبيل إلى النجاة وإنها ... نهج الرِّضا للمقتدى والمهتدى
كم من جهول ذى غبى في مهنة ... وحقارة بين الورى كالفرصد
إن عاش لم يسمع له ذكر ولم ... يرفع له أن صار بين الألحد
لم يكترث أحد به أبدا ولم ... يعبأ به من جهله كالفرقد
والعالمون ذوو النهى في رفعة ... لا يهتدى إلا بهم كالفرقد
إلى أن قال:
شد الرحال لنيله واطلبه في ... كل البلاد وكل فقر فدفد
واركب مطايا الحزم في تحصيله ... واقن التوضع طول عمرك تصعد
ولتلزم الإنصاف فيه ولا ترم ... سبل الجدال فذاك شأن العسقد
إلى أن قال:
وذا أردت بلاعنى تحصيله ... وأردت طول الدهر نيل المقصد
فعليك بالإفصاح والتصريح إن ... شئت إلى الوصول المقام الأسعد
تأليف شيخ شيوخنا بحر الندى ... جسوس ذى القدر العلى محمَّد
الفاضل البر الزكى المرتضى ... الكامل الصدر الذكى الأمجد
نثره: من ذلك ما كتب به من الحضرة المراكشية لابن أخته الشريف المهذب مولاى أحمد بن العربى العراقى بالحضرة الفاسية، ونصه بعد الحمدلة والصلاة كما بكناشة سيدي سليمان بن محمَّد الحوات ومن خطه نقلت: أجل من تحلى بأكرم