الذي من استند إليه ارتقى في ذروة الكمال وسما. والصلاة والسلام على أشرف خلقه سيدنا محمد أجل من أسند عنه الرواة والعلما. وأفضل من ارتوى من رشح علومه وحكمه الأولياء والحكما. وعلى آله وأصحابه الذين نقلوا من أقواله وأفعاله وتقريراته ما أزالوا به عنا كل غشاوة وعما، صلاة وسلاما دائمين ما أرسلت السماء قطرا وبدا بها صحو أو غما، والرضا عن ساداتنا التابعين لهم بإحسان وكل من انتسب إليهم إلى يوم الدين وانتمى.
وبعد: فليتفضل سيدنا وسندنا ووسيلتنا إلى ربنا الحبر الهمام، ذو الثبات والرسوخ شيخ الشيوخ الجهابذة الأعلام، الذي ألقت إليه العلوم كل زمام، فالناس له تابعون وبه مؤتمون وهو الإمام، أبو عبد الله سيدي محمد التودى ابن سودة المرى، لازال الكريم بنفائس المعارف إليه يقرى، بالإجازة لهذا العبد الضعيف، الذي قطع عمره في البطالة والتسويف محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الحاج الرهونى، وهو وإن لم يكن لذلك أهلا، فاقبلوه منًّا منكم وفضلا، كى تهب عليه نفحاتكم العظمى، ويستوجب بذلك من الله مزيد الرحمى، ويرتفع بالإسناد إليكم قدر هذا الخسيس، وكيف لا وأنتم القوم لا يشقى بكم الجليس، أجازكم الكريم بأنفس ما أجاز به وفده المقربين، وأطال بكم النفع للخاصة والعامة من المسلمين، بجاه سيد الأولين والآخرين، وأختم استدعائى هذا بما قال القائل:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل
ولادته: ولد في ذى القعدة الحرام عام تسعة بتقديم المثناة وخمسين ومائة وألف.
وفاته: توفي بعد فجر يوم السبت ثالث عشر وقيل موفى عشرى رمضان سنة ثلاثين ومائتين وألف، ودفن يسار محراب روضة شيخه سيدي على بن أحمد المذكور بوزان، رحم الله الجميع بمنه آمين.
стр. 2067
٢٧٤ - محمد بن عبد الوهاب أجانا .
حاله: شيخ علامة مشارك نبيل ذكره السلطان أبو الربيع سليمان في عناية أولى المجد.
مشيخته: أخذ عن أبي عبد الله محمد بن عبد السلام بن محمد فتحا الفاسى المتوفى بمرض الاستسقاء يوم الأربعاء ثانى عشر رجب سنة أربع عشرة ومائتين وألف عن نحو خمس وثمانين سنة.
ولم أقف على تاريخ وفاته.
٢٧٥ - محمد بن عمر الصنهاجى الأصيل المكناسى الدار .
أحد موالى أمير المؤمنين السلطان مولانا سليمان.
حاله: فقيه كاتب مشارك علامة محرر.
مشيخته: أخذ عن السلطان العادل مولانا سليمان وغيره، ذكره الزيانى في الجمهرة، ولم أقف على تاريخ وفاته.
٢٧٦ - محمد بن حمادى الصنهاجى الأصل المكناسى الدار .
حاله: فقيه علامة تولى قضاء الحضرة المكناسية.
مشيخته: أخذ عن أعدل الملوك، مولانا سليمان، صرح بذلك الزيانى في جمهرته، وعن غيره من الأعلام ولم أقف على تاريخ وفاته.
٢٧٧ - محمد السلاوى أحد موالى السلطان مولانا سليمان والداً عن والد .
حاله: فقيه كاتب، نشأ ببيت الإمارة وغذى لبان الأدب الغض، ولاه السلطان المذكور كاتبا بديوانه الملوكى، ثم رقاه إلى الوزارة، ثم إلى الإمارة في
стр. 2068
الثغور البحرية والقبائل الفحصية ثم لقبائل العرب من المضرية اليمنية، ثم جعل له النظر والكلام إبراما ونقضا مع نواب وسفراء أجناس النصارى ولم يزل يتقلب في المناصب العظام، ومعارفه وصدقه وإخلاصه تقدمه إمام، إلى أن لبى داعى مولاه.
مشيخته: أخذ عن مولاه أمير المؤمنين مولانا سليمان كما صرح بذلك الزيانى في جمهرة التيجان، وعن غير واحد من جلة شيوخ وقته.
وفاته: توفي بمكناسة الزيتون عام ثلاثين ومائتين وألف.
٢٧٨ - محمد الزرهونى الأصل الفاسى الدار .
حاله: فقيه كاتب، رقاه السلطان المولى سليمان من الكتابة إلى عمالة وجدة وأعمالها، ثم عزله ورده للكتابة ببساطه الملوكى، ولم يزل بها إلى أن نفله الله إليه.
مشيخته: أخذ عن السلطان المولى سليمان كما لصاحب جمهرة التيجان وغيره من أعلام وقته.
وفاته: توفي بفاس عام ثلاثين ومائتين وألف.
٢٧٩ - محمد بن الطاهر بن محمد بن محمد فتحا بن السعيد بن محمد بن محمد فتحًا بن قاسم بن مولاى الحسن بن سيدى يوسف.
نجل مولانا على الشريف من شرفاء بوسلام، أحد قصور ملوية.
حاله: فقيه علامة مشارك نقاد، مدرس فريد عصره، وأعجوبة دهره،
стр. 2069
محقق إمام في سائر الفنون عقليها ونقليها، ماهر في التفسير والحديث وعلوم العربية، كثير المطالعة، غزير الاطلاع، محبوب مسموع الكلمة، محب في الأولياء والصالحين المجاذيب والسالكين، صلب في دينه، يقال: إنه كان يظعن ويقيم بكتبه العديدة النفيسة وكانت نحو أربعين جملا.
وكان ذا جاء ووجاهة، وهمة جاوزت الجوزاء، ونزاهة، قال في الشجرة الزكية: استوزره إمام وقته مولاى عبد الرحمن ونوه به ولازمه في حضره وسفره. هـ.
أخذ مبادئ العربية بسجلماسة، ثم ارتحل لفاس واستوطنها، وكانت سكناه بزقاق الحجر منها حسبما أخبرنى بذلك بلدينا حفيده، ثم استوطن مكناسة الزيتون مدة مديدة، ولا زال عقبه بها إلى الآن، وكانت سكناه بها آونة بحومة زقاق القرمونى، وأخرى بحومة حمام الجديد.
مشيخته: أخذ عن سيدي حمدون بن الحاج ومن في طبقته، وشاركه في الأخذ عن الشيخ التاودى، واعتمد السيد عبد القادر بن شقرون المتوفي زوال يوم الخميس حادى عشر شعبان عام تسعة ومائتين وألف، والشيخ الطيب بن كيران.
الآخذون عنه: أخذ عنه السيد الطالب بن الحاج، وسيدى التهامى بن رحمون، وأجاز للآخرين عامة بتاريخ فاتح رجب عام ستة وثلاثين ومائتين وألف، ومولاى الزكى صاحب الشجرة الزكية، ومولاى الصديق، ومولاى الحبيب أبناء مولاى هاشم بن محمد الكبير.
وفاته: توفي بمراكش منتصف جمادى الأولى عام ثمانية وأربعين ومائتين وألف، ودفن بضريح مولاى على الشريف مع عمه رحم الله الجميع بمنه.
стр. 2070
٢٨٠ - محمد بن منصور الفويسى المراكشى .
ذكره الضعيف في تاريخه وحلاه بالأديب، وقال: إنه توفي بمكناس في شعبان عام ثلاثة ومائتين وألف.
٢٨١ - محمد بن الطيب الشريف الحسنى العلوى البلغيثى .
حاله: فقيه عالم محقق عدل رضي وجيه، بزكة فاضل منور السريرة وقور معتقد، عالى الهمة، صلب في دينه، من أهل زاوية زرهون، تولي نيابة القضاء بالزاوية المذكورة من عام خمسين إلى ستين ومائتين وألف، ونسخ البخاري وغيره بيده، وبه اشتهر عقبه بأولاد ابن القاضى، وببلده الزاوية الإدريسية، توفي ودفن بالظهير المقبرة المعروفة بها.
مؤلفاته: منها شرح على الحكم العطائية في جزءين وقفت على جزء منه بخط يده.
وفاته: بعد الستين ومائتين وألف، إذ تاريخ رمام تركته ثانى ربيع النبوى عام ثلاثة وستين ومائتين وألف.
٢٨٢ - محمد بن إدريس بن محمد العمراوى الوزير الأديب الكبير .
حاله: فقيه أديب شهير، ناظم ناثر، إمام الصناعتين، وحامل لوائهما بدون مين، تزرى ببديع الزمان بدائعه وأوابده، وتخجل الفتح بن خاقان رقائقه وفرائده.
حلاه بعض حذاق الكتاب من معاصريه بما لفظه: رئيس الكتاب. الآخذ بحلقة الباب، الصدر الذي لا يحسن فيه التأخير، والحبر الذي لا ينبغى أن يعامل باليسير، برع في الأدب، وساد بالحسب والنسب. أخلاقه تنبئ عن نسبه، وشيمه تفصح بعراقة حسبه، كان ذا همة عالية وسلامة صدر عن الحقد خالية، يكافئ المسئ بالإحسان، ويعامله بما يناسب من الامتنان، ذا وجه وسيم، وثغر بسيم،
стр. 2071
ومروءة ورزانة، وعفاف وصيانة، يحلم إذا أُوذى، ويجيب بالسيادة إذا نودى، ويكرم نزيله ويواسيه، ويتفقد أحواله ويدانيه، سهل المنال، لين المقال، صاحب همة عالية، ومائدة بأنواع الخيرات وافية، جاهد أولاده في تعليم القرآن والعلم، ودربهم على الاحتراف بالحلم، أشد الخدم اعتناء بخدمة مولاه، راع وحافظ لما تولاه، ناصح فالح، قادح مادح، إذا أطلق عنان القلم في القرطاس، أتى بكل غريبة وحجج مضيئة كالنبراس، لا يتوانى فيما أسند إليه من العمل، ولا يتراخى بطول الأمل، حنكته التجارب والخطوب، وعلمته المحن كل مكروه ومحبوب، هـ مختصرا.
وكان له معرفة بالحساب والتعديل والنحو واللغة والعروض والأدب، منحاش لجانب الله، محب في الصالحين وأهل الفضل والدين، زوار لهم، متطارح على أعتابهم، يحب السماع ويستنعش به ويرتاح له.
وكان في أول أمره ينسخ الكتب ويؤدب الصبيان، ثم انحاش إلى أبى القاسم الزيانى وصار ينسخ له مؤلفاته في الدولة العلوية وغيرها، ثم وقعت بينهما وحشة أوجبت انقطاع المترجم عن الزيانى، ثم عادت الوصلة بينهما على ما كانت عليه قبل حسبما أوضح ذلك الزيانى في بعض كتبه، وهو الذي قدمه إلى سيدنا الجد من قبل إلام السلطان الهمام، مولانا عبد الرحمن بن هشام، أيام خلافته بفاس إثر خمود نار ثورة أهله على السلطان العادل مولانا سليمان ولم يزل يقربه ويصطفيه.
ثم لما جلس على كرسى الخلافة بعد عمه السلطان مولانا سليمان أبقاه من جملة كتبته، بل رأسه عليهم لما رأى من حسن عقله وديانته، ثم استوزره فقام بشئون مأمورية وظيفه أحسن قيام لما أُسند إليه الرياسة، واختص بالتدبير والسياسة، وصار لا يدخل إلا من بابه، ولا تنال الرغائب من غير ميزابه، واستمر
стр. 2072
على هذا الحال، مرضى المقال، مجاب السؤال، إلى سنة ست وأربعين فعزل في شوال منها عن الرياسة والكتابة، وأمر بلزوم داره وانقطع عند الوارد والصادر.
ثم سجن ونهب وثقل بالحديد، وأُصيب بالنكال الشديد، وجفاه القريب والبعيد، إرضاء للأوداية الذين أوغروا قلب السلطان عليه، وصرحوا بأنه السبب الوحيد في إيقاد نيران الفتن بينهم وبين السلطان أبى زيد مخدومه المذكور، وأنهم لا يرضخون للطاعة ما لم يقتص منه، ولا يرضون وساطته ولا يقبلون دخوله في أمر ما من أمورهم.
ثم بعد مدة سرح من السجن، وبعد أيام خرج بقصد زيارة مولانا عبد السلام بن مشيش فوشى به بعض الحسدة للسلطان وقرر له أن مقصوده بهذه الوجهة هو الهرب بمال كان دسه، والاستيجار بذلك الضريح، فوجه السلطان في إثره من رده على عقبه، ثم امتحن محنة أشد من الأولى، فبقى بفاس مدة يلتجئ إلى الله تعالى ويتعلق بأوليائه الصالحين، إلى أن أشار عليه من يشار إليه بالخير والصلاح بالتوجه لمكناسة الزيتون، والسلطان إذ ذاك بها، فذهب إليها واحترم بضريح جد الأملاك مولانا إسماعيل.
ولما بلغ خبره للسلطان أمنه وأمره بالطلوع لشريف أعتابه، فاستكتبه أولا مع وزيره الفقيه السيد المختار الجامعي، ولم يزل في ترق ودنو إلى أن رده لمنصبه وأعطاه الطابع وعزز له الوزارة بالحجابة، وذلك سنة إحدى وخمسين، ولم يزل على وظيفته بعد عزيزا مكرما، ملحوظا معظما، إلى أن استهل هلال المحرم من سنة أربع وستين فمرض اثنى عشر يوما وقضى نحبه على ما سنذكره بعد ﵀.
وكان من عادته أنه يلازم الجلوس بباب القصر السلطانى حتى في الأعياد وأيام البطالة، يذهب أرباب الوظائف والخدم لدورهم، ويبقى هو بالباب لا يبرح، فإذا تمم أشغاله نام هنالك، ولا يذهب لبيته إلا في أوقات محدودة، أو حاجة أكيدة، ويقول: الأيام حبالى لا يدرى ما تلد، فربما يحدث أمر وأكون غائبا.
стр. 2073
وكان ذا ملكة واقتدار على الاشتغال، يَسُد مَسَدَّ أربعة إذا اجتهدوا، وكان ينبسط إلى الكتاب ويمازحهم قصداً لإدخال السرور عليهم، وكان إذا تحدث مع جلسائه في فن التوحيد أحجم، وقال: كان شيخنا سيدي محمد الحراق يقول:
نحن في شرعة الغرام أذله ... إن أقمنا على الحبيب أدله
ويقول: يكفينا قول من قال: اللهم إيمانا كإيمان العجائز، وكان يقنع فيه بالتقليد ويكره الخوض فيه، ويقول: الخوض فيه مما يوقع اللبس في ذهن العاجز، وكان لا يرى في غالب أوقاته غير كاتب أو مطالع أو فصل، وكان محافظا على الطهارة كلما أحدث توضأ.
قال أبو عبد الله أكنسوس: وجدت بخطه يعني المترجم في ذكر بعض آبائه الكرام محمد بن إدريس بن محمد بن إدريس بن محمد بن إدريس ثلاث مرات، فقلت له: ما هذا التكرار؟ فقال: هكذا بخط والدى السيد محمد بن الإمام إدريس ابن إدريس بن عبد الله الكامل، بتكرير محمد بن إدريس في عمود آبائنا تبركا بالجد المذكور، قال: فقلت لوالدى: هذا النسب صحيح؟ قال: هكذا كان آباؤنا ينتسبون، وكانت عندهم ظهائر الملوك المتضمنة التعظيم والاحترام، وضاعت لهم في بعض الفتن الواقعة في باديتهم بعد انتقالهم لفاس هـ.
قال: وكان مقام سلفهم بقبيلة زمور من بني عمرو منهم من عهد قيام مغراوة على الأدارسة واختفاء الأدارسة في أغمار القبائل هـ.
قلت: وقد وقفت على تحليته وذكر نسبه وبعض آبائه في رسوم أنكحة بعض أولادها هكذا: "العالم العلامة، الصدر المكين الدراكة الفهامة، الوزير الشهير، الأديب الكبير، الذي نظم درر الفصاحة في أسلاكها، وضم درارى الأدب في أفلاكها، وأسكت كل لسان ببلاغته وأعجزه وأخجل، المرحوم المنعم بفضل الله ، سيدي محمد بن الفقية الناسك الأجل، الواعظ المحدث المبجل، سيدي إدريس بن الخير الأرضَى، سيدي محمد بن المكرم المرتَضَى، سيدي إدريس بن سيدي التهامى بن سيدي على بن سيدي محمد بن البركة الشهير الشريف المكين
стр. 2074
الأنور المرفوع نسبه إلى أحد ولدى مولاتنا وسيدتنا فاطمة الزهراء البتول، سيدنا ومولانا الحسن أحد ريحانتى الرسول، أبى الحسن سيدي على الشريف الإدريسى الحسنى الشهير بالعمراوى الزمورى البويحياوى.
وكذلك عثرت على بعض الوثائق بيد أحفاده أحدها رسم يتضمن معرفة الشهود السيد أحمد بن يحيى ومن عطف عليه من المتعاشرين مع بني عمر من البربر المستقرين بالدروج بأنهم يعرفونهم على أتم وجوه المعرفة وأكملها وبها ومعها يشهدون ويتحققون انتسابهم للجانب العلى، واتصال نسبهم للسيدة فاطمة الزهراء تاريخ الشهادة رابع محرم عام ستين وتسعمائة، وبعدها أعمال بعض القضاة لها منهم على بن حماد الحسنى، وقاضى سَلاَ، بتاريخ سادس عشر جمادى الثانية عام ثلاثة وخمسين ومائة وألف وغيرهم من القضاة المنطمس شكلهم، وبهذا الرسم بتر وانكماش.
والثانى ظهير إسماعيلى نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع السلطانى بداخله إسماعيل بن الشريف الحسنى:
"كتابنا هذا أسماه الله تعالى وأعز أمره. وأطلع في سماء المعالى شمسه النيرة وبدره، ... بيد حملته الشرفاء أولاد سيدي أحمد بن يحيى الحسنى وهم السيد يخلف ... عبد الملك بن أحمد، والسيد محمد بن أحمد، والسيد العميرى ابن أحمد، والسيد منصور بن أحمد، وكافة إخوانهم القاطنين بقبيلة بني عمر يتعرف منه بحول الله وقوته، ونصره ومعونته، أنه لما ثبت عندنا، واتضح لدينا، وأنهم شرفاء ينتسبون للشجرة النبوية وبيدهم رسوم وبراوات الملوك المتقدمة على ... في ذلك وأسبلنا عليهم أردية التوقير والاحترام، وحملناهم على كاهل المبرة والإكرام، ... عما يطالبون به العوام، بحيث لا ... أو يحدث لشملهم ... ولا زيادة ... معارض يعارضهم ولا منازع ينازعهم، ومن نازعهم من قبيلة بني عمر ولا غيرهم يخاف على رقبته، والواقف عليه يعمل به والسلام في أوائل ربيع
стр. 2075
النبوى عام عشرة ومائة وألف" وبعده شهد على الطابع الشريف صدره عدل فقبل، وانظر اتصال المترجم بهؤلاء المشهود لهم.
ودار سكنى المترجم بمكناس كَانت أولا بحومة حمام الجديد، ثم عوضت لبنيه من بعده بأخرى أحسن بحومة تيبربرين لا زالت تعرف باسمه إلى الآن.
مشيخته: منهم أبو عبد الله بن محمد بن الطاهر بن أحمد الحبابى رئيس الموقتين بمنار القرويين، والفقية الأزمى، والسيد حمدون بن الحاج، والسيد محمد اليازغى، والعلامة سيدي محمد بن الطاهر العلوى المترجم فيما مر وغيرها ممن هو في طبقتهم، وأخذ عن الشريف سيدي الطيب الكتانى، والشريف سيدي عبد القادر العلمى دفين مكناسة الزيتون، وسيدى محمد الحراق، واستجار سيدي عمر ابن المكى الشرقاوى.
شعره: له شعر كثير، كالدر النثير، جمع بعضه ولده الكاتب الأديب الحاج إدريس المترجم فيما سبق في ديوان يقع في سفرين وقفت على أولهما ينتهى بحرف النون، قال أوله: إنه كان لوالده القدم الراسخ في موالاة أهل البيت الشريف ومحبتهم، والانقطاع إليهم وخدمتهم، من عصر الشبيبة إلى الشيخوخة والوفاة، وأنه كانت تصدر منه في أغراضهم أشعار رائقة، وقواف في أمداحهم رائقة، وعقود جواهر في تعداد وقائعهم متناسقة، غير أنه لشغله بالخدمة، وأداء حق النعمة، لم يحتفل بجمعها، ولا ابتغى غير الآخرة من نفعها، فتفرقت أوراقها. شذر مذر، وحجب تعاقب الليالى محاسن تلك الغرر، فشرح الله الصدر لجمع ما بقى منها في بطون الأوراق، وصدر أهل الأذواق، مما رق وراق، وأنه لما رأى ذلك من آكد الحقوق، والإعراض عن تلك البقية ضرب من العقوق، فجمع منها عُلالَة (١) بين أمداح نبوية، وتوسلات وهبية، وفوائد وعظية، وتيجان ملوكية،
стр. 2076
وحقائق سلوكية، ونسيب وغزل، وجد في المسامرات وهزل، وقدمه هدية لمخدومه السلطان مولاى الحسن رحم الله الجميع.
ومن جيد شعره قوله من صدر ميلادية:
أعد الحديث عن الحمى وظبائه ... فالسمع مشتاق إلى أنبائه
وصل الحديث عن اللوى وعقيقه ... والنازلين الجذع من جرعائه
فهناك معترك النواظر والنهى ... ومجال أفراس الهوى وظبائه
كم من صريع هوى بأفنية الحمى ... فتكت عيون العين في أحشائه
ومتيم لعب الغرام بقلبه ... لما سقاه الوجد من صهبائه
وأسير وجد في إسار جمالهم ... قادته مرسلة العيون لدائه
أن القتيل من الغرام ودائه ... مثل الشهيد مضرجا بدمائه
يا صاح إن وافيت منزلة اللوا ... ومررت ما بين العذيب ومائه
ولقيت أسراب الظباء رواتعا ... يمررن حول الحى في أرجائه
فاحفظ فؤادك من ظبا تلك الظبا ... فلكم كمى صيد في أحيائه
وإذا بدا سلع فعرج نحوه ... وتنشق الأرواح من تلقائه
وإذا مررت بحى قوم حيهم ... وصل السلام على الحمى وظبائه
واخلع نعالك في مقدس وادهم ... واحطط رحالك خاشعا بفنائه
فهناك طابت طيبة من طيب من ... طاب الوجود بطيب طيب ثنائه
وهناك روضة خير من ركب المطا ... وأجل من لاذ الورى بعلائه
وهناك قبر المصطفى من فضله ... عمر الوجود بجوده وعطائه
стр. 2077
وهناك مَنْ أسرى الإله بذاته ... ليلا فنال الفوز في إسرائه
وحباه قربا لا يضاهى وخصه ... بمصون سر الحب في إيحائه
وأراه من آياته وصفاته ... ما كلت العقلاء عن إحصائه
وكساه من إجلاله وجلاله ... ما حارت الأفكار في إنهائه
إلى أن قال يذكر السلطان:
فاق الثواقب بالمناقب والحلى ... وزرى بطيب المسك طيب ثنائه
قد فاخر الأعصار عصر وجوده ... وتنافس الأملاك في استصفائه
غمرتنى أنعمه التي قد أعجزت ... شكرا فقمت لها ببعض أدائه
واتيت من حر الكلام بمدحه ... خلع الجمال عليها حسن روائه
وجلوت عذراء المدائح غادة ... وشىَّ حلاها الفكر من إنشائه
أهدى القريض لها عقود جواهر ... نظمت على همز الروى وهائه
وأتى بكاملها الرفيع لكامل ... بحلى الكمال سما على أكفائه
والله أسأل بالنبى محمد ... في أن يمتعنا بطول بقائه
ويديم نصرته ويثبت عزه ... وعلاءه ويثيبنا برضائه
صلى عليه الله ما حيى الحيا ... وترنم الحادى بحسن غنائه
وعلى الأماجد آله وصحابه ... والتابعين الحق من خلفائه
وقوله يمدح السلطان مولانا عبد الرحمن بن هشام ويذكر إجراءه الساقية المسماة بتسلطانت حوز مراكش إلى الغراس والجنات السلطانية:
стр. 2078
وردت وكان لها السعود مواجها ... والحسن مقصور على مواجها
وبدت طلائع بشرها من قبلها ... كالشمس طالعة لدى أبراجها
وتسير ما بين الأباطح والربى ... ترمى فريد الدر من أمواجها
وتصوغ من صافى النضار سبائكا ... حلت بها الأعطاف من أثباجها
هبطت إليك من الجبال وطالما ... تعبت ملوك الأرض في إخراجها
وأتتك راغبة تجر ذيولها ... وتفيض غمر النيل من أفواجها
تنساب مثل الأفعوان وتنثنى ... كالغصن بين وهادها وفجاجها
خطب الملوك نكاحها فتمنعت ... وأتتك واهبة حلال زواجها
فلتهنك الخود الرفيعة منصبا ... وليهنها أن صرت من أزواجها
حمراء عباسية بدوية ... نشرت ذوائبها على ديباجها
وافتك وافدة صبغ الحيا ... وجناتها وجرى على إدراجها
فكأنها بلقيس جاءت صرحها ... لكنه صرح بغير زجاجها
حاكت لك السيف الصقيل مضرجا ... بدم العدا إذ أُدميت للجاجها
فكأنما ذبحوا بها زمرا فذا ... قانى الدماء يسيل من أوداجها
علمت أناملك الشريفة أبحرا ... غرقت بحار الأرض في عجاجها
فأتتك طالبة الأمان لنفسها ... لتنال بعض الصيب من ثجاجها
لبتك إذ سمعت نداك وأقبلت ... مرهوبة تستن من إزعاجها
ونزعتها بالقهر من غصابها ... والسابقون رضوا ببعض خراجها
حليت مراكشا بدر عقودها ... وفتحت مغلق نهرها وشراجها
стр. 2079
وجلبت منها للرعية نفعها ... وحللت ما قد عز من أرتاجها
كم من مزارع أخصبت وحدائق ... حلتها بالأقراط من أزواجها
يعلى على الإسكندر استدراكها ... ويحار رسطاليس في استخراجها
نالت من النيل المقدس شعبه ... وزرى بطيب المسك طعم مزاجها
لو يعلم الحكماء ما في مائها ... ما عالجوا المرضى بغير علاجها
فاق الرضاب حلاوة وعذوبة ... وحكى لباب الشهد حلو مجاجها
لو مازجت ماء البحار بمائها ... غلبت عذوبة مائها لأجاجها
يغنى عن السكار طعم زلالها ... وعن الغناء ينوب صوت لجاجها
تنسى الغريض ومعبدا نغماتها ... ويحار إبراهيم في إهزاجها
حلت لنا دار الهناء وخصصت ... روض المسرة إذ أتته بتاجها
أحيت نبات الأرض في جنباتها ... وأرت نجابة دوحها ونتاجها
حيث الحدائق شاكلت زهو السما ... في زهرها الزاهى وفي أبراجها
نسجت زرابى في الفلا مبثوثة ... من نورها كالمسك في آراجها
حفت بها حلل الأعارب رغبة ... في مائها وكلائها ونتاجها
جعلت بساحتها ملاعب خيلها ... ومطالع الأقمار من أحداجها
وأسامت الأنعام حول فسيحها ... فنمت بنجم جمالها ونعاجها
يا أيها المحيى شريعة جده ... والمرشد الهادي إلى منهاجها
والباعث الجرد السلاهب ضمرا ... نحو العدا تستن في أفواجها
تهدى أسنتها ولمع سيوفها ... نحو العدا كالشهب تحت عجاجها
стр. 2080
تجتاب باسمك كل خرق سبسب ... وتعود بالإفلاج عند معاجها
الله يسر ما تروم أما ترى ... عقم المنى عادت إلى استنتاجها
لو شئت من زهر الكواكب وصلة ... لهداك رافعها إلى معراجها
كم أمة شقيت بسيفك إذ عثت ... أخنى عليها الدهر باستدراجها
وقبيلة تبعت سبيلك فاهتدت ... حاطتها حارسة العلا بسياجها
وممرد لعب الهوى بضميره ... أرضته خطية القنا بزجاجها
ومحب حق قد جذبت بضبعه ... فحبته أيدى المكرمات بساجها
تفد الوفود عليك طالبة الغنى ... تزجى الركائب تحت مبهم داجها
فتنال غاية قصدها ولو انها ... نادتك لباها ندى أفلاجها
عمت مواهبك الأنام فمالها ... إسآدها يهدى إلى إدلاجها
أنزلت رحلى في حماية مالك ... سامى المناقب والحلى وهَّاجها
ولئن لجأت فقد لجأت لسيد ... كشاف معضلة الورى فرَّاجها
طود الجلالة أصل كل فضيلة ... بدر الخلافة في الورى وسراجها
خذها أبا زيد نتيجة فكرة ... بكراً تهز العطف في ديباجها
طالت فطابت كالمنوه باسمها ... إن شئت سحر البابلى فناجها
والبس من المدح المنظم حلة ... قد طرزت واعطف على نساجها
واسلم لدهر أنت شمس زمانه ... ولأمة أنت الكفيل بحاجها
وقوله في العنب:
عرائس الروض تزهو في عرائشها ... لها خدور لصون الحسن والحسب
стр. 2081
قد ربيت في مهاد ما يحركه ... إلا النسيم إذا يهفو على كثب
وأرضعتها ثدى السحب درتها ... في كل حين ولم تبرز من الحجب
فأصبحت بعد ما تمت رضاعتها ... تعزى إلى الكرم لا تعزى إلى السحب
تكاد تسقط سكرا في أريكتها ... لو لم تقم بسرير العود والعنب
فيها لأهل التقى شكر ومهمله ... وزر لأهل الهوى وذا من العجب
وقوله يداعب الشريف الفكه الظريف مولاى الحجازى العلوى الذي كان المولى عبد الرحمن يتأنس بمداعبته وكان قد مات له غلام يسمى بيدق وجارية تسمى شويطرة:
هى الأيام تفجع بالمصاب ... وتمزج حلو نعمتها بصاب
تكدر بالمنية كل عيش ... وتولع بانتهاب واغتصاب
وتختلس النفوس ولا تبالى ... وتستلب النفيس ولا تحاب
رمت عن قوس نبعتها سهاما ... أتت من لم يكن لي في حساب
أصابت بيدقا ورمت جهارا ... شويطرة ولم تشفق لمآب
فهذا كان يتبعنى نهارا ... وتلك خديمتى عند الإياب
فتحسن عشرتى وتقم بيتى ... وتحرسه وتغسل لي ثياب
وذلك كان يحفظ لي مغيبى ... وأمتعتى ويحرس حول باب
وكان الصدق شأنهما ولكن ... جيوش الموت تولع بالرغاب
أأضحك بعد نيل الموت مني ... وأنعم بالطعام وبالشراب
وقد علقت شويطرة المنايا ... وجاورت البويدق في التراب
стр. 2082
فأفجعت الفؤاد بها وحسبى ... آسى وعلى الإله أرى احتساب
وكانت أنفس الأشياء عندى ... وأحذق من يجيب إلى خطاب
وكنت أُعدها لأمور نفسى ... وأحبسها لأنسى في اغتراب
وأطمع في اقتضائى لافتضاضى ... بكارتها فيرجع لي شباب
فوا أَسفا على ما فات منها ... فإنى بعدها حلف اكتئاب
مضت عني شويطرة وأبقت ... فؤادى من هواها في عذاب
وإنى أرتجى خلفا قريبا ... من الرحمن مع حسن المآب
وقوله وقد وصله كتاب، من شانئ يريد السباب، فسد في وجهه الباب:
ألا أيها الرامى بسهم سبابه ... على جهة التعرض لي في كتابه
رويدك عندي للسفيه مثالب ... ولكن أغض الطرف دون جوابه
رميت امرءا لا يعلق الذم ثوبه ... وليس يحوم العيب من حول بابه
ولى من لسانى صارم الحد فاتك ... يقد حشا المغتاب لي في قرابه
فإن مضك الذم الذي أنت أهله ... فأنت الذي أَحوجتنى لجوابه
وإن مزقت أسمال عرضك نفثتى ... فأنت طرقت الليث في وسط غابه
نهيتك عن أمر تبينت غيه ... وقلت لك التوفيق عند اجتنابه
فآليت أن لا ترعوى لنصيحة ... وزدت لجاجا في عظيم اغتيابه
إذا المرء لم يقبل نصيحة مشفق ... ولم يتحرج من قبيح اكتسابه
فدعه وأحداث الزمان تنوشه ... سيطرقه من لم يكن في احتسابه
стр. 2083
وقوله:
ذكرت ريح الصبا عهد الصبا ... فهوى لصب هواها وصبا
ما سرت إلا وسرت قبله ... ونفت عنه العنا والوصبا
باكرت روض النقاد وارتشفت ... من لمى ثغر الأقاع الأشبا
صافحت زهر اللواغب السرى ... وأتت صبحا تشكى الوصبا
جررت ذيل دلال سابغا ... وجرت طلقا بأكناف الربا
شوشت أغصان بان عندما ... نازعتها برد خز وقبا
سلبت من كل نور نفحة ... وغدت تهدى إلينا السلبا
جددت وجدا لنجد والحما ... منذ اهدت مواليه نبا
ما هفت يوما على القوم وقد ... سكنوا إلا استطاروا طربا
وأتت من طيها في حيها ... بشذا فاق العبير والكبا
كيف لا تسمو على الطيب وقد ... جاورت جيره سلع وقبا
وقوله:
مضى في المناهى والملاهى شبابى ... كأنى لم أُومن بيوم حساب
ولم أَدخر رادا ليوم مقامتى ... ولم أتخذ عقبى وحسن مآب
أنافس مثلى في البطالة والهوى ... وأُعرض عن تقوى ونيل مثاب
وأَسريت في ليل الجهالة خابطا ... به خبط عشوا في هوى وسراب
أَأَنعم عيشا في الورى بعد ما بدا ... بياض مشيبى في سواد شباب
стр. 2084
وقوله:
وأنفع النفثات السحريات رقى ... يبثها قلم الإنشاء في الكتب
وأكبر السحر تأثيراً وأصعبه ... سحر تولد بين الحبر والقصب
قاض على الكل مقبول وقد شهدت ... له المصاقع عند الحكم بالغلب
لم يهرم الدهر ما أثنى على هرم ... زهيره وفنى ما نال من نشب
وقوله:
أما الرسوم فلم ترق لما بى ... واستعجمت عن أن ترد جوابى
ولقد وقفت بها أُكفكف عبرتى ... طوراً وأمسح في فضول ثياب
وأسائل الربع المحيل تولها ... حتى رثى صحبى ورق ركاب
وقوله:
أريد إقامة الحجج المواضى ... لا محو زور أقوال الوشاة
وأدحض بالحقيقة كل وغد ... يبين الود وهو من العداة
وقوله وقد كان في سفر مع السلطان ماراً ببلاد زمور الشلح فبدا سرب من نسائهم متعرضات للسلطان فاستنشده بعض الرفقاء فأنشده بديهة:
أظباء زمور سلبتم مهجتى ... بقنا القدود وصارم اللحظات
وهتكتم بالقهر حصن تنسكى ... بجيوش حسن خريدة ومهات
شنت علينا بالنواظر غارة ... فأخذتم الألباب في الثارات
كفوا ألحاظكم الكحيلة وارددوا ... أسلاب ألباب على المهجات
أولا أيبحوا للشفاه شفاءها ... ولتستحلوا لثم تى الوجنات
стр. 2085
قالت أفى شرع الغرام تحكم ... أرأيت منحكم على الفتيات
نحن الملوك على الملوك وإنما ... أحكامنا بالقهر والغلبات
الجور عدل عندنا والظلم حـ ... ـق بيننا والذنب كالحسنات
وقوله في معنى التغزل والوداع. وعرض لذلك داع. وتخلص منه لمدح السلطان:
عرضت لنا كالظبية المغناج ... تختال في حلل من الديباج
هيفاء فوق قضيب بأن أطلعت ... بدر التمام بليل شعر داج
ورنت بعين مهاة رمل أُودعت ... فتنا تنسى فتنة الحلاج
لضعيف ذاك الجفن صولة قادر ... في العاشقين كصولة الحجاج
خرسى الخلاخل والسوار وقرطها ... والحلى مهما مشت كثير لجاج
يشكو لليل الشعر مدمج خصرها ... ما مسه من ردفها المواج
والعين من فرط السقام شكت لنا ... ما يشكيه الخصر من إدماج
أعدى سقام جفونها جسمى كما ... قلبى بنار الخد ذو إنضاج
إن مت من فرط الغرام فقاتلى ... غيد الغوان بكل طرف ساج
دينى على ظبيا تهن مواعد ... بالقرب منهام الغرام علاج
كم من شفا بين الشفاه لذى الجوى ... ودواء صب في لذيذ نتاج
أَصف الدواء لذى الهوى وأَظننى ... من لحظ عين العين لست بناج
إن التي سفكت دمى بلحاظها ... وسبت فؤادى بطرفها المعتاج
حيت فأحيت صبها بمكحل ... أحوى ووجه أبلج وهاج
стр. 2086
وتبسمت فأرتنا سمطى جوهر ... بمفلج لمدامة مجاج
لم أنس وقفة عيسها يوم النوى ... والظعن في الإلجام والإسراج
والقلب من ألم الفراق على لظى ... والعين تسخو بمد مع ثجاج
تشكو النوى لمحبها بلواحظ ... نعس الشفار ومقول لجلاج
ساروا فكم من مهجة في إثرهم ... ومدامع تستن كالأمواج
هم أودعوا قلبى الجوى إذ ودعوا ... وطووا بدور التم في الأحداج
نعب الغراب ببينهم فتفرقوا ... ليت الغراب مقطع الأوداج
بانوا فبان تصبرى من بعدهم ... وكلفت بالتأويب والإدلاج
سقبا لمنزلة اللوى من معهد ... فلكم قضينا بربعه من حاج
أيام تسعدنى سعاد بقربها ... وتزيح عنى الهم حين تناج
والدهر غض جفون كل مكاشح ... أوقاته للأنس ذات نتاج
كم ليلة طلعت طلائع أُنسها ... فجلت جيوش نوائب ودياج
إذ نطلع الكاسات فيها أنجما ... تجلى على النغمات والأهزاج
وندير من خمر الصبابة بيننا ... صبهاء صافية بغير مزاج
لا نقتفى غير العفاف ولا نرى ... غير الوفا في الحب من منهاج
وعشية رقت وراقت منظرا ... في شط بحر زاخر عجاج
يبدو فتحسبه سماء أفرشت ... أمواجه تلتاح كالأبراج
لو كنت شاهده وقد هب الصبا ... لعلمت كيف تلاطم الأمواج
والشمس ناشرة دوائب شعرها ... تبدو لدى آفاقه كالتاج
стр. 2087
وتزين صفحته بمذهب نورها ... فيهز عطف التيه عقبى الداج
والموج أمثال الكتائب يرتمى ... ويغير نحو الشط في أفواج
تهدى إليه بنفسجا من مائها ... فيرده متكسرا كالعاج
ويكاد يحكى الملك الرضا ... في جودها لو كان غير أُجاج
المالك الميمون طائره ومن ... حياه وجه السعد بالأفلاج
ما عابد الرحمن إلا رحمة ... ظهرت لحسم ضلالة وعلاج
وقوله:
قالوا أنراك عدلت عن سنن الهوى ... مذ حدت عن نظم القريض ونسجه
فأجبتهم برد الزمان أصابنى ... فجمود نار قريحتى من ثلجه
وقوله:
ترقرق في وجه الصباح صبوح ... فبان به للهم عنى سروح
وعاودنى للأنس عيد مسرة ... به لعهود الأنسات فتوح
ولم أر مثل (المامونية) معهدا ... بأكنافه تغدو المنى وتروح
هو السهب للشهب الزواهر مطلع ... وللفضل فيه والجلال وضوح
قباب كأبراج السما ومنازل ... خلال بروج قد علت وصروح
بها للظباء الكانسات ملاعب ... سمت ولربات الجناح جنوح
وقد صفقت تحت الظلال مذانب ... وساحت فصاحت في الغصون صدوح
ظللنا بها والسحب ينثر دره ... وللغصن فيه والأضات طموح
تلون فيه الجو كالدهر بشره ... يمازجه تحت الغمام كلوح
стр. 2088
وللريح في تلك الخمائل زفرة ... كزفرة صب قد عراه نزوح
وللكأس في كف السقاة تبسم ... وللشرب تقطيب لها وكلوح
فلا زال مأوى للملوك وللعلا ... تقرر فيه للسرور شروح
وقوله:
بنفسى روض من جمال جلوته ... وقد غفل الواشون عند صباح
سقاه حيا حتى ارتوى ورد خده ... حياء فحيانا بثغر أقاح
وغرد ورق الحلى من فوق قامة ... سمت فوق ردف كالكثيب رداح
فعانقت منها الغصن يهتز ناعما ... وقبلت منها البدر غب لياح
وقوله:
دعا داعى الشريعة للجهاد ... فلبوا مهطعين إلى الجلاد
فما هذا التثاقل والتوانى ... وحزب الشرك يضرب في البلاد
وكم هذا التغافل والتعامى ... وقد حفت بكم زمر الأعادى
وقال من مولدية:
يا نسمة هبت مع الأسحار ... تحيى القلوب بعرفها المعطار
وتقر من أهل المحبة أعينا ... لم تكتحل بعد النوى بغرار
حيت بأنفاس الخمائل أنفسا ... تشرى اللقا بنفائس الأعمار
وافت تجر من الدلال ذيولها ... وهنا وتسمح أوجه النوار
تروى أحاديث العقيق وحاجر ... عن بان نجد عن شذا الأزهار
فتسوق للصب المشوق صبابة ... وتشب في الأحشاء جذوة نار
стр. 2089
وتبث عن عرب برامة خيموا ... سرا تنزهه عن الإضمار
تتمايل الأشجار عند سماعه ... طربا وتفصح ألسن الأطيار
لم تدر دارين لسالب مسكها ... طيب الأريج ولا ظفير ظفار
لم لا تفوق وقد تلقفها الصبا ... وروى شذها نسائم الأسحار
وأتت على دار الحبيب فآذنت ... منه بقرب مسرة ومزار
وتوافق السعدان فازداد العلا ... فصل الربيع ومولد المختار
شهر به اهتز الوجود بأسره ... لظهور سر الله في الأسرار
وسرت مسرته على طول المدى ... وتجددت بتجدد الأعصار
لاحت بغرته السعود وأشرقت ... فرحا بوسطه سنا الأنوار
وتزينت فيه الجنان وحورها ... وتبررت بمنصة استبشار
وقال من قصيدة يهنئ بها مولانا على بن مولانا سليمان بدار أسكنه فيها والده السلطان ﵀ وقد جمع فيها العلماء والأعيان، لقراءة ختمات من القرآن، وكان ممن جمعته تلك الجملة، وانخرط مع أولئك الجلة،:
حياك حياك رب العرش يا دار ... ودار مع ساكنيك العز ما داروا
ولن تزالى بإذن الله دار على ... والمجد والجود والعلياء عمار
دار تود الشموس لو تحل بها ... وتحسد النازلين فيها أقمار
شيدت بها غرف من فوقها غرف ... وقد جرى تحتها كالخلد أنهار
بها سوارى عوارى كالجوار بدت ... عليها للحسن والإتقان أنوار
قد نمقت ببديع الحسن ساحتها ... كأنها الروض والألوان أزهار
стр. 2090
جرى بها سلسل مثل اللجين بدا ... في خصة فيها للرائين أسرار
فما البديع بديع عند رؤيتها ... وليس يذكر للرهراء أخبار
أست على الدين والتقوى ألست ترى ... فيها مدى الدهر للرحمن أذكار
عذراء قد بهرت حسنا وقد عنست ... دهراً لكفء لها في الناس تختار
فكفؤها المرتضى الأسمى أبو حسن ... فنعم من حلها ونعمت الدار
وزادها شرفا فخما إلى شرف ... أن قد غدا صنوه الأسمى لها جار
بتنا بها ليلة ما كان أقصرها ... كذا ليال الوصال فيها أقصار
للقارئين لدى أرجائها ... وللمصلين بالتسبيح إظهار
بنعمة تدهش الألباب مطربة ... ليست تحاكيها قينة وأوتار
للند والعود في أرجائها أرج ... وللمدائح إقبال وإدبار
وللشموع سطوع في مجالسنا ... كانهن قنا له سنانها النار
قابلن جيش الدجى ففر منهزما ... إن الدجا من جيوش النور فرار
وللمصابيح في تأنيقها عجب ... مثل النجوم لها في الليل إزهار
نردد الطرف في أرجائها عجبا ... فيرجع الطرف عنها فيه إحسار
يقول مبصرها من حسن بهجتها ... وللورى ببديع الحسن إقرار
يا روضة الحسن منك الحسن مسترق ... وللبها منك إيراد وإصدار
أنت التي جمعت للحسن أجمعه ... لما ثوى بك من للمجد مختار
стр. 2091
وقال يهنئ أخاه في الله الفقيه النزيه السيد محمد الشرفى بعرس:
هنيئًا أبا عبد الإله لك البشرى ... فهذا زمان السعد قد أظهر البشرا
وهذى رياض الحسن تزهو أريضة ... وهذى بشارات السعود أتت تترا
فرد من زلال الود غير مكدر ... وجل برياض الحسن واقتطف الزهرا
فقد وصلت من بعد طول تشوق ... غزال بليل الشعر قد أطلعت فجرا
سرت وظلام الليل أرخى سدوله ... وزارت على بعد الديار لنا بدرا
عجبت لشمس زارت البدر في الدجى ... وعهدى بأن الشمس لا تدرك البدرا
حكت ظبية وعساء جيدا وناظرا ... وأزرت بقد الغصن والصعدة السمرا
تشوق منها القرط صوت خلاخل ... فأرسل للإتيان بالخبر الشعرا
وقد غردت من فوق غصن قوامها ... حمائم حلى آذنت باللقا جهرا
تريك عقود الدر عند ابتسامها ... وتسقيك من سلسال ريقتها خمرا
ولا عيب فيها غير سقم جفونها ... وكفل رداح ثقله أنحل الخصرا
وغير حديث قد حكى السحر رقة ... له في سويدا قلب سامعه مسرا
فواصل بها وصل السرور ودم على ... ذرى المجد والعلياء مرتقيا فخرا
وخذها كما شاء الوداد خريدة ... تفوق الذى أُعطيت في وصلها مهرا
ودونكها كالروض قد نشر الحيا ... بأرجائه من دمع ديمته درا
ففتق من صوب الكمام أزهرا ... فأَعبقت الأرجاء من طيبها نشرا
ونادت طيور الشكر فوق غصونها ... هنيئا أبا عبد الإله لك البشرا
стр. 2092
وقال يتغزل:
سحرتك بالطرف الكحيل الساحر ... وبحسن قد كالقضيب الزاهر
وبغرة كالفجر تحت ذوائب ... كدجنة فاعجب لحسن باهر
وبنقطة مسكية في وجنة ... وردية ذات الأريج العاطر
وبريقها المعسول إلا أنه ... يشفى الحشا من كل داء ضائر
ريق أعز على من نيل المنى ... وألذ من رشف الرحيق لخاطرى
ماذا وكم أَوقعتنى في حسرة ... وجلبت لى من شقوة يا ناظرى
ولكم جمحت بتيه مبدان الهوى ... وحصلت في شبكات ظبى نافر
ولأنت يا قلبى فكم أصليتنى ... ورميتنى في بحر حب زاخر
أدخلتني في وسط معركة الهوى ... ما بين جيش قواضب وبواتر
وتركتنى في حى ليلى مثخنا ... بظبا ظباء لم أجد من ناصر
يا سعد هل لى في الهوى من سعد ... بشفا شفاه اللعس تحت غدائر
أم هل بنجد هواهم من منجد ... لمتيم في حاجز بمحاجر
فتكت عيون العين في أحشائه ... بشفار ألحاظ رمت بخناجر
وسطت عوامل قدهن بقلبه ... فغدا أسير عوامل ونواظر
أوثقنه بجبال وعد مخلف ... وشددن أسر وثاقه بمغادر
نفسى الفداء لظبية فتانة ... فتاكة بشفار شفر فاتر
نامت نواظرها وقد سلبت كرى ... طرفى بطرف بابلى ساحر
وغدا الجمال بأسره في أسرها ... والسحر أُيد جنده بعساكر
стр. 2093
فإذا بدت سجد العيون لحسنها ... تسبيحها سبحان ربى الفاطر
وترى القلوب خواشعا لجمالها ... مكسورة من كسر طرف كاسر
شمس على غصن تكون في نقا ... من تحت ليل ذوائب وغدائر
نصبت قسى حواجب موتورة ... بالسحر ترمى كل صب ناظر
فكأنما هاروت عن أجفانها ... يروى فيسند ساحر عن ساحر
ورعت رعاها الله في ربع الحشا ... حب القلوب ولم تخف من زاجر
كيداء قد ورثت محاسن يوسف ... ناهيك من حسن بهى باهر
وتوطنت بالمنحنى من أضلعى ... ومحصب الأحشا رمت من حاجر
فغدوت ما بين الأنام متيما ... بجمالها ومهيما في سائر
وغدا عذولى عاذرا في حبها ... فاعجب لعاذل ذى غرام عاذر
كم من عذول في الهوى ومكاشح ... غابت شواهده بوجه سافر
ولكم رقيب في الهوى ألفته ... بالشعر حتى عاد عند أوامرى
ولكم نظمت سلوكه في غادة ... فاقت قلائده بدر فاخر
ولكم ليال قد جلوت فريدة ... والكاس نجم في سماء أزاهر
ومديرنا رفع العقيرة منشدا ... قطعا ألذ من المدام الدائر
يشدو فيبدو الدر من أصدافه ... ثغر وشعر مع عقود جواهر
سقيا لأيام الوصال وقربها ... وزمان أنس بالأوانس زاهر
إنى لأذكره فأحسب أننى ... من كثرة الأشواق بين محاضرى
وأقول للأيام هل من عودة ... لزماننا الماضى بوصل حاضر
فعساه يظهر لى المتاب بعودة ... ويكفر الماضى حسن الآخر
стр. 2094
وقال يمدح سيدى محمد بن السلطان الموالى عبد الرحمن وكان إذ ذك خليفة والده بمراكش وولى عهده ووجهها له سنة ١٢٦٢ مع ولده الحاج إدريس:
عرضت وجيرتنا على أوفار ... في سرب عين بالنسيم جواز
هيفاء يعطفها الدلال فتستثنى ... فرحا ويكسوها حلى الإعزاز
هزت من القد القويم مهفهفا ... ومن اللحاظ الدجع حد جراز
حكمت بحلية الدماء ومادرت ... أن الشريعة لم ترد بجواز
وقضت علينا بالوفاء ولم تدن ... في مطل موعدها لنا بنجاز
بانت فقلبى خافق ومدامعى ... مرمضة والصبر في أعواز
تلك الظباء ظباء رامة قد غدت ... في جيش أرباب الغرام غواز
من كل قاصرة تطول إذا رنت ... حزب الكماة وهى في تجواز
تبدى التأنس بالنسيب وطالما ... أعيت مكايده على الغناز
جور الحسان على الكرام وظلمهم ... عدل بلا شكوى ولا اشمئزاز
ما ذاك إلا أن أنصار الهوى ... في صولة تخشى وفى إعزاز
ملك الجمال على القلوب محكم ... وجيوشه من أفخد الأوشار
تعنو لهيبته الرقاب كما عنت ... لمحمد المحمود ذى الأحراز
علم تفرد بالجلالة والنهى ... وغدا لخصل السبق ذا إحراز
زان الرياسة بالسياسة والعلا ... بسخائه والوعد بالإنجاز
وسما إلى رتب الكمال بعزمة ... لا تنثنى وبصارم هزهاز
فاق الثواقب بالمناقب وارتقى ... عن طيب أخلاق وطيب نجاز
стр. 2095
قل للمحاول شأوه أقص فقد ... ساويت بين الصقر والخزباز
ما كل برق لاح برق تهامة ... كلا ولا كل النسيم حجازى
والطير يظهر في المطاعم فضلها ... ما صيد باشقها كصيد الباز
حاولت مدح محمد فأقامنى ... إجلاله في موقف الإعجاز
وأطلت في أوصافه متطفلا ... فوجدت بسط القول كالإيجاز
يا مفردا جمع الفضائل كلها ... ما إن لفضلك في الزمان موازى
أرهقت أرباب الضلال بصولة ... ردت أبى النفس كالجلواز
وأسمت سرحك في رياض سعادة ... وسواك سام السرح في الأجراز
وكساك والدك الرضا حلل الرضا ... وقضى لوعد علاكم بنجاز
أَدركت في التقديم كل حقيقة ... لما اكتفى منها السوى بمجاز
سابقت أرباب العلوم ففقتهم ... بذكاء فهم زائد وحزاز
فلك اليد البيضاء في أنواعها ... والسبق في الميدان يوم براز
فسعيت سعى موفق ومسدد ... ونطقت نطق مصدق ممتاز
كم فتكة بكر لسيفك في العدا ... ومشاهد مشهودة ومغاز
كيف النجاة وسيف سعدك طالب ... للمارقين وسبف كفك غاز
قدت الخميس إلى الوطيس بعزمة ... تذر الكماة الصيد كالحراز
واسود حرب غابها سمر القنا ... مشهورة بالفتك في الشراز
لا يعرفون سوى التقدم في الوغا ... والضرب في الأعناق والأجواز
وإليكها أبكار فكر غضة ... جهزتها لحلاك خير جهاز
стр. 2096
تاهت على شعر العراق لطافة ... وزرت بأهل الرى والأهواز
يهوى الرقيق الطبع رقة طبعها ... وبعدها الجهال في الألغاز
قد جئت بالدر النفيس مفصلا ... عقدا وما أَنفقت من أعواز
ولطالما طلب الغواة ذخائرى ... حرصا ففاقهم نفيس ركاز
سمحت بها الأفكار وهى لواعب ... فأتت بغنة قينة ميجاز
وأَتتك عفوا حرة من حرة ... والحر لا يحتاج للمهماز
أنى يعارض الغوى وقد غدت ... بصفات حمدك في صوان طراز
حصتها بعلاك خير تميمة ... من كيد كل مكاشح هماز
ترمى نجوم سمائها حرسا لها ... شهبا لحرق الكاشح اللماز
ويحوط حوزة سرها ذو مرة ... فكأنه باز على قفاز
ولكم دَعِىٍّ رام عجم عقودها ... والدر لا يمتاز للبزاز
أسدى وألحم في مجال غروره ... ما حرفة الصواف كالقزاز
والشعر يعرف قدره من حاكه ... نساجه أدرى من البزاز
دم في ذمام المجد محروس العلا ... في نعمة موصولة بمفاز
وقال:
نادى السرور بسعدكم فتنزهوا ... فالروض قد أَهدى حلاه وخزه
بسط الربيع به بساط زبرجد ... قد أحسنت أيدى السحائب طرزه
قد كان كنزا في التراب مطلسما ... فتحت رقى كنز الغمائم كنزه
أبدت خبايا الأرض من بركاته ... ما أَوضحت لس الكمائم رمزه
стр. 2097
طلعت طلائعه بكل ثنية ... تهدى بدائعه وتنشر بزه
وجيوشه النوار تظهر في الرُّبى ... أعلامه يبدى علاه وعزه
ملك الفصول له التقدم بينها ... من رام شأو سناه منها عزه
فخر الزمان بصفيه وخريفه ... وشتائه يوم الفخار وبزه
متصرف في الأرض عند وروده ... فأشب نرجسه وشيب لوزه
تتنفس الجنات فيه أما ترى ... أرجا سرى أحيا الفؤاد وهزه
وقال:
ما للظباء الجواز ... أعرضن عند الجواز
فتكن بى فمن أفتى ... في مهجتى بالجواز
بكل قد قناة ... وكل شفر جراز
لهن في كل يوم ... لدى فؤادى مغاز
قد طال للعين جور ... وهن حلف اعتزاز
ولا شفاء لقلبى ... إلا اللقا والتجازى
سأشتكى الظلم يوما ... إلى (الشريف الحجازى)
فهو في الحب قاض ... يقضى بحسن نجاز
قد حاز كم من خصال ... فهو بها ذو إمتياز
ففى الفصاحة فرد ... ما أن له من مواز
إن قال أسكت قهرا ... كل فصيح مماز
وهل لديك صراخ ... إن صاح في الأفق باز
стр. 2098
أُقسم بالبيت حقا ... وبالصفا والحجاز
ما إن رأَيت ظريفا ... مثل الشريف الحجازى
وقال يتغزل:
ألا خبروا ذات الخلاخل والقرط ... بأنى ملك للجمال بلا شرط
لقد أودعت قلبى وربك لوعة ... غداة بدت بين الوشاحين والمرط
تميس كخوط البان غازله الصبا ... وتسفر عن بدر وتفتر عن سمط
رمتنى بسهم الغنج عن قوس حاجب ... فأصمت فؤاد المستهام ولم تخط
وما كان الحب إلا بنظرة ... وتبتدئ النيران من ضرم السقط
عجبت لها مذ ورد الحسن خدها ... وزينة كف المحاسن بالنقط
وحلت بقلب المستهام وأهلها ... بذات الغضا ما بين نعمان وأسقط
وقال:
أبصر مقلتى فريد جمال ... قد سبى مهجتى بثغر الرباط
ظبى أنس قد قلبى بلحظ ... حل في حبه على رباطى
همت فيه لما تطلع بدرا ... فوق غصن هفا بـ (برج السراط)
وقال مجيبا لبعض أهل الرباط، ممن كان له به معاشرة وارتباط، وضمنها مساجلة ومداعبة في عتاب، وملاما على تقصير في كتاب:
أَتانى نظام منك كالدر في السمط ... فأنهلنى كأس الوداد على شحط
وذكرنى عهد الصبا ولطالما ... صبا للصبا النجدى ذو اللمم الشمط
هززت به عطفى ارتياحا ونخوة ... كأنك قد عاطيتنى كأس إسفنط
стр. 2099
ودبت حميا لفظه في مفاصلى ... جررت بها من نشوة طربا مرطى
وقرظت أرضا بالجهاد تشرفت ... وحلت من العلياء في موضع القرط
أما في رباط الفتح للفتح آية ... لمن يفهم المعنى المراد من الربط
ولكننى أُملى عليك دعابة ... تلوح كأخت الظبى تختال في الربط
وأبديت في حكم الغرام تلونا ... فطورا أخو ضبط وطورا أخو خبط
كأَنك في هذا خليع صبابة ... يشبب بالسودان طورا وبالقبط
أراك استباك البحر والموج والهوى ... وهمت هيام البط بالماء والشط
وقابلتنى لما نأيت بجفوة ... ولم تجر في شرع الوداد على شرط
أما هذه شهران مرت ولم يجئ ... رسولكم لا بالسلام ولا الخط
إلى أن أتت من بعد نأى رسالة ... خبطت بها عشواء في مضمر الخبط
وجئت بها بدعا لفرط اختصارها ... ولم تسم الأخبار والود بالضبط
ولولا اتضاح الصفح في صفحاتها ... وما قد حواه الصدر من غرر البسط
لأرسلت من عتبى إليك كتائبا ... مجللة بالزعف والبيض والخطى
ولولا الحياء من صفيى أبى العلا ... أخى المجد والعليا والخلق البسط
لم يراعى السرى في الأرى واغتدى ... على البعد يغرى الكف بالقد والقط
حماك حماه من سماع يراعى ... فلا ترع بعد مربع الأثل والخمط
وقم في مقامى عنده وارع وده ... وراع رعاك الله مالى من قسط
وكن شاكرا للفضل والفصل ذاكرا ... عهودى ولا تصبح لذاك أخا غمط
فلا زلتما في نعمة وسلامة ... بجيد كما حلى المكارم كالسمط
стр. 2100
وقال من قصيدة:
بدور أَعارت للبدور كمالها ... وأخفت بأفلاك السعود جمالها
حوى كل خدر بدر تم وأَسدلت ... عليها الغوانى الحافظات حجالها
فقلت أفجر قد تبلج ضوؤه ... أم الشمس أبدت في السحاب اعتدالها
فقيل بلى شمس الجمال تطلعت ... فأَخفت لنا شهب السما وهلالها
تأَمل ترى حسن البداوة ساذجا ... تجل عن التمويه من أن ينالها
تعلم منها الظبى حسن تلفت ... وقد سلبت غض الغصون اعتدالها
تشابه حسنا ثغرها وعقودها ... تأمل ترى أسلاكها وفصالها
وفى الكلة الحمراء بيضاء غادة ... تود ذوات الحسن منها دلالها
لديها قلوب العاشقين أسيرة ... تروم ببذل الروح منها وصالها
عجبت لها والليل أرخى سدوله ... بآفاقها والنور يبدو خلالها
نظرت إليها نظرة يوم حاجر ... فأَهدت إلى نفس المحب خبالها
وأخرى بأكناف العقيق فأرسلت ... إلى القلب من قوس اللحاظ نبالها
فعدت وفى قلبى من الوجد لوعة ... تهد من الشم الرواسى جبالها
وعاشت لما منت من الوصل برهة ... وقد سئمت نفسي الغداة مصالها
إذا أزمعت وصلى نجازا لوعدها ... تصدى لها واشى الهوى فأمالها
وإن رمت سلوان الهوى قال قائل ... من الوجد هل تسلو الجياد اختبالها
سموت إليها بعد هدء وهجعة ... وقد جدل النوم الثقيل رحالها
فقالت ألص أنت أم أنت فاتك ... يروم من الحسناء قهرا منالها
стр. 2101
فقلت لها إنى محب فقهقهت ... وقالت لعًا لو كان غيرك قالها
أتهوى وصال الغانيات وقد بدا ... بفودك صبح الشيب ينفى اتصالها
فأبت ولم تعلق بكفى ريبة ... وعدت على نفسى أُقبح حاله
أشيب وعيب إن ذا غير لائق ... بمن يبتغى الأخرى ويبغى كمالها
وقال يصف أهل الزمان، وأن الإنسان لا يسلم منهم كيفما كان:
أرى الناس قد أُغروا ببغى وريبة ... وغى إذا ما ميز الناس عاقل
وقد لزموا معنى الخلاف فكلهم ... إلى نحو ما عاب الخليقة مائل
إذا ما رأوا خيرا رموه بظنة ... وان عاينوا شرا فكل مناضل
وليس امرؤ منهم بناج من الأذى ... ولا فيهم عن زلة متغافل
وإن عاينوا حبرا أديبا مهذبا ... حسيبا يقولوا إنه لمخاتل
وإن كان ذا دين رموه ببدعة ... وسموه زنديقا وفيه يجادلوا
وإن كان ذا زهد يسموه نعجة ... وليس له عقل إلا فيه طائل
وإن كان ذا صمت يقولون صورة ... ممثلة بالعى بل هو جاهل
وإن كان ذا شر فويل لأمه ... لما عنه يحكى من تضم المحافل
وإن كان ذا أصل يقولون إنما ... يفاخر بالموتى وما هو زائل
وإن كان مجهولا فذلك عندهم ... كبيض رماد ليس يعرف خامل
وإن كان ذا مال يقولون ماله ... من السحت قد رابى وبيس المآكل
وإن كان ذا فقر فقد ذل بينهم ... حقيرا مهينا تزدريه الأراذل
وإن قنع المسكين قالوا لقلة ... وشحة نفس قد حوتها الأنامل
стр. 2102
وإن هو لم يقنع يقولون إنما ... يطالب من لم يعطه ويقاتل
وإن يكتسب ما لا يقولوا بهيمة ... أتاه من المقدور حظ ونائل
وإن جاد قالوا مسرف ومبذر ... وإن لم يجد قالوا شحيح وباخل
وإن صاحب الغلمان قالوا ألاَ بنت ... وإن أجملوا في اللفظ قالوا مبادل
وإن هوى النسوان سموه فاجرا ... وإن عف قالوا ذاك خبيث وباطل
وإن تاب قالوا لم يتب لزهادة ... ولكن لإفلاس وما ثم حاصل
وإن حج قالوا ليس لله حجه ... وذاك رياء أنتجته المحامل
وإن كان بالشطرنج والنرد لاعبا ... ولاعب ذا الآداب قالوا مداخل
وإن كان في كل المذاهب نافذا ... وكان خفيف الروح قالوا مثاقل
وإن كان مقداما ما يقولون أهوج ... وكان ذا ثبت يقولون ناكل
وإن يعتلل يوما يقولوا عقوبة ... لشر الذى يأتى وما هو فاعل
وإن صح قالوا ليس لله حاجة ... بمن يتعداه الردى والغوائل
وإن مات قالوا لم يمت حتف أنفه ... لما هو من شر المآكل آكل
وما الناس إلا جاحد ومعاند ... وذو حسد قد بان منه التحامل
فلا تتركن حظا لخيفة قائل ... فإن الذى تخشى وتحذر قائل
وقوله مادحا السلطان المذكور ومهنئًا له بشامخ تأييده لما خرج جيش الوداية عن الطاعة، وشقوا العصا ونبذوا يد الجماعة، وظهرت له مخايل الإعراض من جلالته قبل النكبة، واستجماع الهزبر للوثبة، وكثرت به الوشايات، ودبت له عقارب الإذايات، فخرج له المدح بالعتاب. وذكره بصالح خدمته لتلك الأعتاب، وما يغنى الدفاع إذا تمكنت الأسباب، وإلى الله المرجع والمآب:
стр. 2103
أمولانا أمير المؤمنينا ... حباك الله نصرًا مستبينا
وزادك رفعة وعلو شأن ... وإسعادا وتمكينا مكينا
وحكم سيف عدلك في الأعادى ... وأودى به البغاة المعتدينا
فإنك غالب بالله مهما ... غزوت حبالك الفتح المبينا
كفاك به اعتصامك كل عاد ... فعون الله للمتوكلينا
فقد حان حين مهلكهم ونادى ... فقم بالله ربك مستعينا
ولو لم تغزهم لكفاك ربى ... وكان لهم بمكرهم مهينا
وقد فشلت رياحهم وخابت ... مكايدهم وعادوا صاغرينا
وقد ساموا كبارهم هوانا ... وأَضحوا ما أَتوه ناكرينا
وقل لعبيد سيدنا البخارى ... ومن في حزبهم والمسلمينا
ثقوا بالله واعتصموا وقولوا ... إلهى أنت خير الناصرينا
فأنت ملاذنا وبك استعنا ... على هلك البغاة المارقينا
سيخزيهم وينصركم عليهم ... ويشفى صدور قوم مؤمنينا
ولا تخشوا فأنتم في جهاد ... ونصرة دين رب العالمينا
فإن الشرع في الباغين أفتى ... وألحق فعلهم بالمشركينا
وقدم أهل مذهبنا جهادا الـ ... ـبغاة على جهاد الكافرينا
وحكم الشرع في الأعداء ماض ... وليسوا في الأنام بمعجزينا
فقد شقوا العصا وبغوا وخانوا ... بغدرهم أَمير المؤمنينا
فكم من مثلهم صاروا حديثا ... وذكرا سائرا في الغابرينا
стр. 2104
وإن البغى مرتعه وخيم ... عقوبته معجلة يقينا
فهم أهل الردى إن لم يتوبوا ... ولم يأتوا لحكمك طائعينا
وأنتم أهل مكرمة وحلم ... وعفو عن جميع المذنبينا
يزيد الله أهل العفو عزا ... كما بحديث خير المرسلينا
أمير المؤمنين إليك أشكو ... أمورا خلفت قلبى حزينا
وأكبرها صدودك لا لشئ ... سوى زور الوشاة الحاسدينا
وإهمال الخديم وذاك عار ... على أهل الوفاء الأكرمينا
فلا كتب تسر ولا سلام ... به يحيى المشوق إليك حينا
وإصغاء السماع إلى أعاد ... حسبتهم لملكك ناصيحينا
وقد أشفوا صدورهم وأضحوا ... بنا بين البرية سامتينا
وكم قاسيت بعدك من أمور ... يكاد الصخر منها أن يلينا
بكيت لها دموع دم ولما ... أجد بين البرية راحمينا
وضاقت هذه الأرضون عنى ... لزور الممترين المفترينا
فلو كان الممات يباع يوما ... لكنت لكأسه في الشاربينا
ولكنى سأسال عفو ربى ... فإن الله خير الراحمينا
وأرجو الحق يبدى الحق حتى ... يريك الأصدقاء والكاذبينا
فإن الله لا يخفاه شئ ... وليس يضيع صدق الصادقينا
وهل يخفاكم أمرى وأَنى ... خدمت جنابكم تسعا سنينا
وأَفنيت الشبيبة في رضاكم ... ولم أمدد لغيركم عيونا
стр. 2105
ولم تكن الخيانة من فعالى ... ولست بناشئ في الخائنينا
ولكن ضاق بى الأعداء ذرعا ... فابدوا من مكايدهم فنونا
فلولا حلمك البادى علينا ... لكنت بمكرهم في الهالكينا
فديتك إن غدوت بعيد دار ... فلا تسمع كلام العار فينا
فشيمتك الكريمة ذاك تأبى ... وتأباه قلوب العارفينا
وحسن الظن خلقك قد عهدنا ... فعاملنا بذلك ما حيينا
فرجع حسن ظنك بى فإنى ... على حسن المذاهب ما بقينا
وتعلم حالتى وصلاح أمرى ... وحسن تقدمى في الناصحينا
فما بدلت بعد البعد حالا ... عرفت ولا رضيت سواها دينا
أنا الياقوت في طبع ونفع ... يزيد علا بنار الموقدينا
وإنى إن عدت عنكم عواد ... لملتزم لحضرتك الحنينا
وأسأل ربنا في كل وقت ... يكن لك فهوض خير الناصرينا
بجدك سيد الأوان طه ... محمدنا شفيع المذنبينا
عليه صلاة ربك مع سلام ... وآل والصحابة أجمعينا
وقوله مخاطبا الأمير المذكور وقد بلغه أن أعداءه نسبوا له عنده الخوض مع خاض من أهل فاس في الفساد عند خروج الوداية، وتجردهم للفحش والإذاية، وكان السلطان يعرف براءته ودينه، ويورده من حسن الوداد معينه:
مولاى إنى بعهد ودك واثق ... إذا أنت بالحال الخفى عليم
قد أكثر الواشون من بهتانهم ... والزور في خلق الورى معلوم