← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فقلت لها إنى محب فقهقهت ... وقالت لعًا لو كان غيرك قالها أتهوى وصال الغانيات وقد بدا ... بفودك صبح الشيب ينفى اتصالها فأبت ولم تعلق بكفى ريبة ... وعدت على نفسى أُقبح حاله أشيب وعيب إن ذا غير لائق ... بمن يبتغى الأخرى ويبغى كمالها وقال يصف أهل الزمان، وأن الإنسان لا يسلم منهم كيفما كان: أرى الناس قد أُغروا ببغى وريبة ... وغى إذا ما ميز الناس عاقل وقد لزموا معنى الخلاف فكلهم ... إلى نحو ما عاب الخليقة مائل إذا ما رأوا خيرا رموه بظنة ... وان عاينوا شرا فكل مناضل وليس امرؤ منهم بناج من الأذى ... ولا فيهم عن زلة متغافل وإن عاينوا حبرا أديبا مهذبا ... حسيبا يقولوا إنه لمخاتل وإن كان ذا دين رموه ببدعة ... وسموه زنديقا وفيه يجادلوا وإن كان ذا زهد يسموه نعجة ... وليس له عقل إلا فيه طائل وإن كان ذا صمت يقولون صورة ... ممثلة بالعى بل هو جاهل وإن كان ذا شر فويل لأمه ... لما عنه يحكى من تضم المحافل وإن كان ذا أصل يقولون إنما ... يفاخر بالموتى وما هو زائل وإن كان مجهولا فذلك عندهم ... كبيض رماد ليس يعرف خامل وإن كان ذا مال يقولون ماله ... من السحت قد رابى وبيس المآكل وإن كان ذا فقر فقد ذل بينهم ... حقيرا مهينا تزدريه الأراذل وإن قنع المسكين قالوا لقلة ... وشحة نفس قد حوتها الأنامل

стр. 2102

وإن هو لم يقنع يقولون إنما ... يطالب من لم يعطه ويقاتل وإن يكتسب ما لا يقولوا بهيمة ... أتاه من المقدور حظ ونائل وإن جاد قالوا مسرف ومبذر ... وإن لم يجد قالوا شحيح وباخل وإن صاحب الغلمان قالوا ألاَ بنت ... وإن أجملوا في اللفظ قالوا مبادل وإن هوى النسوان سموه فاجرا ... وإن عف قالوا ذاك خبيث وباطل وإن تاب قالوا لم يتب لزهادة ... ولكن لإفلاس وما ثم حاصل وإن حج قالوا ليس لله حجه ... وذاك رياء أنتجته المحامل وإن كان بالشطرنج والنرد لاعبا ... ولاعب ذا الآداب قالوا مداخل وإن كان في كل المذاهب نافذا ... وكان خفيف الروح قالوا مثاقل وإن كان مقداما ما يقولون أهوج ... وكان ذا ثبت يقولون ناكل وإن يعتلل يوما يقولوا عقوبة ... لشر الذى يأتى وما هو فاعل وإن صح قالوا ليس لله حاجة ... بمن يتعداه الردى والغوائل وإن مات قالوا لم يمت حتف أنفه ... لما هو من شر المآكل آكل وما الناس إلا جاحد ومعاند ... وذو حسد قد بان منه التحامل فلا تتركن حظا لخيفة قائل ... فإن الذى تخشى وتحذر قائل وقوله مادحا السلطان المذكور ومهنئًا له بشامخ تأييده لما خرج جيش الوداية عن الطاعة، وشقوا العصا ونبذوا يد الجماعة، وظهرت له مخايل الإعراض من جلالته قبل النكبة، واستجماع الهزبر للوثبة، وكثرت به الوشايات، ودبت له عقارب الإذايات، فخرج له المدح بالعتاب. وذكره بصالح خدمته لتلك الأعتاب، وما يغنى الدفاع إذا تمكنت الأسباب، وإلى الله المرجع والمآب:

стр. 2103

أمولانا أمير المؤمنينا ... حباك الله نصرًا مستبينا وزادك رفعة وعلو شأن ... وإسعادا وتمكينا مكينا وحكم سيف عدلك في الأعادى ... وأودى به البغاة المعتدينا فإنك غالب بالله مهما ... غزوت حبالك الفتح المبينا كفاك به اعتصامك كل عاد ... فعون الله للمتوكلينا فقد حان حين مهلكهم ونادى ... فقم بالله ربك مستعينا ولو لم تغزهم لكفاك ربى ... وكان لهم بمكرهم مهينا وقد فشلت رياحهم وخابت ... مكايدهم وعادوا صاغرينا وقد ساموا كبارهم هوانا ... وأَضحوا ما أَتوه ناكرينا وقل لعبيد سيدنا البخارى ... ومن في حزبهم والمسلمينا ثقوا بالله واعتصموا وقولوا ... إلهى أنت خير الناصرينا فأنت ملاذنا وبك استعنا ... على هلك البغاة المارقينا سيخزيهم وينصركم عليهم ... ويشفى صدور قوم مؤمنينا ولا تخشوا فأنتم في جهاد ... ونصرة دين رب العالمينا فإن الشرع في الباغين أفتى ... وألحق فعلهم بالمشركينا وقدم أهل مذهبنا جهادا الـ ... ـبغاة على جهاد الكافرينا وحكم الشرع في الأعداء ماض ... وليسوا في الأنام بمعجزينا فقد شقوا العصا وبغوا وخانوا ... بغدرهم أَمير المؤمنينا فكم من مثلهم صاروا حديثا ... وذكرا سائرا في الغابرينا

стр. 2104

وإن البغى مرتعه وخيم ... عقوبته معجلة يقينا فهم أهل الردى إن لم يتوبوا ... ولم يأتوا لحكمك طائعينا وأنتم أهل مكرمة وحلم ... وعفو عن جميع المذنبينا يزيد الله أهل العفو عزا ... كما بحديث خير المرسلينا أمير المؤمنين إليك أشكو ... أمورا خلفت قلبى حزينا وأكبرها صدودك لا لشئ ... سوى زور الوشاة الحاسدينا وإهمال الخديم وذاك عار ... على أهل الوفاء الأكرمينا فلا كتب تسر ولا سلام ... به يحيى المشوق إليك حينا وإصغاء السماع إلى أعاد ... حسبتهم لملكك ناصيحينا وقد أشفوا صدورهم وأضحوا ... بنا بين البرية سامتينا وكم قاسيت بعدك من أمور ... يكاد الصخر منها أن يلينا بكيت لها دموع دم ولما ... أجد بين البرية راحمينا وضاقت هذه الأرضون عنى ... لزور الممترين المفترينا فلو كان الممات يباع يوما ... لكنت لكأسه في الشاربينا ولكنى سأسال عفو ربى ... فإن الله خير الراحمينا وأرجو الحق يبدى الحق حتى ... يريك الأصدقاء والكاذبينا فإن الله لا يخفاه شئ ... وليس يضيع صدق الصادقينا وهل يخفاكم أمرى وأَنى ... خدمت جنابكم تسعا سنينا وأَفنيت الشبيبة في رضاكم ... ولم أمدد لغيركم عيونا

стр. 2105

ولم تكن الخيانة من فعالى ... ولست بناشئ في الخائنينا ولكن ضاق بى الأعداء ذرعا ... فابدوا من مكايدهم فنونا فلولا حلمك البادى علينا ... لكنت بمكرهم في الهالكينا فديتك إن غدوت بعيد دار ... فلا تسمع كلام العار فينا فشيمتك الكريمة ذاك تأبى ... وتأباه قلوب العارفينا وحسن الظن خلقك قد عهدنا ... فعاملنا بذلك ما حيينا فرجع حسن ظنك بى فإنى ... على حسن المذاهب ما بقينا وتعلم حالتى وصلاح أمرى ... وحسن تقدمى في الناصحينا فما بدلت بعد البعد حالا ... عرفت ولا رضيت سواها دينا أنا الياقوت في طبع ونفع ... يزيد علا بنار الموقدينا وإنى إن عدت عنكم عواد ... لملتزم لحضرتك الحنينا وأسأل ربنا في كل وقت ... يكن لك فهوض خير الناصرينا بجدك سيد الأوان طه ... محمدنا شفيع المذنبينا عليه صلاة ربك مع سلام ... وآل والصحابة أجمعينا وقوله مخاطبا الأمير المذكور وقد بلغه أن أعداءه نسبوا له عنده الخوض مع خاض من أهل فاس في الفساد عند خروج الوداية، وتجردهم للفحش والإذاية، وكان السلطان يعرف براءته ودينه، ويورده من حسن الوداد معينه: مولاى إنى بعهد ودك واثق ... إذا أنت بالحال الخفى عليم قد أكثر الواشون من بهتانهم ... والزور في خلق الورى معلوم

стр. 2106

ليس الملام عليهم فيما أتوا ... بل من يصيخ إلى الوشاة ملوم إنى صبرت على المكاره حسبة ... والله يعلم أننى مظلوم وكفى بعلم الله واسع قول من ... قبلى وظلم الحاسدين قديم: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم خافوا فضيحتهم بردى فانبروا ... للسعى في هلكى وذلك لوم إنى ليحجزنى الوفاء عن الجفا ... والدين عما زوروا والخيم فالود باق والمحبة غضة ... والصدر من داء الفساد سليم إن كنت خنتك في المغيب فخاننى ... حال المصاب الصبر والتسليم وإذا سمعت بما يسئ سماعه ... أملت أن لو حل بى المحتوم إنى سعيت ولا أزال بفضلكم ... أسعى لنيل طلاحكم وأروم وبذلك نفسى وما ملكت لأجلكم ... وصبرت حيث المستعين عديم ولسوف تتضح الحقائق جهرة ... ويلوح من أسرارها المكتوم وإذا علمت بحالتى ولم تصخ ... للحاسدين فأمرهم معدوم إن صح لى منك الوداد فإنه ... حسبى وحسب الحاسدين الشوم ظنى الجميل بكم لحسن وفائكم ... ولدينكم ولفضلكم معلوم أنا عبد إحسان له بولائكم ... كولاء سلمان له التقديم وعليكم حفظ الوداد لأنكم ... أهل الوفاء وعيدكم مكروم حاشاكم أن تشمتوا الأعداء بى ... أو أن يساء على الوفاء خديم والله أسأل أن يدوم لملككم ... النصر والتمكين والتعظيم بالمصطفين وبآله وصحابه ... فعليهم الصلوات والتسليم

стр. 2107

وقوله في حالة سجنه، وفقدان أمنه، يتضرع للسلطان في إقالة عثرته، واستنقاذه من نكبته: الحلم شيمة أهل البيت والكرم ... والصفح والعفو والإغضاء شأنهم والرفق ينشأ منهم والحنانة مع ... لطف وعطف فمهما استرحموا رحموا حسن الوفاء وحسن العهد شأنهم ... طول الدوام ومنهم تحفظ الذمم لا يؤيسنك من غير عقابهم ... فبعد رعد وبرق تسكب الديم خلائق ورثوها عن أب فأب ... قد سنها خير خلق الله جدهم أقررت بالذنب والغفران يشملنى ... وجئتهم تائبا والفضل فضلهم وقد جعلت شفيع الخلق كلهم ... وسيلتى أرتجى الغفران عندهم يا سيدى عابد الرحمن عفوك عن ... عبد مسئ بحلم منك يعتصم قد تاب توبة صدق من جنايته ... وعندك الحلم والإغضاء والكرم عامله لله وأعتقه ورق له ... فقد أضر به التعذيب والعدم قد عم حلمك كل الناس من كرم ... فكيف يخرج عنه مفرد علم لا زال ملكك في عز وفى شرف ... والفتح والنصر والعليا لكم خدم بجاه جدك خَير الخلق قاطبة ... صلى عليه إلهى ما بدا كرم والآل والصحب ما هبت بجاهم ... نسائم اللطف للقصاد فاغتنموا وما سرى فرج للمستجير بهم ... وجاء العفو والتسريح والنعم وقال وهو بحال الاعتقال، وكان الحكيم محمد يفرح ﵀ رمز له بمقال، وأوضح له لغز فال، فكتب له يستدعيه، كى يستفيد منه ما يعيه:

стр. 2108

عسى نفحة من حضرة القدس تسرح ... فيزهو بها قلب المعنى ويفرح وتأتى بتفريج وأمن وبسطة ... ويصدق ما قال الموفق يفرح لقد غاب عنى النهار وضوؤه ... فلا سره يبدو ولا الكتب تشرح لئن صدر عنا النهار وضوءه ... فبعد غروب الشمس مسرى ومسرح عليه سلام الله ما هب ناسم ... وما دامت الأرواح في الكون تسرح وقال: ألا عطفة يا آل بيت محمد ... على ضائع في السجن من غير فائدة أضر به ثقل الحديد وبرده ... وهذى الليالى بالبرودة شاهدة يحاكى الذى الموصول معنى وصورة ... هبوا صلة بالفضل منكم وعائدة وقال: ألا يا سيد الشفعاء غوثا ... لعان قد أضر به الحديد وآلمه الثقاف وعظم حزن ... يخر لبعضه البطل الشديد دعاك وإنه فيك ذو يقين ... يعالجه بك الفرح العتيد وأَنزل رحله بك مستجيرا ... فداركه بجاهك يا حميد عليك الله في القرآن صلى ... وسلم إنه الرب الحميد وقال من قصيدة: أسيدنا إنى بعفوك لائذ ... من العتب أو من ظنة وملال تكدر عيشى مذ رأيتك معرضا ... وأسهرت في عد الذنوب ليال فإن كنت قد أذنبت فالعفو واسع ... وفى العتب للأحرار ضرب نكال وفى سارعوا خير لمثلك نيله ... وأخذك بالآداب خير منال

стр. 2109

وسر العلا والود يظهر للفتى ... بإفهام حال أو بلحن مقال فلا تشمت الأعداء بى بعد ما غدت ... رقابهم يوم الفخار نعال ولا ترخصوا عرضى لهم بصدودكم ... فإنى إن تولوا المبرة غال ولا تجمعوا هجرا على وغربة ... وداء عفاكما ربنا المتعال خدمتكم عشرا سنين أعدها ... وسابقت في الميدان كل مغال قطعت بها شرخ الشباب وقد بدا ... صباح مشيبى في سواد قذال ومثلى محسود عليكم ومثلكم ... خبير بواش في الأنام وقال إذا ما حوت نفسى رضاك فحسبها ... ولست بحزب المبطلين أبال وقد كنت في يمينى يديك جعلتنى ... فلا تجعلنى بعدها في شمال وأنت بتتميم الصنائع كافل ... وبالرعى للخدام خير موال وعودتنا من حسن عهدك شيمة ... ومن خلقك المحمود حسن فعال تسائل عنا حيث غبنا وتعتلى ... وتمنحنا فضلاً بغير سؤال وتولى الذى تلقى البشاشة راضيًا ... وتلك لعمرى شىيمة المتعال ولم يك عن سوء يظن تأخرى ... وأنتم -حفظتم- تعلمون بحال وإنى لمولاكم وكاتب سركم ... ولى ذمة منكم وحرمة وال أعادى الذى عاداكم وأذمه ... وأمدح من والاكم وأوال وإنى لعمر الله حسان مدحكم ... أنافس في أمداحكم وأغال وقلدت جيد الدهر كم من قلادة ... بحمدكم فاقت سلوك لآل فلا تحرمونى قربكم بعد نيله ... ولا تقطعونى بعد طول وصال

стр. 2110

ولا تطردونى بعد ما بعلاكم ... عرفت فأنتم سادتى وموال بقيتم بقاء الدهر كهفًا لأهله ... وهنيتم النعمى بغير زوال بجاه رسول الله جدك أحمد ... شفيع الورى السامى بكل كمال عليه صلاة الله ثم سلامه ... وآل وصحب ماجدين وتال وقال: لمكناسة الزيتون عرج على صحب ... وخيم به في ذروة السعد والرحب وحى به من صفوة الود جيرة ... كرام السجايا عاكفين على الحب وأوطان أوطار سقى ربعها الحيا ... وطيبها العرف الأريج من القرب وقال: نأت قوت قلبى فالصبابة عائدة ... وزائدة في حرقة القلب زائدة قد استأنفت نفسى لمكناسة هوى ... لواذع شوقى نحوها متزايدة وقد كان قبل بالقديمة لى هوى ... ولكن نفسى بالحديدة واجدة وقال: أحن إلى ثغر الرباط وأهله ... حنين غريم للصبابة والوجد وأصبو إليه كلما عنَّ ذكره ... صبابة قيس أو مضاض إلى هند وما ذاك إلا أن قلبى ساكن ... لدى سكن فيه قريب على بعد متى تجمع الأيام بينى وبينه ... وأشكو إليه ما لقيت من البعد ويبدى الرضا والشوق منا تعانقًا ... بصدر إلى صدر وخد إلى خد فأجنى ثمار الوصل من روضة المنى ... وأسقى كئوس الأنس من خمرة الود

стр. 2111

وقال: أخلاى بالحمراء هل شفكم بعدى ... وهل شاقكم ذكر المعاهد من بعدى وهل عهدكم باق كما قد عهدته ... فإنى لعمر الله باق على العهد وهل عهدكم صافى المناهل سلسل ... جميل صفات الود مستحكم العقد فإنى وإن شطت بى الدار عنكم ... لأكثركم شوقًا ووجداً بذى ودى فإن تدعوا في الشوق أبعد غاية ... فأضعف ما تعنون عندكم عندى سلوا الليل عن وجدى بكم وصبابتى ... وبزل المطايا عن حنينى وعن وجدى أكن الجوى والدمع يبدى سرائرى ... فلله ربى ما أكن وما أبدى عسى نفحة أو لمحة من جنابكم ... تعلل صبا مستهامًا على بعد وقال وقد لقى بعض السلويين فسألهم عن أدباء بلدهم فأخبروا عنهم بالعجب فشوقوه لرؤيتهم والرواية عنهم فأنشد: أأهل سلا إنى مشوق لربعكم ... لألقط من أشعاركم حلية النحر وما هو إلا الدر نظم عندكم ... ولا غرو يلفى الدر في ساحل البحر وللقلب سر في سماع حديثكم ... ليعلم كيف النفث في عقد السحر وقال على شاطئ البحر بسلا في ٢٠ محرم سنة ١٢٣٨ م وكان قد توجه مع وفد إعلام، ذوى آراء وأحلام، قاصدين السلطان المولى سليمان فمكثوا بالعدوتين مدة، وخامرهم شوق جاوز حده: عرانى من ذكر الأحبة وحشة ... تضاعف وجدى عندها ونأى صبرى لطيف سرى بالوهم وهنا خياله ... فزار على بعد وقد كان لا يسرى عجبت له أنى اهتدى ومتى ارتقى ... إلى وكم من مهمه بيننا قفر

стр. 2112

وولى فكم نار توقد في الحشا ... اشتياقًا وكم دمع على أثره يجرى فبت وجنبى عن قتادة مسند ... وعينى حديث السهد تروى عن الزهرى فقلت أسلى الهم عنى بنظرة ... إلى خضرة أو بالتعجب في البحر فما زادنى إلا اشتياقًا كلاهما ... وصرت كمثل مطفئ الجمر بالجمر لعل الذى كان التفرق حكمه ... سيجمعنا بالقرب من حيث لا ندرى وقال: يا ظبية الأنس ذات الدل والخفر ... كم صدت صبابسهم الغنج والحور تخذت قلبى كناسًا تنزلين به ... والقلب منزلة تعزى إلى القمر متى أفوز بوصل منك مفردة ... يا منية القلب والإسماع والبصر ولا رقيب سوى كأس نروقها ... ولا مؤنس غير رنة الوتر وقال: حنت لأحمال أثقال النوى عيرى ... فذكرتنى أصوات النواعير يا عيرى حثى الخطا واستنشقى أرجا ... من نحو فاسى وإن عز الخطا طيرى فما مقامى بأرض لا أنيس بها ... ولا شراب سوى ماء الخطاطير إيه فما البعد عن أرض بها سكنى ... أهل الحضارة فيها والقناطير في كل قطر بها روض وساقية ... فلا مجاز سوى على القناطير تلقى بها أوجها راقت نضارتها ... مثل الدنانير في زى النواوير وقال: رأيت العز أجمع والمعالى ... بظل المشرفية والعوال

стр. 2113

وضرب الخيل المذاكى ... وتسليط الرجال على الرجال وإن خطابهم بلسان سيف ... لأفصح من مخاطبة المقال إذا أبدى على الراحات وعظا ... هدى رشداً وأنقذ من ضلال ومرهم بندق الجعبات شاف ... لأهل البغى من مرض الخبال إذا ومضت بوارقه وحنت ... رعود الوند من طلب النزال رقت روح الكماة إلى التراقى ... وطار القلب من خوف اغتيال وقال: عسى نفخة الألطاف يهدى نسيمها ... شذا فرح يشفى القلوب شميمها فإنى بباب الله أنزلت حاجتى ... وفى فضله آمال نفسى أسميها وجاه رسول الله أفضل شافع ... إلى الله في حاج لعبد يرومها فما خاب من إفضاله متوسل ... به فهو مقبول المساعى عظيمها وما لى مع حسن الرجاء وسيلة ... سوى دعوات بالخضوع أديمها وقولى وقد ضاق الخناق ضراعة ... مقالة مكسور الجناح هضيمها ألا يا رسول الله غوثًا لضارع ... فإنك محمود الخلال كريمها وإنى وإن علقت كفى بصاحب ... وقربى بباب الله لست أريمها وقال: حيت فأحييت بروج اللطف والفرج ... وانشقت من شذاها أطيب الأرج صبًّا صبا كل صب نحوها شغفا ... إذا هفت أذهبت ما كان من حرج عجيبة الصنع لو مرت على جدث ... أحيت به ميت الأشباح والمهج

стр. 2114

ولو سرى نفس منها على كبد ... حرا لأطفأ ما تلقى من الوهج ولو تنسم يوما عرفها دنف ... عان لعالجه الرحمن بالفرج وافت وقد حملت من كل نافحة ... شذا به يدرك الإفراج كل شج في ضمنها من ربى نجد وجيرته ... ما فاوح العنبر الشحرى في أرج جاءت بنشر الخزامى في تنفسها ... وحنوة وعبير عبهر بهج فلو درى مسك دارين بهبتها ... إذا سرى سرقا من نشرها الأرج وهل يقاومها طيب وقد نفحت ... من نحو طيبة مأوى صاحب الفرج محمد صفوة الأكوان من خلقت ... لأجله واكتست من نوره البهج ما زال يدعو إلى الرحمن حتى هدى ... من اهتدى لسبيل الرشد والفلج وكانوا من قبل في ظلماء مجهلة ... حتى استضاءوا بصبح منه منبلج خير الوسائل أزكاها وأشرفها ... عند الإله وأوفاها بمنزعج به توسل آدم فنال علا ... وفاز بالتوبة الخلصاء والعلج وكل فضل بدا في الكون منشؤه ... من سيد الرسل والخيرات منه تجى وكل من نال تشريفًا ومكرمة ... فمن علاه رقى لأرفع الدرج عمت شفاعته دنيا وآخرة ... لكل فرد بذاك الجاه مندرج بالمصطفى كل صعب يستلين لنا ... في كل ضيق بإذن الله منفرج وباسمه إن دعونا يستجاب لنا ... أو استجرنا ننال الأمن في اللجج فسل بجاه النبى كل ما أمل ... وافتح بجاه الرسول كل مرتتج فجاهه عند رب العرش ذو عظم ... وقدره أرفع الأقدار والحجج

стр. 2115

إنى نزلت حماه الرحب محتميًا ... بجاهه دافعًا للضيق والحرج وإن عرتنى من الأيام نازلة ... ناديت يا أزمتى بالمصطفى انفرج وإن تخوفت مكرًا أو خشيت أذى ... فليس إلا على علياه منعرج فلن يخيب امرؤ حط الرحال به ... وإن غدا عن سبيل الرشد ذا عوج أستغفر الله مما ضاع من عمر ... في سكرة الجاه محسوداً على الهوج وما اقترفت من الأوزار مشتغلاً ... في كل ممشى إلى نيل الدنا ومج يا ليتنى قد خلصت من حبالتها ... رأسا برأس ولم أحصل على حرج وليس لى عند حسن الظن أو لجإى ... لباب خير الورى بمنطق لهج يهيج الوجد شوقى من تذكره ... وأى قلب بذكر الحب لم يهج أقول للنفس إذ جد الرحيل بنا ... ونحن من خدع الأيام في وهج قدمت شيئًا تنالين الأمان به ... قالت نعم برجاء المصطفى فلج ما خاب قاصد خير الخلق من مضر ... وكيف وهو بكل المكرمات حج كم ذا التوانى وركب القوم قد سبقوا ... لحضرة الله والمغبون في هوج فإن حضرة خير الخلق قد فتحت ... باللطف بادر إلى أبوابها ولج وسر على نهج أهل الخير مقتفيًا ... أثر الثقات وإن أصبحت ذا عرج وتب إلى الله واضرع في القبول له ... وابك الذنوب بدمع غير ممتزج والجأ إلى الله في التوفيق مبتهلاً ... بالمصطفى ولتقل بمنطق هزج يا رب بالمصطفى والآل عترته ... وكل قلب بذكر الله مبتهج دارك عبيدك يا رب بمرحمة ... وستر لطف بسر العطف منتسج

стр. 2116

واحفظه في أهله وماله أبداً ... وامددهم مدد الخيرات في فرج وصل رب وسلم دائمًا أبداً ... على حبيبك هادى الخلق للنهج والآل والصحب والأخيار أجمعهم ... فالكون من نورهم في منظر بهج وارض عن الأولياء الصالحين فهم ... حصنى وأمنى وهم بين الورى سرج إنى بكم يا رجال الله في وزر ... فدار كونا بخير الخلق بالفرج وقال: والله لولا سبعة أرجو بها ... نيل المفاز ورحمة الرحمن ما قمت في باب الخلافة آمرا ... أو ناهيا في خدمة السلطان إبلاغ حاجات وغوث مؤمل ... ودفاع مكروه وبذل أمان وعلاء إسلام وبث نصيحة ... وإعانة الإخوان والأخدان وقال: أدر كاس البشارة يا نديم ... فقد رضى الإمام على الخديم وقابله بإقبال ورفق ... وعاتبه معاتبة الكريم علمت بأننى عبد لمولى ... سما بالفضل والصدر السليم يعود على الجناة بفضل حلم ... إذا صدقوا ويعفو عن المظلوم أضعت الحزم من جهلى فأغضى ... وأدبنى بتأديب كريم درى إنى سبيل رضاه أقفو ... فعلمنى وناهيك من عليم فلم يهمل لحسن العهد أمرى ... وأجرانى على العهد القديم ولولا فضله ما كنت شيئا ... ولكنى انتسبت إلى عظيم

стр. 2117

إذا ظفرت يدى برضاه عنى ... حصلت على الكرامة والنعيم وإن آنست منه وحاش غيرا ... يلملنى مململة السليم أدام الله رفعته وولى ... كرامته على النهج القويم وأسأله رضاه في رضاه ... وفوراً بالنجاة من الأليم بجاه جده المختار من قد ... حبا الرحمن بالخلق العظيم سلام الله والصلوات تترا ... على علياه من رب رحيم وآل والصحاب ومن تلاهم ... على نهج الصراط المستقيم وقوله متغزلاً: حوراء لو نظرت إلى صم الصفا ... عادت كثيبًا باللحاظ مهيلاً ولو انتمت يومًا لعزة حسنها ... لا ترتضى غير النجوم قبيلاً وقال: من لى بأهيف أحوى الطرف أحوره ... ممزق الود حلو الوعد كاذبه بدر ولكن قلبى من مطالعه ... ظبى ولكن فؤادى من ملاعبه رفعت راية حبى إذ خفضت له ... قدرى فجاد بجرى عن نواصبه لو لم يكن مفرداً في الحسن ما كتبت ... يد العذار سطورا حول شاربه لو لم يكن حبه قد حل في خلدى ... ما بت ليلى أرعى في كواكبه أقول للنفس إذ لج الغرام بها ... أما ترين الجوى الذى كواك به وقال: أحب القدود الهيف والأعين النجلا ... وأهوى الثغور البيض والساعد العبلا

стр. 2118

وأهفو لذات الردف والعطف إن مشت ... تحمل ضعف الخصر من عظم ثقلا فيا رب نعمنى بإدراك غادة ... فإنك يا مولاى عودتنى الفضلا وقال: وافت تجر من الدلال ذيولا ... ومن الهوى تجرى إلى خيولا هيفاء تخطر في برود شبابها ... فتزيد نظرتها المحب ذبولا وتهز مرط قوام قد مثمر ... بدرا كسا بدر السماء أفولا وقال: سل الرواة عن نفثات شعرى ... فكم أبرأن من قلب سقيم وكم أظهرن جودا من بخيل ... وكم أولدن من بكر عقيم فإن الشعر في التحقيق سحر ... كما قد جاء في الأثر الكريم ولى في نظمه القدم المعلى ... وأسرار تغيب عن العليم فأنظم حين أنظم رائعات ... تفوق الدر في العقد النظيم وأرفع بالمديح مقام قوم ... وإن كانوا ذوى أصل لئيم وأخمل بالهجاء منار قوم ... وإن كانوا ذوى قدر عظيم ولى قلم به بأس شديد ... يثلم حده حد الصريم يلين بالبلاغة كل قاس ... ويسحر بالبيان لهى الصريم ويترك ضربه الأقران صرعى ... لدى الميدان بالضرب القويم نثره: من ذلك في ظهير شريف، علوى منيف، أصدره السلطان مولاى عبد الرحمن لولده ولى عهده سيدى محمد معلمًا له بما أتاح له المولى من الفتح

стр. 2119

والظفر بمردة قبيلة زمور الشلح في واقعة سنة تسع بتقديم المثناة على السين وخمسين ومائتين وألف، تلك الواقعة التي فات منهم فيها الأحزاب، وتقطعت بهم الأسباب: "ولدنا الأرضى الابن الأرشد، سيدى محمد أصلحك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فقد كنا أردنا الإبقاء على قبيلة زمور رحمة وإشفاقًا، وحملهم على الاستقامة بالإرهاب من الشدة في بعض الأمور هداية وإرفاقاً، فلم يرد الله بهم خيرا لفساد نيتهم، وخبث طويتهم، واتكالهم على حولهم وقوتهم، فما رأوا منا ميلاً وسداداً، إلا ازدادوا شدة وفساداً، ولا أظهرنا لهم عظة وإرشادا، إلا أظهروا تطاولاً وعنادا، وما أخرنا المحلة المنصورة عن الركوب إليهم إبقاء وإلفا، إلا ظنوا ذلك عجزاً وضعفًا، قد طمس الإعجاب منهم بصرا وسمعا. ولم يروا أن الله قد أهلك من قبلهم من القرون من هو أشد منهم قوة وأكثر جمعًا: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندا فلما رأينا لجاجهم وعماهم، وعدم رجوعهم عن هواهم، وأنهم لم يعتبروا بجلائهم عن بلادهم، ولا بما أصابهم من الفتنة في أنفسهم وأولادهم، ولم يرعوا ما نهب من زرعهم القائم والحصيد، ولا ما استخرج من مخزونهم الكثير العتيد، رأينا قتالهم شرعًا، وجهادهم ذبا عن الدين ودفعا، فاعتمدنا على حول الله وقوته وأمرنا بالزيادة عليهم في الأخذ والتضييق، والمبالغة في النهب والتحريق، وتركهم محصورين في أوعارهم، ومقهورين في أوكارهم، إِذْ رُبَّ مطاولة؛ أبلغ من مصاولة، فتوالت عليهم الغارات، وتتابعت عليهم النكبات، لا يجدون إلى الراحة سبيلاً، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً، ففى كل يوم تثمر العوالى رءوس

стр. 2120

رؤسائهم، وتختطف أيدى المنايا أهل بأسائهم، وكلما زادوهم إقبالا وطلبًا، ازدادوا توغلاً في الجبال هربا. حتى نهكتهم الحرب، وضرستهم موالاة الطعن والضرب، وضاع بالحصار الكسب والمال، ولحق الضرر الأولاد والعيال، فجعلوا يرحلون لقبائل جوارهم، طالبين لحلفهم وجوارهم، وبلغ البؤس فيهم غايته، وأظهر الله فيهم آيته. وهم في خلال هذا كل حين يتشفعون، ويتذللون في قبول توبتهم ويتضرعون، ونحن نظهر لهم التمنع والإباية لنبنى أمرهم على أساس الجد، ونجازيهم على ما ارتكبوه من خلف الوعد، فلما أنجزت القهرية فيهم وعدها، وبلغت العقوبة فيهم حدها، قابلنا إساءتهم بالإحسان، ورعينا فيهم وجه المساكين والنساء والصبيان، فولينا عليهم منهم ثلاثة عمال، ووظفنا عليهم خمسين ألف مثقال، وشرطنا عليهم تقويم مائتين من الحراك مثل قبائل الطاعة، والتزام الصلاح والخدمة جهد الاستطاعة، فقاموا بذلك أحسن قيام، وأعطوا المراهين في أداء المال بعد أيام، وكان أخذهم بعد تقديم الأعذار، وتكرير الإنذار، وعفونا عنهم عفو غلب واقتداء، ورب عقاب أنتج حسن طاعة، وتوبة نصوح تداركت ما سلف من التفريط والإضاعة، وفى الناس من لا يصلح إلا مع التشديد، وربك يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد: وما عن رضا منها عطية أسلمت ... ولكنها قد قادها للهدى القهر أردنا بها الإبقاء فازداد عجبها ... وأد بها التشديد والفتك والأسر ولو قيدوا النعمة بالشكر لأمنوا الزوال، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال، والسلام فاتح رجب الفرد الحرام عام تسعة وخمسين ومائتين وألف". وقوله في مقامة:

стр. 2121

"الحمد لله. حدثنا فتح بن سلامة، عن نصر بن كرامة، قال: ألحفنى السعد ببرده، وأتحفنى بحلو عيشه وبرده، وبوأنى من حمى الخلافة العلوية العلية ظلالا، وأعلق كفى في خدمة الحضرة المولوية العبد الرحمانية حبالا، في دولة علوية أعلى العلا أعلامها، وحمى الإله حماها، عقد السعود على التناصر عقدها وذمامها، واليمن قد واخاها، فبلغت بطلعتها أمنها ومرامها، وتوصلت لمناها، وبنى الأئمة من قريش مجدها ومقامها بين الورى وعلاها، حموا الشريعة بالسيوف وأوضحوا أعلامها وتنوروا بسناها، فكنت منتظمًا في سلك كتابها، ومعهود في خدمة أعتابها، وصحبت ركاب مولانا العلى العلوى، وجيشه المنصور المولوى، في إحدى قدماته من الحوز، في سفر أسفر طالعه عن وجه الظفر والفوز: في عسكر ملأ القلوب مهابة ... والأرض خيلا بالعوارف يفهق للفتح والتمكن فيه دلائل ... وعليه ألوية السعادة تخفق نهض لها أيده الله غرة ذى الحجة متم عام ناشر، والسعد لمعهود العنانة ناضر، والرعب يقدم جنوده، والسعد ينشر ألويته وبنوده، والنصر تحت ظلال أعلامه، وحفظ الله من خلفه وأمامه: والدهر معتدل الآناء مقتبل ... والشمس حلت ببرج السعد والشرف ومطارف السندس بالآفاق قد نشرت، وجنود النور حشدت ألوانها وحشرت: والأرض تجلى عروسًا في ملابسها ... وشت حلاها يد الأنواء بالزهر والنسيم قد عطر بنشره الأودية، وغازل الأغصان فنازعها المطارف والأردية، وجر ذيل دلالة في الآكام والأودية. والريح تلطم أرداف الربى ... مرحا وتلثم أوجه الأزهار

стр. 2122

ومنابر الأغصان قد قامت بها ... خطباء مفصحة من الأطيار وألسن الحال تهدى إلى التفكير في مصنوعات الله وترشد، وكأنها تتمثل بقول أبى نواس وتنشد: تأمل في نبات الأرض وانظر ... بدائع ما بها صنع المليك عيون من لجين شاخصات ... على أطرافها الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك والناظر الأديب المتأمل، ينشد قول المجنس الممثل: إن هذا الربيع شئ عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء ذهب حيث ما ذهبنا ودرٌّ ... حيث درنا وفضة في الفضاء والجيش المنصور بحر متلاطم الأمواج، يسير فيملأ الفضاء ويغص الفجاج، ويقيم فيكون هالة على بدر سعود وشرف، وسور حفظ لا يعرف له طرف، قد رصت صفوفه، وتعددت ألوفه، وتنوعت أجناسه وصنوفه: من كل أبيض قد تقلد أبيضا ... عضبا وأسمر قد تقلد أسمرا والخيل تمرح في أعنتها، وتمضى في الخيلاء على سنتها، قد خليت من الأسلحة بما راق وراع، وأعجز وصفه ألسن اللسن وأهله اليراع: مؤصلة من ذى العقال وداحس ... وآل الوجيه والنعامة والخيفا فمن أشهب لبس النور رداء، وسابق البرق عداء: فكأنه في حليه وسلاحه ... صبح تقلد حلية الجوزاء ومن أدهم خلع الليل عليه إهابه، وأثبت بين عينيه شهابه: فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه

стр. 2123

واحمر فأما وصفه فمطهم عتيق، وأما لونه فعقيق، واصفر كأنما صيغ من ذهب، أو خلق من لهب: ألقى الأصيل عليه من نضارته ... غلالة وشت الظلما حواشيها ومن أزرق قد تسربل حلة السماء وتحلى بالنجوم، أو رام استراق السمع فرمته بشهب الرجوم: عطايا أمير المؤمنين وبره ... بأجناده والبر بالجند يحمد مليك حليفاه التوكل والرضا ... وأوصافه علم وحلم وسؤدد يصاحبه أمن ويمن ورحمة ... ويعضده فتح ونصر مجدد فتى المجد أما هديه فموفق ... رشيد وأما رأيه فمسدد به الدين سام والشريعة غضة ... تروق وركن المجد عال مشيد وإن له في مقعد الحكم حكمة ... يحل بها في الله طورا ويعقد فلا زال محمود المساعى مؤيداً ... يغور ثناه في البلاد وينجد فسرنا تحت ظلال العدل والأمن، نستجلى كل حين من غرته الميمونة طالع الفتح واليمن، ونرفل في أردية المعالى الضافية، ونكرع في بحار الجود الصافية، ونتمسك من النجح بالعهود الوافية، ونرتع في روض الأمانى والعافية: وقد بدت لنا وجوه الهدى ... مسفرة ولاح نور الفلاح فلما خيمنا بشاطئ وادى العبيد، قابلنا بوجه الجبار العنيد، وأبدى من مده آية الإعجاز، وقال بلسان حاله لا مجاز لا مجاز، واستعان من ثلج الجبال بالمذاب، فأرانا بحراً طامى العباب: نهر يريك السهم سرعة جريه ... والبحر عمقًا والشفير سعيراً

стр. 2124

فليسلم النفس المريد عبوره ... إن لم يكن لطف الإله ظهيرًا فأحجم عن عبوره القوم، واستبشر بالزبون العارف بالسباحة والعوم، وبات الناس في الآراء يترددون، ولقصص الناجين والغرقى يعدون، وقصارى أمنية كل واحد عبور ذلك الصراط، والانتظام في سلك الناجين والانخراط، حتى أنشد بعضهم واستحسن، وتمنى ما تمنى الحسن: ألا ليت شعرى هل أبيتن (١) ليلة ... بسهب الثنين أو بسهب بنى ورا وهل تعبرن نهر العبيد ركائبى ... وهل أتركن دايا وأدواءها ورا فلما تبلج أدهم الليل عن أشهب الصباح، وحيعل الداعى بحي على الفلاح، وتولت نجوم الليل تقفو إثره، وغدت سيوف ذكاء تخرق ستره، وأدى الناس النفل والفرض، وأشرقت بنور ريها الأرض. ولاحت لنا شمس النهار كغادة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب صدر الإذن المولوى بالعبور، وقدم له الصبور فالصبور، وجعل فاتحة ذلك نجله الأسعد، وفرعه الأنجب الأصعد، سيدنا ومولانا محمد، تفاؤلا لتستحسن العاقبة وتحمد، وكان قد تقدم الأمر المطاع بإعداد المعادى، للإعانة على عبور ذلك العدو العادى، فلم يكن إلا أن عبر الأول مكتفيًا بالمختصر عن المطول، وظهر من لطف الله وسعادة مولانا ما عليه المعول، وحمد الناس الله على ما سهل من ذلك وخول، وتتابع العبور على الريح والأعواد. مع سلامة الأنفس والأرواد. وشاهد الناس لجيش مولانا المنحمى، شبه ما ظهر من الكرامة لعبد الله بن الحضرمى، ولا غرو أن يعطى التابع حكم المتبوع، ويظهر للعيان حقيقة ما هو مروى ومسموع، ولله قوم يسعدهم ويسعد بهم، ويظهر عنايته على من تعلق بسببهم.

стр. 2125

وإذا السعادة أحرستك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان واصطد بها العنقاء فهى حبالة ... واقتد بها الجوزاء فهى عنان ولما خيمت الجموع بالعدوة الأخرى، ورأوا السلامة غنيمة وذخرا، وعاين الناس ما تعودوه مع أمير المؤمنين من النجاة والصعود، والفوز المشهور المشهود، والتيسير المعلوم المعهود، هنأ بالسلامة بعضهم بعضًا، وجعلوا ذلك بينهم سنة وفرضًا، فلا تلقى غير حامد وشاكر، ومقر بنعم الله ذاكر، واتسع لديهم المجال، في الروية والارتجال، فمن ناظم وناثر، ومقصر ومكاثر. ومن قائل: أرى نهر العبيد غدا عنيدا ... يعاملنا بجور واشتطاط عبرناه على خطر وخوف ... على غير اختيار واحتياط وذلَّله الإله لنا فسرنا ... من الريح المسخر في بساط يهنئ بالعبور البعض بعضا ... كأنا قد عبرنا على الصراط ومن متمثل في عبور الوادى. على المعادى: لئن كنا ركبناها ضلالا ... فيا لله إنا تائبونا فأخرجنا عن المرغوب منها ... فإن عدنا فإنا ظالمونا ومن منشد، وإلى لطف الله مرشد: عبرت نهر العبيد قهرا ... على بساط من الهواء ولما حمد الناس الإيراد والإصدار، واستقرت بهم بعد العبور الدار، وشكروا على فضل الله إمامهم، وجعلوا القبيلة التادلية أمامهم، وذكروا معاهد البلد ورجالها، وأطالت الألسن في ذلك مجالها، وأوضحوا بذكر كراماتهم غرر السيادة وأحجالها، فقام زعيمهم، فقال: يا قوم إن الشعر ديوان العرب، ووسيلة لقضاء

стр. 2126

الأرب، ومفتاح لكنوز الأسرار، ووصلة إلى عطف الأبرار، وحلية للفضلاء والأحرار، تنفعل النفوس الكريمة لنشيده، وتعنو الهمم العلية لبديعه ومشيده، وترتاح إليه الطباع العربية، وتهتز له النفوس الأبية، فتستجلب الأرباح بتقليد أعلاق فريده، وتستحلب أخلاف الفضل بحديثه الغض وجريده: فكم شفع القريض فنال سعدا ... وقرب للسيادة من قصى وكم أغنى أخا فقر وأقنى ... وكم أعلى أخا قدر دنى وحسبك آية إكرام كعب ... وما قد نال من عطف النبى فهل فتى منكم يورى في مدحهم زنده، وينفق على أخوته مما عنده، ويجلب للجميع ببديع الاستلطاف، ورفيع الاستعطاف، ما تفيض به أبحر المواهب، وتستجلى به وجوه المذاهب. فقال أحدهم أجل، وقام وارتجل: أرجال تادلة إليكم عزمتى ... تسمو وعطفكم الذخيرة والسنا أنزلت رحلى في حمى عرصاتكم ... فعلى الكرام لضيفهم نيل المنى فتعطفوا لنزيلكم وتلطفوا ... ونداكم يقضى بإدراك الغنى فقالوا لقد دعوت منهم مجيبًا، وسترى من سر الله عجيبًا، غير أنك اقتصرت واختصرت، وقصرت لما اهتصرت، فهلا آثرت من نحن جميعًا تحت ظلاله الوارفة، وخصصت من ملكنا بفضله تالد المجد وطارفه، واستجلبت فإن المولى، أحق بالأثرة وأولى، مع أن نواله للبرية شامل، وأفضل ما به يدين الإنسان الله ويعامل، وقد أفصح عن ذلك وأعرب، أثر الدعاء إذا كان أعم كان إلى الإجابة أقرب، فأنشد فتى وما روى، وأنقع غلة السامعين وروى:

стр. 2127

أرجال تادلة الأكا ... رم أنتم خير الرجال وإليكم تنمى العوا ... رف والمعارف والمعال ولديكم يرجو المؤمـ ... ل عطف أرباب الكمال هذا أمير المؤمنيـ ... ـن بحيكم حط الرحال متفيئا من ظلكم ... وعلاكم ضافى الظلال وقراه نيل العطف من ... كم والقبول والوصال راج منكم فتحا ونصـ ... راً ظاهرين بلا قتال وصلاح أحوال الرعـ ... ـية في مقام وارتحال ومنال تيسير المقا ... صد كلها في كل حال فلأنتم أسمى الوسا ... ئل في السؤال والابتهال ولأنتم الحصن الحصيـ ... ـن إذا طغا خطب وهال ولأنتم العضد القو ... ية والقواضب والنبال وحماكم الحرم الأميـ ... ن لذى اعتلاء واعتلال ما أمكم متوسل ... بعلاكم إلا ونال كلا ولا انتصر امرؤ ... بجنابكم إلا وصال فلتقبلوا ولتقبلوا ... بالفضل يا أهل لكمال إلى أن قال: فلما أكمل الإنشاد، وأشاد من المفاخر ما أشاد، بلغت النفوس مرادها، واستحسنوا ختام المجلس بذكر أهل الفضل والنسك، واستنشقوا مسك ختامه وكان ختامه مسك".

стр. 2128

بعض ما قيل فيه: من ذلك قول الأديب الشيخ بدر الدين يوسف المدنى لما وفد على حضرة السلطان سنة ١٢٥٧: شنفت أسماعى بقول مطرب ... لله درك من بليغ معرب لاطفتنى وجبرتنى وسررتنى ... ولقاء شمس علاك غاية مطلبى ورضاك حسبى في الفخار فكيف إذ ... ألبستنى حدل الثناء الأطيب ما كنت أهلا للثنا كلا ولا ... جيدى لذاك العقد بالمستوجب أنتم أولو المجد الذى يأوى إلى ... بيت على هام السماك مطنب وبحلية العلم الشريف وبالتقى ... والحلم زينتم جلال المنصب فلكم بدا الفضل المبين وغيركم ... مستنجع لوميض برق خلب وعقود درك سيدى جمع الثنا ... فيها وكان الفخر حال المطنب شكرا فإن جميل برّك قد حوى ... رقى وضاق بنيل كفؤك مذهبى حليت منى عاطلا وذكرت مـ ... ـنى خاملاً وأزلت حالك غيهبى لن أستطيع لك الجزا لكن من ... بالوسع جاد فذاك غير مؤنب فاعذر دان قابلت درك بالحصا ... هذا مقام العائذ المستعتب وعليك من محض الوداد تحية ... أذكى وأشهى من سلاف الأكؤب وفاته: توفى ضحى يوم الأثنين الرابع من المحرم الحرام فاتح سنة أربع وستين ومائتين وألف. ٢٨٣ - محمد أبو عبد الله بن على بن حرزهم المكناسى أصلاً ومنشأ ودارا . حاله: فقيه أستاذ حافظ، أعدل أديب خطيب بجامع مكناسة الكبير، كان

стр. 2129

قد حاز قصب السبق في ضبط القرآن وحسن الصوت، فكان يخطب بأمير المؤمنين مولانا سليمان، هكذا ذكره أبو العباس الأغزاوى الجبلى في بعض تقاييده. ٢٨٤ - محمد فتحا بن أبي سالم عبد الله بن الطاهر الشريف الأمرانى . والد المولى الكامل المتقدم الترجمة، وقد تقدم رفع نسبهم الكريم في ترجمة ولده المذكور. حاله: علامة مشارك، خطيب مصقع، صالح عابد، ذاكر ناسك، فاضل جليل القدر، ولد بأفران ونشأ بزرهون، وقرأ بفاس وسكن مكناسة الزيتون، وتولى خطبة الجامع العتيق بها، وكان لا يخطب بخطب غيره ينشئ كل جمعة خطبة بحسب مقتضيات الأحوال، وكان ناصرى الطريقة ناهجًا نهج السنة والجماعة في سائر شئونه. صاهره السلطان أبو الربيع سليمان ببنته المصونة السيدة أم هانى، وكانت صالحة عابدة ناسكة، تقرأ دلائل الخيرات، والورد الناصرى، لم يكن في وقتها أجمل منها، فما مات والدها السلطان أبو الربيع ولم يكن دخل بها بَعْلُها هَمّ السلطان بعده أبو زيد بن هشام بالعقد عليها لنفسه، فلما بلغها الخبر ذهبت إليه وقالت له: يا فلان، اتق الله فإن هذا لا يحل، ألست تعلم أن والدى كان زوجنى من الأمرانى، فتراجع وأمر بزفافها لزوجها المذكور ودونك نص عقد الصداق: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد المصطفى الكريم، وعلى آله وأصحابه أولى البر والتعظيم، ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، الحمد لله الذى خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديرا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث إلى سائر الخلق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجًا منيراً.

стр. 2130

أما بعد: فإن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المنصور بالله. المتمسك بأذيال سنة رسول الله، المصحوب بالأمن والأمان، أبا المواهب سيدنا ومولانا سليمان، زوج بنته المصونة البكر التي في حجره، وتحت نظر أمره، سيدتنا أم هانى شقيقة سيدنا ومولانا إدريس أصلحه الله وحفظه وأقر به العين آمين للشريف الأرضى، الفقيه المرتضى، مولاى محمد بن مولاى عبد الله الأمرانى لمروءته، وطلبه وقرابته ومسكنته، على صداق مبارك تدره ونهايته أربعون مثقالاً سكية حلولا حضر الزوج المذكور وقبل ما ذكر وارتضاه، وألزمه نفسه وأمضاه، شاكراً فعل سيدنا وداعيًا له بأن يجعل جزاءه رضا الله والنظر في وجه رسول الله ﷺ ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، إشهاداً تامًا وقبولاً عامًا، كما يجب على سنة المسلمين، وطريقة سيد المرسلين، شهد على مولانا دام نصره وهو على كرسى ملكه وعلى الزوج بحال الكمال من أشهداه به وعرفه في عشرى رمضان المعظم عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف عبد ربه تعالى محمد التهامى البورى، لطف الله به وعبد ربه تعالى أحمد بو عشرين لطف الله به". ووقفت على كتاب للوزير المختار الجامعى بعثه للمترجم يستدعيه للحضرة السلطانية نصه بعد الحمدلة والصلاة: "سيدنا الشريف الجليل، الماجد الأصيل، والفقيه العلامة الداركة مولاى محمد بن عبد الله الأمرانى سلام عليك ورحمة الله بوجود مولانا أيده الله ونصره. وبعد: فاعلم بأن والدكم البركة مولاى عبد الله شاور عايك سيدى نصره الله فأثنى عليك سيدى غاية، وأمرنى أيده الله بأن نكتب لك بأن تقدم لحضرته العلية فبوصوله إليك جد السير ولا تتراخى بارك الله فيك، وعلى عهدك ومحبتك والسلام في ٢٣ من جمادى الأولى عام ١٢٤٧ المختار خار الله له ولطف به":

стр. 2131

مشيخته: أخذ عن الأزمى وغيره ممن في طبقته العلوم العقلية والنقلية الأصلية والفرعية، أخبر المؤرخ الثبت الفقيه القاضى حينه بقبيلة بنى حسن السيد عبد الحفيظ الفاسى أن نجل المترجم العلامة مولاى الكامل حدثه أن والده المترجم حدثه أنه قرأ مختصر الخليلى على شيخه الأزمى في أربعين يومًا في كل يوم يقرأ الشيخ درسين أحدهما صباحًا والآخر مساء في كل درس نصف حزب، وأخذ الطريقة الناصرية عن الشيخ أبى بكر بن على الناصرى، عن والده على المذكور عن والده سيدى يوسف، عن ابن عبد السلام بنانى، عن أبى العباس أحمد بن ناصر، وأخذها أيضًا عن والده عن سيدى على بن يوسف المذكور وعن غيرهما. وفاته: توفى بفاس متم سنة خمس وسبعين ومائتين وألف، ودفن بالزاوية الناصرية هناك. ٢٨٥ - محمد بن العربى بن عمر الصنهاجى أصلاً المكناسى داراً ومنشأ . حاله: فقيه صوفى منور السريرة، درقوى الطريقة، لقنه إياها الشيخ المحبوب المدعو بأيوب. مؤلفاته: منها تقييد على الأبيات الثلاثة المنسوبة للإمام الجنيد وهى: توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر ... وإلا تيمم بالصعيد أو الصخر وقدم إمامًا كنت أنت إمامه ... وصل صلاة الفجر في أول العصر فهذى صلاة العارفين بريهم ... فإن كنت منهم فانضح البر بالبحر وقفت على مبيضته في نحو الكراسة فرغ من تبييضه ليلة الأربعاء ثانى شهر رجب عام أربعة وسبعين ومائتين وألف.

стр. 2132

٢٨٦ - محمد فتحا ابن الهادى غريط المكناسى النشأة والدار المراكشى الإقبار . حاله: من أهل المشاركة في العلوم، ومن يشار إليهم في تجرير المنطوق منها والمفهوم، حصل على الإجادة والإتقان، وأصبح علما يهتدى به، قوى العارضة، جيد النظم والنثر، ماهر في علم الطب وخواص النباتات، تقى نقى، هين لين، صالح خاشع متواضع، انتقاه سيدنا الجد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام لنفسه وحرمه وجعله الطبيب الخاص به، له فيه الثقة الكاملة، يعتقده ويعظمه ويقدره، ويأتمنه على حياته، لا يفارق على بابه، يظعن بظعنه ويقيم بإقامته. وكان ﵀ مغرمًا بحب الصالحين وأهل الفضل، معتقداً خصوصيتهم منتسباً ظاهراً وباطنًا إليهم، وعلى الأخص العارف الكامل أبو محمد عبد القادر العلمى فكان ملازمًا لخدمته، فانيًا في محبته. مستغرق الأوقات في مجالسته. والثناء عليه والحض على صحبته. والعض عليها بالنواجذ، وقفت على عدة مكاتيب له أصدرها لخاصة أصدقائه بما ذكر ودونك بعض نصوص بعضها ومن خطه نقلت: عوض أخى وولدى حقًا وصدقًا، الطالب السيد الهادى بصرى أصلحك الله وحفظك، وسلام عليك ورحمة الله عن خير ولله الحمد. وبعد: فقد وصلنى يا أخى كتابك، وأفهمنى مضمونه خطابك، وقد لوحت إشارتك، ووضحت عبارتك، وإنى وأنت يا أخى كلمحة برق في بعض العوالم، غير أن الله تعالى تفضل علينا جميعًا بنفحة كرمه تنسمت نسمات طيبها العاطر في مظهر منة العلمية، فاستوجبت منا جميعا أن ننفق بضاعة عمرنا في أداء شكر من بسط ضياء شمس وجودها علينا جميعًا، ومتعنا بوسع كرمه اللدنى فيه حتى شملتنا مبرته فأوسعنا خاطره رضى الله عنه بالتنزل الرحمانى الربانى، حتى إنه

стр. 2133

رضى الله عنه مع ثقوب نورانية كوكبه الدرى في بسط خلقه معنا جميعا كأحدنا، وأحني وأشفق علينا جميعا من والدينا، يهتم لما أهمنا وما يهمنا أكثر من اهتمامنا لأنفسنا. وهذا الأمر يا أخى في كثير من المعارف والأحباب صار كعنقا مغرب في زماننا، بل وفيما قبله في غالب غابر القرون الماضية، فلم يبق لنا جميعا يا أخى والله إلا حصر الشوفة القلبية والقالبية في انتظار كرم الكريم فيمن أظهر لنا كرامته، وأوسعنا مبرته، ففيه بربنا وربه غاية المنى، وشفاء الضنا، وفى إقبالنا بالله عليه تسهيل المقاصد، لكل قاصد، وسترى أنت وأنا وجميع أهل محبته رضى الله عنه من فضل الله ورحمته ما لم يكن لنا في حساب، فالله يا أخى معنا حيثما كنا حاضر لا يغيب، ودائم الحياة لا يموت، وعلى ما يشاء قدير لا يعجز أبدًا. هذه مذاكرة معك فيما لا يخفى عليك، والحمد لله يقننا الله وإياك بكمال اليقين، وطوى طويتنا وطويتك على إخلاص الموقنين، ورزقنا وإياك شكر الصابرين وتوبة الصديقين إلى الآخرة. وما أوسع يا أخى حلم الحليم، ورحمة الرحيم، وإن ربى لطيف لما يشاء، ولا تغفل يا أخى عنى وعسى نصر من الله وفتح قريب، متعنا الله جميعًا يا محل إخوتى في مطالعة كتب محاسن قدرته، ومحاضرة أنس بشائر ذخائر مبرته، فيما تفضل الله علينا به، فجعله لنا قدوة الاهتداء، وجمعنا به إليه فصار لنا خير في ليل عليه، وبالحقيقة كان الله ولا شئ معه، وفى قريب يرى عبد الله حسن الشفاء والعافية بالضامن الملى جل وعلا، وطالع يا أخى والخير العظيم في قراءة ما شاء الله من القرآن العظيم بالترتيل والتأمل، وفى الأسحار ربيع الأبرار، وملازمة ما تيسر من دلائل الخيرات بالتأمل التام أيضًا، تستلزم جلب المسرات، ودفع المضرات

стр. 2134

بمنة الله، واذكرنا بقلبك لله وعلى المحبة والسلام في سابع عشرى محرم عام ثلاثة وستين ومائتين وألف هـ. من خطه. فانظر هذا النفس النفيس، وتأمل ما منحه صاحبه من الرسوخ وثبوت القدم في توحيد الله وانغماسه في بحر الحقيقة الَّذي هو عبارة عن مقام الإحسان من الله علينا بالولوج فيه على أكمل الحالات وأرضاها لله وكم للمترجم من رسائل على هذا المنوال. مؤلفاته: منها رجزه المسمى رياض الأنس والفكر والقلب في التصوف والنصائح والمواعظ والرقائق وأحوال طريق القوم وآدابها، وسيرة شيخه العلمي وأوصافه من نشأته إلى وفاته ومعاملة أصحابه وما تلقاه منه من الحكم والأسرار والآداب، يزيد هذا الرجز على ثلاثة آلاف بيت قال في طالعته: سبحان من كون ما أرادا ... تكوينه إعدامًا أو إيجادا والكون محتاج إليه وفقير ... لفضله سواء صغير وكبير وفى تسميته يقول: سميتها رياض أنس الفكر ... والقلب كى يروى بنيل الشكر لله في مستودعات الإنسان ... من فضله جل بمحض الإحسان وفى بعض أوصاف شيخه المذكور قال: والجذب معه نحو أربع سنين ... وبعضنا به من المستيقنين ومع ذا بسائر الأذكار ... يصدع بالليل وبالنهار حتَّى قضى بفجر يوم الاثنين ... ليلة يوم سادس وعشرين شعره: من ذلك قوله متوجًا بحروف حسبنا الله ونعم الوكيل:

стр. 2135

بحفظ الحفيظ من أذى الغى والأعدا ... وساتر منه يرعاه من سائر الأدوا حفظنا وعين الله تكلؤنا ومن ... يكدنا بسوء في مكايده يهوى سلمنا من الآفات والله ناصر ... مجير لنا وقاصد الشر لا يقوى بك الله لذنا واعتصمنا وحسبنا ... حماك فلا تلمم بساحتنا بلوى نواصى العباد في يديك زمامها ... وتصريفها إلى نهايتها القصوى أجرنا من أيدى الجائرين ورد من ... يروم أذانا فاقدا نيل ما يهوى أعذنا من الخذلان واجعل مآلنا ... إلى جنة الفردوس يا سامع النجوى لو المجد ملجأ اللائذين فكن لنا ... وبالفضل تؤوينا إلى ذلك المأوى لنا كنت قبل الكون فاجعل عناية ... لنا منك تحمينا من الضر والأسوا أسأنا وحمل الوزر أثقل ظهرنا ... ولكن من الغفران أوزارنا تطوى هداك لنا المطلوب منك مع الرضى ... وخيرك يا ربى يزيد ولا يطوى ومجدك يا ذا النول حتَّى تصوننا ... وتنقذنا من المهالك والأهوا نصول بك اللهم فاحم جنابنا ... ومن كادنا رغمًا على أنفه يلوى عوائدك الحسنى لنا قد تكاثرت ... ولولا رضاك ما على نيلها نقوى موائدك العظمى إلينا تواردت ... ولا الشكر ودينا وما قدرنا يسوى أيقوى جميع الخلق شكرًا لبعضها ... وهيهات يحصى الرمل أو تحصر الأنوا لك الحمد حمدًا بالمزيد على المنى ... كفيلًا لنا أشهى من المن والسلوى ونشكرك اللهم شكر موفق ... تبر به من دون سؤل ولا شكوى كفى بك برا واهبًا متفضلًا ... وفضلك مع رضاك من أعظم الجدوى

стр. 2136

يوارى جميع العيب سترك منة ... فللذنب أول الصفح يا رب والعفوا لو أذى بوجهك الكريم وقدرك الـ ... عظيم التماسا للإجابة والدعوى بجاه عظيم الجاه أعظم شافع ... ومن شربوا من هديه المشرب الصفوا ﵊ مع الرضا ... على حزبه الألى فضائلهم تروى وقوله: وسيلة خير بالخيار محبره ... بعبد السلام للرسول مشوره مشيش أبو بكر على وحرمة ... وعيسى وسلام ومزور حيدره محمد إدريس فإدريس كامل ... وبالحسنين أختم بدور منوره وبالخل في ذات المهيمن يخلف ... أخى ابن مشيش في الطريق المبرره وأسلافه الغر الكرام ومن لهم ... من أخلافهم وأولى المعالى المقرره كمثل عبيد القادر العلمي ومن ... له الله بالمختار في الحب خيره وكل محب مخلص في جميعهم ... من أهل القلوب النيرات المعمره بصفو اليقين الراسخين به فهم ... سرائرهم لله فيه محرره تجلى لهم نور الرسول وسره ... فنالوا الكرائم العظام المسطره فيا ربنا بالفضل عامل جميعنا ... وصير لنا الخيرات منك مسخره إليك بجاه الأصل والفرع كن لنا ... وللشيخ والأحباب دنيا وآخره وصل وسلم ثم بارك على الَّذي ... أتى رحمة للعالمين مبشره وأصحابه والآل مع كل تابع ... ولله أبحر المواهب زاخره

стр. 2137

وقوله: بيملح ابن مشيس الرشاد ... وحمدان حامد رب العباد ومن نوره منهم في ازدياد ... بنجله قاسم المستشاد ضياه بمكناسة في اتقاد ... بعبدك يا قادر يا جواد تفضل علينا بعير نفاد ... بفضل مديد ليوم المعاد فنرجوك والمصطفى خير زاد ... لنيل الرضى وكمال المراد وفاته: توفى بمراكش عام واحد وسبعين ومائتين وألف ودفن بضريح مولانا على الشريف رحم الله الجميع. ٢٨٧ - محمد بن عبد السلام بن عبود أبو عبد الله المكناسى أصلًا ومنشأ السلاوى الدار والمدفن . حاله: صوفى ينحو منحى أرباب الحقائق، فصيح اللسان ذو ذكاء وحذق تام، كان لهجًا بالقرآن، متدبرًا لمعانيه، مستشهدا به في كل أحواله، حاد المزاج ضيق العطن، قل ما ترى العين مثله في حاله، تجرد على طريق أهل التجريد، ولازم العبادة على الحالة المعروفة عند كمل الطائفة الدرقاوية من رفع الصوت بالهيللة في الطرق، ووضع السبح المتنوعة في العنق. ثم رحل إلى فاس واشتهر اسمه بها، وأخذ الطريقة عنه بعض المنقطعين بها والراحلين إليها، ووقع بعض الإنكار عليه من أفرادها، ولم يزل يلقن أذكاره بها إلى أن أخرجه منها قاضيها أبو التقى الهادى الصقلى المتوفى بالمدينة المنورة بعد أدائه فريضة الحج وزيارته لجده ﵌ في محرم الحرام عام أحد عشر وثلاثمائة وألف، ودفن ببقيع الغرقد ﵀.

стр. 2138

فتوجه المترجم إلى ثغر سَلَا، واعتنى به عاملها إذ ذاك الخير الناسك الطيب الذكر الحاج الطيب الصبيحى مع بعض المحبين له، واشتروا له دارًا قرب المسجد اتخذها زاوية لنفسه، ووقعت له مع معاصره علامه سلا، ومؤرخها سيدى أحمد ابن خالد الناصرى مراسلات بمناسبة ما كان الناصرى المذكور ينكره على الطرق، وبالأخص على الطائفة الدرقاوية، وجهها له في معرض النصح له والتحذير من الإنكار على أهل النسبة، فلم يحتفل أبو العباس طبق ما أراد المترجم لعلمه بطرق الإنكار، وأما أنكرته الشريعة لا محاباة فيه، ولم تزل زاوية المترجم مزارًا للوافدين على سلا المنتسبين لطريق القوم رضوان الله عليهم، والمترجم في كل ذلك لائح عليه أثر الجذب، كثير النطق بذكر هادم اللذات إلى أن أجاب داعى مولاه ﵀ ورضى عنه. مشيخته: أخذ القرآن بمكناسة الزيتون عن أبي العباس أحمد الأعرج والمكى القصرى، وأبى عبد الله بن عزوز الحسنوى، وقرأ العلم بها على أبي عبد الله بن عزوز المدعو الهويج، وسميه ابن الجيلانى السقاط، والمختار الأجراوى، وأخذ الطريق الدرقاوية عن الحاج محمد العياشى أبي الشمع المكناسى المتوفى سنة أربع وتسعين ومائتين وألف، عن سيدى مالك الزرهونى، وأخذ أخيرًا عن أبي عبد الله محمد العربى المدغرى العلوى وعنه تلقى الحفيظة الدرقارية. الآخذون عنه: أخذ عنه الطريقة الدرقاوية على قاعدة أهل التجريد جماعة منهم العلامة أبو بكر بن محمد التطوانى السلاوى قاضى قبيلة زمور الشلح المتوفى بسيدى سليمان من بنى حسن سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف ١٣٣٧، وأخذ عنه الطريقة العلامة المشارك الميقاتى الفرضى سيدى المهدى متجينوش الرباطى، والعلامة المحقق شيخنا سيدى أحمد بن الجيلانى الأمغارى الفاسى، وصديقنا المؤرخ القاضي سيدى عبد الحفيظ الفاسى في آخرين.

стр. 2139

آثاره: له رسائل عدة على نمط رسائل مولاى العربى بعث بها لبعض مريديه والمحبين له، ورسائل في كراريس بعث بها إلى العلامة الناصرى، أخبرنى من وقف على بعضها، وأشعار ملحونة ومتزنة كما أُخبرت من طريق البعض ولست على يقين، كما أن له رسالة بعث بها إلى أبي عبد الله الحجوى. وفاته: توفى في رابع ربيع الأول عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف. ٢٨٨ - محمد الوزير أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله غريط . يدعى الفقيه بوغنبور الأندلسى الأصل المكناسى النشأة والدار، الفاسى النقلة والإقبار. حاله: قال حفيده صديقنا الفقيه الأديب الكاتب أبو عبد الله محمد بن الوزير الصدر المفضل غريط فيما ترجمه به ومن خطه نقلت: رجل الوقار والجد، أصيل السؤدد والمجد، شاعر تنبع الحكم من لسانه، وتمد أكف التسليم لإحسانه، كاتب حسن الشمائل، ذو رأى لا متأود ولا فائل، وحال عن العرض الزائل مائل، وخط تحسده الخمائل، ويحفه القبول عن اليمين والشمائل، وتبتهج العيون برونقه، وتنعطف النفوس لنسقه، كما قال المتنبى وأبلغ به من قائل: من خطه في كل قلب شهوة ... حتَّى كأن مداده الأهواء وله يد في الرباعيات والأرجال، وحظوة لدى بلغاء صلحاء الرجال، كالولى الصالح السمى، سيدى عبد القادر العلمي، والولى المجذوب الَّذي لا زالت كراماته تبدو، سيدى حفيد بن عدو، وذى الأحوال الباهرة والمدد العرفانى، مولاى الطيب الكتانى، قدم من مكناسة مسقط رأسه، ومنبت غرسه، إلى فاس مطلع شمسه، بعد أن حصل من العلم قدرًا كافيًا، وورد من الآداب منهلًا صافيًا، فاستكتب لعاملها الودينى مدة ولايته، اقتصر على صروف الدهر براية رعايته، إلى أن عزل العامل لسيئة اجترحها، وفتنة اقتدحها.

стр. 2140

قيل: إنه عبث بنسوة بعض الأعيان، وأطاع فيهن داعى العصيان، فاستجار أزواجهن بمن لهم كلمة مسموعة، وأسرة مجموعة، من الشرفاء الطاهرين أهل العدوة، وأثاروا ما لهم من نجدة ونخوة، فخرجوا عن طاعته وتمالئوا على الفتك به، وأعلنوا بعد صلاة الجمعة بحرم مولانا إدريس نور الله مضجعه بلعن القائد وسبه. وخشى السلطان مولانا عبد الرحمن أن يتسع الخرق بسببه، فأطفأ النار بحبسه، وسد ثلمة الهيعة برأسه، وحمل إلى سجن المدينة، بهيئة مهينة، وولى على أهل فاس القائد الأحمر، فأذاقهم البلاء الأكبر والوبال الأمر، ونفى بعض أولئك الشرفاء إلى مرسى الصويرة جزاء على فعلتهم الخطيرة، ونقل الوزير المذكور لأعتابه، مؤمنًا من ملامته وعتابه، وأدرجه في خاصة كتابه، وأغناه الله بالبحر على النهر، ومكث على ذلك حينا من الدهر، ولما كان فذ أهل أهل طبقته في الاختصار، والتجافى عن الإسهاب والإكثار. كان الإمام المذكور يؤثره لذلك بتنقيح واختصار ما استطوله، وتوضيح ما أشكله، فيرتب فصوله، ويلغى فضوله، ويبقى محصوله، ويغص به من يجر في مقام التشمير ذيوله، ثم ولاه الصدارة فأوسع لها درعه، واستفرغ في إدارتها وسعه، ولما رأى أن هذا المنصب محك القول ومحط الأهواء، وهدف سهام الوشاة والأعداء، صاحبه على غرر. وإن استخرج منه الدرر. ومعتقده في هم وتعب، وإن افترش السندس ومشى على الذهب، فهو كراكب الأسد، يخافه الناس وخوفه منه أشد: قرب الملوك يا أخا البدر السنى ... حظ جزيل بين شدقى ضيغم
следующие страницы →