مشيخته: أخذ عن والده ومن عاصره من الأعلام الحيلة.
وفاته: توفي أواخر محرم أو أوائل صفر عام أربعة عشر ومائتين وألف، إذ قد كان بقيد الحياة ووقع الإشهاد عليه بوصية في عشرى محرم من العام، وقومت داره بعد وفاته في سابع صفر كما برسم الشهادة على العراف.
٣٥٣ - المكي بن المختار الحناش .
حاله: فقيه علامة مفوه جليل عدل رضي كان يتعاطى الشهادة بسماط العدول من أعيان وجوه صدور عدول الحضرة المبرزين وقاداتها الأخيار المعتبرين، وقفت على نسخة رسم بشهادته بتاريخ سادس شوال عام حتى وستين ومائتين وألف، وتولى النيابة بالحضرة عن قاضى وقته.
وكان أوحد زمانه في الأدب والإنشاء نظما ونثرا، نساخا للكتب، شديد المحافظة والضبط والإتقان، حتى انتقاه سيدنا الجد السلطان مولانا عبد الرحمن بن هشام لنسخ مهم الكتب بحضرته السلطانية.
ويقال: إنهم أشراف أدراسة من ذرية مولانا عبد السلام بن مشيش، وإن سبب ورودهم لمكناسة هو أن لصا سرق جدهم الأعلى وهو إذ ذاك صبي يقرأ بالمكتب وأتى به لحضرة فاس زاعما أنه ابن له، والصبى ينفر منه ويفند دعواه إلى أن علم بذلك أولو الأمر وافتضح اللص، فأبق ناجيا بنفسه، ولما فشا الأمر وبلغ سيدنا الجد الأكبر مولانا إسماعيل وجه على الصبي واستفسره عن حقيقة الأمر فأخبره بالواقع فأبقاه بشريف أعتابه، وأدخله المكتب من جملة أبنائه ثم بعد قلائل جاء بعض أقاربه يتطلب أثره فدل عليه، فأتى الأبواب السلطانية فأخرج له الصبى فتعارفا، وحن كل منهما للآخر، ولما تيقن السلطان صدق الواقع أمر الولد بالتوجه لذويه فامتنع الصبى من الذهاب لما رآه من البرور به والإحسان إليه، فأبقاه السلطان
стр. 2207
من جملة أبنائه، وكبر في عينه وأحسن لأهله وأكرم مثواهم ووفادتهم عليه، فرجعوا لأوطانهم مبتهجين، وبشكر صنيع السلطان لهجين.
ثم بعد مدة ورد والده بسائر أهله واستوطن مكناسة الزيتون، فقوبلوا بكل اعتبار من لدن الجلالة السلطانية، وقلدوا الوظائف العالية المناسبة لهم كالكتابة والنساخة والدًا عن والد، إلى أن انقرض عقبهم والبقاء لله وحده، ولم يبق لهذا العهد من نسلهم غير امرأة مسنة تناهز التسعين، ومنها استفدت بعض الترجمة بواسطة والدها من غير نسبها، وإلى الله علم تفاصيل الحقيقة.
شعره: من ذلك قوله كما بكناشة أديب الرباط السيد محمَّد بن عمرو:
لما حللتم جنب اليم أمكم ... وقبل الأرض مسرورا بكم وربا
وصار يهدى إليكم من ذخائره ... وصاب بالحوت إكراما لكم وحبا
أعداه جودكم حسن شدوكم ... فاهتز لقرب منكم راقصا وحبا
وقوله:
محياك شمس الضحى المشرقة ... به حدقات الورى محدقة
وأسهم لحظك ترمى الحشا ... تخالها شهب السما المحرقة
وقوله:
يا من إذا الصبح أقبل ... حكى ضياء جبينه
ومن إذا الليل أسبل ... حكى سواد جفونه
وفاته: توفي في حدود السبعين ومائتين وألف.
стр. 2208
٣٥٤ - المكي بن أحمد السوسى والد السيد فضول .
حاله: فقيه عالم عدل زكى مدرس، كان يتعاطى خطبة الشهادة بسماط العدول.
مشيخته: أخذ عن والده وغيره من مشائخ عصره.
الآخذون عنه: أخذ عنه ولده السيد فضول ومن في طبقته، ولم أحفظ وفاته.
٣٥٥ - المكي أبو زكرى المكناسى الأصل والدار .
حاله: فقيه كاتب بذّ، حلاه الزيانى في الجمهرة في عدد الذين لازموا الأخذ عن مولانا سليمان في المقام والترحال، ولم أقف له على ترجمة.
٣٥٦ - منانة مزوارة المكناسية .
حالها: مجذوبة ساقطة التكليف، تخرج في أسواق مكناس بادية في قشابة خضراء منقبة بثوب أبيض أو أحمر، كثيرة الوقوف عند باب المسجد الأعظم، وربما جلست ببعض الدكاكين تكلم الناس بكلام لين غالبا, ولها مكاشفات كالشمس الضاحية، تقول للناس: أعطنى كذا يكن لك كذا، هذه كانت حالها إلى أن لبت داعى مولاها.
قال الزبادى كنت أزورها كما دخلت مكناس تبركا بها وبدعائها ولما قرب أجلها لقيتها بقبة السوق فسلمت عليها فقالت لي: إنى قد تزوجت جئت تحضر عرسى، فقلت: نعم، فقالت: عاهدنى على ذلك، فقلت لها إن شاء الله تعالى ولما رجعت إلى فاس مرضت وفي أثناء مرضى رأيت في المنام أنى بمكناسة الزيتون وجازت جنازة عظيمة معها خلائق عديدة فسألت عنها، فقالوا: منانة مزوارة، فقلت في ذلك المنام: الحمد لله الذي أكرمنى بحضور هذه الجنازة المباركة وتبعتها
стр. 2209
حتى دفنت بروضة السيدة العلمية، واستيقظت ومن الغد وبعد الغد دخل بعض الفقراء وذكر لي أنه جاء من مكناسة وبلغنى السلام عن الإخوان هناك فسألته عن السيدة المذكورة، فقال لى: توفيت بالأمس رحمة الله عليها، ودفنت بروضة السيدة العلمية، وكانت لها جنازة عظيمة، فكان يصف لي وأنا أنظر في ذلك.
وفاتها: توفيت سنة أربع وتسعين ومائة وألف.
٣٥٧ - المصطفى الشريف العلوى المدغرى ابن محمد الكبير بن عبد الرحمن بن محمَّد، عبد الله بن محمَّد بن طاهر بن قاسم بن عبد العزيز بن الحسن بن يوسف بن مولانا على الشريف.
حاله: علامة مشارك، له معرفة بعلم الأوفاق وتجويد القرآن، حسن التلاوة خلو الشمائل، كريم الأخلاق، له معرفة بعلوم القراءات درس ابن برى وختمه مرتين، ثم حدث به مثل جذب واعتراه قلق وضيق صدر، فصار يطوف على أضرحة الصالحين ويتطارح على أبوابهم ويدعو بقوله: اللهم إنى أسألك بمشاهدة أسرار المحبين، وبالخلوة التي خصصت بها سيد المرسلين، حين أسريت به ليلة السابع والعشرين، أن ترحم قلبى الحزين، وتجيب دعوتى يا أكرم الأكرمين، ويكتب ذلك في أوراق ويلصقها بجدرات أضرحة الصالحين، ولم يزل ذلك شأنه حتى تيسرت له أسباب السفر لبلاده بالصحراء، فوجد شيخه العارف بالله مولاى المهدي نزيل أبار في مرضه الذي مات به، فلازمه إلى انتقل لوطن الرحمة محمود المساعى، وكان يحدث عن شيخه المذكور أنه لما قربت وفاته أكثر من تلاوة قوله تعالى: ﴿... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... (٥٤)﴾ [سورة الأعراف، آية ٥٤] ثم بعد وفاة المولى المهدي رجع لمكناس، وأقبل بكليته على القراءة تعلما وتعليما، ثم رحل لفاس وأخذ عن جهابذة نقادها الأعلام، ثم رحل لبلاده وذلك آخر العهد
стр. 2210
مشيخته: أخذ عن ابن الجيلانى السقاط، والسيد فضول بن عزور، والسيد محمَّد بن التهامى الوزانى، وشيخنا البركة أبي عبد الله محمَّد بن قاسم القادرى والسيد التهامى جنون، وأبى عبد الله محمَّد بن عبد الواحد ابن سودة المدعو الجلود، والشريف القاضى مولاى محمَّد، والشريف سيدي جعفر الكتانى.
وأخذ القراءات عن الأستاذ العلامة أبي عبد الله محمَّد التهامى بن الطيب الغرفي.
الآخذون عنه: أخذ عنه شيخنا العرائشى، والسيد محمد الواسترى، والسيد أحمد ابن فقيرة وغيرهم.
نثره: من ذلك قوله في خطبة شرحه على منظومة الهلالى بالدعاء بأسماء الله الحسنى ولفظه: الحمد لله الذي تعرف لعباده بصفات الاتحاد والانفراد، وهيأ بتوفيقه من شاء لطاعته فقاموا بالجد والاجتهاد، وكشف عن بصائرهم بنور الهداية والرشاد، نحمده على ما أسدى، ونشكره على ما أولانا قديما وعهدا، وصلاته على سيدنا محمَّد نور الهداية والهدى، وعلى آله نجوم الاهتدا، وأصحابه أئمة الإقتداء، وبعد فهذا شرح لدعاء الهلالى، بأسماء الله الكبير المتعالى.
مؤلفاته: منها شرحه على نظم أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالى في الدعاء بأسماء الله الحسنى عنون هذا الشرح بالمنة الإلهية، في شرح الأسماء الهلالية، ودونك مطلع النظم المشروح:
إذا نابنى خطب وضاق به صدري ... تلافاه لطف الله من حيث لا أدرى
ولا سيما إذ جئته متوسلا ... بأسمائه الحسنى المعظمة القدر
стр. 2211
٣٥٨ - المعطى بن العناية البخاري الغربوى السفيانى المعتكى من أولاد علال .
حاله: ناسك فاضل جليل، له مهارة تامة في التوقيت والتعديل والحساب وما يرجع لتلك الفنون، يحسن كل ذلك ويتقنه إتقانا تاما، وكان يحفظ قراءة ابن كثير حفظا متقنا، كثير التلاوة والذكر، مشتغل بما يعنيه، تارك لما لا يعنيه، وكان سيدنا الجد السلطان مولانا عبد الرحمن بن هشام نظمه في سلك موقتيه الملازمين له حضرا وسفرا بعد أن كان مستخدما لديه في جملة أصحاب، فراشه المولوى، وكان يجله ويقدره قدره ويرضى أمانته حتى إنه رشحه لإقراء بناته، ولما كبر سنه ووهن عظمه تقاعد عن الخدمة السلطانية، واستقر بمحل استيطانه مكناسة الزيتون، فنفع الله به وبمعلوماته أقواما.
مشيخته: أخذ عن البحر الزاخر السيد عبد الرحمن بن محمَّد فتحا بصرى المكناسى وغيره.
الآخذون عنه: منهم الطالب بوعزة بن العربي الفشار، والعدل الطالب صالح الحلمونى المترجم فيما يأتي وجماعة من مهرة الحيسوبيين وأهل الميقات.
وفاته: توفي في ربيع الثاني عام ستة وسبعين بموحدة ومائتين وألف، ودفن بروضة الولى الصالح أبي العباس أحمد المعروف بالضاوى من سوق الغزل الواقع خارج باب بريمة من حضرتنا المكناسية.
٣٥٩ - المعطى الشاوى المسكينى القرقورى نزيل مكناسة .
حاله: يحب في الله ويبغض فيه لباسه حائك صوف وبرنس منه وقميص وعمامة صغيرة ذو أتباع وعيال، نفقته من الفيض الوهبى، نزيه عالى الهمة، كثير الخشية، لا تأخذه في الله لومة لائم، له مشاركة في فنون شتى، وأكثر دروسه في التوحيد.
стр. 2212
وكان في أول أمره منعزلا عن الناس، مشتغلا بعبادة ربه في خلوة بعيدة عن رهطه وعشيرته ثم في بعض الأيام خطرت بباله مسألة اعتقادية حيرت ذهنه وعسر عليه فهمها، فرحل لفاس بإشارة من بعض أهل الخصوصية الربانية، ولازم العلامة الصالح الحاج محمَّد جنون مختصر الرهونى، ومن عجيب الاتفاق أنه أول ما حل بفاس حضر درس جنون المذكور ووجده يقرر المسألة التي أشكلت عليه، وكانت سبب رحلته فلازمه مدة حتى مهر وحصل غاية منيته في فنون شتى، ثم رحل لبلده وتصدر للإفادة وأقبل على التدريس، وأسس زاوية لإلقاء الدروس، وإفادة الناس، فاشتهر صيته، وأقبل الناس عليه من كل صوب.
ثم مر السلطان المولى الحسن في بعض حركاته على زاويته فلقيه واعتنى بشأنه ورفع المغارم وسائر الكلف المخزنية عن أقاربه وسائر المتعلقين بأذياله، فاشتد لذلك غيظ عامل بلده حسدا من عند نفسه، ولم يزل يضمر له السوء وينصب له حبال المكايد حتى قبض عليه وأودعه السجن ومكر به، ولما علم بذلك السلطان المذكور قبح فعل ذلك المتولى الخبيث، وسب وجدع وقرع ووبخ، وأمر بتسريحه حالا والإتيان به إليه على كاهل المبرة والإكرام لحضرته المكناسية، فأقام بمكناس واشتغل بالتدريس وإفادة الناس مدة، ثم رجع لبلده، ثم نقل لسطات بقصد تولية القضاء بها وبها كانت منيته.
وقد ظهرت له مدة مقامه بمكناس كرامات، وخوارق عادات، لا زال المسنون يتحدثون بها، من ذلك ما أخبرنى به بعض من وثقت بخبره من الآخذين عنه الملازمين له أنه كانت عنده آنية من العود أعدها لطعام الأضياف تسع ملء الكفين مرتين، وكان يطعم منها العدد الوافر من الناس ولا تنفد، وأنه جاءه رجل بولديه يدعو له فقال له: ارجع بولدك فإنه ولى من أولياء الله تعالى فكان الأمر كما قال، نشأ ذلك الصبى في عبادة الله تعتقده الخاصة والعامة ويتبركون به، ولم يحفظ عنه
стр. 2213
ما ينقم عليه في أمر دينه، وأنه كتب له بعض أهل مكناس كتابا فأجابه بقوله: أخانا في الطين، فقيل له: لم لم تقل له أخانا في الدين؟ قاد: ما شهدنا في وصفه إلا الأخوة في الطين، ولا أثر عليه من الدين، فاستقرئت أحوال الرجل فوجد كما قال، وكان لا يأكل طعاما حتى يعرف حال صاحبه فإن كان من أهل الظلم والتعدى رده عليه، ثم إنه أكل يوما مع العلماء طعام السلطان فندم وبكى واستغفر الله من ذلك.
مشيخته: أخذ عن مختصر الرهونى.
الآخذون عنه: منهم السيد الطاهر السوسى وهو مخبرى بحل ترجمته.
٣٦٠ - المعطى بن محمَّد بن الهادي بن عبود المكناسى .
حاله: عالم خاشع ناسك ورع، ذو عفة ووقار وهيبة، محب في النبي ﷺ وآله، وسائر المتعلقين بأذياله، فاضل متبتل، واعظ خطيب مصقع، مدرس نفاع، عدل رضي، عارف بالتوثيق ماهر، كان إمام المسجد الأعظم وخطيب مسجد البراذعيين، سرادًا للذخيرة المعطوية، وتفسير الثعلبى، وسيرة الكلاعى النبوية، وصحيح البخاري في رجب وشعبان ورمضان، مستحضرا لأحاديثه تولى نيابة القضاء بالحضرة المكناسية، ورحل إلى الحج وزيارة خير الأنام عام ستة وعشرين وثلاثمائة وألف.
مشيخته: أخذ عن والده، وعن السيد فضول السوسى وهو عمدته وشاركه في مشايخه كالشيخ مبارك شيخ الجماعة، والسيد العباس بن كيران، والسيد المهدي ابن سودة.
الآخذون عنه: أخذ عنه سيدنا الوالد، والشريف سيدي محمد بن إدريس
стр. 2214
الشبيهى، والسيد عبد القادر بن أحمد العرائشى، والسيد الغالى السنتيسى، وكاتب هذه الأحرف، والفقيه الكاتب السيد أحمد بن محمَّد بن فقيرة والنقيب سيدي مشيش بن المختار الشبيهى، ومولاى إسماعيل بن عبد الرحمن العلوى، وجماعة من أعيان أهل العلم.
شعره: من ذلك قوله من قصيدة قرظ بها همزيتى الموسومة بكفاية المحتاج، في مدح صاحب اللواء والتاج.
أعد المديح بزينب الزيدانى ... فالوقت أبرز نغمة الزيدانى
كم أشعلت في مهجتى حرقا وكم ... سدلت على مآزر السلوان
برزت فأدهشت العقول بحسنها ... ورمتهم بذوابل الأجفان
إلى أن قال:
همزية همزت عقولا وارتقت ... بفصاحة وبلاغة وبيان
إلى أن قال:
لا زلت في فلك السعادة ساميا ... تجلى عليك فضائل الرحمن
وفاته: توفي ليلة الثلاثاء آخر يوم من حجة الحرام متم عام ثلاثين وثلاثمائة وألف.
٣٦١ - مغيث أبو الفضائل زغبوش القرشي .
حاله: فقيه عدل صالح، نبيه كامل ناصح، عابد سالك ناسك متبرك به فالح، ذو مواهب سنية، وأحوال مرضية سنية، وقفت على تحليته في بعض العقود القديمة بالذكى العابد، الناسك المجاهد، قدوة العباد، وعلم الزهاد، قطب العارفين، وغوث المستغيثين، من ظهرت بركاته، وبانت مآثره وكراماته.
стр. 2215
لا زال ضريحه مزارة مقصودة للتبرك إلى الحين الحالي موقعه قرب باب البرادعيين من هذه الحضرة المولوية المكناسية، وقد غابت عنى وفاته بعد مزيد البحث والتنقير، بيد أنى وقفت على عقد صداق لبعض عقبه مرفوع فيه نسبه إلى المترجم بتاريخ أحد عشر ربيع الثاني عام سبعة عشر ومائتين وألف، صاحب الترجمة هو الجد الحادى عشر له، وفي ذلك دلالة على تقادم عصره.
٣٦٢ - المفضل بن أحمد الفلوسى الزرهونى الوربى الأصل المكناسى النشأة والدار .
حاله: من صدور أعلام الدولة الإسماعلية، ودولة ولده مولاى عبد الله، وحفيده سيدي محمَّد رحم الله الجميع.
فقيه عالم، أصبح علمه واضح المشاعر والمعالم، خاتمة المحققين، وأوحد النقاد المحررين المدققين، منع وأجاز، وتصرف في الحقيقة والمجاز، وجاز إلى بيوت الدراية على أوثق مجاز، حتى تصرف في طرفى الإسهاب والإيجاز، ووعد العقول بسحر بيانه فاختار الإنجاز، وكان من العدول المبرزين، والقادات المميزين، في طبقة أبي القاسم العميرى، والطالب بوعنان وغيرهما من أماثل الجهابذ وكان يتعاطى خطبة الإشهاد بالأحباس وغيرها بتاريخ خمسين وواحد وخمسين واثنين وخمسين بعد مائة وألف حسبما وقفت على عقود بإشهاده في الأزمنة المذكورة.
مؤلفاته: منها شرح على همزية البوصيرى سماه الفوائد الفكرية ومن فوائده فيه لدى قول المتن:
والأقاويل عندهم كالتماثيـ ... ـل فلا يوهمنك الخطباء
ما نصه: وقال آخر يعني من العلماء ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى حتى إن عمره ﷺ كان ثلاثًا وستين استنبط من آخر
стр. 2216
سورة المنافقين لأنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها بالتغابن لظهوره بفقده ﷺ وتوجد نسخة منه بمكتبتنا عتيقة في مجلد في غالب الظن أنها بخط مؤلفه.
٣٦٣ - المفضل بصرى .
وقفت عليه في زمام المدرسين بالجامع الأعظم من الحضرة المكناسية الذين يقبضون المرتب العلمى بتاريخ خمسين ومائة وألف، وكذا عام واحد وخمسين، ولم أقف على شيء من ترجمته.
٣٦٤ - المفضل بن العدل الزكى السيد الهادي بن أحمد بن المجذوب صنو العارف بالله سيدي الطيب بن على بن عبد الرحمن بن على بن عزوز .
دفين زغوان، بلاد قرب تونس كما بخطه.
حاله: بحر علم متلاطم الأمواج، يغسل الناس للالتقاط من فرائد فوائده فرادى وأزواج، فقيه جليل عالم بالتفسير والحديث والسير والفقه والأصول وعلوم البلاغة، ماهر مهارة كاملة في جميع تلك الفنون وغيرها عدا العروض وقرض الشعر، مقتدر مستحضر، متقن للقواعد غواص على درر المعانى واستخراجها من أصدافها بذهن ثاقب وفكر كشاف، عارف بإدراج الجزئيات تحت الكليات، فصيح اللسان، ثبت الجنان، سريع الإدراك والجواب، مع إصابة صوب الصواب، شديد الولوع بالمطالعة، وقفت على عدة من كتبه المطبعية لا تكاد تجد حرفا واحدا في الغالب إلا وأعاده بقلمه.
تولى نيابة القضاء ببلده مكناسة، وانتهت إليه رياسة النوازل والأحكام فيها،
стр. 2217
ثم رشح للقضاء ببلد القصر، وتقلد به تلك الخطة التي هو أحق بها وأولى، وذلك عام واحد وثلاثمائة وألف.
وكان خروجه من مكناس مسقط رأسه لمحل مأموريته القصر الكبير في السادس عشر من ربيع الثاني عامه، ودامت توليته للقضاء ستة أعوام، ولم يشغله القضاء عن التدريس والتقييد، تخرج عليه قادات أجلة، وكانت دروسه للمنتهين أفيد ما خاض في مسألة الإقرار فيها فنونا وأتى بما يبهر العقول، من منقول ومعقول فيبرز المعقول، في قالب المحسوس بأسهل عبارة وأبدع أسلوب، له من المقدرة على التصرف في الكلام والتفنن في أفانين التعبير وتنويع، الأمثلة ما أبهت كل معاند، لا يخشى أحدا, ولا يراقبه لين العريكة، يتواضع مع العالم والجاهل، يبتدئ بالسلام كل من لقيه عرفه أو لم يعرفه، يباسط الصغير والكبير، قليل السعد مع الولاة وذى الحيثيات، صادق الفراسة.
اجتمع يوما مع جمع حفيل من أعيان الأعلام في وليمة وقد تأخر بعض الأعلام المعزومين عن الوقت المعين للحضور فيه، فسأل عنه رب المنزل فأجابه المترجم بقوله: إنه يطالع مسألة ليلقيها علينا، فلما جاء الفقيه واستقر به الجلوس، والتفت إلى المترجم وقال له أيها الفقيه ما معنى قوله تعالى: ﴿... وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ... (٦٠)﴾ [سورة الإسراء آية ٦٠] مع أن الشجرة لا تكليف عليها، فلا تستحق اللعن الذي هو الطرد عن رحمة الله، فنفر القوم بعضهم إلى بعض تصديقا للفراسة، ثم أجابه المترجم بما معناه في الآية احتمالان: الأول أن يكون اللعن بمعنى الذم مجازا لا بمعنى الطرد، وهي أي الشجرة شجرة الزقوم قد ذمها الله تعالى فهي مذمومة، الثاني أن يكون المجاز في الإسناد أي الملعون آكلها وهو الكافر قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ [سورة
стр. 2218
الدخان] , فلما فرغ المترجم من تقرير الاحتمالين قال السائل المذكور: والله أيها الفقيه إن هذا هو الذي قالوه فضحك الحاضرون وعلموا صدق فراسة المترجم.
وقد سأله يوما بعض الجلة من أعلام فاس بمجلس عاملها إذ ذاك السيد عبد الله بن أحمد عن قوله تعالى: ﴿... فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ... (١٤)﴾ [سورة المؤمنون آية: ١٤] والحال أن العظام مكسوة لحما وجلدا فسكت المترجم، فقال له السائل: أننظرك إلى أن تطالع؟ فقال له المترجم: لا تنظرنى، فلا أخرج من المجلس إلا بعد أن أجيبك، وبأثر ذلك قدمت لهم حريرة (١) فتركت أمامهم إلى أن بردت يسيرا أو جعلت جلدا فنظر المترجم إلى السائل وقال له: ما على الحريرة من الجلد هو حريرة أو غيرها؟ قال: حريرة، فقال له: قد أجبتك فاستحسن السائل جوابه.
وسأله هل قرأت بفاس؟ فقال: الناس يشدون الرحلة إلى فاس بقصد القراءة على أعلامها، وأنا فاس شدت إلى الرحلة حتى قرأت، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: أعلم أهل فاس السيد العباس بن كيران جاء قاضيا لمكناس فأخذت عنه، ثم لما قبضه الله إليه خلفه السيد الحاج المهدي ابن سودة، فكان مضارعا له في سعة العلم والإدراك، وربما فاقه فأخذت عنه كذلك، ولم أحتج إلى ذهاب لفاس، فهذا هو الجواب، فاستحسن منه ذلك.
والذي يظهر لي أن الإشكال في الآية المتقدمة غير وارد، وذلك أن الآية إنما سبقت للاستدلال على باهر قدرة الله تعالى وإلزام المنكر لإحياء الموتى الحجة، ولم تسق لبيان التشريح واستيعاب الأجزاء التي يتركب منها الإنسان، ويمكن أن يقال على تسليم ورود الإشكال إن العظام مكسوة باللحم لا بالجلد واللحم هو المكسو بالجلد، فوقع الاقتصار على المباشر غالبا.
стр. 2219
أو تقول في الآية حذف الواو مع ما عطفت والله تعالى أعلم، وإنما قيدت بقولى غالبًا لأنه ربما باشر الجلد بعض العظام والنادر لا حكم له.
هذا وقد مدح المترجم غير واحد من الأعلام فمن ذلك قول بعضهم وقد ختم صحيح البخاري:
جادت بوصل قرة الأعيان ... ذات الجمال اليوسفى الفتان
جاءت تميس كأنها بدر الدجى ... في غاية الإشراف واللمعان
أهدت لنا من عطفها روحا سرى ... كالروح في الأحشاء والجثمان
أفنى فؤادى حبها ولطالما ... كابدت فيه مرارة الهيمان
يا لائمى في حبها ومعنفى ... دعنى فما منها قسيت كفانى
لو عاينت عيناك ما عانيته ... لغدوت في أسر الهوى متفانى
لكن فؤادك منه خلو لم يذق ... ما ذاقه الحذاق من الحان
أهل الهوى أهل الوفا أوصافهم ... محمودة من سالف الأزمان
كيف السبيل إلى السلو وقد حوت ... رقى وأفنت مهجتى وجنانى
فهي المنى وهي الهنا وهي الغنى ... وهي الشفا مما برا وعنانى
لا يسلنى عنها سوى ختم البخا ... رى عند طود الخير والعرفان
الفاضل العلم المفضل من غدا ... في النيل مشكور بكل لسان
الفاضل بن الفاضل بن الفاضل ... بن الفاضل بن الفاضل الربانى
الطيب العطر الهمام المرتضى ... شمس الهداة السادة الأعيان
العالم العلامة البحر الذي ... جلت مناقبه عن الحسبان
стр. 2220
ذاك الذي صحت دلائل فضله ... وكماله من غير ما برهان
الألمعى اللوذعى الأريحيـ ... ـى وسيلتى ومنيتى وأمان
هذا هو القدر الرفيع وذا هو الـ ... ـركن المنيع مؤسس الأركان
هذا ابن عزوز وحاش جاهه الـ ... أسمى يعزز في الوجود بثانى
هذا هو البر الزكى المحتمى ... بحماه في سر وفي إعلان
أخلاقه محمودة أحكامه ... في غاية الإحكام والإتقان
آدابه غرا وآية فضله ... كبرى فلا تحتاج للتبيان
همم له شما سمت أسمى السما ... وعلت معاليه على كيوان
ما شئت من حلم ومن علم ومن ... كرم ومن حسن ومن إحسان
فالزم مجالسه السنية تلق ما ... تبغيه من فهم وسبك معاني
وتجد بها بحرا يموج ذكاؤه ... بلطائف ودقائق وبيان
وترى الفصاحة والصباحة والسكينة ... والوقار هناك رأى عيان
وترى الختام الأسعد الباهى المنيـ ... ـر المشرق ألمتلألئ النورانى
ختم شريف طابت الدنيا به ... وتتوجت بمفاخر التيجان
ختم شريف أشرفت أنواره ... وبات بجامعنا الكبير الشان
له ختم خصنا المودى به ... وأزال ما بالقلب من أدران
عمت مواهبه وعم نواله ... كل الورى قاصيهم والدانى
فالله يحفظ ذا الهمام وجاهه ... من سائر الأغيار والحدثان
وينيله ما شاء من خبر وإقبال ... ومن عز ومن سلوان
ما ضاع مسك ختامنا الزاهى وما ... جادت بوصل قرة الأعيان
стр. 2221
وقول آخر:
زارت فأزرت بالنقا والبان ... تفتر عن در زها وجمان
غيد تلألأ نورها فأضاءت الـ ... أرجاء بالإشراق واللمعان
حيت فأحيت كل صب هام في ... ذاك المحيا الفائق الفتان
فاستنشقت أرواحنا من روحها ... عرفا ذكيا عم بالسلوان
بزغت من الفلك المضى لكنها ... سقط العشاء بها على سرحان
ظلت تقد العاذلات بقدها ... وترى الغوانى نخوة الميسان
أنى يماثل حسنها وجمالها ... بدر الدجى وخرائد الغزلان
عجبا لريم راضت الأسد الغضا ... ب إلى حمى الإسعاف والإذعان
لما درت أن أرقتنى بالنوى ... رقت فراقت مهجتى وجنان
إذ طوقت حلى المكارم والوفا ... وتسربلت بلطائف الإحسان
وتتوجت بشراف أخلاق تهـ ... ـز الراسيات بلازم الإمكان
وأرت بمعصمها المسور آية ... منها شاهدنا باهر البرهان
خل العواذل لو تسارع غيهم ... للإفك هاذى قرة الأجفان
هذى التي منها الصباحة أفصحت ... للفاضلين بدرة العرفان
هذى ذكاء فريدة العقد النفيـ ... ـس من هبتك قلائد العقيان
هذى التي زفت لكفؤ شاقها ... وهنانة ما إن لها من ثانى
بدر سما فوق السما بصباحة ... علم الأجاود غرة الأعيان
قد فاق أهل الفقه بالتوفيق والـ ... ـتدقيق والتحقيق والتبيان
стр. 2222
جبذ الشوارد من علوم أحجمت ... عنها الليوث فقادها بعنان
وأتى الحديث بعفة ونباهة ... فجلى عنا الأصداء والأدران
وأماط عنه خماره فأقره ... قاعا قريرا في قرى الأذهان
فعنا له التحرير والتقرير والـ ... ـتصدير في سر وفي إعلان
وغدا يعرف بالثقات عن الثقات ... بنقله من غير ما ديوان
بفضيلة التدريس والتدريب في ... أحكامه شهدت له الثقلان
هل كل من أقرأ البخاري راق من ... يصغى إليه فمال كالسكران
ما مثل قاضينا ابن عزور المفضل ... حسن روض عاطر فينان
أعطاه ربى رفعة وسيادة ... وكلاءة من صوله الأزمان
أو ما هو ابن الأوليا وكريمهم ... هذا المهذب سيد الأقران
أو ما مواهب ربنا هذى التي ... ظهرت عليه من رضى الرحمن
خال الصفا فتواصلت أمداحه ... في كل قلب نير ولسان
لو لم يكن أهلا لكل جليلة ... ما أوتى الفصل المزيح الران
لما تصدى للحديث ففاز منـ ... ـه السامعون برقة وحنان
لله من ختم بمسجدنا المعـ ... ـظم ليلة القدر ارتقى لعنان
حضرته أهل الفضل يا بشراهم ... فازوا برأفة ربنا المنان
إن ابن إسماعيل نور يهتدى ... بكتابه في حالك الديجان
لمَّ الأحاديث الصحاح وجاء في ... أبوابه بمفاتح الإيمان
فهو الرشاد أمن بغاه فانتهج ... بسبيله تحظى بأى معان
стр. 2223
تخذ الأساتيذ العظام أئمة ... أكرم بهم من ستة تيجان
ملكوا زمام العلم والتقوى فمن ... يقفو طريقهم اكتفى بأمان
غرفوا من الميم الخضم شهامة ... فسقوا معينهم لذى الإمعان
حياهم المولى الذي سناهم ... لحبا الرضا وعناية الرضوان
وأمدنا من عطفهم بالمبتغى ... من مالك الملك العظيم الشأن
سبحان من يعطى لكل ما نوى ... ويقيل عثرة ذا الأسير العان
من يرتجى مدد النبي محمَّد ... صلى عليه الله كل أوان
وعلى الصحاب وآله ما قيل قد ... زارت فأزرت بالقنا والبان
وقول آخر:
حديث الصبا رويته عن قرنفل ... عن الورد عن زهر الربيع المفضل
عن الآس والنسرين والياسمين عن ... أكارم زهت بالقيقلان وصندل
عن الملك عن عرف البنفسج عن سنا ... رياض أنيق فيه راق تغزلى
عن الجزع عن نشر الخزامى فلعلع ... فربع بني سعد خيام التجلل
عن الشعب عن جيران ساكنة الحمى ... حمى له في كل المسالك موئلى
عن الشوق عن قلبى عن الوصل عن لقا ... حبائب منهم الغزالة تجتلى
عن الفجر عن صبح تلته لويلة ... تنزلت الأملاك فيها من العلا
فناهيك من صبح تلألأ نوره ... بختم البخاري في ضحاه المهلل
تاب جليل أظهر الله سره ... فخص به التعظيم في كل محفل
تفرد بالإسناد عن ستة هم ... ذوو العزم في أبناء أكرم مرسل
стр. 2224
حباهم من أولاهم كل رفعة ... وبوأهم من فضله كل منزل
فسادوا جميع الناس حيث تأهلوا ... لجمع صحاح حبها كل أمثل
فجاه ابن إسماعيل سيدنا الرضا ... محمَّد النحرير دون مترا على
لذلك مزاياه توالت وأنهجت ... لنا سبل الإرشاد رأد تأمل
فقراؤه والسامعون كفاهم ... تغشاهم الإشراق من نوره الجلى
أما ثملوا لما سقوا جام عطفة ... أصارتهم في زمرة الحزب الأول
فيا آل بدر ها مشوقكم رجا ... بجاهكم يحظى بكل مؤمل
فأنتم وقاية الضعيف وأنتم ... وسيلة أندادى عليكم معول
فمنوا وجودوا واعطفوا وتفضلوا ... على عسى ما هال قلبى ينجلى
فإنى مكظوم وحالى ما خفى ... على علمكم يا جيرة الجانب العلى
وها بالبخارى جئتكم متوسلا ... فحاشاكم تثنوا على توسيلى
وبالجامع الكبرى التي ضاع نشره ... بها عند تدرس الفقيه المبجل
من امتاز في هذى البلاد ببره ... وصار نجيبا فاق كل مفضل
ولا غرو إن الفرع يتبع أصله ... وكيف وهذا من سلالة أفضل
تشبث صان الله ربى شبابه ... بمن سن إيضاح الحديث المسلسل
فأصبح يقفو نهجه بِدراية ... ففض وثاق القفل عن كل معضل
وأوضح أبواب الوصول لفهم ما ... تقاصرت السباق عنه بأجمل
فإدراكه لا يمتطيه مشارك ... فيال ابن عزوز الزكى المفضل
أنور الدياجى لا برحت مفضلا ... بريئا نزيها عن أذى المتقول
стр. 2225
وقاك الذي رقاك أسنى منصة ... مراقى العلا عنها تراءت بأسفل
وتوجك التقوى لتزداد عزة ... وعلمًا بأحكام الكتاب المفصل
وأعطاك من يحيى النبي إجابة ... كما زكريا قد أجيب بأنبل
ولا برحت علياك يبرق سعدها ... فترغم من شاناك بالعز الأكمل
وهاك أبدر التم مني خريدة ... تحلت بعقدها النفيس المكلل
بختم البخاري ضمت الحسن والبها ... وأصبح منها الجيد غير معطل
بها فكرتى رامت قبولا فجد لها ... بما ترتوى منه فإنك منهلى
وإنك ممن حاز علما وسوددا ... وفار بمجد في البرايا مؤثل
فإن تفتخر فاس بأعلامها فها ... سناك بمكناس جدير التهلل
فلا شك هذا الختم مفتاح رحمة ... من الصمد الأعلى إليه تبتل
أيا يا عالم النجوى ويا سامع الدعا ... ويا كاشف البلوى دعاى تقبل
وجد واعف وارحم وامح كل جريمة ... تخللتها في سابق ومؤجل
وأخلص لوجهك الكريم مدائحى ... فقد طل في الأهواء قدما توغلى
وعن أمة الهادي الشفيع محمَّد ... تجاوز إذا الصفح العظيم التفضل
وصل عليه يا كريم وآله ... وأصحابه أولى الرضا والتوكل
صلاة تناجى بالبشائر من يقل ... حديث الصبار وتيه عن قرنفل
إلى غير هذا مما لو تتبعناه لجاء في مجلد ضخم ولكن ما لا يمكن كله لا يترك كله.
مشيخته: أخذ عن شيخ الجماعة في وقته بالحضرة المكناسية السيد مبارك بن
стр. 2226
عبد الله الفيضى المترجم سابقا، والسيد العربي بصرى المدعو قطيطة، والسيد المهدي بادو، والسيد المهدي بن سودة، والسيد العباس بن كيران وغيرهم من الفحول النقاد.
الآخذون عنه: أخذ عنه شيخنا الحاج المختار بن عبد الله، وشيخنا أبو عبد الله محمَّد بن عبد السلام الطاهرى، وشيخنا أبو عبد الله محمَّد القصرى العبدري (١)، وأبو عبد الله المدعو الهويج، والعلامة السيد التهامى بن عبد القادر المدعو الحداد، والعلامة الأديب السيد الغالى بن المكي السنتيسى، والشريف مولاى المصطفى بن عبد الرحمن المترجم فيما مر، والسيد إدريس بن اليزيد، والشريف سيدي محمَّد بن العربي المنونى، وشيخنا أبو عبد الله محمَّد العرائشى حفظه الله، وخلقٌ.
مؤلفاته: منها كشف الران، عن قلب مانع الزيارة ومفضل الوظيفة على القرآن، والنصيحة الشافية النافعة للطريقة الدرقاوية، وشرح على رجز سيدي العربي الفاسى في الذكاة اختصر فيه شرح الزياتى، وكواكب البسملة، وشرح على أبيات الهلالى: ألا يا لطيف لك اللطف إلخ، وشرح على الألفية لم يكمل، وشرح على الهمزية لم يكمل وغير ذلك.
وفاته: توفي في شهر صفر عام تسعة عشر وثلاثمائة وألف، ودفن بالزاوية الكنتية بحومة صدراتة من العاصمة المكناسية، وقد رمز لوفاته أحد نجباء تلاميذه وهو السيد إبراهيم بن محمَّد بن قاسم المسطاسى بحروف (حمدا وشكرا وزهدا حاو) من قوله:
هذا ضريح سليل الأكرمين ومن ... قد فاق مجدا وعلما سائر العلماء
هذا المفضل نجل القرم من فخرت ... به الدنا فامتطى من فخره السنما
стр. 2227
عبد الهاد بن عزوز وذلك من ... غدا وحيد الدهور مفردا علما
وإن ترد على عام القض فابغ تجد ... (حمدا وشكرا وزهدا حاز) فاكتتما
٥٣ ١٢٢٧ ٣٢ ١٦ ج ١٣١٩
٣٦٥ - المفضل بن المكي بن أحمد السوسى .
المكناسى النشأة والدار، الفاسى الإقبار.
حاله: كان ﵀ صدرًا شهيرًا علاما أصيلا، جم التحصيل، قوى الإدراك، منطلق اللسان، مشارك نقاد، حسن العبارة، مقتدر على التفتن في أفانين التعبير، إماما في العربية، ذا هيبة وجلال، وحزم وعزم، لا يقدر أحد أن يكلمه في مجلس درسه، ما سئل عن شيء إلا رد السائل مسئولا، ذا سمت وتؤدة، شديد المحبة في الصالحين، كثير الزيارة لهم والبحث على التعريف بهم ونشر كراماتهم، وجيها عند الأمراء والولاة، مبجلا عند العظماء، مسموع الكلمة.
وكان يقرأ في دروسه الليلية عدة مؤلفات في مجلس واحد يتخلص من فن لآخر بأبرع تخلص وأحسنه، لا يجارى في ذلك ولا يبارى، لا يقدر أحد من الآخذين عنه في حلقة درسه أن يتحرك أو يتنحنح أو يفوه ببنت شفة، يجلسون أمامه كأنما على رءوسهم الطير، ثم إنه ترك القراءة في آخر عمره ولازم الوزير أحمد بن موسى إلى أن لبى داعى مولاه، ثم لازم المتولى بعده المهدي المنبهى، ولم يزل يظعن بظعن السلطان ويقيم بإقامته إلى أن ختمت أنفاسه ﵀.
مشيخته: أخذ عن شيخ الجماعة الحاج مبارك الفيض، وأبى الإسعاد المهدي ابن سودة، وأبى اليمن العباس بن كيران، وأبى الفتوح الهادي بادو، ووالده السيد المكي وغيرهم من الأعلام.
الآخذون عنه: أخذ عنه شيخنا الحاج المختار بن عبد بن أحمد، وشيخنا أبو
стр. 2228
عبد الله محمَّد القصرى، وشيخنا الحاج المعطى بن عبود، والعلامة الأديب السيد الغالى بن المكي السنتيسى، وابن أخيه السيد محمَّد فتحا السوسى، وأخوه السيد محمَّد السوسى، والسيد الطيب بنونة، وابن عمنا سيدي الحسن بن اليزيد، والوزير أحمد بن موسى في جماعة من الأعلام.
نظمه: من ذلك قوله جامعا بين قول الشيخين القاضيين في مدح السفر وذمه:
أقول وقول الحق يعظم وقعه ... تخالف طبع الناس مبنى الطرائق
فإن رمت تحقيق الحقائق سلمن ... أمورك للمولى تكن خير واثق
نثره: من ذلك قوله مجيبا ابن عمنا الفقيه الأديب الأكتب مولاى إدريس بن عبد السلام الأمرانى ولفظه ومن خطه نقلت: هلال اليمن والسعد والسعادة، الدال مبتدأ بزوغه على خير أكمل زيادة، غصن شجرة أصلها ثابت أول المحاسن بلا ريب، وجدول حديقة الفضائل السالمة من النقص في علم الغيب، الطالع السعيد، في أفق الرشاد والمجادة الحميد، من برع على الأقران، وانهزم بين يدي رشده حزب الهوى والشيطان، واقتنى كنز الحياء ساعيا في المرضى بلا توانى، ولدنا حقا بمحبته الصادقة مولانا إدريس الأمرانى، لا زالت الكمالات تخدم أبوابه، والسعادة ترتضى أسبابه، وأمنه الله من كل مخوف وحفظه وسلمه على الدوام، عن خير من أنام الأنام، في ظل الأمان مولانا الإِمام، أدام الله مجده وأناله جميع المرام.
أما بعد فقد وفي لذيذ خطابك المطرب، وعجيب بليغ فصيح إعرابك المعرب، مقرطا به ومشنفا، حتى لم تبق فصاحتك المفحمة على الحقيقة معارضا ولا معنفا، فيا لها من جواهر استحقها بالأصالة من أعارها، ومعارف لا ترضى بمفارقة من أنارها، فكل فضل في العالمين، فمن فضل جدكم سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التحيات في كل وقت وحين، فبجاهه وحرمته عند الله تعالى نسأله أن يبرد لهيب الاشتياق، بتحيات المشافهة والمعاينة وحسن التلاق،
стр. 2229
ولولا (١) ما جبل الله سبحانه عليه هذا الحب العزيز المثال، الذي لم ينسج على منواله فيما يظهر لأحد بمنوال، من على قدره وطاب سره، وحسن بين الناس كغيبة علانيته وجهره، الفقيه العلامة الوزير الأرشد، الأسعد الأمجد، المسئول لنا وله من المولى الكريم في كل وقت حسن العاقبة، وكمال الحفظ والسلامة كما نسأله سبحانه أن يرزقنا وإياكم التوفيق والإعانة، ويجعلنا من أهل طاعته وطاعة رسوله ومن الحافظين للأمانة، وأن يفتح علينا وعليكم، ويرضى أفعالنا وأفعالكم، ولا بأس على الحب الأود، الأعز الأمجد، الصادق في الود شهادة وغيبا. ولم يكن لعدو أن يثبت له عيبا، والدك حفظه الله وجعل الضيافة التي كان فيها طهورًا؛ وجعل عقب ذلك سرورا وحبورا ونورا، ولما أطلعت علم الفقيه الوزير، بكتابك الحبير المنير، تهلل وجهه نشاطا، واغتبط بمثلك اغتباطا، وأعجب كل الإعجاب فأفصح في الدعاء الحينى الأحسن، وشهد بأن هذا أفضل هدى وسنن، وعنده من خبر ضيافة الوالد ما أغنى، وهو بأموره وأمور أمثاله أعنى وأغنى وأقنى، كما ثبت عنده من نصحه وصداقته وبره ومروءته، فالحمد لله الحمد لله والسلام وفي رابع جمادى الأولى عام ستة عشر وثلاثمائة وألف المفضل السوسى لطف الله به من خطه.
وقوله من رسالة خاطب بها بعض أصدقائه المخلصين وكلفه في النيابة عنه في إعلام أحد تلاميذه النجباء الحيلة، وهو ابن عمنا مولانا الحسن بن اليزيد العلوى بوصول رسالته التي أصدرها له ويعلمه بأنه متهيئ لجوابه ولفظ الغرض منها: واعلم أن الشريف المحبوب، المخصوص من الله الكريم بأفضل موهوب، قد وجه رسالة عجيبة، ترى النفس من بلاغة تلك الرسالة، أن أجوبت بها غير وافية ولا مصيبة، فهي جداول بلاغة جرت فتضاءلت البحار، وأسرار مواهب سرت فأذعنت لمحاسنها وجميل محياها الأفكار، أعنى بذلك النبات الطيب معدنه وأصله، الحسن
стр. 2230
فصله ووصله، ابن من فضله من شرف سيد الورى ﷺ يزيد، وكل خطاب زورته في نفسى ليكون جوابه كان لمبتدأ تلك الرسالة شاهدا بأن خبرها له مزيد، وربك يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد.
ولما عزمت على ممكن الجواب في المستقبل، عجلت لك هذه التخبرة بأنى لا أضيع فصاحته البارعة الفائقة، بل تكرم وتعز وتقبل، ولا عطر بعد عروس، وهكذا تكون طيبة الغروس، زادنا الله تعالى وإياه من الفضائل والكمال، وأصلح أحوالنا في الحال والمآل، ولا تقصر في إكرامه باللائق، وإنما جعلت لك النيابة عني في أمثاله لأنك المحب الصادق، وقد بالغ حفظه الله في الأوصاف، فتح الله بصيرتنا وبصيرته وألهمنا الصواب وباعدنا من الإطراء والإجحاف, وجعل سلوكنا سواء الطريق، وألهمنا الرشد والتسديد والتوفيق، آمين والسلام في ثامن شوال عام ستة عشر وثلاثمائة وألف.
وقوله في جواب الرسالة المشار لها تبارك الذي من هيبته وجلاله وعظمته سبحت بصريرها الأقلام، وخضعت لكبريائه وسبحت قدسه سطور السماء طروس الأرض ودفاتر جهابذة الفصحاء الأعلام، أرسل أفصح البلغاء وأفضل الرسل لإبلاغ ما حمله فقام به أحسن قيام، وأمر بالمستطاع من عمل البر فمن أتى به لا يذم ولا يلام، ونحمده ونشكره، ونذكر بنعمائه بعض من يكفره، على ما أنعم به من الخير المزيد، المقدر في الأزل لمن شاء من العبيد، فلا يقدر أحد منهم على نقض ولا إبرام، ونسأله الغفران لذنوب أوقفتنا لباب الاضطرار، وسترها بسعة رحمته وكفى بكرمه ومنته شؤم الإصرار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من ظن كما أمر بربه الجميل، فنال أفضل مرغوب ومسئول ومأمول من عطاء خالقه الرب الجليل، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمَّد عبده ورسوله المحبوب، عين الرحمة المهداة
стр. 2231
المبعوث ببيان السبيل الموصلة في الدنيا والآخرة لنيل كل مرغوب، صلى الله عليه وعلى آله سفينة النجاة والأمن والأمان، وصحابته الجلة الكمل المقتدى بهم في تحقيق إخلاص الطاعات وبمحبتهم الكاملة زيادة الإيمان, صلاة وسلاما نخوض بهما بحار المعرفة، ونتحلى في الدنيا والآخرة بأحسن حلة مرضية في الدين وأفضل صفة.
أما بعد فالله أكبر ولا أكبر سواه، فسبحان من صور الخلق كيف شاء فأحسن خلقه وعدله وسواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الذي جعل الأسفار مطايا الرسائل، وممكن نيل الوسائل، ومجرى مجار الفواضل والفضائل، بتوالى الغدايا والأصائل، ومظهر ما تقر به العين وتنشرح به الصدور. من أسرار نتائج الأرواح أصحاب الصدق والمحبة الواصلة الموصلة لنيل الحبور، لما تضمنت أضلاعهم وانطوت عليه من خالص البر وصادق البرور، خصوصا من طاب أصله وفضله، وقد شب حسن خلقه وكرم فعله، حائز قصب السبق في مضمار الأدب والحياء والمروءة والعفة والسماحة، من أصوله الطيبة ومعدنه المتأصل في كمال الذكاء والرجاحة، حافظ زمام اللسن، الشريف الحيي التقى النقى الملقب بالاسم الحسن، فقد أجادت قريحته اللطيفة في رسالتها كل الإجادة، وبنات شفته نثرت على الأسماع جواهر المعانى وأفادت أكمل الإفادة، فلله الحمد وله الشكر والثناء الجميل، حيث أظهر بما قدره من هذه الأسفار من أولاد الروح مثل هذا اللّيل، وشاهدت الأبصار ما تقر به العين، وانتعشت الأسرار بما أملته فيهم فكان بمنظر منها ومسمع قبل أوان الحين، وهذا بحمد من له القدرة والحول، يجبر خواطر كراسى العلم والمسجد الكبير ويقشع عنهما سحاب توهم الحنين والأنين والتحسر والهول.
فحيث حللتم هناك بهذه الأحوال العجيبة، والأقوال اللطيفة المصيبة،
стр. 2232
تراجعت أمواج هيجان الوجد، فبشروا المحبين بالقفول القريب إن شاء الله تعالى وحلول المنير المنير في برج السعد، ولو تذكرت الكراسى والمسجد ما تلى هناك غير ما مرة في أسباب الخروج من الأوطان والرحاب، من سفر لتجارة أو هجرة أو زيارة أولياء أو أحباب، لذهب في الوقت ما توهم لها من الأوصاف، وسطع سرورها ولها العيش طاب، فلتذكر ما كانت تسمعه، فالعاقل اللبيب لا يتحول عما ينفعه، ولو استحضر مع ذلك ما أعد الله تعالى في المقاصد الحسنة المستحسنة، الصارفة عن العقل غفلته ووسنه، لعاد الحنين والرد عليه بالنحيب ضحكا وسرورا، واستحسنت خدمة أسْكُفَّة هذا الوزير المبارك الأرشد الأسعد, المخلص في النصيحة للمسلمين القريب والأبعد، إجلالا وإعظاما وبرورا، فلن يكافئ إحسانه إلا أن نرفع جميعا أيدى الضراعة والابتهال، ونخلص له في ظل مولانا الإِمام، نصره الله على الدوام، ما أمكن العبد من مستجاب الدعاء وأكمل سؤال.
اللهم يا ذا الطول والحول والفضل والامتنان، أحسن عاقبتنا وعاقبته وبارك في عمره وأحسن في أثرنا وأثره وافتح بصيرتنا وبصيرة تلامذتنا أجمعين، واجعلنا ممن علم فعمل، وعمل فقبل يا قوى يا معين.
وفاته: توفي بمحروسة فاس يوم الأحد سابع ربيع الثاني عام عشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بالزاوية الناصرية هنالك ﵀.
٣٦٦ - المستضئ بنور الله ابن السلطان الأعظم أبي النصر والفدا إسماعيل .
صفته وحاله: أبيض اللون، حسن النقد، مليح الوجه، أمه عودة الدكالية، قاله أبو عبد الله محمَّد بن عبد السلام بن أحمد بن محمَّد المعروف بالضيف الرباطى المولود سنة خمس وستين ومائة وألف حسبما قال ذلك عن نفسه في تاريخه.
стр. 2233
كان المترجم منكوس الراية، مسيكا ذا خفة وقساوة وطيش، غير متأن ولا ناظر في العواقب، ولا متوقف في سفك الدماء، بويع له بعد أخيه أبي عبد الله محمَّد المدعو ولد عريبة عشية يوم السبت ثالث ربيع النبوى عام واحد وخمسين ومائة وألف، وهو يومئذ بسجلماسة، فوجه له عبيد البُخَارِيّ الذين سعوا في البيعة له شرذمة من الخيل تأتى به من تافيلالت وبمجرد ما اتصل به الخبر، خرج مسرعًا يطوى المراحل، ولما وصل صفرو، وخرج إليه أشراف فاس وعلماؤها وأعيانها وأدوا بيعتهم له، ولما حل بفاس ولى عليها القائد أَحْمد الكعيدى، واستخلف الكعيدى شعشوعا اليازغى، كما عزل قاضيها الشدادى، وولى مكانه السيد محمَّد الدلائى البكري، وأصلح ما كان بين الأدارسة وعامة أهل فاس هناك.
ونهض لمكناس عاصمة ملك والده، ولما دخلها كتب العبيد له البيعة العامة، ووافق عليها أهل الحل والربط ظاهرًا لما كان للعبيد من الاستبداد والسيطرة، ثم وفدت عليه بها الوفود بهداياهم وبيعتهم.
وكان وصوله لمكناسة في رابع عشر ربيع المذكور، وكان فاتحة أعماله بها بعثه بأخيه ابن عريبة السلطان المخلوع قبله المذكور موثقا بالأغلال لفاس، ومنها لسجلماسة سجينا ينضم لغيره من الأشراف الذين بالسجون هنالك، كما وجه السيد عبد المجيد المشامرى بو طالب، والشيخ أبا زيد عبد الرَّحْمَن الشَّاميّ يسجنان بفاس الجديد، وأمر بنهب دار المشامرى المذكور والتنكيل به وسومه سوء العذاب، فامتثل أمره فيه، ولم يزل المشامرى المذكور يتقلب في أنواع أليم العذاب إلى أن مات، وسبب محنة الرجلين شكاية مولاى عمر الأمرانى نهب داره بفاس بتداخل الرجلين.
ثم اشتغل بالبحث على ما في خزائن والده التي لم يلق لها بالا أحد من
стр. 2234
إخوانه الذين تملكوا قبله لاحتياجه إلى ما يصرفه ابتغاء مرضات العبيد، ولم يترك خزينا من الخزائن إلَّا ونسف ما به نسفا حتَّى الحديد والكبريت الذي كان يعد بآلاف القناطر وملح البارود والشب والبقم وغير ذلك مما كان مدخرا من الغنائم التي كان يغنمها والده من أجناس الفرنج، وباع ذلك كله، فلم يجد المتحصل فيه شيئًا وأزال بعض السراجيب المذهبة والشبابيك، وألزم أهل الذمة بأداء ثمن ذلك.
ثم أنزل المدافع النحاسية من الأبراج فكسرها وضربها فلوسا كما فعل ذلك قبله أبو العباس أَحْمد بن إبراهيم السلطان العثمانى الذي هو أول من ضرب سكة النحاس الأحمر وموهها بالفضة، وكل ما ذكر لم يغن المترجم شيئًا، كما أفصح بذلك الزيانى في الروضة السليمانية وغيرها من كتبه، ثم وظف على أهل فاس أموالا طائلة عجزوا عن الوفاء بها، وألقى القبض على جماعة منهم وأودعهم السجون، وأمر ببيع عقارهم لاستيفاء ما بقي بذممهم مما وظف عليهم، وألزم التجار بشرائه، وقبض على بعض الأشراف العراقيين وهو السيد العربي بن السيد عبد الكريم صاحب الدار الكبرى بجرنيز بعد أن أوجعه ضربا، وزج به في السجن بدعوى أن خنائة بنت بكار زوج والده استودعت عنده أموالا.
ولم يترك بابا من أبواب القساوة إلَّا وطرقه، فكم استصفى من أموال، وأزهق من نفوس بغير حق، وذلك بإغراء من رفيقه أبي حفص عمر الأمرانى انتقامًا من أهل فاس، حيث إن داره نهبت على عهد أبي عبد الله محمَّد ولد عريبة أخ المترجم، ولم يدافع عنها أحد منهم وولى أَبا حفص المذكور على فاس، وأغرى البرابر على العيث في الطرقات وشن الغارات على الودايا، فانقطعت بسبب ذلك السابلة، وتعذرت أسباب المعاش، وأصدر أوامره بتوجيه أخيه المولى زين العابدين سجينا مقيدًا إلى تافيلالت بعد أن ضربه ضربا مبرحا, ولولا أن العبيد وجهوا من انتزعه من يد المتوجهين وبعثوا به لأبي العباس الكعيدى ببني يازغة واستوصوه خيرًا فاحتفظ به واعتنى بشأنه لهلك.
стр. 2235
وكتب لصهره الباشا أَحْمد الريفى يأمره بالإيقاع بأهل تطاون لتخلفهم عن بيعته، وقد كانت بينه وبينهم عداوة وشحناء، فاغتنمها الريفى فرصة واقتحم تطاون على حين غفلة من أهلها فدمر ونهب وقتل من وجوهها نحو الثمانية، ووظف على من بقي ما ضاقوا به ذرعا مما لا طاقة لهم بوفائه.
وقد كان الحوات هو صاحب أمر المترجم ولم يزل حاملا راية الدفاع عنه والسعى في نصرته إلى أن قبضه الله إليه، وكانت وفاته في ثامن ربيع الأول عام اثنين وخمسين بعد أن دعا المترجم عليه بالهلاك.
وفي سابع جمادى الأولى من العام سرح المترجم أخاه ابن عريبة من عقاله.
وفي عاشر رجب عاثت فرقة من حجاوة وانضم إليها خليط من الرعاع وأطلقوا يد السلب والنهب في السابلة، ولما تفاحش أمرهم أرسل المترجم عليهم القبائل المجاورة لهم، وأمر بإلقاء القبض عليهم حيثما وجدوا والبعث بهم لمكناسة.
وفي السادس عشر من شوال أمر بضرب أعناق عدد من وصل لحضرته المكناسية من المتمردين المذكورين، وعلقت رءوسهم على أبواب المدينة وجدراتها، ولم يزل هذا شأنه معهم إلى أن تابوا وأنابوا.
وفي يوم السبت الرابع والعشرين من ذى القعدة الحرام وجه أخاه المولى بناصر لقتال عبدة لما كانوا عليه من التمرد والعيث في الطرقات والاستطالة على القبائل الحوزية، فقتل منهم عددًا وأرغمهم على الرضوخ للطاعة، ووظف عليهم مالا له بال، وآب لأخيه المترجم سالمًا غانما.
ولما كان عام اثنين وخمسين ومائة وألف، أوقع صاحب الترجمة بالباشا العياشى وتوالت الأمطار وقام النَّاس على ساق في الحراثة ركما عما كانوا عليه من
стр. 2236
الفاقة والإملاق وعدم الدواب لتوالى السنين الشهباء عليهم جلهم كان بالفُئُوس والأغنياء منهم حرثوا على الحمر، قال في الدر المنتخب نقلا عن بعض المؤرخين لقد علمت أن سبعة اشتركوا في زوجة حمير، فحملوا عليها إحدى وعشرين وسقا، وأعطى الله ﵎ البركة في تلك السنة وتدارك عبادة باللطف بعد، الشدة هـ.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشر صفر عزل السيد محمَّد البكرى الدلائى عن قضاء فاس، وولى مكانه أَبا عبد الله محمَّد بن عليّ الشدادى، وعزل أَبا العباس أَحْمد الصبيحى عن الإمامة والخطابة والتدريس بالحرم الإدريسى، وولى مكانه العلامة أَبا المواهب عبد الكبير السرغينى.
وفي الرابع والعشرين من صفر صدر الأمر السلطانى بين العشاءين بإخراج محمَّد مامى من الضريح الإدريسى، وقد كان مستجيرا به، فأخرج قهرًا ولما مثل بين يدي المترجم بمكناسة قتله من حينه.
وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الأول ألقى القبض على العربي بن عزوز ناظر القرويين لما تحقق لديه من اشتغاله بما لا يعنيه، واجتماعه مع لفيف من خاصته على الغناء والملاهى بداره، وسجنه مع جماعته ثم وقعت الشفاعة فيه للسلطان فعفا عنه ورده لمأموريته.
وفي سادس جمادى الأولى وقيل صبيحة يوم الاثنين الحادى عشر منه، نهض المترجم إسعافا لرغبة العبيد واتقاء لشرهم لجبل فازاز في عساكره وجنوده، حيث بلغهم أن السلطان عبد الله بويع له بمراكش وأحوازها، والحال أنَّه كان بعيدًا عنها، وأقام المترجم بجبال فازاز مدة تنيف على الشهر، ثم اعتراه انحراف في المزاج فانقلب لمكناس، ودخله في عاشر جمادى الثَّانية، ونزلت تلك المحال
стр. 2237
بضواحى البلد فمدت يد التعدى بالنهب والإفساد في أجنة وبحائر البلد وأحوازها.
وفي فاتح شعبان قتل جماعة من رؤساء العبيد منهم البشا غانم، والقائد عبد المجيد سعدون، والقائد عيسى مفتاح، وأولاد الريفى.
وفي أوائل رمضان عزل بوعزة الزيزى عن حسبة فاس ووليها العدل الحاج محمَّد سوسان، وفي يوم الأربعاء رابع عشر رمضان أكلت قافلة بين فاس ومكناس وتعذر المرور في السابلة من يومئذ، وفي آخر رمضان المذكور عزل سوسانا.
وفي أوائل شوال كتب لأبي عيسى المهدي الفاسى يستقدمه لحضرته للوساطة في إصلاح ذات البين بينه وبين الباشا أَحْمد بن عليّ الريفى، إذ كانت حدثت بينهما وحشة تكدر بها جو الصفا وأصبح الريفى المذكور حجر عثار في طريق نجاح مساعى المترجم، وفي سابع شوال وجه أَبا عيسى للريفى بكتاب لفظه بعد الحمدلة والصلاة:
"الأجل الأسمى، المجاهد الأحمى، أخبرنا في الله تعالى الباشا أَحْمد بن على أمدك الله بمعونته، وأبقاك مصونا في حوز حمايته، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وأمانه وتحياته.
أما بعد: أبعد الله عنك كل ما يطويه الفكر، وأبقاك سالم الأحوال في جميع الآصال والبكر، وقوى محاسنك بالجد، ومطالعك بالسعد، آمين فلقد اتصل بمقامنا العلي بالله الفقيه الجليل، العالم النحرير النَّبِيل، نجل السادات الأبرار، العلماء الصلحاء الأخيار، الأئمة الأعلام، والقدوة لمن أصلح الله حاله من الأنام، سيدي المهدي حفيد نبراس أولياء الله الأصعد، القطب الأوحد، أبي يعقوب سيدي يوسف الفاسى نفعنا الله ببركاته، وأفاض علينا من بحر كمالاته، آمين يَا رب العالمين.
стр. 2238
ولما حل بنا دينا، وخاض معنا في ماء وادينا، أجللناه وأعظمناه، وفي داخل الأحشاء جعلناه، فتفاوضنا معه الحديث، القديم والحديث، وعقدنا له مجلسين فزنا فيهما بمحاورته، وحسن محاضرته، فألفيناه من حسن أوصافه، على طريقة أسلافه.
ولما كان من ينبوع الحكمة والعلم والصلاح، تطارحنا معه الحديث في جانبك من إفشاء ودك وتعظيم منصبك مما هو علينا واجب ومباح، وعرفناه بمالك عندنا من المرتبة السامية، والمحبة الشافعية النامية، وجلنا معه في السر والجهر، وأطلعناه على مكنون الجوانح والصدر، لتحقيقنا فيه أن مثله ممن تذاع بين يديه الأسرار، ومن يتحمل أداء الأمانة من صدق الأخبار، وما كتمنا عنه شيئًا مما هو في الخلد والضمير، فهو يخبرك بما سمع منا ولا ينبئك مثل خبير.
فاعقد له مجلسا سريا حتَّى يشفيك الغليل في جميع ما قلناه من الإبلاغ لك، فإنك تجد في ذلك بغيتك، ومنيتك وأملك، فإنَّه لم ينفصل عنا حتَّى اتضح له الأمر ظاهره وباطنه ووقف فينا على حقيقة الحال، ونفى الظنون والشكوك والمحال، وقد وجدنا فيه من محبتك، وكمال مودتك، ما حملنا على البرور به وقربه، زيادة على الوصف الذي هو قائم به.
فقد شرح صدورنا بطيب كلامه وحسن حديثه مما نحن فيه في جانبك أغرف.
وإلى إيذاعه والتحدث به من مثل هذا السيد ونشره بين أيدينا أشوق وأشوف، فهذا بلغك الأمانة التي حملناه فـ (اتهلا) فيه واستوص به خيرا ففي مثله تنفع الصنيعة والمعروف، ولا يستوى في إسداء النعم الشريف والمشروف.
فهذا السيد له شرف العلم وشرف الحسب وشرف الصلاح وشرف الدين، ولا يخفى عن علمك ما كان لسيدنا الوالد قدس الله روحه في سلفه الصالح من
стр. 2239
صدق المحبة وخالص الوداد، وجميل الاعتقاد، فكان يؤثرهم ويعظم أقدارهم، ويرفع على سائر الديار ديارهم، مع ما أكرمهم الله به من العلم والصلاح والقيام بسنة رسول الله ﷺ وإظهار معالمها، والاصطفاء لحاملها وعالمها، وتشييدهم لبنيانها، وتدعيم أركانها، ووقوفهم في بثها وتعليمها، وحضهم على تخليصها.
فقد أعلوا منارها بوضع التآليف، وحسن التصانيف، فكثرت في ذلك دفاترهم، وعظمت عند العلماء والصلحاء والملوك وذوى السلوك مآثرهم، فناهيك بتلك الدار، وما لها من الحرمة والمقدار، حتَّى إن بعض علماء العصر ذكر في قوله ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتَّى يأتى أمر الله، وفي بعض الروايات وهم بالمغرب، قال: ولعلها أن تكون راوية سيدي عبد القادر الفاسى من كثرة ما تواتر عنها من وقوف أهلها في إحياء السنة، جعلنا الله وإياكم ممن يقوم بشروطها، ويختال إن شاء الله في حالها ومروطها.
فثق بهذا السيد في كل ما يبلغه عنا لسانه وبيانه، فهو كتابنا إليك حقيقة، وهذا الكتاب إنما هو عنوانه، ولما تحدثت معه على شأنك آليت له بأيمان غليظة على صدق ما حدثته به، ولا يعرف تلك الأيمان إلَّا من هو مثله، إذ لا يعرف الأشياء على حقائقها، وكشف دقائقها، إلَّا ذووها، ومعاده عليكم الرحمة والبركة وفي ٧ شوال عام ١١٥٢".
وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من شوال أتت فرقة من آيت يوسف بقصد قتال الودايا وشبت بينهما حرب مات وجرح فيها من الفريقين عدد، ونشأت عن ذلك قلاقل وفتن، وفي آخر شوال المذكور رفض عبيد البخارى طاعة الباشا الدكالى لقبح سيرته ومقابلته إياهم بغاية الصرامة والأذى حتَّى بالقتل، وولى مكانه القائد بو عزة مولى الشربيل وكان ممن حنكته التجاريب، ومن أهل السبقية في الخدمة السلطانية في العصر الإسماعيلي، عصر الجد والنجدة والحزم، فقام في
стр. 2240
مأموريته أحسن قيام، وأحيا بسياسته وتدبيره ما أمكنه مما اندرس من رسوم الخلافة ونوامسها، وأمن بولاية هذا السياسى المقتدر كل من كان خائفًا يترقب.
ثم اتفق الباشا المذكور وَرُؤساء الديوان ومن يشار إليه من الجيوش على خلع المترجم والمبايعة لصنوه أبي محمَّد عبد الله، وتم الوفق على ما ذكر يوم السبت خامس عشر ذى القعدة، ولما اتصل الخبر بالمترجم بارح مكناسة ناجيا بنفسه في شيعته وأنصاره، ويوهم أنَّه يريد زيارة أبي محمَّد عبد السلام ابن مشيش، وكان الزمن زمن برد قارص وأمطار هاطلة، ولما علم العبيد بذلك اقتفوا أثره فوقع بينهما قتال كانت الكرة فيه على العبيد، فولوا الأدبار منهزمين وسار المترجم إلى أن وصل طنجة، فاستقبله الباشا أَحْمد الريفى بالإجلال والترحيب، وبقى في ضيافته أيامًا، ثم استنجد الباشا المذكور وصديقة السلوى في نصرته، وشد عضده حتَّى يرجع لمكناسة، وينكل بمن سعى في خلعه من العبيد.
ولما تعذر ذلك وحالت الظروف بينه وبين ما يريد، طلب من الباشا الريفى أن يوجه لمراكش، فأسعف رغبته وزوده بجميع ما يحتاج إليه: يكفيه من مئونة ومال ودواب لحمل أثقاله وأثقال أتباعه، وشيعته رسله من قبيلة إلى أخرى، إلى أن قطع تلك الجبال الفحصية، ووصل إلى كارت ومنها إلى الصحراء، ولما لم يحصل على ضالته المنشودة انقلب راجعا إلى أن وصل للقصبة التي كان بناها بجبال مسفيوة بناء محكما بواسطة أَخيه وخليفته بمراكش المولى بناصر.
ثم دخل لمراكش فوفدت عليه القبائل الحوزية بهداياها وبيعاتهم ما عدا قبيلتى أحمر وعبدة، ومن انضم إليهما فإنهم رفضوا طاعته ولم يبايعوه، فأرسل لهم سبحته وأمنهم إن هم دخلوا فيما دخل فيه غيرهم، فوجهوا له مائة فارس منهم ومعهم كسوة أبي محمَّد صالح فلما مثلوا بين يديه، قتلهم عن آخرهم وأعطى خيلهم لدكالة.
стр. 2241
وفي عاشر ربيع الثاني من عام ثلاثة وخمسين ومائة وألف اجتمع على جيش السلطان عبد الله الذي كان بآكدير شيعة المترجم من قبائل أحوار مراكش كالرحامنة ودكالة وزمران ومسفيوة ووقع بين الفريقين حرب شديد كانت الهزيمة فيه أولًا على أتباع المترجم، ثم رجعت الكرة على الجيوش التي بآكادير لاشتغالهم بالسلب والنهب ولم يأخذوا بالأحوط والحزم، فأَتاهم من خلفهم خليفة المترجم صنوه المولى بناصر واستولى على جميع ذخائرهم وأمتعتهم حتَّى الأخبية، ثم وقعت ملحمة أخرى بين الفريقين المذكورين في التاسع والعشرين من جمادى الأولى كانت الهزيمة فيها على المترجم وأتباعه ففر إلى القصبة التي كان بناها بمسفيوة.
وفي أوائل محرم عام خمسة وخمسين دخل المترجم مكناسة عاصمة ملك أَبيه، وأتت الوفود لتهنئته وتقديم الطاعة إليه.
وفي أواخر المحرم أرسل الباشا أَحْمد الريفى لأهل فاس يطلب منهم تجديد البيعة للمترجم فلم يجيبوه لذلك، فاغتاظ وأضمر لهم سوءًا، وخرج المستضئ لمضايقة فاس إلى أن يرضخوا لطاعته ونزل بظاهر فاس يوم الثلاثاء رابع عشرى ربيع الأول وصار يشن الغارة على البلاد.
وفي خامس عشرى الشهر وقع القتال بين العبيد أتباع المترجم ومن انضم إليهم، وبين أهل فاس وأشياعهم، وكان الحرب سجالا، ثم وافى السلطان عبد الله جيش جرار من البرابر، ولما رأى المترجم أنَّه لا قبل له بهم فر ليلًا وحمل أمتعته وترك الأخبية مضروبة فارغة ليس بها ما يطلق عليه اسم شيء غير رجل أنهكه المرض، ولما أصبح الصباح زحفت إليهم الجنود البربرية فأخبرهم ذلك السقيم المخلف بحقيقة الواقع، وسار المترجم على بلاد شراكة والحياينة فنهبوا
стр. 2242
الزرع والماشية، وسار على ورغة إلى أن دخل تازا ثم آب لمكناسة، ولم يدخلها لفشو الطاعون بها إذ ذاك.
وفي عشية يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم فاتح عام ستة وخمسين ومائة وألف، نزل المترجم وصهره أَحْمد الريفى بالعسال من مزارع فاس قرب وادى سبو، وأعجبتهم كثرة جنودهم المجندة منقسمة على قسمين قسم مع المترجم، وقسم مع الريفى، وفي يوم الخميس رابع عشرى الشهر وقعت مناوشة خفيفة بين محال المترجم ومحال أهل فاس.
وفي يوم السبت سادس عشرى الشهر وقعت معركة عظيمة مات فيها خلق، ولما كان زوال يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر حشد الريفى ومتبوعه جنودهما وقطعوا قنطرة سبو، يريدون استئصال الجنود الفاسية، فقذف الله في قلوب شيعة المترجم الرعب بدون قتال فولوا الأدبار، ووقع فيهم الطعن والقتل فازدحموا على القنطرة وسقط في الوادى عدد كثير منهم، وفر المترجم لبنى حسن واحتمى بهم، وسار الريفى على بلاد صنهاجة يطوى المراحل إلى أن وصل طنجة وترك جميع ما أتى به غنيمة.
ثم رجع المترجم بنواحى مكناس يأمل النصرة.
وفي ثانى جمادى الثَّانية دخل المترجم ومن انضم إليه من بني حسن والعبيد وشرذمة من البربر وذلك على حين غفلة من أهلها، ومدوا يد النهب والإفساد، وجاسوا خلال البلاد؛ فقاومهم أهل البلد وأخرجوهم ناكصين وقتلوا منهم عددًا عديدا وقاموا على ساق في تحصين البلاد.
وفي يوم الأحد التاسع عشر من رجب نزل المترجم على الرئيس عبد الحق فنيش صاحب سَلَا، وطلب منه النصرة فبايعه بسلا انتقامًا من السلطان عبد الله كما في تاريخ الضعيف، ثم تبع أهل سَلَا، في بيعة المترجم قبائل بني حسن وفرقة
стр. 2243
من عبيد دكالة لا غير، وقد راود أهل الرباط على الدخول فيما دخل فيه أهل سلا، فأبوا من إجابته، فحاصرهم أربعة عشر شهرًا وبالغ في التضييق عليهم.
وكان ابتداء حصاره لهم في رمضان العام وألقى القبض على أبي عيسى المهدي مرينو الأَنْدلسيّ الذي صار قاضى الرباط بعد أن هم بقتله، ثم سرحه وخلى سبيله لحفظه مختصر خليل.
وفي رجب الفرد عام سبعة وخمسين اتخذ السلاليم وأراد التسور بها على الثغر الرباطى ليلا من ناحية البحر، ولما أحس بذلك على من الحرس الذي كان بالأبراج أخرج فيمن طلع نفضا مات منه خلق وكسرت تلك السلاليم، وتسارع أهل الرباط لالقاء القبض على من انفلت من الموت ممن هبط إلى مدينتهم.
وفي ذى القعدة من العام أوقع المولى عبد الله ببني حسن وقعة كادت أن تحص منهم كل شيء بتلماغت، ففر صاحب الترجمة لمسفيوة حيث كان اتخذ بها دارًا فشرده منها صنوه أبو محمَّد عبد الله، فذهب إلى مراكش، فوجد صنوه الذي كان خليفة عنه بها وهو بناصر قد لبى داعى الله.
وفي ثمانية وخمسين ثار المترجم بجبال مسفيوة واجتمع عليه هنالك بعض الغوغاء أَيضًا وسماسرة الفتن وبايعوه، فوجه صنوه أبو محمَّد عبد الله من يشرده ويبدد أحزابه وشبت بينهما حروب كان انطفاؤها بتشريد صاحب الترجمة عن جبال مسفيوة، ولجا إلى مراكش فطرده أهلها، فسار إلى دكالة فتامسنا ببني حسن، ولما لم يرفع له رأس في جهة من الجهات المذكورة صرف وجهته لطنجة وأعمالها، واستقر به الثوى بالفحص، فأقام به أيامًا عسف فيها أناسا منهم القائد عبد الكريم الريفى سجنه وسلمه واستصفى أمواله، فثار عليه بسبب ذلك أهل الريف وألقوا القبض عليه، وسلبوه من كل مال ومتمول وامتحنوه وأوثقوه وموا بتوجيهه لصنوه المولى عبد الله، ثم بدا لهم فسرحوه، فعند ذلك كتب لصنوه المذكور وكان يومئذ
стр. 2244
بفاس يعتذر له عما صدر منه ويطلب منه محلا يستقر به فأجابه بقوله: إنك لم تأت إلى ذنبا ولم ترتكب في حقى عيبا، إنما كنت تطلب ملك أبيك كما كنتَ أَطلب ملك أبي، والآن فإن أَنْتَ أردت الخمول مثلى فأقم بآصيلا واسكن بها، فإنها أحسن من دار دبيبغ التي أَنَا بِها، وأَرح نفسك كما أرحتها، وإن كنت إنما تطلب الملك فشأنك وإياه فإنِّي لا أنازعك فيه والسلام.
فلما وصل إليه هذا الكتاب من صنوه السلطان المذكور انتقل لآصيلا واستوطنها، واعتنى بها وأصلح منها ما يحتاج إلى الإصلاح كما أَصلح دار الخضر غيلان التي بقصبتها وسكنها سنة أربع وستين ومائة وألف.
ثم اتصل به بعض الأشرار من قرناء السوء الذين يستفزهم الطمع فدلوه على التكسب بالبيع والشراء في الزرع بجلبه من الداخلية ووسقه للبلاد الأجنبية فَارْتأى برأيه وتصدى للاتجار في ذلك، حتَّى تضرر النَّاس ورفعوا شكاياتهم للسلطان، فصار يقرع من الندم على إذنه له في السكنى بالثغر المذكور، وأصدر أوامره إلى القائد أبي محمَّد عبد الله السفيانى بالزحف إلى المترجم وإرغامه على الخروج من آصيلا، وكتب لولده خليفته بمراكش أبي عبد الله محمَّد أن يبعث إليه من يعززه في إجلاء المترجم عن الثغر، فبعث سيدي محمَّد رفيقه ابن عمه أَبا العلاء إدريس ابن المنتصر في مائة فارس وأمره باللحوق بالقائد المذكور طبق إشارة والده، فسار أبو العلاء إلى أن لحق بالسفيانى ونزلا على آصيلا وأرغما صاحب الترجمة على إخلائها, ولم يقبلوا منه عذرًا في التأخير، فلم يسعه غير الخروج منها.
ثم استولى أبو العلاء على جميع أمتعته وأمواله وذخائره الحربية وغيرها، وتوجه بجميع ذلك لعمه السلطان أبي محمَّد عبد الله، وسار المترجم إلى أن نزل بضريح الشيخ أبي بكر بن العربي من فاس، ووجه ولده للسلطان يشكو بما فعل به خليفته ولده سيدي محمَّد فكان من جواب السلطان له قل لأبيك: لا سبيل لي عليه هو أعظم شوكة مني ومنك، فسر إلى بلاد أبيك وجدك وأرح نفسك من
стр. 2245
التعب والموت قريب مني ومنك، فلما بلغه الجواب لم يسعه غير التوجه إلى صفرو، وذلك بعد أن ترك عياله بدار الشريف أبي محمَّد التهامى ونزل هو بدار الإمارة من صفرو.
ولما أوصل أبو العلاء للسلطان ما استولى عليه من أمتعة عمه المترجم أخذ السلطان البارود والسلاح، ووجه الباقي لربه قيل، ولما طال المثوى بصاحب الترجمة بصفرو، وبعث إلى آيت يوسى يندبهم لنصرته، والقيام بدعوته، فتخاذلوا عنه وأحالوه على آيت يدراسن وجروان وواعدوه بإسعاف رغبته إن أجابه المذكورون لمطلبه، ولما لم تنجح مساعيه بعث من أتى إليه بعياله وأثاثه من فاس وذهب إلى سجلماسة فاستوطنها، وذلك في عام ستة وستين ومائة وألف.
وكانت أيامه كلها غلاء ووباء ونحس مستمر، وما جلبناه في هذه الترجمة هو الزبدة واللباب مما في تواريخ أبي القاسم الزيانى وتابعيه، وتاريخ الضعيف، وتقاييد ابن إبراهيم الدكالى، مع مزيد إيضاح وتهذيب.
وزراؤه وقضاته وكتابه وعماله: فمن وزرائه العلامة أبو الحسن على بن سعيد العميرى آتى الترجمة، ومن قضاته أبو القاسم بن سعيد العميرى والشدادى، الأول على مكناس، والثاني على فاس.
ومن كتابه أبناء الوزير اليحمدى الحسن ومحمَّد.
ومن عماله الباشا محمَّد الدكالى، والباشا عبد المالك، والباشا سالم الدكالي.
بناءاته: منها داره التي لا زالت إلى الآن بمسفيوة أحواز مراكش مع قصبتها.
بعض ما قيل فيه من المدح: من ذلك قول بعض أدباء العصر ولفظه:
ظفرت فصل ونل قدرا رفيعا ... أتاك الملك مستمعا مطيعا