وفي عاشر ربيع الثاني من عام ثلاثة وخمسين ومائة وألف اجتمع على جيش السلطان عبد الله الذي كان بآكدير شيعة المترجم من قبائل أحوار مراكش كالرحامنة ودكالة وزمران ومسفيوة ووقع بين الفريقين حرب شديد كانت الهزيمة فيه أولًا على أتباع المترجم، ثم رجعت الكرة على الجيوش التي بآكادير لاشتغالهم بالسلب والنهب ولم يأخذوا بالأحوط والحزم، فأَتاهم من خلفهم خليفة المترجم صنوه المولى بناصر واستولى على جميع ذخائرهم وأمتعتهم حتَّى الأخبية، ثم وقعت ملحمة أخرى بين الفريقين المذكورين في التاسع والعشرين من جمادى الأولى كانت الهزيمة فيها على المترجم وأتباعه ففر إلى القصبة التي كان بناها بمسفيوة.
وفي أوائل محرم عام خمسة وخمسين دخل المترجم مكناسة عاصمة ملك أَبيه، وأتت الوفود لتهنئته وتقديم الطاعة إليه.
وفي أواخر المحرم أرسل الباشا أَحْمد الريفى لأهل فاس يطلب منهم تجديد البيعة للمترجم فلم يجيبوه لذلك، فاغتاظ وأضمر لهم سوءًا، وخرج المستضئ لمضايقة فاس إلى أن يرضخوا لطاعته ونزل بظاهر فاس يوم الثلاثاء رابع عشرى ربيع الأول وصار يشن الغارة على البلاد.
وفي خامس عشرى الشهر وقع القتال بين العبيد أتباع المترجم ومن انضم إليهم، وبين أهل فاس وأشياعهم، وكان الحرب سجالا، ثم وافى السلطان عبد الله جيش جرار من البرابر، ولما رأى المترجم أنَّه لا قبل له بهم فر ليلًا وحمل أمتعته وترك الأخبية مضروبة فارغة ليس بها ما يطلق عليه اسم شيء غير رجل أنهكه المرض، ولما أصبح الصباح زحفت إليهم الجنود البربرية فأخبرهم ذلك السقيم المخلف بحقيقة الواقع، وسار المترجم على بلاد شراكة والحياينة فنهبوا
стр. 2242
الزرع والماشية، وسار على ورغة إلى أن دخل تازا ثم آب لمكناسة، ولم يدخلها لفشو الطاعون بها إذ ذاك.
وفي عشية يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم فاتح عام ستة وخمسين ومائة وألف، نزل المترجم وصهره أَحْمد الريفى بالعسال من مزارع فاس قرب وادى سبو، وأعجبتهم كثرة جنودهم المجندة منقسمة على قسمين قسم مع المترجم، وقسم مع الريفى، وفي يوم الخميس رابع عشرى الشهر وقعت مناوشة خفيفة بين محال المترجم ومحال أهل فاس.
وفي يوم السبت سادس عشرى الشهر وقعت معركة عظيمة مات فيها خلق، ولما كان زوال يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر حشد الريفى ومتبوعه جنودهما وقطعوا قنطرة سبو، يريدون استئصال الجنود الفاسية، فقذف الله في قلوب شيعة المترجم الرعب بدون قتال فولوا الأدبار، ووقع فيهم الطعن والقتل فازدحموا على القنطرة وسقط في الوادى عدد كثير منهم، وفر المترجم لبنى حسن واحتمى بهم، وسار الريفى على بلاد صنهاجة يطوى المراحل إلى أن وصل طنجة وترك جميع ما أتى به غنيمة.
ثم رجع المترجم بنواحى مكناس يأمل النصرة.
وفي ثانى جمادى الثَّانية دخل المترجم ومن انضم إليه من بني حسن والعبيد وشرذمة من البربر وذلك على حين غفلة من أهلها، ومدوا يد النهب والإفساد، وجاسوا خلال البلاد؛ فقاومهم أهل البلد وأخرجوهم ناكصين وقتلوا منهم عددًا عديدا وقاموا على ساق في تحصين البلاد.
وفي يوم الأحد التاسع عشر من رجب نزل المترجم على الرئيس عبد الحق فنيش صاحب سَلَا، وطلب منه النصرة فبايعه بسلا انتقامًا من السلطان عبد الله كما في تاريخ الضعيف، ثم تبع أهل سَلَا، في بيعة المترجم قبائل بني حسن وفرقة
стр. 2243
من عبيد دكالة لا غير، وقد راود أهل الرباط على الدخول فيما دخل فيه أهل سلا، فأبوا من إجابته، فحاصرهم أربعة عشر شهرًا وبالغ في التضييق عليهم.
وكان ابتداء حصاره لهم في رمضان العام وألقى القبض على أبي عيسى المهدي مرينو الأَنْدلسيّ الذي صار قاضى الرباط بعد أن هم بقتله، ثم سرحه وخلى سبيله لحفظه مختصر خليل.
وفي رجب الفرد عام سبعة وخمسين اتخذ السلاليم وأراد التسور بها على الثغر الرباطى ليلا من ناحية البحر، ولما أحس بذلك على من الحرس الذي كان بالأبراج أخرج فيمن طلع نفضا مات منه خلق وكسرت تلك السلاليم، وتسارع أهل الرباط لالقاء القبض على من انفلت من الموت ممن هبط إلى مدينتهم.
وفي ذى القعدة من العام أوقع المولى عبد الله ببني حسن وقعة كادت أن تحص منهم كل شيء بتلماغت، ففر صاحب الترجمة لمسفيوة حيث كان اتخذ بها دارًا فشرده منها صنوه أبو محمَّد عبد الله، فذهب إلى مراكش، فوجد صنوه الذي كان خليفة عنه بها وهو بناصر قد لبى داعى الله.
وفي ثمانية وخمسين ثار المترجم بجبال مسفيوة واجتمع عليه هنالك بعض الغوغاء أَيضًا وسماسرة الفتن وبايعوه، فوجه صنوه أبو محمَّد عبد الله من يشرده ويبدد أحزابه وشبت بينهما حروب كان انطفاؤها بتشريد صاحب الترجمة عن جبال مسفيوة، ولجا إلى مراكش فطرده أهلها، فسار إلى دكالة فتامسنا ببني حسن، ولما لم يرفع له رأس في جهة من الجهات المذكورة صرف وجهته لطنجة وأعمالها، واستقر به الثوى بالفحص، فأقام به أيامًا عسف فيها أناسا منهم القائد عبد الكريم الريفى سجنه وسلمه واستصفى أمواله، فثار عليه بسبب ذلك أهل الريف وألقوا القبض عليه، وسلبوه من كل مال ومتمول وامتحنوه وأوثقوه وموا بتوجيهه لصنوه المولى عبد الله، ثم بدا لهم فسرحوه، فعند ذلك كتب لصنوه المذكور وكان يومئذ
стр. 2244
بفاس يعتذر له عما صدر منه ويطلب منه محلا يستقر به فأجابه بقوله: إنك لم تأت إلى ذنبا ولم ترتكب في حقى عيبا، إنما كنت تطلب ملك أبيك كما كنتَ أَطلب ملك أبي، والآن فإن أَنْتَ أردت الخمول مثلى فأقم بآصيلا واسكن بها، فإنها أحسن من دار دبيبغ التي أَنَا بِها، وأَرح نفسك كما أرحتها، وإن كنت إنما تطلب الملك فشأنك وإياه فإنِّي لا أنازعك فيه والسلام.
فلما وصل إليه هذا الكتاب من صنوه السلطان المذكور انتقل لآصيلا واستوطنها، واعتنى بها وأصلح منها ما يحتاج إلى الإصلاح كما أَصلح دار الخضر غيلان التي بقصبتها وسكنها سنة أربع وستين ومائة وألف.
ثم اتصل به بعض الأشرار من قرناء السوء الذين يستفزهم الطمع فدلوه على التكسب بالبيع والشراء في الزرع بجلبه من الداخلية ووسقه للبلاد الأجنبية فَارْتأى برأيه وتصدى للاتجار في ذلك، حتَّى تضرر النَّاس ورفعوا شكاياتهم للسلطان، فصار يقرع من الندم على إذنه له في السكنى بالثغر المذكور، وأصدر أوامره إلى القائد أبي محمَّد عبد الله السفيانى بالزحف إلى المترجم وإرغامه على الخروج من آصيلا، وكتب لولده خليفته بمراكش أبي عبد الله محمَّد أن يبعث إليه من يعززه في إجلاء المترجم عن الثغر، فبعث سيدي محمَّد رفيقه ابن عمه أَبا العلاء إدريس ابن المنتصر في مائة فارس وأمره باللحوق بالقائد المذكور طبق إشارة والده، فسار أبو العلاء إلى أن لحق بالسفيانى ونزلا على آصيلا وأرغما صاحب الترجمة على إخلائها, ولم يقبلوا منه عذرًا في التأخير، فلم يسعه غير الخروج منها.
ثم استولى أبو العلاء على جميع أمتعته وأمواله وذخائره الحربية وغيرها، وتوجه بجميع ذلك لعمه السلطان أبي محمَّد عبد الله، وسار المترجم إلى أن نزل بضريح الشيخ أبي بكر بن العربي من فاس، ووجه ولده للسلطان يشكو بما فعل به خليفته ولده سيدي محمَّد فكان من جواب السلطان له قل لأبيك: لا سبيل لي عليه هو أعظم شوكة مني ومنك، فسر إلى بلاد أبيك وجدك وأرح نفسك من
стр. 2245
التعب والموت قريب مني ومنك، فلما بلغه الجواب لم يسعه غير التوجه إلى صفرو، وذلك بعد أن ترك عياله بدار الشريف أبي محمَّد التهامى ونزل هو بدار الإمارة من صفرو.
ولما أوصل أبو العلاء للسلطان ما استولى عليه من أمتعة عمه المترجم أخذ السلطان البارود والسلاح، ووجه الباقي لربه قيل، ولما طال المثوى بصاحب الترجمة بصفرو، وبعث إلى آيت يوسى يندبهم لنصرته، والقيام بدعوته، فتخاذلوا عنه وأحالوه على آيت يدراسن وجروان وواعدوه بإسعاف رغبته إن أجابه المذكورون لمطلبه، ولما لم تنجح مساعيه بعث من أتى إليه بعياله وأثاثه من فاس وذهب إلى سجلماسة فاستوطنها، وذلك في عام ستة وستين ومائة وألف.
وكانت أيامه كلها غلاء ووباء ونحس مستمر، وما جلبناه في هذه الترجمة هو الزبدة واللباب مما في تواريخ أبي القاسم الزيانى وتابعيه، وتاريخ الضعيف، وتقاييد ابن إبراهيم الدكالى، مع مزيد إيضاح وتهذيب.
وزراؤه وقضاته وكتابه وعماله: فمن وزرائه العلامة أبو الحسن على بن سعيد العميرى آتى الترجمة، ومن قضاته أبو القاسم بن سعيد العميرى والشدادى، الأول على مكناس، والثاني على فاس.
ومن كتابه أبناء الوزير اليحمدى الحسن ومحمَّد.
ومن عماله الباشا محمَّد الدكالى، والباشا عبد المالك، والباشا سالم الدكالي.
بناءاته: منها داره التي لا زالت إلى الآن بمسفيوة أحواز مراكش مع قصبتها.
بعض ما قيل فيه من المدح: من ذلك قول بعض أدباء العصر ولفظه:
ظفرت فصل ونل قدرا رفيعا ... أتاك الملك مستمعا مطيعا
стр. 2246
وقد حقت لك العلياء فردا ... فطب نفسًا بما تهوى جميعًا
مولاى المستضى قطب المعالى ... لنا بنت العلا حصنا منيعا
نصحت فكنت ذا حزم وعزم ... فمن قدام بابك لن يضيعا
إذا دعى الملوك لأى أمر ... وكل الكل عنه وقد أضيعا
أطاع بهيبة المنصور رغما ... وإن لم يجتهد فيه سريعًا
لك الأمر المطاع فدم هنيا ... ودان لك الورى ريعا فريعا
وحق لمن وليت من البرايا ... وقد خاف الحوادث أن يريعا
وينعش آمنًا بل مطمئنا ... قرير العين لا يخشى مريعا
لأنك للرعية خير واق ... تدافع عنهم الأمر الفظيعا
حميت بسيفك المسلول منهم ... جنابا كاد قبلك أن يضيعا
وكم أوليت ذا بؤس نعيما ... وذا بأس تغادره صريعا
تصول إذا الوغى شبت لظاها ... على الأبطال منشرحا وليعا
كأنك فيهم ليث عبوس ... يطارد من ظبا داى قطيعا
وأعجب ما رآه النَّاس طرا ... مواهبك التي جلت صنيعا
سحائب في يمينك أم بحار ... تناولت المشايخ والرضيعا
أقر بها الأنام فكل من قد ... رآك غدًا سمانمه ربيعا
وصار لك المدا حقا ينادى: ... ظفرت فصل ونل قدرًا رفيعا
وفاته: تُوفِّي بسجلماسة بلده سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، ﵀ وغفر لنا وله آمين.
стр. 2247
٣٦٧ - مَسْلَمَة ويقال له بسلمة وسلامة ابن السلطان الأفخم أبي عبد الله محمَّد بن السلطان أبى محمَّد عبد الله ابن السلطان الأفخر أمير المُؤْمنين بالمغرب الأقصى أبي النصر إسماعيل الجد الأعلى .
حاله: كان جوادا كريما لا يكبر في عينه شيء من متاع الدنيا وزينتها، آية في السخاء وعلو الهمة، بطلا شجاعًا، كريم الأخلاق والسجايا، أُمه شهرزاد العلجة، استخلفه شقيقه المولى اليزيد المترجم فيما يأتى لنا بحول الله ببلاد الهبط والجبل، وأسند إليه تدبير أمور ثغور تلك الجهة، وفوض إليه في النظر في مصالحها فأحبه أهلها لسلوكه فيهم مسلكا حسنًا، ولذلك لما اتصل به نعى أخيه اليزيد المذكور ودعا لنفسه بايعه أهل تلك البلاد ولم يتخلف أحد منهم عن بيعته، واتفقت كلمتهم عليه، وذلك عشية يوم الجمعة ثانى رجب عام ستة ومائتين وألف.
وكان حامل راية بيعته أبو الحسن على بن أَحْمد بن الطيب الشريف الوزانى، وتشيع له جروان ودخيسة وأولاد نصير وآية يمور -وكانت منازلهم بسلفات- وبنو مستارة، وأهل جبل زرهون، وزمور، وزعير.
ولما تمت له البيعة وجه ولده الرشيد وجعفرًا لتطاوين بقصد إلقاء القبض على عشعاش وذلك يوم السبت الموالى ليوم بيعته، ولما وصلا إليه أنزلهما وبالغ في إكرامهما ونجا بنفسه ليلا إلى جبل العلم واستجار بضريع أبي محمَّد عبد السلام بن مشيش، فرجع الولدان المذكوران لأبيهما وقصا عليه القصص، وفي يوم الاثنين خامس الشهر ورد عليه قاضى تطاوين أبو محمَّد عبد السلام بن قريش وفي معيته الشرفاء والفقهاء والأعيان فاهتبل بوفادتهم، وأَكرم نزلهم ووصلهم بصلات ضافية، وفي اليوم نفسه وردت عليه بيعة شفشاون مع قاضيها عبد الكريم الورديغى وأعيانها، ووفدت إليه القبائل الجبلية وأهل طنجة والعرائش والقصر
стр. 2248
الكبير ووزان، ووجه له البيعة أبو الحسن على الوزانى المذكور، وأهدى له فرسًا من عتاق الخيل وندبه للإسراع إلى العاصمة المكناسية.
ثم وجه المترجم من يقطع رأس محمَّد وعزيز، وسعيد بن العياشى، وغيرهما من قواد العبيد فلما سمع بذلك وعزيز المذكور وجه للشيخ التاودى ابن سودة بفاس يطلب منه أن لا يبايع أحدًا من أولاد السلطان سيدي محمَّد بن عبد الله، فأجابه الفقيه المذكور لتأخير ذلك إلى أن تجتمع كلمة المسلمين، ويتفق أهل الحل والربط على إحضار أبناء السلطان المذكور، وينظرون لأنفسهم من يبايعونه منهم بالتسليم أو القرعة، وإلا فالأحق بها هو مولانا هشام الذي حارب عليها وقتل أخاه، وهو أَيضًا بالأرض التي مات فيها السلطان، ثم بعد هذا بدا لوعزيز المطيرى المذكور أن يبايع أَبا الرَّبيع سليمان وزيف قول الفقيه المذكور وذلك بعد موافقة رؤساء العبيد معه على البيعة للمذكور.
أما المترجم فإنَّه أقام بتازروت، وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر من رجب ورد عليه أبو محمَّد التهامى بن الحسنى بالفرس الذي أهداه أبو الحسن على بن أَحْمد وتولى أبو محمَّد التهامى المذكور كلمة المترجم وصارت كالوزير له.
وفي يوم الأحد حادى عشر الشهر نهض المترجم من تازروت بخيل أهل الريف وسفيان وبنى مالك والخلط وطليق وغيرهم، وفرق في الأشراف وغيرهم نقودًا ذهبية وخيم ببني عروس، ومن الغد ارتحل بعد أن التقي بالمرابط السيد هدى وسار إلى أن نزل بزيتونة بني كرفط، ومن الغد ظعن لوادى المبهازن ودخل القصر يوم الخميس الثالث والعشرين من الشهر وأقام فيه فريضة الجمعة، وبات يوم السبت بصرصر، ونزل يوم الأحد بآزجن، وفي يوم الاثنين دخل وزان وخيم بالظهر الطَّويل، وأعطى الشرفاء أَلْف دينار ذهبا وكساهم بالملف والحرير والكتان.
وفي يوم الجمعة متم الشهر جددت له البيعة بوزان على يد أبي الحسن على ابن رشدون وخطب به الفقيه أبو عبد الله محمَّد الرهونى فأعطاه نحو خمسين دينار، وأظهر الشعار الملكى هنالك ولعب البارود طلقا على الخيل، وقبل هذا
стр. 2249
اليوم وردت عليه بيعة كلعية، ووفد عليه البعض من برابر زمور وآيت يمور وعرب بني حسن، وتجرد أبو الحسن بن أَحْمد لندب القبائل للعض بالنواجذ على بيعة المترجم وحثهم على ذلك وكتب بذلك للشاوية، وَسَلَا، والرباط.
وأما محمَّد وعزيز فإنَّه صار يندب النَّاس لبيعة أبي الربيع، وكتب للرباط وَسَلَا أَيضًا والقبائل البربرية وأهل مكناس والعبيد وفاس وتازا وغير ذلك، فأَجابوه لبيعة أبي الرَّبيع وبايعوه، فصارت الدولة دولات والملوك وكذلك: مولاى هشام أمير مراكش، وأبو الرَّبيع أمير فاس، والمترجم أمير وزان والجبال الهبطية وما وإلى ذلك.
وفي يوم السبت فاتح شعبان قدم بنو مستارة لصاحب الترجمة فرسًا برسم الهدية وكذلك قبيلة دخيسة وأولاد نصير وآيت يمور وجروان، وفيه أَيضًا وجه القائد عمر الرحيوى البُخَارِيّ للإتيان بعيال أخيه اليزيد من تطاوين وكذلك من بقي بها من نساء أَبيه.
وفي يوم الاثنين ثالث شعبان وردت عليه خيل جروان وآيت يمور وأثنى عليهم بالشجاعة والثبات، وأمرهم بالتعرض لمحلة العبيد التي بقيت بعد وفاة أخيه اليزيد بمراكش، حيث بلغه أنها من أهل طاعته فليتركوها وليعززوها إلى أن تأتى إليه، فإن رأَوا أنها تريد اللحوق بأخيه أبي الرَّبيع فلينهبوها، فإنَّها حاملة للانفاض والسلاح والمزارق وغير ذلك مما خلفه اليزيد، ومعها نحو الثمانين بغلة وعدد رجالها ما بين فرسان ورماة نحو الألفين، ووصلهم بنقود ذهبية والتزم لهم بأداء دية من هلك منهم، وغرم ما عسى أن يموت أو يتلف لهم من أفراسهم فأجابوه بالسمع والطاعة، وتوجهوا لما أمروا به يوم الثلاثاء رابع شعبان فوجدوا المحلة التي توجهوا من أجلها دخلت مكناسة يوم الاثنين ثالث الشهر.
وفي يوم السبت الثامن منه بلغ الرحيوى المذكور آنفًا جبل الحبيب راجعا من
стр. 2250
تطاوين بمن ذكر من النساء اللاتى توجه لأجل الإتيان بهن للمترجم، فتعرض له عشعاش الذي كان صاحب الترجمة همَّ بالإيقاع به أول ما بويع له ونزع منه ما أتى به من مال ومتمول وسلاح وبارود وثياب، وأعانه على ذلك الشرفاء أولاد مولاى عبد السلام بن مشيش، وذلك يوم السبت الثامن من شعبان المذكور، وفيه وردت عليه ثلاثمائة فارس من زمور الشلح مبايعين.
وفي اليوم نفسه اجتمع أهل العدوتين سَلَا، والرباط بالزاوية التهامية بقصد المفاوضة فيمن يبايعونه من المنتصبين للملك، إذ المترجم كان قائما بوزان وما والاه مما ذكر، وأبو الرَّبيع سليمان بفاس ومن انضم إليهما، وهشام بمراكش ونواحيه، فوقع النزاع بين أهل العدوتين عبد الله بركاش مال لبيعة هشام محتجًا بأن أبناءهم تحت يده، وأنه قاتل على الملك حتَّى ظفر به، وأن كتابه بطلب مبايعتهم له سبق غيره في الوصول إليهم، وبأنهم إن بايعوا سليمان أو مسلمة يقتل هشام أولادهم، وكانوا ثلاثين ما بين أهل الرباط وَسَلَا، فنازعه الحاج العباس مرينو وأبي إلَّا المبايعة لصاحب الترجمة، واحتج بكتاب أبي الحسن على بن أَحْمد الوزانى، فنازعه أولاد الرايس بكتاب من أبي عبد الله محمَّد بن عبد القادر يقول فيه: نحن أهل وزان ما بايعنا أحدًا من سليمان ولا سلامة، وقال فقهاء أهل سَلَا لبركاش: بايع من شئت، وحسبنا الإشهاد عليك، فأجابهم بقوله: لا تشهدوا عَلَيَّ ولا أشهد عليكم، وأنتم فقهاء تحللون وتحرمون، فإن بايعتهم سلامة مكنونى من خط يدكم فإن ورد هشام نمكنه منه ودونكم وإياه، أو قدم سليمان فكذلك، وكان فقهاء العدوتين يريدون سلامة إلَّا محمَّد الغربى الرباطى، فإنَّه كان يعزز بركاش في رأيه، ثم اتفق رأى العلماء بعد أخذ ورد على البيعة لأول قادم عليهم من المذكورين، ثم وقعت إثر ذلك حيل وخدع لا حاجة بنا لذكرها وقد بسطها الضعيف في تاريخه.
стр. 2251
وفي يوم الأربعاء الثاني عشر من شعبان وجه المترجم ولده جعفرًا مع بني مالك وسفيان وبعض بني حسن والبعض من زمور الشلح وآيت يمور ووصلهم بنصف دينار لمنفر، وكانوا نحو الألفين وأمرهم بالتعرض لبوعزة القسطالى وقطع رأسه، ولما وصلوا وادى بهت وجدوه دخل مكناسة.
وفي اليوم نفسه وجه أبو الرَّبيع سليمان أخاه الطيب في جيش لمطاردة الرشيد ابن المترجم، إذ كان يومئذ مخيما بزرهِون مع آيت يموريشن للغارات على الزراهنة الذين هم في طاعته، وكان المترجم بعث للعبيد الذين خلفهم اليزيد محاصرين لسبتة، وكان عددهم نحو الخمسمائة، ولما وافوه لوزان وجههم رِدْءًا لولده الرشيد المذكور، وفوض الأمر لرئيسهم ابن عليّ، وأعطاه بطائق مختومة بخاتمه يكتب فيها للقبائل بما يراه مصلحة وفي اليوم نفسه وجه المترجم ولده جعفرًا لإغاثة صنوه الرشيد بزرهون مع آيت يمور وزمور الشلح وبنى مالك وسفيان وبنى حسن وغيرهم، فأوقعوا بمحال المترجم شر وقعة ونسفوا أموالهم وبددوا جموعهم، وفروا إلى الريف ولحق المترجم بابنيه المذكورين وابن أخيه الحسن.
ثم بعد ذلك نهض إليهم أبو الرَّبيع في جنود جرارة لا قبل لهم بها, ولما التقى الجمعان على ضفة وادى سبو بالمحل المعروف بالحجر الواقف وقعت الهزيمة على المترجم وأنصاره في أول غارة، فولوا الأدبار وتركوا جميع مقوماتهم غنيمة باردة لأبي الرَّبيع، وبإثر ذلك وافى نساء آيت يمور وصبيانهم على الحضرة السليمانية متشفعين تائبين، وفي العفو عنهم راغبين، فعفا عفو قادر، ثم بعد هذا عسكر المترجم وسط بلاد الحياينة فتوجه إليه أبو الرَّبيع وفلَّ جموعه ورجع الحياينة في قيود الهوان والصغار يطلبون العفو والأمان، فأمنهم قال في الجيش: ولم يبق مع المترجم إلَّا خاصته وولداه وابن أخيه الحسن بن يزيد.
стр. 2252
وفي يوم الجمعة الرابع عشر فرق على عرب الصباح صندوقين من جعاب المكاحل الرومية وكساهم وولى عليهم أحد أتباعه يسمى العياشى، وفي اليوم نفسه وقع هرج ومرج برباط الفتح حيث إن بركاش المذكور رام أن يخطب بهشام والحاج العباس أراد الخطبة بالمترجم، وآخر الأمر لم ينفذ مراد واحد منهما، وصلى النَّاس الجمعة ظهرًا، وكثرت الأهوال، وفسدت الأحوال، واضطربت الأمور، وتحرجت الصدور، وأصبحت الدوائر على المترجم تدور؛ وفت في عضده فخلع نفسه وقد كان فرق في الأشراف وغيرهم نحو السبعين قنطارا.
وفي ليلة السبت الثامن والعشرين من شعبان عام ستة ومائتين وألف، خرج وزان ناجيا بنفسه، حيث رأَى أن شوكة أخيه سليمان قد بلغت الغاية في الشدة، وكانت دولته بوزان نحو شهرين، ونفوذه سائر في القبائل الجبلية وأهل الفحص وما والى ذلك من الثغور.
ثم لم تزل أيدى التغريب والنوى تلعب به إلى أن رحل إلى الحج ودخل مصر وأقام بها مدة، ثم توجه إلى مكة فنزل على سلطانها صهره على أخته، ثم عاد إلى مصر، ومنها توجه إلى تونس فعظم أميرها حمودة باشا شأَنه وأَكرم مثواه ونزله ورتب له جراية كجراية ولى عهده، وبقى بتونس معظما مكرما، وتزوج عقيلة من بيت الشيخ القصرى أَولدها ذكرًا تُوفِّي صغيرًا.
قال في تعطير النواحى: زار المترجم إمام عصره الشيخ أبو إسحاق الرياحي، ولما أراد الخروج قال له: لا أُسرحك في حر الشَّمس، وألزمه أن يتغدى معه، ولما أراد الشيخ الرجوع عشية أَنشد للمترجم.
ولما نزلنا في ظلال بيوتكم ... أُمنا ونلنا الخصب في زمن المحل
ولو لم يزد إحسانكم وجميلكم ... على البر من أهلى حسبتكم أهلى
стр. 2253
فقال له المترجم: إنك إن أتيت أخي مدحته وأجارك وهو سلطان، وأنا غريب وكان بإصبعه خاتم ثمين فنزعه من خنصره وناوله الشيخ فأخذه الشيخ وضمه إلى صدره وأنشد:
نظرت لخاتم قد جل قدرا ... تحف به الخلافة والكرامة
فقلت له شرفت وأى فضل ... حويت بلبس مولانا سلامة
وقال له: إن خاتمك شريف، والشريف لا يستعمل، وقد أجازنى أخوك في الدنيا وجائزتى منك في الآخرة، ووضعه بين يديه فامتنع مولانا سلامة من قبوله، فقال له الشيخ: لا تحرمنى من جائزة الآخرة، فهي خير وأبقى والأعمال بالنيات فتركه الشيخ بين يديه، وخرج. رحم الله تعالى الجميع.
ثم بعد هذا عاد إلى المشرق ولم يزل يتردد به إلى أن وافته منيته.
هذا ملخص ما للزيانى، والضعيف، والجيش مع ترتيب، وتحرير وتهذيب، يظهر للقارئ المنصف بمراجعة الأصول.
وكان ختم أنفاسه بتونس بعد أن اعتراه شبه اختلال، وأقبر بزاوية أبي الحسن على عزوز قرب سوق البلاط، على ما أخبرني به صاحب التعطير صديقى الحميم الشيخ عمر الرياحي التونسى حفيد الشيخ أبي إسحاق إبراهيم المذكور آنفًا.
وقال أبو العباس أَحْمد وابن أبي الضياف التونسى في تاريخه: إن مولاى مسلمة خرج من المغرب إثر خلعه وجاب الآفاق وأقام مدة بالديار المصرية، واجتمع فيها بنابليون الأول ووقعت بينهما المهادات، وكان هذا الشريف منصفا يذكر ما شاهد من حزم نابليون وشجاعته وثقوب فكره وإخباره بما آل إليه حال المسلمين وأسبابه من الانغماس في النعيم والتفنن في الحضارة واستعمال السرف؛ في مذاهب الترف، حتَّى إن أثقال أمراء الجيوش توازى أثقال الجيش أو معظمه،
стр. 2254
والحال أن بيت هذا الأمير تحتوى على فراش منامه وموضع جلوسه وأمامه مائدة عليها دواة وقراطيس وأرائك لجلوس من يأتيه لا غير.
قال: واتفق أن يوم قدوم هذا الشريف الشيخ على الباهى بحلق الوادى فقال للكاهية: عجل بإرسال الشوانى لنزول الشريف فورا، فقال له نتوقف في ذلك على إذن خاص من الباى، فقال له: أنا رسوله إليك في هذا الشأن وأتى الشيخ الباهى إلى الباى بباردو -وكان مقربا عنده- فقال له: إنِّي افتت عليك في أمر يزيدك فخرًا، وقص عليه الخبر، فقال له: اشكر الله حيث لم يكن الأمر بالعكس، فشكر صنعه وعظم مقدم الشريف وأكرم نزله ورتب له جراية كجراية أخيه، وعين له منزلا، وبقى بتونس معظما مكرما مرموقا بما يجب لمقامه الدينى والدنيوى، وتزوج عقيلة من بيت الشيخ القصرى أولدها ولدًا وتوفى صغيرًا.
قال: وله في الإيثار والسماحة أخبار، ثم اعتراه في آخر عمره جذب احتقر به مقام السلطان والدنيا القليل متاعها الفانى، فكان يأخذ من الأغنياء ويناول الفقراء، إلى أن لبى ربه للدار الآخرة، بهذه الحالة الفاخرة.
وفاته: قال ابن أبي الضياف: إنه تُوفِّي في منتصف جمادى الثَّانية من عام خمسين ومائتين وألف، ودفن بزاوية سيدي على عزور، بالحاضرة بموكب شهده الديوان والأعيان كجنائز ملوك الحاضر ﵀.
٣٦٨ - مسعود الموقت ابن العلامة المشارك أبي محمَّد عبد القادر الطليطى الأَنْدلسيّ .
الفاسى دارًا نزيل مكناس وموقت جامع قصبتها السلطانية.
حالة: خير دين فاضل، نزيه وجيه له الباع الطَّويل العريض في التوقيت،
стр. 2255
تولى رياسة التوقيت بمنار القرويين، وبقى بها سنين عديدة، ثم نقله السلطان إلى مكناسة الزيتون، وولاه رياسة توقيت جامع قصبته.
مشيخته: أخذ عن مشايخ فاس، وحصل التوقيت على الحافظ أبي زيد الفاسى.
وفاته: تُوفِّي بفاس سنة أربع ومائة وألف.
٣٦٩ - مسعود بن جلون .
القاطن بمكناسة الزيتون، ترجمه الزبادى في سلوك الطريق الوارية.
حالة: قال في سلوك الطريق في حقه: المرابط الأرضى، الخير الناسك الخامل، المتجرد المحب، إلى أن قال: كان ﵀ سنيا، ذاكرا محبا صادقًا، ذا أخلاق كريمة، وتواضع لله وللعباد، وخشوع وخضوع، ممن تعتريه الأحوال، وتظهر عليه ذو وجد وغيبة، يخبر عن أشياء في حال سكره، وينكر في حال صحوه، وكان متقشفا متجردا عن الدنيا وأهلها, يفتر لسانه عن ذكر الله، زَوَّارًا للصالحين الأحياء منهم والأموات، وله خبرة بمقابرهم، حتَّى كان ﵀ ما دخلت مكناسة قط في حياته وسلمت عليه إلَّا وقبضنى من يدي في الحين، ويمر بي ويطوف بي على جميع من بمكناسة داخلها وخارجها من الأموات والأحياء، ولا يفارقنى مدة مقامى هناك ليلا ولا نهارًا، وإذا ورد علينا لفاس لا يلتفت حتَّى يصل إلى دارنا وينادى علىّ، فإن وجدنى وإلا فيقول لأهل الدار: إذا جاء قولوا له: إن مسعودا جاء ساعيًا بأبوابكم، وكان يعتمد الشيخين مولاى التهامى، وأخاه مولاى الطِّيب الشريفين اليملاحيين الوزانيين رحمهما الله ورضى عنهما.
مشيخته: أخذ عن مولاى التهامى، وأخيه مولاى الطيب المذكورين.
стр. 2256
وفاته: تُوفِّي بمكناسة الزيتون عام تسعة وستين ومائة وألف، كذا في سلوك الطريق الوارية.
٣٧٠ - مسعود البريشى .
حالة: كان متوليا خطة النيابة عن القاضي بالحضرة المكناسية، وقفت على رسم مؤدى عليه بتاريخ خامس عشرى حجة عام عشرين ومائتين وألف، على فيه بنائب قاضى الجماعة بالحضرتين فاس ومكناسة.
٣٧١ - المهدي الزريهنى بالتصغير .
جد بني الزرهونى بفاس وهم بربر من جبل زرهون.
حالة: شيخ فقيه صالح، خير متمسك بالدين، وأولاده فقهاء صلحاء، ذكره بعضهم في تأليف له في بيوتات فاس في القديم، وكذا الشيخ أبو زيد الفاسى في تأليف له في ذلك، وهو أول قادم على فاس من زرهون، وانظر هل هو القاضي الزريهنى الذي كان بفاس وكان صلبًا في الحق معاصرا لأبى الفضل راشد الوليدى، وأبي الحسن الصغير والله أعلم، ولم أحفظ تاريخ وفاته، بَيْدَ أنَّه مات بفاس.
٣٧٢ - المهدي بن عبد المالك بن إدريس بن عبد المالك بن المنتصر بن السلطان الأعظم سيدنا الجد مولانا إسماعيل.
حاله: فقيه علامة مشارك، مطلع سياسى ناقد خبير حنكته التجارب، عارف بالأمور بصير بالعواقب، مهذب الأخلاق لين العريكة، محاضر فاضل، نبيل ذكى زكى، كريم النفس، عالى الهمة، وقور هيوب، اجتمع فيه من العلم والفضل والدين والشعور ومكارم الأخلاق وحسن العشرة ما افترق في غيره من أبناء
стр. 2257
عصره، صاهره سيدنا الجد أبو زيد السلطان مولانا عبد الرَّحْمَن بن هشام بابنته الدرة المصونة السيدة زينب، وكان له لديه جاء ووجاهة، ثم جاء من بعده ولده السلطان سيدي محمَّد فزاده حظوة على حظوة، واصطفاه لمجالسته ومشاورته والمفاوضة معه في المهمات، وكان لديه مستودع سره يتيامن بآرائه لما يعلمه من فضله ودينه وأمانته، ولم يزل محبوبًا مبجلا منظورا إليه بعين الإكبار والرعاية إلى أن لبى الداعي، وانتقل لوطن الرحمة محمود المساعى.
مشيخته: أخذ عن فطاحل علماء وقته، ولازم العارف بالله مولاى عبد القادر العلمى، وانتفع بأسراره ومعارفه، وظهرت عليه بركته ولا كظهور شمس الظهيرة.
وفاته: تُوفِّي ببلده محروسة مكناسة الزيتون عام ثمانية وسبعين بموحدة بعد السين ومائتين وألف، ودفن بضريح أبي العباس أَحْمد الشبلى الولى الشهير قرب دار سكناه.
٣٧٣ - المهدي الكحاك .
من أولاد الكحاك من أهل فاس الإدريسية المستقرين بمكناسة الزيتون.
حالة: رأس المترسلين، وصدر الكتاب المعتبرين، قال أبو عبد الله محمَّد بن الطيب بن عبد السلام القادرى في الأزهار النادية لدى تعرضه لذكر المترجم ما لفظه: خدم السلطان مولانا عبد الله بن مولانا إسماعيل إلى أن سار إلى سوس، ثم خدم بعده أخاه السلطان مولاى المستضئ بالله ابن مولانا إسماعيل، ثم اتصل بخليفة العصر أمير المُؤْمنين سيدي محمَّد بن عبد الله الحسنى، فكان صدرهم، يحسن الإنشاء في الترسيل ويجتنب الفضول والتوغل في التصريف، ولا يتكلم إلا فيما يؤمر به مشتغل بما يعنيه، يطلب من الرزق ما يكفيه، ولا يطمع في أحد
стр. 2258
سوى السلطان، عالي الهمة متعفف، ثِقَة كتاب العصر، يحب الخمول، هذا دأبه، إلى أن تُوفِّي بمكناسة الزيتون.
وفاته: تُوفِّي عام ثمانين ومائة وألف.
٣٧٤ - المهدي بن العلامة الخير الدين أبي محمَّد الطيب بن الصغير بصرى .
المكناسى النشأة والدار.
حاله: فقيه علامة عامل مشارك، محرر نحرير، متبحر نقاد متفنن، نبيل جليل، مدرس نفاع.
مشيخته: منهم السيد محمَّد فتحا بن محمَّد بصري صاحب المثبت المذكور فيما مر وغيره، أخذ عنه الألفية وبعض مختصر خليل، وبعض الآجرومية، وصغرى السنوسى.
وفاته: تُوفِّي يوم الاثنين موفى عشرين من جمادى الأخيرة عام ثلاثة وتسعين ومائة وألف.
٣٧٥ - المهدي قاضيها شيخ شيوخنا أبو عيسى ابن الطالب بن محمَّد فَتْحًا ابن محمَّد الرضا بن أَحْمد بن محمَّد فتح ابن محمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابن حمدون بن عبد الله بن القاضي على بن أبي القاسم بن القاسم.
أول قادم لفاس من غرناطة على عهد أبي عنان.
حاله: شيخ الإِسلام، وحجة الأنام، بحر علم زاخر لا تكدره الدلاء، ولا يدري له أول ولا آخر بين السراة الألباء؛ إمام الفقة والحديث والسير والأصول والفروع، متفرد في المعقول والمنقول، ذو عارضة طويلة عريضة، وأبحاث دقيقة،
стр. 2259
ومشاركة كاملة في سائر الفنون، ضابط متقن، راوية ذرب اللسان، ثبت الجنان، سياسى ماهر، مطلع خبير بصير بالعواقب، حامل لواء التحقيق في زمانه، مشار إليه بالبنان بين أقرانه، درس العلم بأقطار المشرقين والمغربين فأجاد وأفاد، وخلد الثناء عليه في الأغوار والأنجاد، وكان شيخ مجلس السلطان العادل سيدنا الجد مولاى عبد الرَّحْمَن بن هشام، ثم السلطان سيدي محمَّد، ثم السلطان مولاى الحسن في صحيح البُخَارِى في الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان.
رحل إلى الحج ثامن ربيع النبوى عام تسعة بتقديم المثناة وستين ومائتين وألف فحج وزار، ولقى هنالك جماعة من الفضلاء والأخيار، ودرس بمصر والحرمين، وأقر له بالفضل والتقديم دون مين، ووقع له هنالك ظهور كبير، أخبر به الجم الغفير، وقد مدحه غير واحد من أعلام تلك الأصقاع، فمن ذلك ما مدحه به الشيخ إبراهيم بن سراج الدين الإسكندرانى وذلك في ٢٥ ربيع الثاني عام ١٢٧٠ من جملة قصيدة طويلة:
فسبحان من أمضى على الجور حكمها ... وجدد بالمهدى ما كان أخلقه
همام له في صولة البحث مدرك ... به أنطق الدين الحقيق ومنطقه
وما مدحه به الشيخ حسن بن الحاج على اللقاني في جمادى الأولى عامة.
أفاتكة الألحاظ مائسة القد ... أضلتك عن نهج الهداية والرشد
إلى أن قال:
أم الدين والدنيا أَشارا وأشرقا ... فهل هذا روح الله أم قدم المهدى
همام له في الفضل والعلم والعلا ... خصائص قد جلت عن الحصر والعد
هو البحر بحر العلم والحلم والتقى ... وكشاف ما تخفى العبارة عن قصد
стр. 2260
وهي طويلة طنانة مثبوتة بخطه في كناشته كسابقتها ولاحقتها.
وما قاله في حقه الشيخ محمَّد محمود أفندي الإسكندرانى من قصيدة رائقة طويلة:
إن يكن في الهوى صدودك حظى ... لا تدع للوشاة منك نصيبا
خل قوما هم الغواة فإنى ... قد رأيت المهدى فينا قريبا
قام فينا للدين ركنا حصينا ... وتخلى للعلم صدرا رحيبا
قرشى عنه سمعنا حديثا ... فرأينا من الحديث عجيبا
ثم رحل ثانية إلى الحج في معية أنجال السلطان المقدس مولاى عبد الرَّحْمَن، وهم: موالينا على، وإبراهيم، وجعفر، وعبد الله، وابن عمهم أبو بكر ابن عبد الواحد بن محمَّد بن عبد الله فبارحوا مكناسا يوم الاثنين خامس رمضان من عام ١٢٧٤، ودخلوا مصر في ١٢ شوال، وخرجوا منها في تاسع ذى القعدة، فدخلوا مكة يوم الجمعة ١٧ قعدة، ودرس بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (٢٣)﴾ الآية ووقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ... (٣٨)﴾ [سورة الحج ٢٣ - ٣٨] ومن ليلة الأحد سابع ذى الحجة تُوفِّي نجل السلطان مولانا إبراهيم ودفن بالمعلى، بجوار مولاتنا خديجة، ثم رحلوا من مكة ودخلوا المدينة سادس المحرم فاتح عام ١٢٧٥، ثم أَعادوا الرجوع، فبلغوا إلى الحضرة الملوكية بمكناس أواخر صفر، وما جاء في الاستقصا من أنَّهم لحقوا بالأمير بمراكش سبق قلم، والحق ما نقلناه من خط المترجم مخبرا عن نفسه.
وقد عد في كناشته حسبما وقفت عليه بخطه عدد المراحل التي قطعوها وبعض الوقائع التي لاقوها في طريقهم، وسمى شيوخ الأَزْهَر الذين فرقت عليهم صلة السلطان على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم بعد أن عين للطبقة الأولى ثمانية
стр. 2261
وأربعين ريالا, وللثانية خمسة وأربعين، وللثالثة اثنين وأربعين وها نص أسمائهم طبق ترتيبهم:
الطَّبقة الكبرى من المالكية خمسة وعشرون نفرا، وهم: الشيخ محمَّد عليش، الشيخ محمَّد المصورى، الشيخ محمَّد كموة، الشيخ أَحْمد منة الله، الشيخ عمر فتح الله، الشيخ بوشتى التتائى، الشيخ عيسى الغزولى، الشيخ عمر البرطوسى، الشيخ حسن العدوى، الشيخ عبد الغنى المكواتى، الشيخ منصور كساب، الشيخ أَحْمد الإسماعيلي؛ الشيخ على الطهولى، الشيخ عيسى مرزوق، الشيخ ظفر الدسوقيّ، الشيخ محمَّد الحداد، الشيخ محمود بن الشيخ عليش، الشيخ محمَّد رابح التونسى، الشيخ عبد الله عليش؛ عبد المنعم الجرطاوى، الشيخ محمَّد قطة، مصحح الطبع الشيخ محمود الفيومى مكرم، الشيخ عبد الله الدسوقى.
الطَّبقة الثَّانية من المالكية عددهم ٢٢: محمَّد الصاوى، محمد البساطى، محمَّد السنهورى، محمدى أبوهر، إبراهيم دقيس، منصور المناوى، محمَّد بن شهاب، إبراهيم النائمى، عبد الرَّحْمَن عليش، محمَّد الشماخ، محمَّد النطراوى، محمَّد الحفناوى، محمَّد هلال، أبو الحاج على، سليمان الصفن، عيسى البولاقي، عبد القارئ المازنى، محمَّد الكُوفى، إبراهيم الدسوقى، أَحْمد السمخراطى، محمَّد الناصرى، محمَّد العدوى.
الطَّبقة الثالثة من المالكية عددهم ٣٥: محمَّد الجزيرى، محمَّد الشعبوتى، محمَّد نقموس، محمَّد العبادى، حسن داود، أَحْمد الشريف، عبد الفتاح المطيع، سليمان الخونكى، على شعبان، سليمان البولاقي، إسماعيل الخمرى، مضر ناظر المساكين بمسجد أبي العباس بن طولون، عبد الله الطحاوي، محمَّد اللقاني، أَحْمد العطار، عبد الله المكارى، معتوق الفيومى، على الفيومى، محمَّد الكاوى الموقت، محمَّد الأنجباوى، عبد الرَّحْمَن الفيومى، أَحْمد كبره، إبراهيم التونسى، محمَّد الفاسى، محمَّد الأيوبى، يوسف الطحاوي، محفوظ العدوى، أَحْمد
стр. 2262
المسلاتى، عبد اللطيف الطهولى، الشيخ عرفة، رزق مجلس، على المصرعاوى، عبد القادر المتيحى.
الطَّبقة الأولى من الشافعية: الشيخ إبراهيم الباجورى، الشيخ إبراهيم السقاظفى المسلط، ظفر الذهبي، عبدة اللقاني، محمَّد الابراستى، أَحْمد أبو مصلح، محمَّد الخنانى، خليفة القشنى، عبد الله النبراوى، السيد أبو عماشة، محمَّد الطوخى، يونس البوهى.
الطَّبقة الثَّانية منهم: عيسى البلتانى، على المخلاسى، إبراهيم الزور، محمَّد الأشمونى، محمَّد العشماوى، محمَّد الدفلاوى، محمَّد الحطمى، نور الدين مسرا بيردى، عبد الرَّحْمَن القيانى النجريدى، إسماعيل الكلاوى، محمَّد القلماوى، حسن المرصفى، محمَّد السبكي الطحاوي، عبد القادر القبلشلى.
الطَّبقة الثالثة منهم: أَحْمد راضى، سيد الشرشمى، محمَّد عميرة، حسن شخيخة، مصطفى عز، عبد الحس عبد اللطيف الشَّاميّ، محمود الغرى، فتوح الشجرى، أَحْمد الغربى الشرقاوى، محمَّد الأنبانى، محمَّد مليحة، أَحْمد الحماقى، فيروش الدمنهورى، على المناوى إمام الحسين، محمَّد البلقامى، ظفر الأشراقى، عبد الله الكفراوى، أَحْمد الأجهورى، أَحْمد المرصفى، عبد النبى البردينى، على الأسيوطى، صالح اليحياوى، إبراهيم الشجليقى، إبراهيم الشَّافعى، سليمان الخواجة، محمَّد النتينى خضر.
الطَّبقة الأولى من الحنفية: محمَّد العباس، المهدى الدافعى الطرابلسى، محمَّد القطب، ظفر القرسنى، إسماعيل الحلبي، عبد الرَّحْمَن البحراوى، على البلقى، عبد الحميد شيخ الأتراك.
الطَّبقة الثَّانية منهم: أَحْمد أبو العز، سليمان الخلفاوى، عبد المطلب إبراهيم الربعى، حسن الخليلى، وهبة الأسيوطى.
الثالثة منهم: عبد العظيم الطحلاوى، عبد القادر الرافعى، إبراهيم القطب، عبد الوهاب السليماني، يوسف أفندى العاجز، أبو العلاء الحلفوى.
стр. 2263
من الحنابلة الطَّبقة الأولى منهم: عبد الرَّحْمَن الحنبلي انتهى لفظه.
وفي أوائل صفر عام اثنين وسبعين ولى قضاء بَلَدِنا مكناسة الزيتون، وبقى واليا بها إلى أن نقله الله، ومع ما كان عليه المترجم من الحظوة والجاه، فقد كان كثير التنصل من توليته خطة القضاء، فقد وقفت على عدة مكاتيب بعث بها إلى جلالة السلطان يطلب الإعفاء من الخطة ويعتذر بشدة رغبته في التأليف والتدريس مع كبر السن, فلم يجب إلى رغبته لما عرف به من العدل والاستقامة والصرامة في الحق.
فمن ذلك مكتوب بعث به إلى الوزير الطيب بو عشرين بتاريخ ٢٩ شوال عام ستة وسبعين أَلح فيه كثيرًا وأكثر من الاستعطاف، ومكتوب آخر بعث به إلى المذكور أَيضًا لم يدع بابا من أبواب الالتجاء إلى الأعتاب الشريفة إِلَّا وَلَجه، ومع ذلك قدمت الجلالة الشريفة حقوق الأمة على حقوقه ﵀ رحمة واسعة.
مشيخته: أَخذ عن العلامة سيدي عبد السلام الأزمى المتوفى يوم الأحد عاشر شعبان عام واحد وأربعين ومائتين وألف وهو عمدته في المعقول، وعن السيد عبد القادر الكوهن المتوفى بطيبة الطيبة عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف وهو عمدته في الفقه، وعن سيدي محمَّد الحراق وهو عمدته في التفسير والحديث، وأجازه الثلاثة عامة، وعن سيدي على بن إدريس قصارة أخذ عنه النحو والحساب والعروض، وعن سيدي بدر الدين الحمومى، وشيخ الجماعة السيد محمَّد بن عبد الرحمن الفيلانى وغيرهم.
الآخذون عنه: أَخذ عنه بمصر الشيخ عليش، والشيخ عبد الهادي نجا الأبيارى، وبدمشق الشيخ دكدوك، وبفاس أخوه السيد أَحْمد قاضى مكناسة من بعده، والحاج محمَّد جنون صاحب اختصار الرهونى، وشيخنا أبو العباس بن الخياط الزكارى، وشيخنا السيد العباس بن أَحْمد التازى، والعلامة سيدي جعفر الكتابى، والقاضى السيد حميد بالتصغير بنانى، وخلق وبمكناس السيد فضول ابن
стр. 2264
عزوز، والسيد فضول السوسى، وابن الجيلانى السقاط، والسيد المختار الأجراوى، والسيد محمَّد الهويج وغيرهم.
مؤلفاته: حاشية على المسلم في المنطق وحاشية على رسالة العضد، وشرح على الهمزية، وحاشيتان على الخرشى، وحاشية على المحلى على جمع الجوامع، وحاشية على صحيح البخارى، وحاشية على السعد، وتقاييد كثيرة في أوضاع مختلفة.
شعره: من ذلك قوله داعيا ربه بتيسير الحج له ولإخواته:
يا ربنا يسر لنا المحجة ... لبيتك العتيق كى نحجه
بالمال والصحة والهناء ... ورفقة طيبة الثناء
يدعوك ربى أَحْمد والمهدى ... وعمر متعهم بالقصد
وقد استجاب الله دعاءه فحج جميع من ذكر.
وقوله معتذرا وقد استدعاه السلطان الأعدل سيدي محمَّد بن عبد الرَّحْمَن قدس سره، للخروج معه في بعض أسفاره، وذلك في ربيع الأول عام أربعة وثمانين ومائتين وألف بواسطة وزيره السيد الطيب بن اليماني حسبما ذلك بخط يد المترجم في كناشة له ومنها نقلت:
بلغت سنين فقل البصر ... وأثقل فكرى وعظمى الكبر
وبان المنام وجمع الملاذ ... فماذا أؤمل ما المنتظر
وأترابنا قد مضوا جملا ... فكانوا كطيف بدا فغبر
وأنت الإِمام الرءوف الشفيـ ... ـق بكل الورى وجميع البشر
فكيف بمن عمره معكم ... مضى في الحديث وآى السور
стр. 2265
وهذا شفيع عظيم فجد ... على من بدا عجزه فاعتذر
بقيت مشيدًا لدين الإله ... ومنك ينال المني والوطر
ولادته: ولد سنة عشرين ومائتين وألف بالحضرة الفاسية.
وفاته: تُوفِّي عن ثلاث وسبعين سنة عشية يوم الخميس رابع رمضان عام أربعة وتسعين ومائتين وألف، ووافق أن كان أول يوم من شتنبر، وصلى عليه من الغد بعد صلاة العصر بجامع القرويين، ودفن برحبة الزبيب بمحل اتخذ له زاوية بين مسجد عقبة الزرقاء المعلق الأسفل والمكتب الكائن أسفل منه.
٣٧٦ - المهدى بن على الإسماعيلى .
الشريف الأصيل، نزيل أبار من تافيلالت.
حاله: ولى صالح، مكاشف فالح، ذو وجاهة ودين متين، وأسرار ظاهرة، وأنوار باهرة، واستغراق في بحار المحبة الإلهية، والذات المحمدية، كثير التفكير والعبادة، دائم السكوت إلا لأمر بمعروف أو نهى عن منكر أو إبداء حكمة، يخبر بما كنته الضمائر، تواترت عنه كرامات، وخوارق عادات.
امتحن أيام السلطان مولانا عبد الرَّحْمَن بالسجن في قيود الحديد في دار مكناسة أيامًا عديدة لأسباب كانت في الكتاب مسطورة، فكان يراه بعض النَّاس يحضر الجمعة بالمسجد الجامع والحال أنَّه مثقف عليه قيود الحديد، وإذا حان وقت الصلاة نزع القيد عن رجليه وكان إذا مشى الهوينا لا يماشيه المهرول، حَدَّثني غير واحد ممن وثقت بخبره من أهل بلدنا ممن كان يحرسه مدة اعتقاله أنَّه دخل يوم جمعة حين حان وقت الصلاة على المترجم فوجد القيد مطروحا ولم يجد المقيد والحال أن الحرس بالباب، فتحير واشتد خوفة من العقوبة المخزنية التي تلحقه
стр. 2266
حيث يعتقد فيه التفريط، فرجع للباب وجلس في حيرة عظيمة فبينما هو يضرب أخماسا في أسداس إذ سمع نحنحة المترجم بالمحل، فدخل فزعا فوجده مقيدا، فقال له: مالك أخي حتى الصلاة مع النَّاس نتركها إلى غير هذا مما يطول.
ولا شاعت وذاعت في النَّاس كراماته سرحه الأمير المذكور، وأبدى له أعذاره وطلب مسامحته، فسامحه على أنَّه لم يؤثر فيه ذلك شيئًا، وحدثنى بعض أهل العدل الأعلام أنَّه أى المترجم كان يدعو للسلطان المذكور فقيل له: كيف تدعو له وهو قد فعل بك كيت وكيت؟ فأجابه بقوله: كيف لا تدعو لمن كان السبب في ربحك وفلاحك.
وبالجملة فقد كان المترجم كعبة خير وفضل وصلاح وفلاح، يطوف حولها أئمة الدين، وحملة شريعة خير العالمين، لاستصباح قلوبهم من فيض أنوار هديها، منظور إليه بعين الإكبار، والإجلال والاعتبار، معتقدا عند العامة والخاصة.
فلقد كان الشيخ القدوة الحاج محمَّد جنون كثير الإنكار على أهل الدعوى من المتصوفة شديد الشكيمة في الله، ومع ذلك فلم يسعه غير الإذعان والخضوع والإقرار والاعتراف بفضل صاحب الترجمة، فكان إذا حل بفاس لا يتقاعد عن تعاهد زيارته ومن ذلك ما عاينه تلميذه أبو العلاء المولى إدريس الفضيلى العلوى، قال: رأيته -يعني شيخه- جنونا يومًا وقد دخل على صاحب الترجمة وحوله جمع عظيم يناهز المائة نسمة ما بين أشراف وعلماء وغيرهم، قال: وشيخنا ﵀ محتبى بين يديه مطأطئ رأسه بعد أن احتبى حبوات بين يديه، فلما رفع رأسه -أعنى صاحب الترجمة- طلب منه صالح دعائه فدعا له بخير وانتفع ﵀ بدعائه.
وفاته: تُوفِّي بسجلماسة أواخر شعبان أو أوائل رمضان عام ستة وتسعين ومائتين وألف، ودفن بداره بأبار، إذ قد تنازع بعد وفاته في مدفنه أهل تلك
стр. 2267
البلاد، ثم أقرعوا فخرجت القرعة أن يدفن بقصره المذكور، وبنيت عليه قبة عظيمة، وله الآن هناك شهرة كبيرة، ولا تجد إلا من يلهج باسمه بتلك الأقطار ﵀ ورحم به.
٣٧٧ - المهدى بن فضول بصرى .
حاله: شاب نشأ في عبادة الله فقيه نجيب وجيه، فاضل نزيه، حيى أريحى، مهذب طلب العلم ببلدة مكناسة ثم رحل لفاس بعد العشرين من هذا القرن، واستقر بمدرسة الشراطين من فاس، ولازم الأخذ عن شيوخها حتى فتحت له النجابة بابها ثم رجع لمسقط رأسه.
مشيخته: أخذ عن شيوخنا الجلة كالقاضى ابن عبد السلام الطاهرى، وأبى عبد الله بن الحسين العرائشى، والسيد الحاج المعطى بن عبود، وسيدى الفاطمى الشرادى، ومولاى عبد الله الفضيلى، وسيدى محمَّد بن قاسم القادرى، وأبى العباس أَحْمد بن الجيلانى، وأبى العباس ابن الخياط الزكارى وغيرهم.
وفاته: تُوفى في بلده مكناس عام أربعة وعشرين وثلاثمائة وألف.
٣٧٨ - موسى بن محمَّد بن معطى العبدوسى وبه عرف أبو عمران .
حاله: علامة محصل، ناقد خبير متضلع، نقاد مشارك، مفت مدرس نفاع، انتهت إليه رياسة العلم والفتيا في زمنه، آية في المدونة، وكان الشيوخ يقولون: فقهاء العصر على ثلاثة أقسام: من أُعطى الحفظ فقط، ومن أُعطى الفهم فقط، ومن جمعا له وهو سيدي العبدوسى.
стр. 2268
قال ابن الخَطيب القسنطينى فيه: شيخنا ومفيدنا طريقة الفقه، الشيخ الحافظ، مجلسه بفاس أعظم المجالس، يحضره الفقهاء والمدرسون والصلحاء وحافظ المدونة يحضره من نسخها بيد الطلبة نحو أربعين، وله إدلال عجيب في إقراء التهذيب، سمعته يقول: لى أربعون سنة نقرأ المدونة، وفي عام وفاته وقف قارئ الرسالة على باب الجنازة فكره ذلك الطلبة وأرادوا الزيادة ففهم وقال لهم: كرهتم الوقوف على الجنائز، والله لا أقف إلا عليها، فوقف القارئ، وتوفى الشيخ تلك السنة وقال: كان له في الفقه مجلس لم يكن لغيره في زمانه، لازمته في المدونة، والرسالة بفاس ثمان سنين، وكان يعظم الشيخ أَبا يعزى، ويحكى عنه في باب زكاة الحرث أنَّه يخرج للضعفاء تسعة أعشار صابته ويتمسك بالعشر، ويقول: من سوء أدبى أن أُخرج العشر وأتمسك بتسعة أعشار.
مشيخته: أخذ عن عبد العزيز القورى، وأبي زيد عبد الرَّحْمَن الجزولى الذي ينسب إليه شرح الرسالة المتوفى في حدود أربعين وسبعمائة، وهو عن الفقيه راشد كما أخذ المترجم عن غيرهما من حفاظ المذهب المالكي.
الآخذون عنه: منهم الإِمام ابن عباد، وأبو حفص الرجراجى، وأبو عبد الله الهوارى، وابن الخَطيب القسمطينى، والحافظ عمران بن موسى الجاناتى وخلق.
مؤلفاته: له تقييد على المدونة، وآخر على الرسالة، وقيد عنه الحافظ الجاناتى التقييد البديع على المدونة في عشر مجلدات.
وفاته: تُوفى بمكناسة الزيتون كما في الجذوة سنة ست وسبعين وسبعمائة -بتقديم السين على الموحدة فيهما - ورمز لوفاته صاحب الإعلام، بوفيات الأعلام، بلفظ (وعست) من قوله:
وجده موسى أبو عمران ... في (وعست) وفاته الأقران
стр. 2269
٣٧٩ - موسى العزاف .
حاله: صالح عارف كامل، له قدم عال في التقشف والصبر على سلوك سبيل الخير والمثابرة على فعل الأوامر واجتناب النواهى، أظهر الله على يده كرامات وخوارق عادات، ذكره العلامة المؤرخ الأديب أبو عبد الله محمَّد بن أبى بكر الحضرمى في كتابه السلسبيل العذب والمنهل الأحلى، المرفوع للخلافة العزيزة -يعني المرينية- التي لا تزال مناقبها على مر الدهور تتلى، في سلك من تحلى سلكم في الأربعين في الجيل جيل فاس ومكناسة وَسَلَا، وذكر له كرامات.
مشيخته: أخذ عن الشيخ أبي العباس بن عاشر السلاوى، ولم يذكر له الحضرميّ وفاة.
٣٨٠ - موسى بن الحجاج أبو عيسى المكناسى .
حاله: إمام في العربية، قال في الروض محليا له: بشيخ شيوخنا، يقوم على تسهيل ابن مالك، ويقرر الألفية بجامعها الأعظم تقريرا حسنا وكثيرا ما يتمثل:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردى بالسؤدد
حَدَّثني عنه بذلك الشيخ المعمر أبو عبد الله ابن الأستاذ ابن جابر. هـ.
ويغلب على ظنى أنَّه هو صاحب الضريح الشهير المتبرك به بحومة التوتة إحدى حومات حضرتنا الهاشمية المكناسية والله أعلم.
٣٨١ - موسى بن عليّ الزرهونى .
المعروف بذى الصخرة دفين مدشر موساوة أحد مداشر جبل زرهون.
حاله: ولى شهير، عارف كبير، ذو سمت حسن، ولين عريكة وخلق مستحسن، يلوح عليه أثر الخير والصلاح، كان يأتى إلى الحجارة الكبيرة والصخور
стр. 2270
العظيمة التي لا تطاق فيجهد نفسه في قلعها وقلبها وتشييعها، فإذا قلعها ودحرجها عن مكانها أخذ في الاعتبار، والتدبر في باهر صنع الواحد القهار، ولذلك سمى بذى الصخرة، وقد أظهر الله على يده كرامات وخوارق عادات.
مشيخته: أخذ عن سيدى عبد الله الخياط وغيره من صلحاء الأمة.
الآخذون عنه: أخذ عنه الولى الكبير أبو يحيى الخلطى الدخيسى المتوفى بفاس عام عشرة وألف.
وفاته: تُوفِّي بجبل زرهون أواسط العشرة التاسعة من القرن العاشر وضريحه بالمدشر المذكور مزارة شهيرة مقصودة.
٣٨٢ - موسى بن أَحْمد (١) بن مبارك.
حاله: شعلة ذكاء ودهاء ونباهة، تقدمت ترجمة والده وولده في الأحمدين، ولاه السلطان أبو عبد الله محمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن هشام الحجابة فقام بها أتم قيام إلى أن لبى السلطان داعى مولاه، وأقره السلطان المقدس أبو على الحسن على وظيفه إلى أن استبد على الوزير الصدر إذ ذاك، ولم يزل مستبدا على المنصب إلى أن ختمت أنفاسه ﵀.
وقفت على كثير من رسائل مولاى الحسن إليه لما كان لا زال خليفة عن أَبيه والمترجم هو الحاجب، بعضها بخطه كلها، والبعض بتوقيعه، والبعض بطابعه وهي في الشئون التي كانت تجرى على يده وفي محل خلافته، وقد مرت بك أمثلة منها في الترجمة المحمدية، وأقدمها تاريخا فيما رأيت أوائل عام واحد وثمانين، وبخزانتنا أَيضًا مجلدات مجموع فيها بعض رسائل المترجم الرسمية التي كان يبعث بها في العهد الحسنى.
стр. 2271
إليك بعضًا منها، وهي مما كتب به لأخيه باشا فاس في مختلف الأوامر. نص الأول بعد الحمدلة والصلاة:
"أخانا الأعز الأرضى، الفقيه العلامة الباشا الأسعد سيدى عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك في شأن ما كتب لك به السيد عبد السلام احرضان من جعل طابعك بعد ختم الكتاب فيما تكتب به للباشدورات ونحوهم، وتوقفك في ذلك لما شرحته، وصار ذلك بالبال، فقد أشار عليك بالقانون الجارى في ذلك، وهو الذي نفعله نحن معهم، وجرى به العمل سابقا, فلا يتوقف الأخ فيه، ولكل وقت عمل، ولكل فاعل حجة، والله يبارك في عمر مولانا وينصر به أعلام الإِسلام آمين، وعلى الأخوة والسلام في ٢ فاتح محرم الحرام عام ١٢٩٥، نعم القنصوات الصغار والتجار فلا بأس بجعل الطابع لهم في المحل المعهود أو بطرة أعلى الكتاب دون هؤلاء لأن مرتبتهم اقتضت لهم ذلك صح به.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
الثاني للقائد الجيلانى بن حم:
"محبنا الأعز الأرضى القائد الجيلانى بن حم، أمنك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فإن باشدور جنس الطليان الذي كان بحضرة سيدنا أيده الله توجه لمحله على طريق عقبة العربي وقصر فرعون، فيأمرك مولانا أيده الله أن تكتب لخليفتك بزرهون بالقيام بمئونته ومئونة من معه من غير إسراف ولا تفريط، وأكد عليه في القيام بالعسة عليه حتَّى يخرج من إيالتك ولابد وعلى المحبة والسلام وفي ٢٨ ربيع الثاني عام ١٢٩٢.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
стр. 2272
الثالث:
"أخانا الأبر الأعز الأرضى، الطالب السيد عبد الله رعاك الله، وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فحامله إليك وصيف معتق ساكن بالصويرة اشتكى أن بنتا سرقت له منها وهي حرة تبعًا لأمها، إذ هي حرة بالأصالة، وتداولتها الأيدي إلى أن كان آخر علمه بها أنها وصلت ليد ولد مزوارة الدكالى العمري، أحد أمناء قبيلته، وقدم بها لفاس، ثم الله أعلم بما فعل بها، إذ لا تحقيق عنده فيها، والآن فلا بُدّ ابحث عنها وهو يبحث أَيضًا واستنشق خبرها حتَّى تعثر عليها عند من هي، ثم إن سلمها له من وجدت عنده فذاك، وإلا فثقفها على يدك وأعلمنا، وعلى الأخوّة والمحبة والسلام في ١١ شوال عام ١٢٩٢.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
الرابع:
"أخانا الأعز الأرضى، الباشا الفقيه السيد عبد الله بن أَحْمد رعاك الله، بوجود سيدنا أيده الله.
وبعد: فغير خاف على إخوتك أن الشريف اللطيف الفقيه العلامة مولانا الصديق طالما يطلب منَّا حِينَ كُنّا بفاس بأن يصل معك الرحم من لدن سمع بولايتك على أهل فاس، وأن يبارك لك فيها, ولم يساعد على ذلك في تلك الساعة، ولما ورد على حضرة مولانا أيده الله طلب منه ذلك فساعده أيده الله عليها، وها هو يرد عليك فلا بد استوص به خيرا، لكونك اليوم أَنْتَ باشا، وأما قبل كنت مخزنيا مثلنا وعلى الأخوة والسلام وفي ٢٤ شوال عام ١٢٩٢ ومنه وقد ضرب له سيدنا أيده الله آجلا. بأن لا يزيد عليه ولا ينقص.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
стр. 2273
الخامس:
"أخانا الأعز الأسعد, الفقيه الباشا الأنجد، أديب الزمان، وعين الأعيان، الرئيس الذي انتخبه الله لرتب المجد والجاه، أَبا محمَّد سيدي عبد الله، أدام سلامتك، وأبقى في الحق صرامتك، وسلام على أخى ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير سيدنا أيده الله ونصره.
وبعد: فإن القائد عبد الله الدليمى طلب من سيدنا نصره الله ومنا أن يكون من خدامك ويخدم معك ولده أيضا وتكلفه بالأمور التي يناسب تكليفه بها، وإن أردت من إخوانه نحو العشرة أو أكثر يمدك بهم لتستخدمهم معك إقرارا بإحسانك القديم معه، وكونه منحاشا لجانبنا ومن أهل محبتنا، وقال: إنما هو واحد من أصحابك، فأجاب سيدنا أيده الله أن نكتب لك بمطلبه والاعتناء به، فلا بد أخي استخدمه وولده ومن أحببته يخدم معك من إخوانه مراعاة لمحبته في جانبنا معا، وتعلقه بأذيال كرمنا، بارك الله فيك، وأدام عزك، وحفظنا فيك وعلى الأخوة والمحبة والسلام في ٢٦ شوال عام ١٢٩٢.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
السادس:
"أخانا الأعز الفقيه العلامة الباشا الأسعد السيد عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فعن أمر مولانا نصره الله مر الأمناء أن يصنعوا غشاء من الموبر المطرز بقصد الكتاب الشريف الموجه للدولة الفرانصوية صحبة الأمين الحاج محمَّد الزبدى، حسبما يشير به عليهم ولا بد، وعلى المحبة والسلام في ٢١ ذى القعدة الحرام عام ١٢٩٢.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
стр. 2274
السابع:
"أخانا الأعز الأرضى الفقيه الأمجد السيد عبد الله بن أحمد، رعاك الله والسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فعن أمر سيدنا أعزه الله نفذ لعيال المعلمين الستة الذين توجهوا للوندريز من النجار والفخار والحداد ومن معهم نصف ما قبضوه من الصلة والزرع عند سفرهم إعانة لهم، وعلى الأخوة والمحبة والسلام في ١٢ من جمادى الثَّانية عام ١٢٩٣.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
الثامن:
"صنونا الأعز الأرضى الفقيه الأجل الباشا سيدى عبد الله بن أَحْمد، سلام عليك ورحمة الله تعالى عن خير سيدنا أيده الله ونصره.
وبعد: فعن أمر سيدنا المنصور بالله نفذ للستة والعشرين رجلًا من طلبة الهندسة من الصويرة وآسفى وتردانت زادهم، واكتر لهم مراكبهم واصلين لبلادهم ومركوبهم واصلا إلى محل كل واحد منهم ومؤنتهم ما داموا مقيمين هنالك من أمناء دار عديل ولا بد، وعلى أخوتك التامة والسلام ١٢ جمدى الثاني ١٢٩٣.
موسى بن أحمد لطف الله به".
التاسع:
"أخانا الأبر الأعز الأرضى، الفقيه العلامة الأجل الأحظى الباشا الأسعد, السيد الحاج عبد الله بن أَحْمد، أعانك الله ورعاك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى عن خير سيدنا نصره الله.
стр. 2275
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بما أقلقكم مما أشاعه المرجفون لا بلغهم الله مناهم، وما حصل لكم من العنت لأجل بطء الخبر الحق عن كنه الحال حتى حملكم ذلك على توجيه وصفانكم وأصحابكم لمشافهتنا وعلم حقيقة ما لدينا، فلا شك عندنا في اعتنائك وتشوفك لخبرنا وكيف لا، ونحن نفس واحدة، وهل عندنا أعز منك أو عندك أعز منا! ولأى شيء تتشوف إن لم تتشوف لخبرنا، أدام الله عافيتنا وعافيتك، وشد أزرنا بك، وبارك فيك وفي ذريتك، وقد شافهنا الوصفان والأصحاب ورأوا وسمعوا لما قدمنا لك أولا وثانيا، والحمد لله الذي بنعمته وفضله تتم الصالحات، وعلى الأخوة والمحبة والسلام في مهل رجب الفرد الحرام عام ١٢٩٣.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
العاشر:
"أخانا الأعز الأود، الفقيه النبيه الأمجد سيدى عبد الله بن أَحْمد، حفظك الله وسلام عليك ورحمة عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فإن أهل الذمة بفاس ذكروا أن الذين يحفرون أساس السور الذي بإزاء قبورهم جعلوا يحفرون التُّراب الذي بالقبور مختلطا بعظام موتاهم ويبنون به وتضرروا بذلك وتشكوا منه، فأنهينا لمولانا المنصور بالله شكواهم فقال أيده الله: أما القبور الخارجة عن الأساس فلا تمس أصلا، وما وجد منها بالأساس ينقل لداخل مقبرتهم ويدفن ولا يرمى به، ويعين اليهود من يحضر منهم لذلك والوقوف عليه، وإن احتيج إلى التُّراب للبناء يؤتى به من الفضاء ولا بد عن أمر سيدنا أيده الله، وعلى المحبة والأخوة والسلام ٨ رجب عام ١٢٩٣.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
стр. 2276
الحادى عشر في السرور بانتصار الأتراك على الروسيا في حربهما: "أخانا الأعز الأرضى الفقيه العلامة الأحظى الباشا الأسعد سيدى عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: وصلنا كتابك وبطيه المكاتيب الواردة في شأن ما سناه الله لعساكر المسلمين من الفتح والظفر، ووقوع الكرة على من بغى وكفر، وقد أطلنا بمضمنها العلم الشريف أعزه الله، وصار من سيادته على بال، وقد سر بذلك غاية، ودعا للمسلمين بالنصر والظفر أعلى الله منار الإِسلام والمسلمين؛ ومنح لهم الفتح المؤزر المتين، وكبت أعداء الله المعتدين، آمين. وقد أحسنت في تأكيد الإعلام، وزيادة الاهتمام، وعلى الأخوة والسلام في ٥ شعبان عام ١٢٩٤.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
الثاني عشر: "الأخ الأعز الأرضى، الفقيه العلامة الأمجد، السيد عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بأن الأمناء أحصوا ما بالقوس السعيد من مال المستفادات الواردة من المراسى وغيرها ودفعوا مفتاحه للسيد عبد الوهَّاب الشَّاميّ امتثالا للأمر الشريف، ووصلت الورقة المجملة التي فيها جميع الداخل على القوس والخارج منه التي دفع لك الأمناء، وقد روجعت وقوبلت مع الكناش الذي وجهه السيد عبد الوهاب، فوجد الفرق بينهما في الباقي بالقوس تسعين أَلْف مثقال أخرج منه ما هو كسر في سكة المال الوارد من مستفادات المراسى بعد رده لريال سوم ٣٢، وبقى تسعة وأربعون أَلْف مثقال زائدة في زمام الأمناء، ولم نعرف هل وردت بعد توجيه الكناش فلم تدخل له، أم كيف الواقع؟ هذا وقد قوبل كناش القوس تفصيلا مع ما هنا في كنانيش الحضرة الشريفة فوجد فيها فرق
стр. 2277
كبير من مستفاد المراسى وغيرها لم يدخل بكناش القوس ولا عد في الخارج، ولم ندر هل تأخرت بالمراسى ولم تصل أو وصلت وحازها الأمناء قبل أن تدخل للقوس أم غير ذلك؟ مع أن الواجب أن يدخل كل شيء للقوس حتَّى يستقر به ويقيد في كناشة، ثم يخرج ويثبت في الخارج.
كما أنا عثرنا على أمور مذكورة في كنانيش دار المخزن لم نجد لها ذكرا في كناش القوس، وَهَا زِمام فيه تفصيلها فأَطْلع عليه الأمناء وأجبنا بجوابهم، وهذا نوع من التخليط الذي ذكر في كتاب الشريف، واشمأز منه الأمناء وانتصرت لهم، وكنا ننتظر بيانها لنجيبك به، وحين يظهر نوع آخر نعلمك به، فنبههم ليسلكوا الجادة ويضبطوا الأمر، فإن هذه التعذرات إنما تنشأ منهم، ولو صاروا على النهج الصافى الذي عينه لهم مولانا نصره الله عند سفره لم يقع تعذر ولا تخليط وعلى الأخوة والسلام في ٢١ صفر عام ١٢٩٥.
موسى بن أحمد لطف الله به".
الثالث عشر: "أخانا الأعز الأرضى الفقيه النبيه الباشا الأسعد, سيدى عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير سيدنا نصره الله.
وبعد: فقد أخبر باشادور النجليز بأن هذه مدة من أربعة أشهر منذ كتب لك بالأخذ بيد التاجر الذي كلفه بشراء الزليج لوزيرهم، وإعانته على ذلك، وإخباره بالثمن الذي اشتراه به فأهملت جوابه، وتغرضت التاجر على شرائه بالثمن الذي يباع به، ولم تبادل به، وعليه فلا بد ثم لا بد خذ بيده في شراء ما توقف عليه من ذلك، وكن تعامله بمزيد الاعتناء والمراعاة وتقف في قضاء ما يعرض له عندك، فغير خاف عليك أنَّه من أنصح النواب وأحبهم في الجناب الشريف، وأتمهم وقوفا
стр. 2278
في قضاء الأغراض المولوية، والسعى في مصالح الدولة الشريفة، ولو لم يكن من ذلك ألا تعلم عسكرنا ببلاده وما يمت به من محبة الجناب العالى بالله ومحبتنا لكان كافيا في الاعتناء بجنابه وتسويغ مطالبه، وعلى الأخوة والسلام في ٤ ربيع الثاني عام ١٢٩٥.
موسى بن أحمد لطف الله به".
الرابع عشر:
"الأخ الأعز الأرضى الفقيه العلامة الأمجد، سيدي عبد الإله بن أَحْمد رعاك الله وحفظك، سلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك وبطيه نسخة من الكتاب الذي كتبه لك السيد محمَّد بركاش في شأن إعلامه في كل جمعة ٤ مرات بعدد من مات وبأى أَلم مات وبما أجبته به على ظهره، وعرفنا مضمن ذلك وأنهينا لمولانا أعزه الله فقال أيده الله: قد أجبته وأحسنت الجواب، ولا يلزمنا شرعا ولا طبعا ولا قانونا أن نخبرهم بما عندنا في ذلك، ونتكلف للرقاقيص وأُجرتهم، وعلى الأخوة والسلام في متم رمضان المعظم عام ١٢٩٥.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
الخامس عشر:
"أخانا الأعز الأرضى، الفقيه العلامة الأمجد، سيدي عبد الله بن أَحْمد رعاك الله، وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا المنصور بالله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك وبطيه تقييد ما أُخرج من القوس من مشاهرات النجليز على يد الأمناء، وما أخرج بعد وقوف الشامى، وذكرت أن الذى أخرج من بيت المال مقيد في كناشه، ولم يؤذن للأمناء في فتحه ليتصفحوه، وقد أنهينا
стр. 2279
ذلك لعلم مولانا نصره الله، وصار منه بالبال، فأمر أيده الله أن يفتح بيت المال ويتصفح كناشه ويؤخذ منه المشاهرات المذكورة، ويضاف لها ما دفع من القوس ليكون التقييد على نسق واحد، وقد توجه لكم الأمر الشريف بفتحه وإخراج مائتى أَلْف مثقال منه الصائر فإن وجد كم الحال لازلتم لم تخرجوها فيتصفحه الأمناء عند إدارة إخراجها، وإن وجدهم الحال أخرجوها فيعيدوا فتحه وتصفح الكناش لأجل ذلك ويعلموا قدر الداخل لبيت المال والخارج منه والباقى، ويطلعوا به العلم الشريف ليكون فيه على بصيرة، وها كتاب مولاى إسماعيل بالمساعدة على فتحه يصلكم.
وعلى الأخوة والسلام في ٦ شوال الأبرك عام ١٢٩٥.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
السادس عشر:
"أخانا الفقيه العلامة الأرضى، الباشا الأحظى، سيدى عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير سيدنا نصره الله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بورود آيت ولال، وآيت عياش، وآيت سليمان، وآيت لحسن وشعيب على الأعتاب الشريفة، وولاية عبد الوهاب الذى كان خليفة عند ولد مامة عليهم، كما ورد آيت نعمان، وآيت لحسن وعمرو وتوافقوا على ولاية اليزيد وولى عليهم، وذكرت أن الفرق ٤ الأولى هم ربع بنى مطير والفرقتان الأخيرتان هي الخمس، وقد أنهينا ذلك لمولانا أيده الله وصار بباله الشريف، وقد كتب سيدنا الخليفة مولاى إسماعيل بذلك غير أنكم لم تعرجوا على ذكر ولاية آيت شغر وشن الذين كانوا مضافين إليهم، فلا بد أجروهم ذلك
стр. 2280
المجرى، وكذلك من بقي من فرق بني مطير حسبما تقدم لكم، وعلى الأخوة والسلام في ١٥ حجة الحرام متم عام ١٢٩٥.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
هذا وقد كان مخدومه المذكور السلطان المولى الحسن يجله ويحترمه ويعتبر له سابقية خدمته.
وفاته: ولما قبضه الله إليه في محرم عام ستة وتسعين ومائتين وألف، شيع السلطان جنازته بنفسه، وأقبره مع والده المقدس وسلفه الأكرمين بضريح مولاى على الشريف من باب إيلان بالحاضرة المراكشية ﵀.
ورثاه الأديب الكاتب السيد إدريس بن إدريس بقوله حسبما نقلته من خطه:
عش ما تشاء وأكثرن أو اقصد ... ما ذى الحياة على الأنام بسرمد
لا بد من يوم ترد ودائع ... هيهات ليس بممكن أن تفتدى
هذى المنايا لا تغادر صالحا ... كلا ولا ترثى لحبر سيد
فتكاتها في العالمين شهيرة ... بالقهر تعبث في العباد وتعتدى
لو كان يدفع بالعشائر مكرها ... خلدت عصائب تستعز باجند
أو لو بحسن الفعل والقول السديـ ... ـد بقى الوزير ولم يكن بموسد
لكنها الأعمار تطوى سرعة ... كملاءة بأكف جلد أَيد
والمرء تحسبه مقيما وهو في ... سفر يخلف فدفدا في فدفد
أين البرامكة الكرام وأين من ... سادوا وجادوا بالمبرة واليد
أين ابن يحيى جعفر وأبوه والـ ... ـفضل ابن سهل وابن طاهر من هدى