الحادى عشر في السرور بانتصار الأتراك على الروسيا في حربهما: "أخانا الأعز الأرضى الفقيه العلامة الأحظى الباشا الأسعد سيدى عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: وصلنا كتابك وبطيه المكاتيب الواردة في شأن ما سناه الله لعساكر المسلمين من الفتح والظفر، ووقوع الكرة على من بغى وكفر، وقد أطلنا بمضمنها العلم الشريف أعزه الله، وصار من سيادته على بال، وقد سر بذلك غاية، ودعا للمسلمين بالنصر والظفر أعلى الله منار الإِسلام والمسلمين؛ ومنح لهم الفتح المؤزر المتين، وكبت أعداء الله المعتدين، آمين. وقد أحسنت في تأكيد الإعلام، وزيادة الاهتمام، وعلى الأخوة والسلام في ٥ شعبان عام ١٢٩٤.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
الثاني عشر: "الأخ الأعز الأرضى، الفقيه العلامة الأمجد، السيد عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بأن الأمناء أحصوا ما بالقوس السعيد من مال المستفادات الواردة من المراسى وغيرها ودفعوا مفتاحه للسيد عبد الوهَّاب الشَّاميّ امتثالا للأمر الشريف، ووصلت الورقة المجملة التي فيها جميع الداخل على القوس والخارج منه التي دفع لك الأمناء، وقد روجعت وقوبلت مع الكناش الذي وجهه السيد عبد الوهاب، فوجد الفرق بينهما في الباقي بالقوس تسعين أَلْف مثقال أخرج منه ما هو كسر في سكة المال الوارد من مستفادات المراسى بعد رده لريال سوم ٣٢، وبقى تسعة وأربعون أَلْف مثقال زائدة في زمام الأمناء، ولم نعرف هل وردت بعد توجيه الكناش فلم تدخل له، أم كيف الواقع؟ هذا وقد قوبل كناش القوس تفصيلا مع ما هنا في كنانيش الحضرة الشريفة فوجد فيها فرق
стр. 2277
كبير من مستفاد المراسى وغيرها لم يدخل بكناش القوس ولا عد في الخارج، ولم ندر هل تأخرت بالمراسى ولم تصل أو وصلت وحازها الأمناء قبل أن تدخل للقوس أم غير ذلك؟ مع أن الواجب أن يدخل كل شيء للقوس حتَّى يستقر به ويقيد في كناشة، ثم يخرج ويثبت في الخارج.
كما أنا عثرنا على أمور مذكورة في كنانيش دار المخزن لم نجد لها ذكرا في كناش القوس، وَهَا زِمام فيه تفصيلها فأَطْلع عليه الأمناء وأجبنا بجوابهم، وهذا نوع من التخليط الذي ذكر في كتاب الشريف، واشمأز منه الأمناء وانتصرت لهم، وكنا ننتظر بيانها لنجيبك به، وحين يظهر نوع آخر نعلمك به، فنبههم ليسلكوا الجادة ويضبطوا الأمر، فإن هذه التعذرات إنما تنشأ منهم، ولو صاروا على النهج الصافى الذي عينه لهم مولانا نصره الله عند سفره لم يقع تعذر ولا تخليط وعلى الأخوة والسلام في ٢١ صفر عام ١٢٩٥.
موسى بن أحمد لطف الله به".
الثالث عشر: "أخانا الأعز الأرضى الفقيه النبيه الباشا الأسعد, سيدى عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير سيدنا نصره الله.
وبعد: فقد أخبر باشادور النجليز بأن هذه مدة من أربعة أشهر منذ كتب لك بالأخذ بيد التاجر الذي كلفه بشراء الزليج لوزيرهم، وإعانته على ذلك، وإخباره بالثمن الذي اشتراه به فأهملت جوابه، وتغرضت التاجر على شرائه بالثمن الذي يباع به، ولم تبادل به، وعليه فلا بد ثم لا بد خذ بيده في شراء ما توقف عليه من ذلك، وكن تعامله بمزيد الاعتناء والمراعاة وتقف في قضاء ما يعرض له عندك، فغير خاف عليك أنَّه من أنصح النواب وأحبهم في الجناب الشريف، وأتمهم وقوفا
стр. 2278
في قضاء الأغراض المولوية، والسعى في مصالح الدولة الشريفة، ولو لم يكن من ذلك ألا تعلم عسكرنا ببلاده وما يمت به من محبة الجناب العالى بالله ومحبتنا لكان كافيا في الاعتناء بجنابه وتسويغ مطالبه، وعلى الأخوة والسلام في ٤ ربيع الثاني عام ١٢٩٥.
موسى بن أحمد لطف الله به".
الرابع عشر:
"الأخ الأعز الأرضى الفقيه العلامة الأمجد، سيدي عبد الإله بن أَحْمد رعاك الله وحفظك، سلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك وبطيه نسخة من الكتاب الذي كتبه لك السيد محمَّد بركاش في شأن إعلامه في كل جمعة ٤ مرات بعدد من مات وبأى أَلم مات وبما أجبته به على ظهره، وعرفنا مضمن ذلك وأنهينا لمولانا أعزه الله فقال أيده الله: قد أجبته وأحسنت الجواب، ولا يلزمنا شرعا ولا طبعا ولا قانونا أن نخبرهم بما عندنا في ذلك، ونتكلف للرقاقيص وأُجرتهم، وعلى الأخوة والسلام في متم رمضان المعظم عام ١٢٩٥.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
الخامس عشر:
"أخانا الأعز الأرضى، الفقيه العلامة الأمجد، سيدي عبد الله بن أَحْمد رعاك الله، وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا المنصور بالله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك وبطيه تقييد ما أُخرج من القوس من مشاهرات النجليز على يد الأمناء، وما أخرج بعد وقوف الشامى، وذكرت أن الذى أخرج من بيت المال مقيد في كناشه، ولم يؤذن للأمناء في فتحه ليتصفحوه، وقد أنهينا
стр. 2279
ذلك لعلم مولانا نصره الله، وصار منه بالبال، فأمر أيده الله أن يفتح بيت المال ويتصفح كناشه ويؤخذ منه المشاهرات المذكورة، ويضاف لها ما دفع من القوس ليكون التقييد على نسق واحد، وقد توجه لكم الأمر الشريف بفتحه وإخراج مائتى أَلْف مثقال منه الصائر فإن وجد كم الحال لازلتم لم تخرجوها فيتصفحه الأمناء عند إدارة إخراجها، وإن وجدهم الحال أخرجوها فيعيدوا فتحه وتصفح الكناش لأجل ذلك ويعلموا قدر الداخل لبيت المال والخارج منه والباقى، ويطلعوا به العلم الشريف ليكون فيه على بصيرة، وها كتاب مولاى إسماعيل بالمساعدة على فتحه يصلكم.
وعلى الأخوة والسلام في ٦ شوال الأبرك عام ١٢٩٥.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
السادس عشر:
"أخانا الفقيه العلامة الأرضى، الباشا الأحظى، سيدى عبد الله بن أَحْمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير سيدنا نصره الله.
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بورود آيت ولال، وآيت عياش، وآيت سليمان، وآيت لحسن وشعيب على الأعتاب الشريفة، وولاية عبد الوهاب الذى كان خليفة عند ولد مامة عليهم، كما ورد آيت نعمان، وآيت لحسن وعمرو وتوافقوا على ولاية اليزيد وولى عليهم، وذكرت أن الفرق ٤ الأولى هم ربع بنى مطير والفرقتان الأخيرتان هي الخمس، وقد أنهينا ذلك لمولانا أيده الله وصار بباله الشريف، وقد كتب سيدنا الخليفة مولاى إسماعيل بذلك غير أنكم لم تعرجوا على ذكر ولاية آيت شغر وشن الذين كانوا مضافين إليهم، فلا بد أجروهم ذلك
стр. 2280
المجرى، وكذلك من بقي من فرق بني مطير حسبما تقدم لكم، وعلى الأخوة والسلام في ١٥ حجة الحرام متم عام ١٢٩٥.
موسى بن أَحْمد لطف الله به".
هذا وقد كان مخدومه المذكور السلطان المولى الحسن يجله ويحترمه ويعتبر له سابقية خدمته.
وفاته: ولما قبضه الله إليه في محرم عام ستة وتسعين ومائتين وألف، شيع السلطان جنازته بنفسه، وأقبره مع والده المقدس وسلفه الأكرمين بضريح مولاى على الشريف من باب إيلان بالحاضرة المراكشية ﵀.
ورثاه الأديب الكاتب السيد إدريس بن إدريس بقوله حسبما نقلته من خطه:
عش ما تشاء وأكثرن أو اقصد ... ما ذى الحياة على الأنام بسرمد
لا بد من يوم ترد ودائع ... هيهات ليس بممكن أن تفتدى
هذى المنايا لا تغادر صالحا ... كلا ولا ترثى لحبر سيد
فتكاتها في العالمين شهيرة ... بالقهر تعبث في العباد وتعتدى
لو كان يدفع بالعشائر مكرها ... خلدت عصائب تستعز باجند
أو لو بحسن الفعل والقول السديـ ... ـد بقى الوزير ولم يكن بموسد
لكنها الأعمار تطوى سرعة ... كملاءة بأكف جلد أَيد
والمرء تحسبه مقيما وهو في ... سفر يخلف فدفدا في فدفد
أين البرامكة الكرام وأين من ... سادوا وجادوا بالمبرة واليد
أين ابن يحيى جعفر وأبوه والـ ... ـفضل ابن سهل وابن طاهر من هدى
стр. 2281
أين الوزير ابن الخَطيب واين زمـ ... رك بعده وابن العميد المحتدى
أيت ابن مقلة وأين ماهان الفتى ... والفتح والمنصور ممدود اليد
أين الأوائل والأواخر كلهم ... أفناهم الجد المحتم لا اللّدد
ساروا كراما ثم نتبع نهجهم ... تالله ما أحد بها بمخلد
يَا عين جودى بالدموع فهذه ... أوطانها لا تبخلى بل اسعدى
أوما نعى الناعون نبراس العلا ... موسى الكريم البر نخبة أَحْمد
أوما نعوا طود العلوم وبحرها ... وجمال وجه الدهر والفخر الندى
أوما نعوا خلى ومالك مهجتى ... وأجل آمالى وغاية مقصدى
تبا لها من قاله كم غادرت ... فينا أسى من حائر متبلد
مرهت جفون الدهر من فقدانه ... حزنا وكان بها مكان الإِثمد
وعرت محياه الكآبة بعد ما ... كانت به الدنيا ضيا كالأسعد
فليبكه الباكون طلق جفونهم ... من لم يجد بالدمع ليس بجيد
وليبكه القرطاس والقلم الفصـ ... ـيح وكل دوح في العلا متأود
موسى بن أَحْمد من لما أسسته ... من صالح من للرشاد مسددى
من للديانة والصيانة والحنا ... نة والعفاف وللتقى والمسجد
من للضعيف وللكئيب وللغريـ ... ـب وللقريب وللبعيد المجتدى
من للمفاخر والمآثر (١) والكبائـ ... ـر والصغائر والأمور اللبد
من للمهمة والملمة والصعا ... ب المدلهمة والزمان الأنكد
стр. 2282
من للسياسة والرياسة والكيا ... سنة والنفاسة والعلا والسؤدد
نفسي تعزى واصبرى واستسلمى ... لمراد مولاك المليك الأوحد
وإذا قضى أمرا بماضى حكمه ... حق عليك لأمره أن تسجدى
ما ثم إلا ما أراد ومن أبى ... فليتخذ نهجا سوى أو يردد
لو كان خير في الخلود لماجد ... كانت لخير العالمين محمَّد
ولئن مَضَى فلقد بقت أخلاقه ... تتلى ووارثه الزكى المولد
ما مات من ترك الخليفة بعده ... مثل النجيب البر الأرضى أَحْمد
كلا ولا ضاع امرؤ له علقة ... ووسيلة في ذا السبيل الأحمد
خدم الخلافة ناصحا متبصرا ... وقضى الزمان بطاعة وتهجد
فليهنه ما نال من رضوانه ... وليهنه ما يرتجيه في غد
وليهن أنجالا له قد أُنزلوا ... من بره بمحل عز ممهد
لقاه مولاه الكريم مسرة ... ومبرة في ظل عيش أرغد
بجوار خير المرسلين وآله ... متنعما فيها باعلا مقعد
وصلاة ربي والملائكة العلا ... تترا على قبر النبى محمد
وعلى كرام الصحب والآل الألى ... جارت مزاياهم مناط الفرقد
ما قال محزون على أُلَّافه ... عش ما تشاء وأكثرن أو أقصد
وقد كتب السلطان المولى الحسن ﵀ بخطه بقلمه الخفيف على نسخة هذه المرثية ما نصه: "وهو كذلك ﵀ وفوق ذلك وتوجه لابن الحاج يجعلها في تاريخه لفصاحتها وبلاغتها وعذوبتها".
стр. 2283
٣٨٣ - الموهوب بن الإدريس الشبيهي .
نزيل زاوية زرهون.
حاله: فقيه مدرس فاضل، مساجد جليل، عدل مبرر نبيل.
وفاته: توفى ببلده راوية زرهون تاسع عشر شعبان عام ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بالظهير خارج الزاوية.
٣٨٤ - المؤذن الكاتب .
من بنى المؤذن السجلماسيين.
حاله: فقيه نبيه، كاتب مؤرخ نسابة، ثقة ثبت، مطلع محاضر لوذعى، لبيب نقاد، ناظم ناثر، يحسن الإنشاء والترسيل، بديع الخط، ممتع المجالسة، سريع الجواب مع إصابة المرمى فيه، عين لمخدومه السلطان الأعظم سيدنا الجد الأكبر مولانا إسماعيل يوصل إليه من أخبار الرعية ما تظافر غيره على كتمانه عنه، ويفرغ ذلك في قوالب لطيفة خيالية مضحكة، لا يعقلها إلَّا العالمون.
كان في أول أمره ينسخ الكتب للسلطان مولانا الرشيد بن الشريف المترجم سابقاً، وذلك سبب اتصاله به إذ أعجبه حسن خطه، ولما أَحضر بين يديه بعد أن طلبه لخدمته وقعت له به غبطة، وحصلت له لديه مكانه مكينة، لما رأى من نباهته وتيقظه ورجحان عقله وحسن سياسته ودهائه، فصار من أخص ندمائه، يمازحه ويضحكه بما لم يقدر أحد لأنَّ ينطق به بين يديه، ويخصه بسره ويشاوره في مهمات الأمور، ويعمل بإرشاداته الصائبة المحمودة العقبى، ولم يزل المترجم ملازماً لخدمة السلطان المولى الرشيد إلى أن ليس داعى مولاه، فخدم بعده المولى أحمد بن محرز، إلى أن قتل بسوس، ثم خدم السلطان مولانا إسماعيل فقربه واصطفاه أنيساً وجليساً.
стр. 2284
وكانت للمترجم زوجة ذات آداب ومعرفة بالنظام البيتى اللائق بالملوك، فكانت تهذب نساء السلطان مولانا إسماعيل وتعلمهن ما لم يكن لهم به معرفة، فازدادت بذلك عند السلطان مكانة ورد عليها وعلى إخوتها ما لم يبع من أصول والدهم أحمد بن صالح الليرينى رئيس فاس الذي كان أوقع القبض عليه المولى الرشيد لما تحقق لديه عيثه وتعديه وظلمه بشهادة عدول فاس، وغرقت ذمته وضمت أمواله لبيت مال المسلمين، وعند ذلك زوج السلطان الرشيد المترجم ببنت الليرينى المذكور، ولم يزل عيبة سر سيدنا الجد المولى إسماعيل ومحل ثقته يخبره بخفايا الأمور وينقر على سير العمال وولاة الأمر في الرعية، ولا يخفى عن متبوعه شاذة ولا فاذة، شأن أهل النصح والإخلاص للإسلام والمسلمين، إلى أن نقله الله لما هو خير الأبرار.
* * *
стр. 2285
حرف الصاد
* * *
٣٨٥ - صالح. قاضيها أبو محمد بن القاضي أبي العباس أحمد بن أحمد الحكَمى -بفتح الحاء والكاف .
نسبة لبنى حكم، فخذ من زمور الشلح القبيلة البربرية الشهيرة الحالة بين حضرتنا المكناسية، ورباط الفتح ويقال له الحكماوى.
حاله: علامة فاضل، جليل أديب، كامل مدرس نفاع، خطيب مصقع، ناظم ناثر، له مساجلات شعرية، ومراسلات نثرية، مع بلديه أديب الرباط الشَّهير ابن عمرو الأوسى، وقد ذكره في كثير من مقيداته وحلاه بأوصاف عاليه تسفر عن شفوف قدره وعلو كعبه، تولى قضاء مكناسة وخطبة جامع قصبتها المولوية والتدريس بجامعها الأعظم، كما تولى قضاء بلده رباط الفتح، وكان يتداول قضاء مكناسة والرباط مع القاضي السيد الطَّيِّب بسير المترجم فيما مر، والفقيه القاضي سيدى الحسن بن فارس مراراً نحو الستة أشهر أو العام، لكل واحد في الدولتين السليمانية والرحمانية.
وقفت على عدة خطابات له وتسجيلات عليه، من ذلك عقد بتاريخ ثالث شوال عام سبعة بموحدة وأربعين ومائتين وألف، وآخر في منسلخ قعدة عام ثمانية وأربعين ومائتين وألف، وآخر في منسلخ قعدة عام ثمانية وأربعين ومائتين وألف، وكان أبداً بفتح شكله ولا يطمسه، وكان من أهل العدل والصرامة في الأحكام.
مشيخته: أخذ عن والده أبي العباس ومن في طبقته من نقاد أعلام وقته.
شعره: من ذلك قوله لما وصل في تدريس البردة لقول ناظمها فاق النبيئين في خلق وفى خلق، وقد قرر ما هنالك أربعة أيَّام وختم بالعجز عن إدراك الحقيقة
стр. 2286
المحمدية، كما نقل عنه ذلك بلديه رفيقه في الطلب العلامة السيد محمد بن التهامى ابن عمرو الأوسى المذكور ومن خطه نقلت:
توارت وقالت بعد طول تطلع ... مقالة من في بسطة قد تبخترا
إذا رمت إدراكا وكشف حقيقة ... فيغنيك عما لا ترى بعض ما ترى
وقوله:
سلام على الأحباب من شيق صب ... حنين إلى الأوطان في البعد والقرب
جريح طريح لا يكاد يبين من ... تواطئ أحداث وناى عن الحب
تصابى إلى بدر عزيز نظيره ... فراح بلا لب وقد كان ذا لب
له الله من عبد صدوق أصاره ... هواه وفرط الشوق فردا بلا صحب
يحن إذا غنى الهزار فيهتدى ... إليه ولولا الشجو ما رئى عن قرب
وبيدى عقيق الدمع ما قد أكنَّه ... جهارا ويأبى أن يكف عن الصب
ولو قلت مهلا عززته هواطل ... من الجفن لو تسقى لأغنت عن الغرب
فيا عظم ما ألقى وهان لو أن لي ... سبيلا إلى حبى وحسبى منى حسبى
وقوله مخمسا:
ألا من لخود قد تجرعت بينها ... ولو أن ربات الجدور رأينها
لكبرن إجلالا وقبلن عينها ... (رمتنى وستر الله بيتى وبيتها
عشية آناء الديار رميم)
توارت وقلبى بانتسابى لبيتها (١) ... ولو أننى أهل لقلت فديتها
стр. 2287
وحسبى فخرا أن أكون وقيتها ... (ويارب يوم لو رمتنى رميتها
ولكن عهدى بالنضال قديم)
والأصل المخمس لأبي حفص الفاسى.
وقوله:
برد شجونك يا قمرى وابك فما ... على امرئ ندب الأطلال معترض
وروح النَّفس بالتغريد فهو على ... ظام تجرع كأس البين مفترض
وقوله في رثاء والده رحم الله الجميع:
عز المصاب وسله وانهض إذا ... ما احتاج للتأنيس والإكرام
وابك الكرام إذ فقدت دليلهم ... واشك النوى وتواطؤ الأيَّام
واندب ربوعا طالما يممتها ... متعطشا فكفيت شر أُوام
واحبس مطايا الدمع إن عاينتها ... تشكو الخطوب بطرفها البسام
واجهد وجد عسى تنفس بعض ما ... لاقت من الأهوال والآلام
بنوى أبي العباس درة عصرنا ... بيت القصيد وكعبة الإعظام
آه لفقد شمائل ولت لدن ... أولى العباد وذاق طعم حمام
بعدا ليوم ذقت فيه بعاده ... متصبرا لسهام شهم رام
لهفى عليه ولهف قومى والألى ... صاروا برعى الود من أقوام
يا حسرتاه وهل درى دهر بأَن ... أفنى اصطبارى وساسنى بحسام
واغربتاه وكم شكا متغرب ... مثلى بفرقة قرمى المقدام
من للأرامل والمؤمل والعلا ... من للضعاف الغبر والأيتام
стр. 2288
من للعلوم يبينها إن أشكلت ... وتمنعت من عاجز بلثام
من للوفود وبذل ميسور القرى ... من للمساجد بعده بإمام
من لي إذا ما جئت أمراً منكراً ... أولى الجميل وزاد في الإكرام
لا زلت أنشده وأنشد بعده ... يارب من له بدار سلام
وأنله صحبة أحمد في جنة ... أعدتها لعصابة الإسلام
وامنن على بتوبة تمحو بها ... عنى الذنوب وسيئ الإجرام
وتول كل مواصل ومجامل ... بزوائد الإفضال والإنعام
وارحم عديما طالما عودته ... منك الجميل وجاء بالآثام
واجعل إليك توجهى فيما عرا ... واسمح بفضلك لي بحسن ختام
بمحمد وبصحبه والمنتقى ... حياهم رب العلا بسلام
وقوله:
يا أبتاه سقتك الغايات فكم ... قد عضدتها دموع أعين النادى
ولا زمت في دياجى الخطب تذكركم ... وكررته فأغنتنى عن الحادى
ولم أزل ساهراً والنجم يشهد لي ... أنى فريداً سلكت ذلك الوادى
لهفى عليك وما يغنى أخا حرق ... لهف على قامع الباغين والعادى
وكانت بينه وبين رفيقه في المطلب أبي عبد الله بن عبد الله بن عمرو الأوسى الرباطى المذكور مساجلات، من ذلك ما كتب لي به صديقنا مؤرخ سلا أبو عبد الله محمد بن على الدكالى قائلاً أنَّه وقف عليها بخطِّ ابن عمرو ولفظه قال الأخ صالح الحكمى رحمة الله يعني المترجم:
стр. 2289
أَضاءت وقد طال انتظار عميدها ... تجلى سناها في دياجى النوائب
فقلت:
وجاءت تجر الصبح غرة وجهها ... تزاحم فخراً لاح فوق الذوائب
وأَصدر:
ومنت وما امتنت ونفسى فدا لها
فأعجزت:
وإن مزجت صرف الهوى بالشوائب
فأصدر:
فأبقت على الصب الكئيب تكرما
فأعجزت:
بقية شرب في كئوس الكواعب
فأَصدر:
فتاة سواد العالمين لوجهها
وأعجزت:
كنقطة خال تحت ماضى القوالب هـ
قال ابن عدي، ومرادهما يوح، وهو معنى لطيف لم أره لغيرهما، وقال ابن عمرو في كناشته الحجازية: لما وصل الأخ العلامة أبو محمد صالح ابن شيخنا العلامة الأوحد النحرير أبي العباس سيدى أحمد بن أحمد الحكمى تولاه الله بمنه في تدريس البردة قول ناظمها رحمة الله ونفع به: فاق النبيئين في خلق وفى
стр. 2290
خلق، وقرر بعض ما هنالك في أربعة أيَّام وختم بالعجز عن إدراك الحقيقة المحمدية فتح الله بأن قال ما أنشدنيه لنفسه: توارت الخ البيتين السابقين.
بعض ما قيل فيه من المديح: من ذلك قول الأديب السيد الحسين بن أحمد ابن شقرة يهنئه بعرس ولده أبي عبد الله محمد، وذلك أواسط جمادى الثَّانية عام تسعة وأربعين ومائتين وألف:
أهدى إلى ذاك المقام الأكبر ... أزكى سلام فإن نشر العنبر
حيث السيادة والسماحة والتقى ... والعلم تنمى للإمام الأشهر
هو صالح الأقوال والأفعال من ... طابت خلائقه بطيب العنصر
قاضى الجماعة من سمت بمقامه ... مكناسة ذات البهاء الأبهر
أفديه من حبر تسنم للعلا ... رتبا يجر لها ثياب تبخر
شوقى إليه لم يزل متجددا ... نيرانه في القلب ذات تسعر
يا ليت شعرى هل يتاح لي اللقا ... فأفوز منه بالنصيب الأوفر
يا سيدى فاق الأنام بهمة ... من دونها نجم السها والمشترى
يهنى سليلك مع جنابك ذلك الـ ... ـعرس الذي وافى بعيش أخضر
لا زلت في مرح وسابغ أنعم ... وكلاءة بادى السنا والمفخر
وفاته: توفى بتاريخ واحد وخمسين ومائتين وألف.
٣٨٦ - صالح بن العربى بن صالح الطليقى الحلمونى البُخاريّ .
المكناسى النشأَة والدار والإقبار.
حاله: أُستاذ متقن ماهر، مجود مقرئ فاضل، متفان في محبة المصطفى وآله، إذا سمع شمائله ﷺ وأوصافه الكريمة خلقا وخلقا وما منحه الله به من
стр. 2291
الخصائص والفضائل والمزايا صاح وخر مغشيا عليه، محب في الخير وأهله، معمر للمساجد، ملازم لمجالس أهل العلم، عدل مبرز، كان يتعاطى الشهادة بسماط عدول الحضرة المكناسية، منظور إليه بين أهلها بعين الإجلال والتعظيم.
وفاته: توفى بعد الثمانين والمائتين والألف.
٣٨٧ - صالح بن يوسف البُخاريّ .
المكناسى النشأة والدار والإقبار.
حاله: فقيه أستاذ، يحفظ السبع والعشرين حفظاً متقنًا، وكانت له مشاركة كاملة في الحساب والتوقيت والتعديل، وكان من جملة موقتى الحضرة السلطانية الذين يظعنون بظعنها ويقيمون بإقامتها في الدولة الرحمانية، ثم تقاعد عن الخدمة السلطانية، وتولى رياسة بعض فرق الجيوش التي جرت العادة بإبقائها بعاصمتنا المكناسية بعد ظعن السلطان منها، فنفع الله أقواما بمعلوماته التي بثها مدة مقامه بالعاصمة المذكورة مسقط رأسه.
مشيخته: أخذ عن السيد التهامى الزرهونى بالعرائش، وعن السيد عبد الخالق الأودى، وعلى بريط بباء مفتوحة بعدها راء مشددة ثم ياء ثم طاء بثغر طنجة وغيرهم.
الآخذون عنه: أخذ عنه السبع والعشرين علال بن صالح الحلمونى وغيره.
وفاته: توفى بعد الثمانين ومائتين وألف بالحضرة المكناسية، ودفن بضريح سيدى عمرو بوعوادة من حومة حمام الحرة.
٣٨٨ - الصِّديق البُخاريّ الأجراوى .
المكناسى النشأة والدار والإقبال.
حاله: فقيه أستاذ ماهر، يحفظ العشرين حفظا متقنًا، انتفع به جم غفير من
стр. 2292
[صورة]
خط يد السلطان مولاى عبد الله
стр. 2293
حملة القرآن وحفاظ السبع، وكان من أهل الدين والفضل والخير والصلاح، رآه بعض العدول بعد وفاته فقال له: ما فعل الله بك؟ فأجابه بأن من جملة ما أكرمه الله به أن شفعه فيمن شيعه -أَعنى جنازته- وقد كانت الطرق والدكاكين وقت المرور بجنازته فارغة إلَّا من المشيعين لها، لتأهب الخاص والعام من أهل البلد لذلك.
الآخذون عنه: ممن أخذ عنه الأستاذ علال بن صالح الطليقى الحلمونى، والأستاذ السيد صالح بن يوسف البُخاريّ المترجم قبله وغيرهما.
وفاته: توفى بعد السبعين ومائتين وألف، ودفن بضريح أبي اليمن عمرو بوعوادة دفين حومة حمام الحرة.
* * *
стр. 2294
حرف العين
* * *
٣٨٩ - عبد الله أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين السلطان الأعظم إسماعيل ابن أمير المؤمنين الشريف بن على الحسنى العلوى الينبوعى السجلماسى.
مولده: ولد بمهد سلفه تافيلالت بقصبة الفرخ قرب الدار البيضاء من وادى يفلى، في منتصف ذى الحجة عام واحد وعشرين ومائة وألف، أمه الحرة العالمة العاملة خناثة بنت الشَّيخ بكار المغفرى مارة الترجمة.
صفته: أبيض مشرب بحمرة، مليح الوجه، قصير القامة، خفيف اللحية جداً، مفلج الأسنان، بخده الأيسر شامة، طويل اليدين والأصابع، إذا تكلم تحرك شارباه الطويلان، صغير الرجلين دقيق القدمين، إذا ركب حسبته طوالاً، وإذا مشى حسبته لخفة مشيته شاباً صغيراً، مهاب لا يكاد أحد يبدؤه بالكلام، كذا وصفه من عاصره.
حاله: قال في الشجرة الذكية: كان محباً لأهل البيت ذنبهم عنده مغفور، وعيبهم مستور، يتجاور عن المسئ منهم ويجارى المحسن ويواسى الجميع بالأموال، ويعفو ويصفح في سائر الأحوال، قال: وكان معروفاً بالسماحة يعطى ولا يبالى وخصوصًا للأشراف. هـ.
стр. 2295
وقال في الدرر البهية: كان ﵀ في العلوم آية باهرة، وعلى أعدائه صاعقة قاهرة، فكم أحيا من علوم، وأباد من ظلوم، وجدد من رسوم، وجدلت سيوفه من بذى غشوم، وكم ضم من حشود، وقهر من حسود، تصدى للخلافة في معظم أيَّام الفتنة، وقد زاحمه إخوته في كل بلدة، ولم يزل يقارع الأهوال، مع معارقة الأحوال، إلى أن تمحضت له ولبنيه من بعده، وناداه منادى يمنه وسعده هـ.
وقال أبو عبد الله الضعيف: كان ذا رأى وحزم وإقدام؛ أيامه (١) أيَّام دعة ورخاء، وأبي وبهجة حسنة، مستبداً برأيه دون وزرائه، قاهرًا في سلطانه إذا أعطى أغنى، وإذا صال أقنى، ذا فضل وكرم وعلو همة، وافياً بالعهود، شجاعاً يباشر الحروب بنفسه، دوخ المغرب بأسره، إلَّا أنَّه مسلط على العتاة والطغاة والظلمة، سفاكاً لدمائهم، رفيقاً بالضعفاء والمساكين واليتامى هـ.
وقال في الشجرة الزكية: فلما تمكن، قتل من أهل فاس ثلاثمائة، ومن العبيد أربعمائة في يوم واحد، وبقتلهم كانت له قوة عظيمة في المملكة هـ.
وقال غيره شديد الغضب، ذا بطش غير متوقف في الدماء ولا واضع في موضع السيف (٢) الندى هـ.
قلت: ومن حكم ذى القرنين الإسكندر الملك البعيد الهمة (نعم العون على إصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال وأصلح منه الترهيب وقت الحاجة إليه) وكأن المترجم بهذا كان ينظر في سياسته ولفساد الرعية أسرف في القتل وتجاوز الحد، فكان ما كان مما سيتلى على المطالع.
стр. 2296
وقال في نشر المثانى: هو الواحد في العز والمقام، الذي اختاره الله لتصريف أمور الأنام، كان ممن عمرت به الأرضون فأحيا أنجادها وأغوارها، وسعد به أهل العز من كل فريق، وتمهدت به السبل من كل فج عميق، وشقت هيبته المشارق والمغارب، وقال الضعفاء بعزمه ما تمنوه من المئارب، وعمر به سوق العلم بعد دروسه، وضحك به وجه الزمان لأهله بعد عبوسه، ولله در من قال في مديحه:
كفاك افتخاراً أن عزك ظاهر ... وجودك منسى به جود حاتم
وكون سجاياك التي فاح عرفها ... سجايا الملوك الشم أولى المكارم
لعمرى لقد ألقت إليك زمامها ... سروج العلا إذ كنت أحزم حارم
وأغناك رب النَّاس عن جمع عسكر ... برأى مصيب للعساكر هازم
ونفس على فوق السماكين قدرها ... وعقل غنى عن هداية عالم
فأمتنا من كل طار وطارق ... وحصنتنا من كل داه وداهم
قال أبو القاسم الزيانى في تواريخه ما زبدته مع مزيد تنقيح وإيضاح: بويع له بالإمامة العظمى بمكناس بعد وفاة صنوه أبي العباس أحمد الذَّهبيُّ سابق الترجمة، أوائل شعبان عام واحد وأربعين ومائة وألف كما هو ظاهر نصوصهم؛ باتفاق من أعيان الديوان، من عبيد وودايا، وطير الإعلام لإخوانهم جيرانهم أهل فاس وبالغوا في حصنهم على الموافقة على ما ذكر والتسارع لبيعة المترجم، وهو يومئذٍ بسجلماسة، ووجهوا إليه جريدة من الخيل لإعلامه باجتماع الكلمة على بيعته، والإتيان به، ولما وصل الكتاب المشار إليه لأهل فاس تلقوه بكلِّ ارتياح وانشراح، وجمعوا أمرهم وشركاءهم على قراءته على منبر جامع القرويين، وبإثر
стр. 2297
قراءته أعلنوا بنصره، ولم يتوقف أحد ممن حضر القراءة ولا من غيرهم في بيعته بشرط تعجيل حضوره كذا قال الزيانى ومن تبعه.
والذى في الدرد المنتخب المستحسن نقلاً عن العلامة المؤرخ ابن إبراهيم الدكالى: أنَّه في خامس شعبان المذكور قدم من مكناس لفاس جماعة من العبيد والوزراء والكتاب للمشورة والمفاوضة فيمن يتولى أمر المسلمين، من إخوان السلطان المتوفى، فاتفق رأيهم على المترجم لكن أهل مكناس أعلنوا بنصره حالاً، وتأخرت بيعة أهل فاس إلى يوم الخميس تاسع الشهر، وزاد في الدر المنتخب نقلاً عن بعض الأعلام أن المترجم لما بلغه اجتماع الكلمة عليه امتنع من الإجابة لذلك، ولم يزل متمادياً على امتناعه إلى أن دخل عام اثنين وأربعين فاستخار الله ونهض من تافيلالت أواخر محرم الحرام ووصل لفاس في خامس صفر.
ثم حكى أقوالاً أخر في تعيين وقت قدومه فاسا، منها: أنَّه يوم الأربعاء سابع رمضان عام واحد وأربعين ورجح هذا القول واختاره.
ومنها: أن قدومه كان في مهل رمضان.
ومنها: أنَّه في سابع عشرى شعبان وكان نزوله عند وصوله إلى فاس بالمحل المعروف إلى اليوم بظهر المهراس بظاهر فاس.
وبمجرد تخييمه به هرع الأشراف والعلماء والأعيان لاستقبال جنابه وتقديم مراسم التهانى لجلالته، فقابلهم بكلِّ تجلة وإكبار، وكرم وفادتهم وأوعدهم بالدخول من غده لزيارة التصريح الإدريسى فرجعوا مبتهجين، وبالثناء على شمائله لهجين، وما كان الغد حتَّى أخذوا زينتهم وحملوا ألويتهم وأسلحتهم وخرجوا لمخيمه طبق الوعد الذي كان بينهم وبينه، وبمجرد وصولهم ركب المترجم فرسه
стр. 2298
وتوجه معهم في موكبه الحفى الحافل وحاشيته الكريمة، وساروا إلى أن دخلوا على باب الفتوح أحد أبواب مدينة فاس الإدريسية، وكان اختيارهم للدخول على ذلك الباب تيمنا وتفاؤلا بما أضيف إليه.
ثم أن بعض سماسرة الفتن الموقدين لنيرانها من أهل فاس أولاد ابن يوسف رام اغتنام الفرصة بالإيقاع بحمدون الروسى غيلة، حيث إنه كان قتل أباهم، فشعر الروسى بذلك وتنحى عن الموكب، وقيل سبوه والسلطان يسمع واقتفى لأثره فانفلت منهم، ولحق بالمترجم، وأخبره بالواقع وهو إذ ذاك على قنطرة الرصيف فاغتاظ، ورجع على طريق جامع الحوت، وذهب على جزاء ابن عامر، وخرج على باب الحديد، وسار إلى أن دخل دار الملك من المدينة البيضاء فاس الجديد.
وقيل: إن ذلك كان والسلطان بالمحل المعروف بين المدن، وأنه سار على حومة البليدة، وخرج على باب الجيسة، وسار إلى أن بلغ فاسا الجديد، ولم يزر الضريح الإدريسى تحرزاً من توقد نيران الفتن على حين غفلة، وذهب القوم في إعراض المترجم عن الزيارة كل مذهب.
ثم بعد أن أحاطوا علما بالسبب الموجب للتخلف طلع لدار الملك أعيان البلد من أشراف وعلماء ووجهاء ببيعتهم، وكان القاضي الأعدل أبو العلاء إدريس ابن المهدى المشاط، هو الذى تولى إنشاءها وكتبها، وقد أوردها بنصها أبو القاسم الزيانى في البستان مؤرخة بسابع صفر عام ١١٤١، وتبعه في جلبها صاحب الجيش، والاستقصا، والدار المنتخب المستحسن، تركت نقلها هنا اختصارًا، لكن صاحب الاستقصا أوردها بتاريخ سابع رمضان العام لا صفر وهو في نظرى أصوب (١) وأصح، ولما قدم الوفد الفاسى للحضرة السلطانية ببيعتهم المشار لها
стр. 2299
أبدوا أعذارا عما أضمره السفهاء، فأعرض عنهم فيما يتعلق بذلك الموضوع، ووصلهم بقنطار ونصف ذهباً، اقتسموه أمامه بينهم.
ثم أمرهم بتهيئ خمسمائة رام للتوجه معه للعاصمة المكناسية طبق عوائدهم المقررة في ذلك، مع الملوك قبله من سفله وغيرهم، فأجابوا بالسمع والطاعة، ثم نهض المترجم لمكناس وفى معيته الخمسمائة رام المذكورة.
ولما كان على مقربة من العاصمة المكناسية وجد عسكر العبيد وقوادهم وقواد العرب والبرابر في استقباله فرحين مستبشرين، فأدوا لجلالته ما يجب من مراسم التهانى والترحيب والإعظام والإجلال، ثم انضافوا لجنده وسار وألوية النصر تخفق، إلى أن حل بعاصمة والده مكناسة الزيتون في موكبه المدهش العجيب التَّرتيب، وما استوى على العرش حتَّى وفد على شريف أعتابه الأشراف والعلماء والأعيان ببيعتهم العامة، ثم صارت وفود القبائل الشاسعة والدانية تفد على حضرته ببيعاتها، وهو يستقبل كلا بما يليق به، ولما فرغ من شأن الوفود فرق الصلات على سائر الطبقات كل وما يستحق، إلَّا أهل فاس فإنَّه حرمهم نواله.
ولما كان عيد الفطر قدم على الحضرة شرفاء فاس وعلماؤها وأعيانها بالهدايا العيدية كغيرهم من الحواضر والبوادى لحضور العيد مع الجلالة السلطانية وفق المقرر المعهود، ولما رجع من مصلى العيد فرق الصلات والجوائز على جميع تلك الوفود الوافرة والعساكر والجيوش غير أهل فاس، وصلات الوفود كما وفدوا على الجلالة السلطانية ومن ذكر معهم كانت من مألوف العادات عند ملوك دولتنا، ولا سيما في أيَّام الأعياد، واستمر العمل على ذلك ولم يتعطل إلَّا في هذه الأزمنة الأخيرة، ولما كان يوم ثانى العيد أمر بإحضار أهل فاس فأحضروا بمشوره السعيد وهو على سرير ملكه، ولما مثلوا بين يديه أمرهم بالكتب لإخوانهم بتسليم البساتين (المعاقل)
стр. 2300
والقصبات لأنَّ ذلك ملك للسلطان ومن وظيفه، وأوعدهم إن هم امتنعوا بهدم ديارهم عليهم، فلم يكن لهم إذ ذاك بد من الامتثال والجواب بالسمع والطاعة.
ولما جن الليل ارتحلوا إلى بلادهم فاس، وقرروا لإخوانهم الأوامر السلطانية، فاتفق رأيهم على رفض ذلك وعدم الإجابة له، واجتمع فقهاؤهم وأشرافهم وأعيانهم للمفاوضة والنظر في وجه يمكن به خلاصهم مما ذكر، وبإثر ذلك ورد عليهم من الحضرة السلطانية كتاب بتسليم ما ذكر لجانب السلطان، فحاصوا حيصة حمر الوحش وهاجوا وماجوا، ثم اتفق رأيهم على أن يعينوا وفدا يوفدونه للشفاعة لدى المترجم أولاً، والتزموا بأداء جميع الوظائف التي كانوا يؤدونها لوالده وإعطاء الضمان على ذلك، فلم يرفع لهم رأساً، وردهم ناكصين على الأعقاب، ثم اتفق رأيهم ثانيا على أن يوجهوا لسدته الكريمة هدية تبرع بها تجارهم، وعينوا جماعة من أعيانهم توجهت بها فتعرض الودايا إليهم ونزعوا منهم الهدية وسلبوهم من كل ما بيديهم وأودعوهم سجن فاس الجديد، وصرحوا لهم بأن صاحب الترجمة أمرهم بحصار فاس الإدريسية.
ولما علم بذلك أهل فاس القديمة صمم العامة منهم على رفض بيعته، ونازع العلماء في ذلك محتجين بأن بيعته في أعناقهم فطاعته واجبة عليهم، إلَّا إن أمرهم بكفر براح فأعارهم الجمهور أذنا صماء وأعلنوا بخلع ربقة بيعة المترجم ورفض طاعته، ونادوا في المدينة من أراد الخروج لبلاده فليتهيأ لثلاث، وأغلقوا أبواب البلد وذلك في سادس الشهر المذكور.
ولما اتصل هذا النبأ بالمترجم صمم على محاربتهم، فجيش الجيوش وخرج لإرغامهم على الرضوخ للطاعة في خامس عشر شوال المذكور، وأحدقت عساكره الجرارة بفاس، وعثت في السبل الموصلة إليها، وقطعت أشجار جناتها، وهدمت مبانيها، وأفسدت الزروع والبحائر، وقطع عنهم الوادى، وحاربهم من كل ناحية
стр. 2301
وباب، والمدافع والمجانيق تمطرهم بوابل كورها وأحجارها المدمرة، واستمر القتال عليهم بالليل والنهار حتَّى سئموا وكلوا وملوا وضاق بهم المتسع، ويئسوا من النصرة، وبارت حيلهم، وارتفعت الأسعار، وأنتنت المدينة من كثرة الأوساخ وعدم الماء، ولم يسعهم إلَّا الجنوح إلى المسلم، فسعوا في الصلح فاشترط المترجم عليهم تسليم المعاقل والقصبات، فكبّر عليهم ذلك واستأنفوا القتال وأظهروا التجلد.
وفى الرابع والخامس من ذى القعدة التقى الجمعان ووقعت بينهما معركتان خفيفتان بباب الجيسة، وفى الثَّاني منه وقعت معركة ثالثة بباب الفتوح، وفى الثالث عشر وقعت معركة كذلك، وفى الخامس عشر منة ركب السلطان في ملأ من جيشه فلقيه أهل فاس تائبين وفى عفوه راغبين ولأمانه آملين.
فأجابهم لما طلبوا بالشّرط المذكور، فلم يقبلوا، وفى الواحد والعشرين وقعت معركة عظيمة بباب الجيسة من الصبح إلى الزوال ومات من أهل فاس نحو الثلاثين، منهم: مولاى عبد القادر بن عبد الرحمن الدباغ، وعبد الخالق بن خالد، وعبد الله بن علال.
وفى الثَّاني والعشرين وقعت مقتلة بباب الفتوح مات فيها من أهل فاس ثلاثة أنفار.
وفى خامس ذى الحجة نزلت قنبلة بالعطارين وأهلكت بوجيدة بن عيشون.
وفى عيد النحر نزلت قنبلة أخرى على قبة الضريح الإدريسى أصابت أناسا، هلك منهم رجل وجرح باقيهم، وكان ممن جرح العلامة أبو العباس أحمد بن الخياط بن إبراهيم الدكالى، وعطلت صلاة الجمعة.
ومن الغد وقعت معركة بباب الجيسة مات فيها من أهل فاس نحو العشرين، فتوسط أهل فاس للسلطان ببعض الوجهاء الذين اعتقدوا أن شفاعته لا ترد لديه، فأبى إلَّا إذا سلموا البساتين والقصبات، فامتنعوا وتمادوا على القتال.
стр. 2302
وفى فاتح محرم عام اثنين وأربعين كان قتال عظيم ببابى الجيسة والمسافريين، مات فيه من أهل فاس نحو الثلاثين رجلاً، واستؤنف القتال من الغد ومات فيه خلق، وارتفعت الأسعار وبلغ وسق القمح ثلاثين مثقالًا، وزادت نيران الفتن توقدا، وتكاثر الهرج والمرج، وجعلت المحال السلطانية ترمى القنابل المدمرة على المدينة.
وفى ثالث صفر وقعت معركة أول النهار، ولما كان العشى اتفق أهل فاس على الهجوم على المحال السلطانية من سائر الجهات، فخرج اللمطيون من باب الجيسة للمحلة التي بوادى المالح وكان قائدها موسى الجرارى فوثبوا عليها، وفر أهلها واستولى أهل فاس على جميع ما فيها، وكان من جملة ما غنموا مدفعان.
وخرج الأندلسيون وأهل العدوة من باب المسافريين واستولوا على جميع ما كان مدخرا بالسيد أبي جيدة حيث كان الحصن المنيع لتلك المحال، وساقوا من وجدوه من الجند هنالك إلى الباب وقتلوهم شر قتلة.
ومن الغد نصبوا المدفعين اللذين غنما بالقصبة البالية وجعلوا يرمون بهما فاسا الجديد.
وفى التاسع عشر من الشهر انضم الجيش السلطانى بعضه إلى بعض، وكان المترجم حاضرا بنفسه، ووقع قتال عظيم بين الفريقين انجلى بانهزام المحال السلطانية، ولم يمت من الجيش الفاسى غير ستة.
ومن الغد فقد الزرع بالمدينة، واشتد الهول، وعظم المصاب، ووقع التنازع بين العامة والرؤساء، وضعفت قوى المقاتلة عن المقاومة، ولم يكن لهم بد من الإذعان وتسليم ما طولبوا بتسليمه للجناب السلطانى.
وبسبب ذلك تم الصلح على يد القائد محمد السلوى بالضريح الإدريسى، وذلك يوم الثلاثاء عاشر ربيع الأول عند صلاة الظهر.
стр. 2303
ثم اجتمع رؤساء الأشراف والعلماء وذوو النجدة والوجاهة، وطلعوا في معية القائد السلوى المذكور لدار الملك لاستئناف تقديم الطاعة فقبلهم المترجم وقابلهم بالعفو والإغضاء، ووصل الشرفاء والعلماء بألف دينار. وكسا الأعيان، وولى عليهم الحاج على السلوى، وانطفأت نيران تلك الفتن.
وفى الثالث عشر من ربيع النبوى عمر الجند السلطانى القصابى مع البساتين (المعاقل).
وفى العشرين منه نهض صاحب الترجمة من فاس ووجهته العاصمة المكناسية، ولما حل بها وجد القبائل استأنفت عملها الأول من ركوب الخيل واقتناء السلاح والعيث في الطرقات، فأصدر أوامره للعبيد بتجهيز الحركة لتمهيد البلاد، وقطع جرثومة الفساد.
ثم نهض قاًصدا تادلا لقمع آيت يمور الذين نزلوا بها لما أخرجهم آيت ومالوا من رأس ملوية، وأضروا بأهلها، ولما أحسوا بمقدمه فروا أمامه ودخلوا بلاد آيت يسرى، فاقتفى أثرهم وأوقع بهم شر وقعة بوادى العبيد نهبت فيها أموالهم وقتل منهم آلاف.
ولما رجع المترجم لتادلا قتل من أعيان رماة أهل فاس عشرين، وكتب لأهلهم يعتذر عن قتل من قتل منهم مبيناً لهم وجه ذلك وموجبه، وأمرهم بتوجيه حركة أخرى فامتثلوا وعينوا من يتوجه للحركة وفق الأمر الصادر إليهم، وكان الذي استعرضهم حمدون الروسى برأس الماء، وبعد الاستعراض توجهوا للحضرة السلطانية.
ومن غد يوم الاستعراض قتل الروسى المذكور عبد الواحد بتير، ومحمد بن الأشهب بباب السجن وأمر بجرهما، ثم من الغد أصبح يهدم أبواب المدينة، فهدم
стр. 2304
باب المحروق، وباب عجيسة، وباب الجديد، وكان ذلك لما تقدم من الاستعانة بغلقها على التمرد ونبذ ما لزم من الطاعة.
وفى الخامس والعشرين من ربيع الثَّاني بعث المترجم للعلامة أبي عبد الله محمد بن عبد السَّلام بنانى فلحق به بمكناس، ولما مثل بين يديه سب وجدع وقرع ووبخ لأمر سوء بلغه عنه، وعزله عما كان بيده من الوظائف بجامع الأندلس، ثم عفا عنه وأغضى.
وفى الحادى عشر من جمادى الثَّانية عزل على السلوى عن عمالة فاس وسجنه لما تظاهر به من السوء لأهل فاس وقتله رئيس أهل العدوتين الشَّيخ دحمان المنكاد، وأسند عمالة فاس للبادسى بن حمدون الروسى.
وفى العشرين من رمضان عزل أبا العباس أحمد الشدادى عن قضاء فاس، وولى مكانه أبا الحسن على بوعنان.
وفى الثَّاني عشر من شوال عزل البادسى عن عمالة فاس، وولى مكانه عبد النَّبي بن عبد الله الروسى، فأساء السيرة فعزله، وولى مكانه حمدون الروسى وأوصاه بالرفق واللين، وحذر وأنذر، ولكن ما بالذات لا يتبدل فلم يزده التحذير إلَّا إغراء:
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب
وفى أوائل جمادى الأولى صدر الأمر بهدم القصبة البالية وحطب ما فيها من الأجنة، ولما علم السلطان بذلك سجن الناظر ونكل بمن فعل ذلك من الولاة محتجا بأنه لم يأمر بذلك، وإنما أمر بتخفيف بعض الأشجار التي لا غلة لها، ثم أمر ببناء ما تهدم وغرس ما قلع، وفى أواخر شعبان قتل عبدٌ الواحد بن سودة الذي كان أمين المواريث قصاصا.
стр. 2305
وفى محرم الحرام عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف ابتدأ في هدم أسوار المدينة، وصرح بأنه إذا فرغ من هدم الأسوار يشرع في هدم الدور وأمر بحمل الأنقاض لفاس الجديد.
ثم لما اتصل بالمترجم عتو الروسى وطغيانه، كتب كتاباً بتوبيخه وتهديده وإيعاده قرئ على منبر القرويين، ولما تيقن أن لا ملجأ له ولا منجى مما جنت يداه فر لزاوية جبل زرهون، حيث مدفن البضعة النبوية الطرية، إدريس بن عبد الله الكامل، ولما رجع المترجم من حركته وتوجه لزيارة الضريح الإدريسى تعلق حمدون بأذياله فلم يلتفت إليه، ثم بعد ذلك أحضره بين يديه وعدد عليه ما ارتكبه من الجرائم التي لم يجد لها مدفعا، ثم أمر بتوجيهه لفاس وقتله قصاصا، فأنشد بين يديه ما أنشده بعضهم لأبي جعفر المنصور العباسى:
إنا بطاعتك الألى ... كنا نكابد ما نكابد
ونرى فنعرف بالعدا ... وة والبعاد إذا تباعد
هذا أوان وفاء ما ... سبقت به منه المواعد
فأطرق المترجم ساعة ثم قال له وهبتك لشيبتك، وأبقيتك لصبيتك، على أن لا تقرب ساحتنا، ولا تحوم حولنا، وإلا حلت بك عقوبتنا، وولى على فاس كاتبه الطَّيِّب بن حلوة، وذلك في يوم الاثنين تاسع عشر شعبان، وكان شديد الشكيمة على أولاد العرب والعلماء، ظلوما غشوما، لم يتول على فاس أتعس وأشأم منه، حتَّى سمى حجاج الوقت، يقال: إنه هو الذي أغرى المترجم على نهب زرع العرب الذي كان بخزائنهم، فأمر بحيازته، وتوجه الأشراف والعلماء للسلطان في الشفاعة فردهم خائبين، واستمر ابن حلوة على عمله من النهب والغصب والقتل والتدليس وتشويه وجه الحقيقة إلى أواخر رمضان وقيل شعبان، فنكبه المترجم وعزله وغربه إلى مكناسة الزيتون، فلم يزل بها في شبه عقال إلى أن لقى ربه بعد
стр. 2306
خمسة أشهر، وولى على فاس مكانه عبد اللطيف بن عبد الخالق الروسى، ووجه به عاملاً فوصل إليها في سابع شوال.
وفى ربيع الثَّاني أصدر المترجم ظهيرًا شريفًا نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله (عبد الله بن أمير المؤمنين إسماعيل الحسنى الله وليه ومولاه) وبزواياه اليمن والإقبال وبلوغ الآمال والسعد:
"كتابنا هذا أسماء الله وأعز أمره، وأطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، بيد حامله الفقيه الأجل، المجود الأفضل، السيد الحاج أحمد بن عاشر العامرى يتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه وبركته أننا جددنا له بحول الله وقوته حكم ما بيده من ظهائر سيدنا الوالد قد س الله روحه في أعلى الجنان آمين، وظهائرنا الكريمة التي تضمنت توقيره واحترامه على مر الليالى والأيام، والسنين والأعوام، فلا سبيل لمن يروم أو يحدث في جنابه الملحوظ نقصا ولا زيادة، وأبقيناه على مرتبه الذي كان يقبضه من وقف أحباس مسجد سلا الأعظم عمره الله بدوام ذكره، وقدره خمسة وعشرون أوقية دراهم من كل شهر إعانة له على ما هو بصدده من تعليم الطلبة بالمسجد المذكور، وعلى الفقيه المذكور بالاجتهاد فيما كلف به، والواقف عليه يعمل به ولا يتعداه والسلام في الثَّاني العشرين من ربيع الثَّاني عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف".
وفى السابع والعشرين من شوال ١١٤٣ وقع الشروع بأمر المترجم في هدم مدينة الرياض المارة الذكر التي كانت زينة مكناسة وبهجتها، وفيها دور العمال والكتاب والأوداية وأهل الدولة الإسماعيلية، والتى كان بها المسجد الإسماعيلى الأعظم والمدرسة والأسواق والحمامات، وكان يقصدها التجار بالبضائع، فلم تمض عليها عشرة أيَّام حتَّى صارت كدية تراب.
وكان قد أشرف على الشروع في هدمها بنفسه وفى نظرى أن أحسن ما يعلل به هدمه إياها زيادة على ما أسلفناه، هو أن صدور الدولة وذوى الحيثيات من رؤساء الجيش ألهتهم قصورهم الفاخرة بزخاريفها عن القيام بوظائف الدولة،
стр. 2307
واتفق ما حدث من الفتن بعد وفاة والد المترجم وأساطين دولته وساساتها، ولما آل الأمر للمترجم لم يجد من أولئك من يعيره لتنفيذ أوامره أذنا صاغية، بل قوبل جلها إن لم نقل جميعها بالرفض وإبداء العلل الواهية زيادة على كونها صارت بعد أبيه مركز المؤامرات السياسية عليه وعلى إخوته.
وأثناء هذا وسوس بعض شياطين الإنس لصاحب الترجمة في أبي العباس أحمد بن على الريفى حتَّى أوغر صدر السلطان عليه، وصمم على المكر به، فطير له الإعلام بذلك بعض أصدقائه من الحاشية الملكية فخاف بطش الملك ووجه بهدية ذات بال جمع فيها تيجانا مرصعة بنفيس الأحجار وأموالاً طائلة وأوفد معها ثلاثمائة نفر من أعيان إخوانه أهل الريف يبرهنون للمترجم على إخلاص مرسلهم ورضوخه للطاعة وبراءته مما ألصق به ويطلبون أمانه فأمر بقتل جميعهم، ولما اتصل ذلك بالريفى المذكور قام لإيقاد نيران الفتن على ساق حتَّى اضطرمت وتسعرت وتطاير شررها، وعم الفساد الحاضر والباد، وقطعت السابلة وكان ما كان مما لست أذكره.
ثم بلغ المترجم عيث آيت يمور وتمردهم واشتغالهم بالسلب والنهب، فحشد إليهم جيوش العبيد والودايا ونزل بساحتهم من غير تأهب لهم ولا استعداد للمقاومة، فأخذهم أخذاً وبيلا، وقتل أبا يعقوب الحنصالى شر قتلة، إذ وجده نازلاً بين أظهرهم، قال في نشر المثانى: ولما قتله منع النَّاس من دفنه حتَّى تمزقت أشلاؤه وتفرقت أعضاؤه، فعل ذلك به لئلا يتوهم ضعفة العقول من أصحابه أنَّه لم يمت لأنَّه كان يخالط علم الحدثان.
وفى العام نفسه قتل مائتين من لصوص حجاوة على قطع الطَّريق على المارة ببلادهم، ولما قتلهم خرج أهل مكناس والطالبون للفرجة في المقتولين بباب البطيوى، فاتفق خروج المترجم في تلك الساعة على ذلك الباب، فلما رأى القوم
стр. 2308
قصدهم ظاناً أنهم المأمور بقتلهم ففروا خوفاً منه ودخلوا كهفاً عليه, مقربة من المحل يختفون فيه، فقصدهم حتَّى وقف على باب الكهف وأمر من كان معه بغلق باب الكهف عليهم بالأحجار فأغلقوه غلقاً متقنًا، ومات جميع من به ولم يوقف لهم بعد على خبر، ولم يعرف عددهم، وفى العام أيضاً أمر عبيد مشرع الرمل بالتهيؤ للحركة لجبال فازاز.
وفيه ولى أبا عبد الله محمد وعلى الزمورى عمالة فاس وأمره باستصفاء أموالهم وأن لا يترك لهم قيراطاً، إذ كان البعض نقلوا إليه أن المال أطغاهم وأنهم يحاولون الخروج عن طاعته وشق العصا عليه، فتوجه الزمورى المذكور إلى فاس ونزل بدار أبي على الروسى من حومة المعادى وصار ينقب على ذوى اليسار ووظف عليهم أولاً غرامة قدرها خمسمائة ألف مثقال وبالغ في التشديد في اقتضاء ذلك منهم، وعمَّر بهم السجون، ومن تغيب يلقى القبض على أقاربه.
ولما استوفى العدد المذكور ممن ذكر صرف وجهته لأهل الحرف والملاكين والبطالين، وقام بسبب ذلك هرج ومرج، وفر النَّاس لشواهق الجبال والقرى والأمصار الشاسعة، وامتدت ولايته عليهم ثلاثة عشر شهراً، وكان كلما قبض شيئاً وجهه للمكلف بالداخل للعاصمة المكناسية.
وقد ساق العلامة المؤرخ ابن إبراهيم الدكالى هذه الحادثة ببعض مخالفة وزيادات ونص ماله في تقاييده: وفى هذا الوقت قدم عبد الرَّزاق بن على ويشى، وقبض جميع تجار أهل فاس وسجنهم ودخل ديارهم وحوانيتهم، وشرع في قبض المال منهم، ثم دفعوا مائة وعشرين قنطاراً، وكان من جملة سرق قبض في المال الحاج محمد الأندلسيّ الرحوى، أخرجوه من حرم سيدى أحمد الشاوى، وأدخلوه السجن وضربوه حتَّى مات، وطوفوه على النعش وهم يقولون هذا جزاء من لم يعط مال السلطان، وكان ذلك في صفر وجاء العفو يوم الجمعة السادس عشر منه.
стр. 2309
وفى الحادى والعشرين منه ذهب عبد الرَّزاق بمال التجار الذي قبض ودفعه للسلطان، وكان معه التجار الذين دفعوه، فأمرهم بالزيادة عليه، وسجن بعضهم وقد كان عبد اللطيف الروسى من جملتهم، وقد كان عبد اللطيف هذا أمر بقتل السيد الحسن بن السيد عبد العزيز بن إبراهيم الموقت بمنار القرويين بإشارة من القاضي السيد على بو عنان، وقتل بعد صلاة العصر من يوم السبت خامس المحرم عام ١١٤٥.
ولما تلاقى عبد اللطيف المذكور مع السلطان وتكلم معه في شأن المال الذي دفع أهل فاس غضب عليه السلطان من أجل الرماة، وأمر بضربه بالسياط، فضرب ثم ثمانمائة، ثم طعنه برمح وأمر بذبحه وجره لباب الملاح جزاء وفاقاً بما فعل بالسيد الحسن المذكور.
ثم تولى حكومة فاس الطالب محمد بن على ويشى أخو عبد الرَّزاق المذكور، وكان حسن الأخلاق يوقر الأشراف والعلماء وأبناء الصالحين، فكان جعل للطلبة خراجاً يقبضونه من وفر القرويين، إلَّا أنَّه كان فظاً غليظاً على التجار لا يقبل منهم عذراً، وقبض منهم زمن ولايته أموالاً عريضة، وانتفى بسببه من فاس من أهل الغرامات ما لا يحصى، وبقى حاكماً بفاس من حين قتل عبد اللطيف الروسى إلى وقت نجاة المولى عبد الله بنفسه كما يأتى هـ.
وفى ١١٤٤ لما كان المترجم وجه للمولى الطَّيِّب الوزانى في شأن الباشا عبد النَّبي الحيانى، وقدور السهلى، وقد كانا مستجيرين بوزان وتراخى المولى الطَّيِّب في توجيههما إليه، بعث له قائلاً: والله إن لم تأت بهما حتَّى أهدم عليك تلك الدشرة، وأجرك في أزقتها، فذهب إليهما فامتنعا من الخروج فأعطاهم عهوداً ومواثيق بأنه لا يتخلف عنهم ولا يسلمهم، فخرجا معه وخرج معهم جمع من الأشراف والصبيان أولادهم بالألواح.
стр. 2310
فلما وصلوا لحضرته وأعلم بورود عبد النَّبي نهض وخرج إليهم راجلاً، وقبض على لحية المولى الطَّيِّب وهزه منها وقال له: أخى فارقنى فما أدخلك بين عبيدى ورعيتى .. فقال له: أريد من الله ومنك أن تعتقهما، فقال له: إن أعتقتهما فلست بولد لإسماعيل بن الشريف، والأشراف والصبيان واقفون وبيدهم غطاء جدهم المولى عبد الله الشريف، وغطاء المولى التهامى.
والتفت لعبد النَّبي وصار يخطب عليه ويعدد مساويه، وكان من جملة ما خاطبه به: إننى ما نسيت ولا أنسى ما شافهتنى به على رءوس العبيد: والله إن قبضتك يا عبد الله بوسبيبط الصَّغير (١) ربيب الدغمى، حتَّى أرمى على رجلك كبلا (قيدا) من عشرين رطلاً، وألقيك في الدهليس إلى أن تموت فيه، وتكررها مراراً .. وتذكر اليوم الذي قبضت فيه لجام فرسى ودككته إلى ورا، إلى أن سقطت من فرسى على الأرض وقلت لي: اذهب من هنا، إنما أنت طفل صغير، فطلعت إلى ربوة وبكيت حتَّى كاد أن يعود الدمع دماً، ومن أجلك أنفنت بيت المال كان إذا أتى إلى صاحبك بكتابك أو كلامك لم يكن لي بد من إعطائه قنطاراً سخرة له اتقاء لشرك، ثم قال لمن حوله اقبضوا الظالم عدو الله فصاروا يجرونه وقد كان قابضاً بيد المولى الطَّيِّب، فقطعوا يده وأخذوه، وكذلك فعلوا بصاحبه قدور السهلى، ذكره الضعيف.
وفى عام ستة وأربعين، عقد للباشا قاسم بن ريسون على جيش من العبيد منتظم من خمسة عشر ألف فارس، وللقائد عبد الملك بوشفرة الأودى على ثلاثة آلاف فارس من إخوانه الودايا، ووجه بالجميع لجبل آيت ومالوا، ولما عبرت تلك الجنود، وادام الرَّبيع على مجاز البروج، خيمت بآدخسان، ولما رأى أولئك البرابر العتاة ما لا قبل لهم بمقاومته، فروا للجبال فاقتفى الجند أثرهم إلى أن توغلوا في
стр. 2311
وعر تلك الجبال، ثم وجه البرابر ذات ليلة من سد الثَّنايا التي دخلوا منها بالأشجار الأرز.
ولما كان الصباح هجموا عليهم من كل ناحية وقاتلوهم قتالاً شديداً في تلك الأوعار التي لم يقرءوا لها حسباناً، فهزم الجيش هزيمة شنعاء، وولوا الأدبار، فوجدوا الثَّنايا قد سدت دونهم فازدادوا فشلاً ورعباً، ولم يسعهم غير الترجل وتسليم الخيل والسلاح والزاد، ولما تجردوا من كل شيء وتركوه غنيمة باردة حقن البربر دماءهم، ولم يقتلوا أحداً منهم.
ولما لحقوا بالمترجم لمكناس حفاة عراة منحهم وكساهم ووعدهم بإخلاف ما ضاع لهم، وأمرهم بالرجوع لمشرع الرمل فرجعوا وقد بذر في قلوبهم بغضه، شأن ما جلبت عليه الطباع فيمن تسبب لها في لقى ما تكره، وإلا فالمترجم إنَّما كان وجههم لحسم مادة المفسدين.
وفى عام سبعة وأربعين: اتفق العبيد والودايا على قتله والتمثيل به انتقاما منه لإسرافه في قتلهم حتَّى كاد أن يستولى على رءوسهم وصناديدهم سعياً وراء كسر شوكة استبدادهم وطغيانهم على الملوك وإيقادهم نيران الفتن في الرعية، وأخذاً بدم صنوه أبي مروان عبد الملك الذي خنقوه، وكان قصده استئصال شأفتهم لتحققه أنَّه لا يستقيم معهم ملك لأحد، قالوا بلغ عدد من قتل منهم عشرة آلاف ونيف، "إنَّما جزاء الذي يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض".
ثم إن المترجم أنذر بما صمم عليه العبيد من اغتياله، فخرج من العاصمة المكناسية يوم الأحد ثامن وعشرى ربيع الثَّاني ليلاً ناجيا بنفسه، ومن الغد الذي هو يوم الاثنين بلغ لفاس خبر خروج السلطان، فهرب عاملها محمد بن على
стр. 2312
ويشى وأتباعه، وسار المترجم إلى أن بلغ آيت أدراسن ففرحوا به وآووه وعززوه إلى أن بلغ لمشرع بولعوان.
وكان هنالك لجانب السلطان عدد وافر من الزرع، ففرقه في أتباعه وضعاف النَّاس، إذ كان الغلاء بمراكش ونواحيها، ففرح النَّاس واطمأن المترجم وودعه أهل تادلا، وانقلبوا لحللهم ومحالهم، وسار هو إلى مراكش، ثم تارودانت، وأقام بها أياما، ثم انتقل إلى السوس، ثم وادى نول حيث استقرار أخواله المغافرة فنزل عليهم.
وكان في معيته ولداه أبو عبد الله محمد مار الترجمة دون بلوغ، وأبو العباس أحمد فوق البلوغ، قاله الزيانى: وقال غيره: إنه ترك الأول من الولدين المذكورين مع جدته خناثة بمكناس، وهو ما حققه في الدر المنتخب وهو الذي يشهد له التاريخ.
وكانت مدة خلافته هذه خمسة أعوام وثمانية أشهر ونصف على ما شهره في الدر المنتخب، وكانت مدة مقامه بوادى نول عند أخواله ثلاثة أعوام.
أما العبيد فإنهم لما علموا بذلك وجهوا لسجلماسة جريدة من الخيل تأتى إليهم بصنو صاحب الترجمة أبي الحسن على الأعرج ليبايعوه، على ما سنفصله بعد في ترجمته بحول الله.
وفى عام ثمانية وأربعين ومائة وألف: كانت فتنة عبد الله بن محمد الكرسيفى مدعى المهدوية بالسوس، وارتفع صيته في تلك الأصقاع، ملأ أرجاءها، واقتحم حصن آكدير عنوة، وفعل بأهلها ما يخجل وجه المروءة، وخيم بالمحل المعروف بفونت تحت أبي القناديل، ومنعهم من الماء حتَّى مات جل تلك البلاد نساء ورجالا وصبيانا عطشا، وحيل بينهم وبين المقابر العامة فصاروا يدفنون
стр. 2313
موتاهم بالدور والمساجد، وكان الفتان المذكور يحث أهل سوس على غزو أهل آكدير ويقول: إن ثلثهم نصارى، وثلثهم يهود، وثلثهم عصاة حصب جهنم.
فأجابه لذلك خلق كثير من أهل سوس، والحال أنهم لم يروا البحر قط، ولما نزلوا بساحته أخذوا يشربون ماء البحر ويلثون به سويقهم، فهلك منهم عدد عديد، ثم عاد الثائر لتارودانت مصمما على الإيقاع بهوارة، ولما شعروا بمراده اتخذوا سائر الاحتياطات اللازمة وأجمعوا أمرهم على اغتياله، فأوعز إليه بذلك بعض المعتقدين له، فأشاع أنَّه يريد زيارة أبي حفص عمر وهارون برأس الوادى، فتبعته هوارة إلى أن لحقوا به بثلاثاء تماصت بزاوية السيد عياد، وأخذوا يلعبون بالبارود مع أصحابه مظهرين الفرح به والطاعة له، فلم يأمن فيهم، ونجا بنفسه فاقتفوا أثره إلى أن لحقوا به بصهريج آيت أيوب في تنزرت، وأطلقوا عليه أفواه مكاحلهم بالرصاص ففر ودخل دار الشَّيخ أحمد ويدير، ومات بداره ونهب آيت يش ماله.
قاله الضعيف: وقد وقع لصاحب الدر المنتخب في سوق هذه الحادثة تخليط واشتبه عليه أمرها واشتبك وارتبك، وبموت هذا الفتان الأفاك اطمأنت نفوس أهل تلك البلاد، وأمنت سبلهم، وكان الذي قتله هو ابن همان وماين الهواريان ويعيش الزكنى المنبهى.
ثم وفد المترجم على تارودانت واستولى عليها وعلى أحوازها، وبويع له بتلك الأصقاع، ووقعت بينه وبين هوارة معارك عظيمة انجلت بانهزامهم وفشلهم كل الفشل، ثم نهض من تارودانت وخيم ببلاد السراغنة وأوقع بهم وقعة شنيعة، وحكم السيف في أربعمائة رجل من عوامهم، ومائة من طلبتهم، حيث إنه وجدهم هدموا مسجد القصبة وصيروه بلاقع، وكان ذلك كما قال الضعيف سنة ١١٤٨ ثمان وأربعين.
стр. 2314
وانظر هذا التاريخ مع ما سبق أنَّه بقى بوادى نول ثلاثة أعوام، وكذلك يخالفه ما في الاستقصاء من أنَّه لما كان شهر ذى الحجة من سنة تسع وأربعين ومائة وألف ورد الخبر بأن السلطان المولى عبد الله قد أقبل من وادى نول، ووصل إلى تادلا، فاهتز العبيد له وتحدثت فرقة منهم برده إلى الملك، وخالفهم سالم الدكالى في جماعة من شيعته، وقالوا: لا نخلع طاعة مولاى على، إذ كان سالم هذا وأصحابه هم الذين تسببوا في خلع المولى عبد الله، وتولية أخيه مولاى على.
ثم إن شيعة المولى عبد الله قويت وكثروا أصحاب سالم وأعلنوا ببيعته، ففر سالم فيمن معه من القواد إلى زاوية زرهون مستجيرا بها.
ولما سمع بذلك السلطان المولى على فَرَّ من مكناسة إلى آخر ما يذكر في ترجمته، ولما فر اجتمعت كلمة العبيد على ذلك أهل فاس وسائر القبائل، ثم إن سالماً الدكالى الذي بزرهون كتب إلى أهل فاس يقول لهم: إن الديوان قد اتفق على خلع المولى عبد الله، وبيعة سيدى محمد بن إسماعيل المعروف بابن عريبة، والمشورة لعلمائكم، فأجابوه بأن قالوا: نحن تبع لكم، فلما سمع أهل الديوان بما فعله سالم الدكالى وما تقوله عليهم خرجوا من المحلة إلى زرهون، وقبضوا على سالم الدكالى ومن معه من القواد وبعثوا بهم إلى السلطان المولى عبد الله بتادلا، فاستفتى فيهم القاضي أبا عنان، وكان يومئذٍ معه فأفتاه بقتلهم هـ، ونحوه في الدر المنتخب، والترجمان المعرب، وغيره من كتب الزيانى.
لكنهم صرحوا بأن القبض على الدكالى وأنصاره كان بإيعاز من المترجم، وأنه لما ألقى القبض عليهم قيدوا بالحديد ووجه بهم لصاحب الترجمة وهو يومئذٍ بتادلا، وهنالك وقع استفتاء من ذكر فيهم وقتلهم، واستؤنفت البيعة للمترجم،
стр. 2315
ونهض من تادلا وسار إلى أن خيم بأبي فكران وتوجه لاستقباله، ثم أهل فاس ومكناسة أشراف وعلماء وأعيان، ولما مثلوا بين يديه وقدموا إليه بيعتهم سب وجدع وهدد وأوعد على ما صدر منهم وتكرر من شق العصا والخروج عن الطاعة، وقتل جماعة من أعيانهم، وعزل قاضى العاصمة المكناسية أبا القاسم العميرى، وولى مكانه الطالب بوعنان، وألقى القبض على عاملها مسعود بن عبود، وولى على فاس محمد بن على ويشى.
ولكنه لما توجه إليها لم يستطع الدخول إليها خوفا على نفسه من الإيقاع به، ونزل بالقصبة الجديدة إذ كان فيها عبيد المترجم وخاصته أدالة.
وفى يوم الخميس خامس عشرى صفر مد الودايا يد النهب والسلب في الطرقات، ونهبوا ما كان بسوق الخميس من الماشية والدواب، أخذوا من البقر نحو الألفين، ومن البغال نحو سبعمائة، ومن الثياب عددا عديدا، وأغاروا على سرح أهل فاس وعاثوا في ضواحيها والسبل الموصلة إليها، واتفق أن كان اليوم العنصرة، وفى اليوم نفسه شرع أهل فاس في بناء أسوار المدينة التي تهدمت.
وفى يوم الأربعاء فاتح ربيع الأول قدم مسعود الروسى من مكناس لفاس والمدينة في حصار، فزار الضريح الإدريسى وانصرف لداره بالعدوة، فسأله بعض القوم عن سبب مجيئه، فقال: إن السلطان مولاى عبد الله ولانى حكومة فاس، ولما شاع ذلك النبأ تحزبت الغوغاء والأخلاط وهجموا عليه وقتلوه أمام داره وجروه إلى توتة الصفارين، وهموا بتعليقه عليها فتعذر (١) حمله لضخامة جثته وبقى ملقى هناك إلى الغد هـ.
وفى نظرى أن ما جاء في تاريخ الضعيف نقلاً عن تاريخ ابن موسى أصح وأقعد، لأنّه عاصر المترجم وحفظ ووعى وقيد على عهده ونقل كلامه الضعيف ولم يتعقبه.