← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وعر تلك الجبال، ثم وجه البرابر ذات ليلة من سد الثَّنايا التي دخلوا منها بالأشجار الأرز. ولما كان الصباح هجموا عليهم من كل ناحية وقاتلوهم قتالاً شديداً في تلك الأوعار التي لم يقرءوا لها حسباناً، فهزم الجيش هزيمة شنعاء، وولوا الأدبار، فوجدوا الثَّنايا قد سدت دونهم فازدادوا فشلاً ورعباً، ولم يسعهم غير الترجل وتسليم الخيل والسلاح والزاد، ولما تجردوا من كل شيء وتركوه غنيمة باردة حقن البربر دماءهم، ولم يقتلوا أحداً منهم. ولما لحقوا بالمترجم لمكناس حفاة عراة منحهم وكساهم ووعدهم بإخلاف ما ضاع لهم، وأمرهم بالرجوع لمشرع الرمل فرجعوا وقد بذر في قلوبهم بغضه، شأن ما جلبت عليه الطباع فيمن تسبب لها في لقى ما تكره، وإلا فالمترجم إنَّما كان وجههم لحسم مادة المفسدين. وفى عام سبعة وأربعين: اتفق العبيد والودايا على قتله والتمثيل به انتقاما منه لإسرافه في قتلهم حتَّى كاد أن يستولى على رءوسهم وصناديدهم سعياً وراء كسر شوكة استبدادهم وطغيانهم على الملوك وإيقادهم نيران الفتن في الرعية، وأخذاً بدم صنوه أبي مروان عبد الملك الذي خنقوه، وكان قصده استئصال شأفتهم لتحققه أنَّه لا يستقيم معهم ملك لأحد، قالوا بلغ عدد من قتل منهم عشرة آلاف ونيف، "إنَّما جزاء الذي يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض". ثم إن المترجم أنذر بما صمم عليه العبيد من اغتياله، فخرج من العاصمة المكناسية يوم الأحد ثامن وعشرى ربيع الثَّاني ليلاً ناجيا بنفسه، ومن الغد الذي هو يوم الاثنين بلغ لفاس خبر خروج السلطان، فهرب عاملها محمد بن على

стр. 2312

ويشى وأتباعه، وسار المترجم إلى أن بلغ آيت أدراسن ففرحوا به وآووه وعززوه إلى أن بلغ لمشرع بولعوان. وكان هنالك لجانب السلطان عدد وافر من الزرع، ففرقه في أتباعه وضعاف النَّاس، إذ كان الغلاء بمراكش ونواحيها، ففرح النَّاس واطمأن المترجم وودعه أهل تادلا، وانقلبوا لحللهم ومحالهم، وسار هو إلى مراكش، ثم تارودانت، وأقام بها أياما، ثم انتقل إلى السوس، ثم وادى نول حيث استقرار أخواله المغافرة فنزل عليهم. وكان في معيته ولداه أبو عبد الله محمد مار الترجمة دون بلوغ، وأبو العباس أحمد فوق البلوغ، قاله الزيانى: وقال غيره: إنه ترك الأول من الولدين المذكورين مع جدته خناثة بمكناس، وهو ما حققه في الدر المنتخب وهو الذي يشهد له التاريخ. وكانت مدة خلافته هذه خمسة أعوام وثمانية أشهر ونصف على ما شهره في الدر المنتخب، وكانت مدة مقامه بوادى نول عند أخواله ثلاثة أعوام. أما العبيد فإنهم لما علموا بذلك وجهوا لسجلماسة جريدة من الخيل تأتى إليهم بصنو صاحب الترجمة أبي الحسن على الأعرج ليبايعوه، على ما سنفصله بعد في ترجمته بحول الله. وفى عام ثمانية وأربعين ومائة وألف: كانت فتنة عبد الله بن محمد الكرسيفى مدعى المهدوية بالسوس، وارتفع صيته في تلك الأصقاع، ملأ أرجاءها، واقتحم حصن آكدير عنوة، وفعل بأهلها ما يخجل وجه المروءة، وخيم بالمحل المعروف بفونت تحت أبي القناديل، ومنعهم من الماء حتَّى مات جل تلك البلاد نساء ورجالا وصبيانا عطشا، وحيل بينهم وبين المقابر العامة فصاروا يدفنون

стр. 2313

موتاهم بالدور والمساجد، وكان الفتان المذكور يحث أهل سوس على غزو أهل آكدير ويقول: إن ثلثهم نصارى، وثلثهم يهود، وثلثهم عصاة حصب جهنم. فأجابه لذلك خلق كثير من أهل سوس، والحال أنهم لم يروا البحر قط، ولما نزلوا بساحته أخذوا يشربون ماء البحر ويلثون به سويقهم، فهلك منهم عدد عديد، ثم عاد الثائر لتارودانت مصمما على الإيقاع بهوارة، ولما شعروا بمراده اتخذوا سائر الاحتياطات اللازمة وأجمعوا أمرهم على اغتياله، فأوعز إليه بذلك بعض المعتقدين له، فأشاع أنَّه يريد زيارة أبي حفص عمر وهارون برأس الوادى، فتبعته هوارة إلى أن لحقوا به بثلاثاء تماصت بزاوية السيد عياد، وأخذوا يلعبون بالبارود مع أصحابه مظهرين الفرح به والطاعة له، فلم يأمن فيهم، ونجا بنفسه فاقتفوا أثره إلى أن لحقوا به بصهريج آيت أيوب في تنزرت، وأطلقوا عليه أفواه مكاحلهم بالرصاص ففر ودخل دار الشَّيخ أحمد ويدير، ومات بداره ونهب آيت يش ماله. قاله الضعيف: وقد وقع لصاحب الدر المنتخب في سوق هذه الحادثة تخليط واشتبه عليه أمرها واشتبك وارتبك، وبموت هذا الفتان الأفاك اطمأنت نفوس أهل تلك البلاد، وأمنت سبلهم، وكان الذي قتله هو ابن همان وماين الهواريان ويعيش الزكنى المنبهى. ثم وفد المترجم على تارودانت واستولى عليها وعلى أحوازها، وبويع له بتلك الأصقاع، ووقعت بينه وبين هوارة معارك عظيمة انجلت بانهزامهم وفشلهم كل الفشل، ثم نهض من تارودانت وخيم ببلاد السراغنة وأوقع بهم وقعة شنيعة، وحكم السيف في أربعمائة رجل من عوامهم، ومائة من طلبتهم، حيث إنه وجدهم هدموا مسجد القصبة وصيروه بلاقع، وكان ذلك كما قال الضعيف سنة ١١٤٨ ثمان وأربعين.

стр. 2314

وانظر هذا التاريخ مع ما سبق أنَّه بقى بوادى نول ثلاثة أعوام، وكذلك يخالفه ما في الاستقصاء من أنَّه لما كان شهر ذى الحجة من سنة تسع وأربعين ومائة وألف ورد الخبر بأن السلطان المولى عبد الله قد أقبل من وادى نول، ووصل إلى تادلا، فاهتز العبيد له وتحدثت فرقة منهم برده إلى الملك، وخالفهم سالم الدكالى في جماعة من شيعته، وقالوا: لا نخلع طاعة مولاى على، إذ كان سالم هذا وأصحابه هم الذين تسببوا في خلع المولى عبد الله، وتولية أخيه مولاى على. ثم إن شيعة المولى عبد الله قويت وكثروا أصحاب سالم وأعلنوا ببيعته، ففر سالم فيمن معه من القواد إلى زاوية زرهون مستجيرا بها. ولما سمع بذلك السلطان المولى على فَرَّ من مكناسة إلى آخر ما يذكر في ترجمته، ولما فر اجتمعت كلمة العبيد على ذلك أهل فاس وسائر القبائل، ثم إن سالماً الدكالى الذي بزرهون كتب إلى أهل فاس يقول لهم: إن الديوان قد اتفق على خلع المولى عبد الله، وبيعة سيدى محمد بن إسماعيل المعروف بابن عريبة، والمشورة لعلمائكم، فأجابوه بأن قالوا: نحن تبع لكم، فلما سمع أهل الديوان بما فعله سالم الدكالى وما تقوله عليهم خرجوا من المحلة إلى زرهون، وقبضوا على سالم الدكالى ومن معه من القواد وبعثوا بهم إلى السلطان المولى عبد الله بتادلا، فاستفتى فيهم القاضي أبا عنان، وكان يومئذٍ معه فأفتاه بقتلهم هـ، ونحوه في الدر المنتخب، والترجمان المعرب، وغيره من كتب الزيانى. لكنهم صرحوا بأن القبض على الدكالى وأنصاره كان بإيعاز من المترجم، وأنه لما ألقى القبض عليهم قيدوا بالحديد ووجه بهم لصاحب الترجمة وهو يومئذٍ بتادلا، وهنالك وقع استفتاء من ذكر فيهم وقتلهم، واستؤنفت البيعة للمترجم،

стр. 2315

ونهض من تادلا وسار إلى أن خيم بأبي فكران وتوجه لاستقباله، ثم أهل فاس ومكناسة أشراف وعلماء وأعيان، ولما مثلوا بين يديه وقدموا إليه بيعتهم سب وجدع وهدد وأوعد على ما صدر منهم وتكرر من شق العصا والخروج عن الطاعة، وقتل جماعة من أعيانهم، وعزل قاضى العاصمة المكناسية أبا القاسم العميرى، وولى مكانه الطالب بوعنان، وألقى القبض على عاملها مسعود بن عبود، وولى على فاس محمد بن على ويشى. ولكنه لما توجه إليها لم يستطع الدخول إليها خوفا على نفسه من الإيقاع به، ونزل بالقصبة الجديدة إذ كان فيها عبيد المترجم وخاصته أدالة. وفى يوم الخميس خامس عشرى صفر مد الودايا يد النهب والسلب في الطرقات، ونهبوا ما كان بسوق الخميس من الماشية والدواب، أخذوا من البقر نحو الألفين، ومن البغال نحو سبعمائة، ومن الثياب عددا عديدا، وأغاروا على سرح أهل فاس وعاثوا في ضواحيها والسبل الموصلة إليها، واتفق أن كان اليوم العنصرة، وفى اليوم نفسه شرع أهل فاس في بناء أسوار المدينة التي تهدمت. وفى يوم الأربعاء فاتح ربيع الأول قدم مسعود الروسى من مكناس لفاس والمدينة في حصار، فزار الضريح الإدريسى وانصرف لداره بالعدوة، فسأله بعض القوم عن سبب مجيئه، فقال: إن السلطان مولاى عبد الله ولانى حكومة فاس، ولما شاع ذلك النبأ تحزبت الغوغاء والأخلاط وهجموا عليه وقتلوه أمام داره وجروه إلى توتة الصفارين، وهموا بتعليقه عليها فتعذر (١) حمله لضخامة جثته وبقى ملقى هناك إلى الغد هـ. وفى نظرى أن ما جاء في تاريخ الضعيف نقلاً عن تاريخ ابن موسى أصح وأقعد، لأنّه عاصر المترجم وحفظ ووعى وقيد على عهده ونقل كلامه الضعيف ولم يتعقبه.

стр. 2316

وفى الدر المنتخب نقلاً عن صاحب نشر المثانى: أن السلطان -يعني المترجم- نادى بالوعيد الشديد لمن أتى بالميرة لفاس، وبقوا في الحصار إلى مهل ربيع الأول، فأرسل السلطان القائد مسعود الروسى والياعلى فاس لما شاع عنهم أنهم إنَّما كرهوا محمد بن على المذكور، وأمَّا غيره فهم راضون به أيا كان، ففرح عامة النَّاس بدخوله لخمود الفتنة، وإطفاء نارا الغلاء، فدخل الروسى دار أخيه بعدوة الأندلس من فاس، وجعل النَّاس يأتون للسلام عليه وكثر علبه الازدحام وهو داهش لا يدرى ما يحل به، ثم دخل عليه من جرى في الفتن فقتلوا بعض أصحابه بين يديه، وخرج هو فاراً لدور بعض الأشراف محترما ومحتفيا. فلما كان الليل اجتمعوا على قتله أخذا بثأر أخيهم بوده إذ كان قتله في زمن ولايته لمولاى على، فأخرجوه من المحل الذي كان به وقتلوه، وأصبحوا على أشد ما يكون في حصارهم، وغلا الزرع وكان به نحو ثمان موزونات للصاع النبوى، وقل الإدام، وانقطع اللحم واستمروا على حصارهم ومكث أهل فاس على نصر مولاى عبد الله والخطبة به على المنابر هـ. وفيه أيضاً نقلاً عن صاحب النشر وغيره قائلاً ما لفظه ومن كلامه الممزوج بكلام غيره: وفى عاشر ربيع الأول تولى عبد الخالق الزيتونى أمر فاس بإجماع أهلها، وجعل ينظر في مصالح المسلمين من إصلاح الأسوار وغيرها، وفى السادس عشر قبض الودايا ثلاثة من أهل فاس وطوفوهم بفاس الجديد وقتلوهم، وقتل أهل فاس الهزاز، وابن حمو. وفى يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الثَّاني اختلفت كلمة اللمطيين والأندلسيين في ذكر السلطان مولاى عبد الله على المنبر في الخطبة، فأراد الأندلسيون ذكره، وامتنع اللمطيون، وصليت الجمعة بذكره في مسجد الأندلس والطالعة، وترك خطيب باب الجيسة ذكره، وكذلك نائب خطيب القرويين، لأنَّ

стр. 2317

خطيبها قاضى فاس كان بالحرم الإدريسى محترما، وأمَّا خطيب المقام الإدريسى فإنَّه كنى عنه ولم يصرح، وإنَّما قال: وانصر اللَّهم من بايعناه على طاعتك من أبناء السادات الشرفا، سمى جده والد المصطفى. وخاض الناس في ذلك وكثر القيل والقال، واجتمع العلماء في المقصورة فانفصلوا عن غير فائدة. وفى السادس والعشرين اجتمعوا أيضاً بمسجد اللبارين، فأمَّا الفقيه سيدى محمد بن عبد السَّلام بنانى، فقال للعامة: أخرونى حتَّى أراجع المسألة وأراجع كتب الأئمة، وأمَّا الفقيه السيد محمد الزيزى فقال لهم: طاعة السلطان واجبة، وإن تفاحش ظلمه فإنَّه متغلب ولا تقدرون على مقاومته، ومن قال لكم غير هذا فقد غشكم، وأنا لكم من الناصحين. فهاجت العامة عليه، وهموا بقتله حتَّى تشفع فيه بعض الأشراف، وانفصل المجلس على ما ذكره بنانى ومن تبعه من التأجيل، ثم اشتد الغلاء فبلغ القمح عشرين مثقالا والشعير عشرة مثاقيل، وتحير الناس في أمورهم، وأراد اللمطيون أن ينصروا سيدى محمد بن عريبة وامتنع الأندلسيون. وفى مهل جمادى الأولى تذاكر النَّاس في الصلح مع مولاى عبد الله على يد السيد أبي بكر بن محمد بن الخديم الدلائى، فلم يظهر لذلك أثر بعد أن كانوا نصروه على المنابر في الخطب. وفى ثانى جمادى الأولى جاء القائد محمد مغوس المجاطى بقصد الصلح، ثم إنه وقع خصام بينه وبين الودايا فجرحوه، وذهب لمكناسة وتوفى بها في سابع الشهر المذكور. وفى السابع عشر منه تناول أهل فاس صلحاً مع السلطان على يد زيان بن على ويشى رئيس المحلة النازلة فلم يكمل، لأنَّه اشترط عليهم شروطا لم يقبلوها.

стр. 2318

وفى يوم الثلاثاء السادس والعشرين منه وقع خصام بين بعض البوابين بباب الجيسة مع خديم من خدام الشرفاء أهل دار القيطون فضربوه، فلما سمع بذلك أصحابه الشرفاء تحزبوا، وانضاف إليهم جماعة وجاءوا لاشبارات من ناحية سيدى اللزاز من ناحية الطالعة، فلما وصلوا للقصبة الجديدة وتلاقوا مع محمد بن على ويشى قائد مولاى عبد الله، قالوا له: نحن لا نوافق على ما فعله أهل فاس، وما خرجنا إلَّا لهذا الغرض، فأعرض عنهم، وحينئذ اجتمع اللمطيون والأندلسيون بعد صلاة العشاء بالقرويين وتحزبوا على عدم نصر مولاى عبد الله، وشد السلطان في الحصار مدة من أربعة أشهر ولم يكن بين أهل فاس ومن حاصرهم قتال ولا رمى بكور ولا بمب ولا حفر مينة ولا طمع في الاستيلاء على المدينة، لأنَّ السلطان أوصاهم بعدم ذلك، وقال: إن ذلك لا يفيد في فاس شيئاً، وقد بالغت في الحصار الأول الذي قبل هذا الجهد وما حصل لي منى ذلك إلَّا تضيع الأموال والمشقة، وإنَّما يذعن أهل فاس المساكين من أهلها والضعفاء الذين لا يقدرون على الدفاع من أنفسهم شدة من الغلاء والجوع، هذا كله والسلطان بمكناسة يقتل من طغى من العبيد وتجبر هـ. وفى يوم الثلاثاء سادس عشرى وقيل الثامن من جمادى الأولى عام تسعة وأربعين، اجتمع رأى أهل فاس والودايا ومن شايعهم على رفض طاعة صاحب الترجمة والبيعة لصنوه أبي عبد الله ابن عريبة مار الترجمة، وقد كان النَّاس سئموا الفتن وإتلاف الأنفس والأموال وضيق المعيشة وقطع السابلة وكلوا وملوا. وفى الاستقصا أن بيعته كانت في خامس الشهر سنة خمسين. هـ. ومن الغد الذي هو يوم الأربعاء أعلنوا بذلك ونادوا به في الأزقة والأسواق وكتبوا البيعة لابن عريبة المذكور، ومن توقف أو خالف في ذلك نكلوه، وإن كان موظفا عزلوه، وكان ممن آخر عن الوظيف لعدم إسراعه بالإجابة لما ذكر أبو عبد

стр. 2319

الله محمد البكري الدلائى وسجن وذعر، وأبو عيسى المهدى الفاسى، وأبو مدين أحمد الفاسى، وأبو العباس أحمد بوعنان، الأول منهم عن إمامة الضريح الإدريسى وولى مكانه أبو عبد محمد بن عليّ بن إبراهيم، والثانى عن الإمامة بمدرسة الطالعة وعين للإمامة بها بدلاً عنه الشَّيخ التاودى بن سودة، والثالث عن الإمامة بجامع الأندلس وولى مكانه السيد بوعزة بن إدريس المشاط، والرابع عن إمامة جامع باب الجيسة وعين بدلاً عنه أبو عبد محمد فتحا السلاوى. ولما اتصل ذلك بالمترجم جمع أهله وعياله وماله وكل ما له قيمة بالقصر الملكى بمكناس وأطلق سراح من كان بالسجون، وخرج من مكناسة ونزل بالحاجب، وقيل بجبال فازاز، والتفت عليه البرابر وصاروا يغيرون على سرح مكناسة وسايس وما والى ذلك. ثم بعد ذلك بخمسة أيَّام أتى المترجم بالبرابر أتباعه ليلاً إلى مكناسة ونهب جميع أحوازها، ووصل إلى سيدى فرج وبقى هنالك إلى أن طلعت الشَّمس وفتح باب الأروى فدخلها وهدم البيوت وحرق المساكن، وأخذ جميع ما كان بها من خيل وسلاح، ورجع للحاجب فاقتفى أثره جند صنوه ابن عريبة ولما رأى المترجم ما لا قبل له به نجا بنفسه وترك مخيمه غنيمة، فتبعته جنود العبيد والودايا وأهل فاس إلى ملوية وتوغل في جبالها وخفى عنهم ولم يدروا أين ذهب، وفى منقلبهم اعترضهم البربر وسلبوهم من كل شيء، واشتبكت الفتن وارتبكت، وفى هذه الفتن كانت منية المولى الرشيد صنو المترجم، والقائد ابن النوينى. وفى نسخة عتيقة من نشر المثانى غير مطبوع ما نصه: إن عبيد مكناسة تبعوا المترجم للفتك به فلما نزلوا على عين اللوح أنزل الله المطر الكثير وأرياحا وبردا شديداً حتَّى كادوا أن يهلكوا، فرجعوا وقد خاب قصدهم.

стр. 2320

وفى شوال أكثر أتباع مولاى عبد الله من البرابر الغارة على سايس وغيره من البلاد الموالية لبلاد البربر، ففر جميع من كان يلي البربر، فخلت جميع تلك البلاد، ثم شن البرابر الغارات على من يمر بالطرقات، وأكثروا النهب في سائر البلاد التي يقدرون على الوصول إليها، وقاموا بدعوة مولاى عبد الله في جميع جبالهم واتخذهم بطانة له، وفى ذلك الوقت بدأ انتعاشهم، ولما رأى مولاى عبد الله فرار النَّاس من البربر نزل جبل غمره الموالى لبلاد سايس، وانقطعت الميرة على فاس الإدريسية من كل ناحية من غارات البربر على ما حولها، وحبس الله المطر عنها وعن حوزها فارتفعت الأسعار. وفى رابع عشرى رمضان أقيمت صلاة الاستسقاء ببوعجول، وخطب مولاى حمدون الشريف الطاهرى نائبا عن القاضي سيدى يعيش. وفى الثامن والعشرين من ذى القعدة أقيمت صلاة الاستسقاء أيضاً بباب الفتوح، وخطب الفقيه السيد أحمد الورزيزى، ثم أقيمت بباب الجيسة، وخطيبها سيدى حمدون الشريف الطاهرى. وبالغد أقيمت صلاة الاستسقاء أيضاً بباب الفتوح، وخطب سيدى حمدون المذكور. وفى الثلاثين صليت بباب الفتوح، وخطيبها الشريف المذكور. وفى مهل ذى الحجة أقيمت صلاة الاستسقاء أيضاً، وخطيبها السيد أحمد الورزيزى المذكور. وبالغد أقيمت صلاة الاستسقاء بوادى الزيتون، وخطيبها سيدى بومدين بن سيدى أحمد الفاسى. وبالغد أقيمت بباب الجيسة، وخطيبها السيد أحمد الورزيزى.

стр. 2321

وفى خامس ذى الحجة أقيمت بمصلى بباب الفتوح، وخطب الورزيزى أيضاً ولم ينزل المطر، وحينئذ اختل النظام وشاع الفساد وحصلت المجاعة العظيمة، ومات بالجوع من لا يحصى، وقل الإدام وانقطع اللحم. ولم يزل الأمر في شدة، وازدادت الفتن وفر النَّاس، فعند ذلك أتى القائد العباس بورمانة أكبر رؤساء جيش أبي عبد الله بن عريبة صنو المترجم وقال له: إن البربر عثوا، ولم يبق التفات للأمير، فخرج في خيله ورجله ووقع قال شديد بين جنود ابن عريبة والمترجم وأحزابه البربرية بسايس من الزَّوال إلى الاصفرار انجلى بهزيمة بورمانة وجموعه، وتركوا جميع مقوماتهم واستعداداتهم غنيمة، ولو أن الظلام حال بينهم وبين جنود المترجم لاستأصلوهم قتلاً وأثخنوهم جرحاً. وقام عدة ثوار كل يدعو لنفسه ويحاول جر النَّار لقرصه والاستيلاء على ما بيد غيره، استولى الحوات على عبيد الرمل وبنى مالك وسفيان والطليق والخلط وما وإلى ذلك، واستولى الباشا أحمد الريفى على الفحص، وبلاد غمارة، وطنجة، والقصر وما حول ذلك من المعاقل وعلى بلاد الريف وجبالها وقلاعها إلى ناحية كرسيف، واستولى القائد القلعى على بنى يازغة وما والاها. أما المترجم فقد كان تحت سلطنته الصحراء، وسوس، ومراكش، والبربر، وقد نص التاريخ على أن هذه الفتن لم تكن في هذه السنة بالمغرب فقط بل عمت سائر أقطار العالم. ولما طال مقام صاحب الترجمة بين أظهر البربر ينتقل من أغوارها إلى النجود، والفتن قائمة على ساق، والقحط ضارب أطنابه، سار لتافيلالت وصار يترقب ما تنجلى به تلك الغياهب. وفى رجب عام خمسين ومائة وألف: بلغ ثمن وسق القمح مائة مثقال، قال ابن إبراهيم الدكالى في تقاييده: بعد أن كان في الرخاء بخمسين أوقية والشعير

стр. 2322

يقاربه، وكذلك الذرة حتَّى كاد أن ينقطع الطَّعام من فاس، وكان وزن الخبزة التي تباع بالسوق بموزونة خمس أواقى بالبقالى، وافتضح وجوه النَّاس وأعيانهم، وخلت المدينة وسدت حومات متعددة، مثل حومة الكدان؛ ودرب اللمطى، وحومة الأقواس، والبليدة، والطالعة، والدوح، وسدت الأسواق إلَّا القليل، وهدمت الديار وبيعت، ومات من النَّاس ما لا يعلمه إلَّا الله، حتَّى ذكر بعض النَّاس ممن أثق به أنَّه وصل للمارستان من الموتى في رجب وشعبان ورمضان نحو الثمانين ألفاً، فضلاً عمن لم يصل إليه وكانت الدار التي قيمتها عشرة (كذا) مائة مثقال تباع بثمانين مثقالاً وسبعين ولا تبلغ المائة، وانجلى كثير من النَّاس عن المدينة وذهبوا إلى القصر، وتطاوين. وممن ذهب بعياله لتطاوين العلامة سيدى محمد بن عبد السَّلام بنانى شارح الاكتفاء، واندثرت بسبب ذلك قبائل كثيرة من أهل فاس، ولولا أن النصارى أتوا بالزرع من بلادهم لتطاوين ونواحيها وجلبه أهل فاس لهلك الكل جوعاً، وقد كان وإلى تلك البلاد أحمد بن عبد الله الريفى ذا إبل عديدة اكتراها منه أهل فاس لحمل ما اكتالوه من المغيرة، قيل: إنه ساعدهم على الكراء ظاهرا، ومنع الحمالين من الحمل باطناً، وتمرد عليهم ستة أشهر حتَّى تحقق لديه أن أكثر العائلات الكبيرة الذين لا يقدرون على التنقل لبلد آخر من قلة الزاد وكثرة أفراد العائلة ماتوا جوعاً فسر بذلك باطناً، وساعدهم ظاهراً، ووصل الزرع لفاس، وانجلت الأزمة التي حصت منهم كل شيء، ولما أتى ركب الحجاج من طرابلس أتى معه بالقمح الكثير وانحط السعر ورحم الله عباده. قال ابن إبراهيم في تقاييده لدى تعرضه لهذه الأحداث ما لفظه: كان اللصوص يأتون ليلاً لديار النَّاس ينهبونها ومن قام معهم يقتلونه ويأخذون جميع ما وجدوه، فكانوا يأتون لرأس الجنان والمخفية ومصمودة والطالعة والدوح وسوق

стр. 2323

النخالين وباب السلسلة، وقد جاءوا مرَّة إلى سوق قيسارية البز وحصل للناس بسبب ذلك خوف عظيم، وهذا كله والسلطان بمكناس يعني ولد عريبة لم يلتفت للناس ولم يعبأ بما نزل بهم، وحيل بين النَّاس وبين اجتنهم بلمطة والمرج وغيرهما من أحواز المدينة، ولم يبق أحد يذهب لموضعه بالمرج إلَّا من اتخذ يدًا مع السياب. وجاء لصوص من ناحية باب الفتوح للفندق الذي يقرب من مدرسة الوادى وأخذ منه قافلة كانت عزمت على السَّفر، فلما اجتمع أهل فاس وخرجوا إليهم وجدوهم قد ذهبوا بما أخذوه وذلك في وسط النهار. وفى هذه الأيَّام أغار الودايا على القصارين بوادى فاس ونوبوا ما عندهم من الثياب، ثم صار القصارون يخدمون الثياب بوادى مصمودة، فأخذها اللصوص أيضاً، وكثر الخوف بسبب ذلك، وصار النَّاس يبيتون في الشوارع التي هي مظنة مجئ اللصوص ليلاً والأمر في كل نفس يزيد اشتداداً. وفى خامس عشر شعبان ذهب السياب إلى مدرسة الصفارين ليلاً ونهبوا جميع ما كان بها، لأنها كانت خلت من أهلها وغلقت أبوابها وافتضحوا، وقام معهم النَّاس وقتلوا منهم السلاسى بباب المدرسة وباقي أصحابه هربوا، ومن الغد قتل بالموضع نفسه بورمضان الحيانى وتسعة من أصحابه بالموضع المذكور، وفى هذه الأيَّام جاءت قافلة من الغنم ونزلت بفندق التجارة قرب القرويين لعدم الأمن من غيره. وفى سابع رمضان ضرب الأندلسيون المحتسب السيد محمد بن عبد السَّلام المحمودى بحومة البليدة قرب دار القائد السيد عبد المجيد بوطالب، ووقعت بسبب ذلك فتنة بين الأندلسيين واللمطيين ثم اصطلحوا ليلاً بروضة مولانا إدريس، ووقع اتفاقهم على تقديم التاجلوتى على الأندلسيين، والحاج محمد برزوز على

стр. 2324

اللمطيين، وأحمد الغرناطى على أهل العدوة، والسيد عبد المجيد بوطالب يكون الحاكم على الجميع ورضى الكل بذلك. وفى ليلة الأحد الخامس من شوال جاء السياب لسوق قيسارية البز ونهبوا منها بعض الحوانيت. وفى سادس شوال قتل سيدى محمد بن عبد الرحمن إنّ القاضي بجنانه المسمى باللب، قتله القطاع ﵀. وفى ليلة الحادى عشر منه جاء السياب لدار الغزوانى الهزاز بشارع سويقة الذياب ونهبوها. وفى ليلة الثَّاني عشر منه جاء السياب أيضاً لدرب جنيارة ودخلوا على الحاج محمد برزوز بدار هنالك كان بها مع جماعة من أصحابه، فضربوه برصاصة ومات من الغد، وجرح من أصحابه مولاى أحمد بن إدريس العراقى، والشريف سيدى محمد بن المهدى بوطالب، وأحمد بن جلون، والتاودى ابن عبد الخالق بنانى، والحاج محمد عديل. ومن الغد اجتمع أولاد برزوز وقتلوا محمد بن العربي الجزولي كبير حومة البليدة، لاتهامهم له بأنه هو الذي أدخل السياب على عمهم الحاج محمد. وفى أواسط شعبان ذبح يَحْيَى الشاوى ليلاً وألقى بالبرادعيين. وفى مهل ذى القعدة ذبح المحتسب سيدى محمد بن عبد السَّلام المحمودى قرب درب رطوانه، كان ذاهباً لداره بسيدى أحمد الشاوى ولم يدر من قتله. ومن الغد وقعت بسبب ذلك فتنة بين الأندلسيين واللمطيين ثم اصطلحوا. وفى التاسع والعشرين من ذى الحجة جاء السياب لدار الراعى قرب ضريح سيدى محمد بن عباد، وأخذوا منها غنماً وبقراً كثيراً، وضربوا الحاج محمد بن

стр. 2325

عبد السَّلام قصارة برصاصة فمات من حينه هـ بنقل صاحب الدر المنتخب المستحسن. وفى ترجمة أبي عبد الله محمد بوطالب من نشر المثانى أنه لما نزلت بالنَّاس مسغبة عام خمسين، احترف رؤساء الرماة ببيع الزرع من البادية يمنعون المساكين من شرائه ويشترونه بما شاءوا، ويبخسون النَّاس أشياءهم، وإذا باعوا يبيعونه بما شاءوا، وكان من جملتهم رجل يقال له العمارى رئيس الرميلة والكدان والصفاح من بنى عمار أحد شعوب سكان زرهون ورد على فاس جده، فكان يسرح البقر حتَّى يحفى، فاشترى بقراً لنفسه وكان يبيع الحليب بحانوت بالصفاح، وسكن بالكدان، ثم بعد ذلك اشترى الدار الأولى عن يمين الداخل لدرب خلوق، وكان يبيع اللبن، ثم ولده كذلك، إلى أن نزلت مسغبة عام خمسين، وترأس على أهل الكدان وجدبت البلاد ومات البقر ولم يبق حليب يباع، صار يبيع الزرع بسوق الكدان بالصفاح. فاضطر مولاى عليّ بن مولاى محمد بوطالب صاحب الترجمة إلى شراء ما يتقوت به، فقصد سوق الصفاح فجلس ينتظر ما يشترى، فإذا بتليس جاء من البادية فاشتراه العمارى بما شاء، ولم يقدر أحد من المساكين يشتريه بما ساومه به العمارى ولا يعطيه فيه السوم، فباعه للعمارى بما شاء بمدهم الذي أحدثوه. ثم أتى تليس آخر من البادية فساومه للعمارى أيضاً وأعطى فيه السوم فزاد عليه مولاى على الثالث وباعه له مالكه فأراد العمارى منعه من شرائه، فلم يتركه له مولاى على، فتسابا بينهما وتصارعا، فصرعه مولاى على فدخل العمارى إلى حانوته وأخذ كابوسا كان عنده مرصصا وخرجه في مولاى على من خلفه وهو لا يشعر فخر ميتا فحمله بعض المؤمنين إلى داره، فقالت لهم أمه: لا ندفنه حتَّى نقتل قاتل ابنى، فقالوا لها: قتلناه فدفنوه من يومه في روضة أبي غالب على.

стр. 2326

ثم في غده حمل السلاح الشرفاء الأدارسة وغيرهم وساروا إلى قتل العمارى وأهل الرميلة والصفاح والكدان الذين تعرضوا عليه ونصروه، فاقتتلوا وسلم الله الشرفاء من الجرح والقتل، وقتل العمارى وعدة من أنصاره، ثم افترقوا وكفوا، وهدنت الفتنة والمدينة، ثم سلط الله على أهل الرميلة والصفاح والكدان السارق بوزيان العبادى من أولاد عباد صفرو، ومعه جماعة من سراق إخوته والمزاوغة وبنى يازغة، فكان يأوى لحوز فاس ليلاً ويدخل الديار وينهبهم، فخلت بذلك الحومات الثلاث المذكورة ولم يبق منهم إلَّا القليل، ورجعت تلك الديار بساتين وجنات. ولم تنزل نيران الفتن والأهوال في توقد، وأمر ابن عريبة في اختلال وانحلال، والدماء تراق، والأموال تؤكل بالباطل، والفوضى ضاربة أطنابها، ونفد ما في بيوت الأموال، وسدت أبواب الجبايات، وتعذرت المصالح العامة، ولم يوجد ما تدفع منه رواتب الجند وانقطعت عن الرؤساء وأولى العصبة مادة ما كانوا يستفيدونه من بيوت الأموال، والأمر في كل يوم يزداد شدة، فاتفقت كلمة العبيد مع رئيسهم الحوات والبعض من الودايا والبربر على خلع ابن عريبة. وفى صبيحة يوم الأربعاء التاسع والعشرين وقيل الرابع والعشرين من صفر العام أخرجوا ذلك من القول إلى الفعل، فأعلنوا بخلعه، ولم يقتصروا على الخلع، بل ألقوا عليه القبض وعقلوه بداره الواقعة على ضفة وادى يسلن جوار حمرية التي لازالت معروفة إلى الآن خارج العاصمة المكناسية، والهرج والمرج والخلاف في ازدياد، فرأى آيت عياش أن لا مخلص من ذلك إلَّا الرجوع لطاعة المترجم واستئناف البيعة له، فذهبوا إليه لتافيلالت مقر سلفه فشرحوا إليه جميع ما حل بالرعية من الأحداث، وما أوصلها التنازع إليه من الفشل وذهاب الريح، وما آل إليه أمر صنوه ابن عريبة والمنازعين له من إخوته، وألحوا عليه في القدوم معهم

стр. 2327

للقيام بنصرته، فقابل مطلبهم بالرفض قائلاً: لا غرض لكم إلَّا أن تجعلونى طريقاً موصلة لإذاية المسلمين، والتوصل لأكل أموال العجزة والمستضعفين بالباطل وردهم بخفى حنين. ثم بعد ذلك بدا للمترجم الرجوع إلى المغرب، فنهض من تافيلالت وسار إلى أن بلغ تادلا ثم آيت عتاب، فاجتمعت عليه قبائل تلك الناحية وهادوه واستبشروا بطلعته، وبقى هناك يستطلع أخبار فاس ومكناس وما والاهما، ويبحث من أحوال إخوته مع العبيد إلى أن تحقق لديه اجتماع الكلمة عليه. واستؤنفت إليه البيعة فعلاً على يد القائد بوعزة مولى الشربيل، وذلك يوم الاثنين الخامس عشر من ذى القعدة عام اثنين وخمسين على الأصح، وقيل يوم الجمعة، وهو يومئذٍ ببلاد السراغنة، ولما تم له الأمر وجه للمترجم فئة عظيمة من أعيان العبيد لإعلامه باستئناف البيعة له، ولما لحقوا به أنزلهم منزلة تجلة وإكرام، وأقاموا معه ببلاد السراغنة أياما، ثم أنهضهم لناحية سيدى رحال مع الباشا الزيانى ومكثوا ثمة بضعة أيَّام، ثم أصدر أوامره بحصار اكدير فأجابوا بالسمع والطاعة وصارت تفد عليه الوفود من سائر الأصقاع المغربية يطلبون عفوه وأمانه، فأمن الجميع وقابل بالعفو والإحسان. وفى حادى عشر ذى الحجة منصرم العام أمر رؤساء العبيد أشراف فاس وعلماءها وأعيانها بالتوجه لتقديم الطاعة لصاحب الترجمة، فأجمعوا أمرهم من فاس أول عام ثلاثة وخمسين، ينتظم ذلك الوفد من القاضي أبي العباس أحمد بن على الشعراوى، والعلامة أبي عبد الله محمد الزيزى، وأبى حفص عمر بن إدريس الإدريسى، وصنوه المولى أحمد وابن عمهما أبي عبد الله محمد بن عبد الله المدعو الغالى، ونحو الأربعين من الرماة والأعيان في طليعتهم شيخ ركب الحاج وهو الخياط عديل ورؤساء العبيد والودايا.

стр. 2328

وصاروا يظعنون ويقيمون إلى أن وصلوا للحضرة السلطانية، فأنزلهم منزلة تجلة وإكرام، ثم أحضرهم لديه ووجه اللوم على ما صدر منهم على الفقهاء، فاعتذر الكل بأنهم مرغمون على ذلك ممن لهم السلطة الاستبدادية من عبيد وودايا، فقال لهم ما قاله الصِّديق نبى الله لإخوته: لا تثريب عليكم فيما جنيتم، وعين عبد الله الحمرى عاملاً على فاس، ورد الجميع رداً جميلاً. ثم استقدم العبيد بأجمعهم لحضرته، ولما قدموا عليه جمع جيوشاً عديدة من القبائل الحوزية، ثم عقد الرياسة على الجميع للقائد الباشا الزياني، ووصل الجميع وأوصى بالعدل والإحسان والبر والتقوى، ووجههم لحصار آكدير إلى أن يدخل أهله فيما دخلت فيه الجماعة فساروا إلى أن وصلوا لسيدى رحال إلى أن لحق آخرهم بأولهم، ثم نهضوا يطوون المراحل إلى أن خيموا على حصن آكدير، ولم يزالوا محاصرين له إلى أن فتحوه عنوة في سابع ربيع الثَّاني من العام واستولوا على جميع ما كان به. وفى عاشر ربيع المذكور، وقعت ملحمة عظيمة بين الجيوش السلطانية والقبائل الحوزية مراكش ودكالة والرحامنة وزمران ومن انضاف إليهم من الأعراب والبرابر، كان الظفر أولاً للجيش السلطانى ولكنهم أضاعوا الأخذ بالحزم ونبذوا الاحتياطات اللازمة وراءهم ظهرياً، واشتغلوا بالنزاع على الغنيمة، حتَّى أتاهم من خلفهم المولى المنتصر بنور الله شقيق المستضئ بنور الله وحال بينهم وبين الأثقال والأخبية، وحاز الكل غنيمة باردة ورجع من حيث أتى. أما الجيش السلطانى فكان منه من لحق بصاحب الترجمة، ومنهم من بقى بآكدير حتَّى يصدر إليه الأمر العالى بما يكون عليه عملهم، وقد كان من بقى من عبيد مشرع الرمل بمحل استيطانه من المشرع المذكور أنهضوا منهم جيشاً ثانياً رأسه الباشا بوعزة مولى الشربيل، وتوجه للحضرة السلطانية ليكون ردفاً للأول، وسار

стр. 2329

إلى أن بلغ لبلاد تامسنا وأقام هنالك حتَّى تلاحق المتأخر بالمتقدم، ثم نهضوا وساروا إلى أن خيموا بتساوت، وأقاموا هنالك إلى أن لحق بهم المترجم في فاتح ربيع الثَّاني في جنود جرارة، واطمأن بعضهم لبعض، ونشطوا للقتال، واستعدوا للنزال، أخذاً بثأر إخوتهم. ثم نهض بهم المترجم إلى ناحية وادى تانسيفت، فوجد صنوه أبا النصر قد حال بجنوده الحوزية بينه وبين الماء، ولما التقى الجمعان ببوكر كور وتسعرت نيران القتال وحمى الوطيس تقدم الباشا بوعزة المذكور وقد كان على الميمنة للطعن والنزال، واقتفى أثره ابن النوينى وقد كان على الميسرة، ثم تبعهما صاحب الترجمة، وكان القلب والساقة، وكان انجلاء الملحمة بانهزام أبي النصر وأحزابه شر هزيمة، وذلك يوم الخميس فاتح جمادى الأولى من العام، ثم نزل المترجم على الماء واقتفى الباشا بوعزة أثر المنهزمين، إلى أن نزل على رأس العين، ومن الغد رجع إلى المحال السلطانية، وأقام المترجم بزاوية ابن ساسى نحو سبعة عشر يوماً. وفى يوم الأربعاء متم جمادى الأولى من العام كانت وقعة كبيرة بـ (منزات) حضرها صنو المترجم المستضئ بنور الله بنفسه، وكانت الكرة عليه، فاعتصم هو وشيعته بجبال مسفيوة، ولولا ذلك لداستهم حوافر الجنود السلطانية، ولما أيقن المترجم بفشلهم وذهاب ريحهم أقلع عنهم وتوجه إلى دكالة فحصت جنوده منها كل شيء وأقام بها نحواً من شهر. وفى آخر جمادى الثَّانية أقلع عنهم ووجهته مكناسة الزيتون مقر عرش والده، وكان وصوله إليها في منتصف رجب العام، وخيم بباب الريح خارج البلد، ولم يزل مخيمًا هنالك والوفود تفد عليه بالهدايا والبيعات من سائر الأقطار المغربية من عرب وبربر، وهو يقابل كلاً بما يليق ويصله على قدر حيثيته ومكانته،

стр. 2330

وكم قضى لخاصتهم والعامة من مآرب ومطالب ووالى من إحسان إلى أن رجع الكل لوطنه لاهجًا مثنياً شاكراً. قال أبو عبد الله الضعيف: إلى هنا انتهى تأليف الفقيه المؤرخ الحاج عبد الكريم بن موسى الريفى الذي سماه بزهر الأكم، قال ﵀: وهنا انتهى بنا هذا التأليف، وقد قيل في بعض الكلام، من قعدت به نكاية الأيَّام، أقامته إغاثة الكرام، والبقاء والدوام، للملك العلام هـ. ولم يتخلف أحد عن البيعة وتقديم الطاعة غير زعيم الريف الباشا أحمد بن على ومن هو تحت سيطرته لتمرده وشقه عصا الطاعة. وكان سبب عدم دخول المترجم لدار الملك ما كان صدر من أخيه المستضئ من التزوج ببعض نسائه، ولذلك ألقى القبض على قاضى البلد أبي القاسم بن سعيد العميرى، والقاضي أبي العباس أحمد بن على الشدادي، والعلامة أبي الفضل العباس بن الحسن بن رحال المعدانى، وأبى العباس أحمد بن عبد الله التملى، وأبى الحسن على الندرومى خليفة القاضي العميرى المذكور، وأغلظ لهم في القول وقرع ووبخ على موافقتهم لأخيه المستضئ على التزوج بزوجاته، وكان ذلك في يوم الخميس حادى عشرى رجب المذكور، وعزل الخطباء الذين كانوا يخطبون باسم أخيه المستضئ. ثم بنى دويرة لسكناه بباب الريح، ولما تم العمل فيها سكنها بمن كان معه من الحرم، ووظف على أهل البلد وظائف أثقلت كواهلهم، ولما بلغت زروعهم أوان الحصاد أطلق أيدى الجيوش فيها، ولما ضاق بهم الخناق وبلغ بهم الجهد منتهاه عفا عنهم وأحلم وصفح فاطمأنت النفوس، وزال عنهم ما كانوا فيه من شدة

стр. 2331

وبوس، وأنجح الله لهم الأسباب وصلح الزرع والضرع وتوالت الأمطار، وانحطت الأسعار، وتبدل عسرهم يسرا. وفى أوائل المحرم فاتح عام أربعة وخمسين نزل بفاس، وولى عليها الحاج عبد الخالق عديل شيخ ركب الحاج، وأمره بتأخير كل خطيب خطب بصنوه المستضئ، وكان عديل المذكور ذا ثبات ورسوخ عقل فقال له: يا مولاى هذا من وظيف القاضى، وحسبى شد عضده فيه، فولى قضاء فاس أبا يعقوب يوصف بوعنان وأمره بما أمر به عديل فعزل السيد بوعزة المشاط عن خطبة مسجد الأندلس وولى مكانه الفقيه أبا عبد الله محمد الزيزى، وعزل أبا حفص عمر بن عبد الله الفاسى عن خطبة باب الجيسة وولى مكانه أبا عبد الله محمد السلوى، والشيخ التاودى بن سودة عن خطبة مدرسة الطالعة وولى مكانه أبا العباس أحمد الحارثى الدلائى، وأبا الحسن على التوزانى عن خطبة جامع القصبة البالية بباب المحروق وولى مكانه أبا العباس الشامى. وولى قضاء تازا الفقيه أبا محمد عبد الواحد بوعنان، وأمره بعزل من هنالك من الخطباء للسبب المذكور، ولما كان في أثناء الطريق لمحل مأموريته اعترضه اللصوص وسلبوه من كل ما كان معه، وتوفى بعد وصوله لتازا قبل قضاء ما أمر به. وفى صبيحة يوم الثلاثاء تاسع عشرى محرم أتى اللصوص لفندق النخالين من فاس ونهبوه. وفى أواخر صفر جاءوا لسوق البز ونهبوا منه دكانين. وفى العام سلط الله الفار على الزرع والقطانى والبحائر والفواكه الخريفية في سائر البلاد.

стр. 2332

وفى العام نفسه اختط المترجم دار الدبيبغ الشهيرة بضواحى فاس، وفيه بعث القائد محمد الكعيدى اليازغى كبير أهل الديوان لجباية الأموال المترتبة بذمم الحياينة وغيرهم، فقتله الحياينة مع من كان معه من الأصحاب بالموضع المعروف بعين مديونة، وذلك في ثانى عشرى ذى الحجة منصرم العام. وفى اليوم نفسه اتصل بالمترجم وهو يومئذ بفاس خروج الباشا أحمد بن على الريفى من طنجة ووجهته القصر الكبير في استعداد زائد، فانهض لمقاومته وصده عن القصر جيشا جراراً من عبيد الرمل وذهب هو للعاصمة المكناسية، فخان القواد ومن في قلبه مرض ولحقوا بالريفى المذكور ورجع الباقون إلى مكناس وانحل الأمر، ولما نزل القواد الخائنون ومن في حكمهم إلى الريفى، أكرم مثواهم ونزلهم ووصلهم واقترح عليهم الكتب لإخوانهم الذين بمشرع الرمل بالقدوم عليهم لديه، ونكث بيعة صاحب الترجمة، ووعدهم على ذلك بمال جزيل. واتفق أن كان ذلك غب زمن المسغبة، فأسعفوا رغبته، ووجهوا لإخوانهم يستقدمونهم، فوجدوهم ارتحلوا لمكناسة لما لحقهم من عيث جيرانهم سفيان وبنى مالك وبنى حسن والبربر، ولما حلوا بمكناسة تطاولوا على أهلها وضيقوا بهم أشد التضييق، واستباحوا الأموال والأعراض، ونزعوا عن وجوههم جلباب الحياء، حتى انجلى عن البلاد كثير من أهلها وتفرقوا في البلاد، ولم يقتصر العبيد على أذى أهل المدينة بل مدوا يد الطغيان والظلم والتعدى في ما جاورها وعثوا في السابلة، ولما اشتعلت نيران الفتن وعجز المترجم عن رِتق ما انفتق، جمع عياله وماله ووجه بذلك لفاس، وكان وصوله إليها ضحى يوم الخميس الموفى ثلاثين من ربيع الأول على الأصح، واجتمع رأى أهل النقض والإبرام على خلع المترجم لعجزه عن الدفاع، والمبايعة لصنوه زين العابدين سابق الترجمة، وقد كان عند الباشا أحمد الريفى.

стр. 2333

ولما اتصل هذا النبأ بالريفى المذكور وكان من أشد الناس عداوة لصاحب الترجمة، بادر للإعلان بنصر زين العابدين وتبعه على ذلك من كان معه من العبيد، وطيروا الكتب لإخوانهم الذين بمكناس بتعجيل رفض بيعة المترجم من أعناقهم، والبيعة لصنوه المذكور. ولما وصلت إليهم تلك الرسائل ارتأوا أنه لا يتم لهم أمر إلا بموافقة الودايا وأهل فاس معهم على ذلك، فكتبوا لهم بشرح ما أصاب الناس من الضيق والحرج بتراكم الأهوال والفتن، ورغبوا منهم الدخول معهم فيما راموه وأبرموه، فأجابوهم برفض ذلك المطلب وإلغائه محتجين بأن بيعة المترجم في أعناقهم لا يبيح لهم الشرع خلع ربقتها. وفى ثانى ربيع الثانى خيم المترجم بدار الدبيبغ الشهيرة خارج فاس، حيث المدينة الجديدة اليوم، فاستقبله الودايا وأهل فاس وشرح لهم ما تحقق لديه مما أضمره العبيد له فأجابوه بأنه لا سبيل لرفض بيعته، وأن طاعته لازمة لهم. ثم انتصر حزب العبيد وأعلنوا بخلع صاحب الترجمة والبيعة لصنوه زين العابدين، وذلك يوم الأربعاء تاسع عشرى ربيع، فكانت دولة المترجم في هذه المرة من اليوم الذى بويع فيه وهو الخامس عشر من ذى القعدة عام اثنين وخمسين إلى اليوم الذى خلع فيه وهو الأربعاء تاسع عشرى ربيع من عام أربع وخمسين، عاما واحدا وأربعة عشر يوما وهى الدولة الثالثة له. وفى ثالث عشر رمضان عام أربعة وخمسين ومائة وألف، أعلن العبيد بخلع زين العابدين مار الترجمة، واستئناف البيعة لصنوه المترجم، وهو يومئذ بالقبائل البربرية، وبويع له بالعاصمة المكناسية بمحضر الشرفاء والعبيد وإلأعيان، وتمت له

стр. 2334

البيعة العامة حيث إن البربر والودايا وأهل فاس والعرب كانوا لازالوا متمسكين ببيعته ببواطنهم، وإن اضطرهم العبيد على التظاهر بالطاعة لزين العابدين. ولما اتصل هذا النبأ بالمترجم قدم لمكناس، ووفد عليه أربعمائة من العبيد يطلبون عفوه وأمانه فأمنهم وقابل جنايتهم بالصفح، واستقر بمكناس أياما، ثم بدا له النهوض لفاس، ولما نزل بداره المعروفة خارج المدينة بدار الدبيبغ خرج لاستقباله الأشراف والوجهاء وذوو المناصب العالية فرحين مستبشرين، وتسابقت الفرسان على الصافنات الجياد أمامه إظهارًا لما خامرهم من السرور، وسدت الأسواق. ثم صارت الوفود تفد على جلالته لتقديم الطاعة وإظهار الخضوع، فأوسعهم برا وحلما، ونقل من دار أبيه لداره المذكورة كل ما له قيمة من ذخائر وأثاث، فكبر ذلك على العبيد، ولم يرضوه وطلبوا منه الرجوع عن ذلك، وأن لا يتمادى على إكمال بناء تلك الدار لتيقنهم أنه إن تم بناؤها وسكن بها اعصوصب عليهم، وخرج من ربقة استبدادهم، فلم يلتفت إليهم، فهددو، بالخروج عليه، فلم يرفع لهم رأسا. ولما علم بذلك الباشا أحمد الريفى اتخذه فرصة، وكتب لعبيد مكناس قائلا: إن الأمر صار لغيركم ولم يبق لكم أمان على أنفسكم، وإن المترجم لم يبق تحت يده مال، والملك لا يقوم إلا بالمال، فقوموا على ساق في خلعه وتبديد جموعه وأحزابه، ولكم من المال ما تحتاجون إليه، وها صنوه المستضئ بمراكش وقد بايعه أهلها فاتبعوهم، وأعلنوا بنصره، فأجمعوا أمرهم على ذلك وفعلوا، فوجهوا للمستضئ يستقدمونه.

стр. 2335

وفى ذى القعدة بلغ المترجم ما صمم عليه العبيد مما أوعز لهم به الريفى، فاشتغل بتأليف القبائل المتمسكة بطاعته وحالفهم على المدافعة عنه ومحاربة أضداده والموت دونه، وإثر ذلك ورد على فاس من مراكش الحاج أحمد السوسى داعية المستضئ ينشر دعوته ويرجف الناس ويعظم شوكته، فأصدر صاحب الترجمة أمره بقتله قصاصًا، فقتل واستصفيت أمواله، واستؤصل ما كان بداره. وفى أول المحرم عام خمسة وخمسين دخل المستضئ مكناسة في عساكره العبيد، وبأثر ذلك ورد كتاب الريفى المذكور على أهل فاس يدعوهم لبيعة المستضئ، فأجابوه بالرفض وصمموا على نصرة المترجم ومقاومة كل من ناوأه والموت دونه، وتعاهدوا لإصلاح المعاقل والصقائل، وجعلوا لباب محروق أحد أبواب المدينة أبوابا من ساج مغشاة بالحديد. وفى يوم الثلاثاء رابع عشرى ربيع الأول خيم المستضئ بجند العبيد بظهر الزاوية، وفر المترجم للقبائل للانتصار بهم، ونزل على آيت يدراسن، ولما كان الغد الذى هو يوم الأربعاء وقع قتال شديد بين المستضئ وأهل فاس ومن انضم إليهم من الحياينة وشراقة وأولاد جامع، مات في المعركة من الودايا نحو اثنى عشر رجلا، ومن أهل فاس نحو الستة، ومن العبيد نحو الستين. وفى يوم الجمعة رابع ربيع الثانى رجع السلطان عبد الله صاحب الترجمة في جيوش جرارة ذات قوة وبأس شديد من البرابر بنى مطير وجروان وآيت يوسى وأيت أدراسن وزمور وآيت ومالو وغيرهم، وجلب بهم على أحزاب صنوه المستضئ، ولما التقى الجمعان علم المستضئ أنه لا قبل له بمقاومة تلك الجنود البربرية المجندة، فنجا هو وأتباعه بأنفسهم بعد عشاء يوم السبت خامس ربيع الثانى، وعصم الله بمحض فضله دماء المسلمين.

стр. 2336

وفى العام عم الطاعون بالمغرب وخصوصا بفاس ومكناس ونواحيهما وانحبست الأمطار، وارتفعت الأسعار، وفشا الجوع في القرى والأمصار، وتفرق أهل فاس في البلاد كالقصر ووزان والعرائش وتطاوين وطنجة. قال أبو عبد الله الضعيف: حكى لى من أثق به من أهل القصر أن صبيان أهل فاس كانوا يتكففون بأبواب الدور والأزقة. وفى جمادى الأخيرة وقعت فتنة بين الحاج عبد الخالق عديل، وأبى عبد الله محمد الغالى الشريف الإدريسي، فرفع عديل الشكاية بالشريف لصاحب الترجمة فأصدر الأمر بإلقاء القبض عليه، ففر واستجار بضريح جده أبى العلاء إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر، فضيق عليه إلى أن خرج وضرب ووبخ وسجن وقتل أنصاره لسعيهم في الأرض الفساد. وفى يوم الخميس سابع عشرى رجب سرح المترجم أبا عبد الله محمد الغالى الشريف الإدريسى، ولما علم بذلك أهل فاس تحزبوا وخرجوا لباب محروق بقصد قتل الشريف المذكور إن رام النزول لفاس القرويين، فأوعز بعض الناس بذلك للإدريسى المذكور فسكن فاسا الجديد. وفى العام وجه المترجم مع ركب الحاج ثلاثة وعشرين مصحفا كلها محلاة بالذهب مرصعة بنفيس الدر والياقوت، منها المصحف الكبير العقبانى المنسوب لعقبة بن نافع الفهرى الذى كان الملوك يتوارثونه من عهد بنى أمية بالأندلس، ونقل إلى المغرب على يد عبد المؤمن الموحدى، ثم انتقل إلى بنى مرين، ثم وقع بيد الأشراف السعديين، ولم يزل يتداول إلى أن وقع بيد المترجم ووجه معه بألفى حصاة من الياقوت المختلف الألوان العزيز الوجود وسبعمائة حصاة هدية للحجرة النبوية.

стр. 2337

وفى العام توالت الأمطار حتى هدم قوس من أقواس قنطرة وادى سبو، واستهلكت السيول كثيراً من الماشية وأقلعت الأشجار. وفى السنة ثار العبيد على قبيلة سفيان وبنى مالك وأوقعوا بهم شر وقعة، واستحوذوا على كل ما أمكنهم الاستحواذ عليه من مال ومتمول ورجعوا لمحالهم، وبعد أيام قلائل نهضوا لناحية الفحص لمحاربة الباشا المذكور مخيما بجنوده، ولما التقى الجمعان انهزم العبيد بعد أن تركوا إخوانهم صرعى طعمة للعقبان والذئاب، ورجع الريفى لمقره بطنجة. وفى أوائل المحرم عام ستة وخمسين ومائة وألف، نهض الباشا أحمد الريفى بخمسين ألف مقاتل أو يزيدون لمحاربة المترجم، ونزل على وزان بقصبة ارجن من بلاد مصمودة، وكان الإبان إبان مطر، فحبس به هنالك نحو الشهر، وشرفاء وزان قائمون بكل ما يلزمه من مئونة وعلف دواب وسائر اللوازم. وفى عشية يوم الثلاثاء ثانى عشرى محرم المذكور نزل الباشا المذكور بجموعه المتكاثفة بالعسال من مزارع فاس من ناحية قنطرة سبو، فنارشه القتال بعض القبائل، ثم ورد عليه جند من العبيد معززين له، وانضم إليه من القبائل الجبلية نحو الخمسة عشر ألف رجل، ثم لحق به متبوعه المستضئ وأتباعه من عبيد الرمل وتازا ومكناس وبنى حسن، وكان الحياينة وشراقة وأولاد جامع جاءوا لتحصين فاس، ونصرة صاحب الترجمة لما علموا بمقدم الريفى ومتبوعه، ونزلوا بحللهم باجنتها وأحدقوا بها من كل جهاتها، وتوجه المترجم في عشرة من أتباعه لآيت أدراسن يستصرخهم ويستنصر بهم ويعرفهم بمقاصد الريفى، فأجابوه لما أراد، ووجهوا لحلفائهم من آيت ومالوا وبنى حكم وزمور وكروان يستنهضونهم ورجع المترجم من حينه لداره دار الدبيبغ.

стр. 2338

ثم لحقت القبائل البربرية المذكورة بمحال الريفى والمستضئ، وذلك يوم الخميس ثانى عشرى صفر الخير من العام، ولما أقبلوا عليهم صاحوا وحملوا عليهم وحكموا فيهم سيوفهم وهزموهم شر هزيمة لم يسمع بمثلها، حتى إن عددًا عديداً منهم رموا بنفوسهم في الوادى فغرقوا، واستولت جنود المترجم على جميع ما كان بمخيمهم من مال وعدة وكراع، وقد كان الأمير أبو عبد الله محمد نجل المترجم حاضراً بهذه المعركة، وكان عدد من قتل من جند المستضئ والريفى ثمانمائة، ورجع الريفى لمقره طنجة وقام على ساق في تجديد الاستعداد رجاء الأخذ بالثأر، وأقسم ألا يأكل لحما ولا يشرب لبنا إلا إذا احتل فاسا وجاس خلال خيم أولئك البرابر. ولما كان أول جمادى الثانية من العام نهض من طنجة ووجهته فاس، ولما اتصل الخبر بصاحب الترجمة طير الإعلام لأنصاره من القبائل البربرية وغيرهم، ثم نهض من فاس في مهل جمادى الأخيرة وخيم بوادى سبو، وهنالك استعرض جنوده وعساكره ورتبها أحسن ترتيب، فجعل رماة أهل فاس مع خاصته وعبيدة، ورماة العبيد مع بوعزة صاحب الشربيل، والودايا وزرارة وأهل سوس مع ولده أبى عبد الله الأمير محمد، وآيت يدراسن وجروان في رماة حاجبه القائد عبد الله اليمورى، وشراقة وأولاد جامع وأولاد عيسى في رماة قائدهم أحمد بن موسى الشركى. وسار على هذه الحال إلى أن قرب من مخيم المحال الريفية، ولما علم الريفى أن المترجم بات على مقربة من مخيمه ارتحل بجنده وسار إلى أن أقبل على وادى لوكس، ورأى جيوش المترجم بدار العباس على ضفة الوادى المذكور مقبلة فاستقلها ونزل وأمر أتباعه بالنزول، ولما رأى المترجم اشتغال محال الريفى بالنزول

стр. 2339

نادى في عساكره لا نزول إلا بغنيمة أو هزيمة، فأجابوه بالسمع والطاعة، وانقضوا على المحال الريفية انقضاض البزاة فولوا الأدبار منهزمين، وتركوا جثتهم وأشلاءهم مبعثرة بالهضاب والسهول من بينهم جثة الزعيم الريفى فقطع رأسه وأتى به للمترجم، وذلك صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الثانية من العام، ووجه برأسه لفاس فطيف به بالأسواق، ثم علق بباب محروق، ولم يزل معلقا هنالك إلى أن قدم على المترجم أولاد أبى زيد عبد الرحمن الثعالبى من الجزائر متشفعين للمترجم في إنزاله، فشفعهم وأصدر أوامره المطاعة بإنزاله، ووجه القاضى إذ ذاك عدلين لمشاهدة إنزاله وتسليمه للمتشفعين فيه، فذهبا -أى العدلان- وهما العلامة خطيب المدرسة العنانية من طالعة فاس أبو عبد الله الحارثى الدلائى والعلامة المفتى الشيخ أويس، وكتبت بذلك وثيقة من إنشاء أبى عبد الله محمد بن علال وإليك نصها: الحمد لله الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، العفو الذى يحب العفو حتى لا يهتك الستر ولا يؤاخذ بالجريمات، الذى من كمال عفوه ورحمته ومنته أن وعد بالجنة التي أعدت للمتقين، للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أحلم رسول أرسله، المأمور بإعطاء من حرمه، وإيصال من قطعه والعفو عمن ظلمه، بقوله في الكتاب المبين ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] وعلى أصحابه وأنصاره وأحزابه وآله البالغين الغاية في اتباعه، واقتفاء اتباع أتباعه .. وبعد: فعن الأمر المطاع، الذى يجب له الانقياد والاتباع، والإذن الشريف العلوى، السلطانى المولوى، أمر مولانا أمير المؤمنين، المحفوف من الله تعالى بالنصر والتمكين، فخر الملوك والأشراف، وظل الله على الأقوياء والضعاف، خليفة الله في أرضه، وأمين الله على جنده بطوله وعرضه، المعتمد في أموره على

стр. 2340

مولاه الذى ولاه، أبو محمد مولانا عبد الله، أيد الله أوامره، وظفر بمنه جنوده وعساكره، عاين شهيداه ظهيره الأسمى، وطابعه الشريف الأنمى، بيد حملته السيد فلان، والسيد فلان، بقبول شفاعتهما في رأس أحمد الريفى المخالف أمر السلطان وصحبته كتاب لخليفته الأسعد، وركن إيالته الأرشد، خديم المقام المولوى، وشيخ الركب النبوى، القائم بأمر مولانا المنصور، المضاعف له في الثواب والأجور، في سعيه الصالح، ومتجره الرابح، التاجر الجليل، الحاج عبد الخالق عديل، المتضمن عفو مولانا نصره الله وأيد أمره وخلد في صفحات الدهر مآثره الشريفة، وأوامره عن رأس خديم إيالته الشريفة، وعتباته المنيفة، الباشا أحمد بن على بن عبد الله الريفى، من إنزاله من شرفات باب الشريعة من فاس، أمنها الله من كل باس، ودفعه لحملة الظهير الشريف، العالى القدر المنيف. ففعل العامل المذكور ما أمر به امتثالا للأمر الشريف السعيد، المحفوف من الله تعالى بالنصر والتأييد، والعز المديد، ودفع لمن ذكر بمحضر شهيديه ومعاينتهما لما سطر، فمن عاين ذلك كما قرر، وشهد على من ذكر كما حرر، وهم عارفون قدره وعرفهم في يوم السبت السابع عشر من شوال عام ستة وخمسين ومائة وألف، والله تعالى يحسن عاقبة الجميع في يوم البعث والنشور هـ-. هذا ولما مات الريفى ومزقت أشلاء أحزابه كل ممزق استولى المترجم على البقية الباقية من معسكره، ثم قدم عليه أهل تلك الجبال والخلط وطليق وغيرهم لتقديم الطاعة وطلب العفو والأمان، فعفا عفو قادر، وبعد ذلك توجه لطنجة وألقى القبض على خاصة الريفى وعماله، واستصفى أموالهم، ووجه القائد عبد الخالق عديل وجماعة من أهل فاس لحيازة ما بدار أحمد الريفى المذكور، وأمر أهل الريف بالإتيان بما له عندهم من ماشية وغيرها، ولما جمع ذلك وأحصى فرقه فيمن كان معه من البرابر، وكان نحو الأربعة آلاف وأقام المترجم بجنوده بطنجة أربعين يوماً.

стр. 2341

أما المستضئ فإنه لما علم بموت عضده الأيمن وساعده المساعد أحمد الريفى، أغرى من معه من العبيد وبنى حسن على الأخذ بثأر إخوانهم واستئناف قتال صنوه المترجم، وقطع خط الرجعة بينه وبين فاس، فأجابوه لذلك. وأطلق عيونه لترقب حركات المترجم وسكناته وإعلامه بظعنه ومقامه، فكانت تأتيه بتفاصيل ذلك، ولما بلغه أن صاحب الترجمة خيم بدار العباس التي كانت بها تلك المعركة التي قضت على جموعه بالدمار والخذلان، ركب في أتباعه من العبيد وبنى حسن، وصبح المترجم على حين غفلة، ولما التقى الجمعان ولى المستضئ وجنوده الأدبار. وانكسروا أى انكسار، مات من خصوص بنى حسن ما يزيد على الألف، وسلب لهم من عتاق الخيل والسلاح ما يزيد على الخمسة آلاف، ومات من العبيد نحو الخمسين. وبعد الهزيمة فر القائد حسن فنيش هاربا، وهو أخو الباشا عبد الحق فنيش عامل سلا، فلقى في ذهابه أحد قواد عبيد الرمل كان مصاحبا له وقد مات له فرسه في المعركة، فطلب من القائد الحسن أن يردفه فأردفه لسابفية الصحبة، ثم غدر العبد به وأكبه على رأسه وشد وثاقه وأقسم له يمينا بالله إن لم يسر أمامه حتى يقتله، فسار به إلى أن أوصله لصاحب الترجمة ولما مثل بين يدى المترجم، قال له: أنت يا فنيش من علوج أبى إسماعيل ووالدك كذلك، فلم تركت خدمتى وأخذتك الغيرة على الحمار ابن الحمار؟ فقال له فنيش: أعتقنى وأنا أعطيك عشرين قنطارًا فقلع المترجم عشبة من الأرض، وقال له: هذه العشبة عندى أفضل من مالك، وأنشد متمثلا بقول القائل: إن الأسود أسود الغيل همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب وضربه بمزراقه فقتله، وذلك بوادى الدزاز من وزان.

стр. 2342

ثم نهض المترجم وسار إلى أن حل بفاس مؤيدًا منصورًا، فكسا وفرق الجوائز، وعمم الصلات بدار الدبيبغ إلى ربيع الثانى من عام سبعة وخمسين، فقدم عليه رءوس العبيد وقوادهم ببيعتهم له وإعلامهم بخلع المستضئ، خاضعين معتذرين طالبين عفوه وصفحه عما اقترفوه. فعفا وصفح على عادته ووصلهم، وأمرهم بالتهيُّؤ لقتال بغاة بنى حسن ومن في حلفهم من شيعة المستضئ كدكالة أخواله وأهل مراكش المتمسكين بطاعته سعيا وراء جمع الكلمة وإطفاء نيران الفتن التي حصت كل شئ، فأجابوه بالامتثال والسمع، وأمرهم باللحوق به لدار ملك أبيه مكناسة الزيتون، وأصدر أوامره للحياينة وشراقة وأولاد جامع وأهل فاس والغرب بالإتيان إليه بحركتهم لأجل ما ذكر. ثم نهض لمكناس وبها اجتمعت عليه تلك القبائل، ووفدت إليه الوفود ببيعاتها وبعد تجديد البيعة العامة له وهى البيعة الخامسة، كتب الكتائب وجند الجنود، ورتب الجيوش، ونظم المقاتلة، ونهض قاصدًا بنى حسن على طريق الفج ليحول بينهم وبين الشعاب التي يتحصنون بها. قيل: كان نهوضه في ذى القعدة الحرام من العام، وسار إلى أن وافاهم ببسيط زبيدة، ففروا أمامه للغابة، وخلفوا حللهم وأموالهم غنيدة باردة، وما كان مساء اليوم حتى جاءوا تائبين منيبين، فعفا عنهم ورد عليهم مالهم وارتحل عنهم. وسار إلى أن نزل بداره من القصبة الكائنة بأبى لعوان بين الشاوية ودكالة، وخيمت عساكره أمامه ببسيط دكالة، وقد كان أهلها فروا مع المستضئ للحور، فأقام المترجم بدكالة سنة كاملة بعساكره، أتى فيها على ما لتلك القبيلة من زرع وضرع، وقطعت أشجارها وهدت قراها ومداشرها وصيرها بلاقع كأن لم تغن بالأمس.

стр. 2343

ثم انتقل لبلاد السراغنة، وما استقر به الثوى بتلك البلاد حتى وفد عليه أهلها طائعين وفى عفوه راغبين، وانضموا لجيوشه، ثم وثب البعض من السراغنة على ستة من صعاليك العبيد وقتلوهم لارتكاب عار وذعر. ولما اتصل الخبر بصاحب الترجمة أسرع للانتقام من غير فحص عن السبب، فقتل منهم عددا كبيرا، ونهض من بلادهم مغاضبا، ثم وفد عليه دمنات وما والاها من سهل وجبل طائعين مذعنين، ثم انتقل لبلاد زمران وأعلام النصر خافقة، ولما حل بها قدم عليه الرحامنة وأهل سوس والدير وقدموا لجلالته الطاعة وانضموا بمحالهم لمحلته. ثم تقدمت تلك الجنود الجرارة لبلاد مسفيوة، حيث كان المستضئ وأحزابه، وشبت نيران القتال بين جيوش المترجم وأهل مسفيوة ومن انضم إليهم إلى أن فشلوا، وفلت جموعهم وضعفت البقية الباقية عن المقاومة، فأتوا للمترجم بنسائهم وصبيانهم حاملين الألواح والمصاحف يستجيرون، ولما مثلوا ببن يديه طلبوا من جلالته المقابلة بما جبل عليه من الحلم والإغضاء، فأمرهم بالإتيان بالمستضئ، فأخبروه بأنه قد فرّ لمراكش، فعفا وسامح، ثم ورد عليه أهل دكالة بنسائهم وصبيانهم كمن قبلهم، فقابلهم بالصفح وأمرهم بالرجوع لبلادهم، وألقى عصاه واستقر به الثوى إلى أن وفد عليه أهل الدير ببيعتهم وهداياهم، وطلب الرحامنة وأهل سوس من جلالته المسير معهم لمراكش فأسعف رغبتهم. أما المستضئ فإنه لما فر من مسفيوة لمراكش صده عنها أهلها، ولم يزل يتردد بين القبائل ولا يقابل بغير الطرد إلى أن بلغ الفحص وأقام بحور طنجة كما مر. وبينما يقدم رجلا ويؤخر أخرى في التوجه لمراكش، إذ ورد عليه أعيانها وشرفاؤها ببيعتهم، وقدموا لحضرته طاعتهم وأبدوا أعذارا عما تورطوا فيه من شق عصا الطاعة، وطلبوا من جلالته القدوم لبلادهم، وقد كان جل تلك الجيوش سئم

стр. 2344

الحرب وكل ومل من الغربة وفراق أوطانهم نحو العامين، فصاروا يتسللون حتى لم يبق بالمحال إلا نحو النصف من الجيش ورؤساء القبائل، فرأى المترجم أن الرأى هو أن يرجع لعاصمة ملكه ودافع الراغبين في التوجه لمراكش بالتى هى أحسن، وعين ولده الأمير أبا عبد الله خليفة بها، ووجه به إليها في معية وفدهم وذلك عام ثمان وخمسين ومائة وألف. ثم ولى وجهه نحو العاصمة، وكان مروره على تادلا وأقام بها أياما، ثم سار إلى أن بلغ لرباط الفتح، واستخلف به ولده أبا العباس أحمد، ثم سار إلى أن خيم بقصبة وادى أبى فكران وذلك في خامس عشرى ربيع الثانى عام تسعة وخمسين ومائة وألف على ما في الترجمان المعرب وغيره، والذى في تاريخ الضعيف أن المترجم دخل مكناسة الزيتون أوائل ربيع الأول والله أعلم. وفى مهل جمادى الأولى خرج من الحضرة الفاسية وجهاء البلد من العلماء وذوى المناصب لتهنئته بسلامة القدوم وتقديم ما يجب لجلالته، فسر بمقدمهم وقابلهم بكل تجلة وإكبار، ووصلهم وأكرم وفادتهم، ثم ودعهم وأمرهم بالأوبة لوطنهم، ووجه معهم الرماة الذين كانوا معه. ووفد على حضرته أيضا قائد طنجة ووجهاؤها وأولاد الباشا أحمد المذكور ونساؤه بهدية سنية وتحف نفيسة، وكان عدد الوافدين يتجاوز المائة، ولما مثلوا بين يديه قال لهم: إنه قد بلغنى أنكم استخرجتم مالا كثيرا كان أخفاه الباشا أحمد عند خروجه ثانى مرة لمبارزتى واقتسمتموه فيما بينكم، وأمرهم بشرح الواقع فأجابه سبعة منهم بالإقرار، والباقى بصريح الإنكار، فأمر بزت الجميع بالسجن، وبعد ثلاث سرح السبعة المقرين، وهم: العاقل، وأولاد الباشا، وبنو عمهم وأمر بقتل المنكرين فقتلوا جميعا، وفى ذلك اليوم نفسه قتل من بنى حسن وغيرهم نحو ثلاثمائة نسمة.

стр. 2345

ثم وجه نفرا من حاشيته لطنجة للإتيان بمال الريفى المذكور، فقام في وجوههم أهل طنجة وصدوهم وشتموهم أقبح شتم، بل هموا بالإيقاع بهم لولا أنهم نجوا بأنفسهم، ولما رجعوا للمترجم وأخبروه الخبر ثار غضبه، وأمر بقتل من كان أبقى عليه من أهل طنجة المذكورين. وبعد ما نفذ الأمر فيهم أخبر صاحب الترجمة أن المال الذى كان قد أخرج من طنجة وأمنه عند عديل بفاس صرف منه في مصالح نفسه عدداً لا يستهان به، فأصدر أوامره بالإتيان بذلك المال، ولما أحضر أمر بوزنه فأخبر من باشر الوزن بأنه يخص من العدد المؤمن اثنان وثلاثون ألف قنطار عدة قديمة، فألزم عديل بأداء العدة فعجز، وضمنه بعض الرؤساء ووتع عليه الإشهاد بالأداء حلولا، وأمر بإعطاء عشرة آلاف مثقال صلة للودايا، سكان فاس الجديد، فكان من أقوى موجبات وغر صدر أهل فاس على صاحب الترجمة، حيث خص الودايا بالعطية دونهم، والحال أنهم -أى الودايا- أول من شق العصا عليه، وهم -أى أهل فاس- أول من تمسك بطاعته وآخر من قاتل دونه. ومما زاد الطين بلة وطنبور الفتن نغمة أمره للمسخرين من جيشه بكل زرع ما حرثه آيت يدراسن أنصاره بأحواز العاصمة المكناسية انتقاما منهم لتأخرهم عن الإتيان لحضرته للتهنئة بسلامة القدوم، وبعد ذلك كتب الرئيس القبيل المذكور محمد وعزيز يلومه عن التأخر، وقد كانت بينه وبينه صداقة، ومصافاة تامة، حتى كان صاحب الترجمة لا يخاطبه إلا بياأبت، وكل ما يرومه يمضيه بدون أدنى توقف. ولما وصل الكتاب السلطانى لوعزيز جمع إخوانه وأمرهم بجمع هدية والإتيان إليه بها ليتوجه بها مع وجوههم للحضرة السلطانية، فأظهروا الامتناع وتعللوا بالخوف على أنفسهم إن هم ذهبوا لعدم توقفه في سفك دماء الواردين

стр. 2346

عليه، فتكفل لهم بأنهم لا يرون منه إلا ما يسرهم، وأنهم ليسوا كغيرهم بناء على ما يعتقده من كامل الصداقة، وأنه يستحيل لديه أن تخفر له ذمة عند الأمير المترجم، فأجابوه لما اقترح، وعينوا مائة من صدورهم للتوجه مع رئيسهم المذكور، وساروا بهديتهم إلى أن وصلوا لمخيم السلطان بقصبة أبى فكران، واستقبلوا حاجبه عبد الوهاب اليمورى. فأخبر السلطان بمقدمهم فأمر بإدخالهم لبساطه مجردين من السلاح، ولما مثلوا بين يديه أحدق بهم لفيفا من الحرس ثم قال لمحمد وعزيز هؤلاء حادوا عن الطريق المثلى، وعاثوا في الطرقات وروعوا المسلمين بالسلب والنهب، وأخذوا أموال التجار غصبا ولم يتركوا ضعيفا ولا يتيما ولا مسكينا إلا وآذوه في ماله وبدنه، فإذن مالهم ودمهم حلال. وأمر الحرس بإلقاء القبض على جميعهم غير وعزيز فانقض الحرس عليهم وأوثقوهم بالحبال وساروا بهم إلى بطون السجون، فقال له وعزيز: أغدراً بعد عهدٍ! فقد جاءوا في أمان. فأجابه المترجم بقوله: هؤلاء حاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض الفساد، وقد خير الله فيهم الإمام، فقم أنت في حفظ الله لأنك بمنزلة والدى لا تخاف دركا ولا تخشى، فقال له: لا أقوم إلا مع إخوانى، فإن ماتوا مت، وإن عاشوا عشت، وكيف يسمع عنى أنى قدمتهم للذبح ورجعت! فأى أرض تقلنى وأى سماء تظلنى؟ لابد أن يقتلنى إخوانهم وأخلف بعدى سبة لا تنفى مدى الأبد، وقد تنبئوا بهذا لما أمرتهم بالقدوم معى لحضرتك، فقالوا: إن ذهبنا إليه سلك بنا مسلك من قبلنا من الوافدين عليه، فنفيت لهم ذلك، وأعطيتهم العهود والمواثيق على أنهم لا يقابلون من جلالتك إلا بالجميل ووافر الإحسان.

стр. 2347

فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال لحاجبه المذكور: يا عبد الوهاب لا خير في رجل يقول لرجل: يا أبت، ثم لا يشفعه في قبيلته، وأمر بتسريحهم فسرحوا، ولما خرجوا ركبوا خيولهم وتوجهوا لحللهم مع رئيسهم وعزيز. ولما اجتمعوا بإخوانهم قالوا لهم: لقد أحيانا الله حياة جديدة بعد أن متنا فلا بُدَّ لنا من الأخذ بثأرنا مادام فينا عرق ينبض، وأجمعوا أمرهم على الخروج على المترجم والهجوم عليه بعد ثلاث، ومن تخلف منا عاديناه، وبأنواع الأذى والإهانة سمناه، فلم يشعر المترجم إلا وخيولهم مطلة عليه من ناحية الحاجب، فتيقن أن ذلك أمر دبر بليل، ولم يسعه غير حمل عياله وجواريه وإحاطتهم بالخيل والرماة، ثم ركب هو في من بقى معه من الجند وانحدر خلفهم مع بطن الوادى وتفرق العبيد يمين الوادى ويساره، وتركوا كل ما كان بالمحلة من أمتعة وأخبية وعدة ومقومات غنيمة باردة، وشب القتال بين البربر والمحال السلطانية وحمى الوطيس ودام ذلك إلى أن دخل المترجم على باب القزدير أحد أبواب العاصمة المكناسية، فرجع البربر وقد مات منهم خمسمائة مقاتل، ومن العبيد ثلاثمائة وذلك يوم الخميس سابع شعبان العام. ثم اتفقت كلمة العرب على الخروج على المترجم، ووافقهم على ذلك شيخ العرب محمد الحبيب المالكى الحمادى، وقد كان صاحب الترجمة ولاه على إخوانه سفيان وبنى مالك والخلط وطليق وغيرهم من عرب تلك الناحية، ثم بعثوا إلى أهل فاس يحثونهم على متابعتهم في رفض بيعة المترجم فأجابوهم لذلك، ثم اجتمع رأى العبيد على الانضمام لهؤلاء وكتبوا لإخوانهم يغرونهم على الانخراط في سلكهم والموافقة معهم على ما أبرموا، وحققوا لهم غدر المترجم ووثوبه عليهم إن لم يربئوا بأنفسهم ويغتنموا الفرصة قبل الظفر بهم، ولما اتصل كتاب العبيد

стр. 2348

بإخوانهم وتمعنوه تواعدوا على الرحيل لمكناسة بعد ثلاث إجابة لإخوانهم، وفرارا مما لحقهم من إهانة بنى حسن وإضرارهم بهم غاية الإضرار. فأخبر السلطان بذلك بعض عيونه، وعندما تيقن صدق الخبر طير الإعلام لأخواله الودايا الذين بفاس يحضهم على القدوم عليه من يومهم قبل بلوغ السيل الزبى، واتساع الخرق على المرتق، واشتغل بجمع ماله وأثاثه وحمل ما عز عليه وأسراج خيله مظهرا أنه يريد الرجوع لقصبة أبى فكران حيث كان مخيمه، ولما كان وقت العشاء ورد عليه من خيل أخواله الودايا أربعمائة، فخرج من باب القزدير بجميع ماله وعياله ولم يترك بدار الملك غير النزر مما لا يؤبه به، وسار في معيتهم إلى أن بلغ دار ادبيبغ. وفى ثالث عشر شعبان اجتمع البربر مع بنى مالك بفاس لقتال الودايا، فتحصنوا بالمدينة البيضاء فاس الجديد، ثم عاث البرابر في الطرقات ونهبوا دار ادبيبغ، وقلعوا أبوابها وحرقوا الأخصاص التي كانت محدقة بها، وجعلوا يغيرون على سرح الودايا ويناوشونهم القتال، ومات من الفريقين عدد عديد، وشبت نيران الفتن وقطع الودايا الماء على فاس القرويين. وفى يوم الجمعة الخامس عشر من شعبان المذكور وقع التوافق على أن لا يذكر اسم المترجم في الخطب، واشتبكت الفتن وارتبكت وكثر الهرج والمرج، وامتد ذلك نحوم من سبعة وعشرين شهرا. وفى أوائل رمضان أخلى العبيد مشرع الرمل، وبقيت بيوتهم خاوية بما ظلموا، ولما لحقوا بإخوانهم لمكناسة، نزلوا بالقصبة والمدينة، والأروى وقصبتى بريمة وهدراش، وبعضهم اتخذ الأخصاص والعرائش بضواحى المدينة والرحاب المتسعة وثووا هنالك في البلاد، وخرب بنو حسن ما خلف العبيد بمشرع الرمل من الدور والقصور التي كانوا يتنافسون في تشييدها.

стр. 2349

ولما وافى عيد الفطر وجه العبيد الذين بمكناسة جماعة من، قوادهم في معية قاضى البلد أبى القاسم العميرى ووجوه الأشراف لحضور العيد مع المترجم والاعتذار عما صدر منهم، وطلب رجوع جنابه إلى عاصمة الملك مكناس. ولما وصلوا لحضرته ومثلوا بين يديه قابلهم بالعفو والإغضاء، ووصلهم وكساهم ووعدهم بتوجهه للعاصمة المذكورة، فانقلبوا إلى مقارهم فرحين مبتهجين، ولما كانوا في أثناء طريقهم لمكناس اعترضهم البرابر بوادى الجديدة وسلبوهم حتى مما يستر عوراتهم، ولم يفلتوا منهم غير القاضى المذكور أبقوا عليه ثيابه وبغلته. ثم صارت البرابر تغير على الذين نزلوا بضواحى مكناس وتنهب أموالهم وأولادهم حتى ضاق بهم المتسع، وتفرقوا في البلاد، ولم يبق منهم إلا القواد وشرذمة من أهل الحرف والصنائع، ومات منهم بالزلزال الذى وقع بمكناس خمسة آلاف. وفى فاتح جمادى الأولى عام ستين قدم قبائل البربر وقبائل العرب لإعانة أهل فاس على محاربة المترجم فنزل القائد الحبيب بإيالته الغرب والخلط، وطليق بدار الأضياف، ونزل محمد واعزيز بأتباعه البرابر بجبل أطغات، وانحجر الودايا بفاس الجديد، والعبيد بقصبة شراقة، وأحاطوا بالمترجم بداره دار الدبيبغ إحاطة السوار بالمعصم. ولما كان الغد ركب العبيد والعرب وقصدوا دار الدبيبغ والبربر على آثارهم، فلما بلغوا حريم الدار المذكورة اتصل بهم أن البربر غدروا ونهبوا محلتهم فارتاعوا ورجعوا القهقرى منهزمين لا يلوى بعضهم على بعض، وتفرقت تلك الجموع الباغية، وكفى الله المؤمنين القتال، قيل: إن المترجم أغرى واعزيز بمال وجهه إليه ليلا على تفريق تلك الأحزاب ففعل، وسقط في يد أهل فاس وبقوا يتجرعون الغصص في ضيق وعناء يستغيثون فلا يغاثون.

стр. 2350

وفى انقلاب عرب الغرب من انكسارهم هذا لبلادهم مروا بحلة بنى حسن فانتهبوها، فقدم بنو حسن على السلطان شاكين إليه بما فعله بهم عرب الغرب فحركوا منه ما كان كامنا بصدره عليهم، وجيش إليهم جيشا كثيفا من العبيد والودايا للإيقاع بهم أخذا لثأر بنى حسن منهم، ولما شعروا بنهوض الجيوش التي لا قبل لهم بها للاقتصاص منهم انجلوا عن البلاد وتوجهوا للعرائش وتحصنوا بأسوارها، فاقتفت أثرهم تلك الجيوش وأحدقت بهم وشددت الحصار عليهم ثلاثة أشهر، هلك فيها لهم الزرع والضرع ثم رق لهم المترجم ووجه لهم شرذمة من الودايا بأمانه ومصحفه وسبحته، وأفرج الجيش عنهم، وقدموا مع الودايا على المترجم بهداياهم تائبين، ولفضله شاكرين، فولى عليهم كبيرهم الحبيب المالكى، وأضاف إليه قبائل الجبل كلها. وفى شوال عام واحد وستين ومائة وألف، استأنف أهل فاس الرضوخ لطاعة المترجم وتجديد البيعة له، وذلك بواسطة بعض بنى عمه من أهل سجلماسة، والعلامة أبى الإجلال عبد الكبير السرغينى، فأنهضوا وفدا من الأشراف والعلماء وذوى الجاه والوجاهة في طليعتهم الفقيه المذكور ومعهم هدية قيمة للعاصمة المكناسية إظهاراً للخضوع، وطلبا في العفو والصفح، ولما مثلوا بين يدى المترجم سب وجدع ثم سامح وأحلم وردهم لبلدهم رداً جميلاً، ثم انعقد الصلح بين أهل فاس والودايا، وفتحت أبواب المدينة بعد الحصار سنتين وثلاثة أشهر، وكان ذلك في ذى القعدة من السنة. وفى هذه الأعوام انتشر الوباء الجارف في هذه السنين سائر البلاد المغربية وتفاحش الغلاء. وفى ثامن عشر جمادى الأولى، وقيل الثانية من العام، نهض المترجم من فاس لمكناسة، لكسر شوكة متمردة البربر وخيم بقصبة أبى فكران ينتظر ورود
следующие страницы →