← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

عليه، فتكفل لهم بأنهم لا يرون منه إلا ما يسرهم، وأنهم ليسوا كغيرهم بناء على ما يعتقده من كامل الصداقة، وأنه يستحيل لديه أن تخفر له ذمة عند الأمير المترجم، فأجابوه لما اقترح، وعينوا مائة من صدورهم للتوجه مع رئيسهم المذكور، وساروا بهديتهم إلى أن وصلوا لمخيم السلطان بقصبة أبى فكران، واستقبلوا حاجبه عبد الوهاب اليمورى. فأخبر السلطان بمقدمهم فأمر بإدخالهم لبساطه مجردين من السلاح، ولما مثلوا بين يديه أحدق بهم لفيفا من الحرس ثم قال لمحمد وعزيز هؤلاء حادوا عن الطريق المثلى، وعاثوا في الطرقات وروعوا المسلمين بالسلب والنهب، وأخذوا أموال التجار غصبا ولم يتركوا ضعيفا ولا يتيما ولا مسكينا إلا وآذوه في ماله وبدنه، فإذن مالهم ودمهم حلال. وأمر الحرس بإلقاء القبض على جميعهم غير وعزيز فانقض الحرس عليهم وأوثقوهم بالحبال وساروا بهم إلى بطون السجون، فقال له وعزيز: أغدراً بعد عهدٍ! فقد جاءوا في أمان. فأجابه المترجم بقوله: هؤلاء حاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض الفساد، وقد خير الله فيهم الإمام، فقم أنت في حفظ الله لأنك بمنزلة والدى لا تخاف دركا ولا تخشى، فقال له: لا أقوم إلا مع إخوانى، فإن ماتوا مت، وإن عاشوا عشت، وكيف يسمع عنى أنى قدمتهم للذبح ورجعت! فأى أرض تقلنى وأى سماء تظلنى؟ لابد أن يقتلنى إخوانهم وأخلف بعدى سبة لا تنفى مدى الأبد، وقد تنبئوا بهذا لما أمرتهم بالقدوم معى لحضرتك، فقالوا: إن ذهبنا إليه سلك بنا مسلك من قبلنا من الوافدين عليه، فنفيت لهم ذلك، وأعطيتهم العهود والمواثيق على أنهم لا يقابلون من جلالتك إلا بالجميل ووافر الإحسان.

стр. 2347

فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال لحاجبه المذكور: يا عبد الوهاب لا خير في رجل يقول لرجل: يا أبت، ثم لا يشفعه في قبيلته، وأمر بتسريحهم فسرحوا، ولما خرجوا ركبوا خيولهم وتوجهوا لحللهم مع رئيسهم وعزيز. ولما اجتمعوا بإخوانهم قالوا لهم: لقد أحيانا الله حياة جديدة بعد أن متنا فلا بُدَّ لنا من الأخذ بثأرنا مادام فينا عرق ينبض، وأجمعوا أمرهم على الخروج على المترجم والهجوم عليه بعد ثلاث، ومن تخلف منا عاديناه، وبأنواع الأذى والإهانة سمناه، فلم يشعر المترجم إلا وخيولهم مطلة عليه من ناحية الحاجب، فتيقن أن ذلك أمر دبر بليل، ولم يسعه غير حمل عياله وجواريه وإحاطتهم بالخيل والرماة، ثم ركب هو في من بقى معه من الجند وانحدر خلفهم مع بطن الوادى وتفرق العبيد يمين الوادى ويساره، وتركوا كل ما كان بالمحلة من أمتعة وأخبية وعدة ومقومات غنيمة باردة، وشب القتال بين البربر والمحال السلطانية وحمى الوطيس ودام ذلك إلى أن دخل المترجم على باب القزدير أحد أبواب العاصمة المكناسية، فرجع البربر وقد مات منهم خمسمائة مقاتل، ومن العبيد ثلاثمائة وذلك يوم الخميس سابع شعبان العام. ثم اتفقت كلمة العرب على الخروج على المترجم، ووافقهم على ذلك شيخ العرب محمد الحبيب المالكى الحمادى، وقد كان صاحب الترجمة ولاه على إخوانه سفيان وبنى مالك والخلط وطليق وغيرهم من عرب تلك الناحية، ثم بعثوا إلى أهل فاس يحثونهم على متابعتهم في رفض بيعة المترجم فأجابوهم لذلك، ثم اجتمع رأى العبيد على الانضمام لهؤلاء وكتبوا لإخوانهم يغرونهم على الانخراط في سلكهم والموافقة معهم على ما أبرموا، وحققوا لهم غدر المترجم ووثوبه عليهم إن لم يربئوا بأنفسهم ويغتنموا الفرصة قبل الظفر بهم، ولما اتصل كتاب العبيد

стр. 2348

بإخوانهم وتمعنوه تواعدوا على الرحيل لمكناسة بعد ثلاث إجابة لإخوانهم، وفرارا مما لحقهم من إهانة بنى حسن وإضرارهم بهم غاية الإضرار. فأخبر السلطان بذلك بعض عيونه، وعندما تيقن صدق الخبر طير الإعلام لأخواله الودايا الذين بفاس يحضهم على القدوم عليه من يومهم قبل بلوغ السيل الزبى، واتساع الخرق على المرتق، واشتغل بجمع ماله وأثاثه وحمل ما عز عليه وأسراج خيله مظهرا أنه يريد الرجوع لقصبة أبى فكران حيث كان مخيمه، ولما كان وقت العشاء ورد عليه من خيل أخواله الودايا أربعمائة، فخرج من باب القزدير بجميع ماله وعياله ولم يترك بدار الملك غير النزر مما لا يؤبه به، وسار في معيتهم إلى أن بلغ دار ادبيبغ. وفى ثالث عشر شعبان اجتمع البربر مع بنى مالك بفاس لقتال الودايا، فتحصنوا بالمدينة البيضاء فاس الجديد، ثم عاث البرابر في الطرقات ونهبوا دار ادبيبغ، وقلعوا أبوابها وحرقوا الأخصاص التي كانت محدقة بها، وجعلوا يغيرون على سرح الودايا ويناوشونهم القتال، ومات من الفريقين عدد عديد، وشبت نيران الفتن وقطع الودايا الماء على فاس القرويين. وفى يوم الجمعة الخامس عشر من شعبان المذكور وقع التوافق على أن لا يذكر اسم المترجم في الخطب، واشتبكت الفتن وارتبكت وكثر الهرج والمرج، وامتد ذلك نحوم من سبعة وعشرين شهرا. وفى أوائل رمضان أخلى العبيد مشرع الرمل، وبقيت بيوتهم خاوية بما ظلموا، ولما لحقوا بإخوانهم لمكناسة، نزلوا بالقصبة والمدينة، والأروى وقصبتى بريمة وهدراش، وبعضهم اتخذ الأخصاص والعرائش بضواحى المدينة والرحاب المتسعة وثووا هنالك في البلاد، وخرب بنو حسن ما خلف العبيد بمشرع الرمل من الدور والقصور التي كانوا يتنافسون في تشييدها.

стр. 2349

ولما وافى عيد الفطر وجه العبيد الذين بمكناسة جماعة من، قوادهم في معية قاضى البلد أبى القاسم العميرى ووجوه الأشراف لحضور العيد مع المترجم والاعتذار عما صدر منهم، وطلب رجوع جنابه إلى عاصمة الملك مكناس. ولما وصلوا لحضرته ومثلوا بين يديه قابلهم بالعفو والإغضاء، ووصلهم وكساهم ووعدهم بتوجهه للعاصمة المذكورة، فانقلبوا إلى مقارهم فرحين مبتهجين، ولما كانوا في أثناء طريقهم لمكناس اعترضهم البرابر بوادى الجديدة وسلبوهم حتى مما يستر عوراتهم، ولم يفلتوا منهم غير القاضى المذكور أبقوا عليه ثيابه وبغلته. ثم صارت البرابر تغير على الذين نزلوا بضواحى مكناس وتنهب أموالهم وأولادهم حتى ضاق بهم المتسع، وتفرقوا في البلاد، ولم يبق منهم إلا القواد وشرذمة من أهل الحرف والصنائع، ومات منهم بالزلزال الذى وقع بمكناس خمسة آلاف. وفى فاتح جمادى الأولى عام ستين قدم قبائل البربر وقبائل العرب لإعانة أهل فاس على محاربة المترجم فنزل القائد الحبيب بإيالته الغرب والخلط، وطليق بدار الأضياف، ونزل محمد واعزيز بأتباعه البرابر بجبل أطغات، وانحجر الودايا بفاس الجديد، والعبيد بقصبة شراقة، وأحاطوا بالمترجم بداره دار الدبيبغ إحاطة السوار بالمعصم. ولما كان الغد ركب العبيد والعرب وقصدوا دار الدبيبغ والبربر على آثارهم، فلما بلغوا حريم الدار المذكورة اتصل بهم أن البربر غدروا ونهبوا محلتهم فارتاعوا ورجعوا القهقرى منهزمين لا يلوى بعضهم على بعض، وتفرقت تلك الجموع الباغية، وكفى الله المؤمنين القتال، قيل: إن المترجم أغرى واعزيز بمال وجهه إليه ليلا على تفريق تلك الأحزاب ففعل، وسقط في يد أهل فاس وبقوا يتجرعون الغصص في ضيق وعناء يستغيثون فلا يغاثون.

стр. 2350

وفى انقلاب عرب الغرب من انكسارهم هذا لبلادهم مروا بحلة بنى حسن فانتهبوها، فقدم بنو حسن على السلطان شاكين إليه بما فعله بهم عرب الغرب فحركوا منه ما كان كامنا بصدره عليهم، وجيش إليهم جيشا كثيفا من العبيد والودايا للإيقاع بهم أخذا لثأر بنى حسن منهم، ولما شعروا بنهوض الجيوش التي لا قبل لهم بها للاقتصاص منهم انجلوا عن البلاد وتوجهوا للعرائش وتحصنوا بأسوارها، فاقتفت أثرهم تلك الجيوش وأحدقت بهم وشددت الحصار عليهم ثلاثة أشهر، هلك فيها لهم الزرع والضرع ثم رق لهم المترجم ووجه لهم شرذمة من الودايا بأمانه ومصحفه وسبحته، وأفرج الجيش عنهم، وقدموا مع الودايا على المترجم بهداياهم تائبين، ولفضله شاكرين، فولى عليهم كبيرهم الحبيب المالكى، وأضاف إليه قبائل الجبل كلها. وفى شوال عام واحد وستين ومائة وألف، استأنف أهل فاس الرضوخ لطاعة المترجم وتجديد البيعة له، وذلك بواسطة بعض بنى عمه من أهل سجلماسة، والعلامة أبى الإجلال عبد الكبير السرغينى، فأنهضوا وفدا من الأشراف والعلماء وذوى الجاه والوجاهة في طليعتهم الفقيه المذكور ومعهم هدية قيمة للعاصمة المكناسية إظهاراً للخضوع، وطلبا في العفو والصفح، ولما مثلوا بين يدى المترجم سب وجدع ثم سامح وأحلم وردهم لبلدهم رداً جميلاً، ثم انعقد الصلح بين أهل فاس والودايا، وفتحت أبواب المدينة بعد الحصار سنتين وثلاثة أشهر، وكان ذلك في ذى القعدة من السنة. وفى هذه الأعوام انتشر الوباء الجارف في هذه السنين سائر البلاد المغربية وتفاحش الغلاء. وفى ثامن عشر جمادى الأولى، وقيل الثانية من العام، نهض المترجم من فاس لمكناسة، لكسر شوكة متمردة البربر وخيم بقصبة أبى فكران ينتظر ورود

стр. 2351

القبائل التي كانت تظهر له الطاعة، إذ قد كان استنهضهم لذلك، ولما طال انتظاره وتبين تقاعسهم عن اللحوق به، رجع للعاصمة المكناسية بمن كان معه مصابا بألم إحدى عينيه. ولما سمع البربر برجوعه لمكناس طمعوا فيه، وأجمعوا على غزوه، وزاد طنبورهم نغمة وطينهم بلة، ما وقع من الصلح بين الودايا وأهل فاس وذلك يوم الاثنين الثالث عشر من شوال، وخضوع الكل لصاحب الترجمة، فلم يألوا جهدا في تفريق الكلمة واستشاروا في التدابير الموصلة لهم لذلك زعيمهم واعزيز لما يعلمون في قلبه من المرض، فأشار عليهم بأنه لا يتم لهم معه أمر ماداموا لم يقطعوا خط الرجعة بسايس، ويحال بينه -أى المترجم- وبين الموالين له من الودايا والعبيد وأهل فاس، فاستصوبوا رأيه ونزلوا بحللهم في تلك البسائط، وأطلقوا يد السلب والنهب، وأغاروا على سرح الودايا أفسدوا وزروعهم وبحائرهم، وجعلوا يختطفون أطفال العبيد النازلين بضواحى مكناس ويغيرون على سرحهم كلما أمكنتهم فرصة. وفى أول رجب من السنة ورد الخبر بإلقاء أهل الريف القبض على المستضئ مار الترجمة، واستيلائهم على كل ما كان له من مال ومتمول لإلقائه القبض على القائد عبد الكريم بن على الريفى صنو أحمد المذكور، وسمله عينه. وفى شعبان أوقد الودايا النار بأجواف باب محروق ليلا، فشعر بذلك الحرس وطردوهم عن الباب، ومن الغد ركبوا له أبوابا جددا. وفى ثالث عشرى شوال أوفد أهل فاس على المترجم بمكناس القائد الحسن ابن صالح الليرنى، والفائد قاسم بن الأشهب، والقائد الحاج محمد الصفار، وقاضى البلد وغيرهم من الأشراف والعلماء، وكان ذهابهم على طريق زرهون خوفا من عيث عتاة البرابر، ولما وصلوا لحضرته ومثلوا بين يديه شرحوا أعذارهم

стр. 2352

في التظاهر بالقيام عليه، وأقاموا الحجج والبراهين على أن ذلك لم يكن عن اختيار منهم، فقبل المعذرة شأن الكرام، وقال: لا تثريب عليكم، وإنى عاهدت الله أن لا أفعل بأهل تلك المدينة -يعنى فاسا- إلا الخير وكتب بهذا كتابا لأهل فاس. وفى متم الشهر آب الوفد الفاسى لوطنه فرحا مسرورًا، وقرئ الكتاب السلطانى المشار له على منبر القرويين، وبه وقع الإعلان باستئناف بيعته، وانبرم الصلح بينهم وبين الودايا، وتبادلوا الطعام بالمدينة البيضاء وفاس القديمة، وزينت المدينة إظهارًا للارتياح، وإشهارا لما أقاموه من حفلات الأفراح. وفى ثالث عشرى قعدة قدم ركب الحجيج الذى كان محصورا بتازا لانقطاع السابلة وتوقد نيران الفتن بها. وفى يوم السبت تاسع ذى الحجة خرج من فاس وفد من أعيانها لتهنئة جلالة المترجم بغرة عيد الأضحى والمشاركة في أفراحه ومشاهدة فاخر حفلاته، من جملة أعيان ذلك الوفد: القائد قاسم بن الأشهب، والقائد ابن صالح الليرينى، والحاج محمد الصفار، والقاضى أبو محمد عبد القادر بوخريص، وناظر الأحباس التاودى بن أحمد المشاط، فقابلهم بغاية الإجلال وغمرهم بنعمه الضافية، وردهم بعد يومين ردا جميلا. ثم إن البربر لما علموا بانبرام الصلح بين أهل فاس والمترجم والواديا والعبيد سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا وصاروا يضربون أخماسا في أسداس، ويبذلون جهدهم وطاقتهم في اتخاذ الحيل في تفريق الكلمة، ولا سيما لما ثبت لديهم أن العبيد صمموا على الحركة لغزوهم، وأخذوا يغرون القبائل على نصرتهم على ذلك ومعاضدتهم، فلم ير البربر حيلة أنفع لهم من المسارعة لشن الغارات والتضييق على العبيد من كل جهة وقطع الميرة عنهم، ومديد السلب والنهب في

стр. 2353

السبل عمومًا والعبيد خصوصا، حتى ضاق بهم المتع فلم ينفعهم إلا الجنوح للسلم ومصالحة البربر، وبعد اتخاذ الوسائط لذلك صرح لهم البربر بأن السلطان هو الآمر لهم بذلك، فلم يرتب العبيد في صدق مقال البربر لما سلف من المترجم مع واعزيز عند تخلفهم عنه حين أمرهم بغزو البربر، وصاروا يدبرون في كيفية يتوصلون بها لإلقاء القبض على صاحب الترجمة والفتك به، فأوعز إليه بذلك بعض عيونه، فنجا بنفسه لدار الدبيبغ وذلك في صفر سنة اثنتين وستين. ثم اتصل الخبر بنجله خليفته بمراكش أبى عبد الله محمد مار الترجمة فكتب للعبيد يعلمهم بصيرورته على بال، مما أضمروا لوالده، ويعدد عليهم إحسانه إليهم ويوعدهم إن لم يرجعوا عما سولت لهم أنفسهم الأمارة، فأجابوه بتنفيذ ذلك الخبر، وأنه لم يكن خطر لهم قط ببال، ورجعوا إلى أنفسهم، وقالوا: إن هذا الخليفة -يعنون محمد بن عبد الله- ذو قوة وبأس شديد، وهو أمامنا، ووالده وراءنا، والبرابر محدقة بنا، فكيف الخلاص؟ فاتفق رأيهم على أن يعيدوا البيعة لصنو المترجم أبى عبد الله ابن عريبة المترجم سابقا فأبى وامتنع، ثم بعثوا لصنوه أبى الحسن على آتى الترجمة وكان يومئذ بسجلماسة مهد ملك سلفه فقابل طلبهم بالرفض، ولما كانت نتيجة سعيهم فيما راموه الخيبة عقدوا صلحا مع البرابر على المبايعة لنجل المترجم أبى عبد الله المذكور، وأقاموا لهم حججا على أنه لا يصلح للملك وتدبير أمور الرعية غيره فأجابوهم لذلك. وفى أوائل ربيع الأول أعلن العبيد والبرابر بنصر أبى عبد الله المذكور بمكناس وزرهون وخطبوا به على المنابر، وأشاعوا ذلك في البوادى والحواضر، ثم جهزوا فئة من أعيانهم وأوفدوها إليه لمراكش لإعلامه بجمع الكلمة على المبايعة له وطلب تعجيل قدومه عليهم، ولما بلغوا إليه وأبلغوه ما جاءوا لأجله قبح فعلهم وعنفهم ثم وصلهم، وقال لهم: ارجعوا عن غيكم فإن بيعة والدى في عنقى وأعناقكم لا يحل خلعها بحال، وألزمهم الرجوع للطاعة والتزم لهم بأن لا

стр. 2354

يلحقهم أدنى سوء من والده، وأنه يسعى في إصلاح ذات البين بينهم وبينه، فرجعوا آيسين من بلوغ مقصدهم، ولم يرجعوا عن غيهم بل تجادوا على الدعاية لسيدى محمد والخطبة به، والمترجم مستعير لذلك كله آذانا صما وعيونا عميا، وولده الخليفة المذكور يرجف فؤاده من ذلك خوفا من أن يظن به والده أنه راض بفعل أولئك الأوغاد الجفاة، وصار يتابع الهدايا ذات البال لوالده استجلابا لمرضاته، وإظهارا لطاعته، ولما تيقن صاحب الترجمة كراهية نجله المذكور لسوء فعل العبيد ورفضه لمطلبهم، رام استجلاب القلوب الشاردة عنه، فصار يفكر في ما يوصله لذلك. ولما كان يوم الخميس تاسع عشرى شعبان العام أمر بإعلان النداء بسوق الخميس وغيره من أسواق فاس، بأن كل من أتى إليه من العبيد لدار ادبيبغ يعطى خمسمائة مثقال، ومن تخلف فلا يلوم إلا نفسه، فتساقطوا على أعتابه زرافات ووحدانا ووفاهم بما وعد به، وأمرهم بالكتب لإخوانهم الذين بمكناس وغيرها من البلاد بالإتيان لحضرته، وأن كل من أتى يقبض القدر المذكور تأليفا لهم وكفا لأذاهم، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا وتمردا وطغيانا، شأن النفوس الخبيثة، ولم يقتصروا في ذلك على أنفسهم، بل أغروا البرابر النازلين بسايس على قتل كل من وجدوه من إخوانهم ذاهبا لفاس، لأنه يعد ناكثا للعهد الذى تعاهدوا عليه، وخارقا لإجماع جموعهم الفاسدة. فأجمع البرابر أمرهم وشركاءهم ودرسوا الحالة هم عليها وحالة العبيد معهم قديما وحديثا، وما جنوه من ثمار ما زرعوه من الفتن، فتمحض لديهم أن العبيد إنما يسعون وراء ما رأوه مصلحة شخصية لهم، ولو أدى الحال إلى تضحية من سواهم، وأن أكد مصالحهم هلاك البربر. واتفق رأيهم على الرجوع لطاعة المترجم وعضدهم في رأيهم الأسد رئيسهم محمد واعزيز، ثم كتبوا للمترجم يطلبون عفوه وأمانه فأجابهم بقبول إنابتهم وعدم

стр. 2355

مؤاخذتهم طبق ما عرف في غالب أحواله، وبأثر ذلك وفد محمد واعزيز مع إخوته، فكرم وفادتهم ووصلهم بعشرة آلاف مثقال، فسروا وابتهجوا ورجعوا لمحالهم شاكرين. وفى آخر رمضان رجعوا لحضور الحفلات العيدية ومشاهدة الطلعة الإمامية، فوصلهم بمثل ما ذكر كما وصل الودايا، وأعطى لأهل فاس خيلا مسومة وجواهر نفيسة وأوانى من الزجاج، وكساهم بفاخر الثياب، قال في الدر المنتخب: تزيد قيمة ما ذكر على عشرة آلاف مثقال بتقويم ذوى العرفان، ولم يحرم من نواله المدرار غير العبيد الذين جبلوا على كفران النعم. وفى هذه السنة جمع رأس عتاة العبيد، وشيطانهم المريد، المسمى زعبول إخوانه الذين بمكناس ونواحيه ونهض بهم لسفيان وبنى مالك، ولما رأى المذكورون ما لا قبل لهم به، فروا إلى العرائش، فاحتوى الزعيم وإخوته على ما خلفه سفيان وبنو مالك من ماشية وغيرها، وفى منقلبهم دخلوا القصر على حين غفلة من أهله، وارتكبوا كل شنيع على عادة الأوغاد السفل، وكان الوقت وقت اشتداد البرد وتهاطل الأمطار فعظم الخطب واشتد المصاب. وفى السنة أيضا قتل المولى الحسن صنو المترجم أولاد أخيه المولى يوسف، وتسبب في خراب دار ابن أخيه مولاى الشريف بن زين العابدين إرضاء لأهل تافيلالت أعدائهم، فدخلوا الدار عنوة وقتلوا أهلها صبرا ظلما وعدوانا. وفيها أيضا هجمت شرذمة من دخيسة وذوى منيع وعرب الصباح وآيت عطا، على تافلالت، فنهبوا الأموال وسبوا النساء والأطفال، وقتلوا عددًا عديدا من أهلها، وسلبوا تجار أهل فاس القاطنين هنالك من أموالهم، وذلك من نتائج ما فعله الحسن المذكور بأبناء أخيه، ولم يزل الحسن ثاثرا بتلك البلاد إلى أن صار الأمر للأمير أبى عبد الله محمد بن عبد الله ونقله لمكناسة وذلك آخر العهد به.

стр. 2356

وفى أوائل جمادى الأولى عام ١١٦٣ ضحى يوم الاثنين قدم من الحضرة المراكشية الخليفة السلطانى أبو عبد الله محمد إلى مكناس، وخيم بأبى زكرياء الصبان، ومن الغد دخل البلد، وزار ضريح جده المولى إسماعيل، وقد وجد العبيد لازالوا على انحرافهم عن والده، متمادين على الخطبة به، فتبرأ من سوء فعلهم وقرعهم أشد التقريع، وأمر بإحضار العلماء والأعيان لديه وقال لهم: هؤلاء العبيد بايعونى وبغوا على والدى السلطان، وإنى أشهدكم أننى أبرأ إلى الله مما أجرموه، فهل ترون لهم مندوحة فيما ارتكبوه، فأجابوه جميعا بأن الخروج على السلطان لا يحل، وأن دم مرتكبه حل. ولما سمع العبيد جواب العلماء ورأوا قوة الخليفة وخافوا شدة بطشه لم يسعهم إلا الرجوع لطاعة المترجم وأنفهم صاغر، وأعلنوا بنصره في الأسواق والأزقة، ولاذوا بالخليفة في الشفاعة لهم لدى والده الإمام والاعتذار له عما اقترفوه، والوساطة لهم في أن لا يحرمهم من نواله، فأجابهم لذلك، وتكفل لهم به. ثم كتب لوالده بشرح الواقع وطلب الإذن له في القدوم بهم لحضرته، وأعلمه بأنه أمنهم بأمانه فيرجو ألا يخفر له فيهم ذمة فلم يرد له والده جوابا عن الكتاب، فأعاد الكتابة ثانية فأذن له في القدوم بهم لحضرته، وواعده بأنهم لا يرون إلا ما يسرهم ويرضيه هو فيهم. وفى يوم الأربعاء الثانى والعشرين من جمادى الأولى هذه قدم الفقيه السيد على بن زيد من عند الفقيه السيد على وهو الباشا بتونس على السلطان المترجم بهدية سنية، يطلب منه عددا من الخيل سماه، ففرح به وأعطاه ستة من إناث الخيل قيمتها ثمانمائة مثقال، وأعطاه خنجرا مرصعا بالياقوت مختلف، الألوان لا تعلم قيمته.

стр. 2357

وفى يوم الأحد الحادى عشر من جمادى الثانية وصل الخليفة سيدى محمد المذكور بمن في معيته من العبيد والجند الذى أتى به من مراكش، وكان نحو أربعة آلاف جندى لحضرة والده بدار دبيبغ، ووجد والده في موكبه وأهل فاس والودايا في استقباله، ولما مثل بين يدى والده ترجل وأدى التحية اللائقة بعلى مقامه، وقدم إليه هدية ثمينة، وقدم العبيد، وطلب لهم عفوه وأمانه، فعفا وأمن، وكان ذلك اليوم من أيام الأفراح المشهودة، وأقام الخليفة مع والده ثلاثة أيام يذاكره في أمور ولايته، وأحوال رعيته. ولما كان صباح يوم الأربعاء ودع والده وطلب رضاه وصالح دعائه، ونهض من دار دبيبغ وخيم برأس الماء بجنوده الجرارة، ومن الغد نهض وخيم بوادى النجا، وفى يوم الجمعة السادس عشر من الشهر دخل الحضرة المكناسية. هكذا في الدر المنتخب، وفى الترجمان وغيره أن والده ودعه من حينه وأمره بالانصراف لمكناس خوفا من اغتيال البربر، فامتثل ولم يبت إلا بوادى النجا، ثم سار لمحل مأموريته، وكان وصله إليه في ثامن عشرى شوال، وتلقاه أهل الهدايا بالرايات والطبول، وأظهروا بقدومه غاية الارتياح، وقدموا لحضرته هدايا ذات بال. وفى العام فشا الوباء وانتشر، ودفن بفاس في يوم واحد ما يزيد على أربعمائة نسمة، واشتد الأمر وحبس المطر، حتى كررت صلاة الاستسقاء ست عشرة مرة. قال ابن إبراهيم: في يوم الجمعة الرابع عشر من صفر خرج الناس للاستسقاء بباب الفتوح فصلوها، وإمامهم خطيب القرويين أبو مدين الفاسى. وفى يوم الأحد أعيدت الصلاة بالمحل والإمام الخطيب المذكور.

стр. 2358

وفى يوم الثلاثاء بعده صليت صلاة الاستسقاء، والإمام خطيب المقام الإدريسى الفقيه، الناسك الشيخ الكبير ابن الغزوانى السرغينى. وفى يوم الخميس بعده خرج الناس لصلاة الاستسقاء، وإمامهم العدل سيدى أحمد الطاهرى الجوطى الحسنى. وفى يوم السبت الموالى أعيدت الصلاة خارج باب الفتوح أيضا، والإمام خطيب القرويين كذلك. وفى يوم الاثنين ثانى ربيع الأول أعيدت الصلاة خارج باب الجيسة بإمامة الخطيب المذكور. وأعيدت أيضا في يوم الخميس بعده بإزاء روضة ابن عباد، والإمام من ذكر. وفى يوم الثلاثاء الموالى له أقيمت داخل باب الفتوح قرب باب الحمراء بإمامة الخطيب المذكور. وفى يوم الأحد خامس عشر ربيع المذكور أعيدت الصلاة بالمحل المذكور وإمامها من ذكر. وبإمامة أيضا أعيدت من الغد بالمحل نفسه. وفى يوم الخميس أعيدت طبق ما ذكر. وكذلك أعيدت من غده. وفى يوم السبت ثامن عشرى الشهر استدعى المترجم لدار دبيبغ وأعطاهم مائة بندقة وست عشرة بندقة وثمانية مثاقيل لكل فرد. وفى يوم الاثنين متم ربيع أعاد الإمام المذكور صلاة الاستسقاء خارج باب الفتوح قرب ضريح الشيخ دراس بن إسماعيل.

стр. 2359

وفى يوم الأربعاء ثانى ربيع الثانى أعاد الإمام المذكور الصلاة بالمحل نفسه. وفى يوم الأحد المتصل الولاء أعاد الإمام المذكور الصلاة بالمحل المعروف بمطرح الأجلة خارج باب الفتوح. وفى يوم الأحد أعيدت الصلاة بعد، ولم ينزل المطر إلا في شهر إبريل آخر العام، ونزلت معه أحجار بلغ وزن بعضها نصف كيلو، ودام ذلك نحو الساعتين، وتكاثرت السيول وفاضت الأودية وتهدمت الدور وقلعت الأشجار، وتعطلت السبل، وارتفعت الأسعار، وبلغ القمح خمس موزونات للصاع النبوي، وأكل الناس الجيف والنبات. وفى محرم فاتح عام أربعة وستين، وجه صاحب مراكش لوالده هدية ثمينة مع بعض الخاصة من أصحابه فتلقاها بيمنى القبول، ودعا له بالرضا والخلف، ووجه له مع الهدية كتابا يستلفت فيه أنظاره للعبيد الذين تشفع فيهم إليه، ويذكره إهمال شفاعته، حيث إنه كان وصل البرابر الذين وفدوا على حضرته لحضور عيد الفطر مع جلالته بصلة قدرها عشرون ألف مثقال، ورد قواد العبيد الذين كانوا معهم صفر اليد، فوصل الودايا بصلة تقدر بعشرة آلاف ريال، والعبيد الذين معه ثلاثة آلاف، وأعطى لمن تشفع فيهم ولده المذكور عشرين ألف ريال رعيا لشفاعة ولده، فطابت نفوس العبيد بذلك. وفى سادسه أعطى أهل فاس مائة وسق بين قمح وشعير كانت أمانة له عندهم، وأمرهم بتوزيعها على الرماة بعد أن عين منها مائة مثقال تعطى لأبى عبد الله محمد الغالى بن عبد الله الشريف الإدريسى، وثلاثين مثقالا للقاضى أبى محمد عبد القادر بوخريص. وفى أوائل ربيع الأول السنة قدم بشدور النصارى على المترجم ومعه من المال والثياب والملف وغيرها مما يناسب ذلك نحو من خمسين قنطارا، بعضها فداء بعض إخوانه، وبعضها هدية للسلطان، قاله ابن إبراهيم.

стр. 2360

وفى أواخر شعبان توفى ولد المترجم المولى أحمد بفاس، وحضر جنازته جميع كتاب أبيه ووزرائه وغيرهم من العامة. وفى عام خمسة وستين اتصل بالمترجم خبر قتل أهل تطاوين لعاملهم الحاج محمد تميم، وبعد ذلك قدموا على أعتابه معتذرين ولعفوه مؤملين، فعفا عنهم ولم يعنفهم، بل قال لهم: أنتم وليتموه وأنتم قتلتموه فاختاروا لأنفسكم من يتولى عليكم، فوقع اختيارهم على أبى عبد الله محمد بن عمر الوقاش، وفى نظرى أن هذا من الفشل وضعف العزيمة المؤديان لا محالة إلى الفساد وقديما قيل: ويقبح وصف الحلم في سمة الفتى ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم وقيل: ووضع الندى في موضع السيف بالعدا ... مضر كموضع السيف في موضع الندى والله يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ... (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]. وفى أوائل ربيع الأولى من العام ورد على الحضرة السلطانية سفير دولة الإصبان بهدية مائة ألف ريال دورو، وتحف ثمينة، وعدد من الملف والحرير والكتان، طالبا فداء أسرائهم الذين بالدولة المغربية، فقبل الهدية وعلق له فكاك الأسارى على فكاك أسارى المسلمين الذين عندهم من غير مال، فكان الأمر كما أراد، ووصل ذكور العبيد وإناثهم بريالين لكل نسمة، وكانوا ألفا ومائتين. وفى منتصف هذا الشهر بعث البربر إلى الودايا الإعلام بنقض ما كان منبرما من العهد بينهما، وفى غده اختطف البربر ماشية أهل فاس، وكان ما نهب لهم من خصوص البقر ينيف على المائة وتناوشوا القتال.

стр. 2361

وفى أوائل جمادى الأولى من العام وفد على الحضرة السلطانية ولد الباشا أحمد بن على الريفى، وشكا إليه بما مسه من الفاقة والاضطرار فرق له وولاه عمالة طنجة وما والاها، ووعده بأنه سيضيف إليه عمالة تطاوين وأعمالها. وفى يوم السبت خامس جمادى الثانية أنعم على العبيد بخمسة آلاف ريال، وعلى الودايا بمثلها. وفى يوم الأربعاء ثالث عشرى الشهر أنعم على أهل فاس بمائتى قفطان وخمسين قفطانا فلبسوها أمامه، ووصلهم بعشرة آلاف ريال. وفى الشهر نفسه ورجب الذى بعده وشعبان انتشر الوباء في الأرض المغربية، ولم يزل أمره في تفاقم إلى منتصف شعبان. وفى أواخر رمضان وفد العبيد على الحضرة السلطانية بقصد حضور العيد مع علىّ جنابه فوصلهم بعشرة آلاف ريال، وقتلوا أبا عبد الله محمد السلوى، والقائد الحسن زعبول استجلابا لرضا المترجم، إذ كانا من أكبر أعدائه وألد خصومه. وفى منتصف شوال وفد على صاحب الترجمة صنوه أبو الحسن على آتى الترجمة، فأكرم وفادته وأعطاه مالا جزيلا وذخائر مهمة، وخيره بين أن يستوطن مكناس أو تافلالت، فاختار مكناس فأقره على استيطانها، ثم تشكى منه العبيد فوجهه لتافلالت. وفى السنة ورد بعض النصارى على الخليفة السلطانى بمراكش يطلب تأمينه والترخيص له في وسق الصوف وغيرها مما يتوقف على وسقه وشراء المرتب على السفن التي تأتى لمرسى آكدير بقصد الاتجار وحمل البضائع، فأجابه إلى ذلك، وأعلم والده بما راج بينهما فأمضاه، فإذا بالنصرانى أتى لآكدير بسفن كثيرة ممتلئة

стр. 2362

بمقومات البناء من جير وآجر وغير ذلك وعدد من العملة بنائين ونجارين وحدادين وغيرهم، يريد بناء قصبة تحول بين مرابطى أكدير والماء الذى يستقون منه، فتفطنوا لذلك، وطيروا الإعلام للخليفة المذكور، فأمر بإلقاء القبض على النصرانى ومن معه، فقبض النصرانى وبعض ممن أتى بهم وفر الباقون في مراكبهم. وفى العام نفسه تفاحش أمر صالح المجاطى وتظاهر بأمور سحرية استهوى بها سخفة العقول من الأوباش وكثير ما هم، وطار صيته بذلك في القطر السوسى وغيره، وطمحت إليه الأنظار، وصارت الدولة منه في خطر، فحذره الخليفة بمراكش وأنذره، ووعظه وذكره، فلم يزده ذلك إلا عتوا وطغيانا، ولما اشتدت شوكته رأى الخليفة أن شوكته لا تنكسر قوة، وإنما يؤخذ باللين والسياسة إذْ رُبّ حيلة، أنفع من قبيلة، فصار يتظاهر له بالتودد وصفاء المحبة ويهاديه ويستشيره في الأمور ويسترشده ويتغافل عما يضمره ويتجاهل، ويحمل استفاض ما يصدر على أحسن المحامل، ويشيع ذلك في الحواضر والبوادى، حتى استفاض وذلك عند الثائر وحمله على الحقيقة ومن يرد الله أن يضله فما له من هاد. ثم إن الخليفة نهض من مراكش لآكدير قاصدا الإيقاع بالثائر المذكور، ويورى بأنه يريد غزو قبيلة مجاورة للثائر المذكور حادت عن الصراط السوى، وذلك بعد أن استشار صالحا المذكور في تأديبها، فأذن له في ذلك وأعطاه تعاليم يتمشى عليها، ولما كان الخليفة على مقربة من آكدير اختار عشرة من الفرسان الصناديد ووجههم أمامه يتجسسون خبر صالح المذكور ويعرفونه بأمره، فاتفق أن وجدوا السوق عامرة خارج آكدير والرجل راكبًا بغلته يتطوف بالسوق ويرتب شئونه فحملوا عليه بخيولهم وألقوا القبض عليه وأوثقوه وساروا به إلى الخليفة، ولما رجعوا إليه بالرجل أسيرا أسرع لداره فدخلها واستولى على جميع ما وجده بها من مال وذخائر وعدة وسلاح وذلك شئ كثير، وأدخل صالحا السجن، ولما طال

стр. 2363

سجنه وجه لأولاده يأمرهم أن يوجهوا له موسى وسط خبزة كيلا يتفطن السجان لها فيحجزها عنه، ولما بلغته ذبح نفسه بها، وقد كان فيما سلف صد السلطان والد الخليفة عن دخول آكدير ورماه بالأنفاض، وبعد أوبة الخليفة من هذه الحركة لمراكش أخذ في إكمال داره بالبديع وغرس جنان رضوان وجنان العافية وغيرهما. وفى عام ستة وستين استقر المترجم بداره دار الدبيبغ، وضعفت قواه عن الحركة، وظهر بالمغرب ثوار: فبالغرب عبد الله السفيانى، وببنى مالك الحبيب المالكى الحمادى، وفى أوائل ربيع الأول استقل أهل فاس بأنفسهم وأخذوا يشترون الخيل وجعلوا يركبونها كل بكرة وعشى، واتفقوا على عقاب من لم يشتر الفرس، واستقل كذلك أهل رباط الفتح بأنفسهم وصاروا يولون عليهم ويعزلون ويقتلون ويسجنون، وثار الودايا وطغوا وسعوا في الأرض الفساد، وأصاب الضعفاء والعجزة من البؤس ما كاد أن يقضى عليهم. وفى هذه السنة ثار البعض من عتاة الرحامنة وراموا نهب مراكش فلم يوافقهم على ذلك أهل الرأى منهم، وخوفوهم عقوبة السلطان، وشدة بطشه، ثم تحين السفهاء منهم فرصة ودخلوا على النساء الحمامات وثارت بسبب ذلك فتنة عظيمة بينهم وبين أهل البلد، وتلفت نفوس، ولما اتصل الخبر بالخليفة السلطانى بارح مراكش للتأهب لكسر شوكة المتمردين خوفا من اتساع الخرق، ونزل بزاوية الشرادى فاهتبل به زعيمها ووجه للرحامنة اللوم والتعنيف والعتاب الأليم، على فعلهم الذميم، وكان لهم فيه اعتقاد قوى ونية صالحة يخشون غضبه ويسعون في مرضاته خوفا من أن يدعو عليهم بما فيه هلاكهم، ولا يشكون في سرعة استجابة دعائه ولا ريب أن ذلك كان من حسن حظ أهل مراكش وسعادة خليفتهم.

стр. 2364

فارتاع الرحامنة وبادروا للخضوع والتوبة والإنابة، ثم استعطف الخليفة في الرجوع لمحل مأموريته وأوصاه بالرحامنة خيرًا لأن التوبة تجب ما قبلها، ﴿إنما التوبة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم﴾، ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾، ومن يومئذ رضخ الرحامنة للطاعة وقابلوا الأوامر السلطانية بالسمع والطاعة وقاموا بذلك أتم قيام. ولما اتصل بالقبائل الحوزية ما أوجب مبارحة الخليفة لمراكش، أرسلوا إليه رسلهم قائلين: إننا قد ساءنا ما صدر بذلك البلد الطيب من أولئك الأوباش، وإننا تحت أوامركم فيما ترون في زجرهم وتأديبهم جزاء عما أجرموا، وردعا لأمثالهم، فمُرْ تُطَعْ فالمال والرقاب، ملك لسمو ذلك الجناب، فشكر حسن عواطفهم وإحساساتهم الجميلة، وعرفهم بتوبتهم النصوح، وحمد الله وأثنى عليه ما خوله من ميل قلوب الرعية إليه، واستيلائه عليها من غير سيف ودم مهراق. وفى السنة أيضا انعقدت الشروط بين المترجم وبين جنس الاصطادوس، وفيها أغار نصارى الجديدة على آزمور، واقتحموا ضريح الشيخ أبى شعيب ليلا وقتلوا به نحو الخمسين من أهل آزمور. وفى عام سبعة وستين ثار أبو عبد الله محمد وعلى بوثقالا الشريف الكثيرى، وكان ذا حيل ودهاء يتظاهر بالصلاح شأن من يريد الوثوب على الملك، ويقيم الأدلة على أنه صاحب الوقت، من ذلك أنه صنع طبولا من نحاس ببلاد تعرنت، ومن دهائه أنه لم يطلع عليه في صنعها أحد ممن يريد استهوائهم وجعلهم في قبضته كالصولجان، ودفن تلك الطبول بالمحل المعروف بماسة من غير أن يعلم بذلك غير خالقه، واختار للدفن موضعا لا يخطر ببال أحد وقوع الحفر به، وقد كان أهل ذلك القبيل يعتقدون أن طبول ذى القرنين مدفونة بتلك الناحية في

стр. 2365

موضع غير معين لا يطلع عليها إلا صاحب الوقت المجدد للدين، وتواتر ذلك الخبر الواهى لديهم وتناقله كذلك جيل بعد جيل وقيدوه في دفاترهم، ولم يكن لأحد منهم في صحة ذلك أدنى شك ولا ريب، وما ذلك عند سخفاء العقول سفهاء الأحلام بمستحيل بل ولا بعيد. وصار هذا الثائر يتحين الفرص لاقتناص الملك والوثوب عليه بالتظاهر بنشر دعاية دينية، إلى أن كانت هيعة الرحامنة المذكورة فاغتنم تلك الفرصة ولم يبق له أدنى شك في أن الحين حان، فأعلن النداء في القبائل السوسية بأنه صاحب الوقت والمجدد الأكبر، وأن علامة صحة دعواه إخراجه طبول ذى القرنين التي هى أكبر علامة عند صغيرهم وكبيرهم على صدق مقاله، فنسل المغفلون إليه من كل حدب وكثير ما هم، واحتف حوله ملأ من الأخلاط عظيم. ولما رأى كثرة جموعه وإقبالهم عليه ذهب بهم إلى الموضع الذى دفن فيه الطبول وحفرها وأخرج الطبول منها، وهم ينظرون فآمنوا به وصدقوا، ورأوا أنهم قد ظفروا بالضالة المنشودة، والمسلمون ميالون للدين بالطبع، ولا سيما من ليس لديه علم يميز به اللجين من اللجين، والغث من السمين، فاعتروا به وتمسكوا بدعوته، وانتشر خبره في الآفاق، وادعى أنه لا يحتاج إلى بارود ولا سلاح، وقويت عصبيته حتى لم يستطع من تبين أمره ولم تجر عليه حيلة من علماء وعقلاء القطر السوسى وغيرهم أن يفوه ضده ببنت شفة، وكثر القيل والقال فيما وراء سوس من القبائل. ولما شاع أمره وذاع ولم ينفع الخليفة السلطانى بمراكش تغافل، أرسل من طرفه بعض خاصته الذين حنكتهم التجارب يختلطون بأتباعه ويتبعون حركاته وسكناته ويأتون إليه بأخباره، فساروا إليه ولازموه ملازمة الظل، واتصلوا ببعض العقلاء المميزين الملازمين له، واتخذوهم أصدقاء إلى أن صاروا يفضون إليهم

стр. 2366

بأسرارهم الخاصة، ودرسوا جميعا حقيقة الرجل المدعى حتى تمحض لديهم أنه أفاك خداع، ماكر يحاول التوصل للملك، ولما قرر أمره للخليفة أصدر أمره لهوارة وهشتوكة أصهاره بقتله وإراحة الأمة من شيطنته ومكره، فنهضوا إليه وقتلوه في خلق عظيم من أتباعه وأنصاره، ولم يكن لديهم بارود ولا سلاح يدافعون به عن أنفسهم اغترارا بقوله، وحزوا رأسه ووجهوا به للخليفة بمراكش، وأراح الله من فتنته البلاد والعباد. وفى أوائل رمضان هجمت على المغرب أسراب جند الجراد المنتشر وأهلك الأشجار، ولم يترك منها سوى الأعواد مجردة من الورق والقشر، أما الزرع فقد وجده تم نضجه فلم يحصل فيه أدنى ضرر. وفيه أخرج أهل فارس من كان بها من العبيد لاتهامهم بإفساد ذات البين بينهم وبين الودايا، ونقل الأخبار إليهم على غير وجهها، فلم يسع العبيد لضعف قوتهم غير مغادرة فاس القديمة، ونزل البعض منهم بالمدينة البيضاء، والبعض الآخر بقصبة شراكة. وفيها كان الزلزال العظيم الذى هد جل بناءات مكناس وزرهون، ومات به بالردم خلائق، وتسمى هذه السنة سنة الثلجية لما تراكم فيها من الثلوج التي لم يتقدم لأحد عهد بمثلها، قال أبو عبد الله الضعيف: في ليلة السبت التاسع من ربيع الثانى نزل عندنا بالرباط بالليل ثلج عظيم ما رأيناه أبداً ولا ذكر لنا أحد من الناس المسنين أنه عقله، ووافق ذلك ليلة الثانى والعشرين من يناير عام أربعة وخمسين وسبعمائة وألف للمسيح. وفى يوم الاثنين سادس ربيع الأول موافق عشرى دجنبر نزل ثلج كثير بفاس دام يوما وليلة، راد في الدر المنتخب: وملأ السطوح كثر من ذراع ورموه بالأزقة، وبقى بها مدة أيام وليال، ثم نزل مرة أخرى في أول يناير الموالى.

стр. 2367

وفى عام ثمانية وستين انكسرت سفينة حملة للحجاج في منقلبها من الديار الحجازية، فيها من المغاربة سكان فاس وغيرها أربعمائة نسمة من جملتهم القائد أحمد الولتيتى الرباطى، وشريفان من أعيان العراقيين سكان فاس، ولم ينج من ركابها غير قليل، وكان ورود هذا الخبر المؤلم لفاس في شعبان. وفى العام نفسه توفى زعيم آيت يدراسن، وركنهم المشيد محمد وعزيز، وأضرمت نيران الفتن بين قبيله وبين جروان، وكانت الكرة على جروان، حتى إنه لم يسعهم إلا الالتجاء إلى المترجم وهو يومئذ ملازم قعر بيته بدار الدبيبغ، ولما ضاق بهم المتسع وعدموا المرعى أخذوا في بيع ماشيتهم بأبخس الأثمان، ثم إن المترجم لما رأى ما حل بهم رق لهم وآخى بينهم وبين أخواله الودايا، وعقد لهم حلفا معهم فقاموا بنصرتهم والدفاع عنهم والأخذ بثأرهم من آيت يدراسن حتى صيروا بلادهم حصيدا كأن لم تغن بالأمس، وقتلوا منهم نحو الخمسمائة ولجأ جلهم إلى بلاد شراكة. ومن آثار احتجاب المترجم ونبذه أمر الرعية وراءه ظهريا وعدم التفاته لكل ما يأتى إليه من أخبار الدولة، اضطراب جل بلاد المغرب وفساد النظام وأكل القوى الضعيف وكثرة الثوار، ولما رأى خليفته بمراكش الرتوق لا تزيد إلا انفتاقا، والسيل قد بلغ الزُّبى، وأن والده لا يجيبه عما يصدر إليه من المكاتب بشرح الوقائع والأحوال، فضلا عن أن يبتدئه بكتاب، جَمَعَ أهلَ الحل والعقد وفاوضهم في الدواء الناجع في جبر ما انصدع، فأشاروا عليه بالمسارعة بالنهوض بنفسه لإخماد ما اتقد من نيران الفتن قبل أن يعم البلاء، ويلتهب اللفح الأبرياء، ولات حين مناص، فجند الجنود، وقوم البنود، وفرق الأموال، واتخذ سائر الاحتياطات اللازمة فيما يأتى وما يذر، ولما كان شوال العام نهض لرباط الفتح.

стр. 2368

ولما بلغ ضواحيه سدوا الأبواب في وجهه، وركبوا الأنفاض وتحالفوا مع رئيس أهل سَلاَ، عبد الحق فنيش على المقاومة والمخالفة والعصيان، ولما رأى ذلك أعرض عنهم وخيم بالدار الحمراء قرب سَلاَ، فتسارع أهلها لفتح الأبواب وخرجوا إليه مع رئيسهم المذكور والصبيان حاملون ألواحهم على رءوسهم متشفعين، وفى العفو والأمان راغبين، قال أبو عبد الله الضعيف: والسيف في فم عبد الحق المذكور وأولاده الصغار أمامه ويده وراءه، فعفا عنهم، زاد ابن الحاج وأكرمهم وأعطى الصلة لصبيانهم. ولما رأى ذلك أهل الرباط حلوا أبوب المدينة وخرجوا إليه مع الفقيه أبى العباس أحمد بن عبد الله الغربى، والشريف أبى إسحاق إبراهيم حفيد أبى محمد التهامى الشريف الوزانى، فألقى عليهم القبض وقيدهم بالحديد وأمرهم لإحضار مستفاد المرسى، فأجابوه بأنهم أنفقوه في بناء سور الثغر، ثم عفا عنهم، ونقل البعض من أعيانهم بأهليهم لمراكش كأبى العباس مرينو الأندلسى، والشيخ أبى عبد الله محمد التونسى الأندلسى، والتهامى مرينو، وولى عليهم القائد العربى المستيرى، إذ كان يعلمه بكل شاذة وفاذة، عن أخبار أهل الرباط قبل التعرف به، ويجعل في إمضاء كتبه خديمك كدية، ولما حل بالرباط وقدم عليه أهلها قال: أين فيكم كدية؟ فخرج إليه فعرفه وولاه. وكان الخليفة الأمير لما سدت في وجهه أبواب الرباط، وجه إليهم صاحبيه الحاج سعيد التامرى الكديرى السرار، والفقيه أبى عبد الله محمد بن زاكور ليؤمنوهم وليأتوا إليه بهم في خفارتهما، فلم يسعهما غير الامتثال وإن تيقنا أن مرسلهم ممتلئ صدره غيظا على أهل الرباط بما صدر منهم وازداد حنقا حيث سدوا الأبواب في وجهه، وأنه إذا ظفر بهم لا يفلتهم. فقال الحاج سعيد: اللهم إن هذا الرجل لا يريد بأهل الرباط خيرًا، اللهم لا تلاقينى بهم ولا معه، وكان رجلا

стр. 2369

صالحا فاستجاب الله دعاءه، وانقلب القارب الذى ركبا فيه وغرقا رحمهما الله تعالى. وقد وجد الخليفة أهل سَلاَ، يصنعون سفينة لأنفسهم رئيسها أبو عبد الله محمد عواد السلوى، فأخذها وسفينة أخرى رئيسها أبو عبد الله محمد عواد يدعى قنديل السلوى فأخذها أيضا كما أخذ السفينة التي كانت، شركة بين أهل العدوتين سَلاَ والرباط، المصنوعة من خشب جامع حسان المسماة لديهم بالكركجيا. قال الضعيف: وهى أول سفينة طلعت قبل هذه السفن، كانوا يتسببون فيها، وكذلك أخذ سفينة كان صنعها عامله على الرباط العربى المذكور، والذى في تاريخ ابن الحاج أنه لم يأخذ غير السفينة المشتركة وأبقى الغير لأربابه، وما في الضعيف أصح في نظرى. هذا ولما صفا للخليفة أمر العدوتين سكن الرعب قلوب من سواهم، فرتب العمال على القبائل، ووجه لمدينة شفشاون القائد العياشى عامل رودانة سابقا، ولكنه لما وصل إليهم صدوه وأغلقوا الأبواب في وجهه وحاصروه، وولى الباشا مسرورًا على القصر، وأصدر الأمر للقائد عبد الله السفيانى بترحيل عمه المولى المستضئ مار الترجمة من أصيلا، ثم رجع لمراكش منصرم العام. وفى هذه السنة كتب والى طرابلس الغرب العثمانى رسالة للمترجم في شأن السكة المغشوشة والحياك المدخولة التي كان يحملها الحجاج المغاربة معهم بقصد التجارة فيها في طريقهم للحجاز، وكانت السكة قد فسدت منذ استقل القائد قاسم ابن الأشهب بالتصرف في دار الضرب بفاس، فإنه نحس دينار الذهب والموزونات وبالغ في تنحيس الموزونات غاية مقصده، فكان في الموزونات عشر فلوس من نحاس وأربعة عشرة فلسا من فضة من غير علم السلطان.

стр. 2370

كما أن حالة مناسج الطرازين قد صارت سيئة لما تولى الحسبة الفقيه السيد الطيب الريحانى، وكان المحتسب في فاس هو الذى يلى البحث في مناسج الطرازين والحرارين ويمنع من يحدث دخولا أو فراغا في المنسج أو نقصا في الحائك، فلما ولى الريحانى غفل عن البحث في ذلك، فأحدث الحرارون الفراغ في المناسج وجعلوا مكان الكثيرة النشا من الدقيق. وأحدث الطرازون الدخول في المناسج، وجعلوا يصنعون الذراعين الذين يليان الطرفين معقودين ومن أنفاس القيام حلاوة وبياضا ورطوبة ويزدون حال النسج على الطرفين لتمكن الصحة فيها، ويجعلون وسط الثوب فارغا والسدا خشينا أحرش أسود، فإذا نسج الحايك تجد طرفه في غاية الحسن حلاوة وصحة ورطوبة وبياضا ووسطه مثل الشبكة. وكان الحجاج يشترون تلك الثياب ويبيعونها في طرقهم إلى طرابلس وفى أعمالها، ويحملون الدراهم والدنانير ويشترون بها ما يتقوتون به في الطريق، فظهر النحاس في طرابلس في الدنانير والدراهم العام بعد العام، وصارت الثياب تتقطع من وسطها فشكا عامة الناس ما نزل بهم إلى التركى والى طرابلس وأعمالها فأراد القبض على الحجاج، فكلمه في ذلك بعض فقهاء طرابلس وقال له: الحجاج لم يصنعوا الثياب بأيديهم، وإنما اشتروها ممن صنعها والدراهم والدنانير المتنحسة ليس هم الذين ضربوها، وإنما قبضوها في أمتعتهم، فأعلم سلطانهم بذلك، فترك الحجاج وكتب رسالة تضمنت خبر ذلك إلى صاحب الترجمة. ولما دفع له شيخ الركب الرسالة التي وجه له بها صاحب طرابلس وأعمالها بما وقع للحجاج بطرابلس، قرأ الرسالة وبعث بها إلى أهل مدينة فاس، فاجتمع أهل فاس وقرءوها وقص عليهم الخبر الحجاج، فقال لهم بعض من له الرأى من

стр. 2371

الفقهاء: هذا منكر متفق على تحريمه يجب تغييره، وقد ذم الله أمة كانوا لا يتناهون عن المنكر فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ... (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]. فاتفق رأى أهل الدين والخير على تغيير ذلك وعينوا من يقوم به، فأمروا الأندلسيين أن يقطعوا مناسج النيارين المدخولة، لأن سوق النيارين في جهة الأندلس ويقطعون ما يجدونه في الطرازات من أسداء مدخولا، لأن أكثر الطرازات في جهة الأندلس، وأمروا اللمطيين بأن يبحثوا في الحوانيت التي تباع فيها الحياك فما وجدوه مدخولا مزقوه، وأن يقبضوا على القائد قاسم بن الأشهب الذى أفسد السكة ويأتوا به ليجرى عليه حكم الشرع. فامتنعت طائفة من اللمطيين من القبض عليه، وتبع أهل فاس في ذلك طائفة منهم، وهم الأندلسيون الساكنون بجهة اللمطيين المحسوبون في عددهم، فقال لهم أعيان أهل فاس: دونكم فلا يهمنكم شأن هؤلاء في رجل واحد لا قبيلة له ولا مال ولا أصول بفاس، يبدل ويغير في سكة السلطان من غير إذنه، فلا ترجعوا عن زجره. أما الأندلسيون فساروا إلى النيارين وقطعوا ما وجدوه بحوانيتهم مدخولا وغير مدخول، وساروا إلى الطرازات فوجدوا أكثرهم قد حملوا سدواتهم من الطرازات، فقطعوا ما وجدوه في الطرازات مدخولا. وأما اللمطيون فأقاموا بذلك الحاج أبا جيدة بن سليمان الأندلسى، والحاج عبد الواحد عاشر من عقب سيدى عبد الواحد صاحب المرشد المعين الأنصارى الأندلسى، لأنهما ممن كان قبض عليهم التركى صاحب طرابلس، فلما كلم في ذلك خلى سبيلهم ومعهم من تبعهم على تغيير ذلك المنكر، فساروا إلى سوق الجوطية الذى يباع فيه الحياك فوجدوا الحوانيت فارغة حملها التجار لدورهم.

стр. 2372

فساروا إلى دار قاسم بن الأشهب ليقبضوا عليه ويأتوا به لتجرى عليه أحكام الشرع فلم يجدوه خارج الدار، فوثبوا عليه في الدار واقتحموها عليه، فملا دخلوا الدار عليه، وأرادوا البحث فيها، فإذا بطائفة أخرى الذين من تعصبوا عليه قد أقبلت ورموا من بالدار بالحجر، فخرج جميع من كان بالدار، وربما نهب بعضهم من حوائج الدار شيئا، ثم اشتد القتال خارج الدار في الشارع بالحجارة حتى افترقوا، واختفى قاسم بن الأشهب أياما إلى أن هدن الهرج وخرج، قاله ابن الحاج. ثم كلف صاحب الترجمة كاتبه الأسمى أبا الحسن عليا اليحمدى بجواب والى طرابلس، فكتب في ذلك رسالة من بديع صنعه، قال في الدر المنتخب: إنها اشتملت على أسلوب من البلاغة في المنثور تسحر الألباب، يعجز عن إدراك ذلك أهل العصر ولولا الإطالة لأوردتها الخ. وفى عام تسعة وستين وقعت زلزلة أعظم من التي كانت في العام قبله، اهتزت بها الأرض وربت وبقيت تضطرب برهة من الزمان، وسمع لها دوى هائل وتغيرت العيون، ووقف الماء في الأودية عن الجرى، وسقطت الدور وتصدعت الجرات العظيمة، وفر الناس من البيوت والأبنية، واتخذوا الأخبية بالضواحى. ثم وقعت زلزلة أخرى بعد هذه بنحو ستة وعشرين يوما فظع من هذه بعد صلاة العشاء، انهدت فيها غالب دور مكناسة الزيتون، وكثير من مساجدها ومنار جامعها الأعظم إلى الأساس، ومسجد القصبة السلطانية، ومات تحت الردم خلق أحصى منه عشرة آلاف، وعلم من لم يشمله الإحصاء عند الله. قال الضعيف نقلا عن تاريخ الحاج المسناوى الرباطى: وفى يوم السبت السادس والعشرين من محرم فاتح العام موافق واحد وعشرين من أكتوبر سنة ألف

стр. 2373

وخمسمائة وخمسة وخمسين وقعت زلزلة عظيمة ودامت نحو أربعة أدراج، وذلك قبل الزوال بثلاثين درجا. وفى العام قدم على المترجم كافة قواد عبيد مكناس، ولما مثلوا بين يديه طلبوا من جلالته النهوض معهم لعاصمة ملك والده ليكون توجهه معهم برهانا على صفاء باطنه عنهم، فأجابهم: كيف أسير معكم وفيكم فلان وفلان أناس سماهم لهم؟ فرجعوا لمحلتهم، ولما جن الليل وثبوا على الأشخاص الذين عين لهم المترجم وقتلوهم، ومن الغد أتوه برءوسهم، منهم: القائد سليمان بن العسرى، فقال لهم الآن طاب العيش ووضعت الفتن أوزارها، وواعدهم بالقدوم عليهم ووصلهم بأربعين ألف مثقال، وأمرهم بالرجوع لمكناس ورجعوا مسرورين، وقد كان قال للعبيد قبل ذلك: والله لا زلت أصيح عليكم فوق كل ثنية وعلى رأس كل ربوة وهضبة كالذيب وأنتم كالغنم لا شغل لى سواكم أنا عبد الله بن إسماعيل إن لم تعرفونى. وفى العام قدم أبو عبد الله الوقاش عامل تطاون على المترجم بهدية تقدر بألف ريال وأثاث ونصارى أسرتهم مراكبه، فأكرم وفادته وأعطاه جاريتين ورده ردًا جميلاً. وفيه حرق الفحص القائد عبد الله السفيانى، قيل بإشارة من صاحب مراكش، أعنى الخليفة السلطانى أبا عبد الله، وذلك عندى يصح لاستبداد السفيانى المذكور عن صاحب الترجمة، فضلا عن خليفته واستقلاله الاستقلال التام بناحيته، حتى إنه كاد أن يدعو لنفسه لما أُوتيه من اشتداد الشوكة، ولم يكن له من ينازعه في تلك الناحية غير الحبيب المالكى، وقد كان المترجم لما ترك الدفاع والمقاومة ولزم قعر بيته، تارة يقول: إذا رفعت إليه مظلمة وقعت في السابلة إنما أنا ثالث الأمراء، فإن غرم الأميران عبد الله السفيانى والحبيب المالكى أغرم معهما

стр. 2374

ثلثى، وتارة يقول، لمن يأتيه من البقية الباقية متمسكة بطاعة السلطان: اذهبوا إلى سيدى وسيدكم، يعنى ولده خليفة مراكش. وفيه نهض الخليفة صاحب مراكش للشاوية لما ظهر فيهم من العتو والاستبداد والعيث في الطرقات، فحص منهم كل شئ، وأتى بالقتل على أركان الفساد منهم، ونظم الباقين في قضب السلاسل ووجه بهم يرتاعون في قيود الهوان ليعتبر بهم غيرهم ممن هو على شاكلتهم، وسار هو إلى أن خيم برباط الفتح فاستقبله أهلها بالترحاب وإظهار الفرح والسرور، وقدموا إليه هدايا ذات بال وأطعمة فاخرة، أما عبد الحق فنيش فإنه أعرض عنه ونأى بجانبه، وأغلق أبواب المدينة دونه، ولما كان الغد نهض وسار ووجهته القصر من غير أن يلتفت لما قابله به عامل سَلاَ، ولا أن يحرك معه ساكنا في ذلك، إذ كان الأهم لديه أمامه. وفى عاشر صفر عام ١١٧٠ أغار البربر على سرح فاس، ونهبوا عددا من بقرهم، كما نهبوا أزواج الحرث. وفى ضحوة يوم الاثنين رابع ربيع الثانى وقع تخاصم وتشاجر بين القاضى أبى محمد عبد القادر بوخريص وبين بعض الأندلسيين حتى همَّ قائدهم محمد الصفار بقتله، ولولا أنه استجار باللمطيين لقتل، وقام هرج ومرج سدت لأجله القرويين، وعطلت صلاة العصر بها. وفى يوم الثلاثاء سادس عشرى الشهر المذكور اتفقت كلمة العامة على هدم سقف البلاط الوسط من القرويين الواقع يسار الثريا الكبرى هنالك واجتمع رأى اللمطيين والأندلسيين وأهل العدوة على حجز حبس المساكين الذى يقبضه الأشراف وغيرهم عمن يستحق وعمن لا يستحق، وبإثر ذلك نجزت فكرة الهدم فعلا.

стр. 2375

وفى يوم الجمعة السادس من جمادى الأولى بعث المترجم لأهل فاس بستة مدافع صغار، فاعترضهم الودايا وأخذوهم، فاجتمع رأى أهل فاس على سد باب محروق فسدوه من الغد الذى هو يوم السبت، وأعلنوا النداء بأنهم مسالمون جميع من يوالى المترجم من سائر القبائل، ومحاربون لكل من يعاديه. وفى يوم الثلاثاء المتصل استقبلهم المترجم واستسمحهم فيما كان صدر منه لهم وأثنى عليهم. وفى منتصف رمضان نهض الخليفة صاحب مراكش من محل مأموريته، يريد النظر في أمر الثغور، وحسم مادة فتن الوقاش عامل تطاوين، الذى رام الوثوب على الملك وقطع دابر الفتان أبى الصخور الأفاك الذى كان يستغوى قبائل الأخماس بما يدعيه لنفسه من الصلاح، ويوهمهم بأنه صاحب الوقت ويحثهم على قتال صاحب مراكش، ومحاصرة سبتة وتأديب أهل شفشاون المحاصرين للقائد العياشى المشار إليه آنفا. ولما وصل بلاد الشاوية قاموا في وجهه وقاتلوه إلى أن انهزم لدكالة، ثم استعد لقتالهم ورجع إليهم بجنود ذات قوة وبأس شديد، وتولى مقاتلتهم بنفسه حتى أباد رءوسهم وبدد جموعهم الفاسدة وأذعنوا وهم صاغرون. وسار إلى مدينة سَلاَ، وأمر بقطع الأعواد من غابة المعمورة وإنشاء السفن، وأصدر أوامره للباشا الزيانى بالوفود عليه بإخوانه العبيد للقصر، وسار إلى أن وصل القصر. ولما خيم به وفد عليه المولى الطيب الشريف الوزانى، ثم وفد عليه الباشا الزيانى في جند العبيد، ولما مثل بين يديه قال له: أنت سلطان العبيد وأنا سلطان الأحرار، وقد كانت بندقة الخليفة بيده فأطلق في الباشا رصاصة صادفته بين عينيه فخر ميتا من حينه، وذلك بوادى امكرول تحت بلد بنى كرفط، وأعطى فرسه وسلاحه لابن زاكور التطوانى، ثم قتل يوسف السلاح، وذلك لتأخيرهما العبيد

стр. 2376

عن القدوم عليه لمراكش، فعند ذلك دخل العبيد رعب فاستجاروا بالمولى الطيب المذكور ووجه لوالده صاحب الترجمة بنحو ألفى مثقال، وولى على العبيد سعيد ابن العياشى. ثم نهض لجبال الأخماس حيث مقام أبى الصخور، فألقى عليه القبض ثم بدا له فقتله وأراح الرعية من فتنته، وكان قتله إياه بسبت رهونة من لكس، ثم صعد لقنة جبل سكنا، ثم سار لشفشاون وقطع أشجارها عقوبة لأهلها على ما ارتكبوه مع العامل المولى عليهم، ثم بعث العياشى المذكور عاملا على القصر مع ولده سعيد. ثم نهض وسار نحو سبتة، ثم ارتحل ونزل بتطاوين فخرج لاستقباله أعيان البلد مع عاملهم الوقاش للتهنئة بسلامة القدوم وقدموا إليه هديتهم طبق المألوف، فطالبهم بمستفاد المرسى الذى ترتب في ذممهم فأجابوه بأنهم كانوا اشتروها من والده بثلاثين قنطارا مسانهة، فنزعها من أيديهم وقال لهم: أنا أولى بشرائها من والدى، ونؤدى له مائة قنطار كل سنة. وألقى القبض على الوقاش ووجه به لمراكش سجينا، بعد أن هدده بالقتل لسيره في عمالته على غير الطريقة المثلى، وولى مكانه عبد الله بن زاكور المذكور، وقيل: عفا عنه فسرحه وأقره، ثم سار إلى طنجة ومنها للعرائش. ثم كتب لوالده يعلمه بما جرى، وأنه حاز المرسى، فأجابه قائلا: هل أنا محجور لك؟ تلك المرسى أتقوت منها، واغتاظ غيظا شديدا حتى قال: اللهم سلط عليه من ذريته من ينزع له ما بيده. وفى يوم الثلاثاء ثالث شوال ذهب أهل فاس إلى صاحب الترجمة ليقدموا إليه مراسم التهنئة بغرة عيد الفطر وفق المألوف، فسر بمقدمهم وأعطاهم أربعة آلاف مثقال صلة.

стр. 2377

وفى آخر شوال رجع صاحب مراكش لمقره محل مأموريته، وذلك بعد تنظيم أمور الدولة وإصلاح ما كان اختل من الشئون. وفى العام وقعت حرب شعواء بين آيت يدراسن وجروان أعان فيها الودايا جروانا حتى انتصروا على آيت يدراسن بوطا النخيلة من سايس. وفى يوم الاثنين موفى واحد وعشرين من ذى القعدة قدم حجاج بيت الله الحرام وفى معيتهم رسول أمير مكة بكسوة البيت العتيق، فسر المترجم بها وابتهج، ووجه بها للضريح الإدريسى، وأكرم الرسول بألف مثقال. وفى صفر كانت منيته على ما سنذكره في محله. هذا ملخص ما ذكره في ترجمة هذا الأمير الزيانى في كتبه، والضعيف في تاريخه، وابن إبراهيم في تقاييده، وصاحب نشر المثانى، وابن الخياط القادرى، وابن الحاج في دره، وصاحبا الاستقصا والجيش العرمرم، مع مزيد تحرير وضبط وإتقان، إذ تضاربت كثيرا أنقالهم واضطربت أقوالهم وتناقض كلام الكثير منهم. هذا ولا ريب أن سنة الله في الدول منذ نشأة العالم جرت بتطورها أطواراً طور الشباب فطور الكهولة فطور الشيخوخة فطور الهرم فالموت. وقد قسم ابن خلدون عمر الدولة أطوارا: ١ - طور الظفر بالبغية والاستيلاء على الملك وانتزاعه من الدولة السابقة. ٢ - استبداد صاحب الدولة الظافرة على قومه وأهل عصبيته والاستيثار بالملك دونهم. ٣ - طور الفراغ والدعة. ٤ - المسالمة والاقتناع بما حصل. ٥ - الإسراف والتبذير وهو آخر الأطوار وينتهى بالانقراض.

стр. 2378

وقد أفاد محررو المباحث السياسية تطرق الضعف إلى الدولة الاستبدادية وهو كثير ينحصر فيما يلى: ١ - التنافر بين الملك وأهله، والسبب في ذلك أن الملك إذا أتاح له الحظ التربع في دست السلطنة أخذته أبهة الملك فيقوم في اعتقاده أذا خلال الكمال، وصفات الجلال، انحصرت فيه، فإذا توهم ذلك في نفسه شق عليه أن يسمع مخالفة من رجال دولته، لا سيما أهله الذين يجور للواحد منهم أن يخلفه في الرياسة، فيزداد مع الزمان حذرا من أهله، وتختلف طرق تصرفه معهم أو معاملته إياهم باختلاف مزاجه ودرجة تعقله وسائر أحواله، لكنه في كل حال يخاف على منصبه منهم. ٢ - الركون إلى الحضارة. يصح هذا على الدولة ذات القوة والمنعة، فلا تلبث أن تتحضر حتى تضعف قوتها، ويذهب ما كان لها من شدة البأس، ويصير أهلها إلى الرخاء والتمتع بالملذات، وهذا الرخاء إنما يصيب الملك ووزراءه ورجال دولته، لأن الأموال في الحكم الاستبدادى تصير إلى هؤلاء، وقد تكون الرعية في أشد الضنك، إلا من التف حول رجال الدولة وارتزق بالتزلف إليهم ومصانعتهم، والقيام بما يحتاجون إليه من أسباب الملاذ. ٣ - اصطناع الجند، الترف والرخاء، يؤثران في رجال الدولة، فتذهب منهم شدة البأس، فيركنون إلى الملاهى والملذات ويقعدون عن الحرب، وبعد أن تكون قيادة الجند في أيديهم، يعهدون بها إلى بعض صنعائهم من أمراء الجيش، وهم يستولون على أعطيتهم من الملك، فلا غنى لهم عن طاعته والأخذ بناصره، فيزداد بذلك الملك ركونا إلى الرخاء، ويزداد ضعفا ويزداد قواده وصنائعه من الجيش نفوذا في الدولة ودالة على الملك، فيطمعون في المناصب الرفيعة، فتصير إليهم الإمارة أو الوزارة أو قيادة الجيش في الحرب، ويصير الحل والعقد في أيدهم،

стр. 2379

يولون الملوك ويعزلونهم أو يقتلونهم أو يحجرون عليهم، كما فعل الترك بالخلفاء العباسيين، والانكشارية بالسلاطين العثمانيين، وجيش العبيد بالسلاطين العلويين. ويظهر الهرم على الدولة إذا تكاثر المصطنعون، واشتغل السلطان ووزراؤه بأنفسهم عن الدولة وفسدت أمورها، ويزيدها فسادا اضطرار الملك ورجاله إلى النفقات الباهظة على أنفسهم في سبيل الملذات، وبناء القصور، واقتناء الجوارى، والاستكثار من أسباب الترف بأى وسيلة كانت. ويكثرون الضرائب فتنتشر المظالم، فتغضب الرعية وينقمون، ويتشاورون فيما بينهم عن فساد الدولة، ويتمنون الخلاص منها، ويترقبون فرصة للخروج من سلطانها. أما الملك فلا يهمه يومئذ غير حفظ نفسه واستبقاء نفوذه، فينفق الأموال في التجسس واصطناع الجند لحمايته، وكثيرا ما تنشب الفتن بين رجال النفوذ أو بينهم، وبين الملك ويتنازع الخاصة -وهم طلاب المناصب- في التقرب من السلطان التماسا للكسب لانحصار المال هناك، ويشتد النزاع على أسباب الرزق، فتكثر الأحزاب ويصبح الأمر فوضى، فيعجز الملك عن تدبيره، وهو عاجز عن ذلك بطبيعة الحال لأنه شب محجورا عليه بين النساء والأطفال، على أن الدولة قد توفق في كهولتها أو شيخوختها إلى ملك مقتدر يريد بها خيرا، لكن لا يستطيع ذلك لتمكن الفساد فيها، وتعويل رجالها على الارتزاق من ذلك الفساد، فيعود سعيه وبالاً عليه، كما أصاب عمر بن عبد العزيز في الدولة الأموية، والمهتدى بالله في الدولة العباسية، والسلطان سليم في الدولة العثمانية ... فإذا اعتبرنا الدولة جسما حيا، كانت هذه الظواهر أمراضا في ذلك الجسم تدل أعراضها عليها، فتكون العلة في الرأس أو الصدر أو الأطراف، فإن كانت في الرأس فهى في الملك من ضعف رأى أو فساد خلق، وإذا كانت في الصدر ففى

стр. 2380

رجال الدولة من طمع وانقسام، وإذا كانت في الأطراف فمن ضعف العمال والولاة أو من جائحة أصيبت بها المملكة. ومعالجة هذه الأمراض أيسر في الحكم الدستورى مما في الاستبدادى، لأن الملوك المستبدين إنما يطلبون النفع الشخصى، فإذا كانت علة الفساد من ضعف أخلاقهم، فإن ذلك الضعف يغريهم على التمسك بالسيادة لو آل أمرها إلى خراب المملكة. أما إذا كان الرأس سليما فيهون عليه معالجة سائر أسباب الضعف، فالدولة الاستبدادية يتوقف موتها وحياتها بالأكثر على الملك خلافا للدولة الدستورية. والفرق بين الحكم الاستبدادى والحكم الدستورى، أن الأول هو الشريعة التي يحكم بها الملك رعاياه، والثانى عبارة عن القوانين التي تقيد الرعايا بها أحكامه وأحكام رجال دولته، وبعبارة أخرى: إن الحكومة أو الدولة قد تكون مؤلفة من رجل أو عدة رجال، وبها ثلاثة أعمال: سن القوانين، والفصل في الخصومة، وما هى نسبة أعضائها بعضهم إلى بعض، ويبين الكيفية التي ينبغى أن تجرى بها الأحكام، فهو قيود للقوة المتسلطة، والإنكليز هم أول من أنشأ مجلس النواب وأعطاه هذه السلطة، ولذلك يقولون في أمثال الإفرنج "إن الإنجليز أم المجالس النيابية" والدستور لا يختص بالحكم الملكى ولكنه يتناول الجمهوريات، بل الجمهوريات أولى أن تقيد بإدارة الشعب، وكل أمة فيها مجالس تنوب بأصواتها عن الشعب كانت حكومة دستورية. ويسوءنى للغاية تغلب الاستبداد على طبيعة ملوك الإسلام، مع علمهم بفائدة التقييد بقوانين الشريعة المتعلقة بالأمور الدينية والدنيوية، التي من أصولها المحفوظة إخراج العبد عن داعية هواه، وحماية حقوق العباد سواء كانوا من أهل الإسلام أو غيرهم، واعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح.

стр. 2381

ومن أهم أصولها وجوب الشورى، ومن الأصول المجمع عليها وجوب تغيير المنكر على كل مسلم بالغ عالم بالمنكرات، ولولا تغيير المنكر ما استقام للبشر ملك -لأن الوازع ضرورى لبقاء النوع الإنسانى ولو ترك ذلك الوازع يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لم تظهر ثمرة وجوب نصبه على الأمة لبقاء الإهمال بحاله- فلا بد للوازع المذكور من وازع له يقف عنده إما شرع سماوى أو قانون معقول، وكل منهما لا يدافع عن حقوقه إن انتهكت -فلذلك وجب على علماء الأمة وأعيان رجالها تغيير المنكرات، فالمغيرون للمنكر في الأمة الإسلامية تنقيهم الملوك كما تتقى ملوك أوربا المجالس وآراء العامة الناشئة عنها وعن حرية الطابع- ومقصود الفريقين واحد، وهو الاحتساب على الدولة لتكون سيرتها مستقيمة. قال ابن خلدون في فصل الإمامة من مقدمته: إن الملك لما كان عبارة عن المجتمع الضرورى للبشر ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار القوة الغضبية المركبة في الإنسان، كانت أحكام صاحبه في الغالب على ما ليس في طوقهم، فتعسر طاعته بذلك، وتجئ العصبية المفضية إلى الهرج والقتل، فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم، وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستقم أمرها ولا يتم استيلاؤها، فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصائرها كانت سياسة عقلية، وإذا كان فرضها من الله تعالى بشرع يقررها كانت سياسة دينية نافعة في الدنيا والآخرة - ... أجل نفعها لا يتم إلا ببقائها محترمة بصونها، والذب عن حوزتها بمثل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: فمن ثم وجب أن نجزم أن مشاركة أهل الحل والعقد للملوك في كليات السياسة مع جعل المسئولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين لها بمقتضى قوانين مضبوطة مراعى فيها حال المملكة، أجلب لخيرها وأحفظ له.

стр. 2382

قال ستورد الإنجليزى في تاريخه: "إن رفعة شأن الأمة الإنكليزية بلغت الغاية في مدة الملك جورج الثالث الذى كان مجنونا وما ذلك إلا بمشاركة أهل الحل والعقد ومسئولية الوزراء لهم" ... فتبين أن المملكة التي لا يكون لها قوانين ضابطة محفوظة برعاية أهل الحل والعقد خيرها وشرها، منحصر في ذات الملك وبحسب اقتداره واستقامته يكون مبلغ نجاحها. قال المؤرخ الشهير تيراس الفرنسى عند ذكره عواقب الاستبداد وأن العمل بالرأى الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف -بعد ما ترجم لنابليون الأول بأوصافه الخاصة وألحقه في السياسة بأفراد الرجال الذين جَادَ بهم الدهرُ في القرون الماضية- إلى أن قال مخاطبا للفرنسيين: تعالوا نمعن النظر في أحوال هذا الملك التي هى في الحقيقة أفعالنا، فيستفيد منها من كان جنديا كيف ينبغى أن تقاد الجيوش، ومن كان من رجال الدولة معروفة كيف ينبغى أن تكون إدارة المملكة وكيف ينبغى أن يرتفع شأنها بدون خروج عن دائرة التواضع والرفق، إذ المعاملة متى لم تكن مصحوبة برفق وقناعة لا تتحمل، وربما يفضى ذلك إلى أسباب الاضمحلال كما أفضت إليها سيرة المذكور الذى هو أقل البشر قناعة، فبالجملة نعتبر بغلطته فنتجنبها ثم نستفيد معاشر أبناء الوطن تربية أخيرة لا يسع نسيانها، وهى أنه لا يسوغ أبدا أن يسلم أمر المملكة لإنسان واحد، بحيث تكون سعادتها وشقاوتها بيده، ولو كان كمل الناس وأرجحهم عقلا وأوسعهم علما .. إن الذى له القدرة بحيث يستطيع أن يفعل كل ما يريد معه داء لا دواء له، وهو الشهوة الداعية لفعل كل مستطاع ولو كان قبيحا، وإذا تقرر هذا فعلى أبناء الوطن أن يتأملوا في سيرة المذكور ويستخرج منها كل فريق ما يناسب خطته

стр. 2383

والأهم أمر واحد وهو أن لا يطلق أمر الوطن لإنسان واحد كائنا من كان وعلى أى حالة كان. وقد ختمت هذا التاريخ المطول المستوعب لأحوال نصرنا وانهزامنا بهذه النصيحة بل الصيحة الصادرة عن صميم فؤادى غير مشوبة برياء راجيا بلوغها إلى قلب كل فرنسى ليتيقن جميعهم أنه لا يليق بهم بذل حرمتهم إلى أحد -كما لا ينبغى لهم الإفراط فيها حتى لا تنتهك حرمتها هـ. وفى حكمة أرسطو أن من الغلط الفادح أن تعود الشريعة بشخص يتصرف بمقتضى إرادته. هذا ومن تأمل هذه الترجمة ودرسها كما يجب تبين له جليا كيف كانت الرعية تعامل المترجم وهو من خيرة ملوك هذه الدولة التي لا يزال شأنها ممتدا ونفوذها مستمرا وظلها وريفا، ولست متنكبا ولا مغضيا إذا قلت -ملكا من خيرة ملوك هذه الدولة- فقد مر بك كيف انزوى وتورع عن الانتصاب لهذا الأمر مدة يبالغ في الإلحاح عليه فيه ويخاطب بكل رغبة من أجله، ثم مرّ بك كيف كان يعطي العطاء الوافر، وكيف يحسن وفادة القادم المطيع، ويحتفى بالنزيل المخلص، وكيف كان يفزع لكل من يتوسم فيه مقدرة للعمل وأصالة في الرأى وقوة في الحق، فيوليه الأمر ويسند إليه النظر ويشركه السلطان. فهل كان فاعلا ذلك ومبالغا في الغضب إذ ينتقم من أجل إخلال بالأمور أو سير للشئون على طريقة غير منتظمة أو غير عادلة، إلا خدمة لمبدأ العدالة المنشود، ورغبة في استتباب الأمن المرغوب، وحبا لنشر ألوية السكينة في كل مكان، وتعميم المساواة والحق بين جميع أفراد الإنسان. فهل كان وهو كما مر بك يأمر بعزل أبناء الروسى واحدًا فآخر مثلا أو آمرًا بولاية أفراد من غيرهم وآخرين من عشيرتهم إلا قاصدًا أن يجد في هذا ما ساء

стр. 2384

الظن به في ذاك، وهل كان يتغير ويستبد ويعمل بصرامة وشدة ما فوقها من شدة ما لم تكن دسيسة تؤثر أو مكيدة تدبر أو مؤامرة تنقل ... إلا إن أمكن أن تفرض له من غاية غير معروفة أو قصد غير مطرد وهذا ألا أراه كما لا يراه الجمهور العاقل من غيرى. لنرجع إلى التاريخ نفسه. فهل له أن يرشدنا إلى وقت سادت فيه السكينة وعم فيه الأمن أو وقف فيه فقط دولاب الحركات والثورات وإيفاد نيران الفتن من زعمائها وأحزابها، ثم نسائله هل كان من صاحب الترجمة أن عمد إلى شئ من استبداد برأى أو سوء صنيع برعية؟ وهل كان إن انتهك حرمة أو أساء صنيعا أو تعمد قتلا وأسرف فيه ما لم يكن قد ضاق صدره واشتعلت أطراف الفتن والمؤامرات من كل ناحية؟ بل هذا ملك البلاد وهو على رأس السلطنة يضطر لتحمل إهانات شنيعة من زعانيف صعاليك بعد تجرع أنواع المضض من سوء السيرة وأنباء الفتن وحوادث الاضطرابات وآفات التفرق، ثم تزوج عليه نساؤه بدون موجب، ويؤخذ منه حريمه غصبا, ثم يوقف موقف السوقة مؤاخذا معاتبا من أنذال لا خلاق لهم كنت لا تجد بينهم لو اطلعت عليهم من لا تفرق بين دماغه وبين أرض البادية الخلاء البلقع محلا وجدبا، ثم ندعوه أمام التاريخ لحسابه على ما فرط، ولمؤاخذته على ما جنت يداه. ومع ذلك فلست أنكر أن كانت للرجل مندوحة في كثير من الأحيان وفى نظائر وأشباه من المناسبات والظروف عن تحمل مسئولية كثير من الوقائع والأخطار، وتجنب غير قليل من الحروب والمشاغبات، فقد كان يمكن أن يفض الكثير منها بحسن السياسة المستعمل في غيرها، وجميل التدبير المتخذ في نظائرها، وبذلك كانت تصان دماء وتحفظ حقوق وتقف اضطرابات عند حد.

стр. 2385

ثم كان ذا نظر ثاقب في الأمور، ومعرفة واسعة بأحوال شعب يتقلب في مجالات ممتدة من الاضطراب وفقدان الثقافة وجمع الكلمة أن يحالف في الأغلب الأكثر من وقائع الدولة وشئون الأمة، ولكن الوقت القليل كان لا ينقضى أحيانا إلا والأمر قد تجدد، والشر قد عاد وبوادر الفتنة قد أمست تجهر بأعلى صوت مولية وجهها نحو مقر لم تغادره إلا من أمد قريب، فما ظنك بمن يئول إليه أمر هذه المسئولية كُلا، ومن يخاطب عن هذه الوقائع طُرّا، فهل كان يجد له من غالبها مخرجا إلا ضربا بشدة، وقمعا بجميع ما أوتيه من صرامة ممكنة؟ لعل مراجع التاريخ المغربى والمتصفح بدقة وإمعان لا شأن للقصور أو الغرض فيه، يرى من ضرورة هذه الأحوال وقضاء الظروف بها ما يخفف من غلواء النقد ويبيض صحيفة من حسن القصد في تاريخ ملكنا المترجم، مهما أملت علينا ترجمته من وقائع كلها محزن، وحوادث كلها أليم. ثم هنالك ما لا يسع التاريخ إهماله أو غض النظر عنه من بحث لأحوال حاشية السلطان ونظر لبطانة الملك، فهل كانت هذه البطانة أو الوزارة التي لا غنى عن صلاحها وإصلاحها موفية بالغرض من وجودها في جوار صاحب الترجمة وإعانته على خدمة أغراض الدولة ومهام الأمة؟ كلّا وألف مرة كلا فقد مر بك متكررا معادا ما كان يحاول من انتقاء المساعد والمعين ومبالغة في اجتناب من لا خير ولا صلاح للرعية فيه وفى ولايته، ثم ما كان يلاقى منهم من جفاء في الطبع ولؤم في العشرة وكفران للنعمة، وجحد للواجب وتصرف شائن خائن، كله أغراض ومطامع ذاتية لا شأن للشرف والذمة وصدق الخدمة فيها. ومتى بربك تصلح حال أُمة أو تصلح أحوال ملك وحاشيته وأعوانه ومعينوه على تدبير الأمور كلهم عابث متمرد أو حقود مستبد أو متصرف لنفسه وغاياته،
следующие страницы →