ومن أهم أصولها وجوب الشورى، ومن الأصول المجمع عليها وجوب تغيير المنكر على كل مسلم بالغ عالم بالمنكرات، ولولا تغيير المنكر ما استقام للبشر ملك -لأن الوازع ضرورى لبقاء النوع الإنسانى ولو ترك ذلك الوازع يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لم تظهر ثمرة وجوب نصبه على الأمة لبقاء الإهمال بحاله- فلا بد للوازع المذكور من وازع له يقف عنده إما شرع سماوى أو قانون معقول، وكل منهما لا يدافع عن حقوقه إن انتهكت -فلذلك وجب على علماء الأمة وأعيان رجالها تغيير المنكرات، فالمغيرون للمنكر في الأمة الإسلامية تنقيهم الملوك كما تتقى ملوك أوربا المجالس وآراء العامة الناشئة عنها وعن حرية الطابع- ومقصود الفريقين واحد، وهو الاحتساب على الدولة لتكون سيرتها مستقيمة.
قال ابن خلدون في فصل الإمامة من مقدمته: إن الملك لما كان عبارة عن المجتمع الضرورى للبشر ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار القوة الغضبية المركبة في الإنسان، كانت أحكام صاحبه في الغالب على ما ليس في طوقهم، فتعسر طاعته بذلك، وتجئ العصبية المفضية إلى الهرج والقتل، فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم، وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستقم أمرها ولا يتم استيلاؤها، فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصائرها كانت سياسة عقلية، وإذا كان فرضها من الله تعالى بشرع يقررها كانت سياسة دينية نافعة في الدنيا والآخرة - ... أجل نفعها لا يتم إلا ببقائها محترمة بصونها، والذب عن حوزتها بمثل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:
فمن ثم وجب أن نجزم أن مشاركة أهل الحل والعقد للملوك في كليات السياسة مع جعل المسئولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين لها بمقتضى قوانين مضبوطة مراعى فيها حال المملكة، أجلب لخيرها وأحفظ له.
стр. 2382
قال ستورد الإنجليزى في تاريخه: "إن رفعة شأن الأمة الإنكليزية بلغت الغاية في مدة الملك جورج الثالث الذى كان مجنونا وما ذلك إلا بمشاركة أهل الحل والعقد ومسئولية الوزراء لهم" ... فتبين أن المملكة التي لا يكون لها قوانين ضابطة محفوظة برعاية أهل الحل والعقد خيرها وشرها، منحصر في ذات الملك وبحسب اقتداره واستقامته يكون مبلغ نجاحها.
قال المؤرخ الشهير تيراس الفرنسى عند ذكره عواقب الاستبداد وأن العمل بالرأى الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف -بعد ما ترجم لنابليون الأول بأوصافه الخاصة وألحقه في السياسة بأفراد الرجال الذين جَادَ بهم الدهرُ في القرون الماضية- إلى أن قال مخاطبا للفرنسيين: تعالوا نمعن النظر في أحوال هذا الملك التي هى في الحقيقة أفعالنا، فيستفيد منها من كان جنديا كيف ينبغى أن تقاد الجيوش، ومن كان من رجال الدولة معروفة كيف ينبغى أن تكون إدارة المملكة وكيف ينبغى أن يرتفع شأنها بدون خروج عن دائرة التواضع والرفق، إذ المعاملة متى لم تكن مصحوبة برفق وقناعة لا تتحمل، وربما يفضى ذلك إلى أسباب الاضمحلال كما أفضت إليها سيرة المذكور الذى هو أقل البشر قناعة، فبالجملة نعتبر بغلطته فنتجنبها ثم نستفيد معاشر أبناء الوطن تربية أخيرة لا يسع نسيانها، وهى أنه لا يسوغ أبدا أن يسلم أمر المملكة لإنسان واحد، بحيث تكون سعادتها وشقاوتها بيده، ولو كان كمل الناس وأرجحهم عقلا وأوسعهم علما ..
إن الذى له القدرة بحيث يستطيع أن يفعل كل ما يريد معه داء لا دواء له، وهو الشهوة الداعية لفعل كل مستطاع ولو كان قبيحا، وإذا تقرر هذا فعلى أبناء الوطن أن يتأملوا في سيرة المذكور ويستخرج منها كل فريق ما يناسب خطته
стр. 2383
والأهم أمر واحد وهو أن لا يطلق أمر الوطن لإنسان واحد كائنا من كان وعلى أى حالة كان.
وقد ختمت هذا التاريخ المطول المستوعب لأحوال نصرنا وانهزامنا بهذه النصيحة بل الصيحة الصادرة عن صميم فؤادى غير مشوبة برياء راجيا بلوغها إلى قلب كل فرنسى ليتيقن جميعهم أنه لا يليق بهم بذل حرمتهم إلى أحد -كما لا ينبغى لهم الإفراط فيها حتى لا تنتهك حرمتها هـ.
وفى حكمة أرسطو أن من الغلط الفادح أن تعود الشريعة بشخص يتصرف بمقتضى إرادته.
هذا ومن تأمل هذه الترجمة ودرسها كما يجب تبين له جليا كيف كانت الرعية تعامل المترجم وهو من خيرة ملوك هذه الدولة التي لا يزال شأنها ممتدا ونفوذها مستمرا وظلها وريفا، ولست متنكبا ولا مغضيا إذا قلت -ملكا من خيرة ملوك هذه الدولة- فقد مر بك كيف انزوى وتورع عن الانتصاب لهذا الأمر مدة يبالغ في الإلحاح عليه فيه ويخاطب بكل رغبة من أجله، ثم مرّ بك كيف كان يعطي العطاء الوافر، وكيف يحسن وفادة القادم المطيع، ويحتفى بالنزيل المخلص، وكيف كان يفزع لكل من يتوسم فيه مقدرة للعمل وأصالة في الرأى وقوة في الحق، فيوليه الأمر ويسند إليه النظر ويشركه السلطان.
فهل كان فاعلا ذلك ومبالغا في الغضب إذ ينتقم من أجل إخلال بالأمور أو سير للشئون على طريقة غير منتظمة أو غير عادلة، إلا خدمة لمبدأ العدالة المنشود، ورغبة في استتباب الأمن المرغوب، وحبا لنشر ألوية السكينة في كل مكان، وتعميم المساواة والحق بين جميع أفراد الإنسان.
فهل كان وهو كما مر بك يأمر بعزل أبناء الروسى واحدًا فآخر مثلا أو آمرًا بولاية أفراد من غيرهم وآخرين من عشيرتهم إلا قاصدًا أن يجد في هذا ما ساء
стр. 2384
الظن به في ذاك، وهل كان يتغير ويستبد ويعمل بصرامة وشدة ما فوقها من شدة ما لم تكن دسيسة تؤثر أو مكيدة تدبر أو مؤامرة تنقل ... إلا إن أمكن أن تفرض له من غاية غير معروفة أو قصد غير مطرد وهذا ألا أراه كما لا يراه الجمهور العاقل من غيرى.
لنرجع إلى التاريخ نفسه. فهل له أن يرشدنا إلى وقت سادت فيه السكينة وعم فيه الأمن أو وقف فيه فقط دولاب الحركات والثورات وإيفاد نيران الفتن من زعمائها وأحزابها، ثم نسائله هل كان من صاحب الترجمة أن عمد إلى شئ من استبداد برأى أو سوء صنيع برعية؟ وهل كان إن انتهك حرمة أو أساء صنيعا أو تعمد قتلا وأسرف فيه ما لم يكن قد ضاق صدره واشتعلت أطراف الفتن والمؤامرات من كل ناحية؟
بل هذا ملك البلاد وهو على رأس السلطنة يضطر لتحمل إهانات شنيعة من زعانيف صعاليك بعد تجرع أنواع المضض من سوء السيرة وأنباء الفتن وحوادث الاضطرابات وآفات التفرق، ثم تزوج عليه نساؤه بدون موجب، ويؤخذ منه حريمه غصبا, ثم يوقف موقف السوقة مؤاخذا معاتبا من أنذال لا خلاق لهم كنت لا تجد بينهم لو اطلعت عليهم من لا تفرق بين دماغه وبين أرض البادية الخلاء البلقع محلا وجدبا، ثم ندعوه أمام التاريخ لحسابه على ما فرط، ولمؤاخذته على ما جنت يداه.
ومع ذلك فلست أنكر أن كانت للرجل مندوحة في كثير من الأحيان وفى نظائر وأشباه من المناسبات والظروف عن تحمل مسئولية كثير من الوقائع والأخطار، وتجنب غير قليل من الحروب والمشاغبات، فقد كان يمكن أن يفض الكثير منها بحسن السياسة المستعمل في غيرها، وجميل التدبير المتخذ في نظائرها، وبذلك كانت تصان دماء وتحفظ حقوق وتقف اضطرابات عند حد.
стр. 2385
ثم كان ذا نظر ثاقب في الأمور، ومعرفة واسعة بأحوال شعب يتقلب في مجالات ممتدة من الاضطراب وفقدان الثقافة وجمع الكلمة أن يحالف في الأغلب الأكثر من وقائع الدولة وشئون الأمة، ولكن الوقت القليل كان لا ينقضى أحيانا إلا والأمر قد تجدد، والشر قد عاد وبوادر الفتنة قد أمست تجهر بأعلى صوت مولية وجهها نحو مقر لم تغادره إلا من أمد قريب، فما ظنك بمن يئول إليه أمر هذه المسئولية كُلا، ومن يخاطب عن هذه الوقائع طُرّا، فهل كان يجد له من غالبها مخرجا إلا ضربا بشدة، وقمعا بجميع ما أوتيه من صرامة ممكنة؟
لعل مراجع التاريخ المغربى والمتصفح بدقة وإمعان لا شأن للقصور أو الغرض فيه، يرى من ضرورة هذه الأحوال وقضاء الظروف بها ما يخفف من غلواء النقد ويبيض صحيفة من حسن القصد في تاريخ ملكنا المترجم، مهما أملت علينا ترجمته من وقائع كلها محزن، وحوادث كلها أليم.
ثم هنالك ما لا يسع التاريخ إهماله أو غض النظر عنه من بحث لأحوال حاشية السلطان ونظر لبطانة الملك، فهل كانت هذه البطانة أو الوزارة التي لا غنى عن صلاحها وإصلاحها موفية بالغرض من وجودها في جوار صاحب الترجمة وإعانته على خدمة أغراض الدولة ومهام الأمة؟
كلّا وألف مرة كلا فقد مر بك متكررا معادا ما كان يحاول من انتقاء المساعد والمعين ومبالغة في اجتناب من لا خير ولا صلاح للرعية فيه وفى ولايته، ثم ما كان يلاقى منهم من جفاء في الطبع ولؤم في العشرة وكفران للنعمة، وجحد للواجب وتصرف شائن خائن، كله أغراض ومطامع ذاتية لا شأن للشرف والذمة وصدق الخدمة فيها.
ومتى بربك تصلح حال أُمة أو تصلح أحوال ملك وحاشيته وأعوانه ومعينوه على تدبير الأمور كلهم عابث متمرد أو حقود مستبد أو متصرف لنفسه وغاياته،
стр. 2386
يحسب الناس منهم صنيعا شريفا أو يرقبون عملا مفيدا، وما هو في ذلك من المعدودين.
فكم كان يكون صلاح الرعية والملك لو استقام المشاور وأخلص الوزير، وكرم عنصر المساعد والمعين، فما إن يولى الولاية كما تقدم في كل موضع أو يمنح الأمر أو يشرك الحكم إلا والعبث مستحكم والاستبداد منتشر، وحبل الأغراض والمطامع ممتد مجالا بعيدا.
ثم ليت شعرى وهذه حال أمة تصادف من متبوعها ما صادفت من صرامة وشدة وطأة وقمع بمختلف وسائل القوة، ثم لا يزيدها الورد إلا عطشا، ولم يكن العلاج لها إلا مثيرا ومحرضا، فهلا كان من الضرورى أن تعامل كما عاملت وتقابل بالنظير مما فعلت؟
وهل يبقى حال شعب هكذا وربك من وقت للنظر في أحوال صلاح أو تمهيد إصلاح فأحرى نظر أحوال خارجية أو أمور تقضى بها ضرورات المدنية، وهذه السبل متقطعة والمواصلات منعدمة، والدماء تسيل، والفتن تتوالى من كل حدب وحبل، إلا من ينصدع من بين أمس الدابر والغد المنتظر.
فلعل التاريخ كان يصارحنا بما يقلل من عظيم مسئولية هذه النكبات والخطوب أن لو كنا لجريانها في وقتها من الحاضرين أو لدراستها بأسبابها ووقائعها المحلية من المستوعبين، وهكذا التاريخ لا يسوغ أن نكتبه أو ننقله، فأحرى أن ننقده ما لم نكن لحوادثه ودقائقه قَلَّت أو جلت من المتعللين، ولأحكامه وشواهده المأثورة من الجالبين.
وما القصد من ذلك إلا خدمة علم التاريخ وإحكام وضع مبانيه على ما تأسس من قواعد محكمة، وأصول مرتبة، وإلا ففيم التاريخ وقد حاد كاتبه عن
стр. 2387
الحق وجانب الصواب أو أغضى عن تحقيق الحقائق وإعلان الواقع، وإن كان يهم أقرب الناس إليه وأكثرهم اتصالا به، والتصاقا بسببه.
وما أشد ما يذكرنى هذا بصنيع ذلك الفريق الجاهل المتورط الذى ظن أن التاريخ وقائع تسرد لإرضاء زيد أو عمرو، وحكايات تنقل لمجرد سواد عيون (بصرى) معجب أو كوفى فخور كلا، فالتاريخ الحكم العدل على الأشياء والأعمال، ومصادر الرجل إن خيرا كانت لهم صحفا بيضاء تبيض وجوههم ووجوه عثرتهم يجب أن يقتفى أثرهم فيها، وإلا فخزيا وسبة تكون لهم ولمن بعدهم ممن قلدهم فيها مثلا في سوء الصنيع وشر الأحدوثة إلى الأبد.
ولقد كان جزاء عدلا أن يلقى المتعنت على التاريخ خسة، وينال حطة، ويصادف ضعة، وإلا فالحقيقة لا تحارب، وقول الواقع لا ينجى من وخزه إلا التنكب عن طريق الضلال، والإنابة إلى المثوبة وحسن الحال.
هذا وقد كانت مدة مقام المترجم بدار دبيبغ عشرة أعوام، وقيل سبعة، وقيل أربعة، قالوا: وقد قتل مدة سلطنته صبرا ما يزيد على سبعين ألف نسمة، قتل منها في يوم واحد خمسمائة وخمسين، قالوا: وقد كان يعطى عطاء من لا يخشى الفقر من النقود الذهبية والفضية والكراع والضياع والأثاث والثياب الفاخرة وغير ذلك مما أشرنا لبعضه.
مشيخته: منهم أبو محمد عبد الله المنجرة، عن والده أبى العلاء إدريس بأسانيده المتصلة في فهرسته.
الآخذون عنه: منهم ولده أبو عبد الله محمد المتبوئ عرش الملك من بعده، أخذ عنه دلائل الخيرات.
стр. 2388
خلفاؤه: بمراكش أبو عبد الله محمد، وبرباط الفتح أبو العباس أحمد ولداه.
حجابه: منهم عبد الوهاب اليمورى.
أطباؤه: منهم أبو اليمن عبد الوهاب أدراق.
عماله: منهم الباشا بوسلهام، وحمدون الروسى، وولده البادسى، وابن المجاطية، وبوعزة مولى الشربيل، ومحمد بن عمر الوقاش على تطاوين، وبوسلهام الغرباوى الحمادى على بنى مالك، ومحمد الحبيب المالكى الحمادى كان على سفيان وبنى مالك والخلط وطليق، وسليمان بن الرغاى، وأحمد بن على الريفي، وأبو عبد الله محمد بن على بن كنتى الزمورى، ومحمد واعزيز على البرابر وكان بينه وبين السلطان محبة ووداد كبير، حتى إن السلطان كان يناديه بياأبت، وعبد الخالق عديل بفاس المتوفى ليلة الأربعاء ثالث عشرى ذى القعدة عام ١١٥٨، وعبد القادر عديل، وعلى بو طيب، وعبد الله بن محمد المعروبى السفيانى على سفيان، والحسن بن صالح الليرينى على فاس الأندلس.
ولما مات في أوائل محرم عام ١١٦٢ ولى مكانه ابن عمه مسعود الليرينى، وقاسم ابن الأشهب، ومحمد الصفار، وأبو العباس أحمد الكعيدى، والباشا قاسم ابن وينون، وعبد المالك بن أبى شقرة، وأبو عبد الله محمد السلوى، وعبد النبى ابن عبد الله الروسى، فكاتبه الطيب بن حلوة فعبد اللطيف بن عبد الخالق الروسى، ومحمد بن على ويشى وعبد الله الحمرى.
стр. 2389
[صورة]
ظهير السلطان مولاى عبد الله بتولية المسطاسى ناظرا عاما
стр. 2390
قضاته: منهم أبو عيسى المهدى مرينو بالرباط، وأبو محمد عبد القادر بن العربى الكاملى بوخريص، وأبو يعقوب يوسف بن أبى عنان، وأبو القاسم العميرى، وعلى بوعنان، وأحمد الشدادى بفاس، والطالب بوعنان، والعميرى، ومحمد بن عبد السلام البيجرى، وعبد الوهاب بن الشيخ بمكناس، وعبد الواحد بوعنان بتازا وفاس.
محتسبوه: منهم بوعزة الزيزى بفاس، ثم محمد الريحاني، ثم عبد النبى المشرف، والطيب الريحانى، ومحمد بن زيان، وعبد العزيز الخلطى، ومحمد بن عبد السلام المحمودى.
نظاره: منهم التاودى المشاط بفاس، ولما توجه للحج أضيفت النظارة للمحتسب الطيب الريحانى، ومنهم السيد بلقاسم المسطاسى أسند إليه النظر في أمور أحباس جميع المدن والبلدان والقرى والمداشر حسبما بهذا الظهير الصادر له في ذلك، ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الشريف:
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز نصره، وخلد في دفاتر المجد أمره وذكره، بيد خديمنا وحبيب أبوابنا الأرضى، الخير الأقرب، السيد بلقاسم المسطاسى ويتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه العميم ونصرته، أننا جددنا له به ما كان عليه من النظارة في أمور الأحباس في جميع الأقطار والمدن والبلدان والقرى والمداشر، وبسطنا له اليد الطولى على جميعهم بحيث لا يقصر عن البحث والتفتيش في الأدنى والأقصى، فإن جل مهماتنا هذا الأمر الأكيد، وجعلناه العوض منا في ذلك، فمن نازعه أو خالفه أو ناوشه فإثمه على رقبته، وإنى بفضل الله تعالى وقوته أقمته هذا المقام، على مر الليالى والأيام، فعليه بتقوى الله ومراقبته، في
стр. 2391
سره وعلانيته، وعليه بمحاسبة النظار وأهل التصرف في هذا الأمر حتى يترك من أراد ويولى من أراد ومنا إليه في التقصير، وعلى الله المعول وهو حسبنا ونعم المولى ونعم النصير، وفى منتصف جمادى الثانية عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف".
آثاره: لم يحفظ عنه من الآثار العلمية فيما أعلم شئ غير ما نسبه إليه نسابة أهل عصره العلامة الثبت المحرر النقاد أبو عبد الله محمد الزكى الشريف العلوى السجلماسى، قال في مؤلفه في الأنساب الموسوم بالشجرة الزكية ما لفظه: صرف همته -يعنى المترجم- في صناعة الملحون كان طوع يديه.
ومن آثاره التي لا زالت قائمة العين بفاس دار ادبيبغ الشهيرة التي كان أسسها واستوطن بها إلى أن وافته منيته، وكان الشروع في بنائها أوائل محرم عام ١١٥٤، ومن بناءاته دويرة باب الريح خارج مكناسة، ومنها تنميق باب منصور العلج، وباب مسجده المعروف بجامع الأنوار.
ما خلفه من الأولاد: لم يعقب غير ولدين وبنت، أما الوالدان فهما: أبو عبد الله محمد خليفته بمراكش، وأبو العباس أحمد خليفته بالرباط المتوفى بفاس في شعبان عام ١١٦٤، وأما البنت فهى السيدة فاطمة ربة الدار.
وفاته: توفى بمرض السل بدار الدبيبغ ليلة الخميس سابع عشرى صفر عام واحد وسبعين ومائة وألف، وتولى غسله قاضيه أبو محمد عبد القادر بوخريص. قال ابن الخياط القادرى، ودخلنا إلى داخل الدار وقرأنا عليه وأخرجناه إلى خارجها، وصلينا عليه بعد صلاة العصر في البراح الذى بخارجها، وإمام الصلاة عليه خطيب جامع الأندلس، وإمامها سيدى محمد بن أحمد ابن الإمام سيدى محمد ابن شيخ الشيوخ سيدى عبد القادر الفاسى.
стр. 2392
بعض ما قيل فيه من المديح: من ذلك قول بعض شعراء دولته حسبما جاء في كناشة الوزير اليحمدى التي كان صاحب الترجمة هو السبب في إحيائها بالنسخ وإبرازها إلى الوجود فهى حسنة من حسناته:
لقد فخر الزمان وكان قدما ... فخورا بالملوك من الفحول
فقلت له وقد أبصرت شمسا ... تضئ على الأباطح والتلول
بدت بسعودها في خير برج ... تدوم ولا تعقب بالأفول
لها مولاى عبد الله نور ... سليل المصطفى وابن البتول
به فافخر وفى مغناه فانظم ... فلا فخر كأبناء الرسول
وقوله:
يمينا بمن حض الملوك على الخير ... وألبسهم ثوب المكارم والفخر
كمولاى عبد الله خير خليفة ... تحلى بتاج الملك، العز والنصر
له همة تعلو على هامة العلا ... وتسمو به فوق السماكين والنسر
فلا زال منصورا عزيزا مؤيدا ... ودامت لنا أيامه لمدى الدهر
وأهدى لمولانا أجل تحية ... يفوق شذاها نسمة العنبر الشحرى
وقوله:
كتاب كريم جاء من خير مالك ... فصغت به تاجا لرأس المئالك
وقمت بأمر الضيف إذ هو واجب ... على كل ذى عقل وجوب المناسك
стр. 2393
وقوله:
وجددت ديوان الكرام محليا ... ظباه بإبريز مذاب السبائك
ولو كان في إنسان عينى زينة ... لحللته منها لأرضى مالكى
فيارب زده رفعة وجلالة ... ليسلك في علياه خير المسالك
وأبق لنا والمسلمين وجوده ... ودافع به عنا جميع المهالك
وصل على المولى النبى محمد ... إمام الهدى المرفوع فوق المسامك
وقول بعضهم:
عليك سلام يا ضياء العوالم ... ويا بهجة الأشراف من آل هاشم
ويا من سما عضبا على كل جاهل ... وأصبح مسرورا به كل عالم
وأصبح ظل الله في الأرض ناظرا ... إلى كل مسكين بمقلة راحم
ويا من كساه الله منه مهابة ... تذل لها رغما أنوف الأعاجم
ويا من له حزم وعزم وسطوة ... تفتت إرهابا قلوب الضراغم
كفاك افتخارا أن عزك ظاهر ... وجودك منسى به جود حاتم
وكون سجاياك التي فاح عرفها ... سجايا الملوك الشم أهل المكارم
لعمرى لقد ألقت إليك زمامها ... ضروب العلا إذ كنت أحزم حازم
فقمت على الملك المشيد ركنه ... تذود لديه بالقنا والصوارم
وأغناك رب الناس عن جمع عسكر ... برأى مصيب للعساكر هازم
стр. 2394
ونفس علت فوق السماكين همة ... وعقل غنى عن هداية عالم
فجئت وسيل الغرب قد بلغ الزُّبى ... وأسواقه معمورة بالجرائم
ونار الشرور في الفجاج تأججت ... فطاب لأهل البغي هتك المحارم
فدوخته من بعد ما استنسرت به ... بغاة وقد طالت رعاة البهائم
فأمنتنا من كل طار وطارق ... وحصنتنا من كل داه وداهم
علائقه السياسية: وقفت له في هذا الباب على معاهدة هذا نصها بلفظها وحروفها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على من لا نبى بعده ثم إمضاؤه (عبد الله كان الله له):
"هذه نسخة شروط الصلح والسبب بين سيدنا نصره الله السلطان الأنجد، الشريف الأسعد، سيدنا ومولانا عبد الله بن مولانا إسماعيل قدس الله روحه في الجنة آمين سلطان مراكش وفاس ومكناسة والغرب، الإصطادوص المعظمين في بلادهم وهم سبعة من قبائل الفلامنك مفاصلين بأمر سيدنا وتفويضه نصره الله والبشادرات فرنصصك ودون اليوزبوطلير بأمر وتفويض الاصطادوص المتاويين المذكورين مع وكيل سيدنا ومولانا نصره الله، وهو خديمه القائد محمد لوكاس، ووكيل الاصطادوص المذكورين افرنصصك بوطلير وأخيه لويز هـ.
الشرط الأول:
انبرم الصلح وتصحيح العهد بين سيدنا ومولانا عبد الله نصره الله وبين الاصطادوص المتأويين من يوم عهد الصلح يكون فيه الأمان التام، يأمن الخائف فيه الجهتين، وكلما وقع من الزمان الفايت من الكرة وغيرها فهو منسى، وهذا الصلح
стр. 2395
دائما إن شاء الله من الجانبين ورعيتهم ومن اليوم لأمام تكون المحبة وعهد دائم بين الجانبين هـ.
الشرط الثانى:
جميع سفن الفلامنك وسفن رعيتهم المعروفين للديوان المذكور سواء كانوا نصارى أو أهل ذمة من الذين تحت أيديهم إن دخلوا مرسة من مراسى طاعة سيدنا ومولانا نصره الله بقصد الترصية خيفة من البحر أو بقصد التجارة لا يتعدى عليهم أحد، ولا يعطون سوى عشر سيدنا ومولانا نصره الله من غير أن يخرق عليهم أحد عادة جديدة، والسلعة التي تبور لهم في البلاد بعد أن كانوا أدوا عشرها إن أرادوا يحملونها ويتراجعون بها حيث شاءوا، بل حيث يظهر لهم برًا وبحرًا، من غير لازم آخر يلزمهم، بوجود سيدنا نصره الله وكمال إحسانه، وكذلك إن ورد مركب من مراكبهم لبلاد من بلدان طاعة سيدنا ومولانا أدامه الله، وكانت عنده سلعة وأراد أن ينزل منها طرفًا في تلك البلاد والباقى يسافر به لغيرها، نطلب من سيدنا أيده الله ألا يعترض أحد لذلك المركب، ولا يكرهه على نزول تلك السلعة في البلاد التي يرضى بها، ولا يعطى إلا عشر السلعة التي نزل في البلاد من غير معارض له في ذلك بوجود سيدنا ومولانا نصره الله، وكل ما كان محسوبا من آلة الحرب كالبارود والعدة واللوح للسفون وما أشبه ذلك، إن جاء به مركب من مراكبهم بمرسة من مراسى سيدنا نصره الله بقصد السبب فلا يلزمهم عليه عشور بوجود مولانا وسيدنا نصره الله هـ.
الشرط الثالث:
أن جميع سفن الفلامنك التي يهيج عليهم البحر أو يفرون من عدوهم، إن دخلوا مرسة من مراسى سيدنا ومولانا نصره الله لا يلزمهم بارود ولا مخطاف ولا غيره مما هو معلوم من لازم المراسى ووظائفها، بفضل سيدنا نصره الله، وكذلك
стр. 2396
مراكب طاعة سيدنا إن وردت على مرسى من مراسى الفلامنك في هذه الحالة المذكورة لا يلزمهم شئ إن شاء الله هـ.
الشرط الرابع:
أن جميع سفن الفلامنك تسافر في البحر من غير أن يتعدى أحد عليهم في مراكبهم في مال ولا سلعة ولا رائس ولا بحرى ولا راكب إن كان معهم من غير الفلامنك، إذا كان تحت سنجق الفلمنك سواء كانت السلعة له أو لغيره بفضل سيدنا نصره الله هـ.
الشرط الخامس:
أن جميع مراكب سيدنا القرصانية وغيرها إن تلاقوا في البحر مع سفاين البزركان وأراد أحدهما أن ينظر بصبرط يبعث إليها رجلين من غير القدافين ينظرون ذلك، ويرجع كل أحد منهم لمركبه من غير تعدى ولا تعارض، ولا يطلع أحد منهم للسفينة إلا من يجيب رائسها، وكيف يورى له كيف هو مبين هذا الشرط يسرحه، وإن سفر مركب من مراكب سيدنا نصره الله القرصانية وغيرها يكون عنده بخط قونصوا الفلمنك المقيم بطاعة سيدنا نصره الله، فإن كان القونصوا غائبا فتجار الفلمنك، وإن لم يحضروا تجار الفلمنك فمن تجار النصارى المقمين بطاعة سيدنا نصره الله، وإن كان عنده ذلك يوريه الرائس ولا يتعدى عليه أحد ويسرحه في الحين والساعة هـ.
الشرط السادس:
لا يتعدى رائس ولا بحرى من أهل طاعة سيدنا نصره الله على سفن الفلمنك، ولا ينزلون منها راكبا من أى جنس كان تحت سنجق الفلمنك ولا يترامى عليه أحد هـ.
стр. 2397
الشرط السابع:
ألا يتعدى أحد على سفاين الفلمنك التي تحرث قرصانا أو زركانا في طاعة سيدنا نصره الله، ولا يأخذ لهم شيئا من السلعة ولا قلوع ولا غير ذلك من سائر حوايج المراكب المعلومة ولا ركابه ولا رائسه بوجود سيدنا نصره الله، ويكونون متع رءوسهم من غير أسر وأهل طاعة سيدنا نصره الله، يأخذون بأيديهم ويعينوهم إن وقع شئ من ذلك ربما تفسد السلعة أو يموت أحد من أهل ذلك المركب، فلا يضيع شئ من متاعه بوجود سيدنا نصره الله، ويدفع ذلك للرائس أو لمن له الأمر يأخذ السلعة ويعطى الأجرة لمن يعينهم، وأهل المركب يتوجهون حيث شاءوا ولا يتعرض لهم أحد هـ.
الشرط الثامن والتاسع:
ألا يأتى أحد من أهل طاعة سيدنا نصره الله ولا من طاعة الفلامنك إلى طاعة أخرى ويعمل سنجاقا غير سنجاقه، ويقرضون على من له صلحا معهم من طاعة سيدنا وطاعة الفلامنك، وكذلك أيضا بشرط الذى هو لعمالة أخرى غير الذى هو صلحا معها، وجميع سفن سيدنا نصره الله القرصانية لا تأتى لطاعة الفلمنك ولا تقرص عليها ولا على نواحيها هـ.
الشرط العاشر:
أن جميع من كان عدوا لطاعة سيدنا ويأخذ غنيمة لا يدخل بها طاعة الفلامنك يبيعها ولا غير ذلك، وكذلك من كان عدوا للفلامنك لا يدخل طاعة سيدنا نصره الله يبيع الغنيمة التي يغنمها للفلامنك، وكذلك إن كان بمرسى من طاعة سيدنا مركب من أعداء الفلامنك وكان مركب من مراكب الفلامنك بتلك المرسة السعيدة لا يتعدى عليه أحد، ولا يقربه بسوء، وإن كان مركب من مواكب
стр. 2398
الفلامنك على سفر من تلك المرسى فلا يترك مركب العدو يسافر إلا بعد سفر الفلامنك باربعين ساعة هـ.
الشرط الحادى عشر:
إذا أخذ الفلامنك سفينة من أعدائه وأعداء سيدنا نصره الله ودخل بها إلى مرسة من طاعته وأراد بيعها فلا يتعرض له أحد ولا ينازعه، وكلما ينزلوا من السلعة بخاطرهم في البر يعطوا ما يلزمها من العشر من غير زيادة، وإن توقفوا على ما يقضونه من الفرشك بسعر السوق لما يأكلونه فلا يلزمهم عليه خارج بوجود سيدنا نصره الله هـ.
الشرط الثانى عشر:
إن ورد مركب من قرصان الفلامنك على مراسى طاعة سيدنا نصره الله فالقونص الفلامنك يعلم به حاكم البلاد ربما يكون عنده أسير فرّ له، وإن دخله الشك وأن الأسير فرّ إلى المركب فيسأل رائس المركب هل هو هناك أم لا، ورائس المركب يقبضه له، وإن لم يكن هناك وقال له رائس المركب ما هو شئ عندى فلا يتعدى أحد على رائس القرصان ولا على القونص ولا على أحد من التجار، وإذا تحقق الخبر على ذلك الأسير وأنه هرب في ذلك المركب من غير علم الرائس وأخفوه عنه البحرية فالقونص يكتب للاصطادوص، ويحكم في الذى أخفاه ورب الأسير يقبض مال اليسير هـ.
الشرط الثالث عشر:
من اليوم الذى انعقد هذا الصلح لا يقع أسر على أحد مر، رعية الفلامنك لا نصارى ولا أهل الذمة ولا على من يكون تحت سنجاقهم، وإذا اتخذ مركب بعد ما عقد الصلح فيرجع ولا يطالبون أهله في فدية ولا في غيرها هـ.
стр. 2399
الشرط الرابع عشر:
إن مات أحد من التجار من رعية الفلامنك وترك سلعة أو متاعا لا يتعدى عليه أحد من عمال سيدنا نصره الله ولا يأخذ من ذلك شيئا إلا إذا أوصى الهالك عليها أحدا، تبقى في يده سواء كان وراثه أو شريكه أو وكيله، فإن كان حاضرًا بقت بيده، وإن كان غائبا ولم يحضر أو توفى القونص الفلامنك يأخذ ذلك، ويدفعها لربابه، وإن لم يكن القونص حاضرا فتجار الفلامنك المقيمين في البلاد يحزونها ويبعثونها لأربابها من غير معارض لهم في ذلك بوجود سيدنا نصره الله هـ.
الشرط الخامس عشر:
تجار الفلامنك المقيمين بطاعة سيدنا نصره الله من النصارى الفلامنك أو من أهل الذمة إذا جاءوا بسلعة لا يعطون عشرها إلا منها، وكذلك حاكم البلاد إن كانت بيدها سلعة لا يكلفهم يأخذونها منه كرها إلا عن خاطرهم ورضاهم بذلك، وكذلك رياس المراكب لا يحكم عليهم أحد من حكام البلاد يحملوا سلعة في مراكبهم إلى بلاد أخرى إلا إن رضى بذلك الرائس، كذلك حاكم البلاد لا يتقف سفينة ولا رائس ولا بحرى، وقونص الفلامنك وتجارهم لا يقبضهم أحد في دين أحد إلا إذا كانوا ضامنين عليه وكذلك سفينة الفلامنك إذا تعمل زنبطوط لا يتخذ فيه لا قونص ولا تجار، وإنما القونص يكتب للاصطادوص بش يفتشوا عليها هـ.
الشرط السادس عشر:
وكذلك النصارى الفلامنك وأهل الذمة منهم إن وقعت بينهم دعوى أو خصام أو موت أو جرح، فالقونص الفلامنك الذى في يده تولية الاصطادوص يحكم بينهم هـ.
стр. 2400
الشرط السابع عشر:
إن كان المسلم خصم مع نصرانى فحاكم البلاد مع القونص يفاصلهم، وإن وقع أمر من نصارى الفلامنك جرحوا المسلم يرفع أمرهم لسيدنا نصره الله، وهو يحكم فيهم، وإن هرب صاحب الدعوة لا يقبض فيه أحد من تجار الفلامنك ولا القونص هـ.
الشرط الثامن عشر:
أن ديوان الاصطادوص يبعثون قونص واحدًا أو أكثر لطاعة سيدنا نصره الله للموضع الذى يريدون والقونص المذكور لا يتعدى، عليه أحد في ماله، ويستوصى به خيرا، وكذلك التجار المقيمين بطاعة سيدنا نصره الله وترجمانتهم وسماسرهم يطلعون للمركب الذى يريدون لطاعة سيدنا نصره الله ولا يتعدى أحد عليهم، وكذلك يسافرون في البر للموضع الذى يريدون من طاعة سيدنا نصره الله، وكيف يريدون دفن موتاهم لا يتعرض لهم أحد ولا يمنعهم من صلاتهم المعهودة من دينهم والقونصوات والتجار هم الذين ينظرون من يصلح بهم من السماسر والترجمانات.
الشرط التاسع عشر:
إن وقع شئ مما يوجب نقضى الحكم بحساب ما يقتضيه رأيه الرشيد، أن يعلموا بواجب ذلك، وأن يؤجلوا القونص الذى بطاعة سيدنا نصره الله أجلا مبلغه ستة أشهر، بينما يجمع القونص ماله الذى يكون مفترقا من دين أو معاملة ويرجع لبلاده هو وجميع من يكون من التجار بطاعة سيدنا نصره الله بأمتعتهم وأولادهم وأصحابهم، ولا يتعدى عليهم أحد بوجود سيدنا نصره الله هـ.
стр. 2401
الشرط العشرون:
إن كان أحد من جنس الفلامنك راكبا في مركب أعداء سيدنا نصره الله وظفر بذلك المركب سيدنا نصره الله لا يتعرض أحد لذلك المركب الذى هو من طاعة الفلامنك، سواء كان نصرانيا أو ذميا ولو كان تحت سنجق العدو، ولا يتعرض أحد لسلعته، وكذلك إن كان أحد من طاعة سيدنا نصره الله راكبا في المراكب الذين هم أعداء للفلامنك وظفر به الفلامنك لم يأخذ أحد شيئا لذلك المراكب الذين هو من طاعة سيدنا نصره الله لا سلعة ولا شيئا من متاعه هـ.
الشرط الحادى والعشرون:
إن تبين على أحد أنه نقض الصلح ويسعى في المسائل التي تكون سببا في ذلك وكان نصرانيا يعلمنا به سيدنا نصره الله ويحكم فيه، ترد كل ما أخذ، وكذلك إن فعل ذلك أحد من طاعة سيدنا نصره الله يحكم فيه ويرد كل ما أخذ، ويكون الأجل في ذلك ستة أشهر بينما يحصل الخبر ويأتي الجواب، هـ.
الشرط الثانى والعشرون:
يجعل سيدنا نصره الله علامته المباركة بموافقة على هذا الصلح، ويجعلوا الاصطادوص علامتهم بخط العجم في الوقت الذى يساعدوا الهوى والريح، وهذا الصلح مبدوه من يوم الكتب بعقد صحيح، وأن يأمر سيدنا نصره الله حكام طاعته ويعرفهم بأمر الصلح ويبينوه لهم لئلا يتعدى أحد من كونه لا علم له بأمر هذا الصلح المبارك مع جنس الفلامنك، وأن يكون كل أحد على بصيرة في ذلك، وكذلك يفعلون الاصطادوص في جميع طاعتهم بوجود سيدنا نصره الله والسلام".
стр. 2402
٣٨٩ - عبد الله بن عمر بن هشام الحضرمى الأشبيلى القرطبى المعروف بعبيد.
حاله: فقيه علامة مقرئ نحوى أديب شاعر، جوالة في البلاد، ولد بقرطبة ونشأ بها ثم رحل وجال، ولقى الرجال، ثم قصد المغرب وتصدى للإقراء والتعليم، فأخذ عنه بمراكش ومكناسة، وأقام بتلمسان سبع سنين يقرئ بجامعها، ثم صدر إلى الأندلس فسكن ألْمَريّة، ثم نزل مرسية وخطب بجامعها وأقرأ القرآن ثم انتقل منها بعد خمسين وخمسمائة.
مشيخته: أخذ القراءات عن أبى القاسم بن النخاس، وأبي الحسن عون الله ابن محمد، وأبى جعفر أحمد بن عبد الحق الخزرجى، وأبى بكر بن عياش بن مخارج لقيه بإشبيلية، وسمع الحديث من أبى محمد بن عتاب، وأخذ العربية والأدب عن أبى محمد بن متنان، وسمع بألمرية من أبى القاسم بن ورد، وأبى الحجاج بن يسعون.
مؤلفاته: منها كتاب في قراءة ورش وقالون، قال القضاعى في تكميل الصلة: وقفت عليه، وله كتاب الإيضاح والإفصاح، في اختصار المصباح، وشرح مقصورة ابن دريد.
ولادته: ولد بقرطبة لتسع خلون من ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ولم أقف على تاريخ وفاته.
٣٩٠ - عبد الله بن حماد يعرف بابن زغبوش المكناسى النشأة والدار .
حاله: كان من أهل المعرفة والنباهة، دخل الأندلس، وسكن شاطبة، وخلف على بنت القاضى أبى عبد الله بن سعادة بعد وفاة محمد بن عاشر الفقيه سنة سبع وستين وخمسمائة، وولد له منها ابنه محمد قال الحافظ القضاعى في
стр. 2403
تكملته: ولا أعلم له -يعنى المترجم- رواية بعض خبره عن ابن سالم. قلت: وعبد الله هذا والده هو محمد بن حماد بن رغبوش، وهو الذى امتحنه يدر بن ولجوط في سبعة من قرابته، وكان فقيها خيرًا قرأ بقرطبة وغيرها، وصحب جلة من أهل زمانه حسبما تقدم في ترجمته في المحمدين.
وقد استقضى أمير المؤمنين أبو يعقوب بن عبد المؤمن بن على صاحب الترجمة على مدينة شاطبة وجزيرة شقرون، ومن ذلك الوقت استقر بشرق الأندلس بعض ذريته، ولما أسن رغب في استيطان بلده فأسعفت رغبته فاستوطن داره بتاورا ولم يدخل قط تاجرارت المدينة الآن فيما زعموا أنفة منه لما أصيب به والده وقرابته من المحنة بالذبح التي صدرت لهم من يدر المذكور، وكان إذا أراد لقاء الشيخ محمد بن عبد الله واجاج تلقاه بالبحيرة التي تولى غراستها في ذلك التاريخ، وكان في بلده مكرما وجيها يزوره قضاته وطلبته وأعيانه.
وكان -أعنى صاحب الترجمة- بمدينة فاس يقرأ حين نزلها الموحدون وسنه يومئذ خمس وعشرون سنة، فتشوف في أحد الأيام إلى الإشراف على محلة الموحدين، فخرج من مجلس القراءة وسط النهار وقد انصرف الناس إلى ديارهم والأسوار خالية إلا من حراسها فطلع السور ليطلع منه عليهم، فبينما هو يمشى على السور حدثته نفسه بالهبوط إليهم، فارتاد موضعا خاليا خفيا عن الحرس وربط عمامته في إحدى شرافات السور وتقلد خريطة كتبه وتعلق بالعمامة، وكانت ضعيفة فلما ثقلت انقطعت وسقط في الأرض واعتلت إحدى قدميه، وتسارع إليه الموحدون ورفعوه في درقة ووضعوه بين يدى عبد المؤمن بن على، وأكرمه الموحدون وأحسنوا إليه، وكتب له عبد المؤمن صكًّا بتسويغ ماله ومال أبيه، وأقام معهم يظعن بظعنهم ويقيم بإقامتهم مبرورا لديهم عزيزا عليهم، وكانوا يلحظون من يمت إليهم بسابقة أو هجرة، فلما نزلوا مكناسة ظهر بمحلتهم واتصل ذلك
стр. 2404
بالوالى يدر بن ولجوط، وكان ذلك السبب في قبضه على وانده وامتحانه إياه بالذبح فيمن قبض معه من قرابته، وقد مرت الإشارة للقضية فيما أسلفناه.
وفاته: توفى سنة أربع وتسعين وخمسمائة في سن الثمانين.
٣٩١ - عبد الله بن محمد بن عيسى .
التادلى الأصل، الفاسى الدار، المكناسى الإقبار.
حاله: علامة متفنن، فقيه أديب، شاعر مفلق، حسن الخط جليل القدر، له رسائل وأشعار، مع شجاعة وصرامة عرف بها، تولى قضاء مدينة فاس على عهد أبى يعقوب اللمتونى يوم السبت سادس عشر ذى الحجة سنة تسع وسبعين وخمسمائة، كما تولى قضاء بسطة وغيرها، وكان من أعدل القضاة، واستوطن مكناسة ودخل الأندلس في آخر الدولة اللمتونية، ولقى أبا بكر بن العربى بإشبيلية، وهم بالسماع منه فصده الفقهاء للتباعد الذى كان بينهم، وكان والده أبو عبد الله من حفاظ المذهب المالكى مشاورا بفاس.
مشيخته: روى عن أبى بحر الأسدى، وأبى محمد بن عتاب، وأجازا له وهو آخر من روى عنهما بمغرب العدوة، وصحب القاضى أبا الفضل عياضا، ولقى ابن بشكوال فأجاز له ولم يعول إلا على ابن عتاب، وأبى بحر، ولم يعتمد على غيرهما، وبسببهما أخذ الناس عنه كثيرًا لانفراده بهما أخيرًا، وقيل: إنه صحب أبا بكر بن الصائغ الحكيم بألمرية.
الآخذون عنه: منهم أبو عبد الله بن حوط، وأبو عبد الله الحضرمى، وأبو الحسن بن القطان، وأبو الربيع بن سالم، وأبو الخطاب بن خليل، وأبو عبد الله الأزدى، وأبو الحسن الغافقى في جماعة. قال ابن خليل: وكتب لى بالإجازة من مراكش.
стр. 2405
شعره: من ذلك قوله مخاطبا ابن مضا.
يا غارسا لى ثمار مجد ... سقيتها العذب من زلالك
أخاف من زهرها سقوطا ... إن لم يكن سقيها ببالك
ولادته: ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
وفاته: توفى بمكناسة مغريا عن وطنه سنة سبع وتسعين وخمسمائة عن سن عالية، وقال ابن فرتون توفى قرب الستمائة وقد اختل عقله من الكبر كما في الجذوة.
٣٩٢ - عبد الله بن أبى مدين الحاجب العثمانى .
نسبة لبنى عثمان من زواوة بجاية من البربر، ونزلوا مصمودة الغرب بجبال وزان منها.
حاله: له مشاركة في الفقه، وشعر وسط، بيته بيت فقه وكتابه، وثروة وحجابة، استوطن سلفه قصر كتامة، وهو أول من انتقل منهم من القصر المذكور، رحل إلى مدينة مكناسة واستوطنها، وبرز عدلا في سماط عدولها لمعرفته بالوثائق، وكان يخالط الرؤساء وولاة الأمر، ويقول لأصحابه: لابد لى أن أخدم السلطان، وأدبر الدول ونستولى على الأمر، فخرج يوما من مكناسة إلى نزهة مع جماعة من الفقهاء أصحابه، فلما أخذوا في أطراف الحديث قال لهم على قوله: لا بد أن أدبر الدول، فليشته كل واحد منكم ما يريد ويطلبه منى أعطه إياه، فطلب كل واحد، منهم ما في أمله، فطلب الفقيه ابن زغبوش قضاء بلاده مكناسة فمكنه منها لما مكنه الله تعالى من تدبير الدول، وأعطى لبقية أصحابه ما سألوه منه في النزهة خارج مكناسة قبل اتصاله بالملوك وفاء بالعهد ورعيا لسالف الود:
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
стр. 2406
ثم ارتحل لمدينة فاس واستوطنها، وتعلق بالحاجب الكاتب صاحب العلامة محمد بن محمد الكنانى حاجب يعقوب بن عبد الحق المرينى ورسوله في أسفاره وكاتب علامته، فاختصه الحاجب الكنانى لنفسه يعلم أولاده مع أولاده الوزير عمر ابن الوزير السعود بن خرباش الحشمى، فلما علم أولاد الحاجب الكنانى القرآن وكان من أولاده الفقيه العالم الحافظ ذو الوزارتين أبو المكارم منديل بن الحاجب الكنانى، طلب عبد الله بن أبى مدين من الحاجب المذكور أن يدينه من الخدمة بدار السلطان يعقوب بن عبد الحق، فقدمه يكتب علف الخيل وجعل له على ذلك مرتب تلك الخطة وهو ثلاثون دينارا فضية في كل شهر.
ثم طلب منه بعد ذلك بمدة أن يرقيه، فقدمه يكتب البطائق بحضرة يعقوب ابن عبد الحق فكتبها مدة إلى أن مات الحاجب الكنانى، وولى مكانه أخوه سعيد ابن محمد أبو الطيب، ثم مات أبو الطيب فولى مكانه محمد المدعو حمو بن أبى الطيب، فتخلف وخرج عن خطة الكتابة وأخذ في الفروسية والصيد وضيع الخدمة السلطانية، ولزم ابن أبى مدين القعود في مشور السلطان يكتب الصكوك من أول النهار إلى آخره، فشكر له السلطان ذلك ثم زاحم به السلطان حمو الكنانى، وأطلق يديه على العلامة إلى أن عزله عنها وثبت المترجم فيها -وبقى الكنانى إلى أن أدرك على بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق وقتل في خدمته بالقيروان في عام خمسة وسبعمائة- فامتاز ابن أبى مدين بالعلامة عند يعقوب بعد أن شاركه فيها إدريس المخزومى، ويحيى المليانى، ومحمد العمرانى.
ثم تخلصت له العلامة والحجابة وتدبير الدولة مدة دولة يعقوب، ودولة ولده يوسف, ودولة عامر بن عبد الله بن يوسف، ودولة أخيه أبى الربيع سليمان، وأبو الربيع هو الذى قتله.
стр. 2407
والسبب أن الحاجب خليفة بن إبراهيم ابن رقاصة اليهودى زاحمه في حجابة أبى الربيع، وكان المترجم لا يفصل شيئا إلا عن إذن خليفة ومشورته، ثم إن خليفة ابن رقاصة اليهودى افتعل براءة مزورة ونسبها إلى جارية من جوارى السلطان تعلم فيها المترجم أنها تحبه، وأعطاها له اليهودى معنونة عند انصرافه إلى داره، وأمره أن يجعلها في جيبه، وأن لا يقرأها إلا بعد وصوله لداره ففعل، فعندما جعلها في جيبه قال لأبى الربيع خبرها فامتعض أبو الربيع لذلك، وأمر عنصال قائد النصارى بقتل ابن أبى مدين فقتله عند قبر أبى بكر بن العربى.
ثم فحص أبو الربيع عن الحكاية فوجدها مزورة، وأحضر كاتبها بين يدى السلطان وأخبره أن اليهودى أمره بكتب الرسالة عن إذن الجارية وذلك من غير أن يعلم الكاتب أن الجارية لأبى الربيع، وإنما قال له: إنها من أهل الزنى، وأنها تحب الاجتماع معه، فطلبت من اليهودى أن يكتب لها ذلك الكتاب عن إذنها فطلب اليهودى منه كتب ذلك، فكتبه خوفا من سطوته ومكانته عند الأمير، فأمره الأمير إذ ذاك أن يكتب بيده وهو ينظر ليزداد يقينا ففعل، وقوبل الخط بالخط والأمير ينظر فوجد الخط واحدًا، وتيقن السلطان اختلاق اليهودى وبهته، فاشتد غيظه عليه وعظم النكير عليه، وصعب عليه ما فعل، وندم حيث لا ينفع الندم، وأمر بقتل اليهودى اللعين فقتل من يومه، بعد أن كان هذا اليهودى بلغ في الحجابة غاية يقصر عنها الوصف، أورد ترجمته ابن الأحمر في تأليفه في بيوتات أهل فاس.
الآخذون عنه: منهم ذو الوزارتين الحافظ أبو المكارم منديل الكنانى.
٣٩٣ - عبد الله بن الحسن اللخمى عرف بابن الأصفر .
حاله: وصفه تلميذه الإمام أبو عبد الله محمد بن جابر الغسانى في شرحه على منظومة التلمسانى في الفرائض: بالشيخ الفقيه الأعدل، وذكر عنه أنه توجه إلى السلطان أبى العباس المرينى في طلب حسبة مكناسة، فعسر عليه أمرها فنظم:
стр. 2408
يا باسط الرزق كلَّ السعى والطلب ... وأنت لو شئت هان الأمر والسبب
لكن رجوتك في رزق تيسره ... من حيث لم أحتسب أو حيث أحتسب
شعره: أنشد أبا عبد الله بن جابر الغسانى لنفسه:
يا من لديه مفاتح الأرزاق ... وله المشيئة والدوام الباقى
كثر التفاتى للخلائق شاكيا ... وحقيقة الشكوى إلى الخلاق
فترددى فيما لديك إلى الورى ... عجز وقد عجزوا على الإطلاق
لكن بسطت رجائى بسط مؤمل ... متوسل لك باسمك الرزاق
في عطفة الملك المؤيد أحمد ... ذى الخلقة الحسنى وذى الأخلاق
٣٩٤ - عبد الله بن حمد -بفتح الحاء والميم من غير ألف - من بيت بنى حمد، أحد بيوتات فاس الشهيرة.
حاله: فقيه عالم عامل صالح، ولى كامل فالح، متواضع حسن الخلق، متبرك به حيا وميتا، آية الله في الزهد والورع والعبادة واتباع السنة، له مناقب كثيرة، وكرامات ظاهرة شهيرة، ارتحل من فاس للشرق، ولقى خيار المشايخ، فأشار عليه بعضهم باستيطان مكناسة.
قال العلامة الحافظ سيدى العربى بن يوسف الفاسى في تقييده في العقوبة بالمال: وقد سمعنا مشايخ فاس يحكون عمن قبلهم أن الشيخ العالم الولى سيدى عبد الله بن حمد دفين خارج مكناسة الزيتون، سار بركب إلى الحج والتزموا التزاما يأخذونه ممن يغتاب منهم أحدًا، فجمعوا من ذلك مالًا وافرًا واجتازوا بتونس، فسألوا الشيخ ابن عرفة عن ذلك فأفتاهم بأكله هـ، أى لأن ذلك ليس من
стр. 2409
باب الإلزام وإنما هو من باب الالتزام، التي يقال فيها ادخلوها بسلام، وفيما جمعه أبو زيد الفاسى من تقرير والده على البخارى بعد كلام: وليس منه ما وقع لأصحاب الشيخ سيدى عبد الله بن حمد حين توجههم إلى المشرق، وأنهم تعاقدوا أن من لم يحضر الجماعة فعليه كذا، ومن اغتاب أحدًا فعليه كذا حتى جمعوا من ذلك مالًا كثيرا فتوقفوا فيه، فلما مرَّوا بابن عرفة أجار ذلك لأن هذا بموافقتهم هـ.
وكان المترجم مجاب الدعوة، وكان وزير وقته يعظمه جدا ويقضى له حوائج الناس حتى أفسد بعضهم نية الوزير فيه، فصار لا يقضى له حاجة فبحث عن سببه فذكر له خبر الرجل، فقال الشيخ منجلى في منجله على كلام العامة ثم قال: اللهم خذه من حيث اطمأن، ثم قدر الله أن ذكر له الوزير شيئا من سر السلطان وخاف أن ينمه عليه فأمر بذبحه فجأة.
ومن مآثره الخالدة التالدة أحباسه الوافرة على الضعفاء والغرباء والمنقطعين وذوى العاهات، التي لا زالت تجرى عليهم من محصولاتها الجرايات مياومة ومسانهة.
وقد ترجم هذا الشيخ الإمام صاحب درة الحجال، وجذوة الاقتباس، والسودانى في الديباج وكفاية المحتاج، والإمام ابن غازى في روضه وفهرسته، والحافظ أبو زيد الفاسى في بيوتات فاس، وغير هؤلاء.
قال أبو زيد الفاسى: إنهم من فريق من البربر وإنهم بيت علم وثروة هـ.
وقال في الروض الهتون: له بيت حسب بفاس، كان ارتحل منها للمشرق (١) ولقى الأخيار من المشايخ (٢) هـ.
стр. 2410
ويوجد في لوح خشب منقوش ملصق بجدار من جدرات قبة ضريح صاحب الترجمة ما لفظه بعد البسملة: هذا ضريح العارف بالله الولى الأشهر سيدى ومولاى عبد الله بن حَمَد الشريف الحسنى، نفعنا الله به، ثم ذكر سنده الآتى في مشيخته.
قلت: ولعل معتمد شيخنا أبى عبد الله محمد بن جعفر الكتانى في سلوته في الجزم بكون المترجم شريفا حسنيا، هو ما في ذلك اللوح، وهو ليس بشئ، كيف وقد ترجمة غير واحد من المحققين النسابين ولم يشر واحد منهم لكونه حسنيا، بل وقع التصريح ممن يعتمد ويرجع لقوله بأن بيت بنى حمد الشهير بفاس الذى هو منه بربر، ومن نمط ما في اللوح المشار له ما صرح به العارف الكامل الشريف المولى عبد القادر العلمى في بعض أزجاله الملحونة فلا تغترر به، ومعلوم أن كل فن يرجع فيه لأهله، ورب البيت أدرى بما فيه، والشرف لا يثبت شرعا بطريق الكشف.
مشيخته: أخذ عن سيدى على وفا، عن والده سيدى محمد، عن سيدى داود الباخلى، عن سيدى أحمد بن عطاء الله عن أبى العباس المرسى، عن أبى الحسن الشاذلى، عن مولاى عبد السلام بن مشيش، عن سيدى عبد الرحمن المدنى، والشيخ تقى الدين الفقير، عن الشيخ فخر الدين، عن الشيخ شمس الدين محمد، عن الشيخ زين الدين محمد العروسى، عن الشيخ أبى إسحاق إبراهيم البصرى، عن الشيخ أبى القاسم أحمد المروانى، عن الشيخ أبى محمد سعيد، عن الشيخ سعد، عن الشيخ فتح السعود، عن الشيخ سعيد الغزوانى، عن جابر بن عبد الله الصحابى، عن سيدنا ومولانا الحسن، عن جده سيد المرسلين ﷺ ، هكذا هذا السند في اللوح المشار له.
الآخذون عنه: منهم: الإمام القَوْرى، وابن الفتوح دفين روضته المترجم فيما مر، وأبو زيد القرمونى وجماعة.
стр. 2411
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة على ما في الجذوة والدرة واللوح المشار له في جدار ضريحه، وقال الونشريسى في وفياته: عام واحد وثلاثين هـ، وإلى الرمز لوفاته أشار صاحب الإعلام بلفظ أظلا من قوله.
موت الرضا ابن حمد أظلا ... به الشجا علينا في (أظلا)
وضريحه مزارة شهيرة مقصودة للتبرك، مجربة لإجابة الدعاء خارج باب البرادعيين أحد أبواب الحضرة المكناسية.
٣٩٥ - عبد الله بن العريف .
حاله: فقيه عالم، عدل رضى، كان مجتهدا في طلب العلم، ورحل لفاس وأخذ عن الأستاذ أبى زيد الجادرى مقصورة شيخه أبى زيد المكودى شارح ألفية ابن مالك في النحو المتوفى بفاس عام واحد وثمانمائة، وموضوع هذه المقصورة مدح الجناب النبوى، وقد نكت ناظمها فيها على حازم وابن دريد حيث أخليا مقصورتيهما من مدح المصطفى ﷺ ، الذى هو كنز كل ربح وغنى، وتحتوى هذه المقصورة على مائتى بيت نثنية وأربع وتسعين بيتا مطلعها:
أرقنى بارق نجد إذ سرى ... يومض ما بين فرادى وثنى
أهبنى إذ هب منه موهنا ... ما سد ما بين الثريا والثرى
فيا له من بارق ذكرنى ... من الهوى ما كنت عنه في غنى
أثار شوقا كان منى كامنا ... بين ضلوع طال ما بها ثوى
فكان قلبى المجتوى إذ هاجه ... كالزند إذ أوراه مور فورى
وسح سحب مقلتى فما بقى ... نوع من الدمع بها إلا همى
ما كنت أدرى قبل أن أنفدته ... أن البكا يمنعني من البكا
стр. 2412
إلى أن قال:
مقصورة لكنها مقصورة ... على امتداح المصطفى خير الورى
ما شبتها بمدح خلق غيره ... لرتبة أحظى بها ولا جرى
فاقت علاء كل ذى مقصورة ... وإن هم نالوا الأيادى واللهى
فحازم قد عد غير حازم ... وابن دريد لم يفده ما درى
وروى عنه وعن غيره غيرها، وظهرت نجابته، إلا أنه اخترمته المنية في صغره كما اتفق لمعاصره أبى الفضل ابن المجراد بمدينة سلا، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
ذكره ابن غازى في روضه من جملة علماء حاضرتنا المكناسية وفضلائها قال: ولم أدرك هذا الفاضل، وقد كانت بيننا وبين نجله القاضي الأرضى الأعدل أبى عبد الله محبة ومؤاخاة، وكان له حسن عهد ما رأيته لغيره ﵀ هـ.
مشيخته: أخذ عن الإمام المحدث الميقاتى أبى زيد عبد الرحمن بن مخلوف الجاردى المولود سنة ست أو سبع وسبعين وسبعمائة المتوفى بفاس سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وقيل سنة نيف وأربعين، وقيل تسع وثلاثين والله أعلم، وأخذ عن غيره من شيوخ فاس ومكناس وقد غابت عنى وفاته حال الكتابة.
٣٩٦ - عبد الله بن محمد بن موسى بن محمد بن معطى العبدوسى -بفتح العين وضمها- الفاسى المكناسى .
قال صاحب التعلل برسوم الإسناد: فهو -أى المترجم- مخضرم فاسى مكناسى.
стр. 2413
حاله: إمام فقيه، عالم صالح، محدث حافظ بارع، كامل المشاركة، شيخ لجماعة الفقهاء والصوفية، انتفع به خلق في العلمين، وأمات كثيرا من البدع، وبذل النصح للأمة، وأقام الحدود والحقوق، أكثر علمه فقه الحديث، حفظ مختصر مسلم للقرطبى في كل خميس خمسة أحاديث، كان أبوه يعطيه عليها درهما، وكان يشترط العزل في النكاح فرارًا من الولد لفساد الزمان، وكان لا يفارق كمه الشمائل، وكان يعمل الخوص ويعطيه رجلا لا يعرف أنها له يبيعها ليتقوت بثمنها في رمضان، وكان لا يدخر شيئا حتى إنه لما توفى لم يوجد عنده في تركته غير برنس ودراعتين، وحسبوا ما كان يدخل عليه مع ما كان ينفقه فوجدوه أكثر من مدخوله.
ولى الفتيا بالديار المغربية، وانتهت إليه الرياسة فيها، نقل الونشريسى في معياره جملة صالحة من فتاويه، وتولى في آخر أمره خطابة جامع القرويين بفاس، ومناقبه كثيرة، قال في نيل الابتهاج: جمع فيها بعض أصحابنا تأليفا ذكر فيه كثيرًا. هـ. وكان راسخ القدم، آية في الحفظ، قطبا في السخاء، إماما في نصح الأمة محبا في الصالحين، معظما آل البيت. قال في الدر النفيس: وكان يعظم الإمام إدريس بن إدريس ويزوره، وهو الذى أمر بكتب ما على المشهد الذى على قبره والثناء على شرفه.
مشيخته: أخذ عن والده ومن في طبقته من فطاحل شيوخ وقته.
الآخذون عنه: منهم ابن آملال، والقَوْرى، وأبو محمد الورياجلى، وخلق.
مؤلفاته: منها الفتاوى المشار لها إلا أنه لم يجمعها في ديوان، ونظم في شهادة السماع.
وفاته: توفى فجأة وهو في صلاة المغرب في جمادى الثانية، وقيل ذى
стр. 2414
القعدة سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ورمز لوفاته صاحب الإعلام بحروف لفظ خرطم من قوله:
موت الرضا العبدوسى عبد الله ... في (خرطم) الممات كل ساه
٣٩٧ - عبد الله بن محمد اليَفَرْنى .
الشهير بالمكناسى -نسبة لمكناسة الزيتون- كما صرح بذلك ابن غازى في الروض في فريق المترجم قائلا: ولها ينسبون.
حاله: فقيه علامة، فرضى جليل حيسوبى، كان قائما على كتاب الحوفى.
وفاته: توفى بمدينة فاس سنة ست وخمسين وثمانمائة.
٣٩٨ - عبد الله الخياط .
دفين جبل زَرْهُون، الولى الشهير ابن إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم، ينتهى نسبه على ما في جواهر السماط وغيره، إلى العارف الشهير سيدى أحمد الرفاعى الشريف الحسنى.
حاله: فقيه علامة، مدرس نفاع، كثير الاتباع للسنة وحضور مجالس العلم والحض على التعليم، من كبار مشايخ الصوفية المربين الصادقين، الذين نفع الله بهم، كان له أحوال سنية، وأفعال سنية، وشعائر مرضية، ظاهر الاستقامة على سنن السلف الصالح وهديهم، يدل على الله بحاله ومقاله، أظهر الله على يده كرامات دالة على صحة ولايته، وصفاء طويته، وتنوير سريرته.
وكانت له زاوية عظيمة لإطعام الطعام لم يكن لأحد مثلها في عصره، وكان موئلا لأهل العلم والدين، وموردا للضعفاء والمساكين، وكان يربى أصحابه كما
стр. 2415
يربى المعلم الصبيان، ويحضهم على الصلاة في وقتها، عالى الهمة، ممتع المجالسة، طيب المؤانسة، كامل العقل، سديد الرأى، جميل المعاشرة، ينزل الناس على قدر منازلهم، مراعيا للصحبة حق المراعاة وأكملها.
دخل مكناسة الزيتون في سن الاحتلام مع ابن خالته سيدى عمر الخطاب دفين جبل زرهون، وكان يقرأ القرآن معه بها في مكتب واحد على مؤدب واحد، ثم دخل لفاس، ولقى علماءها، ثم خرج للسياحة فلقى كثيرا من المشايخ، ثم ذهب لزرهون بإذن من شيخه سيدى أحمد المليانى، وطاف البلاد في مقدمه، فدخل مراكش، وَمرّ بدكالة، فتادلا، ثم استقر بمكناسة الزيتون، وصحب الشيخ محمد بن عيسى الفهدى المختارى، وكانت بينهما محبة عظيمة، وموالاة كبيرة، ثم رحل لجبل زرهون، واشتغل بعبادة ربه، وتجرد لإذايته أهل القليعة من الزراهنة حتى الصبيان منهم، ثم انتقم الله منهم بدعائه عليهم، واشتهر أمره وطار صيته، وأقبل الناس عليه من كل ناحية حتى كان بزاويته ما ينيف على الألف من حملة القرآن العزيز، وكانت زاويته آهلة بنشر العلم وبثه في صدور الرجال آناء الليل وأطراف النهار.
ومن كلامه رضى الله عنه: واعلم أنه لا يسمى العارف عارفا وله دعوى، ولا يسمى المحب محبا وله شكوى، ولا يسمى الموحد موحدًا وله اعتراض، ولا يسمى السالك سالكا وله اختيار، ولا يسمى المريد مريدا وله إرادة، من لم يضبط المحسوسات، لا يقدر على ضبط المدسوسات، إذا رأيت السالك لا يفرق في سلوكه بين الاستقامة والاعوجاج، فكفى بجهله دليلا على الاستدراج. وله كلام عال نفيس في الطريق، وقد أُفردت ترجمته بالتأليف.
ودعى بالخياط لمسحه بيده المباركة على رجل من خدام السيد أحمد المليانى كان يستقى له الماء، فاتفق أن ضربته بقرة أحدثت في جسده فتقا فالتأم ذلك الفتق
стр. 2416
بمجرد وضع يد المترجم عليه كرامة له رضى الله عنه، وذلك بإذن من شيخه سيدى أحمد بن يوسف المليانى المذكور، إذ قال له لما حدث بخديمه ما ذكر خيطها له يا سيدى عبد الله بن إبراهيم الرفاعى: الله يرفع مقامك على جميع الأشياخ الحاضرين، فدنا منه، ومسح بيده المحل المصاب، فقام الرجل من حينه ليس به شئ، أفاده في جواهر السماط.
مؤلفاته: منها الفتح المبين، والدر الثمين. في فضل الصلاة والسلام على سيد المرسلين، وقفت عليه بخزانة وزان عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف، في جزء وسط.
مشيخته: أخذ عن السيد الحسن بن عمر أجانا، وأحمد بن يوسف المليانى المتوفى في العشرة الثالثة بعد التسعمائة بمليانة، وقبره مزارة شهيرة ثَمّ.
أما الطوائف المبتدعة التي تنسب إليه المعروفة باليوسفية فليسوا على شئ من أحوال الشيخ، بل هم مارقون من الدين بمعزل عن سبيك المهتدين، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
الآخذون عنه: منهم الشيخ الصالح الناصح أبو الطيب بن يحيى اليحياوى دفين ميسور المتوفى في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وتسعمائة كما في مرآة المحاسن، ومنهم السيد محمد فتحا العائدى دفين خارج باب الفتوح أحد أبواب مدينة فاس المتوفى في شهر رمضان عام أربعة وثمانين وتسعمائة، ومنهم أبو عمران موسى بن على، دفين زرهون وخلق.
ولادته: ولد بقابس سنة تسع وثمانين وثمانمائة.
وفاته: توفى مسموما سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته الشهيرة من جبل زرهون.
стр. 2417
٣٩٩ - عبد الله بن إبراهيم بن الجندوز .
ابن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد فتحًا بن بهاء الدين بن الحسن بن الفضيل بن عبد الواحد بن محمد فَتْحًا بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن على بن عيسى بن إبراهيم بن محمد فَتْحًا بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسن المثلث بن المثنى بن الحسن السبط بن مولانا على كرم الله وجهه ومولاتنا فاطمة الزهراء البتول رضى الله عن جميعهم.
هكذا وقفت على عمود هذا النسب في نسخة شجرة نسب والد المترجم عليها تصحيحات جماعة من الأعلام، منهم: القاضى محمد الغرناطى، وأبو وكيل ميمون الفخار، وأبو وكيل ميمون الفخار، وأبو القاسم بن نعيم وبعد الكل ما نصه: الحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، أعلم بخطوط السادة عام عشرة وألف الإمام العلوى والسلطان الحسنى والجانب العالى بالله مولاى عبد الله بن مولاى زيدان ابن أمير المؤمنين أحمد الذهبى، كان الله له ولوالديه في الدارين آمين.
حاله: نشأ في حجر والده بجزولة من سملالة بالسوس الأقصى على ما في الشجرة المشار لها، وكان من أهل العلم والدين والخير والصلاح والفضل، صرفه الله تعالى في الجن فكان كل من استجار به ممن به مس الجن يعجل الله شفاءه فشهر بذلك، وأقبل الناس عليه، وأذعنوا لفضله، وعلموا مكانته عند مولاه، ولا زال ضريحه إلى الآن قرب بنى عمار أحد مداشر جبل زرهون مقصودًا عند العوام والخواص لذلك، وهو مرهم لذلك الداء قاطع.
وبعد وفاة والده رضى الله عنه، وذلك عام أربعة وتسعين وثمانمائة، انتقل إلى محروسة فاس بقصد قراءة العلم، فأقام بها اثنى عشرة سنة، ثم توجه لزاوية زَرْهُون بقصد زيارة مولانا إدريس الأكبر رضى الله عنه وأرضاه، فأقام بها أربعة
стр. 2418
أشهر وخمسة عشر يوما، ثم ندبه بعض تلاميذه للخروج معهم لمحلهم حيث مدفنه الآن، فلبى دعوتهم واستقر به النوى هنالك، ولم يزل مقيما ثَمَّةَ، إلى أن نقله الله إليه، ولم يعقب.
وفاته: توفى سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة، وضريحه بالمحل المذكور بجبل زَرْهُون من أشهر المزارات المقصودة للزوار، ينسل إليها الناس من كل حدب إلى الحين الحالى.
٤٠٠ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبود بن على بن عبد الرحمن بن أبي العافية المكناسى الشهير بابن القاضى .
حاله: فقيه علامة، يستظهر مختصر خليل والرسالة، والألفية عن ظهر قلب.
مشيخته: أخذ عن أبى بكر السراج المولود سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، المتوفى بفاس عام سبع وألف، وعبد الواحد اليحمدى المتوفى سنة ثلاث وألف، وأبى العباس القدومى، وأبى عبد الله بن مجبر المولود سنة ثمان وتسعين -بتقديم المثناة- وثمانمائة، المتوفى في المحرم سنة خمس وثمانين وتسعمائة وغيرهم.
وفاته: توفى بمدينة فاس سنة سبع وثمانين وتسعمائة.
٤٠١ - عبد الله مولى الرئيس الأوحد أبى عثمان سعيد بن حكم (١).
صاحب مَيُورْقةِ بفتح الميم وضم الياء المثناة تحت وسكون الراء بعدها قاف مفتوحة فتاء.
стр. 2419
حاله: فقيه علامة، راوية محدث، وصفه العبدرى في رحلته بالفقه والحديث والاهتمام بالعلم والاعتناء بالرواية، قال: وقد وقفت على فهرسة شيوخه وقد شاركته في بعض شيوخه الذين ذكرهم، قال: وقد كان في أملى الاجتماع به ولم يقض له به هـ (١).
وقد كان بقيد الحياة سنة ثمان وثمانين، إذ سفر العبدرى كان في الخامس والعشرين من ذى القعدة من التاريخ المذكور حسبما أفصح بذلك العبدرى في رحلته المنقول عنها.
٤٠٢ - عبد الله بن على المعروف بالحجام الصبيحى .
دفين جبل زرهون.
حاله: شيخ صالح حسن الأخلاق متحمل أذى الخلق، وكانت له زوجة سيئة الأخلاق تؤذيه جدا، فقال له بعض أصحابه هلا طلقتها؟ فقال له: لو فعلت لابتلى بها مسلم غيرى.
وله أتباع كثيرون، ونية صالحة، ومعتقد صحيح، وأخلاق حسنة، ودين متين، مقصود للزائر، مزدحم للتسليم عليه، مشهور البركة في الديار المغربية، صاحب كرامات ظاهرة، وأحوال خارقة، من ذلك أن رجلًا جاء لزيارته وهو لا يعرفه فوجده في سفح الجبل فقال له وهو لا يعرفه: أين سيدى عبد الله الحجام؟ فقال له الشيخ: وما حاجتك به؟ قال: جئت أزوره لوجه الله تعالى، فقال له الشيخ: والله لا تطلع إليه إلا محمولا على ظهرى حيث كان قصدك زيارته لله تعالى فقط، فحمله على ظهره فلما بلغ به داره وعرفه نفسه وتكلم معه، قال: يا سيدى نريد منك أن تكلم حاكم البلاد في مسألة كذا، فقال له الشيخ: قد خدعتنى، والله لتردنى على ظهرك إلى الموضع الذى حملتك منه، وكان المترجم
стр. 2420
جسيما فحمله إلى ذلك الموضع. قال في الصفوة بعد إيراده هذه الحكاية: هكذا رأيت الحكاية بخط شيخنا الفقير الصوفى أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن، ويقال: إن ذلك وقع للزائر مع بعض قرابة الشيخ، والله أعلم.
مشيخته: أخذ عن سيدى عمر الخطابى دفين جبل زرهون عن التباع.
وفاته: توفى عام واحد بعد الألف، ودفن على رأس مدشر زاوية مولانا إدريس الأكبر المعروف الآن بخبير من جبل زرهون، وبنيت عليه قبة، وضريحه إلى الحين الحالى من أشهر المزارات المقصودة للتبرك بها.
٤٠٣ - عبد الله الجزار .
دفين الحضرة المكناسية.
حاله: سمعت من غير واحد أنه كان من كمال العارفين المتبرك بهم أحياء وأمواتا، وأن الدعاء بضريحه جربت إجابته مرارا، قال في حقه صاحب جواهر السماط ما لفظه: كان ﵀ ورعا سنيا، وكان في ابتداء أمره جزارا، وكان يتورع في البيع والشراء، فلا يشترى الغنم إلا من قوم عرف طيب مكسبهم، ثم يذبحها فيبيعها بأرجح ميزان، وما فضل له من الربح يذهب به لزاوية الشيخ الخياط -يعنى شيخه سيدى عبد الله المترجم قبل- فيفرقه على الفقراء، ثم ترك بيع اللحم ولازم الشيخ الخياط إلى أن كان منه ما كان هـ.
ولم أقف على زائد يتعلق بترجمته غير ما هو منقوش في الخشب الذى على ضريحه بخط بارع، أخذت في مناولته يد البلى نقلته هنا صونا له من الإتيان على باقيه، وغير ما هو منقوش في لوح خشب أيضا ملصق بالجدار ثمة، ودونك لفظ ما هو منقوش في الخشب الذى على الضريح:
الحمد لله العلى البارى ... ملك الملوك وفاتح الأسرار
ثم الصلاة على النبي محمد ... سر الوجود ومنبع الأنوار