بمجرد وضع يد المترجم عليه كرامة له رضى الله عنه، وذلك بإذن من شيخه سيدى أحمد بن يوسف المليانى المذكور، إذ قال له لما حدث بخديمه ما ذكر خيطها له يا سيدى عبد الله بن إبراهيم الرفاعى: الله يرفع مقامك على جميع الأشياخ الحاضرين، فدنا منه، ومسح بيده المحل المصاب، فقام الرجل من حينه ليس به شئ، أفاده في جواهر السماط.
مؤلفاته: منها الفتح المبين، والدر الثمين. في فضل الصلاة والسلام على سيد المرسلين، وقفت عليه بخزانة وزان عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف، في جزء وسط.
مشيخته: أخذ عن السيد الحسن بن عمر أجانا، وأحمد بن يوسف المليانى المتوفى في العشرة الثالثة بعد التسعمائة بمليانة، وقبره مزارة شهيرة ثَمّ.
أما الطوائف المبتدعة التي تنسب إليه المعروفة باليوسفية فليسوا على شئ من أحوال الشيخ، بل هم مارقون من الدين بمعزل عن سبيك المهتدين، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
الآخذون عنه: منهم الشيخ الصالح الناصح أبو الطيب بن يحيى اليحياوى دفين ميسور المتوفى في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وتسعمائة كما في مرآة المحاسن، ومنهم السيد محمد فتحا العائدى دفين خارج باب الفتوح أحد أبواب مدينة فاس المتوفى في شهر رمضان عام أربعة وثمانين وتسعمائة، ومنهم أبو عمران موسى بن على، دفين زرهون وخلق.
ولادته: ولد بقابس سنة تسع وثمانين وثمانمائة.
وفاته: توفى مسموما سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته الشهيرة من جبل زرهون.
стр. 2417
٣٩٩ - عبد الله بن إبراهيم بن الجندوز .
ابن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد فتحًا بن بهاء الدين بن الحسن بن الفضيل بن عبد الواحد بن محمد فَتْحًا بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن على بن عيسى بن إبراهيم بن محمد فَتْحًا بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسن المثلث بن المثنى بن الحسن السبط بن مولانا على كرم الله وجهه ومولاتنا فاطمة الزهراء البتول رضى الله عن جميعهم.
هكذا وقفت على عمود هذا النسب في نسخة شجرة نسب والد المترجم عليها تصحيحات جماعة من الأعلام، منهم: القاضى محمد الغرناطى، وأبو وكيل ميمون الفخار، وأبو وكيل ميمون الفخار، وأبو القاسم بن نعيم وبعد الكل ما نصه: الحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، أعلم بخطوط السادة عام عشرة وألف الإمام العلوى والسلطان الحسنى والجانب العالى بالله مولاى عبد الله بن مولاى زيدان ابن أمير المؤمنين أحمد الذهبى، كان الله له ولوالديه في الدارين آمين.
حاله: نشأ في حجر والده بجزولة من سملالة بالسوس الأقصى على ما في الشجرة المشار لها، وكان من أهل العلم والدين والخير والصلاح والفضل، صرفه الله تعالى في الجن فكان كل من استجار به ممن به مس الجن يعجل الله شفاءه فشهر بذلك، وأقبل الناس عليه، وأذعنوا لفضله، وعلموا مكانته عند مولاه، ولا زال ضريحه إلى الآن قرب بنى عمار أحد مداشر جبل زرهون مقصودًا عند العوام والخواص لذلك، وهو مرهم لذلك الداء قاطع.
وبعد وفاة والده رضى الله عنه، وذلك عام أربعة وتسعين وثمانمائة، انتقل إلى محروسة فاس بقصد قراءة العلم، فأقام بها اثنى عشرة سنة، ثم توجه لزاوية زَرْهُون بقصد زيارة مولانا إدريس الأكبر رضى الله عنه وأرضاه، فأقام بها أربعة
стр. 2418
أشهر وخمسة عشر يوما، ثم ندبه بعض تلاميذه للخروج معهم لمحلهم حيث مدفنه الآن، فلبى دعوتهم واستقر به النوى هنالك، ولم يزل مقيما ثَمَّةَ، إلى أن نقله الله إليه، ولم يعقب.
وفاته: توفى سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة، وضريحه بالمحل المذكور بجبل زَرْهُون من أشهر المزارات المقصودة للزوار، ينسل إليها الناس من كل حدب إلى الحين الحالى.
٤٠٠ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبود بن على بن عبد الرحمن بن أبي العافية المكناسى الشهير بابن القاضى .
حاله: فقيه علامة، يستظهر مختصر خليل والرسالة، والألفية عن ظهر قلب.
مشيخته: أخذ عن أبى بكر السراج المولود سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، المتوفى بفاس عام سبع وألف، وعبد الواحد اليحمدى المتوفى سنة ثلاث وألف، وأبى العباس القدومى، وأبى عبد الله بن مجبر المولود سنة ثمان وتسعين -بتقديم المثناة- وثمانمائة، المتوفى في المحرم سنة خمس وثمانين وتسعمائة وغيرهم.
وفاته: توفى بمدينة فاس سنة سبع وثمانين وتسعمائة.
٤٠١ - عبد الله مولى الرئيس الأوحد أبى عثمان سعيد بن حكم (١).
صاحب مَيُورْقةِ بفتح الميم وضم الياء المثناة تحت وسكون الراء بعدها قاف مفتوحة فتاء.
стр. 2419
حاله: فقيه علامة، راوية محدث، وصفه العبدرى في رحلته بالفقه والحديث والاهتمام بالعلم والاعتناء بالرواية، قال: وقد وقفت على فهرسة شيوخه وقد شاركته في بعض شيوخه الذين ذكرهم، قال: وقد كان في أملى الاجتماع به ولم يقض له به هـ (١).
وقد كان بقيد الحياة سنة ثمان وثمانين، إذ سفر العبدرى كان في الخامس والعشرين من ذى القعدة من التاريخ المذكور حسبما أفصح بذلك العبدرى في رحلته المنقول عنها.
٤٠٢ - عبد الله بن على المعروف بالحجام الصبيحى .
دفين جبل زرهون.
حاله: شيخ صالح حسن الأخلاق متحمل أذى الخلق، وكانت له زوجة سيئة الأخلاق تؤذيه جدا، فقال له بعض أصحابه هلا طلقتها؟ فقال له: لو فعلت لابتلى بها مسلم غيرى.
وله أتباع كثيرون، ونية صالحة، ومعتقد صحيح، وأخلاق حسنة، ودين متين، مقصود للزائر، مزدحم للتسليم عليه، مشهور البركة في الديار المغربية، صاحب كرامات ظاهرة، وأحوال خارقة، من ذلك أن رجلًا جاء لزيارته وهو لا يعرفه فوجده في سفح الجبل فقال له وهو لا يعرفه: أين سيدى عبد الله الحجام؟ فقال له الشيخ: وما حاجتك به؟ قال: جئت أزوره لوجه الله تعالى، فقال له الشيخ: والله لا تطلع إليه إلا محمولا على ظهرى حيث كان قصدك زيارته لله تعالى فقط، فحمله على ظهره فلما بلغ به داره وعرفه نفسه وتكلم معه، قال: يا سيدى نريد منك أن تكلم حاكم البلاد في مسألة كذا، فقال له الشيخ: قد خدعتنى، والله لتردنى على ظهرك إلى الموضع الذى حملتك منه، وكان المترجم
стр. 2420
جسيما فحمله إلى ذلك الموضع. قال في الصفوة بعد إيراده هذه الحكاية: هكذا رأيت الحكاية بخط شيخنا الفقير الصوفى أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن، ويقال: إن ذلك وقع للزائر مع بعض قرابة الشيخ، والله أعلم.
مشيخته: أخذ عن سيدى عمر الخطابى دفين جبل زرهون عن التباع.
وفاته: توفى عام واحد بعد الألف، ودفن على رأس مدشر زاوية مولانا إدريس الأكبر المعروف الآن بخبير من جبل زرهون، وبنيت عليه قبة، وضريحه إلى الحين الحالى من أشهر المزارات المقصودة للتبرك بها.
٤٠٣ - عبد الله الجزار .
دفين الحضرة المكناسية.
حاله: سمعت من غير واحد أنه كان من كمال العارفين المتبرك بهم أحياء وأمواتا، وأن الدعاء بضريحه جربت إجابته مرارا، قال في حقه صاحب جواهر السماط ما لفظه: كان ﵀ ورعا سنيا، وكان في ابتداء أمره جزارا، وكان يتورع في البيع والشراء، فلا يشترى الغنم إلا من قوم عرف طيب مكسبهم، ثم يذبحها فيبيعها بأرجح ميزان، وما فضل له من الربح يذهب به لزاوية الشيخ الخياط -يعنى شيخه سيدى عبد الله المترجم قبل- فيفرقه على الفقراء، ثم ترك بيع اللحم ولازم الشيخ الخياط إلى أن كان منه ما كان هـ.
ولم أقف على زائد يتعلق بترجمته غير ما هو منقوش في الخشب الذى على ضريحه بخط بارع، أخذت في مناولته يد البلى نقلته هنا صونا له من الإتيان على باقيه، وغير ما هو منقوش في لوح خشب أيضا ملصق بالجدار ثمة، ودونك لفظ ما هو منقوش في الخشب الذى على الضريح:
الحمد لله العلى البارى ... ملك الملوك وفاتح الأسرار
ثم الصلاة على النبي محمد ... سر الوجود ومنبع الأنوار
стр. 2421
وعلى الأفاضل آله وأصحابه ... أهل الكمال القادة الأخيار
هذا ضريح سامى المقدار من ... قد شاع في الآفاق والأقطار
قف ضارعا متذللا تلق المنى ... تكف النوائب تحظ بالأوطار
إن الوقوف ببابهم أصل الغنى ... ما في وقوفك ساعة من عار
وإذا قصدت لمثل عبد الله ذا ... فاقصد وسل مولاك بالجزار
وبشيخه والطائعين لربهم ... أهل التقى في حضرة ووقار
كم حاجة قضيت لمن قد أمه ... والواردين ببحره الزخار
... ... ... ... ... (١) كافيا ... فكاك ماسور من الكفار
فعليه منى ألف ألف تحية ... كالمسك نسمته مع الأزهار
... ... ... ... . (١) ... من هجرة المختار
مشيخته: في اللوح الخشبى الملصق بالجدار المشار له، أنه أخذ عن الحارثى بن موسى بن خشان (كذا) عن عبد الله موسى بن على مولى آية رأس، عن على بن قاسم الدكالى، عن موسى بن على مولى الصخرة، عن الشيخ الكامل محمد بن عيسى الفهدى المختارى، عن أبى العباس الحارثى، عن سيدى محمد بن سليمان الجزولى، عن سيدى عبد الله أمغار الشريف، عن أبى عثمان سعيد الهرتنانى، عن أبى زيد عبد الرحمن الرجراجى، عن أبى الفضل الهندى، عن عنوس البدوى، عن الإمام القرافي، عن أبى عبد الله المغربى، عن أبى الحسن الشاذلى، عن مولانا عبد السلام بن مشيش، عن أبى زيد عبد الرحمن المدنى، عن تقى الفقير، عن فخر الدين، عن أبى الحسن، عن شمس الدين، عن زين الدين
стр. 2422
القزوينى، عن إبراهيم البصرى، عن أبى القاسم المروانى، عن سعيد، عن سعد، عن فتح السعود، عن سعيد الغزوانى، عن جابر، عن سيدنا ومولانا الحسن بن على رضى الله عنهما وأرضاهما وعنا بهما آمين عن رسول الله ﷺ وشرف وكرم هـ.
وقد أغفل أخذه عن سيدى عبد الله الخياط، وعلى كل حال فقد شارك شيخه في بعض مشيخته وإن أخذ عن تلاميذه وتلاميذهم، بل الله ثرى الجميع بالرحمة والرضوان.
الآخذون عنه: منهم سيدى أحمد حجى كما في فهرسة الشيخ الإمام سيدى جعفر بن إدريس الكتانى المعنونة بإعلام الأئمة الأعلام وأسانيدها، بما لنا من المرويات وأسانيدها.
وفاته: توفى على ما في اللوح المذكور أواخر الحجة سنة إحدى وستين وألف.
٤٠٤ - عبد الله بن السلطان محمد الحاج الدلائى ﵀ .
حاله: إمام فقيه علامة مدرس، وقور حليم، جواد فياض، سخى كريم، فارس شجاع، بطل مقدام، جميل الوجه والقول، حسن السيرة والفعل، ذو سمت حسن، وحال مستحسن، وفراسة صادقة، ومؤانسة رائقة، ومعاشرة فائقة، من لدن صغره إلى كبره، وحصل من العلوم، ما يكل عنه راقم الرقوم، وله من مكارم الأخلاق، ما به كثيرًا من أهل زمانه فاق، وطار صيته في الآفاق.
ولما قلد والده ولاية المغرب ولاه بسلا عاملا فأقام بها مدة نائبا عنه في الأحكام، وفصل معضلات الخصام، وتصدر للتدريس، وتصدى للقول بالحق والعمل النفيس.
стр. 2423
وكان مواخيا له بها ومصاحبا، ومواليا له أيامها ومعه كاتبا، الفقيه الأجل، البركة الأفضل، أبو مروان عبد الملك التجموعتى، ثم نقله والده لمكناسة الزيتون وولاه بها مدة، وكان ينوب عنه تارة في الحروب وتارة في غيرها من ولايات الأحكام، وكان قد نزل على فاس بأمر والده حين تحالف أهلها مع الدريدى، وخالفوا على والده فحاصرها مدة من الأيام وأقلع عنها.
وخرج فيمن خرج من الزاوية مع والده عند الوقعة العظمى بها عليهم، وسار فيمن سار معهما لتلمسان، وأقام بها إلى أن توفى والده، فذهب للمشرق بقصد حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه ﵊.
فلما قضى نسكه وطاف وزار، بقى في المشرق نحوًا من عامين اثنين، وانقلب راجعا عام خمسة وثمانين وألف في جملة من أتى معه مسافرا من المشرق، فلما قربوا من الجزائر أخْبِرُوا بثورة أهل تلمسان على الترك الذين بها، ولما وصلوا للجزائر وجدوا جيوش الترك خارجة منها قاصدة لقتال أهل تلمسان فخرجوا معهم من الجزائر، وأقاموا في أثناء الطريق، وتأخروا عن القدوم مع المحلة بعد أن أوصى المترجم رئيس المحلة باحترام أولاده الذين بالعباد، وأخبره بخبرهم فأنعم له بذلك.
وبعد أن هدأت أصوات تلك الفتنة وخمدت نارها وتبين ما آل إليه أمرها، توجه المترجم لتلمسان، فوجد إخوانه أهل الزاوية الذين كانوا بالعباد قد رجعوا لفاس، ولم يبق أحد منهم يراعيه إلا ولده أبو العباس أحمد، فاستقرا بالعباد، بما لهما من الأهل والأولاد، إلى أن لبى المترجم داعى مولاه، وانتقل لما اختير له ﵀.
مشيخته: أخذ عن والده وجماعة من جلة فحول زاويتهم الدلائية.
الآخذون عنه: منهم ولده أبو العباس أحمد وجماعة.
стр. 2424
وفاته: توفى بتلمسان أواخر سنة ستة وثمانين، أو أوائل سبعة وثمانين وألف، ودفن بالعباد، ورثاه ولده المذكور بقصيدة طنانة رنانة اشتملت على اثنين وخمسين بيتا يقول في أولها:
ألا هل فتى مثلى كئيب أُراسله ... يسائلنى عن موحشى وأُسائله
يطارحنى أحزانه وهمومه ... وأشكو له قلبا دهته بلابله
لعل التأسى يعقب القلب سلوة ... ويخمد وجدًا ليس تخبو مشاعله
ويطفى بفيض الدمع حزنا تغلغلت ... بباطن أحشاء الحزين دواخله
ومنها:
فيا صاحبى إن كانت لى خير صاحب ... فساعد بجفن ليس يرقأ هامله
على من شجا المجد الصريح مصابه ... وأضحت على رغم خلاء منازله
همام حوى المجد المؤثل يافعا ... كما حازه من قبل ذاك أوائله
قضى من طلاب العز أقصى مراده ... ولو عاش ما أعياه أمر يحاوله
لهفى على موت المكارم والعلا ... بموت كريم يخجل السحب نائله
وهى مذكورة بتمامها في البدور الضاوية.
٤٠٥ - عبد الله بن المجذوب القصرى العبدرى .
حاله: ولى صالح، دال على الله تعالى ناصح، ذو سر لائح، وبرهان واضح، متبرك به حيا وميتا، رحل إلى حج بيت الله الحرام، وفاز بنيل البغية والمرام، وقفت على رسم إراثته بتاريخ رابع جمادى الأولى عام سبعة وتسعين ومائة وألف بخطاب الشريف مولاى أحمد بن على الحسنى المترجم فيما مر.
стр. 2425
وقبر المترجم من المزارات المكناسية المقصودة للزيارة وحصول بركة الاعتبار، عليه بناء حافل، وبإزائه مسجد تقام فيه الخمس، وأشار لذكره العفيفى الوقاد، في هداية السائل المطبوع بمصر سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف.
وضريح المترجم من أشهر الأضرحة بمكناس بالمحل المعروف بالكدية، لم يتزوج قط، ورثه بعد وفاته شقيقة أبو فارس عبد العزيز، ثم وفى وأحاط بإرثه ولده عبد الله دعى عب الذى من أحفاده الآن، سمى جده عبد العزيز وعبد الواحد، ووالد أخيهما السيد محمد بن سميه المدعو البنضاضى، وولد أخيهما إدريس، السيد محمد وشقيقة العلمى حسبما ذلك مثبوت عندهم بإراثات وظهائر سلطانية، وقع الوقوف عليها، حين منازعة أبناء عمهم لهم في فتوحات ضريح صنو جدهم المترجم هـ من خط بعض شيوخنا الأثبات.
مشيخته: أخذ عن الشريف مولاى الرضى اليملاحى الوازانى، وأخيه مولاى المكى دفين رباط الفتح المتوفى في تاسع رمضان سنة إحدى عشرة مائة وخمسين، عن والدهما سيدى محمد، عن والده مولاى عبد الله الشريف، عن سيدى على بن أحمد الأنجرى، عن سيدى عيسى المصباحى.
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو العباس أحمد التواتى في جماعة.
٤٠٦ - عبد الله بن محمد سميه بن الخياط بن محمد فتحا بن أحمد بن إبراهيم العطار الزرهونى الوربي القليعى منشأ عرف بالخياط.
حاله: علامة مشارك، متفنن نقاد خبير، دراكة فهامة، مدرس نفاع، فقيه نوازلى، انتهت إليه رياسة التدريس والنوازل بالزاوية الإدريسية من جبل زَرْهُون، إليه كان المرجع في كشف عويصات المسائل العلمية هنالك، وكان يخبر عن نفسه أنه كان يحسن أربعا وعشرين علما.
стр. 2426
ومن فوائده ما وجد بخطه على هوامش أواخر نسخته من شرح شيخه التسولى على التحفة ونصه: عَايَا (١) كاتبه عبد الله الخياط سمح الله له بفضله، جملة من أحبته الطلبة وفق الله الكل بمنه، في مسألة الخنثى يولد له من ظهره ومن بطنه معا، على ما لحافظ المذهب ابن رشد في مقدماته، وما للشيخ خليل في توضيحه، وهو ما نقلة شيخنا الشارح ﵀، بقوله:
أُحاجى ذوى الحجا مفديهم بما ... لدى شرعنا نصا لذى العلم والحسب
وذاك أمرؤ يعزى له ابنان وهو أب ... وأم ووزع وأنف بينهما النسب
له إرثه من كل كالعكس ثم لا ... توارث بين ذين للفقد للنسب
وأجاب نيابة عنهم بقوله أيضا:
لك الله أيها المفدى لكلنا ... بأنفسنا والأهل والأم ثم الأب
تعاى بما لنجل رشد وخلنا ... بخنثى له الولادتان ولا عجب
فلله أبدا ما يشاء لملكه ... فسبحانه من واهب يا أخا الأدب
ومعنى قولنا ووزع أن تجعله أبا لهذا الولد وأما للآخر هـ.
مشيخته: أخذ عن الشيخ بدر الدين الحمومى، وأبى الحسن على التسولى وغيرها.
الآخذون عنه: منهم الشريف سيدى الفضل الشبيهى إمام الضريح الإدريسي وخطيبه، والشريف مولاى الحسن بن الشريف العلوى في جماعة من الأعلام.
وفاته: توفى بالوباء بمدشر موساوة أحد مداشر زرهون، عام خمسة وتسعين ومائتين وألف، ودفن بضريح سيدى عدو خارج الزاوية الإدريسية ﵀.
стр. 2427
٤٠٧ - عبد الله بن العرفاوى الخيارى المكناسى .
حاله: فقيه أديب، له مشاركة في فنون، مدرس مجود، شاعر مفلق، انتدبه بعض الفاسيين لإقراء أبنائه القرآن العظيم، فأسعف رغبته وانتقل معه لفاس، وأخذ عن جهابذتها النقاد، حتى انفتح له باب تحصيل العلوم العقلية والنقلية، وبرع وتصدر للإفادة في القرويين وغيرها، ثم رشح من انتدبه لإقراء أولاده لوظيف بثغر طنجة، فرحل في معيته وأقبل على بث العلم ونشره، وتعاطى خطة الإشهاد، فكان من المبرزين بطنجة، لقيته بها عند وجهتى لأداء فريضة الحج عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف ناشرًا للعلم مفيدا، وطالعا في سماء النجابة والنزاهة بَدْرًا سعيدا، ولم يزل جميل السيرة، محمود السريرة، إلى أن لبى داعى مولاه.
مشيخته: أخذ عن السيد فضول السوسى، والسيد فضول بن عزور والسيد محمد القصرى، والسيد محمد بن عبد السلام الطاهرى، والسيد محمد بن الحسين العرائشى، والسيد أحمد بن الخياط الزكارى، والسيد أحمد بن الجيلانى الفيلالى، والسيد الفاطمى الشرادى، والشريف مولاى أحمد البلغيثى، وأبى محمد عبد السلام الهوارى المتوفى سنة ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف، والحاج محمد فتحا جنون يدعى جنيون مصغرا المتوفى عشية يوم الجمعة ثامن عشرى شعبان عام ستة وعشرين وثلاثمائة وألف وغيرهم من الأعلام.
شعره: من ذلك قوله مجيبا صاحبنا الفقيه العلامة الأديب السيد محمد فتحا ابن عبد الكبير بن الحاج السلمى الفاسى:
وافى كتابكم السعيد موشحا ... بفرائد المكتوب والنفحات
أبذرت في قلبى الكئيب حروفه ... وسقيتها بفرات ما العطفات
طابت محبته بشمس ودادكم ... ولو أنها زرعت بأرض موات
стр. 2428
عجل لقطف ثمارها بوصالكم ... قبل الفوات بدفعها العبرات
فعلى محمد الأديب تحية ... مارق شعر في بديع صفات
وقوله مجيبا المذكور أيضا:
قريبا يجود الإله بجمـ ... ـعنا بكم في قريب قريب
فنار بعادكم أحرقت ... فؤاد لمحب الكئيب الكئيب
وجسمى بمكناسة قاطن ... وقلبى بفاس نحيب نحيب
يحن إلى فاضل ماجد ... حبيب نجيد أريب أريب
فيارب جمعًا به فعسى ... ليلا أموت غريبا غريب
فمن بوصل بعيد انفصا ... ل بجاه النبى الحبيب الحبيب
عليه صلاة الإله الذى ... علينا عتيد رقيب رقيب
وفاته: توفى بطنجة في شعبان عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف.
٤٠٨ - عبيد المدعو المظلوم .
دفين عاصمتنا المكناسية، ولا تعرف له ترجمة فيما أعلم، ويحكى أنه كان وشى به بعض الجهلة لسلطان وقته فأمر بضرب عنقه، فصار رأسه بعد انفصاله عن جسده ينادى: عبيد المظلوم، والله أعلم.
٤٠٩ - عبد الحق قاضيها أبو محمد بن سعيد بن محمد المكناسى .
حاله: من أهل المعرفة والحصافة (١)، قائم على كتاب ابن الحاجب في
стр. 2429
مذهب مالك، ممتاز به فيما دون تلمسان، كما لابن غازى والمقرى في النفح نقلا عن نفاضة الجراب لابن الخطيب وتصدر للإقراء والتقييد فما شئت من اضطلاع ومعرفة واطلاع، وبث العلم ونشره، فأفاد وأجاد، وهو من جملة مشايخ مكناسة الذين لقيهم ابن الخطيب السلمانى.
مشيخته: أخذ عن الأخوين أبى موسى وأبى زيد ابنى الإمام رحمهما الله.
الآخذون عنه: منهم أبو العباس ابن القاضى صاحب جذوة الاقتباس وناهيك به قال: قرأت عليه الخارمة، على الرسالة الحاكمة، وأذن لى في تحمله، وأخذ عنه صاحب نيل الابتهاج كما قال ذلك عن نفسه في الكتاب المذكور، ولسان الدين ابن الخطيب كما في نفح الطيب.
مؤلفاته: منها جزء نبيل على فتوى أبى بكر بن العربى المسماة بالحاكمة، سماه الخارمة.
وفاته: توفى بعد نيف وستين وسبعمائة.
٤١٠ - عبد الحق الزرهونى .
دفين جبل زرهون، وهو المعروف اليوم لديهم بسيدى بوحبق شهير الضريح بحومة خيبر، من الزاوية الإدريسية والله أعلم.
حاله: شيخ جليل، محب صادق ملهم، ذو فكر ثابت، وشوق إلى الله دائم، عظيم الإفادة بالهمة والحال، متمكن مخلص، ذو قدم ثابت، ودين متين، كثير الاتهام لنفسه، من الأولياء الأكابر الصالحين القادة الأماثل، تعرض لذكره أبو العباس أحمد بن عبد القادر التستاوتى في يائيته التي توسل فيها إلى الله بأهل الله إذ قال فيها:
وإن جئت عبد الحق فاجنح لبابه ... بزرهون قد أمسى عن الشر نائيا
стр. 2430
وذكر في شرحه لها أنه معروف بزرهون من الأكابر، وأنه دفن بحمام الحرة من مكناسة الزيتون لفظه.
قلت: الذى في ممتع الأسماع وهو الأصل الذى اعتمد التستاوى في نظمه المذكور كما أفصح هو بذلك عن نفسه، أن المترجم وهو عبد الحق الزليجى دفن بجبل زرهون، ومثله في ابتهاج القلوب في ترجمة المترجم، وهو الصحيح والله أعلم.
مشيخته: أخذ عن أبى العباس أحمد زروق، وأبى العباس أحمد الحارثى، واختص بالشيخ أبى عبد الله الصغير السهلى المتوفى سنة ثمان عشرة وتسعمائة، وهو أخذ عن الشيخ الجزولى.
الآخذون عنه: منهم الشيخ عبد الرحمن بن عياد المجذوب.
ولادته: ولد بزرهون في العشرة الثامنة من القرن التاسع.
وفاته: توفى سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، ودفن بجبل زرهون رضى الله عنه، كذا في ابتهاج القلوب.
٤١١ - عبد الحق أبو محمد السحيمى .
حاله: قال في حقه صاحب الدر المنتخب ما نصه: الكاتب الذى حمى حيد بدور أفكاره، وطار طير البيان من أوكاره، خاتمة أهل الأدب، وسراج من تأدب وتهذب، هـ.
وبالجملة فقد كان صدر حملة الأقلام، وواسطة عقد البلغاء الأعلام، ناظما ناثرا، محنكا خبيرا ماهرا، إذا نظم سحر الألباب، وإذا نثر أتى بآيات إعجاز وإعجاب.
стр. 2431
شعره: من ذلك قوله مادحا مخدومه السلطان الأعظم سيدنا الجد مولانا إسماعيل:
أمن أرضهم ريح الصبا تتضوع ... ومن دونهم بدر الأسنة يلمع
وفى حيهم ثار الهياج عشية ... فبات زئير الأسد في الحى يسمع
إذا ارتحلوا ليلا فضوء رماحهم ... لهم فيه عن ضوء الكواكب مقنع
وبين أسود الغاب بيض أوانس ... وهل في أسود الغاب للناس مطمع
وعيشك ما أدرى وأين خيامهم ... نساء أم الغزلان في الخدر رتع
وما أنكرت عينى من الحسن ما رأت ... وإن الشموس في الهوادج تسطع
وتحت رماح القوم كل مدجج ... ظلوم غشوم بالدماء مدرع
إذا نظرت عينى غزالا مبرقعا ... أشارت لليث في الحديد مقنع
وما ضربوا حمر القباب عليهم ... وفيهم جبان بالنزال يروع
وفى البلدة الحمراء شمس منيرة ... تراقبها عيناى من أين تطلع
لها في سواد القلب أشرف موضع ... وليس لها عند الجوانب موقع
فلله ما حملت قلبى من الهوى ... وفيه كناس للظباء ومرتع
ألم يأن للحى الذين ترحلوا ... رجوع وهل عصر الشبيبة يرجع
سقى الله أرضا حلها نور شمسه ... له في الحشا عندى شفيع مشفع
ولا روع الرحمن سرب عقائل ... نوازع آمالى إليهن نزع
لهن عهود لا تضيع حقوقها ... ولست أرى عهد الكرام يضيع
فيا أخت حامى الحى يوم نزالهم ... ويا بنت من يدرى العفاة وينفع
стр. 2432
ودادى محفوظ على عهدته ... لديكم أم الود الصميم مضيع
رعى الله أيام الشباب فإنها ... مواسم فيها للنفوس تمتع
وحى القصور الخضر صوب غمائم ... مباركة تهمى عليها وتهمع
قصور بها المنصور يحمى حقائقا ... من الدين فيها الخير للخلق أجمع
يجهز إسماعيل منها كتائبا ... تكاد قلوب الشرك منها تصدع
فلله منه النفس والحرب ترتمى ... بموج المنايا والأسنة شرع
وما افتر ثغر قبل تقبيل سيفه ... ولله سر في الخلائق مودع
وكم ليلة باتت بها الخيل عوما ... بحورا من الظلماء والناس هجع
وما سر منه النفس غير سريرة ... يخب إلى الأعداء فيها ويربع
ولم تك أوقات الرخا تستفزه ... ولا كان يوما في الشدائد يضرع
فلله ما ضمت ثياب أبي الفدا ... من المجد والتقوى وما هو يصنع
يباشر في كل الأمور أموره ... بقلب نقي للمكارم منبع
أعز الإله الدين بابن نبيه ... وما أن يعز الدين الاسميذع
فيا ابن الألى سارت بمدح جدودهم ... رفاق لها بين السبايب مهيع
ألستم سراة المسلمين وأسرة ... محبتهم يوم القيامة تنفع
إذا أطعموا يوم الوليمة أشبعوا ... إذا طعنوا يوم الكريهة أوقعوا
ألستم شموسا في الورى ووجودكم ... أمان لهم من كل ما يتوقع
إذا سدتم الأملاك شرقا ومغربا ... فما سادهم إلَّا النبال الموقع
وإن كان فيهم للخلافة زينة ... فمنصبكم فيها أجل وأرفع
بقيت لهذا الدين تعلى مناره ... وقدرك من بين الملوك مرفع
стр. 2433
وقوله وقد أمر السلطان المذكور كتابه بوصف قضية حال قصها عليهم، ومراده اختبار قرائحهم، وذلك أنَّه كان يوما مع بعض جواريه وقد حملت سيفا وسارت أمامه:
حملت سيوف الهند وهى غنيمة ... عن حملها بلواحظ الأجفان
حسب الفتاة جلالة ومهابة ... عز الجمال مهابة السلطان
* * *
стр. 2434
إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس
تأليف
ابن زيدان: عبد الرحمن بن محمد السجلماسي
(١٢٩٠ هـ - ١٣٦٥ هـ)
تحقيق
الدكتور علي عمر
بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية
بجامعة المنيا والإمام بالرياض
ومن الباحثين بمركز تحقيق التراث «سابقا»
[الجزء الخامس]
стр. 2435
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر
الناشر
مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة
٥٢٦ شَارِع بورسعيد - الْقَاهِرَة
ت: ٢٥٩٢٢٦٢٠ - ٢٥٩٣٨٤١١ - فاكس: ٢٥٩٣٦٢٧٧
E-mail: alsakafa_aldinay@hotmail.com
بطاقة الفهرسة
إعداد الْهَيْئَة المصرية الْعَامَّة لدار الْكتب والوثائق القومية
إدارة الشئون الفنية
إتحاف أَعْلَام النَّاس بِجَمَال أَخْبَار حَاضِرَة مكناس ج ٥
تأليف: ابْن زَيْدَانَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المكناسي, تَحْقِيق: عَليّ عمر، ط ١، الْقَاهِرَة: مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة ٢٠٠٨ م
٥ مج: ٢٤ سم
تدمك: ٤ - ٣٩٣ - ٣٤١ - ٩٧٧
١ - الْفُقَهَاء - معاجم
أ - عمر، عَليّ (مُحَقّق)
ب - العنوان
ديوى: ٩٢٢.٥٨
رقم الْإِيدَاع: ٧٦٧٠/ ٢٠٠٨
стр. 2436
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2437
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
* * *
٤١٢ - عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله بن فخر الملوك أبي النصر إسماعيل السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان .
ولادته: قال نجبه العلامة المولى العباس فيما قرأته بخطه ومنه نقلت ولفظه: ولعل في هذا العام (يعنى عام ١٢٠٤ أربعة ومائتين وألف) ازداد والدنا ﵀ سيدى ومولاى عبد الرحمن بن هشام هـ أمه السيدة هنية بربرية.
حاله: وصفه أبو حامد العربى الجامعى فيما كتب به للأمين الحاج محمد الزبيدى معزيا بتاريخ خامس صفر عام ستة وسبعين بقوله: مولانا فخر الملوك، وملجأ الضعفاء والمساكين، وسيف الله على الطغاة المعتدين، الحليم الرءوف الصابر، الجابر المتيقظ المتغافل، العابد الزاهد أُويس وقته هـ.
ووصفه العلامة الناسك المرشد الشيخ المختار بن محمد بن المختار الكنتى فيما كتب به إليه يعظه وينصحه بما لفظه: نخبة الأخيار، وخلاصة خاصة الأحرار، سلسلة السادات الأبرار، وخاتمة القادات ذوى الأقدار، منبع الفضل والجود، وفرع سبب أصل الوجود، من ثبت أصل شجرته وفرعها في السماء، وطاب ثمرها ودنت قطوفها للاجتناء، فكان أعرقها عرقا، وأرحبها عزقا، الفارع البارع، الورع البر المتواضع، الساعى في الخيرات المسارع، الجهبذ المجاهد أعداء
стр. 2438
[صورة]
تقريظ حضرة صاحب السمو الأمير أحمد باشا باى صاحب المملكة التونسية للتاريخ
стр. 2439
الدين، حامى بيضة الإسلام من المعتدين، إمام الأمة، القائم بكل الإمَّة (١) الباقعة السامى يتيمة الخلف، الخليفة المستخلف، الَّذي أنشد فيه الحال:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلَّا له ... ولم يك يصلح إلا لها
الإمام الحق، الحاكم بالحق، وظل الله في أرضه، أمير المؤمنين سيدنا ومولانا عبد الرحمن ابن أمير المؤمنين سيدنا ومولانا هشام ابن أمير المؤمنين سيدنا ومولانا محمد ابن أمير المؤمنين سيدنا ومولانا عبد الله ابن أمير المؤمنين سيدنا وملانا إسماعيل بن مولاى على الحسنى.
إلى أن قال: هذا وقد قدم علينا من ناحيتكم الميمونة الفاضل الأديب، الفائق الأريب، السالك الناسك الصادق الذائق سيدى بابا أحمد بن عبد الرحمن في وفده المبارك غير خزايا ولا ندامى، فأثنوا عليك بما أنت أهله، وأنشدوا من فضائلك ما طوى البين، وفصلوا وأذاعوا من تقريبك العلماء، واحتفالك بالعلم، وصرفك عنان الهمة إليه، وإحيائك السنة، وإماتتك البدعة، ولين جانبك، وخوفك وتواضعك، وعفوك وحلمك وصبرك، ووقارك، وتوكلك وزهدك، وورعك وكرمك، ما هو الغاية القصوى المنتقاة، وقرة العين المبتغاة، والدليل القاطع على أحقيتك بالإمامة الحقيقية وأخلقيتك بالخلافة الحقية الحقيقية. إلى أن قال: إنه لم ينقل إلينا واش ولا خاص ولا عام قديما وحديثا من سيرتكم من عهد أمير المؤمنين مولانا سليمان إلى الآن ما ينقم حاسد، ولا ينقد بصير ناقد، إلَّا شدة الحجاب إلخ.
стр. 2440
ووصفه العلامة الخطيب السيد عبد الحفيظ الملقب الكبير الفاسى الفهرى في "إعراب الترجمان، عن قصة الأوَدايَة مع مولاى عبد الرحمن" بما لفظه: الإمام الَّذي حطت لديه السيادة ركابها، وأرخت عليه السعادة أطنابها، وتنظمت عقود مملكته أي انتظام، وانقادت له سوابق الخلافة بغير زمام، وتقلد بسيف النصر والمهاد، وقام على ساق الجد والاجتهاد، وشمر على ساعد السعد لنصرة الدين، مقتفيا آثار الخلفاء الراشدين، الأمير الَّذي ارتقى ذروة الجلال، وتحلى بأوصاف الكمال، وتفرد بالمحاسن الرائقة الجليلة الحسان، وجمع من الفضائل ما لم يأت على حصره لسان، رفيع القدر والشأن، أمير المؤمنين أبو زيد مولانا عبد الرحمن هـ.
وقال أبو محمد العربى بن على المشرفى الراشدى في مؤلفه "فتح المنان بشرح قصيدة ابن الونان" أو "المواهب السنية، في شرح الشمقمقية" -وكان شروعه في هذا الشرح مستهل شوال سنة ١٢٩٤ أو في العشر الأواخر من رمضان، وانتهاء استخراجه من مبيضته أواخر جمادى الأولى سنة ١٢٩٥ كما قال ذلك عن نفسه- في حق صاحب الترجمة ما لفظه:
أعز الله به الدين، وخذل الأعداء والبغاة المعتدين، وتمم مكارم الأخلاق لمن كان قبله، ولم يسود للإيمان وجها بل نور نهاره وأقمر ليله، وأرغم أنف الشيطان وأولياءه بوصية المولى سليمان، فكان في أسوأ الزمان حسنة الليالى والأيام، المضاعف أجرها للمولى الإمام، إذ هو الَّذي عهد له بالخلافة، وما شأن تصرفه طول عمره على وفق الشرع وما رام خلافه.
فهو الَّذي اختاره الله سلطانه العزيز، ورفعه على منصة التبريز، بل هو الإمام الَّذي ألقت إليه الإمامة زمامها، وقدمته الأفاضل لما اختص به من الفضائل أمامها، عميد المجد الَّذي لا يتناهى فخره، ووحيد الحسب الَّذي تسامى قدره،
стр. 2441
فرع الدوحة المحمدية التي عم خيرها الإسلام، وغصنها الناعم الَّذي في روض أمنه أنام الأنام، بل هو المستظل بظل حرم نسبه المتصل بسيدنا محمد النفس الزكية، وشجرته الثابتة في الروضة الفاطمية العلوية، أعز الله به هذه الأمة المحمدية، التي هي خير أمة أخرجت للناس، وأسعد به هذه الأقطار المغربية كما أسعد بطالع سعده حاضرة فاس، وكان يسترعى على رعيته، حفظا لرعايته، ويأخذ في تسكين هذه الأوطان وتمهيدها، واستئناف العزائم وتجديدها، وإطفاء نار الفتن وإخمادها، وإعلاء أركان الإيالة ورفع عمادها، فكسر للبغاة الشوكة، ودفع بسياسته عن رعاياه الوثنية والشركة، وقد كان وعاظا لرعيته مشفقا عليها رءوفا بها، وإذا ظهر جور عامل وكررت به الشكوى لديه ولم يوافق على عزله في الحين، فإنما ذلك. من سوء الظن بالشاكى، لعموم الفساد على وجه الأرض في البر والبحر، وفى كل ذلك لم يخل فؤاده من نية عزله وكذلك عند جور وزير أو غيره هـ.
وقد كان ﵀ صواما قوامًا، من أتقى ملوك الإسلام وأقومهم طريقة، ذا علم وورع، وديانة وعفاف، وكمال هدى وجد، ونجدة وشجاعة، وصدق لهجة، واقتصاد في الأمور وتدبر ونظر في العواقب، ومراقبة وخوف وخشية، وحلم وشفقة، وتأن وتوقف في الدماء، وصلابة في الدين، وقوفا مع الحق لا تأخذه في الله لومة لائم.
مقتصدا في مأكله ومشربه وملبسه يلبس المرقع والمخصوف، قدم له يوما صاحب طعامه جريدة صائره اليومى فوجد به زيادة غير معتادة، فسأله عنها؟ فقال: هي قيمة بعض الخضروات أول ظهورها، فقال له: لا تعد لمثلها، فإنى لا أحب أن أتناول إلَّا ما يقدر الضعيف على تناوله، ما لى وللخضرة الجديدة، حتى إذا كثرت آكلها كغيرى.
стр. 2442
قال الفضيلى في الدرر البهية: أخبرنى من أعتمد حديثه من أقاربنا أنَّه تعذر ذات يوم على أهل مطبخته الوقود، ولما أمسى المساء بات جل أهله بدون عشاء، فلما بلغه ذلك كشف رأسه واعتراه سرور عظيم، ثم رفع يديه وقال: اللهم لك الحمد والثناء حيث سويت بين أهلى وبين ضعفاء المسلمين، وما لام من فعل ذلك ولا عاتبه ولا عنفه ولا أنبه، قال: وهذا دأبه في سائر الأحوال هـ.
وحسبك في هذا الباب أنموذجا ما كتب به لنجله المولى سليمان وإليك لفظه بعد افتتاحه:
"ولدنا الأبر مولاى سليمان، أصلحك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فاعلم أن التوسع في المأكل والمشارب بأن يكل المرء كل ما اشتهى من الخصال البهيمية، والأخلاق الحيوانية، مع أنكم اليوم في مقابلة جهاد ورباط، ولستم بِصَدَدِ رفاهية ونشاط، ففي الحديث من كانت همته في بطنه فقيمته ما يخرج منها، وفى الأثر عن سيدنا عمر ﵁: كفى بالمرء إثما أن يأكل جميع ما اشتهى ونحن من العرب، وشأن العرب أخذ البلغة والاكتفاء بما وجد ولقد قائلهم:
وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نلت غاية الذم أجمعا
كما كان أسلافنا في حركاتهم لتمهيد القبائل بناحية الترك يقتصرون عند الحاجة على جمع فضلات علف الخيل، ويقلونه ويدقونه ويقتاتون به، وما أدركوا الَّذي أدركوه بالرفاهية والسعة، وإنما أدركوه بالصبر وتحمل المشاق من جوع وغيره، فالزم القناعة والإمساك عما فيه غضاضة وشره، وإياك أن تكلف الأمين هنالك أو غيره بشيء خارج عن الضرورى، وتجعل تقول: ايتنى بهذا الشيء، فإنى إن
стр. 2443
سمعت عنك شيئًا من ذلك لا تبقى تساوى عندى قلامة، وتسقط من العين التي أنت فيها عندى، فاقبل على ما آتاك الله ولا تمدن عينيك إلى ما زاد على ذلك، وإياك أن ترى فرسا عند عامل أو غيره وتوجه له فيه، وارفع همتك عن كل أحد حتَّى إن عرض عليك أحد شيئًا قل له: لا أتوقف على شيء، وأنا الَّذي أُعطى للناس، وإذا دعتك داعية لشهوة أو غرض فاقمع نفسك، وشم يدك واشبع، ففي المثل: تجوع المرأة ولا كل من ثديها، وقال الشافعي:
إذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا
فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
فإن إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا
واعلم أن تلك المراسى الثلاثة تطوان وطنجة والعرائش من أضعف البلاد وأقلها زرعا، وإنما يجلب لها من القبائل جيرانهم، فلا ينبغي أن يكلفوا أو يشططوا، بل ينبغي للنازل فيهم أن يعيش بعيشهم ويقتصر على قوتهم:
البس لكل حاجة لباسها ... إما نعيمها وإما بؤسها
وهذه وصية خصصناك بها، وتذكرة آثرناك لها لتجرى على مقتضاها، وتسلك السبيل التي نحبها ونرضاها، والله يبقيك والسلام في ٢٨ رجب الفرد الحرام عام ١٢٦٠ هـ".
وكان قبل هذا قد كتب كتابا شديد اللهجة للقائد بريك الحبشى يحذره من أن يدع ولده المولى سليمان المذكور يتمتع بأنواع الملابس، كما حذره قبل من التنوع في المآكل والمشارب، ونص ما كتب به بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"وصيفنا الأرشد بريك الحبشى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى، وبعد:
стр. 2444
فاعلم أنا إنما بعثنا ولدنا المولى سليمان بقصد قراءته والاشتغال بما يعنيه، ولم نوجهه دلالا يتخير في الشقق ويتلون في الملابس، ولم نبعثك معه إلَّا بقصد حراسته وحفظه من هذا وشبهه ومنعه ما لم نأذن لك فيه، فإن احتاج إلى كسوة أو شيء يطلبه منا ولا يباشر ذلك بنفسه ويوجه ... عليه ولم ننقم على أخيه مولاى أحمد إلَّا هذا وشبهه، مع محافظته على دينه ومروءته، وعليه فإنى أعاهد الله تعالى إن سمعت عليه شيئًا بعد هذا أو أطلقت له اليد في التصرف في شيء مما دخل عليه من الهدايا شققا ودراهم حتَّى نخلى داربوك، فإنما وجهناك معه لتمنعه مما لا يناسب، فإذا تركته وما يريد فوجودك وعدمك سواء، فإن ضاع مما دخل عليه قلامة أو تصرف في شيء ببعث أو إعطاء نعاقبك عليه، واترك ذلك موقوفا حتَّى أرى فيه رأيى إن شاء الله والسلام في ٢٣ شعبان المبارك ١٢٥٥ ".
وله قدس الله سره في مثال هذا أخبار يضيق عنها المقام.
ولاه عمه أبو الربيع سليمان أمانة ثغر الصويرة وعمالتها، ثم نقله للخلافة عنه بفاس وذلك عام سبعة وثلاثين ومائتين وألف، فأحسن السيرة وقام بمأموريته أحسن قيام.
ووجهه مع أولاده للحرمين الشريفين بقصد أداء فريضة الحج وزيارة قبر جده عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وأعطاه بضاعة ينفقها في سبيل حجه فحفظها ولم يتصرف في قيراط منها، ولما آب من حجه ردها إلى عمه وقال له يا سيدى: إننى كنت ادخرت بضاعة جمعتها من كد يدى لأنفقها في هذا الصدد، وآليت أن لا أضيف إليها غيرها إلَّا إذا نفدت، وقد حصلت لى بها الكفاية والحمد لله، فعجب عمه من حاله وسر واستبشر وقال له: خذ ذلك بارك الله لك فيه.
بويع له بالخلافة بعد وفاة عمه أبي الربيع المذكور بعهد منه يأتى نصه في ترجمة عمه سليمان بحول الله وقوته، وكانت بيعته بفاس في خامس عشر ربيع
стр. 2445
[صورة]
بيعة أهل الرياط للمولى عبد الرحمن
стр. 2446
النبوى عام ١٢٣٨ ثمانية وثلاثين، وبويع له بالعاصمة المكناسية يوم الأحد الرابع عشر من ربيع الثانى، وسبب تأخر بيعة أهل مكناس ما كان من المخالفة والشقاق بين قاضيها أبي العباس أحمد بن عبد الملك مار الترجمة، وبين عبيد البخاري على ما قرأته بخط أبي العباس الأغزاوى المترجم فيما سلف، قال: حتَّى هم العبيد بقتل القاضي، وما منعهم من ذلك إلَّا الشرفاء، قال: وأقام المترجم بفاس بعد البيعة له سنتين هـ.
والذي للزيانى في "عقد الجمان، في شمائل السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام" وذكر حركاته وغزواته وعماله وقواده وأمنائه وقضاته، أن خبر وفاة المولى سليمان إنما وصل لفاس في السادس والعشرين من ربيع الأول هـ.
وفى الاستقصاء أن القاضي ابن عبد الملك كان ممن حضر البيعة بفاس هـ يعنى وهو متول خطة القضاء بها إذ ذاك، والذي يظهر أن ما عند الأغزاوى المذكور أصح وأضبط، لأنه ممن حضر وعاين الوقائع وممن كان بصدد تقييد الحوادث مياومة والله أعلم، ثم أعلنت بيعته في سائر البلاد المغربية.
ونص بيعة أهل الرباط له من إنشاء أبي العباس أحمد الرفاعى الرباطى كاتب الدولتين ومن خطه نقلت:
"نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين. هذه بيعة مظهر العدل والإحسان. أمير. المؤمنين مولانا عبد الرحمن. ابن حائز الشرفين. وشريف الطرفين. مولانا هشام بوأه الله فراديس الجنان.
الحمد لله عاقد ألوية النصر بمعاقد العز منشورة الأعلام، وناشر الرحمة العامة بأنوار الخلافة العظمى عناية بأهل الإسلام، ومرسى قواعد الشريعة بالخلفاء أن تميد، وهو الَّذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولى الحميد،
стр. 2447
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، أحمده حمدًا يوافى متوالى آلائه التي من أجلها الاستظلال في كنف الخلافة، وأشكره شكرًا كفيلا بالمزيد من كرمه الَّذي نؤمله ولا نعتمد خلافه، وأستعينه على القيام بأمور الدين وأتولاه، وأستنصره جلت قدرته وما النصر إلَّا من عند الله، إن الله عزيز حكيم، وأستغفره مما يعرض من التقصير فيما طوقناه من الأمور الأكيدة، وأعوذ بوجهه الكريم من شرور أنفسنا التي لولا عدل الخلافة يحجزها لهوت في هوة المكيدة، وأستهديه إلى الاستضاءة بشمس الخلافة في فلك السعادة، وأستكفيه فتنة من يعشو عن أنوار الحق في البدء والإعادة، وأعتصم به اعتصام الذين باعوا من الله أنفسهم فآمنوا وجاهدوا، وأستمسك بسنته استمساك الواثقين به الموفين بعهدهم إذا عاهدوا، ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له شهادة يزين التدين بطاعة سلطان الله حلاها، وينتظم في سلك الدين والوفاء علاها، شاهدة لمن وفى بما عاهد عليه الله بالنجاة، كفيلة لمن دان بها بأعالى الدرجات، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم.
وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمد ﷺ عبده الَّذي بعثه رحمة لخلقه يزكيهم ويهديهم، وخليفته الأعظم الَّذي أوحى إليه ﴿إِنَّ الَذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ... (١٠)﴾ [الفتح: ١٠]، وأمينه الَّذي شرع نصب الخلافة عصمة نأمن بها سوء العدو ومكره، وحبيبه الَّذي ألزم خلقه السمع والطاعة في المنشط والمكره، ووليه الَّذي نوه بذكره فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، اللهم فصل وسلم عليه وعلى آله العترة الزكية، والنسمات الذكية، الذين عقدت لهم لواء المجد في صدور الأكارم، وحفظت بهم نظام أشتات المكارم، وأغليت
стр. 2448
نفائس معاليهم فوق الدر النظيم، صلاة وسلاما يشملان أصحابه الذين قاموا على الواجب بأعباء ما رغب فيه وأمر، وأجمعوا على إنفاذ عهد أبي بكر بالخلافة لعمر، وحافظوا على التمسك بسنته في الحديث والقديم، وواصل اللهم رضوانك الأكبر، ورحمتك الموجودة في المورد والمصدر، على ساداتنا العلماء الذين بلغونا عنه حقائق الدين، وأئمتنا الخلفاء المهتدين، الذين لم يزالوا شجى في لغاديد المعتدين، وسرجا يستضاء بهم في دياجى ليل الخطب البهيم.
ونضرع لك في تأييد مولانا الإمام الَّذي عقدت عليه الخناصر، وقطع به أثر كل باغ متمرد فما له من قوة ولا ناصر، وكففت به أكف أهل العداء وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون، ومننت على العباد تيمنا به بعام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم.
أما بعد: هذه الفاتحة التي تيسر لها من الآمال كل مرتجى، وأطلقت من ألسنة المسألة والابتهال ما كان معقودا مرتجا، ورسخت في قواعد التأييد والظفر سوقها، ونفقت في متاجر العز والتمكين سوقها، وسقاها اليمن وابل عهاده، وأحلها الإقبال بحبوحة صدره وفسيح مهاده، وأسرعت نحوها الآمال خاضعة، ولبت دعوتها أعيان الأكابر وأكابر الأعيان مطرقة متواضعة، وابتسمت لها ثغور اليمن ضاحكة بملء فيها، وهش لها من كل قلب منيب يبتغى الديانة ويصطفيها، فإن الله ﷻ ، وعز كماله، دعا خلقه والصحف مطوية والأقلام جافة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْم كَافَةً ... (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وإن الإمامة العظمى من الدين بمحل الروح من الجسد، والشجاعة من الأسد، ومنصب عظيم الخطر والبال، ومرتبة يعز منالها بتكلف واهتبال، ولكنها موهبة من الله يرشح لها من اختصه بفضله ومبرته، ومظهر قدرة حفته عناية قوله ﵇: إذا أراد الله أن يخلق خلقا للخلافة مسح يده على ناصيته، وقد احتضنتها بهذا
стр. 2449
المغرب والحمد لله أبوة نبوية، ونسبة هاشمية علوية، فتمت له المآرب بهالات البدور، وانشرحت به الصدور من الصدور، فإنها دولة رفعت منار العدل على العلم المنيف، وأمنت كل مروع من الخطوب في إقامة الدين الحنيف، وازدهت بالخلافة بيض أيامها وغر لياليها، واتسقت لها المفاخر الجسام من مواليها، ونشرت أعلام الفضل المبذول للأنام على السوية، وحاطتها أيدى الأقدار لحسن السيرة وصفاء الطوية، وصارت أزمانها على التجدد موسما وعيدا، وأمنتها عناية الملك الحق إسعادا وتأييدًا، بأمراء ورثوا سر النبوءة كابرا عن كابر، وتأثلوا الفخر التليد المتلو في المصاحف على رءوس المنابر، حتَّى أفضت بالتأييد والمبرة العميمة، إلى صدر صدورهم الَّذي حاز من هذا الفخر صميمه، إمامنا الَّذي لم يختلف في عدله وفضله اثنان، وسلطاننا الَّذي أيد الله به الدين وقلده أمر المسلمين فما بات عن مصالحهم بطرف وسنان، سلطان العلماء وعالم السلاطين أبي الربيع مولانا سليمان، فلم يأل جهدًا ﵁ في نصيحة يدخرها لغده، ومبرة يتعجلها حيثما مرت على خلده، مؤيدا للدين والسنن، موضحا بالقول والفعل كل نهج حسن، رافعا منار الحق وشعاره، جاعلا تقوى الله دثاره وشعاره.
وكانت أيامه الغر شامة في محيا الدهر، وعوامله المرجوة المخوفة محيية للمهج قاصمة للظهر، في خفض ودعة، وبركة وسعة، لا جرم قد طلع في آفاق السعد مطلعا قفى به وفاق سلفه، ويسر له وعلى يديه من الآمال ما أجزل به أجره وأدخله كنفه، وناهيك به من إمام حسنت أياديه فهي لعيون الزمان نواظر، وطابت بعدله أغصان السول فهي زواه نواضر، تزهى في ثوب العز والقبول، وتميس ببرد قشيب بين الصبا والقبول، وللناس ببركته سرور وازدهاء، والأيام في طرب من مراد واشتهاء.
وهو لنا أب بر ونحن له بنون، تجرى بأمره الأقدار وعلى حكم خواطره
стр. 2450
المنون، حتَّى اشتاق إلى ربه، وأحس بإجابة الداعى من قلبه، نظر ﵀ شفقا في الأمانة، في عصابة أبقى الله على خلقه ببقائهم أمانه، فاختبر على محك السبر يواقيت الآل، ونفائس اللآل، فتخير أثبتها جنانا، وأقواها نجدة وبيانا، وأوفرها مروءة وديانة، وأكملها عدالة وصيانة، وأجمعها لشرائط الإمامة اتفاقا، وأوعبها لضروب الكمال في سوق المعارف والعوارف نفاقا، وكان هذا البدر الساطع، والسيف القاطع، حسنة الدهر، وشذا خمائل الزهر، المفضال المبرز في ميدان العلوم بذكائه، والمقدام المجلى في مضمار السبق بذكائه.
طالع الأمن في غرة الأزمان، ويتيمة الفخر التي تضاءلت لعلو مقدارها الأرواح والأثمان، أبو زيد مولانا عبد الرحمن ابن أخيه أمير المؤمنين مولانا هشام ابن أمير المؤمنين السلطان الجليل مولانا إسماعيل الشريف الحسنى العلوى.
فعهد إليه بالخلافة بعده، وألزم كل واحد من رعيته السمع والطاعة له جهده، فكان أمره ﵀ حتما، وعهده حكما، ولما تحول ﵀ للملك الكبير، وجوار الملك الخبير، وثبت عهده الَّذي نصح فيه لله ولرسوله وللمسلمين كان أول من قام بتنفيذ أمره العاطر الأنفاس، صدور العلماء وعلماء الصدور بحاضرة فاس، في جملة من بها من الأئمة والأشراف الذين هم بدور الحنادس المدلهمة، وعامة المسلمين وخاصتهم، والجيش السعيد من الوداية وغيرهم، فقلدوه الإمامة الجسيمة، ورفعوا ببيعتهم منار الإسلام اغتناما لبركته العميمة، فقام بها علما، وأرضاها عدلا وسيفا وقلما، وأفاض سجال الفضل وهو أيسر شمائله، وسار سيرة أخجلت ورود الزهر في خمائله، فأرتهم محاسنه من ضروب الحسن والإحسان عجائب أحجم المقوال عن إبانة فضلها، وتلت عليهم باليمن والعافية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
وإنا معشر أهل رباط الفتح من الخاصة والعامة من ساداتنا الشرفاء والفقهاء،
стр. 2451
والعلماء والطلبة والمجاهدين الرؤساء، من الطبجية والبحرية قاطبة، وأهل الحرف قد بلغنا على الحقيقة جميل ما صنعه أهل حارة المغرب قاعدة فاس، العطرة الأنفاس، من تنفيذ عهده، والوفاء بوعده، فأسرعنا مهرولين، وعلى إجابته معولين.
فإنا نشهد الله وملائكته أنا نقر له بالسمع والطاعة، في المعروف حسب الاستطاعة، وأعطينا أمير المؤمنين مولانا عبد الرحمن هذا أيده الله تأييد جده ببدر، وأحله من القلوب بسويدائها ومن محافل الجلالة بالصدر، صفقة أيدينا، وعقد قلوبنا، وبايعناه بيعة نبتغى بها رضا الله والدخول في الطاعة، وننتظم بها في سلك جماعة المسلمين، فيد الله مع الجماعة، وقد التزمنا إمامته، ورضينا بها تاجا للفخر وعمامته، على الوفاء بما ألزمنا الله من طاعة إمام البرية، وما ألزمه الله من حقوقنا في جملة الرعية.
اللهم اجعلها بيعة مستمدة بكرمك من بيعة الرضوان، وأتح لنا من نعمك بها ما لا يخطر ببال في كل حين من الأحيان، وبارك لنا في إمامته بركة تشمل النفس والأهل والأموال والأولاد، وتحفظ بها المهج والسفار والتجار والبلاد، ويسر له آمال الراغبين، وحطه وحط به فإنك ملجأ الطالبين.
اللهم وَآلِهِ بوَلائِك، وكن له نصيرا غامرا بآلائك، وألهمنا وإياه شكرا يقتضى الآلاء، ويقضى بانقضاء اللأواء، إنك سميع الدعاء، بجاه سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام آمين.
شهد على نفسه وعلى جميع من حضر هذا العقد السعيد بعقده والتزامه، وعرفهم وهم بأتم حال وأكمله في وقت الضحى والشمس على ارتفاع ٢٨ ثمان وعشرين درجة من يوم الخميس التاسع عشر من ربيع الثانى عام ثمانية وثلاثين
стр. 2452
ومائتين وألف، عبد ربه تعالى، أحمد بن محمد الرفاعى الحسنى لطف الله به آمين.
وبعده واحد وعشرون توقيعا وشكلا منها: محمد بن أبي العباس الرفاعى، ومحمد بن محمد الأوسى الأندلسى، ومحمد بن العربى عاشور، وعبد القادر بن المهدى مرين، وصالح بن أحمد الحكمى، ومحمد بن محمد البوعزوى، ومحمد بن محمد السلاسى، ومحمد الطيب بسير، ومحمد بن المكي البنانى، ومحمد بن على الزعيمى، ومحمد بن محمد فرج.
وقد رفع على خط الكاتب المذكور بما نصه:
"الحمد لله، الخط والشكل الأول عقبه بصك بيعة أهل هذه الحضرة الرباطية لأمير المؤمنين أبي زيد مولانا عبد الرحمن العلوى، روح الله روحه، وأسكنه من الجنان فسيحه، أعلاه كلاهما للفقيه العلامة الأوحد أبي العباس سيدى أحمد بن الفقيه الأسمى سيدى محمد الرفاعى الحسنى، قاله عارفهما معرفا بهما من غير شك يلحقه في ذلك في ثامن عشر محرم الحرام عام اثنين وخمسين وثلاثمائة وألف، عبيد الله تعالى محمد بن العباس الرفاعى لطف الله به".
ونص الأداء عند قاضى الرباط الحالى:
"الحمد لله وحده أدى المعرف أعلاه فقبل وأعلم به عبد السلام بن إبراهيم لطف الله به".
هذا ولم تزل البلاد على عهده في هدوء وراحة وإقبال، وسعادة وثروة وزيادة نوال، والحدود قائمة، والفتن نائمة، والمظلوم ينتصف من الظالم، والبرئ لا يخشى سطوة الحاكم، رغما عما وجده أمامه من الأهوال، والفتن البربرية التي أصبحت بها الدولة في انحلال كاد أن يئول إلى الاضمحلال.
стр. 2453
فقابل تلك الخطوب بلا مال ولا معين ولا ناصح، فرد الملك المحمدى إلى عنفوان شبابه، وجدد سياسته على المهيع العتيق الوثيق، ونظم التراتيب الداخلية، على نحو ما أرَاد، ورتب أمور الرعية وأصلح ما أفسده الزمان منها.
وولى وعزل، ونكل من استحق التنكيل، وأقر من يستحق الإقرار مع التكريم والتبجيل، وأصدر في هذه السنة الأولى من ولايته الملك ظهيرا شريفا بتوقير واحترام حفدة الأستاذ سيدى عبد الرحمن بن القاضي وإبقائهم على عادتهم.
ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله "عبد الرحمن بن هشام بن محمد" وبدائريته "محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، على" ﴿... وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ (٨)﴾ [هود: ٨٨]:
"جددنا بحول الله وقوته حكم ما بأيدى المرابطين حفدة الفقيه الأستاذ سيدى عبد الرحمن بن القاضي، من ظواهر عمنا المرحوم المتضمنة التوقير والاحترام، والرعى الجميل والإعظام، وما بأيديهم من الظهائر السلطانية والمكاتب الملوكية، لأجل انتسابهم، وأبقيناهم على عادتهم المألوفة في ضريح الولى سيدى المليلى من الاختصاص بما يوضع فيه من الصدقة والنظر في مصالحه، بحيث لا ينازعهم فيها أحد، والله يوفقنا وإياهم والسلام في ١١ جمادى الثانية عام ١٢٣٨".
ولما فرغ من التراتيب الداخلية خرج من فاس لتفقد الأحوال، ومراقبة ما عليه العمال، واستخلف على فاس ابن عمه أبا عبد الله محمد بن الطيب (١) فنزل
стр. 2454
بقصر كتامة، وبه اجتمعت عليه الجيوش من أعمال مراكش، فرحل إلى الرباط وبه أقام مناسك عيد الأضحى، ورجع إلى فاس أَوائل رجب سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف، فأمر بشراء الأملاك التي بين قبة المولى إدريس وسوق البزازين، فهدمت وزادها في سعة مسجد الشرفاء.
ثم أمر بسنة الختان لأولاد الغرباء والضعفاء والأيتام من الحواضر والبوادى، وكان اختتان من ذكر بضريح الشيخ أبي الحسن على بن أبي غالب، وأمر أمناءه بإعطاء جميع من ختن، قميصا من كتان ودراهم، ثم وصل ضعفاء فاس بمال جزيل وكان توزيعه على يد مقدمى الحومات، فخان أولئك المقدمون، واستبدوا بنحو النصف لأنفسهم. قاله في عقد الجمان.
وفى هذه الأثناء خرج للعاصمة المكناسية وكانت تعجبه، فرأى من تلاشى الجيش البخاري بها ما أهمه، ولم يزل يعالج أمره حتَّى أنعشه وأمده بالخيل والسلاح، ورتب له الرواتب الشهرية ثلاثون أوقية للفارس ونصفها للراجل وثلثها للشويردات -أبناء الجيش الذين لم يبلغوا الحلم- وربعها للمسنين الذين تقاعدوا عن الخدمة، وثمنها للصبيان.
وقرر أن يسقط راتب من مات ممن ذكر، فإن وجد من يخلف الهالك يعين في محله، وإلا فيبقى المرتب بيد ورثة الهالك إلى أن يوجد من يخلفه.
أما إذا مات فرس فيجمع المرتب المعين له إلى أن يجتمع ما يعوض به فيشترى فرس آخر بدله، ولا بد من الإشهاد بالعدول على عين الفرس الَّذي مات ووصفه وصفا مدققا، ويكتب ذلك في كناش ليقابل بكناش إحصاء الخيل بأوصافها الخاصة.
ينبئك عن كبير الاعتناء والتدقيق الَّذي كان جاريا في أمور الخيل وأنسابها وأسمائها وأوصافها في دولتنا العلوية، ما كتب به ولد صاحب الترجمة سيدى
стр. 2455
محمد زمن خلافته عن أبيه للقائد الجيلانى بن بوعزة في هذا الشأن ونصه بعد الحمدلة والصلاة:
"وصيف سيدنا الأرضى القائد الجيلانى بن بوعزة، أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، عن خير مولانا أيده الله ونصره.
وبعد: فقد وجدنا في نفولة من نفائل أنساب الجذعان الفطام الذين وجهت جذعة زرقاء بالدينار بنت الحيمر فرس ابن العامرى، مع أن الحيمر أصله من الصحراء لا مِنْ بنى حسن، والآن أعلمنا هل الكاتب الَّذي كان يقيد أنسابهم أراد أن يجعل الحميرى فغلط ونجعل الحيمر، أو كائن لابن العامرى فرس يقال له الحيمر لنكون على بصيرة، أصلحك الله والسلام في ٢٢ ربيع الثانى عام ١٢٦٣".
واتخذ الجيش من خمس قبائل: الأوَدايَا، والشراردة سكان آزغار، وأهل سوس سكان مراكش، وشراكة وأولاد جامع، وأهل فاس، وعبيد البخاري، ورتب لهذا الجيش الكسوة في كل ستة أشهر، والصلة شهرا دون شهر مقدار المرتب الشهرى المذكور، ويكون توزيع تلك الصلات طبق توزيع الراتب هـ.
وكان له مزيد اعتناء بالجيش المذكور، يتفقد أموره، وينظر في إصلاحه يدل لذلك هذا المقال الَّذي كتب به للقائد الجيلانى بن بوعزة يأمره بوجوب متابعة قوانين الجيش، والتمشى على سننها، ويذكر الإنعام الصادر لوفد عيادة الجيش، ويأمره باستعراضهم ودفع رواتبهم والنظر في خيل فرسانهم.
ونص أولها بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"وصيفنا الأرضى القائد الجيلانى بن بوعزة، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابك، وعرفنا ما فيه، ووصل عيادة الجيش السعيد