والعلماء والطلبة والمجاهدين الرؤساء، من الطبجية والبحرية قاطبة، وأهل الحرف قد بلغنا على الحقيقة جميل ما صنعه أهل حارة المغرب قاعدة فاس، العطرة الأنفاس، من تنفيذ عهده، والوفاء بوعده، فأسرعنا مهرولين، وعلى إجابته معولين.
فإنا نشهد الله وملائكته أنا نقر له بالسمع والطاعة، في المعروف حسب الاستطاعة، وأعطينا أمير المؤمنين مولانا عبد الرحمن هذا أيده الله تأييد جده ببدر، وأحله من القلوب بسويدائها ومن محافل الجلالة بالصدر، صفقة أيدينا، وعقد قلوبنا، وبايعناه بيعة نبتغى بها رضا الله والدخول في الطاعة، وننتظم بها في سلك جماعة المسلمين، فيد الله مع الجماعة، وقد التزمنا إمامته، ورضينا بها تاجا للفخر وعمامته، على الوفاء بما ألزمنا الله من طاعة إمام البرية، وما ألزمه الله من حقوقنا في جملة الرعية.
اللهم اجعلها بيعة مستمدة بكرمك من بيعة الرضوان، وأتح لنا من نعمك بها ما لا يخطر ببال في كل حين من الأحيان، وبارك لنا في إمامته بركة تشمل النفس والأهل والأموال والأولاد، وتحفظ بها المهج والسفار والتجار والبلاد، ويسر له آمال الراغبين، وحطه وحط به فإنك ملجأ الطالبين.
اللهم وَآلِهِ بوَلائِك، وكن له نصيرا غامرا بآلائك، وألهمنا وإياه شكرا يقتضى الآلاء، ويقضى بانقضاء اللأواء، إنك سميع الدعاء، بجاه سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام آمين.
شهد على نفسه وعلى جميع من حضر هذا العقد السعيد بعقده والتزامه، وعرفهم وهم بأتم حال وأكمله في وقت الضحى والشمس على ارتفاع ٢٨ ثمان وعشرين درجة من يوم الخميس التاسع عشر من ربيع الثانى عام ثمانية وثلاثين
стр. 2452
ومائتين وألف، عبد ربه تعالى، أحمد بن محمد الرفاعى الحسنى لطف الله به آمين.
وبعده واحد وعشرون توقيعا وشكلا منها: محمد بن أبي العباس الرفاعى، ومحمد بن محمد الأوسى الأندلسى، ومحمد بن العربى عاشور، وعبد القادر بن المهدى مرين، وصالح بن أحمد الحكمى، ومحمد بن محمد البوعزوى، ومحمد بن محمد السلاسى، ومحمد الطيب بسير، ومحمد بن المكي البنانى، ومحمد بن على الزعيمى، ومحمد بن محمد فرج.
وقد رفع على خط الكاتب المذكور بما نصه:
"الحمد لله، الخط والشكل الأول عقبه بصك بيعة أهل هذه الحضرة الرباطية لأمير المؤمنين أبي زيد مولانا عبد الرحمن العلوى، روح الله روحه، وأسكنه من الجنان فسيحه، أعلاه كلاهما للفقيه العلامة الأوحد أبي العباس سيدى أحمد بن الفقيه الأسمى سيدى محمد الرفاعى الحسنى، قاله عارفهما معرفا بهما من غير شك يلحقه في ذلك في ثامن عشر محرم الحرام عام اثنين وخمسين وثلاثمائة وألف، عبيد الله تعالى محمد بن العباس الرفاعى لطف الله به".
ونص الأداء عند قاضى الرباط الحالى:
"الحمد لله وحده أدى المعرف أعلاه فقبل وأعلم به عبد السلام بن إبراهيم لطف الله به".
هذا ولم تزل البلاد على عهده في هدوء وراحة وإقبال، وسعادة وثروة وزيادة نوال، والحدود قائمة، والفتن نائمة، والمظلوم ينتصف من الظالم، والبرئ لا يخشى سطوة الحاكم، رغما عما وجده أمامه من الأهوال، والفتن البربرية التي أصبحت بها الدولة في انحلال كاد أن يئول إلى الاضمحلال.
стр. 2453
فقابل تلك الخطوب بلا مال ولا معين ولا ناصح، فرد الملك المحمدى إلى عنفوان شبابه، وجدد سياسته على المهيع العتيق الوثيق، ونظم التراتيب الداخلية، على نحو ما أرَاد، ورتب أمور الرعية وأصلح ما أفسده الزمان منها.
وولى وعزل، ونكل من استحق التنكيل، وأقر من يستحق الإقرار مع التكريم والتبجيل، وأصدر في هذه السنة الأولى من ولايته الملك ظهيرا شريفا بتوقير واحترام حفدة الأستاذ سيدى عبد الرحمن بن القاضي وإبقائهم على عادتهم.
ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله "عبد الرحمن بن هشام بن محمد" وبدائريته "محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، على" ﴿... وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ (٨)﴾ [هود: ٨٨]:
"جددنا بحول الله وقوته حكم ما بأيدى المرابطين حفدة الفقيه الأستاذ سيدى عبد الرحمن بن القاضي، من ظواهر عمنا المرحوم المتضمنة التوقير والاحترام، والرعى الجميل والإعظام، وما بأيديهم من الظهائر السلطانية والمكاتب الملوكية، لأجل انتسابهم، وأبقيناهم على عادتهم المألوفة في ضريح الولى سيدى المليلى من الاختصاص بما يوضع فيه من الصدقة والنظر في مصالحه، بحيث لا ينازعهم فيها أحد، والله يوفقنا وإياهم والسلام في ١١ جمادى الثانية عام ١٢٣٨".
ولما فرغ من التراتيب الداخلية خرج من فاس لتفقد الأحوال، ومراقبة ما عليه العمال، واستخلف على فاس ابن عمه أبا عبد الله محمد بن الطيب (١) فنزل
стр. 2454
بقصر كتامة، وبه اجتمعت عليه الجيوش من أعمال مراكش، فرحل إلى الرباط وبه أقام مناسك عيد الأضحى، ورجع إلى فاس أَوائل رجب سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف، فأمر بشراء الأملاك التي بين قبة المولى إدريس وسوق البزازين، فهدمت وزادها في سعة مسجد الشرفاء.
ثم أمر بسنة الختان لأولاد الغرباء والضعفاء والأيتام من الحواضر والبوادى، وكان اختتان من ذكر بضريح الشيخ أبي الحسن على بن أبي غالب، وأمر أمناءه بإعطاء جميع من ختن، قميصا من كتان ودراهم، ثم وصل ضعفاء فاس بمال جزيل وكان توزيعه على يد مقدمى الحومات، فخان أولئك المقدمون، واستبدوا بنحو النصف لأنفسهم. قاله في عقد الجمان.
وفى هذه الأثناء خرج للعاصمة المكناسية وكانت تعجبه، فرأى من تلاشى الجيش البخاري بها ما أهمه، ولم يزل يعالج أمره حتَّى أنعشه وأمده بالخيل والسلاح، ورتب له الرواتب الشهرية ثلاثون أوقية للفارس ونصفها للراجل وثلثها للشويردات -أبناء الجيش الذين لم يبلغوا الحلم- وربعها للمسنين الذين تقاعدوا عن الخدمة، وثمنها للصبيان.
وقرر أن يسقط راتب من مات ممن ذكر، فإن وجد من يخلف الهالك يعين في محله، وإلا فيبقى المرتب بيد ورثة الهالك إلى أن يوجد من يخلفه.
أما إذا مات فرس فيجمع المرتب المعين له إلى أن يجتمع ما يعوض به فيشترى فرس آخر بدله، ولا بد من الإشهاد بالعدول على عين الفرس الَّذي مات ووصفه وصفا مدققا، ويكتب ذلك في كناش ليقابل بكناش إحصاء الخيل بأوصافها الخاصة.
ينبئك عن كبير الاعتناء والتدقيق الَّذي كان جاريا في أمور الخيل وأنسابها وأسمائها وأوصافها في دولتنا العلوية، ما كتب به ولد صاحب الترجمة سيدى
стр. 2455
محمد زمن خلافته عن أبيه للقائد الجيلانى بن بوعزة في هذا الشأن ونصه بعد الحمدلة والصلاة:
"وصيف سيدنا الأرضى القائد الجيلانى بن بوعزة، أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، عن خير مولانا أيده الله ونصره.
وبعد: فقد وجدنا في نفولة من نفائل أنساب الجذعان الفطام الذين وجهت جذعة زرقاء بالدينار بنت الحيمر فرس ابن العامرى، مع أن الحيمر أصله من الصحراء لا مِنْ بنى حسن، والآن أعلمنا هل الكاتب الَّذي كان يقيد أنسابهم أراد أن يجعل الحميرى فغلط ونجعل الحيمر، أو كائن لابن العامرى فرس يقال له الحيمر لنكون على بصيرة، أصلحك الله والسلام في ٢٢ ربيع الثانى عام ١٢٦٣".
واتخذ الجيش من خمس قبائل: الأوَدايَا، والشراردة سكان آزغار، وأهل سوس سكان مراكش، وشراكة وأولاد جامع، وأهل فاس، وعبيد البخاري، ورتب لهذا الجيش الكسوة في كل ستة أشهر، والصلة شهرا دون شهر مقدار المرتب الشهرى المذكور، ويكون توزيع تلك الصلات طبق توزيع الراتب هـ.
وكان له مزيد اعتناء بالجيش المذكور، يتفقد أموره، وينظر في إصلاحه يدل لذلك هذا المقال الَّذي كتب به للقائد الجيلانى بن بوعزة يأمره بوجوب متابعة قوانين الجيش، والتمشى على سننها، ويذكر الإنعام الصادر لوفد عيادة الجيش، ويأمره باستعراضهم ودفع رواتبهم والنظر في خيل فرسانهم.
ونص أولها بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"وصيفنا الأرضى القائد الجيلانى بن بوعزة، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابك، وعرفنا ما فيه، ووصل عيادة الجيش السعيد
стр. 2456
وفرهم الله مخازنية، وقواد المائة ومقدمين وقائد المسخرين، وقواد الأرحى والعلاف، ووقفنا على زمامهم مبينا فيه عدد الخيل وما معهم من الرماة ٢٥.
وقد حضروا عيد المولد النبوى على مشرفه أفضل الصلاة والسلام، واغتنموا بركته، وقاموا بواجب الخدمة والطاعة أصلحهم الله ورضى عنهم، وقد وجهناهم بعد أن أبقينا الإدالة ومن يعجز عن القيام بفرسه، وأنعمنا عليهم بثلاثين أوقية للفارس ونصفها للراجل وخمسًا وأربعين أوقية للمقدم، وستين أوقية لقائد المائة، وثلاثين مثقالا لقائد الرحى ومن جملتهم المدني، وخمسة عشر مثقالا للعلاف بناصر، وقدر ما يجب لهم بحسب ما ذكر تسع وعشرون مائة مثقال، وخمسة وعشرون مثقالا.
وزمامهم على التفصيل يرد عليك طى هذا، وبوصول كتابنا هذا إليك اشرع في تسريد الجيش، وعند كماله ادفع له الراتب الوارد صحبة الطاهر الرغاى، وقدره ثلاثة عشر ألف مثقال وخمسمائة مثقال واثنان وتسعون مثقالا وسبع أواقى ونصف الأوقية، كما ترد عليك عشرون ألف مثقال اجعلهما ببيت المال عمره الله من جملة ما سبق، وقد أمرنا المدني يحضر معكم عند التسراد ليحصى الخيل الضعيفة بقصد أن يتوجه صحبتها للعذير، فإذا أحصيتم عددها وجهوه لحضرتنا الشريفة لنوجه الكتاب الَّذي يصحب معه المدني لقائد الغرب، ونوجه الخيل الراكة التي هنا تلحق به أيضًا وإذا وصلت الإدالة ادفع لها ما أنعمنا عليه بها المذكور صدره إلَّا من تخلف عن العلامات فلا تدفع له شيئًا والسلام في ٧ ربيع الثانى عام ١٢٦٧".
ونص ثانيها:
"وصيفنا الأرضى القائد الجيلانى بن بوعزة، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2457
وبعد: فقد نقم على ابن العواد مسائل كان يرتكبها ليس للجيش فيها سلف ولا في ارتكابها خير، منها ما قدمنا لك النهى عنه من التخليف كل شهر، ومنها أنَّه بلغنا أن المائة تسرد جملة ولا تسرد كل رباعة وحدها كما هو القانون المعروف والجيش البخاري به يقتدى المخزن في كل الجهات، ومنه يأخذون القوانين حتَّى إن اختلفوا في أمر يرجعون إليه، وهذا التسراد الَّذي تقف فيه المائة كلها لا يعرف زائدها من ناقصها ولا غائبها من حاضرها، والمعروف المعمول به قديما وحديثا هو تسراد كل رباعة وحدها، حتَّى إن خص لعددها شيء يبينه واحدا واحدا ويذكر وجهته ومحله، وإذابيان المقدم لا يسأل نسى وقائد المائة من باب أولى وأحرى، فقد ضاع الحزم والضبط الَّذي يقتبس من عبيد سيدى البخاري، فبوصول كتابنا هذا إليك رد القوانين لأصولها.
وتنبه لما لا تحمد عاقبته، واجعل تسراد كل رباعة وحدها كما هو القانون المألوف، لتعرف الزائد من الناقص، وتطلع على ما خفى عنك من التلبيس.
وقد كان الجيش فيما سلف يعادل القبائل كلها قوة ونجدة، ويفوقهم عَددا وعُددا، وانظر إلى القبائل الدائرة بكم اليوم كل قبيلة تعادل الجيش أو تقاربه، فينبغى أن لا يحسب في الجيش إلَّا أهل النجدة والحزم والشجاعة، الذين يقاوم واحد منهم العدد الكثير، والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنّا، والله يعينك ونسأله أن يبلغ قصدنا فيكم، حتَّى ترجعوا لأصلكم الأصيل من العدد الكثير، والمدد الغزير بمنه، والسلام في ٣ ذى الحجة الحرام عام ١٢٥٨".
ونص ثالثها:
"وصيفنا الأنجد القائد الجيلانى بن بوعزة، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 2458
وبعد: فخيل مسخرى الجيش السعيد الذين كانوا في الخدمة مع ولدنا سيدى محمد أصلحه الله ووجهم لصلة رحمهم وذكر أن فيهم عزابا، ومن لا اعتناء له بفرسه فاربط منها ما هو للعزاب ومن لا اعتناء له بفرسه بمحل العسكر وفى وقت علفها يحضر قائدهم الطالب إدريس بن المكي، والعلافة الطالب بوعزة الفشار، والطالب أحمد الخضر حتَّى تعلف الخيل المذكورة على أعينهم مدة مقام أربابها هناك للاستراحة، فإن هؤلاء العزاب بنفس ما يستريحون نوجههم لولد سيدى محمد أصلحه الله يقابلون خدمتهم.
وبوصول كتابنا هذا إليك خلف الهراب منهم والموتى والعاجزين عن الخدمة وعددهم عند قائدهم إدريس بن المكي، وزد على عددهم المذكور من لا شغل له من الجيش إلَّا الدوران في الأزقة على حسب ما يشير به إدريس بن المكي، والحاضر بصيرة، والسلام في ١٤ ربيع الأول عام ١٢٦٩".
وكان له ولوع زائد بعتاق الخيل لا يركب غيرها، لم يحفظ قط أنَّه ركب بغلة في حضر ولا سفر، ومن عادته أنَّه يجلس لملاقاة الناس، وسماع المظالم بكرة وبعد صلاة العصر من كل يوم، وترفع إليه المظالم في الوقتين المذكورين، وإذا كان بمراكش يركب صباحا لترويح النفس بجنان أجدال، يتطوف أقسامه، يدخل من باب ويخرج من باب آخر، ولا ينزل غالبا عن فرسه إلى أن يرجع لاقتبال الناس وسماع المظالم.
ولم يزل عمله جاريا على ما ذكر منذ جلس على كرسى ملك آبائه الأكرمين إلى أن لقى ربه.
وفى أيامه استكشفت معادن نحاسية في سواحل طنجة وتطوان ومعدن حديدى بنواحى رباط الفتح، واختبرت كلها فوجدت صالحة، واكتشف بمقربة من فاس معدن الكبريت، ولكنه لم يتم عمله.
стр. 2459
وفى أيامه حدث الاتجار في بيع العلق لأروبا، يصطاده الناس من المروج ويحتفظون على إبقائه حيا، ثم يوسق للخارج بالأثمان ذات البال.
وفيها جرى العمل بالاتجار أيضًا في بيع قشور الدباغ ووسقها للديار الأروبية، كذا قال بعض حذاق كتابه في مؤلف له تعرض فيه لبعض أخلاق المترجم وعوائده وبعض ما كان في أيامه من الأحداث والوقائع.
وفى عام ١٢٤٠ أربعين وصل ضعفاء أهل فاس وما أضيف إليها بمال جزيل أيضًا، وأسند توزيعه عليهم للفقيهين أبي عبد الله محمد بن الطاهر وأبى زيد عبد الرحمن بن مخلوف، فلم يحرموا أحدا ممن يستحق، وتوليا دفع ذلك لأربابه بأنفسهما يدا بيد.
وفيه أصدر ظهيرا بإبقاء الأشراف الكتانيين على ما عهد لهم به.
ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"يعلم من كتابنا هذا أعلى الله قدره، وأنفذ في البسيطة أمره، وجعل في الصالحات طيه ونشره، أننا أبقينا السادات الأشراف الكتانيين على ما عهد لهم من توليتهم ضريح الولى الشهير، الغوث الكبير، سيدى دراس بن إسماعيل دفين خارج باب الفتوح واستبدادهم بجميع ما يهدى للضريح المذكور من غير منازع لهم في ذلك ولا معارض، ولا مزاحم ولا مداحض، فعلى الواقف عليه من خدامنا وولاة أمرنا العمل بما فيه، ولا يحيد عن كريم مذهبه والسلام في ١٧ ربيع الأول عام ١٢٤٠".
وفى شوال من العام تحرك لحسم مادة الزيغ والعناد من متمردة الأعراب ذوى منيع، وأولاد نصير، ودخيسة، فمزق جموعهم الشيطانية كل ممزق، وألقى القبض على رءوس الفتنة منهم وقيدهم بالأغلال والسلاسل وأودعهم بطون السجون،
стр. 2460
وكانوا نحو المائة، وألزمهم بإعطاء العسكر، ووظف عليهم غرامة مالية فلم يسعهم غير السمع والطاعة وتنجيز الجميع، وأراح الله البلاد والعباد من عيثهم.
وفى عام ١٢٤١ واحد وأربعين أنف بنو زروال من ولاية ابن يشو عليهم لظلمه وتعديه، وفروا وتحصنوا بالجبال، فحشد العامل المذكور جنودا مجندة واقتفى أثرهم، فلم ينل منهم شيئًا، فتوجه إليهم المترجم لإرضاخهم للطاعة خوفا من انتشار الفساد واقتداء العامة بهم في خلع ربقة الطاعة من أعناقهم من غير أن يرفعوا أمرهم للسلطان، فيتسع الخرق، ولما نزل بساحتهم وعلموا أن لات حين مناص أتوا خاضعين طائعين، فقوبلوا بالعفو، وولى عليهم الودينى وكان ظلوما غشوما.
وفى عام ١٢٤٢ اثنين وأربعين ومائتين وألف توجه المترجم للصويرة ونواحيها من حاحة وغيرهم، فطاف على تلك القبائل وأصلح خللها، وأقام الحدود ورتب الأمور، ثم رجع لمراكش، ثم نهض لزمور الشلح ونزل بساحتم وحكم بالسيف فيهم حتَّى كسر شوكة تمردهم ووجه أسراهم في الأغلال والقيود للسجون.
وفى آخر عام ١٢٤٣ ثلاثة وأربعين، اتصل بالمترجم ما عليه هشتوكة والشياظمة من العيث في الطرقات وأنهم نهبوا الحجاج، وأن زرارة والشبانات خرجوا عن الجادة واتبعوا أهواء حامل راية ضلالهم الضال المدعو المهدى بن محمد ابن العباس الشرادى، فاستعمل الحركة وأخذ في تجهيز عساكره فقومها وجمع آيت يمور، فخرجوا معه من مكناسة الزيتون بحللهم، وسار إلى أن بلغ ثغر تطاوين، فتفقد أحوالها وأصلح أبراجها وركب مدافعها ورتب حاميتها، ثم توجه على طريق آزمور مولاى بوشعيب لهشتوكة والشياظمة النازلين أحواز آزمور، فأوقع بهم شر وقعة انجلت عن تعمير السجون المغربية بهم، حملوا إليها أربعة على جمل،
стр. 2461
ووقع الاستيلاء على محصولاتهم، ومن انفلت منهم من السجن بقى عالة يتكفف.
وفى أوائل عام ١٢٤٤ أربعة وأربعين، توجه نحو الزاوية الشرادية على طريق آسفى في جنود جرارة متلاطمة الأمواج، وأحدق بها من جهاتها الأربع، ودخل الزاوية عنوة بعد معارك عظيمة، واستولى على جميع ذخائرها من مال ومتمول، وفرقت بغاة صناديدهم على سجون المغرب زجرا لأمثالهم، ووجه بعيال الفتان وأولاده لمكناسة الزيتون، فأنزلوا بدار القائد محمد بن الشاهد البخاري، وصير تلك الزاوية بلاقع، وقلع أشجارها، ونقل ما كان بها من الزيتون والفواكه للجنان الكبير الَّذي اتخذه بمراكش وسماه الزهراء والزاهرة.
قال أبو العلاء إدريس أحد كتبه الديوان الرحمانى في الابتسام: إن الزاوية بقيت خالية لم تسكن إلى سنة تسع وأربعين، فعمرها المترجم بالأودَايَة حين أجلاهم عن فاس هـ.
والذي للزيانى في عقد الجمان: أنَّه أنزل بمحلها آيت يمور الذين كانوا معه. هـ.
ويمكن أنَّه أنزل بها أولًا آيت يمور، ثم نقلهم بعد وأنزل الودايا. والله أعلم.
أما زعيمهم موقد نيران الفتن الضال المدعو المهدى، فإنه نجا بنفسه للفيافى وسار إلى أن انتهى به المسير إلى آيت باعمران من ولتيتة، وبقى هنالك ثلاثة أعوام، ولما ضاقت عليه الأرض بما رحبت اتخذ الشفعاء والوسائط لصاحب الترجمة فأمنه وجاء تائبا، فوجهه لأولاده بمكناس، ثم ولاه على إخوانه فآذاهم ومكر بهم، فشكوه إلى المترجم فعزله عنهم.
стр. 2462
ثم استعطف السلطان في الإذن له في أداء فريضة الحج فأذن له، ولما قضى مناسكه ورجع استأنف له صاحب الترجمة الولاية على إخوانه فلم يقبلوه، ثم سجن ثم سرح، وتقلبت به الأحوال وتأخرت وفاته إلى أوائل شوال من سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف، وقد كان ذا قساوة وشكاسة غليظ الحجاب، طويل النقاب، لا يبالى بما وراء الباب.
وفى وقعة الزاوية الشرادية المشار لها يقول الفقيه الأديب السيد محمد بن الحسن أقصبى:
مبين الفتح بالتيسير لاحا ... وبالنصر العزيز غدا وراحا
وسار في البلاد كسير شمس ... وفاق المسك نشرا حيث فاحا
فحق لنا الهناء ولا كيوم ... من الشرادى الغرب استراحا
وكيف وفى اسمه الشر ابتداء ... وحيث الشر ينفى لا جناحا
فما المهدى بمهدى لرشد ... ولكن سبه شرعا أباحا
أضل فريقه عن نهج حق ... فراموا من أميرهم الكفاحا
غرورا بالمضل فاحتواهم ... خميس منهم ساءوا صباحا
فحكم فيهم الآلات ضربا ... ورميا والد ما منهم أباحا
وصار منهم أسرى وقتلى ... وأعمل في رءوسهم الرماحا
وجاد بالجسوم على وحوش ... يعودها بما منه السماحا
وخرب دورهم وهو ارتداع ... لكل مفسد يأبى الصلاحا
فلا جمع الإله لهم شتاتا ... ولا نالوا بفسقهم رباحا
فمن لم يشكر النعماء يجزى ... بمنع غيره نال الفلاحا
стр. 2463
فلو أموا الأمير لنالوا عفوا ... وأتحفهم نجاة بل نجاحا
همام شأنه حلم وصفح ... لأهل الدين قد خفض الجناحا
إضافته إلى الرحمن أومت ... بأن له إلى الرحما ارتياحا
مآثره الكريمة ليس تخفى ... وليس تقاوم الشمس اتضاحا
فلم تزل الأنام به بخير ... لسان ثنائهم بالشكر باحا
فزدت يا أبا زيد سرورا ... وبسطا وابتهاجا وانشراحا
وأبقاك الإله لنا بخير ... وزاد ملكك الأسمى صلاحا
بجاه من عليه الله صلى ... أتى في ذكره قولا صراحا
عليه ألف ألف صلاة تهدى ... مسا ومهبها بهدى صباحا
كذا للآل ما أذنت ببشرى ... مبين الفتح بالتبشير لاحا
وفى عام ١٢٤٦ ستة وأربعين ومائتين وألف، عزل الوزير ابن إدريس إرضاء للودايا كما نشرحه بعد.
وفيه كانت ثورة الودايا على صاحب الترجمة، وذلك أنَّه لما كان ورد على صاحب الترجمة من علماء أهل تلمسان وأعيانهم مبايعين له عمن خلفوه وراءهم وراغبين في الدخول تحت طاعته وملحين في توجيه مدد من قبله وخليفة عنه ينزل ببلادهم ويكون ردءا لهم، والتزموا بإعطاء جميع ما يلزم في ذلك من مصاريف وعدة وأسعف رغبتهم، فوجه معهم ابن عمه المولى على بن سليمان خليفة عنه، وعددا من فرسان الودايا، وعين القاضي والمحتسب وكان في معيتهم السيد الحاج العربى بن على الوزانى، وخط لهم الخطة التي يجب تمشيهم عليها، وساروا إلى أن حلوا دار الإمارة بتلمسان وضيعوا الحزم ونبذوا الخطة التي رسمت لهم، وكان
стр. 2464
ما كان مما لست أذكره، واتصل تفصيل ذلك بالمترجم فاشتد غضبه، وحقد على الرؤساء المستبدين كالطاهر بن مسعود، ومحمد بن فرحون وغيرهما.
وكان الحاج الطالب ابن جلول الفاسى قائما على ساق في الشيطنة والوسوسة، يدس الدسائس لإيقاد نيران الفتن بين المترجم والودايا، إذا كانوا ذوى قوة وبأس شديد، فاغتنم هذه الفرصة وجسم الأمر وطير الإعلام للودايا بنوايا المترجم نحوهم، وهول لهم غاية التهويل، فتمكنت منهم شيطنته وصمموا على الخروج عن الطاعة ونقض البيعة، وخرجوا من تلمسان قاصدين فاسا، وساروا إلى أن بلغوا قنطرة سبو، فوجه المترجم على أعيانهم وهو يومئذ بفاس، فوفدوا عليه لمشور الدكاكين من دار الإمارة بعد أن تحالفوا مع إخوانهم على أنهم لا يسلمونهم للسجن، وأنهم يقومون في وجه الأمير والمأمور لنصرتهم، ولو أدى الحال إلى إتلاف نفوسهم وأموالهم.
ولما مثلوا بين يدى صاحب الترجمة أظهروا غاية الغلظة والجراءة، فأمر بالقبض عليهم وإيداعهم السجن، فلما كانوا بباب المشور قام الصعاليك إخوانهم وانتزعوهم من أعوان المترجم قهرا، وكان الَّذي تولى كبر ذلك الطاهر ابن مسعود الأودى، وذلك في تاسع عشر شوال العام، ثم لما بلغ هذا النبأ لصاحب الترجمة خرج لقصبة الشراردة في خاصته يريد التوجه لمكناس، ولما علم بذلك الودايا ضجوا، وآذنوا بالقتال، وشقوا عصا الطاعة، وأحدقوا بالقصبة، ففر عن السلطان جميع الناس ونفرت منه قلوب العامة، ولم يتجاهر بمؤازرته غير ابن عمه القاضي مولاى عبد الهادى، ووزيره أبي عبد الله محمد بن إدريس العمراوى، ثم اغتنم المترجم فرصة أمكنه فيها الخروج بما خف وعز من الذخائر النفيسة فخرج ناجيا بنفسه يريد مكناسة، فاقتفى أثره الودايا فردوه مسلوبا للقصبة، وجعلوا يعدون عليه
стр. 2465
ما نقموا من الأمور وأزالوا جلباب الحياء وتجودوا في أثواب الوقاحة وهو ساكت لا يجيب.
ولما كان الصباح احتال إلى أن ركب فرسه ورجع لدار الإمارة بفاس العليا، فاجتمعوا للمشورة فيما يفعلون به، فمن قائل نوجه به لبلده سجلماسة، ومن قائل نقتله لأنه لا يفلتنا إذا تمكن من نواصينا، ولا نأمن غوائله ما دام حيا، وتعددت اجتماعاتهم على ما ذكر أياما وهو يبعث العيون لترقب حركاتهم وسكناتهم حتَّى لا تغيب عنه من نتائج تلك الاجتماعات شاذة ولا فاذة، ويستعمل النظر في وجه يمكنه به الخلاص منهم، فأسَرَّ في يوم من الأيام لبعض خاصته أنَّه يريد التنقل لترويح النفس مع بعض حرمه لجنان أبي الجنود المكتنف بين فاس الجديد وفاس القديم، ومراده بذلك الاحتراس على نفسه والأخذ بالأحوط لها، فركب صبيحة بعض الأيام فرسه كأنه يريد استنشاق الهواء وتنسم النسيم على عادته من قبل، وغلقت الأبواب بينه وبينهم، وأمر بالعيال فلحقوا به للجنان المذكور، ولما علم بذلك بغاة الودايا تعاقدوا مع أهل فاس على الإعلان بخلع ربقة الطاعة، وانضم إليهم أهل الفساد من أولاد جامع.
ثم إن صاحب الترجمة لما حل بعياله بالجنان المذكور اطمأنت نفسه وأمن من تسور أولئك البغاة عليه، ووجه للجيش البخاري الَّذي بالعاصمة المكناسية يأمرهم بالقدوم عليه لفاس في ألفى فارس من أهل النجدة والبأس، يرأسهم أبو سلهام بن العريف البخاري، وبمجرد وصول الأمر العالى للجيش المكناسى لحق بالسلطان لفاس، فاعترضهم الودايا على مقربة من وادى النجا، وحميت الحرب بين الفريقين نحو ساعتين، وساروا إلى أن اقتحموا فاسا عنوة رغم أنف الودايا.
وبعد أيام عزم المترجم على التوجه لمكناسة ولكن رأى أنَّه لا يمكنه المسير على طريق سايس لتجول خيل شياطين الودايا به مع البربر حلفائهم، ثم عين
стр. 2466
اليوم الَّذي يسافر فيه وقسم محلته على قسمين الأثقال مع قسم، وهو مع قسم، وقد أخذ كل غير طريق الآخر.
وذلك يوم الاثنين ثالث عشرى حجة الحرام منصرم العام، ولما علم بذلك الودايا اقتفوا أثره وصمموا على قتله وتبديد الجنود البخارية التي معه، ولما وصل لعقبة المساجين من ناحية وادى سبو، لحقوا به وركضت خيولهم على كل ذروة وغارب، واقتحموا الحملة عليه وهو يذودهم ويدافعهم ذات اليمين وذات الشمال، وفر الناس ونهبت الأثقال وتلفت أنفس، ورجعوا العيال لدار الإمارة بفاس الجديد، والمترجم يكرّ ويفر إلى أن انفلت منهم ونجا بنفسه لمكناس على طريق زرهون، وأثناء ما ذكر كتب للقائد بوسلهام ابن يشو يستنجده ويستدعيه لمقابلة البغاة الخارجين، ومنازلتهم، بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير بداخله (عبد الرحمن بن هشام الله وليه ١٢٤٣):
"خالنا الأرضى الأنجد القائد بوسلهام بن يشو، أصلحك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: وصلنا كتابك وعرفنا ما فيه وعلمنا ما أنت عليه من الحزم والتيقظ والسعى في الصلاح، الله يرضى عنك ويصلحك، وأنتم أقرب الناس إلينا، وأحظاهم لدينا، وأولاهم بنصرتنا وحمايتنا، وأن الله تعالى استرعانا إياكم، وجعل بيعتنا في أعناقكم، وهو سبحانه سائلكم عنها إن لم تقوموا بحقها.
وهؤلاء الأودَايَة طغوا وتجبروا، وعتوا في الأرض واستكبروا، وقالوا بزعمهم: مَنْ أشد منا قوة؟ فنقضوا البيعة، وشقوا عصا المسلمين، وفتحوا عليهم بابا من الفتنة عظيما، وقد قال ﷺ : الفتنة نائمة ومن أيقظها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقال ﵇: من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية، وقد أوجب الله عليكم قتالهم بالكتاب والسنة، فشمروا عن ساعد الجد
стр. 2467
إيمانا واحتسابا، وجاهدوا في الله حق جهاده فسيأخذهم الله على أيديكم وينفلكم أموالهم ويورثكم أرضهم وديارهم، وهذا أمر شرعى أوجبه الله عليكم وعلى غيركم من المسلمين، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.
فانهض إليهم مع الأعراب نهوض أمثالك، ونشطهم واقتف سيرة أخيك، فلو كان موجودا ما فعلوا هذا، ولكان رابطا عليهم بمكس، وهذه أول كلفة كلفناك بها، وفيها تظهر نجدتك وحزمك، والسلام في ٢١ ذى الحجة عام ١٢٤٦".
وكان حلوله بمكناس عاشر محرم فاتح عام سبعة وأربعين ومائتين وألف، وفى يوم السبت الرابع عشر من الشهر المذكور نهض من مكناس لقمع مردة جروان الذين سعوا في الأرض الفساد، فأوقع بهم ومزق أحزابهم كل ممزق، ورجع للعاصمة من يومه، ولم يزل ثاويا بها وأهل الأهواء في طغيانهم يعمهون، والمترجم يكتب لعماله بالمراسى يأمرهم ببعث الأخبية والميرة وما يحتاج إليه، فبعث إليه القائد محمد عشعاش عامل تطاوين كل ما دعت الحاجة إليه من أخبية وكساوى وميرة إلى أن كان العيد النبوى، فأتت لتهنئة جنابه وفود القبائل تَتْرَى، ففرح الناس واستبشروا.
قال في إعراب الترجمان: ثم فرق -يعنى صاحب الترجمة- بعد العيد تلك الجموع، وانقلب كل واحد لبلده يود الرجوع، لأجل ما شاهد من بشائر التمكين، وعلامات النصر المكين، فعند ذلك قال الذين يريدون العتو في الأرض والفساد: لو كانت له قدرة ما استقر به الوساد، حيث فرق ما كان بيده، فكيف يعود من وصل إلى بلده.
ثم أعلن المترجم بقتال الفرقة الباغية، وشرذمة الودايا الطاغية، حتَّى تفئ إلى أمر الله.
стр. 2468
وذلك يوم الاثنين الثامن عشر من ربيع النبوى المذكور، فكتب للقبائل الحوزية يستنهضهم فأتوه مسرعين، ووردت عليه القبائل الغربية وقائدهم ابن يشو، وخيم ذلك الجند العرمرم بضواحى مكناس، وعقد لقائد المسخرين القائد بوسلهام المذكور على ذلك الجيش، ونهض به لفاس لقطع جرثومة فساد شرار الودايا ومن شايعهم، ولما وصل لوادى ويسلين وجد نساء الودايا وصبيانهم أمامه بالألواح متشفعين، فرق لحالهم فتقدم إليه بوسلهام المذكور وقال له: يا سيدى نصرك الله، إن الودايا لم يتركوا للصلح محلا وليس العفو عنهم في هذه الحالة مما ينبغي، ولما كان بسايس أجلب بخيله على عتاة بنى مطير واستولى على ما لديهم من مال ومتمول، ولما اتصل الخبر بالودايا اجتمعوا مع أهل العدوة من فاس وأجمعوا أمرهم على الإصرار على التمرد والعدوان.
وفى رابع عشرى ربيع الثانى من العام، وجه كتابًا لأهل فاس ليقرأ على المنابر، قال صاحب إعراب الترجمان. فقرئ وحضر جميع الناس ولا خصوصية للأكابر، فألفى منهلا يروى ويمير، بفصاحة يكل عنها منطق بنى نمير، ولقد نثر الدر فيه من فيه، وازدادت فيه الطائفة الصالحة ما كانت تنويه من التنويه، بألفاظ رائقة، ومعانى فائقة، وأحاديث نبوية، وآيات من محكم القرآن، وهو في غاية الضبط والإتقان، ولعمرى إنه لباب الأدب وفصه، وعنوان الفصاحة ونصه هـ.
وقد تركت جلب نص ذلك الظهير هنا اختصارا، ومضمنه الإخبار بحال تلك الفرقة الفاسدة، ذات التجارة الكاسدة، وما تسببت فيه للإسلام والمسلمين من الفتن والأهوال، وأنه لما لم ينفع فيها تحذير ولا إنذار، ولم تزد المقابلة بالحلم واللين إلَّا طغيانا ونفورا، وانهماكا في هتك الحرم، تعين أن يقابلوا بالحرب والتضييق بعزائم قوية.
وقد أصدر إليهم ذلك الرقيم من المحل المعروف بالسوير حيث كان مخيمه،
стр. 2469
وأعلمهم فيه أنَّه سينهض منه إلى وادى النجا أو العيون الزرق، ومنه إلى وادى فاس، ولما بلغوا وادى النجا أمر المترجم الديارة وابن يشو بالتوجه على باب الجيسة، والجيش البخاري على باب الساكمة، وتحالفوا على أن من لم يدخل من الباب المعين له لا تتزوج له بنت.
وخيم السلطان بجبل تغاة، وضرب به فسطاطه وخيمت الجيوش السلطانية من دار الأضياف إلى أعلى عين قادوس إلى وادى الملاح، وكان عدد تلك الجنود يناهز الخمسين ألفا، واشتعلت نيران الحرب وحمى الوطيس إلى أن صار الكور ينزل أمام المترجم، وذلك ثلاثة أيام قتل فيها بوسلهام المذكور.
ثم وقع الصلح بواسطة السيد الحاج العربى الوزانى، والطالب ابن جلول موقد نيران هذه الفتن بشروط شرطها الودايا، منها: عزل المولى عبد الهادى عن خطة القضاء، ومنها عزل الوزير ابن إدريس عن الوزارة، فلم يكن للمترجم بدل من قبول ذلك فعزل القاضي وولى مكانه السيد العربى الزرهونى، وولى مكان ابن إدريس المختار الجامعى، وتم الصلح وتفرقت أحزاب الضلال.
ثم بعد هذا كله لم يزل عرق فساد الودايا ينبض، فتصدى لهم المترجم ولم يقلع عنهم حتَّى أذعنوا قهرا، ولم يسعهم ومن شايعهم غير التوبة والإنابة فأقبلوا بصبيانهم وشيوخهم بالمصاحف والألواح متشفعين وبالنصر معلنين، وذلك في ثامن عشرى ربيع الثانى من العام.
ولم يزل صاحب الترجمة مخيمًا بجنوده خارج فاس إلى جمادى الثانية، فنهض لمكناسة، وكان حلوله به يوم السبت ثامن عشرى الشهر، وولى على فاس القائد الأحمر، وعزل الزرهونى عن القضاء، وولى مكانه أبا حسن على التسولى، ووجه الطاهر بن فرحون ومحمد بن مسعود والعكادى لسجن جزيرة الصويرة،
стр. 2470
وأمر بصلبهم، واستعمل الأحمر العروى على فاس، واستخلف بها ولده أبا عبد الله سيدى محمد.
وقد ألف الناس في هذه القضية وذهب الكتاب في شرحها كل مذهب، ووقع لبعضهم تخليط واشتباه وعلى ما سقناه وأوضحناه تشد يد الضنين.
هذا وفى السنة نفسها سافر صاحب الترجمة لمراكش، وأخذ معه جماعة من أعيان الودايا، ولما استقر بها قبض عليهم وثقلهم بالحديد وتركهم بسجن مراكش نحو العامين، ثم قطع رأس اثنين منهم كما قطع أربعة من خلاف شاركوا في البغى والشقاق، ثم كتب لعامله على فاس بالقبض على رؤساء الفتنة من أهل فاس والتوجه بهم لسجن مراكش ففعل.
وفى عام ١٢٤٨ وفد عليه أبو الربيع سليمان بن محمد الشيبى القرشي المكي أحد سدنة بيت الله الحرام، فبالغ في إكرامه ورده ردا جميلا، ولما بلغ في أوبته لطنجة اخترمته المنية بها ﵀.
وفى عام ١٢٤٩ تسعة وأربعين، أصدر أوامره بترحيل الودايا من فاس وتفريقهم على فرق ثلاث: فرقة عين لنزولها ثغر العرائش، وفرقة أنزلها برباط الفتح، وفرقة بوادى نفيس حول الزاوية الشرادية.
وفى عام خمسين ومائتين وألف، كتب ظهيرا شريفا يحض فيه على الاتحاد وجمع الكلمة أمام الخطر الداهم، والجيش المهاجم، ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله: "عبد الرحمن بن هشام الله وليه" وبدائرته: "ومن تكن برسول الله نصرته، البيت":
"خديمنا الأرضى القائد مصطفى بن إسماعيل وفقك الله وسددك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى.
стр. 2471
[صورة]
ظهير رحمانى إلى مصطفى بن إسماعيل في الندب للصلح بين الأمير عبد القادر الجزائرى وبين المتشاجرين معه
стр. 2472
وبعد: وصلنا كتابك الأول والثانى مخبرا بما شجر بينكم وبين الحاج عبد القادر بن الحاج محيى الدين، فغير خاف على أحد ما يريد العدو الكافر لذلك القطر من تشتيت كلمته، وموت مقاتلته وإهانته، وسبى ذراريه ونسائه، أحال الله بينه وبين ما يريد بما شاء من قدرته، ودافع عن حوزة الإسلام، وأصلح أمر الخاص والعام، بجاه سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ومهما ظهر بينكم خلاف وعدم ائتلاف إلَّا ونشط له عدو الدين، واعتقد أن حيلته ومكره تمكنا من المسلمين.
فعليكم أيها المسلمون بالتمسك بالكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف صالح هذه الأمة من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتحمل الأذى، والصبر على ما آذى، فإن في طلبكم عدوا ماكرا، لم يزل فكره لأخذكم والحيل التي يتوصل بها لإهانتكم حائرا، فتفطنوا واستيقظوا من سنة الغفلة، واعملوا فيما يدرأ عنكم هذه الثلمة، وتضرعوا لمولانا جلت قدرته في كشف الرجز عنكم، وأزيلوا حظ النفس الأمارة، واسعوا فيما يجلب لكم الألفة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠] وقال عز من قائل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وأنت في ذلك القطر من العقلا، والرؤساء النبلا، فكان من حقك والأنسب لمثلك أن تصلح ما أفسد الحاج عبد القادر، وتسعى في ألفة المسلمين، وتنظر في العواقب، وتقصد بذلك وجه الله وحياطة المسلمين.
وعليه فإن أردت رضا الله ثم رضانا، فاجتهد في صلح بين خدامنا الدواثر والزمالة، والشيخ ابن الغمارى مع الحاج عبد القادر بن محيى الدين، لتجتمع كلمة المسلمين ويكونوا يدا واحدة على من سواهم، ونفسا متحدة على من عاداهم، وقذى في عين من ناوأهم، والله يتولى هداكم، واقصدوا بذلك وجه
стр. 2473
الله والدار الآخرة، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]، وفضل الجهاد والترغيب فيه وما أعبد الله للمجاهدين في سبيله كتابا وسنة وإجماعا مما يعلمه كل من يعقل بالضرورة، فلا حاجة لنصب البراهين عليه:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
وها نحن وجهنا من خاصتنا وخيار جيش أخوالنا الأوداية، صاحبنا، حامله محمد بن العربى ليحضر الصلح المذكور، فإياك والتراخى، أصلحك الله والسلام في مهل المحرم الحرام فاتح عام ١٢٥٠".
ومما يدل على أنَّه -مع تحمله أعباء الخلافة وقيامه بواجباتها قدر المستطاع- لم ينس نصيبه من الدنيا ما كتب به لابن عمه المولى الهاشمي ابن ملوك فيما يتعلق بجنان له ما نصه:
"ولد عمنا الأرضى، مولاى الهاشمي بن ملوك، سلام عليك ورحمة الله تعالى.
وبعد: فقد بلغنا أن سور الجنان كمل فاجعل له أساسا داخل السور حائطا به من كل الجهات عرضه ثمانية أشبار، واشتغل بجمع الحجر والجير ليكونا مهيأين ميسرين، وحين نكون بالغرب نوجه لكم كيفية الفصالة بحول الله، وما بداخل الجنان المذكور من الكدا ومدر الذور يجعل في الحفر التي به وبالأساس المذكور، والسلام في ٢٤ من المحرم فاتح عام ١٢٤٩" صح من أصله.
ومما يدل على ما كان من تبادل التجارة مع الخارج في عهده ما كتب به لأمناء العدوتين، وعامل الرباط، ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله "عبد الرحمن بن هشام الله وليه":
стр. 2474
"خدامنا أمناء العدوتين القائد محمد السويسى، والحاج بناصر غنام، والحاج العربى معنين أعانكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد سرحنا لخديمنا الحاج عبد الكريم الغسال وسق الصوف والزيت من مرسى العدوتين وما أُبيح وسقه من مراسينا، وأذناه أن ينوب عنه من شاء ويعزله متى شاء، فاستوصوا به خيرا، وسرحوا له ذلك والكل بالصاكة المتعارفة التي عليها العمل بجميع ثغورنا المحروسة بالله، والسلام وفى ١٨ من جمادى الثانية عام ١٣٤٩".
وبعده بخط من يجب: "استقل قابلها بأصلها فماثلته وأشهده الفقيه الأجل، العالم العلامة الأفضل، المدرس الخطيب الأنبل، قاضى الجماعة بفاس الإدريسية وما والاها وهو (فلان ...) أعزه الله تعالى وحرسها باستقلال الرسم أعلاه عنده الاستقلال التام بواجبه، وهو حفظه الله تعالى وأكرمه بحيث يجب ذلك من حيث ذكر، وفى تاسع عشر جمادى الثانية عام تسعة وأربعين ومائتين وألف (فلان ...) وعبد ربه (أحمد البكرى ... الله برحمته).
وبعده: الحمد لله أديا فقبلا واعلم به عبد ربه تعالى (فلان ...) ".
وهذا الرجل المصرح له بوسق ما ذكر كان من الأمناء ذوى المروءة والصدق، حسبما يدل على ذلك ظهيران شريفان نص أولهما بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"يعلم من كتابنا هذا أعلى الله قدره، وأطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، بيد حامله المتمسك بالله تعالى ثم به خديمنا الحاج عبد الكريم بن محمد الغسال الطنجاوى، يتعرف منه بحول الله التام، وشامل يمنه العام، أننا أسدلنا عليه أردية العناية منا والتوقير، من ولاة أمرنا وحملناه على كاهل المبرة والإكرام،
стр. 2475
والرعى الجميل المستدام، فلا يكلف بتكليف، ولا يوظف عليه وظيف، لما ثبت لدينا من مروءته ودينه وصدقه فعلى الواقف عليه من خدامنا وولاة أمرنا العمل بما فيه ولا يحيد عن كريم مذهبه، صدر به الأمر المعتز بالله في ٢١ من ذى القعدة عام ١٢٤٣".
ونص ثانيهما بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وأطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، يعلم منه سدلنا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، على ما سكه خديمنا الأمين الأرضى الحاج عبد الكريم الغسال أردية التوقير والاحترام، وحملناه على كاهل المبرة والإكرام، والرعى الجميل المستدام، لما هو عليه من الدين والمروءة والعفاف إذ ينبغي لمن كان كذلك أن يميز ويوقر ويحترم، فنأمر من يقف عليه من عمالنا وولاة أمرنا أن يعمل به، ولا يحيد عن كريم مذهبه، وقد أخرجناه من زمرة العوام فلا يسام معهم بتكليف، ولا يوظف عليه وظيف، صدر به أمرنا المعتز بالله في ٢٣ ذى الحجة الحرام عام ١٢٤٩".
وفى ثانى محرم من سنة ١٢٥٠ المذكورة أصدر ظهيرا للشرفاء العلويين في شأن توزيع صلتهم عليهم نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وأطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، أننا جددنا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، لأبناء عمنا الشرفاء العلويين أهل الدار الكبيرة وسكان المدينة حكم ظهير عمنا ﵀ الَّذي بأيديهم وأقررناهم على ما جعل لهم فيه، من تفريق ما يوصلون به من بيت المال على الصغير منهم والكبير، وعدم إنفاق الوالد على ولده المطلقة أمه من واجبه في الصلة، بل من متاع الوالد لوجوب إنفاقه عليه شرعا، وإنفاق واجبه في الصلة على ولده إن امتنع من الإنفاق عليه، لينكفوا بهذا عن الطلاق، فالواقف عليه
стр. 2476
يعمل به ولا يحد عن كريم مذهبه، والسلام في ثانى المحرم الحرام فاتح عام ١٢٥٠".
وفى جمادى الأولى من العام أذن لقاسم حصار والذمى الياهو الزاكورى بضرب فلوس النحاس بالرباط ونص الإذن بذلك:
"يعلم من كتابنا هذا أعلى الله قدره، وأنفذ في البسيطة أمره، وجعل فيما يرضي الله طيبه ونشره، أننا أذنا حامليه الحاج قاسم حصار والذمى الياهو ابن إبراهام الزكورى في ضرب سكة الفلوس برباط الفتح قطع ثمانية عشر موزونات في الرطل، وأن لا يضيفا للنحاس أكثر مما يستوجبه من خفيف وروح التوتية، وكل ما يضربانه ينظره الأمناء، فما ألفوه على الكيفية الموصوفة أجازوه، ويروج بأيدى الناس، وما لا كسروه ولا يروج بأيدى الناس، وإن أخفيا منه شيئًا ووجد يعاقبان، وقصرنا عليهما شراء شظاية النحاس بالعدوتين سَلَا، ورباط الفتح على أن يؤديا لبيت المال وفره الله سبعمائة مثقال عن كل سنة.
ونأمر خديمنا القائد محمد السويسى أن يشد عضدهما على ذلك ويعينهما فيما احتاجا إليه فيه، ألحق عليهما وأصلح، ونأمر خديمنا القائد والسلام في ٣ جمادى الأولى عام ١٢٥٠".
وفى رجب منه كتب لهْ عامله القائد العربى السعيدى بما نصه من أصله بعد الحمدلة والصلاة:
"بعد تقبيل حاشية بساط مولانا الشريف، ولثم الثرى تحت قدمه المنيف، سيدنا أمير المؤمنين وناصر الدين، ناشر لواء العدل على جماعة المسلمين، سيدنا ومولانا عبد الرحمن بن مولانا هشام أدام الله نصره، وكبت عدوه وخلد في الصالحات ذكره، آمين.
أما بعد الإعلام لمولانا أيده الله ونصره: أنه ورد على العبد من عند خديم سيدنا القونص يهودي ابن عليل أقجار قزدير مطبوع عليه، وداخله مكاتب لمولانا ورسوم كنطرادة الصلح مع جنس نابليطان بذكره فها هو يصل حضرة مولانا العالية بالله صحبة فارسين مع إخواننا التباعة خدام سيدنا، كانوا هنا على الخدمة وتوجهوا لخدمتهم مع مولانا، ثم الإعلام به لمولانا أيده الله أنه ورد علينا كتاب نجل مولانا سيدى محمد بارك الله لنا فيه يأمرنا فيه بتوجيه خمسين فارسا ادالة للريف لعند خديم سيدنا القائد محمد بن عبد الصادق بقصد الخدمة والانتفاع معه، ونمكنهم من راتبهم خمسين أوقية لكل فارس منهم، ومقدمين خمسة وسبعين أوقية، وقائد المائة عشرة مثاقيل، وذلك من سائر سيدنا من عند خديم سيدنا الأمين القائد عبد الخالق اشعاش، فامتثلنا أمر سيدنا ومكناهم بما قال ووجهناهم للخدمة فالله يقضى بهم غرض مولانا ويبارك لنا في عمره آمين.
ثم الإعلام به لسيدنا أن الذمى زنكوط من آل ذمة طنجة الذى هو في علم سيدنا كان يطلب من مولانا يوسق البقر من طنجة ولم يساعده مولانا لذلك، وكان بمدينة مكناس وهرب منها إلى وهران، ومعه اثنان من اليهود لعنهم الله، فلما خرج عن تلمسان اتصلوا به القطاع وقتلوه هو ومن معه، وكانت عليه بذمته لمولانا من صاكة المرسى نحو أربعة مثقال ومائتين مثقالا وخمسين أوقية، تخلدت بذمته الآن، ولم يكن له ما يوفى ما بذمته سوى دار سكناه إن كان بيعها للمسلمين تساوى ستمائة مثقال إلى سبعمائة، كان أمر سيدنا ببيعها لليهود تزيد على تلك القيمة والله أعلم.
وهذا دون ما كان بذمته أيضا من صاكة سيدنا كان أعطى فيه ضامنا للأمين، وعليه ديون للمسعودى وغيره ما ينيف عن ألفين مثقالا، بهذا وجب الإعلام لمولانا بارك الله لنا في عمره وأبقاه لدى الأنام، وهذه النواحى سالمة والحمد لله
стр. 2479
ولا ما يخطر في البال من فضل الله ووجود مولانا، والعبد يطلب مولاه صالح الأدعية لنا ولعقبنا والسلام في رجب الفرد الحرام عام ١٢٥٠.
خديم المقام العالى بالله العربي بن على السعيدى" صح من أصله بلفظه.
وفى هذا العام ولى ابن عمه وصهره على بنته المصونة المولاة خديجة المولى عبد الهادى خطبة القضاء بفاس.
وفى شوال عام ١٢٥١ كتب لخليفته ولده بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"ولدنا البار الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله ورضى عنك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد بلغنا دخول العدو الكافر دمره الله لتلمسان جبرها الله، وتحققنا أن ذلك من خيانة المسلمين وموالاتهم للنصارى والعياذ بالله، فإنا لله وإنا إليه راجعون على غربة الإسلام وأهله، وقد طلب (... كذا) خديمنا القائد العربي الرحمانى شدة احتياج المسلمين للإعانة والمدد بالبارود والخفيف والعدة، فبوصول كتابنا هذا إليك وجه له ثلاثين قنطارا من البارود وما يكفيها من الخفيف يجعل ذلك تحت يديه احتياطا إن احتاجوا إليه يجدونه موجودا، وانظر إن كان تحت يدك من المكاحل نحو المائة والخمسين اجتمعت بالخزين من دفع أو غيره، وجهها له مع ذلك.
وإن لم تتيسر ففى البارود والخفيف كفاية وهو العمدة التي تدعو إليها الضرورة، وقد كتبنا للشيخ أبى زيان بالانتجاع بحلته والنزول بطرف الإيالة في الحدود التي حدها الأسلاف قدسهم الله مع الترك ولا يتعداها، وأمرنا أن يستكثر من الخيل، ويأمر بالاستظهار بالعدة والعدد، ويحشد ما قدر عليه من خيل إيالته،
стр. 2480
ويقيم هناك بحلته أياما كأنه متبع الكلأ لرعى المواشى على عادتهم في الانتجاع، حتى يشيع خبره في الآفاق، ويسمع العدو الكافر دمره الله قوة الإسلام واستعداده، فلابد كاتبه بذلك وأكد عليه وحرضه أتم التحريض، ويوافيك كتاب إليه فوجهه على يدلّ عزما، والسلام في ١٥ من شوال عام ١٢٥١" صح من أصله.
وفى عام ١٢٥٣ أصدر ظهير للحاج قاسم حصار السلوى المتقدم الذكر بالتوقير والاحترام، ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الصغير بداخله "عبد الرحمن بن هشام الله وليه".
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وخلد في الصالحات طيه ونشره، بيد المتمسك بالله تعالى ثم به خديمنا الأرضى الحاج قاسم حصار السلوى يتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومتته، أنا أسدلنا عليه أردية التوقير والاحترام، وحملناه على كاهل المبرة والإكرام، على ممر الليالى والأيام، لمحبته في جانبنا العالى بالله تعالى، وحسن خدمته فالواقف عليه يعمل بمقتضاه، ويقف عند حده ولا يتعداه، صدر به أمرنا المعتز بالله في ثالث ربيع الأول النبوى الأنور عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف".
وفى عام ١٢٥٥ كتب له خديمه محمد عشعاش بما نصه من أصله بعد الحمدلة والصلاة:
"مولانا السلطان المساجد الهمام، الرافل في حلل الإجلال والإعظام، قرة الأعيان، أمير المؤمنين سيدنا مولانا عبد الرحمن، بارك الله في عمر سيدى وزاده شرفا وتعظيما، وسلام الله ورحماته وبركاته على الحضرة المحروسة المحفوظة بالله تعالى.
وبعد: لثم حاشية البساط الكريم، وأداء ما يجب للمقام الرفيع من
стр. 2481
التعظيم، فقد ورد كتاب سيدى المعظم المبجل في شأن تفصيل الألفى كسوة من الكارية كما وصف، فبوصوله فصل مما حضر من الكارية محمد ١٢٠٠ وبعثت لجبل طارق على ما يكون به الكمال، وأما الملف الموفر من الأعشار فبوصول إذن سيدنا في بيعه بيع بعشرة في المائة فائدة، فإن كان لا زال مراد سيدى في كساوى الملف فليأمر بما يريد منه عددا ووصفا يبعث عليه وتصنع بحزم وعزم، وكساوى الكتان نطلب من سيدى أيده الله الإذن فيما يكون بها، هل توجه بوجدانها أم حتى يأمر سيدى متى شاء؟ وما ذكر سيدى أيده الله على شأن قفاطين النساء يجعل بدل السفيفة كمخة فذلك العمل فيما يوجه من قفاطين النساء، نعم إن كان سيدى يريد ذلك في قفاطين الرجال فليأمر بذلك، يكون في التالي للقابل والعمل على ما يأمر به سيدى أدام الله نصره وتأييده وعلى الخدمة والسلام في يوم الثلاثاء ٤ رمضان المعظم عام ١٢٥٥.
الخديم محمد أشعاش وفقه الله آمين" صح من أصله مباشرة بلفظه.
وفى عام ١٢٥٦ كتب لخليفته بما نصه:
"ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد، أصلحك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد كتبنا لك هذا بعد حلولنا الصخرة وإقامتنا بها الاثنين أول شعبان، ونقيم بها يوما آخر للاستراحة، وننهض إن شاء الله إلى ماز (١) ومنها إلى بين الصاع وعين البل، فبوصول كتابنا هذا إليك عين للنهوض معك جميع خيل الجيش الفاسى ولا يبقى هناك إلا ما لابد منه، وادفع لهم راتبا من عند أمناء فاس خمسين أوقية للمخزنى، وسبعة مثاقيل ونصف للمقدم، وعشرة مثاقيل لقائد
стр. 2482
[صورة]
ظهير رحمانى للحاج أحمد عواد بوصول جزية أهل الذمة بسلا
стр. 2483
المائة، وانهض على بركة الله لحضرتنا العالية بالله قاصدا لمكناسة على مهل، ويكون مبيتك بوادى النجا، ومنه لمكناسة إن شاء الله.
وقد أمرنا ابن العواد أن يهيئ للتوجه صحبتك ثلاثمائة من خيل عبيد سيدى البخارى، تنتظرك بمكناسة، وقبض الراتب مثل الجيش الفاسى، وأمرنا البهلول الشرادى أن يعين من الشراردة مائتى فارس بالتثنية ويأمرها بملاقاتك حيث تعين لهم، فإذا وصلت مكناسة تقص في الخبر عن أمر زمور زيادة على ما عندك من خبرهم، فإن تحقق عندك صلاحهم فمر حراك الشراردة يلحقون بك لمكناسة، وادفع لهم ثلاثين أوقية للمخزنى، وأربعين أوقية للمقدم، وخمسين أوقية لقائد المائة.
وانهض على بلاد زمور قاصدا لرباط الفتح، وإن كانوا على غير استقامة تامة فأظهر عذرا موجبا لانحرافك عن بلادهم، واقدم على طريق جروان وقدم لحراك الشراردة الأمر بملاقاتك حيث تعين، ويكون راتبهم معك لتدفعه لهم عند الملاقاة لتوافينا بالرباط إن شاء الله عند حلولنا به، فيتوجه حراك الحوز معك، فإنهم راغبون في توجيهك صحبتهم.
وما كان من أمور تافيلالت على يد الحاج الطالب مره بالقيام به وقضائه، وما كان على يد السيد علال الشامى كذلك، وأمر وصيفنا فرج بأن يصير إلينا كتب تافيلالت مهما وردت، والسلام في فاتح شعبان المبارك عام ١٢٥٦" صح من أصله الموجود بالمكتبة الكتانية.
وفيه كتب بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"خديمنا الأرضى الحاج أحمد عواد، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2484
وبعد: فقد وصل لحضرتنا العلية بالله كتابك وصحبته ألف مثقال جزية أهل ذمة سَلا، حسبما بينت، وذلك على يد خديمنا الطالب محمد السويسى، وذلك جزية ثلاث سنين مضت عن تاريخه والسلام في ٢٤ محرم الحرام عام ١٢٥٦".
وبعده: "الحمد لله أعلم بأعمال الكتاب الشريف أعلاه عبد الله تعالى فلان ... ".
وفيه كتب لقاضى سَلاَ بما يكون عليه العمل في أمر الأملاك بعد حيازتهما عشر سنين بما نصه:
"الفقيه القاضى السيد محمد زنيبر أرشدك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى، وصلنا كتابك وعرفنا ما فيه وعلمنا أن ما حكم به علماء الرباط في قضية بوعمرو بن الحسن الشاكى مع الحاج محمد أمغار السلوى موافق لما حكمت به فيها قبلهم، فالحمد لله على موافقة الحق، وعلمنا أن الشاكى لا حق له، وإنما هو ملد ونحن نسمع ممن ورد لبابنا السعيد شاكيا ونرد قضيته لمن يبحث فيها من الحكام تفصيا من العهدة، لأنا لا نعلم المحق من المبطل، وحيث تحقق أن الشاكى ملد فبوصول كتابنا هذا إليك اجلده ثمانين جلدة أدبا له وزجرا لأمثاله، والعمل في أمر الأملاك على ما في كتاب عمنا ﵀ الذى وجهت النسخة منه من أن من ملك ملكا مدة من عشرة أعوام لا ينزع من يده ولا يسمع ممن ادعى فيه بدعوى إن كان حاضرا ساكتا والسلام في ١٤ ذى الحجة الحرام متم عام ١٢٥٦".
وعلى هذا الظهير ذهب ولده السلطان سيدى محمد، فقد كتب لقاضى تلك المدينة في عهده بما نصه:
"الفقيه القاضى السيد العربي بن منصور السلاوى، سددك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2485
وبعد: فإن الناس في هذا الوقت اعتادوا القيام في الأملاك المبيعة بل قديما لارتفاع ثمنها ويلتمسون لذلك أسبابا يفتحون بها باب القيام والخصام بعد سكوتهم عنها وهى في يد مشتريها وتصرفه المدة الطويلة، وذلك مؤد إلى الشغب، وكثرة الخصام المطلوب تقليله ما أمكن، ومن جملة ذلك المعلم أحمد أحسيسو السلاوى الحصار، اشترى دارًا من بعض ورثة عمر عواد ما يزيد على الثلاث عشرة سنة صفقة، وأمضى له الباقون، وأفتى له من يعتبر من الفقهاء بإمضاء البيع وصحته كما رسمه بيده، وقد كان مولانا المقدس بالله كتب للقاضى السيد محمد زنيبر بأن العمل في أمر الأملاك على ما في كتاب عمنا مولانا سليمان ﵏، من أن من ملك ملكا عشرة أعوام لا ينزع من يده، ولا يسمع ممن ادعى فيه بدعوى إن كان حاضرا ساكتا، ونحن على أثرهما في ذلك، فنأمرك أن تنتهج نهجه، وحيث أفتى من يعتبر من الفقهاء بصحة شراء أحسيسو المذكور، وطال أمره زيادة على المدة المذكورة، فلا تسمع للقائم عليه فيه كلاما والسلام في ٢٠ شوال الأبرك ١٢٨٢".
وبعده بخط من يجب حفظه الله استقل، وبعده:
انتهت قوبلت بأصلها فماثلته ووافقته وأشهده الفقيه الأجل، العلامة الأفضل، قاضى محروسة سلا ونواحيها حينه وهو (محمد العربي بن أحمد بن منصور لطف الله به) أعزه الله تعالى بعز طاعته وحرسها بثبوت المنتسخ أعلاه الثبوت التام، لصحته عنده وثبوته لديه بواجبه، وهو حفظه الله ورعاه وسدده وكلاه، بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر دامت كرامته، وتوالت بحمد الله سعادته ومجادته.
وفى ثامن عشرى جمادى الثانية عام ثلاثة وثمانين ومائتين وألف فوقه والاستقلال عقبهما بخط من يجب رعاه الله، بطرته: وبعده بخط من يجب حفظه
стр. 2486
الله استقل، بين أسطره ونص خطابه، أصلح نسخة، لحصاء، له، ضرب بين تعالى ووصلنا صح به عبيد ربه محمد إدريس بن محمد الجعائدى الحسنى لطف الله به في الدارين آمين بين فقته، وأشهده صح به محمد وعبيد الله محمد العربي ابن محمد بن سعيد لطف الله به في الدارين.
ونص الثبوت عقبه:
الحمد لله أديا لدى أصلا وإلحاقا، فقبل وأعلم به أسير نفسه محمد العربي بن أحمد بن منصور لطف الله به، ونص الأعمال أسفله بخط من يجب رعاه الله: أعملته. وبعده ثبوت ثان نصه:
انتهت فقوبلت بأصلها فماثلته ووافقته وأشهده الفقيه الأجل العالم العلامة الأمثل، الدراكة الأنبل، المحدث الحجة الأكمل، قاضى سلا ونواحيها وخطيب أعظمها حينه ووقته وهو أبو الحسن (فلان ...) أعزه الله تعالى بعز طاعته، وحرسها بثبوت المنتسخ أعلاه الثبوت التام لصحته عنده، وثبوته لديه بواجبه، وهو حفظه الله ورعاه وسدده وكلاه، بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر، دامت كرامته وتوالت بحمد الله سعادته ومجادته، وفى ثالث عشرى ربيع الثانى عام عشرة وثلاثمائة وألف بين أسطره من من لطخ بين مولانا والمقدس صح به عبيد ربه تعالى (فلان ... .) بشر محل وفى ثالث عشرى ربيع الثانى عام عشرة وثلاثمائة صح به (فلان ... . ").
وفى عام ١٢٥٧ ورد على صاحب الترجمة العلامة الأديب السْيخ يوسف المدنى فأكرم وفادته وأحسن إليه.
وفى عام ١٢٥٨ كتب لولده الخليفة بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2487
وبعد: فتصلك كتب فيها أخبار المسلمين مع العدو الكافر، قصمه الله بناحية الشرق وغيره، وجهناها لك لتطلع على ما فيها وتعلم حقيقته، فإن الأعداء أهلكم الله حسبوا كل بيضاء شحمة، وقويت أطماعهم ومنتهم أنفسهم وهموا بما لم ينالوا، ولما استولوا على تلمسان ورأوا ما عليه أهل حوزها من التواكل والتخاذل والفشل والرعب منه والفرار أمامه، ظنوا أن هذه الناحية مثل تلك، وأرادوا تعدى الحدود ومد اليد إلى الإيالة، وأعملوا الوجهة لها بعد الوجهة الأولى التي لم يحضر هناك أحد من الجيش، فلما دنوا وجدوا المخازنية أمامهم في شرذمة فثبتوا وناوشهم خيل المتنصرة القتال فردوهم على أعقابهم، فخشى العدو على نفسه وفر ليلا.
ولما عاين من نجدتهم وثباتهم ما لا قبل له به وتخلف ظنه، كتب لطاغيته بذلك، وأرادوا إعمال التمويه والتلبيس ونصب المكائد بالتخيلات والأوهام، فظهرت بعض قراصينهم بنواحى طنجة والعرائش، فأمرنا جميع القبائل بإظهار القوة والاستظهار بالعدة والعدد ليرى من ذلك ما يسوءه ويبلغ الشاهد الغائب، ولا ينبغى إلا ذلك، فإنه دمره الله صاحب غدر ونكر وتلبيس، لا تؤمن غوائله، ولا تنقضى حيله ومكائده.
فلتكتب لعمال الثغور وعمال القبائل الموالية لها لإظهار القوة والاستظهار بالعدة وكثرة العدد، فإن ذلك مما يقوى سواد المسلمين، ويفت في أعضاد الكافرين فقد قال الله تعالى: ﴿... لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفُّارَ ... (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩] مثل أن تأمر خديمنا عبد الله أبه (١)، وسليمان بن الطاهر بحشد عديد قبائلهما، خيلا ورماة للصويرة، وعمارة ساحتها بلعب البارود وغيره، مما يغيظ العدو، ويقيمون يومين
стр. 2488
أو ثلاثة، وبعد ذلك ينصرف الجل ويبقى البعض، ويجعلون عمارة ذلك الثغر مناوبة، إذا توجهت طائفة وردت أخرى، وأمر ابن الغنيمى يفعل مثل ذلك بآسفى، وابن إبراهيم يفعل مثل ذلك في فحص المجاهدين، والحاج موسى كذلك، فإن ذلك مما يغيظ الكفار ويفت في أعضادهم ويرهب المشركين ويرعبهم، وفيه مغفرة الله ورضوانه، فإن كل ما فيه إغاظة عبدة الأوثان، وإرغام أشياع الشيطان فيه رضا الرحمن والفوز بالثواب والأمان، قال الله سبحانه: ﴿... وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ...﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيات.
ولتأمر عمال الثغور الصويرة وآسفى والجديدة وآرمور بمباشرة آلة الحرب ونصبها على كراريطها في مواضعها، ووضع الإقامة حذوها، وإصلاح ما احتاج إلى الإصلاح من ذلك وتهيئته ليبلغ العدو من ذلك ما يغيظه ويسوءه، فإنه أهلكه الله عين وأذن على ما يتجدد من ذلك ولا يغيب عنه شئ منه، والله يرفع راية الإسلام، ويخذل عبدة الأصنام بجاه النبى ﵊ في ٤ ربيع الثانى عام ١٢٥٨"، صح من أصله الموجود بالمكتبة الكتانية.
وبنفس التاريخ كتب لعاملي العدوتين ظهيرا في شأن المناوشات الواقعة على الحدود، يأمرهما بأخذ الأهبة والاستعداد وتهيئ الأبراج والمدافع، واستعراض رجالها.
ونصه بعد الحمدلة والصلاة والتوقيع السلطانى صدر الكتاب "عبد الرحمن ابن هشام وفقه الله" بخطه كما كان يفعل أحيانا في بعض رسائله:
خديمينا الأنجدين القائد محمد بن الحاج محمد السويسى، والقائد بوعمران ابن الحاج الطاهر فنيش السلوى، وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2489
[صورة]
ظهير رحماني لعاملى العدوتين الرباط وسلا بالاستعداد للطوارئ المنتظرة من جانب فرنسا ويرى خط السلطان صدر الظهير
стр. 2490
وبعد: فاعلموا أن عدو الدين الفرنصيص دمره الله لما استولى على تلمسان ردها الله دار إسلام، ورأى اضطراب أحوال قبائل تلك الناحية وفشلهم عن ملاقاته وفرارهم أمامه، ظن أن كل الناس كذلك، وحسب كل بيضاء شحمة، فسولت له نفسه لعنه الله التشوف إلى قبائل إيالتنا السعيدة وإرهابهم بتهويل أمره ونصب حيله ومكره بدورانه بعسكره المخذول، ومحاكته للحدود ليرهب ضعفة العقول ويرعبهم، فتحرك على عادته وأراد النزول بمحل نزل به قبل توجه جيشنا المنصور لتلك الناحية، فلما قرب منه وجد بعض خيل المخزنية أمامه فنزل على بعد، لعلهم يتزلزلون فثبتوا، وناوشهم خيل المتنصرة القتال فردوهم أعقابهم وولوا إلى العدو منهزمين، فسقط في يده وهرب ليلا، فلما رأى ما لا قبل له به أراد إعمال المكر والحيلة بظهور القوة الإسلامية، والاستظهار بالعدة والعدد، ليرى ما يسوءه ويزداد غيظا وهوَانًا، ويعلم أن الإسلام والحمد لله بأنصاره، وأن أمة النبى ﵊ راغبة في جهاده ساعية في دماره.
فبوصول كتابنا هذا إليكم أظهروا أخذ الأهبة والاستعداد بتركيب آلات الحرب في محالها على كراريطها وعجلاتها في صقائل العدوتين، وأنزلوا حول كل مدفع ومهراس عددا من آلاف حربه من الكور والبنب وغير ذلك، وأظهروا الحزم بتفقد العدة ومسحها وتشميسها وتسراد الرجال أهل العدة، وتعمير الصقائل والأبراج بأهلها، ليصل العدو ذلك، فإنه لا يغيب عنه شئ، لأن له عيونا يطالعونه بذلك، ويبلغ الشاهد الغائب، وفى ذلك من توفر أَجْر نيّة الجهاد، ونيل رضوان الله ما يتبادر إليه المؤمنون ويتسابق إليه الموقنون، فإن في ذلك إغاظة الكفار، وإرغام الشيطان وأشياعه، وكل ما فيه إرغام الشيطان فيه رضا الرحمن.
والقصد بذلك إظهار عزة الإسلام، وإلا فالعدو قصمه الله في هوان وصغار، وذلة واحتقار، فالمراسى معمورة والحمد لله بحاميتها، والثغور مشحونة