الله استقل، بين أسطره ونص خطابه، أصلح نسخة، لحصاء، له، ضرب بين تعالى ووصلنا صح به عبيد ربه محمد إدريس بن محمد الجعائدى الحسنى لطف الله به في الدارين آمين بين فقته، وأشهده صح به محمد وعبيد الله محمد العربي ابن محمد بن سعيد لطف الله به في الدارين.
ونص الثبوت عقبه:
الحمد لله أديا لدى أصلا وإلحاقا، فقبل وأعلم به أسير نفسه محمد العربي بن أحمد بن منصور لطف الله به، ونص الأعمال أسفله بخط من يجب رعاه الله: أعملته. وبعده ثبوت ثان نصه:
انتهت فقوبلت بأصلها فماثلته ووافقته وأشهده الفقيه الأجل العالم العلامة الأمثل، الدراكة الأنبل، المحدث الحجة الأكمل، قاضى سلا ونواحيها وخطيب أعظمها حينه ووقته وهو أبو الحسن (فلان ...) أعزه الله تعالى بعز طاعته، وحرسها بثبوت المنتسخ أعلاه الثبوت التام لصحته عنده، وثبوته لديه بواجبه، وهو حفظه الله ورعاه وسدده وكلاه، بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر، دامت كرامته وتوالت بحمد الله سعادته ومجادته، وفى ثالث عشرى ربيع الثانى عام عشرة وثلاثمائة وألف بين أسطره من من لطخ بين مولانا والمقدس صح به عبيد ربه تعالى (فلان ... .) بشر محل وفى ثالث عشرى ربيع الثانى عام عشرة وثلاثمائة صح به (فلان ... . ").
وفى عام ١٢٥٧ ورد على صاحب الترجمة العلامة الأديب السْيخ يوسف المدنى فأكرم وفادته وأحسن إليه.
وفى عام ١٢٥٨ كتب لولده الخليفة بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2487
وبعد: فتصلك كتب فيها أخبار المسلمين مع العدو الكافر، قصمه الله بناحية الشرق وغيره، وجهناها لك لتطلع على ما فيها وتعلم حقيقته، فإن الأعداء أهلكم الله حسبوا كل بيضاء شحمة، وقويت أطماعهم ومنتهم أنفسهم وهموا بما لم ينالوا، ولما استولوا على تلمسان ورأوا ما عليه أهل حوزها من التواكل والتخاذل والفشل والرعب منه والفرار أمامه، ظنوا أن هذه الناحية مثل تلك، وأرادوا تعدى الحدود ومد اليد إلى الإيالة، وأعملوا الوجهة لها بعد الوجهة الأولى التي لم يحضر هناك أحد من الجيش، فلما دنوا وجدوا المخازنية أمامهم في شرذمة فثبتوا وناوشهم خيل المتنصرة القتال فردوهم على أعقابهم، فخشى العدو على نفسه وفر ليلا.
ولما عاين من نجدتهم وثباتهم ما لا قبل له به وتخلف ظنه، كتب لطاغيته بذلك، وأرادوا إعمال التمويه والتلبيس ونصب المكائد بالتخيلات والأوهام، فظهرت بعض قراصينهم بنواحى طنجة والعرائش، فأمرنا جميع القبائل بإظهار القوة والاستظهار بالعدة والعدد ليرى من ذلك ما يسوءه ويبلغ الشاهد الغائب، ولا ينبغى إلا ذلك، فإنه دمره الله صاحب غدر ونكر وتلبيس، لا تؤمن غوائله، ولا تنقضى حيله ومكائده.
فلتكتب لعمال الثغور وعمال القبائل الموالية لها لإظهار القوة والاستظهار بالعدة وكثرة العدد، فإن ذلك مما يقوى سواد المسلمين، ويفت في أعضاد الكافرين فقد قال الله تعالى: ﴿... لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفُّارَ ... (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩] مثل أن تأمر خديمنا عبد الله أبه (١)، وسليمان بن الطاهر بحشد عديد قبائلهما، خيلا ورماة للصويرة، وعمارة ساحتها بلعب البارود وغيره، مما يغيظ العدو، ويقيمون يومين
стр. 2488
أو ثلاثة، وبعد ذلك ينصرف الجل ويبقى البعض، ويجعلون عمارة ذلك الثغر مناوبة، إذا توجهت طائفة وردت أخرى، وأمر ابن الغنيمى يفعل مثل ذلك بآسفى، وابن إبراهيم يفعل مثل ذلك في فحص المجاهدين، والحاج موسى كذلك، فإن ذلك مما يغيظ الكفار ويفت في أعضادهم ويرهب المشركين ويرعبهم، وفيه مغفرة الله ورضوانه، فإن كل ما فيه إغاظة عبدة الأوثان، وإرغام أشياع الشيطان فيه رضا الرحمن والفوز بالثواب والأمان، قال الله سبحانه: ﴿... وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ...﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيات.
ولتأمر عمال الثغور الصويرة وآسفى والجديدة وآرمور بمباشرة آلة الحرب ونصبها على كراريطها في مواضعها، ووضع الإقامة حذوها، وإصلاح ما احتاج إلى الإصلاح من ذلك وتهيئته ليبلغ العدو من ذلك ما يغيظه ويسوءه، فإنه أهلكه الله عين وأذن على ما يتجدد من ذلك ولا يغيب عنه شئ منه، والله يرفع راية الإسلام، ويخذل عبدة الأصنام بجاه النبى ﵊ في ٤ ربيع الثانى عام ١٢٥٨"، صح من أصله الموجود بالمكتبة الكتانية.
وبنفس التاريخ كتب لعاملي العدوتين ظهيرا في شأن المناوشات الواقعة على الحدود، يأمرهما بأخذ الأهبة والاستعداد وتهيئ الأبراج والمدافع، واستعراض رجالها.
ونصه بعد الحمدلة والصلاة والتوقيع السلطانى صدر الكتاب "عبد الرحمن ابن هشام وفقه الله" بخطه كما كان يفعل أحيانا في بعض رسائله:
خديمينا الأنجدين القائد محمد بن الحاج محمد السويسى، والقائد بوعمران ابن الحاج الطاهر فنيش السلوى، وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2489
[صورة]
ظهير رحماني لعاملى العدوتين الرباط وسلا بالاستعداد للطوارئ المنتظرة من جانب فرنسا ويرى خط السلطان صدر الظهير
стр. 2490
وبعد: فاعلموا أن عدو الدين الفرنصيص دمره الله لما استولى على تلمسان ردها الله دار إسلام، ورأى اضطراب أحوال قبائل تلك الناحية وفشلهم عن ملاقاته وفرارهم أمامه، ظن أن كل الناس كذلك، وحسب كل بيضاء شحمة، فسولت له نفسه لعنه الله التشوف إلى قبائل إيالتنا السعيدة وإرهابهم بتهويل أمره ونصب حيله ومكره بدورانه بعسكره المخذول، ومحاكته للحدود ليرهب ضعفة العقول ويرعبهم، فتحرك على عادته وأراد النزول بمحل نزل به قبل توجه جيشنا المنصور لتلك الناحية، فلما قرب منه وجد بعض خيل المخزنية أمامه فنزل على بعد، لعلهم يتزلزلون فثبتوا، وناوشهم خيل المتنصرة القتال فردوهم أعقابهم وولوا إلى العدو منهزمين، فسقط في يده وهرب ليلا، فلما رأى ما لا قبل له به أراد إعمال المكر والحيلة بظهور القوة الإسلامية، والاستظهار بالعدة والعدد، ليرى ما يسوءه ويزداد غيظا وهوَانًا، ويعلم أن الإسلام والحمد لله بأنصاره، وأن أمة النبى ﵊ راغبة في جهاده ساعية في دماره.
فبوصول كتابنا هذا إليكم أظهروا أخذ الأهبة والاستعداد بتركيب آلات الحرب في محالها على كراريطها وعجلاتها في صقائل العدوتين، وأنزلوا حول كل مدفع ومهراس عددا من آلاف حربه من الكور والبنب وغير ذلك، وأظهروا الحزم بتفقد العدة ومسحها وتشميسها وتسراد الرجال أهل العدة، وتعمير الصقائل والأبراج بأهلها، ليصل العدو ذلك، فإنه لا يغيب عنه شئ، لأن له عيونا يطالعونه بذلك، ويبلغ الشاهد الغائب، وفى ذلك من توفر أَجْر نيّة الجهاد، ونيل رضوان الله ما يتبادر إليه المؤمنون ويتسابق إليه الموقنون، فإن في ذلك إغاظة الكفار، وإرغام الشيطان وأشياعه، وكل ما فيه إرغام الشيطان فيه رضا الرحمن.
والقصد بذلك إظهار عزة الإسلام، وإلا فالعدو قصمه الله في هوان وصغار، وذلة واحتقار، فالمراسى معمورة والحمد لله بحاميتها، والثغور مشحونة
стр. 2491
بعدة الحرب وآلتها، وكل عين أمامها إصبع ما تحرك في ناحية إلا ويلقى من أهلها خسارا، ولا يطمع في جهة إلا وينال هلاكا وبوارا، بحول الله وقوته، وهذا الأمر افعلوه عند ظهور شئ، والسلام في ٤ ربيع الثانى عام ١٢٥٨".
ثم كتب له بما نصه:
"ولدنا البار الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فاعلم أن المهدى الشرادى كنا حسَّنَّا به الظن، حيث أظهر التنسك وأبدى النصيحة والتودد مع أخذ الحذر منه، ووليناه على قبائل أهل سوس طلبا لجمع كلمتهم، حيث رأينا رغبتهم فيه وميلهم إليه، حتى طلب التوجه للمشرق فساعدناه وجعلنا خليفته البهلول كما في علمك، ولما سافر صرحنا له بالاستقرار، ونحن في خلال ذلك نلتمس انحرافهم عن المهدى وانقطاعهم عن محبته، ولما قدم أعرضنا عنه وأقررنا الوالى على عمله، فكان لا يبرم أمرًا دون ولده في غيبته ودونه في حضوره حتى ألقى الله العدواة والبغضاء بينهم وبين العامل، وسعى في فساد القبيلة عليه فلم يصلح الله له عملا ولا بلغه من ذلك أملا، بل رجع شؤم سعيه عليه، وعادت سهام فساده إليه، فأصبح وقد كشف الله عواره، وأبلى أسراره، وأطلقت ألسنة خاصتهم وعامتهم في ثلبه، وإبداء العجر والبجر من عيبه، ورموه عن قوس واحدة، وهتكوا حرمته وخرقوا عوائده، ولم يبق مصمما على اتباعه غير البعض من زواره، أمرناهم بالانتقال لفاس فكان مبلغ شيعته مائة ونيفا وخمسين فارسا وما يناهز الأربعمائة رام، بعد ادعائهم أن الكل له تابع وبعد انتقالهم جعلوا يتسللون فرادى وأزواجا، ويرغبون في الرجوع أفواجا، وتطرقت إليه ألسنتهم بكشف ما كان يسر من قلة الدين، والتلبيس بالانتساب للصالحين، حتى ذكرت شبانية كانت بداره قالوا على وجه الفساد فأخرجها عند توقع الشرّ به.
стр. 2492
وحدثت أنه يبول على المصحف الكريم وموضع خلوته وقبلة استجابة دعوته المستراح، وأنه تارك للصلاة، مشتغل بالسحريات، وصدقتها في دعواها زوجته بنت عمه وشاع ذلك وذاع، وملا الأفواه والأسماع، وحدث به العامة عن الخاصة وعمدوا إلى زريبته فحرقوها، وإلى مخازنه فنهبوها وفرقوها، ومن سر سريرة ألبسه الله رداءها، وأصبحوا اليوم وقد خرجوا من الظلمات إلى النور، يتأسفون على ما فاتهم من الاغترار به وتقلبات الأمور، وقد اختفى بحيث لا يدرى محله، وعامله الله بما هو أهله، فكان طلب الانتقال إلى المشرق بأولاده، وإعراء الأرض من فساده، وسنجيبه إلى ذلك إبعادا له عن هذه الأقطار وننشد:
إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
وأيضا اعلم أن ابن العواد ظهر منه من الفساد ما لم يكن في حساب، واغتررنا ببكائه وما كان يظهر من الدين والطهارة وكثرة إيمانه بنصيحته في هذا الجيش وشفقته، وكانت تصدر منه هنات، وتبلغنا عنه أمور يتحاشى أهل الدين عنها، فنعاتبه على ارتكابها فيجيب بالتفصى من عهدتها، ويبرهن برسوم زور، وكلام فجور، فنحمله على علاته، ونغض الطرف عن هناته، ثقة بما يظهر، واغترارا بما يموه ويزور، وهو ساع في تبذير هذا الجيش البخارى بخرق العوائد، وإفساد القوانين، وأحدث فيهم أموراً شنيعة من بيع المراتب والخطط وتوليتها غير أهلها، ومنع المستحق منها، وإيثار الدخلاء ومن لا خلاق له بذلك، وإلزامهم المغارم زيادة على خيانة الرواتب الشهرية، والغفلة عن تفقد الأسلحة والعدة والخيل التي نخصصهم بها حتى كادت أن تضيع المخزنية رأسا.
وفقد الحزم والضبط المعهود في المخازنية، وعدم الإقدام والشجاعة فيهم مع أنهم كان يضرب بهم المثل، فإن الرعية على رأسها، وتصدى لإرث كل من حانت منيته من المخازنية وحيازة متروكه وبيع أصله ومنع ورثته.
وأما أهل مكناسة فقد سار فيهم سيرة جور وعسف، وأذاقهم عذاب ظلم
стр. 2493
وخسف، بجعل حيل ونصب حبالات وأساليب لاستخلاص الأموال، ومصادرة ذوى الأغراض، وأفضى به الحال إلى جعل ديار مخصوصات للفاسد، وتوظيف خراج على الفاسدات في كل شهر، ولم يكفه ذلك كله حتى جعل من جهاته لإفساد القبائل ومداخلته أعيان الفساد، وتمالئهم عن الخروج على عمالهم، فكل من لم يمل إليه ولم يواصله أو تشانا معه، بث في رعيته القيام عليه وواعدهم بالمعونة، ورتب لهم الطعام عند الزوقة، مع أنه أبخل من مادر، وإن نزل عليه ضيف واحد أضجره ونصب العداوة مع قواد البرابرة المجاورة لمكناسة، وألقى الشرّ بينهم وبين المخازنية، حتى لم يبق لهم وُدًّا في قلب القريب والبعيد، ولم تبق له همة إلا في هذا وشبهه.
وأما أهل الذمة فأبدأ فيهم وأعاد، حتى أخرجناهم من حكمه، ومع ذلك لم يتحاش عن فعله فيهم وفى غيرهم، ولما تفاحش أمره، وفشا في الرعية شره، قبضنا عليه ووجهناه لفاس بكبله، وحاق به سوء مكره، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
واستخرنا الله تعالى فيمن نوليه على الجيش ممن يسعى في جبره، وينصح لله ولرسوله وللمؤمنين في سره وجهره، فشرح الله صدرنا لتولية قائد مشورنا السعيد القائد الجيلانى بن بوعزة لما بلوناه من نصحه ومحبته، وعلمناه من دينه ومروءته، نسأل الله تسديده وتوليقه، وإلهامه الرشد وطريقه.
واعلم أن جل الحياينة وخصوصا أولاد أرياب منعوا الحقوق، وأظهروا العقوق، فطلب عاملهم خروج المحلة إليهم، فوقع منهم وعد وإخلاف، ومنع وإرجاف، فنهضت المحلة المنصورة إليهم وأحاطت بالمفسدين وأخذتهم أخذة رابية، ولاذوا بالفرار، وتركوا الأموال والأنعام، فامتلأت أيدى المحلة منها، وقبضوا
стр. 2494
وقتلوا وهو مشروح في الكتب الواردة عليك صحبته، والسلام في ٤ جمادى الأولى عام ١٢٥٨، صح من أصله الموجود بالمكتبة الكتانية.
وفى عام ١٢٦٠ ستين ومائتين وألف، كتب له الأمير عبد القادر بن محيى الدين الحسينى الجزائرى يسأله عن أبناء عمه المهاجرين للمغرب، وفى طى كلامه الإعلان بانحياشه وانحيازه إلى شريف حضرته، وطلبه صالح أدعيته، ونص كتابه بعد الحمدلة والصلاة ثم الطابع بداخله "عبد القادر بن محيى الدين ١٢٥٨" وبزواياه الاثنتى عشرة: الله، محمد أبو بكر، عمر، عثمان، على، عبده، ناصر الدين، الواثق بالقوى المعين. وبدائرته ومن تكن برسول الله نصرته البيت:
"ملاذنا وعمدتنا وقاطبة أهل الإسلام، الذى بلغ الله به قصد ومرام، ورفع به مقام أهل الإيمان على كل مقام، متعنا الله بنصرته على الدوام، ومر الليالى والأيام، ذلك الإمام الهمام، الذى اشتهر كنار على رءوس الأعلام، ولا تحصى مزاياه أو تحصرها الطروس والأقلام، مولانا عبد الرحمن بن مولانا هشام على مولانا ما لا يتناهى حصره من السلام، مضمخا بطيب التحيات والإكرام والإعظام، وأسبغ عليكم أنواع الإنعام، ونصر بكم ملة النبى العدنان، وخذل بكم أهل الكفر والطغيان، ولا زائد بعد التماس صالح دعاء مولانا ورضاه الأرضى، عن أبناء صنو أبينا الذين حلوا بساحته، وصموا بجوار حضرته، وهم السيد أحمد وإخوته أولاد المرحوم السيد أحمد بن أبى طالب، وأن لا يكونوا مطرحين بزاوية الإهمال، لأننا وإياهم منسوبون من جملة الخدمة والعيال، ومثل مولانا نصره الله، من قال فيهم تعالى ﷻ : ﴿... يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهم ...﴾ [الحشر: ٩].
ونحن لك أينما كنا وحيثما حللنا واستقر المكان بنا، لأن من إلى الشرف الرفيع انحاز، فقد قال المطلوب وفاز، وأن لا ينسانا من دعواته، في خلواته وجلواته، المرجوة القبول عند الله، ونحن من أهل الحسبة عليه بعد حسبتنا على
стр. 2495
[صورة]
كتاب من الأمير عبد القادر الجزائرى للسلطان المولى عبد الرحمن
стр. 2496
الله خديم حضرتكم الباذل جهده في مرضاة الله ورسوله ثم مرضاتكم، المتوكل في كل أموره على الله وعليكم الموضوع اسمه بالخاتم، النائب عنكم بما قدر من جهاد العدو القائم، في ١ ربيع الثانى سنة ١٢٦٠" هـ من أصله الفتوغرافى الموجود بالمكتبة العمومية للحكومة بالرباط.
ولما دخلت هذه السنة التي هى سنة ستين، كان قد تم استيلاء فرنسا على سائر شمال المغرب الأوسط، اضطر الأمير عبد القادر المذكور للدخول لحدود المغرب الأقصى، فنزل بعين القصب فاقتفت أثره ووقفت جنودها وراء نهر تافنة، وجعلت تبنى قصبة في الغزوات على شاطئ البحر لتقرب منها مراكبها وتنزل إليها عساكرها، وقصبة أخرى على وادى الحاجة مغنية، فكثر العيث بأعمال وجدة وملحقاتها، وعمد بعض الحامية الفرنسية النازلين ببنى واسين وكانوا تابعين لأعمال وجدة، وكانت تربة المرأة الصالحة مغنية، معتقدة من بنى واسين، فأهانوا قبتها بما قام له بنو واسين، وقعدوا وصدر منهم ضد الحامية ما جسم المسألة، وكدر صفو المسلم بين الإيالتين، وأوجب إلحاح سفير فرنسا بطنجة على المترجم في طلب الترضية.
وفى أثناء المخابرة وجه المترجم جيشا في نحو ثلاثة آلاف بين خيل ورماة تحت رياسة كاتبه على بن الطيب الأجناوي، وأمره أن لا يفاتح بقتال حتى يصدر إليه الأمر، ثم لما وصل الكاتب لوجدة فتح باب المخابرة مع رئيس الحملة الفرنسية، ولم يشعر حتى ابتدأ المسلمون بقتال جيش الحملة، ولما رأى رئيسها ذلك أمر عسكره بالكمون للمسلمين بعريش الوادى، ثم أحدقوا بهم وقتلوا منهم نحو الثمانين، فرجع الجيش السلطانى لوجدة، ثم نهض لعيون سيدى ملوك، ودخلت الحملة الفرنسية لوجدة فوجدتها خالية فباتت بها ليلة واحدة أعدمت ما كان بها من بارود ورصاص، ثم بارحتها من غير أن تحدث بها أدنى حدث.
стр. 2497
ولما اتصل هذا النبا بالمترجم وهو يومئذ بمراكش، وجه لخليفته بفاس ولده أبا عبد الله محمد للنظر في شأن الحدود ريثما تنفصل القضية بطريقة سلمية، فجهز جيشا من القبائل الغربية يبلغ ثلاثين ألف مقاتل، وسار به إلى أن بلغ وجدة، وألقى القبض على على بن الطيب رئيس المحلة السابقة المذكور.
وقد عثرت له على كتاب أرسله لوالده المترجم يخبره بحلوله بالعيون وما كان من اجتماع قبائل آنكاد والصحراء وحسن استعدادهم، ونصه بعد الحمدلة والصلاة:
"بعد تقبيل حاشية البساط الشريف، وأداء ما يجب بين يد سيدنا أيده الله من التبجيل والتعظيم والتشريف، يكون في علم مولانا أيده الله، أنا حللنا بعيون سيدى ملوك حلول عز ويمن وسعادة بوجود مولانا أدام الله وجوده، ونصر أعلامه وجنوده، وتلقتنا بها قبائل آنكاد بعطاطيشهم، وأظهرت من الفرح والسرور بمحال سيدنا أيده الله ما لم يعهد منها، وسكنت أنفسهم واطمأنت وزال عنهم ما كانوا فيه من الخوف والجزع، والروع والفزع، بسبب فعل ابن الأكناوى، وانحاشت إلى عاملها الطالب حميدة الشجعى، وانتظم شملها، وما بقى منها من تطمح عينه للعدو الكافر بوجه ولا بحال، كما تلقانا بتازا أخوال سيدنا الكرارمة في أحسن زى وأعجبه بعطاطيشهم أيضا، وقاموا بمؤنة المحلة أحسن قيام وصحبتنا كافة فرسانهم ورجالاتهم وجميع أعرابهم، وما تخلى أحد عنا من هؤلاء القبائل المعتبرة، ولا أظهرت عجزا ولا تكاسلا.
وقد اجتمع من القبائل الصحراوية أيضا خلق كثير لله الحمد وله المنة، والمسلمون الآن في غاية الظهور، والعدو من أجل ذلك ينادى بالويل والثبور.
هذا وقد بلغتنى كتب سيدى أيده الله ونصره في شأن العدو الكافر الذى جعل طنجة نصب عينيه، واستفدت منها ما حدث بطنجة من الهرج، فإنا لله وإنا
стр. 2498
إليه راجعون، نسأل الله ببركة سيدنا أن يجبر صدع الإسلام، ويكسر شوكة عبدة الأصنام، والمحال التي هنا في غاية النشاط، والسرور الانبساط، وما لحقتها خصاصة ولا تلحقها بحول الله وبركة سيدى ووجوده أيده الله.
والسيد عبد القادر بن محيى الدين تأخر بمن معه لملوية بألطف إشارة، وأوجز عبارة، من الطالب حميدة والشيخ حمدون بأمرنا وإشارتنا، فلم يبق للكافر الآن ما يعتذر به من جهته، والذى حققناه أن هذا العدو لا يقنع بتأخير السيد عبد القادر ولا بكل ما يفعل معه، إذ لا زال مصمما مع ضعفه الآن بالنسبة للمسلمين المجتمعين هنا على تعدى طوره إن وجد إليه سبيلا، وقد خوطب من قبل الطالب حميدة بنص ما في التقييدة الواصلة في على هذا الكتاب فأجاب بالامتناع من الخروج من مغنية، والمتعين خروجه منها إذ ليس في بقائه بها إلا الفساد، ورد هؤلاء القبائل للخوض والعناد، فيتعين اشتراط الخروج عليه منها عند عقد الصلح معه، وإلا فلا يتم كلامه ولا تحسم مادته ولا ينقطع تشوف من في قلبه مرض إليه، ولا يستقيم مع بقائه بها أمر من أمور هذه النواحى.
وهذه القبائل عزمت على الزحف عليه وإخراجه منها وإعمال موجبات التضييق عليه من قطع الماء عنه، وأخذ من خرج منها، ومنع من يريد الدخول إليه حتى لا يقر له بها قرار، ويطلب النجاة بنفسه والفرار، وإن تمادى على البقاء بها مع توفر أسباب إخراجه منها الآن وذهبت هذه الجموع، وبقى بها مد يده بل ورجله وملك ما شاء من قرى وأمصار، وصدر منه ما لم يصدر منه في عصر من الأعصار، فلا ينفع معه إلا الجد، ولا يخدع سيدنا بإبقاء عسته بها -أى بمغنية- فإنه يترك بها محلة لا عسة وحاصله مكائده لا يحدها حد، ولا تدخل تحت محمد، وما رضى أحد من هؤلاء القبائل بإبقائه بها خوفا من غدره، وجسارته ومكره، إن تفرقت هذه الجموع وكذا الحراك قالوا: إن رجعنا وأبقينا هذا الكافر بمحله ذهب
стр. 2499
عملنا، وظهر له فشلنا، والله يبارك في عمر سيدى آمين والسلام في ٢٠ رجب عام ١٢٦٠.
محمد وفقه الله بمنه آمين".
ثم إن الخليفة المذكور خيم بجنوده على ضفة وادى يسلى حول وجدة، في ذلك البسيط الممتد من غير تَروِّ وَلا نظر في العواقب، وعندما نزلت المحلة على تلك الحالة، ورأى ذلك الأمير عبد القادر، قال لهم: إن هذه الفرش والأثاث والثقلة التي جئتم بها حتى وضعتموها بباب جيش هذا العدو، ليس من الحزم في شئ، والرأى أن لا تلاقوا العدو إلا وأنتم متحملون منكمشون بحيث لا يبقى لكم خباء مضروب على الأرض، وإلا فإن العدو متى رأى الأخبية مضروبة وإلا وقصدها ولا يرجع دونها ولو أفنى عليها عساكره، فلو أبقيتم هذه الأثقال بوادى زا، فإن كانت لكم فلا يبعد إتيانها، وإن كانت عليكم فتسلم من الأخذ وتجدون الراحة والمقام بها حتى تعودوا للقتال، ولكن لم يجد لنصحه أذنا واعية، فرجع من حيث أتى يتنفس الصعداء.
ثم إن بعض الأعراب لما رأى قائد تلمسان يريد أن يصبح الجيش السلطانى على حين غفلة، قدم على المحلة وأنذرهم بالهجوم عليه، وحقق لهم أنه ترك الجيش الفرنسى يستعد للنهوض إليهم حينا، فلم يلتفوا إليه، ولا رفعوا لخبره رأسا اعتمادا على قوة عددهم وبسالة مقاتلتهم، ولما كان الصباح أعجلهم قائد الفرقة المذكورة الجنرال (لامور يسير) الشهير عند العرب بابى هراوة وعسكر بجيشه بمغنية، وقبل فتح المخابرة هجم على الجيش المغربى في غلسن يوم الخميس ليلة الخامس من شعبان السنة.
ولما أشرف على اسلى، نظم جيشه على هيئة قلعة مركزها مئونة الجيش وأركان الجيش، تحيط بالمركز عسكر المشاة ثم الخيالة ثم القبائل الدائنة بطاعته،
стр. 2500
وتحيط بالدائرة بطريات المدافع الخفيفية من سائر جهاتها، وأمر القائد العام لامور جيشه بالهجوم والسير على هذا النظام، ولما تراءى الجمعان ركبت محلة المخزن وكان أكثرها خيالة وأضعاف المحلة الفرنسية وتسابقت إلى اللقاء، والجيش الفرنسى محافظ على النظام المذكور لا يتحرك من مركزه حتى أحاطت به جيوش المغرب إحاطة السوار بالمعصم، صارت تصب رصاصها فيه.
فعند ذلك أمر القائد الفرنسىي بإطلاق المدافع من سائر الجهات إطلاقا متواليا بلا إمهال دام العمل على ذلك ثلاث ساعات، والجيش الفرنسى لم يتزحزح عن موقفه، وما كانت الساعة العاشرة من اليوم المذكور حتى افترقت محلة المغرب ومات أكثرها، وتمزقت أوصال حماتها -الذين جعلوا صدورهم هدفا لمدافع مقابلهم- كل ممزق، وتطايرت أشلاؤهم في الهواء وباقيهم طارت بهم خيولهم فلم ينزلوا إلا وراء نهر ملوية، وبقى الخليفة في نحو عشرة من خاصة فرسان غلمانه، ثم سار إلى أن لحق بتازا، ثم سار إلى أن بلغ فاسا، وتقدم الجنرال (لامور يسير) بجيشه إلى مضارب المعسكر وقد كانت بقيت به فرقة من جيش العبيد والطبجية، فأبلوا بلاء حسنا، وقتلوا من المهاجرين عددا كبيرا إلى أن غلبوا عليهم، واستأصلوهم واستولى الجنرال المذكور على المعسكر بما فيه.
وعندما وصل خبر الواقعة للمترجم وهو بمراكش فخرج يطوى المراحل طيا كى يدرك رتق الفتق قبل اتساعه، ولما بلغ ثغر الرباط بلغه أن أسطولا فرنسيا يريد الهجوم على طنجة، فبعث ولده أبا الربيع سليمان في شرذمة من الخيل لحراسة طنجة، وفى ذلك الأثناء بلغه أن الأسطول رمى طنجة بخمسة آلاف كورة في نحو ست ساعات ودمر منها أماكن كثيرة، ثم ارتحل عنها وتركها خاوية، ومن لطف الله أن كان أهلها أخلوها قبل هجوم الأسطول عليها فنقلوا أموالهم وأولادهم للفحص.
стр. 2501
وقد عثرت على كتابين في هذا الشأن: أحدهما من القائد محمد عشعاش، والثانى من المولى سليمان يذكر فيه دخوله لطنجة وكيف وجدها بعد أن ضربها الأسطول الفرنسى ونص أولهما:
"أدام الله العز والتأييد والتمكين، والنصر والظفر والفتح المبين، لمولانا السلطان المعتصم بالله المعان، سيدنا ومولانا عبد الرحمن، زاد الله سيدنا عزا وشرفا ومكانة وتبجيلا وتعظيما، وسلام الله وتحياته ورحماته ورضوانه الطيبات المباركة على الحضرة المنيفة التركية، وبعد لثم حاشية البساط الكريم، وأداء الواجب للمقام الرفيع المبجل من التعظيم، فلا ريب أن ما فعل مراكب الفرنصيص بطنجة يوم الثلاثاء العشرين من شهر التاريخ من إطلاقهم عليها وتخريبهم بعضها لا يعزب عن كريم علم سيدنا، ولا شك أن نجل سيدنا الأسعد أنهى ذلك لكريم علم سيدنا وعليه اعتمدنا، والذي نعلم به سيدنا أن عشية يوم الخميس الثانى والعشرين من شهر التاريخ خرجت تلك المراكب عن آخرها وغاصوا في البحر الكبير، والشائع أنهم قاصدون التخريج على العرائش والرباط والصويرة، ثم يعودون لتطوان يفعلون بالجميع كفعلهم بطنجة.
ووجب أن نعلم سيدنا ليكون من أمرهم على بصيرة، ونجل سيدنا الأسعد مولانا سليمان كتب لنا أن نوجه، له الكمانية (١) فنحن نوجه له كل يوم ما يستحق له ولمحلته حفظه الله، وأقر عين سيدنا به وبإخوته، ولا حركة عند اللعين الفرنصيص في هذه الساعة للنزول في البرّ على ما بلغنا، وإنما غايته الفساد في المراسى، اللهم إن حدث شئ فالله يجعل كيده في نحره، والخفيف الذى أمر سيدنا بتوجيهه لفراجى قد وجهنا منه نحو الثلاثمائة ونحن ننتظر الإبل لنوجه له الكمال وعلى الخدمة والسلام في ٢٣ رجب الفرد الحرام عام ١٢٦٠.
الخديم محمد اشعاش وفقه الله آمين".
стр. 2502
ونص الثانى:
"سيدنا الإمام، المؤيد بالله الهمام، مولانا أمير المؤمنين، وناصر الملة والدين، وبعد أداء ما يجب من الإجلال والإعظام. وإهداء رفيع السلام. لعلى ذلك المقام، فقد وافانا الأمر الشريف، والخطاب العلى المنيف، فتلقيناه بالإعظام والإجلال، والمبادرة إلى أوامره بالامتثال. فإنا بحمد الله كما يحب سيدنا ويرضى من الوقوف والأخذ بالحزم في المصادر والموارد، فالعسة داخل البلد وخارجها ليلا ونهارا على أكمل وجه من الضبط والترتيب، فالكل قائم أحسن قيام.
وقد دخلنا قبل تاريخه بيوم إلى المدينة وقصدنا النظر إلى أبراجها فظهر لنا أن إصلاحها يتيسر في أقرب مدة، لأن رمى العدو لم يعم جميعها، وإنما كان يصيب شرفات البعض فتسقط إلا ما كان من البرج الجديد الذى طريقه مارة أسفل سور البلد الموالى للمرسى والبرج المتصل به من أعلى، فقد تهدم الكثير منهما، ودخلنا مسجدها الجديد فرأينا بسوره الموالى للبحر أثرا كثيرا من رمى المدفع له، وبسقفه أيضا وأحصى ما نزل بالمسجد فألفى ستا وثلاثين كورة، والواقع خارج البلاد شئ كثير جدا.
وقد جمع الأمين الحاج أحمد الرزينى مما وقع داخل البلد بالخصوص ثلاثة آلاف، وقد رأيناه مجموعا بالبرج الذى بإزاء باب المرسى، وأما ما وقع بالأجنة وأطراف البلد فإلى الآن لم يجمع منه شئ، وسمع أهل البلد من القنصوات بعد نزولهم ورجوعهم لمنازلهم أن ما رمى به قصمه الله ينيف على ستة آلاف بكثير، ومع هذا كله فالسلامة حاصلة بفضل الله وسعادة سيدنا.
وذكر لنا الأمين المذكور أن الكور الذى اجتمع عنده كله يصلح لوجود مثل تلك المدافع التي كان يرمى بها عندهم بالمرسى، وقرأنا كتاب سيدنا الشريف على
стр. 2503
القائد محمد بن عبد الملك وكبراء البلد من القواد والطبجية وغيرهم، ففرحوا به أشد الفرح، وظهر عليهم من السرور والنشاط ما لا مزيد عليه، وحرضناهم وذكرناهم ومنيناهم وبينا لهم بعض ما أعد الله للمجاهدين من الأجر والمثوبة، وما ادخره لهم من رفيع الدرجات فقاموا فرحين مستبشرين، ودفعنا لهم الكتاب الشريف بعد ليقرأوه على من لم يحضر منهم ليعم الفرح جميعهم.
والقائد محمد اشعاش قد بذل المجهود، وظهر منه ما هو المعهود، فمنذ وصلنا لطنجة ورسله تترادف علينا منه من الخبز والبشماط (١) ما عم جميع المحلة، فالله يعينه على خدمة سيدنا الشريفة.
وورد علينا جسوس وكيل سيدنا بجبل طارق أمس تاريخه، فتلاقينا معه بالمحبة السعيدة، وذكر أنه راجع لمحله فورا والسيد بوسلهام ورد علينا منه كتاب يخبر فيه بأنه بأحد الغربية، وأنه بنية الورود لطنجة يوم الكتب، وهذا ما وجب به إعلام سيدنا والسلام وفى ٢٧ رجب الفرد الحرام عام ١٢٦٠ سليمان وفقه الله بمنه" صح من الفتوكرافية المأخوذة من أصله الموجود بملف الفتوكرافيات بالمكتبة العامة للحكومة بأجدال من رباط الفتح.
ولما اتصل بالمترجم ما حل بطنجة تضاعف همه وغمه، وتوقع الهجوم على الثغر الرباطى، فأخذ في الاحتياطات اللازمة، وكتب لعاملى العدوتين بالاستعداد، وصمم على المقام بالرباط، فبينما هو كذلك إذ حدث ما أوجب إسراعه بالنهوض لفاس، وما استقر به الثوى بفاس حتى بلغه هجوم الأسطول على ثغر الصويرة ومقاومة أهلها له بقدر إمكانهم، وأخيرا دخلها الأعراب النازلون حولها فنهبوا وعثوا وأفسدوا، فازداد ضجرا وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم
стр. 2504
يكن له بد من الجنوح إلى المسلم التي جنحت إليه فرنسا، لفساد الرعية وفزعها وعدم توفر الدواعى.
ثم التفت لمنهزمة الجيش الذى كان مع خليفته ولده أبى عبد الله المذكور بوجدة فقبض على جماعة منهم وأودعهم السجون مدة، وأهان كبراء، وحلق لحاهم وقطع خراجهم مدة ثم عفا عنهم.
ولما تمت المهادنة انعقد الصلح على تسوية الحدود بين وجدة ومغنية على ما هى عليه الآن، وعلى طرد الأمير عبد القادر من حدود المغرب.
ثم بعد ذلك نهض المترجم وسار إلى أن خيم برباط الفتح، وولى عليها عبد اللطيف فرج، وأقام به أربعة أشهر، ثم نهض وسار إلى أن عبر وادى أم الربيع على مشرع بولعوان، وهنالك التقى بنجله الخليفة أبى عبد الله المذكور، إذ كان مخيما على دكالة بثلاثاء سيدى أبى النور، وأمره بالتوجه لفاس وسار هو إلى أن بلغ مراكش، وما استقر به الثوى بها حتى بلغه أن الأمير ابن محيى الدين قام في قبائل أنجاد وتبعته أعرابها وبرابرها، وقاتل طائفة من أهل قلعية، وقتل منهم نحو الثلاثمائة، وسار إلى أن وصل إلى قرب تازا عازما على التوغل في البلاد المغربية، وأنه اتفق مع بنى عامر والحشم على الملاقاة معه بضفة وادى الحياينة ودخولهم جميعا بقصد التغلب، كذا قال بعضهم.
وعند هذا الحد أظلم الجو بين المترجم والأمير عبد القادر المذكور، وساءت الظنون واتسع للأوهام المجال، وشمرت على ساق شياطين الجن والإنس للمبالغة في الإفساد، فبعث المترجف ولده الخليفة المذكور وأمره بنقل بنى عامر والحشم لداخل الإيالة، فعرض عليهم الخليفة ما لديه من الأوامر فأجابوا بالسمع والطاعة، واعتذروا بأنهم ليس عندهم ما يحملون عليه رحالهم، فالتزم لهم بإعطائهم جميع ما يحتاجون إليه، وبعث معهم خيلا توصلهم إلى الأرض التي عينت لنزولهم، ثم
стр. 2505
لما وصلوا لخيامهم قالوا: لا ننتقل من مكاننا هذا حتى نموت عن آخرنا، وضرب واحد منهم أحد الفرسان الذين وجهوا، ولما رأوا انكباب الناس عليهم انحازوا للغابة وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، ولم ينج من القتل إلا النزر القليل، فقيدوا وصفدوا وحشدوا مع النساء والصبيان لفاس، ثم أمروا بالنزول بضفة نهر سبو.
ولما اتصل خبر الواقعة بالأمير رجع لسلوان، وأُشيع عنه التظاهر بالعداوة للمترجم والتأهب لمحاربته داخل إيالته والاستبداد عليه، فوجه المترجم إليه جيشا بقيادة شيخ بنى مالك ابن رباح القائد محمد بن سالم الأحمر المالكى، وكان من كبار الأبطال ووجوه الأعيان من العمال للنظر في شأن الأمير ومطاردته أو القبض عليه، غير أن القائد الجسور لم يحسن التدبير، ولا حسب حسابا للمصير، فبوصوله لقصبة سلوان صمد جيشه الجرار للغارة على حلل المهاجرين أتباع الأمير، وكانوا منتشرين بكارت وقلوعها (قلعية) فتوقف الأمير عن مناجزته وكتب إليه يتبرأ مما نسب إليه من البهتان، وأقسم بصدق ولاية السلطان بكل أيمان، وبرهن على أنه مستظل بحمى أمير المؤمنين، مع بقية السيف من أبناء المسلمين، وأكثرهم شيوخ وأيامى، وعجزة ويتامى، فلم يصخ القائد المذكور لكلامه ولا التفت لاستعطافه، بل هجم على دائرة الأمير فوقفت بقية الأبطال دونها يدافعون عن الحريم والمال، عملا يقول من قال:
وإذالم يكن من الموت بد ... فعلى الحر أن يموت كريما
وبعد حرب شديدة سقط القائد الأحمر قتيلا بين الصفوف، وافترقت جيوشه، وقد تركوا بين يدى الأمير معسكرهم بما فيه من حريم وأثقال وأثاث وأموال، فجمع الأمير ما تركوه، وعين وفدا من الأشراف والعلماء وأعيان رجاله برياسة شيخ الجماعة أبى عبد الله محمد سقاط بن الشيخ المشرفى، وكان ملحوظا عند المترجم لكثرة تردده سفيرا لحضرته فيما مضى، وقدموا ما تركته محلة الأحمر
стр. 2506
من الأخبية والأثقال والحريم والمتاع وتبرءوا واعتذروا عن الأمير واستعطفوا المترجم، وأدوا السفارة كما ينبغى، فقوبلوا بكل تجلة وإكرام، وتحقق السلطان براءة ساحة الأمير من أقوال المرجفين، وأحسن إلى بقية الجشم وبنى عامر وجمعهم وحملهم لمراكش، وأنزلهم بأخصب بلاد بالويدان من قبيلة الرحامنة من عرب حشم البلاليين إخوانهم، وانقلب الوفد إلى الأمير مغمورا بجود المترجم وكرمه.
ثم بعد هذا قضت الظروف على صاحب الترجمة بإبعاد الأمير عن حدود بلاده، ولم يكن له بد من ذلك بعد أن كانت بينهما محبة صادقة، ووصلة كاملة وإخاء، كم أمده المترجم بآلات الحرب، وأعانه بالأموال والملابس والصافنات الجياد حسبما بتحفة الزائر والحلل البهية وغيرهما.
ولكن لما كان للأحوال مقتضيات وللضرورة أحكام لم يسعه إلا تنفيذ ما وقع عليه الاتفاق إثر قضية أسلى، وارتكاب أخف الضررين، فجهز المترجم جيشا كثيفا بقيادة ولديه: المولى محمد، والمولى أحمد لإزعاج الأمير للخروج من إيالته أو الجنوح للصلح، وأمر جميع قبائل الناحية بمعاضدة الجيش ضد الأمير عبد القادر إنْ أبَى مما ذكر، ونزلت الجيوش السلطانية بتازا وأقامت بها أياما، وكانت تزيد على عشرة آلاف مقاتل.
ولما علم الأمير عبد القادر بذلك بعث خليفته البوحميدى للحضرة السلطانية يطلب الصفح والعفو عفا مضى، فلحق بالمترجم لفاسق فأكرم وفادته، واقتبله بجنان أبى الجنود الذى صار اليوم جنانا عموميا، ولما مثل بين يديه وبلغه ما أتى لأجله أجابه المترجم بقوله: إن أحب الحديث إلى الله أصدقه، وإنى لا أقبل منكم إلا أحد أمرين: الدخول لداخل الإيالة والنزول لدينا نزول عز وإكرام، أو الخروج من الإيالة وحدودها، ولا يمكن قبول غير هذا بحال، فطلب البوحميدى الإمهال
стр. 2507
إلى أن يخابر مرسله، فأمهله صاحب الترجمة وأمنه وأبقاه في ضيافته، فبعث لمرسله الأمير بجواب المترجم له فأعرض عنه ولم يجبه.
ثم بعد ذلك نهض الخليفتان بمن معهما من الجيوش من تازا وساروا إلى أن بلغوا سلوان، ثم وقعت مناوشة بين جيوش الأمير والجند السلطانى، ثم ارتحل الأمير وسار إلى أن عبر الوادى فاقتفت أثره الجنود وانضمت إليها جميع قبائل انكاد، ووقف الجيش الفرنسى بالحدود له بالمرصاد، ولم يتركوا للأمير ملجأ ولا منجى مما قدره الله وقضاه.
وهذه نسخة بطاقة لأهل آنكاد وبنى يزناسن في ذلك نقلا عن مسودتها المحفوظة بمستودع الأوراق بالقصر السلطانى بالرباط:
"خدامنا أهل آنجاد وبنى يزناسن كافة إلخ.
وبعد: فقد وصلنا كتابكم مخبرين بما صدر من أعداء الدين من تعدى الحدود وما قابلتموهم به من الغلظة والقوة، وأبديتموه من الحمية والأنفة، وتوجيه جماعة منكم مع كتاب عاملكم ومخاطبته بالجد حتى رجع عن مراده واعترف بخطئه وتعليه وأنصف للحق وصار ما دار بينكم وبينه منا على بال، ذلك هو الظن بكم، وهو المعهود من أهل الدين المتين، المتبعين لسبيل المهتدين، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، والله معكم، والحق يعلو ولا يعلى عليه، والمؤمنون أقوياء بيقينهم، موقنون بنصر دينهم، مصدقون بوعد ربهم، وكان حقا علينا نصر المؤمنين.
واعلموا أن نزول الحاج عبد القادر ودخوله بين أظهركم هو الذى جرأ أعداء الدين عليكم، وجعل وجهتهم إليكم، ولولا هو ما طرق حماكم، ولا تعمد أذاكم، لأنا عقدنا معه الصلح الذى فيه مصلحة الإسلام، وسددنا بذلك باب الفتنة
стр. 2508
عن الخاص والعام، فإن ذلك الفتان جر البلاء لأهل الواسطة حتى جرأ عدو الدين عليها حتى جاس خلالها، وكسر شوكة أهلها وزادهم انحياشا للكفر، وتوغلا في الشر، بإجلابه عليهم، ونهب ما أبقت لهم الفتنة من أموالهم، وحكم فيهم بحكم الطاغوت من استحلال الدماء والأموال، وانتشار الفساد إلى العيال، فإذا ظهرت له بارقة من الكفار لجأ إلى حوزكم، واحتمى بكم، وجعلكم حجابا بينه وبينهم ليجر لكم الفتنة والوبال، ويرميكم كما رمى من قبلكم بالمحنة والخبال.
وأنتم عن دسائسه ساهون، وعن مكره بكم لاهون، ولو عقلتم رشدكم، وحفظتم عهدكم، لكان أعدى الأعادى إليكم، ولعاجلتموه بالقتال والدفاع عن حوزتكم، وأخرجتموه وأتباعه عن بلادكم. ليطيب لكم العيش، ولا يطرق الرومى حِمَاكم، بعسكر ولا جيش، وحتى لو ظهر من الرومى نقض لأمددناكم بجيوشنا المنصورة، وعاجلناكم بنصرتنا المشهورة، مع أنكم تجدون في العدو من الوفاء ما لا تجدون في تلك الشرذمة الفاسدة، والفئة الكاسدة.
فلا تظنوا بهم حمية ولا دفاعا، ولا تعتقدوا فيهم نصرة ولا انتفاعا، وانظروا ما تكرر على أسماعكم من وقائع غدره، وما رمى به المنحاشين إليه من ظلمه وضره، تعلمون ما يريد بكم ولكم، وما هو جار من سخط الله إليكم، فقد كاد أن يزلزل يقينكم، ولو ساعدتموه لبدل دينكم، فإنه حملكم على مخالفة من أوجب الله عليكم طاعته وبيعته في أعناقكم، وجراكم على عدم امتثال أمره مع اعترافكم بالسمع والطاعة في حال خلافكم.
هذا من فعل الشيطان إنه عدو مضل مبين، فتيقظوا لدسائسه واستعيذوا بالله من وساوسه، وأصرموا حباله ومن معه وأخرجوهم، وضيقوا عليهم بمنع الأسواق وأحرجوهم، لتعودوا عليكم بركة الامتثال، وتفوزوا برضا الكبير المتعال" هـ.
стр. 2509
وبعد مناوشات خفيفة ختم الأمير أعماله بالتسليم للفرنسيين على شروط، ورجعت أتباعه لأوطانها، وحمل إلى فرنسا بمن معه من العيال والأتباع في بابور وأنزل بـ (طولون) وذلك في صفر عام ١٢٦٤ أربع وستين، وقيل في متم عام ١٢٦٣ ثلاثة وستين ومائتين وألف، وبقى لديها في عقال ستة أعوام.
ثم سرحه نابليون الثالث وعين له مرتبا سنويا يدفع إليه من خزينة الدولة، وأباح له الذهاب حيث شاء، فاختار أخيراً سكنى دمشق بأهله، وبها كانت منيته في الساعة السابعة من ليلة يوم السبت التاسع عشر من رجب سنة ثلاثمائة وألف ١٣٠٠ والرابع والعشرين من إيار سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة ٨٨٣ كما بتحفة الزائر، ودفن بجنب الشيخ محيى الدين بن عربى الحاتمى.
وكان هذا الأمير ﵀ عالماً عاملا كاملا، راسخ القدم في الحقائق والرقائق، وكتابه المواقف اكبر دليل على تضلعه وسعة اطلاعه، ودقة مداركه.
أما الشجاعة والإقدام فهو ابن بجدتهما، وقد عرفت له فرنسا ذلك، وقدرته قدره، وما زالت الأعاظم تنزل الأعاظم منزلتها، وقد بسط صاحبا الجيش والاستقصا وغيرهما نبا وقائع الأمير الحاج عبد القادر وصاحب الترجمة في حالتى المسلم والحرب، ووقعت الإشارة لبعض ذلك في تحفة الزائر تركنا جلبها اختصارا.
وقد عثرت للأمير على رسالة بعثها وهو بفرنسا إلى صاحبه البوحميدى يصف فيها حالته في الاعتقال ومقامه بتلك الديار، ويدعو فيها للسلطان المترجم بالتوفيق والإعانة ويعذره عما صدر منه في حقه، ويستغفر الله مما كان ونصها:
"من عبد القادر بن محيى الدين، كان الله له ولإخوته آمين، إلى أخى سيدى محمد بن أحمد البوحميدى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإنا نسأل عن أحوالك ونرجو أن تكون في نعمة مثلنا، فإننا في نعم لا نحصوها، وخيرات لا نستقصوها، وحصل لنا من صفاء الوقت والبسط
стр. 2510
وانشراح الصدر ما لا نقدر قدره، ولا نكيف أمره، نسأل الله أن تكون كذلك، وحمد الله واجب علينا لا سيما حين جرت علينا المقادير باللطف والرأفة، وسيق كل منا لما قدر له وعليه محفوفا بالعناية، فإنا لو حاولنا غير ما نحن فيه واستظهرنا بالجن والإنس والملائكة ما كان غير ما هو كائن، فلنطب نفسا ونعلم يقينا أننا في عافية، فإنها غير محصورة فيما صورته صورتها، والحق تعالى إنما أذن لعباده في الأسباب وجعل لهم الكسب وصورة الاختيار قبل ظهور مراده.
أما بعد إبداء قضائه وقدره، فليس لهم إلا تلقف مواقع القدر شريعة وحقيقة، وإرادتهم غير إرادة الله قريبة من الكفر، أو هى الكفر، ومراد الحق تعالى أن يتعرف لنا فى كل شئ حتى لا نجهله في شئ.
اللهم أشعرنا لطفك حيثما أقمتنا حتى نكون بك ولك.
وإنه تعالى أوجب ما أراده فينا مثل ما أوجبه فيما أراده منا، فكما يجب علينا قبول هذا يجب قبول ذاك.
وأن عيالك وأولادك في خير، ويصلك كتابهم مع هذا الكتاب، وأننا وقت التاريخ اطلب وزير الحرب يجمعهم معنا وأنه لا يخيب ظننا ولا يرد كلمتنا إن شاء الله، فكن على هناء منهم في القراءة وغيرها مثل أنفسنا، وإذا تسرحنا إلى الشرق إن شاء الله نطلب تسريحهم أو ذهابهم معنا إلى الشرق وأن تسريحنا قريب إن شاء الله، فإن الجنرال ذو لا منسيار صار من عظماء الدولة وهو حبيبنا حارص على تعجيل تسريحنا.
وما أقعدنا هذه الأيام إلا ما كتبه الله لنا من الماء والطعام، فإننا في أيام الدولة السابقة حين وصلنا إلى طولون، واسترحنا من تعب البحر، وعزموا على سفرنا، وأخذوا في أهبة السفر وقع ما وقع من التبديل، ولما جلس في دار الإمارة
стр. 2511
من جاء بعدهم كاتبونى وقالوا لى: إنك عندنا في ضيافة الإكرام، وقد وقع هذا التبديل فأقبل عذرنا في تأخير سفرك حتى يستقيم أمر الدولة ونسرحك لبر الإسلام، وقد استقامت أمورهم وصلحت أحوالهم، فتسريحنا قريب بحول الله وقوته، وجميع ما قصدناه أو ظنناه في الفرنصيص من الخير والإحسان والاحترام فعلوه معنا، وزادوا فوق ما ظنناه، فنحن اليوم ملوك على الحقيقة، فقد أنزلونا في منزل سلطانهم في قصر يحار فيه الطرف، ويقصر دونه الوصف، وفرش وطية، ومآكل شهية، وملابس بهية، مع التعظيم التام، من الكبير والصغير والخاص والعام، ورفقتنا ما بين تال وذاكر ومدرس ومتعلم صار الشهر عندهم كاليوم وتيقنوا بحسن اختيار الله لهم، وقد بلغنا أن لك وجها عند السلطان وفقه الله للخير وأعانه عليه وأصلحه وعلى يديه، وهذا دعاؤنا له اليوم والأمس وغدا ونعذره في حقنا، ونستغفر الله في حقه، فإنى ما أُبرئ نفسى وستبلى السرائر، وتجزى كل نفس بما تسعى.
فإن كان ما بلغنا حق فاسع في تسريح ابننا الصادق، فإن والده قد احترق صدره، وعيل صبره، وسرى لنا ذلك جميعا، وما كان يخطر ببالنا أن السلطان يبقيه لهذا الوقت، والأمر لله، وعليك السلام من الوالدة ومن محمد وأمه ومن السيد الحاج مصطفى بن التهامى، ومن السيد قدور بن محيى الدين، ومن قاره محمد، ومحمد بن البشير، وبعض من جاء معنا إلى فرنسا مفترقا معنا كمحمد ابن الخير وعن قريب يقع لهم التخيير بين المجئ عندنا وبين التسريح أينما أرادوا.
وقد خبرنا أنك شممت كافورة ومسكة فبالرفاء والبنين والكيس الكيس، ولا تكثرت بالحادثات، وسلم تسلم وتسترح وهو جنة الدنيا، وإنى أعلم أن أهم شئ عندك قراءة الأولاد فكن مستريح القلب منهم بعد جمعهم معنا إن شاء الله، ولا
стр. 2512
تنسانا عند ضريح الدرياق المجرب، مولانا إدريس، وعند غيره من أهل الله أحياء وأمواتا، وفى عاشر ذى القعدة الحرام عام ١٢٦٤" من كناش موثوق بما فيه.
هذا وإن مولانا الجد السلطان ابن هشام كان للأمير عبد القادر عضدا معاضدا. وساعدا مساعدا. ومعينا ماديا وأدبيا، أعان بالعين والسلاح وجياد الخيل وفاخر الملابس، سرا وعلنا ضد محاربيه.
قال في الابتسام عن دولة ابن هشام:
إن الأمير ابن محيى الدين كان يخاطب السلطان ابن هشام بالوالد ورسائله لا تنقطع عنه، وخطب به وبعث له بالبيعة، وكان يقول إنما أنا نائب عن مولانا عبد الرحمن بن هشام، كان السلطان ابن هشام كان يخاطبه بالولد البار وأورد كتاب أصدره المولى ابن هشام للأمير المذكور ونصه بعد الحمدلة والصلاة:
"محل الولد البار الأحظى، المجاهد الأرضى، السيد عبد القادر بن محيى الدين، أمدك الله بالعون واليقين، ونظمنا جميعا في سلك عباد الله المتقين، وسلام الله الأتم، ورضوانه الشامل الأعم، يتوالى لديك في المواقف، ويخصك بتواتر الأمداد الربانية والعوارف، ورحمة الله تعالى وبركاته تترى وتتوالى.
هذا وقد وصلنا كتابك الذى فاح نشرا، وأهدى بشارة وبشرى، مخبرا بما رزق الله المجاهدين من شحذ العزائم، وما توالى على الكفر وشيعته من النكبات والهزائم، فالحمد لله حمدا يليق بجلاله، ويؤذن بزيادة النصر واتصاله، فقد سعدتم والله وفزتم، وحزتم من الأجر الوافر ما حزتم، لقيامكم بفرض الجهاد المتعين، وسبقيتكم لهذا الفضل البين، فاحمدوا الله أن جعلكم ردءا للإسلام وأهله، وخصكم بالجهاد في هذا الزمان، وألبسكم رداء فضله، واشكروه على ما هيأه لكم من السعادة، وكتب لكم من الحسنى والزيادة، فإن الجهاد مما شرف الله
стр. 2513
به في صدر الإسلام الصحابة، وتلاهم أهل الخير والإصابة، وجعلكم الله زهرة وعصابه، ألبسكم لبوس التقدم وأعطاكم نصابه، فنلتم شرفا ضخما وأجرا عميما، يا ليتنى كنت معكم فأفوز فوزا عظيما.
فإن الجهاد كما علمتم فضله، نغبط فيه أهله، لأنه كميا السعادة، ومفتاح الرحمة في الغيب والشهادة، وحسبك ما أعد الله للمجاهدين في الدنيا والآخرة، وما خصهم به من المراتب العلية والمنازل الفاخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ...﴾ [التوبة: ١١١] الآية.
قال بعض المفسرين في إيقاع اشترائه تعالى على أنفس المؤمنين وأموالهم غاية التشريف لهم، لأنهم قالوا: إن نفاسة السلعة تعرف بثلاثة أشياء: بعظم المشتري لأن العظيم القدر في العادة لا يباشر إلا شراء الأشياء العظيمة، وبجلالة الواسطة يجل قدر المتوسط فيه ويعظم الثمن، فإن من أعطى الجنة في الثمن أعطى فوق الأمنية، فبان بهذا غاية شرف المجاهدين عند الله تعالى، ومن شرفهم الحياة الأبدية، والكرامة السرمدية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفى الصحيح: أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في أشجار الجنة. وقال ﵇، وقد سئل عن أفضل الأعمال، فقال: الجهاد في سبيل الله. وقال: من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية. وقال: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وقال: ما أحد يخرج من الدنيا له عند الله خير فيتمنى الرجوع إليها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة ولوددت أنى أُقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم أُقتل ثم أحيى ثم أقتل. وقال: والله لن تلج النار عين حرست في سبيل الله وعين بكت من خشية الله وعين غضت عن محارم الله. وقال: والله لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف مسلم أبدا. وقال ﵇: يأتى الشهيد يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والربح ريح المسك. وقال ﵇: رباط يوم خير
стр. 2514
من الدنيا وما فيها. فهنيئا لكم يا معشر المجاهدين وبشرى بما لكم عند الله من الخير العظيم، والأجر الجسيم، فإن أنفاسكم وخطواتكم حسنات. وسائر أفعالكم عند الله درجات. قال الله سبحانه: ﴿... ... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ...﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيات. فأيقنوا بنصر الله. وصمموا عزائمكم على إنجاز ومحمد الله. ولا يهولنكم ما يزخرف به العدو على ألسن شياطينه من كثرة الحشود والجموع. وما يظهره من قوة ويهدد من خنوع. فإنما ذلك ترهات باطلة وتمويهات كاذبة ﴿... . . لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... ....﴾ [المجادلة: ١٠] مع أنه بلغنا على ألسن الثقات أنه يكترى العسكر من صبانية وغيرهم ليهول بكثرة العدد والعدد، وذلك كله كسراب لا طائل تحته، وكيف يرد المزية أو يقف للموت من هذه صفته، مع أن المسلمين المجاهدين ثبتهم الله أعدادهم موفورة، وعزائمهم على قتال العدو مظفورة، وقلوبهم بما عند الله مسرورة، وهم يقاتلون على دينهم وبلادهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦] فتأملوا قوله سبحانه: ﴿... . كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] إلى قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ...﴾ إلى (مُّؤْمِنِينَ) [عمران: ١٧٣ - ١٧٥]. وقد وهن الله كيد الكافرين فقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ [الأنفال: ١٨] وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ... ...﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية. فكان في صدر الإسلام لما بدا الواحد لا يفر من عشرة والعشرون لا تفر من مائتين والمائة لا تفسير من الألف، فلما أكثر المسلمون خفف
стр. 2515
الله سبحانه فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... . .﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية. ويحرم على المسلم الفرار من كافرين والله مع الصابرين بالعكان والتأييد ولعل هذه الخرجة آخر خرجاته لهذا البر فلا نشك أن الله يجعل تدميره في تدبيره فقد عول قبحه الله وأخزاه على الخروج من ثلاث طرق، من وهران ومن مستغانم ومن قسنطينة في يوم واحد وساعة واحدة على ما بلغنا وذلك بحول الله سبب خذلانه وتمزيقه، وتوهين كيده وتفريقه، فإن عادة الله في هذا العدو الأصفر مهما طغى وتمرد وتعجب في نفسه يوبقه الله سبحانه ببغيه. ويورده موارد شقائه وغيه. كما وقع له في مصر وغيرها وأذكرك غزوة وادى المخازن على عهد السعديين فإن أعداء الله خرجوا في مائة ألف فارس وخمسة وعشرين ألفا وكان إذ ذاك مولاى عبد المالك لمرض كان به حين حمى الوطيس وكان أخوه مولاى أحمد مدبر أمره فهزم الله الكافرين وقتلوا وسبوا وغرقوا ولم يفلت إلا النزر اليسير ومات محمد المسلوخ الذى أتى بهم وطاغيتهم بستيان وغنم المسلمون وكراعهم وفل حد البرطقيز من يومئذ حتى الآن ونسأل الله أن يجعل هذه الغزوة نظيرتها على هذا العدو الكافر، فالصبر ثم الصبر فإن الشجاعة، صبر ساعة، وفى الحديث: الصبر عند الصدمة الأولى، وليس للكفار كبتهم الله إلا الحملة الأولى ثم يفشل ريحهم وتضعف عزائمهم، والصبر والثبات، يكسران الوثبات، ولم يكن الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم يقاتلون بكثرة عدد ولا عدد وإنما كانوا يقاتلون باليقين لإعلاء كلمة الله ورجاء لما عند الله حتى انتشر الدين في المشارق والمغارب فاصبروا وصابروا ورابطوا وأبشروا وبشروا، وأيقنوا أن الله متم نوره وناصر دينه إنجازا لوعده الصادق، وقضائه السابق، قال سبحانه: ﴿... . . وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] وقال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم
стр. 2516
حتى تقوم الساعة وهم بالغرب" وفى رواية بالمغرب نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم منهم، فقد كان الدين عند ابتدائه غريبا فأظهره الله على الدين كله وأقسم سبحانه بنصر من ينصره فقال: ﴿... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّه مَن يَنصُرُهُ ... (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠] فهو تعالى المتكفل بإعزازه وإعلائه، والممد بالظهور والنصر لأوليائه، فعلينا امتثال أمره، وعليه سبحانه إمدادنا بنصره، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، والسلام.
قال صاحب الابتسام: انتهت هذه الرسالة من خط ابن إدريس وعلى هذا المساق الرسائل التي كان يبعث له منذ ظهر إلى أن غبر وانقطع منه الأثر هـ لفظه.
ومن تأمل بإنصاف تصريحات المرحوم المنعم الأمير أبى عبد الله محمد نجل الأمير عبد القادر المذكور في مؤلفه تحفة الزائر صحيفة ٢٠٦. وصحيفة ٢٠٧.
وصحيفة ٣١٧: علم علما يقينا صِدْقَ ما ذكرناه، ولم يبق له أدنى ريب في حسن نوايا الجد ابن هشام وإخلاصه للأمير عبد القادر وموازرته له وطهارة سريرته نحوه، وإبدائه النصائح لسموه وسعيه في إزالة ما ينشأ من خلف أو سوء فهم بينه وبين غيره من المجاهدين المدافعين، ولكن لما رأى استيلاء الأجنبى على بلدان المغرب الأوسط واحدة تلو الأخرى حتى اضطر الأمير عبد القادر إلى الفرار من بلده والحلول بأطراف إيالة المغرب الأقصى ومد الأجنبى بسب ذلك يد العداء والانتقام في بعض الثغور المغربية وأطراف الإيالة السلطانية، وألجأ ذلك الجد ابن هشام إلى مناشبة الحرب مع الجند الفرنسى، وكان له الظهور على الجند المغربى لعدم تكافؤ القوتين، وعدم اتحاد القلوب، وغير ذلك من الأسباب التي لا تكاد تعزب عن المطالع اللبيب.
وهجمت بوارج فرنسا على ثغرى طنجة والصويرة، وقذفت أفواه مدافعها الكور عليهما على حين غفلة، واحتلت وجدة وضيقت على سلطنة المغرب برا وبحرا، وصمم الجيش الفرنسى على اقتفاء أثر الأمير عبد القادر حيث ما حل
стр. 2517
وارتحل، والأمير عبد القادر إذ ذاك حال بتخوم الإيالة السلطانية على مقربة من فاس، وفرنسا تعلن استرعاءها على أمير البلاد مشددة في مطاردة الأمير أو الإيذان بالحرب.
وتحقق السلطان العجز، وأن لات حين مناص، وليس بعد العيان بيان طلب أولا من الأمير الجنوح إلى الصلح حسبما في تحفة الزائر، وأبدى له نصائح وإرشادات وتكفل له بكل ما يضمن راحته وراحة أتباعه، فأبى الأمير ذلك كل الإباية، كما في تحفة الزائر.
ثم طلب منه بعد ذلك مبارحة إيالته التي أصبحت في خطر عظيم، تهددها القوة الأجنبية برا وبحرا وفى هذه الظروف الحرجة صدر من المهاجرين من بنى عامر -الذين كانوا ارتحلوا لبلاد السلطنة المغربية مغاضبين فأواهم السلطان وأكرم وفادتهم ونزلهم وأقطعهم أرضا للحراثة ذات أهمية كبرى وبسائط خصبة- ما صدر من مقابلتهم الإحسان بالإساءة، ووقع الهرج والمرج بسبب ذلك داخل الإيالة وفى أطرافها والقلوب مندملة، وفتنة الودايا ومن شاكلهم حديثة عهد، واتسع للمرجفين ومن في قلبه مرض المجال.
فلم يبق والحالة ما ذكر لأمير البلاد بد من القيام على ساق في إعمال اللازم في إطفاء ما تأجج من نيران الفتن، ودفع الضرر المحقق لحوقه لقطره المغربى، ورعيته المسئول عنها قبل أن يحيق بهما ما حاق بجيرانها أهل تلمسان وغيرهم، وقد تحقق من نفسه ومن إيالته عدم القوة في ذلك الوقت على التسرع للحرب، وأن الإقدام على ذلك والحالة ما ذكر غير جائز سياسة وعقلا وشرعا.
قال ابن يونس في ديوانه الذى قيل فيه إنه مصحف المذهب .. التسرع في غير قوة يورث النكث، أخّر الحرب ما استطعت، فإن النفقة فيها من النفوس هـ.
стр. 2518
وقد اضطر سلطان المغرب لما ذكر، وشرح للمهادنة وعقد الصلح مع فرنسا وقبول شروطها فيه، إذ يتعين على المكلف بالنظر في مصالح المسلمين الاهتمام بدرء المفاسد أكثر من الاهتمام بجلب المصالح وسد أبواب الخرق الذى يتسع على الراقع، ولا خلاف في جواز الصلح مع العدو وإن كان طالبا إذا دعت الضرورة لذلك إبقاء على المسلمين وبلادهم، وأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
وقد نقل الشيخ بنانى في الفتح الربانى لدى قول خليل المبين لما به الفتوى: وللإمام المهادنة لمصلحة ما نصه ابن عرفة المازرى، لا يهادن الإمام العدو بإعطائه مالا لأنه عكس مصلحة شرع أخذ الجزية منهم إلا لضرورة التخلص منه خوف استيلائه على المسلمين، وقد شاور ﵇ لما أحاط القبائل بالمدينة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في أن يبذل للمشركين ثلث الثمار، فلو لم يكن ذلك جائزا عند الضرورة ما شاور فيه هـ إلخ. ومقتضى الاستثناء في قول ابن عرفة أن لا محذور في المهادنة مع الضرورة، قاله سيدى عيسى السجستانى في أجوبته هـ.
ومن قواعد مذهبنا المالكى الضرورات تبيح المحظورات، وما شرحناه هو حقيقة الواقع، والحق أبلج، وقد ذهب المغرضون في نشر هذه الأحدوثة التي هى من أعظم المواقف في تاريخ المغربين كل مذهب، وعند الحق الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، تجتمع الخصوم وتنكشف الحقائق ويقتص من الظالم والمظلوم.
هذا وفى عام ١٢٦٠ كتب له بما نصه من أصله:
"المقام الذى أعلى الله قدره. وشرف في العالمين ذكره، مولانا الإمام. خلاصة آل الرسول ﵊، جلى المناقب، وجميل العواقب، أمير المؤمنين. المجاهد في سبيل رب العالمين، محل اليمن والأمان، ومعدن الخير
стр. 2519
والإحسان. سيدنا ومولانا عبد الرحمن، لا زالت مواهب الله على قلبه هائمة الانسجام، وعوارف معارفه دائمة الازدحام، وسلام على تلك الحضرة العالية بالله ورحمة الله وبركاته وتحياته دائمة متوالية.
هذا وقد وصل كتاب مولانا الشريف. العلى القدر المنيف، فاستفدنا منه سلامة سيدنا التي تحمد وتشكر، وتذكر ولا تنكر، أدام الله وجودكم للمسلمين، وأبقاكم رحمة للعالمين، وما ذكر سيدنا من قدومنا وانتداب المسلمين للجهاد فما قصرنا في ذلك بوصولنا تلاقينا مع هؤلاء القبائل، وقرأنا عليهم أمر سيدنا وأجابوا بالسمع والطاعة، وشرعوا يتهيئون للحركة، وبعثنا أمر سيدنا لزيان، وكنا في انتظارهم فنحن على ذاك، إذ سمعنا بخروج سيدنا من الرباط، فلم أدر ما السبب في ذلك؟ والتبس علينا الأمر، وبلغنا خبر جيش وجدة، وكذلك خبر الصويرة وما حل بأهلها، فتأسفنا على ذلك الغاية، والحمد لله على سلامة ولد سيدنا سيدى محمد ففى سلامته سلامة المسلمين، والعاقبة للمتقين.
ولما وصل كتاب سيدنا زال اللبس علينا وها نحن بصدد القدوم مع المجاهدين، وانتداب من طابت نفسه من المسلمين للمحل الذى أمر به سيدنا بإثره عاجلا إن شاء الله، مستعينا بالله وعلى محبتكم وودكم، سائلا دعاكم وملتمسا رضاكم حالا ومآلا، والسلام على سيدنا ورحمة الله، وفى ٩ رمضان المعظم عام ١٢٦٠.
محبكم ابن داوود بن العربي لطف الله به".
ومما كتب به للبعض من إيالته في الموضوع أصله بملف أوراق الحدود المغربية الموجود بمستودع الأوراق بالحضرة السلطانية، من الرباط، نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"خدامنا الطرافى الباقين مع جماعة المسلمين، وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 2520
وبعد: فقد بلغنا انحراف إخوانكم عن الإسلام ودخولهم في حزب الكفر وشيعته، واختيارهم للكفر عن الإيمان، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، وركوب ما يجلب سخط الله اليوم وغدا.
وقد كتبنا لكم هذا الكتاب غيرة على جانبكم وموعظة لكم ولإخوانكم، فإذا قرأتموه تقدموا لإخوانكم بالتذكرة والموعظة، وحذروهم سطوة الله وغضبه النازل على من والى الكفر وشيعته، وبالغوا في تذكيرهم ووعظهم لعل الله أن ينفعهم بذلك فيستيقظوا من غفلتهم ويرجعوا من ضلالتهم، ففى الحديث: لأن يهدى الله بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس، وإياكم أن يستفزكم العدو الكافر بخداعه، فإنما ذلك كالسراب سيضمحل عن قريب، فعضوا على دينكم بالنواجذ، وأخلصوا النية في جهاد عدوكم بحسن يقين بنصر الله وإعلاء دينه على الدين كله بوعده الصادق، وقوموا على ساق الجد في مقاطعة الكافر، ومصارمة أهل شيعته، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ... . .﴾ [المائدة: ٥١] وقال : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٦].
ونأمركم أن تكونوا يدًا واحدة، ونفسا متحدة مع البركة السيد الشيخ بن الطيب البكرى، فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، وقد أمرناه أن يصلح بينكم وبين إخوانكم قبائل الصحراء، حتى تكونوا معهم يداً واحدة على أعدائكم كما كنتم من قبل، لتربحوا وتنجحوا، ولا تقصروا في إرشاد إخوانكم حتى يرجعوا إليكم ويعمروا البلاد معكم، فإن الفرنصيص لا يأنفون من هذا ولا يكرهونه ولا يتعدون الحدود، ولا يطمعون فيمن هو من إيالتنا وإيالة أسلافنا قدسهم الله، وذلك لما جددنا معهم من الهدنة وعقدنا من المصالحة والسلام وفى ٣ رمضان المعظم عام ١٢٦١".
стр. 2521
وفى عام ١٢٦١ كتب لمجاط بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"خدامنا قبيلة مجاط كافة وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد كان أخبرنا خديمنا ابن حد الشعيوى، بأن الخارجين عليه من إيالته رغبوا في الرجوع إليه، والبعض من إيالة وصيفنا الجيلانى بن بوعز ذبحوا عليه راغبين في الدخول في ولايته، فوجهنا كتابنا صحبة وصيفنا المعطى الزعرى لاختبار صحة ذلك من عدمه، لأنا يزيد لكم الصلاح والسكينة وما يعود عليكم بانتظام الأمر وحسن الخدمة وصلاح الأحوال، ولو علمتم ما نحب لكم من الخير ونؤمله لكم من الصلاح لبذلتم أنفسكم وأولادكم في الطاعة والخدمة، وعليه فها نحن أقررنا وصيفنا الباشا المذكور على من كان في ولايته، ومن رغب في الانحياش لإيالته منكم، وأبقينا خديمنا القائد محمد بن حد الشعيوى على من بقى معه حسبما بالرسم المشهود عليكم، ونأمر الكل بالسمع والطاعة وحسن الخدمة والاستقامة، ومن حاد منكم عن الخدمة ورام نقض ما شهد به عليه فلا يَلُمْ إلا نفسه، ولا يضر إلا رأسه، وفقكم الله والسلام وفى ٢٨ محرم الحرام فاتح عام ١٢٦١".
وكتب للفقيه القاضى سيدى محمد بن عبد الهادى في شأن شراء الأصول بتافيلالت بالطابع الصغير بداخله "عبد الرحمن بن هشام الله وليه" بما نصه:
"ابن عمنا الفقيه سيدى محمد بن عبد الهادى أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فقد بلغت موجبات بيع المواضع التي أراد مولاى اليمنى بلغثى وحفيده بيعها وتقويمها بسوم الوقت صحبتهما، ولم نشتر شيئا من ذلك، إذ لا
стр. 2522
يشترى الأصل من لم يكن عنده من يقوم بصيانته وحفظه وخدمته، فقد بلغنا ما يقع في أصلنا هناك من تفريط الخدام والوصفان فيه وعدم خدمته وتعريضه للتلف وضياع غلته، وليس من الرشد أن نعمد إلى شراء أصل آخر ونعرضه للتلف أيضا، فإنما يشترى الأصل ويغتبط بزيادته من عنده من يقوم على حفظه وخدمته من ولد أو ابن عم أو خديم أو وصيف حازم، والله يعينك والسلام في ٣ رمضان عام ١٢٦١ ".
وفيها اخترع العسكر على الهيئة المنظمة وضمه إلى جيوشه وكلف بتنظيمه على نسق النظام التركى عامليه اشعاش وازطوط، ولكن لم يتم بذلك أمر لأنفة الناس مما لم يألفوه، وما انتظم في ذلك السلك غير من لا يؤبه من أخلاط الرعاع، فارتكبوا ما هو من شأنهم من كل شنيع، فاغتاظ المترجم بذلك وأمر بتركه وإبطال العمل به.
وفيها وجه عامله على ثغر تطاوين سفيراً لفرنسا، وفى معيته جماعة من أعيان الثغر المذكور، ووجه معه وحوشا وخيلا وطرفا واحتفلوا لمقدمه بباريس احتفالا عظيما، وبالغوا في إكرامه، وقاموا بضيافته أتم قيام، وأطلعوه على معامل السلاح والمقومات الحربية، ثم بعد قضاء المأمورية التي توجه من أجلها وأوبته للحضرة السلطانية ورد باشدور فرنسا لرد الزيارة والسلطان يومئذ بمراكش، وكان نزول الباشدور المذكور بثغر الجديدة في مقدمه هذا سادس عشرى قعدة عام اثنين وستين، ووصوله لعاصمة الجنوب في الثانى عشر من ذى الحجة، وورد في معيته من أهل طنجة والجزائر خمسة عشر رجلا، ومن الفرنسيين تسع وعشرون، ومن اليهود عشرة، فأكرم وفادته وأنزله بالبستان المعروف إلى اليوم بالمأمونية، ورتب له جراية وافية مياومة أربعة رءوس من الضأن، ونصف ثور، ومائتى خبزة، وخمسين
стр. 2523
دجاجة، وثمانية أرطال من الشمع، وما يناسب ذلك من السمن والزيت والخضر والحليب والزبد.
وفى اليوم الثالث من أيام وصوله صدر إليه الإذن بلقى السلطان، وفيه كان اقتباله له أمام قبة الصويرة الشهيرة بعاصمة الجنوب، والمترجم ممتط ظهر جواده، والجيوش والوزراء وأعيان الدولة مصطفة عن اليمين والشمال، ثم تقدم السفير وقدم ما أتى به من الهدية ستة مدافع نحاسية من الطراز الجديد محمولة على كراريط مزخرفة، وما يحتاج إليه كل مدفع من الإقامة، وأربعة أفراس من إناث الخيل العتاق، ثم ناول الكتاب الذى أتى به للحضرة السلطانية فناوله السلطان لقائد مشوره ففتحه وناوله للترجمان فقرأه أمام صاحب الترجمة، ولما ختمه وأحاط المترجم علما بما حواه كان من جملة ما شافهه به أن قال له: سنكون معكم على ما كان عليه أسلافنا وأنتم جيراننا لكم علينا حفظ الجوار، وقد كنا قبل نسمع عنكم ما لا يليق، أما اليوم فقد تحققنا صدق محبتكم في جانبنا.
وإننا مستعدون لقضاء شئونكم، ثم دخل جنانه، ورجع السفير قال نزوله، هذا ملخص ما أفاده بعض من شاهد ما ذكر من حذاق الكتاب في مقيداته، وكان إبحار هذا السفير من ثغر السويرة، كذا قال بعض كتاب الدولة العبد الرحمانية في بعض مقيداته.
وفى عام ١٢٦٢ كتب لأبناء عمه بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"أبناء عمنا الأشراف، أهل قصبة سيدى ملوك، وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابكم، وعرفنا مضمنه وما ذكرتم من حطنا من قدركم، وأنا لم نجركم مجرى أسلافنا الكرام قدسهم الله من الاعتناء بكم، والدفاع عن
стр. 2524
حوزتكم، فمعاذ الله أن يصدر ذلك منا، وحاشا الله أن نسلمكم أو نهملكم مع أنكم من خيار أبناء عمنا وأرضاهم وأحظاهم لدينا، وما طلبتم من أمرنا الشريف بتقويم بلادكم لتبيعوها لجانبنا العالى بالله، وتنتقلوا منها لسكنى مراكشة حيث تخيرتموها لشبهها بالصحراء، فاعلموا أن بلادكم لا تصلح إلا لكم، وعن قريب ينجلى هذا الغبار، ويأخذ الله أهل الفساد الفجار، ويرجع المخزن إلى نصابه، والصلاح إلى أحزابه، فإن مع العسر يسراً، إنَّ مع العسر يسرًا، والسلام وفى ٢٤ ربيع الأول عام ١٢٦٢".
وفى عام ١٢٦٣ كتب لولده الخليفة بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله ورعاك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فيرد عليك كتابان لولد الشبلى في شأن خديمنا الحسين الجروانى، طالعهما لتكون على بصيرة في أمره، فقد عجز الذين معه عن مقاومة بعض زمور ولم يقوموا به، فكيف بعداوة بنى مطير! والعاقل لا يرتكب ما لا يقدر عليه، ولا يسعى فيما يجر الغلبة إليه، فلا بدّ اسعَ في إطفاء نار الفتنة الثائرة بين القبيلتين، وباشر الصلح بينهما حتى تضع الحرب أوزارها، وتذهب الشحناء بين الفئتين.
وقد تواتر لدينا من كتب العمال ولد الشبلى وغيره، ارتكابه للخوض والسعى في إثارة الغوغة على العمال ومواعدة فسدة القبائل بالولاية، حتى تشوف لذلك كل قاطع ومارق، وأن الواقع في بنى حسن، إنما هو بسببه لسعيه في ولاية العامرى بن إدريس وتسريحه، وقد كان حاول ذلك لما كان هنا وتكلم حتى في هذا أخ عق أرح الذى وجهنا، ولم نساعده على شئ من ذلك، ولما قدم وجد فيك محل قبول لذلك ومساعدة، ونحن لم نكره ولاية العامرى، واستقامة بنى
стр. 2525
حسن معه، لأنه ولد الدار وله، ولسلفه صالح خدمة ونصيحة وقدم صدق في الحزم والنجدة، غير أنه خلط ولم يتبع سيرة سلفه وتخلق بأخلاق البربر وآثرهم على العربية، وأراد جعل قدمهم على رقاب بنى حسن، وسعى في وطئهم بهم، وجعلهم مخزنا عليهم مع فسادهم، وخصهم بإعطاء جيد خيل بنى حسن وتفريق مال الله الذى جمع عليهم، وجعلهم وزره وحاميته، حتى أعلام المخزن التي كانت عنده أعطاها لزمور، ورضى بالدنية لهم التي لم يرضها أسلافه من قبل، حتى عقد حلف الطاطة معهم، الذى لا يرضى فعله ذو نفس أبية، وهمة عربية، من ارتكاب عادتهم الجاهلية في ذلك من الاجتماع معهم على طعام مخصوص، والمشى إليهم حافيا عارى الرأس، ليكمل العقد ويطمئنوا إليه، ويصير من جملتهم، وقد اقتدى به إخوانه وغيرهم، وتخلقوا بهذا الخلق السيئ الشيطانى، وقد كان بنى حسن أشداء على عداوة البربر، ساعين في قمعهم، مثابرين على قتالهم، لا يرضون بجعل العافية معهم فضلا عن مؤاخاتهم ومحالفتهم، وبذلك صلاح زمور واستقامتهم، فانظر إلى ما رجعوا إليه اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، مع أنه من المعلوم المجرب أن ولايته عليهم لا تعقب إلا بالفتنة والاضطراب، كالواقع الآن وسعى الجروانى في هذا وشبهه ليس فعل عمال النصيحة وولاة الصلاح.
وقد سرى ذلك حتى دخل في الغرب، فقد لقيه الحباسى بمكناسة، وأهدى له بغلة ووعده بالولاية، وصار يشنع ذلك ويشيعه في آذان العامة مع سكون أهل الغرب ورضاهم بولاية عاملهم لما مسهم من الراحة وعمهم من العفة وحسن الملكة، وأعلمناك بهذا كله لتكون على بصيرة، وتنظر فيه بحسن النظر، وتتنبه لما وقع وصدر، وتكشف عن حقيقة ذلك وصحته من عدمها، ونحن الآن نراعى أمر الفتان الحاج عبد القادر، فقد بلغنا استفحال أمره، وانتشار ضره، ونريد من يسعى