وفى عام ١٢٦١ كتب لمجاط بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"خدامنا قبيلة مجاط كافة وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد كان أخبرنا خديمنا ابن حد الشعيوى، بأن الخارجين عليه من إيالته رغبوا في الرجوع إليه، والبعض من إيالة وصيفنا الجيلانى بن بوعز ذبحوا عليه راغبين في الدخول في ولايته، فوجهنا كتابنا صحبة وصيفنا المعطى الزعرى لاختبار صحة ذلك من عدمه، لأنا يزيد لكم الصلاح والسكينة وما يعود عليكم بانتظام الأمر وحسن الخدمة وصلاح الأحوال، ولو علمتم ما نحب لكم من الخير ونؤمله لكم من الصلاح لبذلتم أنفسكم وأولادكم في الطاعة والخدمة، وعليه فها نحن أقررنا وصيفنا الباشا المذكور على من كان في ولايته، ومن رغب في الانحياش لإيالته منكم، وأبقينا خديمنا القائد محمد بن حد الشعيوى على من بقى معه حسبما بالرسم المشهود عليكم، ونأمر الكل بالسمع والطاعة وحسن الخدمة والاستقامة، ومن حاد منكم عن الخدمة ورام نقض ما شهد به عليه فلا يَلُمْ إلا نفسه، ولا يضر إلا رأسه، وفقكم الله والسلام وفى ٢٨ محرم الحرام فاتح عام ١٢٦١".
وكتب للفقيه القاضى سيدى محمد بن عبد الهادى في شأن شراء الأصول بتافيلالت بالطابع الصغير بداخله "عبد الرحمن بن هشام الله وليه" بما نصه:
"ابن عمنا الفقيه سيدى محمد بن عبد الهادى أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فقد بلغت موجبات بيع المواضع التي أراد مولاى اليمنى بلغثى وحفيده بيعها وتقويمها بسوم الوقت صحبتهما، ولم نشتر شيئا من ذلك، إذ لا
стр. 2522
يشترى الأصل من لم يكن عنده من يقوم بصيانته وحفظه وخدمته، فقد بلغنا ما يقع في أصلنا هناك من تفريط الخدام والوصفان فيه وعدم خدمته وتعريضه للتلف وضياع غلته، وليس من الرشد أن نعمد إلى شراء أصل آخر ونعرضه للتلف أيضا، فإنما يشترى الأصل ويغتبط بزيادته من عنده من يقوم على حفظه وخدمته من ولد أو ابن عم أو خديم أو وصيف حازم، والله يعينك والسلام في ٣ رمضان عام ١٢٦١ ".
وفيها اخترع العسكر على الهيئة المنظمة وضمه إلى جيوشه وكلف بتنظيمه على نسق النظام التركى عامليه اشعاش وازطوط، ولكن لم يتم بذلك أمر لأنفة الناس مما لم يألفوه، وما انتظم في ذلك السلك غير من لا يؤبه من أخلاط الرعاع، فارتكبوا ما هو من شأنهم من كل شنيع، فاغتاظ المترجم بذلك وأمر بتركه وإبطال العمل به.
وفيها وجه عامله على ثغر تطاوين سفيراً لفرنسا، وفى معيته جماعة من أعيان الثغر المذكور، ووجه معه وحوشا وخيلا وطرفا واحتفلوا لمقدمه بباريس احتفالا عظيما، وبالغوا في إكرامه، وقاموا بضيافته أتم قيام، وأطلعوه على معامل السلاح والمقومات الحربية، ثم بعد قضاء المأمورية التي توجه من أجلها وأوبته للحضرة السلطانية ورد باشدور فرنسا لرد الزيارة والسلطان يومئذ بمراكش، وكان نزول الباشدور المذكور بثغر الجديدة في مقدمه هذا سادس عشرى قعدة عام اثنين وستين، ووصوله لعاصمة الجنوب في الثانى عشر من ذى الحجة، وورد في معيته من أهل طنجة والجزائر خمسة عشر رجلا، ومن الفرنسيين تسع وعشرون، ومن اليهود عشرة، فأكرم وفادته وأنزله بالبستان المعروف إلى اليوم بالمأمونية، ورتب له جراية وافية مياومة أربعة رءوس من الضأن، ونصف ثور، ومائتى خبزة، وخمسين
стр. 2523
دجاجة، وثمانية أرطال من الشمع، وما يناسب ذلك من السمن والزيت والخضر والحليب والزبد.
وفى اليوم الثالث من أيام وصوله صدر إليه الإذن بلقى السلطان، وفيه كان اقتباله له أمام قبة الصويرة الشهيرة بعاصمة الجنوب، والمترجم ممتط ظهر جواده، والجيوش والوزراء وأعيان الدولة مصطفة عن اليمين والشمال، ثم تقدم السفير وقدم ما أتى به من الهدية ستة مدافع نحاسية من الطراز الجديد محمولة على كراريط مزخرفة، وما يحتاج إليه كل مدفع من الإقامة، وأربعة أفراس من إناث الخيل العتاق، ثم ناول الكتاب الذى أتى به للحضرة السلطانية فناوله السلطان لقائد مشوره ففتحه وناوله للترجمان فقرأه أمام صاحب الترجمة، ولما ختمه وأحاط المترجم علما بما حواه كان من جملة ما شافهه به أن قال له: سنكون معكم على ما كان عليه أسلافنا وأنتم جيراننا لكم علينا حفظ الجوار، وقد كنا قبل نسمع عنكم ما لا يليق، أما اليوم فقد تحققنا صدق محبتكم في جانبنا.
وإننا مستعدون لقضاء شئونكم، ثم دخل جنانه، ورجع السفير قال نزوله، هذا ملخص ما أفاده بعض من شاهد ما ذكر من حذاق الكتاب في مقيداته، وكان إبحار هذا السفير من ثغر السويرة، كذا قال بعض كتاب الدولة العبد الرحمانية في بعض مقيداته.
وفى عام ١٢٦٢ كتب لأبناء عمه بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"أبناء عمنا الأشراف، أهل قصبة سيدى ملوك، وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابكم، وعرفنا مضمنه وما ذكرتم من حطنا من قدركم، وأنا لم نجركم مجرى أسلافنا الكرام قدسهم الله من الاعتناء بكم، والدفاع عن
стр. 2524
حوزتكم، فمعاذ الله أن يصدر ذلك منا، وحاشا الله أن نسلمكم أو نهملكم مع أنكم من خيار أبناء عمنا وأرضاهم وأحظاهم لدينا، وما طلبتم من أمرنا الشريف بتقويم بلادكم لتبيعوها لجانبنا العالى بالله، وتنتقلوا منها لسكنى مراكشة حيث تخيرتموها لشبهها بالصحراء، فاعلموا أن بلادكم لا تصلح إلا لكم، وعن قريب ينجلى هذا الغبار، ويأخذ الله أهل الفساد الفجار، ويرجع المخزن إلى نصابه، والصلاح إلى أحزابه، فإن مع العسر يسراً، إنَّ مع العسر يسرًا، والسلام وفى ٢٤ ربيع الأول عام ١٢٦٢".
وفى عام ١٢٦٣ كتب لولده الخليفة بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله ورعاك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فيرد عليك كتابان لولد الشبلى في شأن خديمنا الحسين الجروانى، طالعهما لتكون على بصيرة في أمره، فقد عجز الذين معه عن مقاومة بعض زمور ولم يقوموا به، فكيف بعداوة بنى مطير! والعاقل لا يرتكب ما لا يقدر عليه، ولا يسعى فيما يجر الغلبة إليه، فلا بدّ اسعَ في إطفاء نار الفتنة الثائرة بين القبيلتين، وباشر الصلح بينهما حتى تضع الحرب أوزارها، وتذهب الشحناء بين الفئتين.
وقد تواتر لدينا من كتب العمال ولد الشبلى وغيره، ارتكابه للخوض والسعى في إثارة الغوغة على العمال ومواعدة فسدة القبائل بالولاية، حتى تشوف لذلك كل قاطع ومارق، وأن الواقع في بنى حسن، إنما هو بسببه لسعيه في ولاية العامرى بن إدريس وتسريحه، وقد كان حاول ذلك لما كان هنا وتكلم حتى في هذا أخ عق أرح الذى وجهنا، ولم نساعده على شئ من ذلك، ولما قدم وجد فيك محل قبول لذلك ومساعدة، ونحن لم نكره ولاية العامرى، واستقامة بنى
стр. 2525
حسن معه، لأنه ولد الدار وله، ولسلفه صالح خدمة ونصيحة وقدم صدق في الحزم والنجدة، غير أنه خلط ولم يتبع سيرة سلفه وتخلق بأخلاق البربر وآثرهم على العربية، وأراد جعل قدمهم على رقاب بنى حسن، وسعى في وطئهم بهم، وجعلهم مخزنا عليهم مع فسادهم، وخصهم بإعطاء جيد خيل بنى حسن وتفريق مال الله الذى جمع عليهم، وجعلهم وزره وحاميته، حتى أعلام المخزن التي كانت عنده أعطاها لزمور، ورضى بالدنية لهم التي لم يرضها أسلافه من قبل، حتى عقد حلف الطاطة معهم، الذى لا يرضى فعله ذو نفس أبية، وهمة عربية، من ارتكاب عادتهم الجاهلية في ذلك من الاجتماع معهم على طعام مخصوص، والمشى إليهم حافيا عارى الرأس، ليكمل العقد ويطمئنوا إليه، ويصير من جملتهم، وقد اقتدى به إخوانه وغيرهم، وتخلقوا بهذا الخلق السيئ الشيطانى، وقد كان بنى حسن أشداء على عداوة البربر، ساعين في قمعهم، مثابرين على قتالهم، لا يرضون بجعل العافية معهم فضلا عن مؤاخاتهم ومحالفتهم، وبذلك صلاح زمور واستقامتهم، فانظر إلى ما رجعوا إليه اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، مع أنه من المعلوم المجرب أن ولايته عليهم لا تعقب إلا بالفتنة والاضطراب، كالواقع الآن وسعى الجروانى في هذا وشبهه ليس فعل عمال النصيحة وولاة الصلاح.
وقد سرى ذلك حتى دخل في الغرب، فقد لقيه الحباسى بمكناسة، وأهدى له بغلة ووعده بالولاية، وصار يشنع ذلك ويشيعه في آذان العامة مع سكون أهل الغرب ورضاهم بولاية عاملهم لما مسهم من الراحة وعمهم من العفة وحسن الملكة، وأعلمناك بهذا كله لتكون على بصيرة، وتنظر فيه بحسن النظر، وتتنبه لما وقع وصدر، وتكشف عن حقيقة ذلك وصحته من عدمها، ونحن الآن نراعى أمر الفتان الحاج عبد القادر، فقد بلغنا استفحال أمره، وانتشار ضره، ونريد من يسعى
стр. 2526
في أمر الألفة والجماعة ما أمكن، ليكون ذلك عونا على ما يحاول من اجتثاث أصله، وحسم مادة إفساده، ولا شئ أعون على ذلك من إصلاح القبائل، واستقامة خدمتها، وهذا الحباسى لا يبعد وقوع هذا منه لخفته وطيشه.
فبوصول كتابنا هذا إليك، وجه عليه كأنك احتجته لغرض، ووجهه موكلا به من يحفظه من غير كبل ليد اشعاش لتطوان، ومره بتثقيفه كما كان عبد الله بن القرشيّ عنده وعند والده من قبل، وهذا الأمر لا تظهره للجروانى، ولا يشم له رائحة، إذ ربما يسوء ظنه لأن طبعه جاف يأبى قبول النصح ويشمئز منه، إنما أردنا بهذا كله تبصرتك وتنبيهك لتتفطن وتكون على بال، والسلام في فاتح جمادى الثانية عام ١٢٦٣".
ثم كتب له بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله ورعاك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بسلامة تلك النواحى وسكون قبائلها وانتفاء ما كان من الخوض والاضطراب فيها، فالحمد لله، فهذه النواحى كذلك، زاد الله المسلمين صلاحا وألهمهم رشدا ونجاحا آمين، وقد وصل كتاب ولد أب محمد مخبرا بما أعقب قتال فسدة غياثة من دخول الرعب في قلوبهم وقلوب جيرانهم، حتى قدموا عليه راغبين في معونة المحلة لظهور ثبات الجيش السعيد، وإقدامه وفتكه في المتجاسرين عليه، وعلمنا من جوابه عتابك له على الواقع، ولعل ذلك خير، فإن غياثة لئام لا ينبغى إلا أن يقابلوا بالجد والقوة، وأن يهانوا ولا يكرموا، وليسوا أهل مكرمة، إن قوبلوا بالبشاشة واللين رجعوا وراعوا بل عند ذلك يزدادون جسارة وتعنتا:
стр. 2527
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وإنما اللائق هو مقابلتهم بالشدة، وأخذهم بالعنف، ليلزموا طورهم، ويعرفوا قدرهم، فقد جربناهم وخبرناهم، وتعرفنا ذلك من طباعهم أهلكهم الله، ومع هذا النازل بهم ورغبتهم في الصلح لا تركن لما أظهروا ولا تغتر بسكون الفتان، وخذ الأهبة والاستعداد بعمارة تازة وشحنها بالرماة النفاعة، التي تكون حامية ومنعة، مثل رماة العرب دخيسة مائة، وأولاد نصير مائة، وذوى منيع خمسون، والشجع خمسون وثلاثمائة أو أربعمائة من رماة الجبل إيالة الصنهاجى وفرجى.
ورتب لهم الكفاية، فإن الرماة أكثر معونة وأقل مئونة، حتى إن كان الطول يملهم اجعل لهم الإدالة يتبدلون بعد الشهر أو الشهرين، ولا يلحقهم ملل ولا ضجر، وهذا العسكر النظامى حيث ظهر ثباته وإقدامه ونكايته في العدو استكثر منه على قانونه وإعداد عدته، وقد أخبر ولد أبي محمد أن سبب اضطراب تلك القبائل هو ما ألقاه الوزغ ولد بوزيان مما كنا منيناه به، حين كان بحضرتنا الشريفة، وذلك إنما كان منا على وجه المدافعة والوعد، حيث أكثر الإلحاح والرغبة، وإلا فأى فائدة ظهرت على يد الكرارمة، وأى عائدة عادت على الدولة منهم حتى يجابوا لما طلبوا! وما أفسد قلوب تلك القبائل وكفرهم في المخزن إلا ولايتهم لما يرتكبونه فيهم من العسف والظلم والبغى الخارق للعوائد حتى يختاروا الكفر عن عودهم لولايتهم، فكيف بالدخول في حزب الفتان! فذلك أيسر عليهم من تحمل أعباء ولايتهم.
وانظر ما نتج منهم من كثرة الإرجاف وإلقاء الرعب في القلوب مما سودوا به الصحائف، وطولوا وهولوا وخوفوا من أمر الفتان، وأنه قادم لتازة لا محالة، وطلبهم للمدد والخيل والعدة والمعونة بالعسكر وغيره.
стр. 2528
وقولهم في مكاتبهم: إنه قال لهم إن أردتم الخير لأنفسكم تنحوا عن الطريق، وإلا فسيحل بهم ويحل، وذلك فتٌّ في عضد المخزن وشيعته وإرجاف، حتى كأنهم ينادونه هلم فليس هناك من يلقاك، أهلكهم الله وزادهم ذلا وهوانا، فلا أضر على الدولة منهم، فإنهم الذين ربوا هذه الفتنة بإيواء الفتان ودائرته، وإظهار الإشفاق عليه والترغيب في الإحسان إليه، وأن ليس مراده في شئ إلا الحماية والمعيشة وهو يسر حسوا في ارتغاء، حتى برز منه ما برز ولحقهم من شؤمه ونحسه ما صيرهم عالة ﴿. . . وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ. . . (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
وما ذكر على شأن الجيلانى بن العواد والشافعى وعدم نجح سعيهما في تلك الناحية، فالأمر كذلك، فالأول قائد فتنة لا زال لم يغسل عارها، وسبب محنة أصلاه نارها مع خبث لسانه وعدم إحسانه، وأما الشافعى فلا يعرف صرف أهل تلك الناحية ولا الكلام معهم، لأن صرف الشاوية وكلامهم بخلاف هؤلاء، والموجه لهم ينبغى أن يكون به عارفا.
واندب لكل مهم أهل بلواه.
وفى تكليف ولد أب محمد بذلك غنية فإنا نعرفه في حال الخلافة خيرًا دينا مع محبة وصدق لهجة، فهو أولى بالمباشرة وأحق بالتكليف، وقد مارس قبائل تلك الناحية وعرف أهلها وصرفها وحمد مسعاه وحنكته التجارب، والله ولى التوفيق والسلام في ٦ رمضان المعظم عام ١٢٦٣".
وفى سنة ١٢٦٦ كتب بعض أولاد سيدى الشيخ للقائد حميدة الشجعى يخبره بحالة قبائل الحدود بما نصه ومنه تعلم بعض الأسباب التي اضطرت المترجم إلى ارتكاب ما قدره الله وقضاه:
"محبنا الأرضى، الرئيس الأعز المرتضى، القائد السيد حميدة بن علي، أعانك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته ورضوانه الأعم وتحياته.
стр. 2529
وبعد: فإننا والحمد لله بتمامه لازلنا على عهدكم ومحبتكم، نسأل عنكم ونحبكم وندعو لكم، لكن بقى القلب متعلقا من أجلكم حيث لم يأتنا من لدنكم كتاب ولا جواب مع قربكم منا ومحبتنا معك راسخة لا يفصمها عارض من العوارض. . . . وأما خبر هذه الناحية فالسكوت عنه خير من الخوض فيه، فقد تراكمت أهوالها واشتدت أزمة الفتن حتى وصلت حدها، وخافت الناس سطوة العدو الكافر دمره الله، وهابوه لذلك لا سيما حيث أمنوا انتقام المخزن وعدم قيامه لديهم، فجدوا في الفساد واتخذوه سبيلا، وامتلأت بلاد الله بغيا وفسادا، وأكل القوى الضعيف، ولم يبق خوف ولا حياء إلا من الكافر لا غير، فلما ثار ذلك وشاع لديهم ذهب ميعاد المهاية بفرسهم وهديتهم للكافر يطلبون الأمان لأنفسهم، فتبعهم كثير من القبائل كبنى حمليل، وبنى بوحمدون وغيرهم، فأمنهم الكافر وأجابهم بما يقتضيه ظاهره، كما كانت عادته وباطنه على دغل يترقب الفرصة وينتهزها مهما وجدها، والناس في وجل منه، والفساد بينهم لا حدّ له.
فأهل أنجاد يشنون الغارات على أطراف وجدة وبنى مطهر أكلوا مال بنى وكيل وبعض مال المزاوير معه بوترفاس بنفسه ولم يبق حسن ولا محسن، والجهة التي تلى الحدود كلها التجأت لإيالة الرومى ما عدا بنى يعلى مع أنهم بقوا في حيرة من عدم الملتجأ، فهذا وجه ما عليه الناس في نواحينا كافة، نسأل الله السلامة لديننا ودنيانا آمين، وحامله الطيب الطرشى منا وإلينا استوص به خيرًا بارك الله فيك وأعانك، وعلى محبتك وعهدك والسلام في ٢٨ ذى الحجة الحرام متم عام ١٢٦٦، ويسلم عليك أخونا كاتبه صح منه حمزة بن الطيب لطف الله به" من ملف أوراق الأمير عبد القادر المحفوظ بمستودع الأوراق بالقصر السلطانى بالرباط.
стр. 2530
وفى عام ١٢٦٦ أحدث المترجم المكس أولا في الجلود فقط بفاس وغيره من الأمصار، وذلك على يد المصطفى بن الجيلانى الدكالى، والمكى القباج ثم أحدثه في البهائم ثم تفاحش أمره من بعده.
وفى عام ١٢٦٧ أصدر ظهيرا نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الصغير:
"يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره أننا أمضينا للتاجر الحاج قاسم حصار السلوى وشريكه ولد المسعودى بيع كنطردة الثيران التي يسقها جنس اللنجيز من طنجة وتطوان حرسهما الله تعالى مدة من عام واحد، يأتى من تاريخه على أن يؤديا لبيت المال عمره الله عشرة آلاف مثقال، الحق بالطرة وشريكه ولد المسعودى والسلام في ١١ ربيع الأول عام ١٢٦٧".
وفيها كتب بعضهم للقائد فرجى باشا فاس الجديد واحد وصفان السلطان سليمان الممتازين كان بمثابة أحمد مولى إتاى، وكان له نفوذ شاسع ومكانة عالية في الدولة العبد الرحمانية، ونص الكتاب بلفظه بعد الحمدلة والصلاة:
"أدام الله سعادة الباشا الأمجد، الفارس الأنجد، الوجيه النزيه، الأفضل النبيه، الماجد الأكمل القائد فرجى أدام الله عزك بوجود مولانا المنصور بالله، وسلام تام شامل عام عليكم ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله وأبد ملكه.
وبعد: فليكن في كريم علم مولانا أدام الله عزه أننا لما توجهنا لهذه الناحية ما رأينا إلا الخير الكبير ببركة وجود مولانا أعزه الله، حتى وصلنا لعيون سيدى ملوك فالتقوا بنا كبار بنى يوناسن والنجع وهوارة وفرحوا بنا كلهم فرحا كبيرا، ومانونا مئونة جيدة، وسرنا لوجدة فلما دخلنا والتقوا بنا أهلها سلموا علينا ومانونا مئونة ضعيفة ونفروا منا نفورا تاما خاصتهم وعامتهم، فغفلنا عنهم حتى ننظر مرادهم.
стр. 2531
فلما كان بعد وصولنا بثلاثة أيام قدم (١) كبار بنى يزناسن وشيخهم الحاج ميمون ليسمعوا أوامر مولانا المنصور بالله، فلما دخلوا عندنا اجتهد (٢) أهل في إقامة الفتنة وساروا يترددون في الهجوم علينا وعليهم حتى لصبيحة غد خرج للسوق بعض من قدم معهم من أهل وجدة الفارين من البلد، فدفعوا عليه وهجموا على القصبة عن آخرهم بالعدة والسلام والبارود، وطلعوا على الأسوار واستولوا على القصبة، والتجار ينادون بالشرع ويستغيثون، ونحن نطفئ ذلك بأنفسنا، حتى قدم بعض من أشياخ العرب، فركبوا وركبنا، وخرجناهم سالمين، وحضر لطف الله في الدماء والأموال والحمد لله، ولما وقع ذلك اجتمعوا بنى يزناسن وجميع عرب آنكاد وتعاهدوا على أن من حاد منهم عن خدمة المخزن يحرقوه أو يقتلوه واجتمعوا أيضا أهل وجدة وتعاهدوا على الفساد والعصيان، وساروا يكاتبون الرومى دمره الله بما لا يليق، وهذا بإشهاد جميع التجار وغيرهم من أهل العدل والصلاح وهذا ما وجب به إعلام مولانا أدام الله عزه والسلام وفى ٣ شعبان الأبرك عام ١٢٦٧".
وفى عام ١٢٦٨ كتب بما نصه وهو يدل على اهتمامه بكل شئ بعد الحمدلة والصلاة والطابع الصغير:
"وصيفنا الأفلح بريك الحبشى، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فيرد عليك صحبة حامله اثنتان وثلاثون جلاسية (٣) من الخليع البقرى، فيها ثلاث من البطون، فنأمرك أن تدفع لولدنا مولاى سليمان ثمان جلاسيات، ولمولاى عبد الله أربعا، ولمولاى الحسين أربعا، ولابنتنا زوجة سيدى
стр. 2532
المهدى بن العربى ثلاثا، ولأختها زوجة مولاى الظاهر ثلاثا، والباقى وهو عشر جلاسيات ادفعهم لدارنا بآبار، واجعل ذوات البطون في عددها لا في عدد ما أمرنا بإعطائه، وحظ مولاى عبد الله ومولاى الحسين ادفعه لهما ولا يتصرفان فيه، بل أبقه تحت يدك حتى يدخل كل واحد لمحله، لأن مئونتهما اليوم من دارنا، كما يرد عليك صحبة الحامل المذكور أربعة قناطير من الزيت، ادفعها للدار تكون بالخزين أيضا، ومنه تكون عولة مولاى سليمان والسلام في ٢٥ صفر عام ١٢٦٨".
وفيها كتب القائد محمد بن عبد الصادق للمترجم بما نصه بعد الحمدلة والصلاة:
"بعد تقبيل بساط سيدنا المنيف، ولثم قدمه الشريف، ثم الإعلام لمولانا أن الرومى دمره الله لما كتبت له قبل ورود الأمر الشريف، وطلبت منه أن لا يترك عساكره هناك، وأن ينهض من محل نزوله امتثل، لكن عدو الدين لا يؤمن بقى بمحله بعد بعث من حيز عليه من غير مضرته لشئ وقوله لا ينهض حتى يتلاقى مع عبد مولانا، ويجعل معه العقدة التي يكون فيها الصلاح للدولتين، ثم بقى على حاله المذكور إلى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شعبان الأبرك ونهض لمرس قربه من قبيلة بنى يزناسن، إلى أن وصل ولم يجد الحال حينئذ من أهل القبيلة المذكورة بالمرس المذكور إلا شرذمة قليلة من بنى خالد وبنى منقوش نحو المائتين، ومنعوه النهب من المرس المذكور وقاتلوه قتالا عظيما وردوه على عقبه، ومات من الجانبين من مات وانجرح من انجرح، ورجع لمحل نزوله.
ويوم الأربعاء من شهر الله رمضان وافانا نجل مولانا السعيد مولانا العباس بالمحلة السعيدة لتفرسيت، ولاقيناه بالفرح والسرور الواجب وكثرة المئونة، وساعة وصوله ورد علينا رقاصيص في وجدة وبنى يزناسن يطلبون التعجيل بقدومنا
стр. 2533
لناحيتهم لما أصابهم من القلق ووفور الوجل، ونحن ما ظهر لنا توجه لتلك الناحية بالمحلة السعيدة ما دام عدو الدين قربها، إلا أن أذهب بنفسى خاصة في نحو مائة فارس وبعض أعيان قبائلنا الريفية بعد تركى المحلة السعيدة في قبائلنا الريفية ناعمة بحمد الله بوفور المؤنة ونئوب عاجلا لقبض الواجب من القبائل الريفية التي هى آكد التقديم، وفى ذلك مصلحتان: إحداهما لئلا ينسب الرومى لنا إعانة الرعية، الثانية التقديم منهم لأن النفع فيهم أكثر من غيرهم من القبائل الوجدانية ولراحة المحلة أيضا، ثم الإعلام أيضا لسيدنا أن بنى يزناسن آخذون في خواطرهم ذاكرون أن مولانا سمع فيهم كلام غيرهم وقبض مساجنهم، وامتنع من تسريحهم، لأن الأشجاع إخوانهم وتحت كفالتهم، وكذلك من معهم من الثلاثة نفر لأنهم إخوانهم، ولم يكن بوجدة إلا سكناهم، وهم الآن مجموعون في سجن فاس، وقد طلبوا منا الشفاعة فيهم المرة بعد المرة، وجوابى لهم أن الطاعة لا تكون بالشرط، وحتى الآن تعين علينا الكلام وظهر لنا أن الشفاعة في شأنهم فيها مصلحة، حيث القبيلة المذكورة زرب الطرف قابضة على دينها وإيمانها أفضل من غيرها، فالمطلوب من سيدنا أن يجبر خواطرهم بتسريح المساجين المذكورين، وينفى عنهم الشك الواهى من أنهم فيهم غرض أهل وجدة، وهم الآن إخوان وذات واحدة وهم عمارة وجدة، ما عدا ابن زعيم، لا كلام لنا فيه.
والنظر في هذا كله لمولانا والعبد على الخدمة طالبا من سيده صالح الأدعية والسلام وفى ٥ رمضان المعظم ١٢٦٨، مقبل الأرض بين يدى سيدنا، محمد بن عبد الصادق أمنه الله" صح من أصلها الموجود بمستودع الأوراق الرسمية بالقصر السلطانى من رباط الفتح.
ثم كتب أيضا بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"خديمنا الأرضى القائد محمد بن عبد السلام بن عبد الصادق الريفى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة تعالى وبركاته.
стр. 2534
وبعد: فقد وصلنا كتابك مراجعا فيما أمرناك به من إسقاط الواجب هذه السنة عن فرقتى بنى منقوش وبنى خالد جبرا لحالهم، وإعانة على ما ضاع لهم، فذكرت أنك طالعت كبراء القبيلة كالخديم الأنصح الحاج ميمون وأشباهه، فنشطوا لذلك وفرحوا برد البال لهم، وكون الخاطر معهم، ثم ذكروا أن الذى تقتضيه المصلحة هو عدم الإسقاط عنهم وأحرى حيث ألفاك الحال قبضت منهم لا يناسب الرد لهم، لأن القبيلة تتشوف لمثل ذلك لكون الجهاد وقع من الكل إلى آخر ما ذكرت.
أو أنك بعد ما أردت الشروع فيما أمرناك به من الكلام مع الرومى على الحقوق التي قبلهم ومحاججته ردك عن ذلك أعيان القبيلة مخبرين أن المصلحة في عدم المراجعة الآن للعلة التي ذكروا، وأن مثل ما صدر هو كثير الوقوع من الجانبين من قديم، ثم يقع الصلح في ذلك ووجهوا كتابهم بهذا، وأن ترحيل الشيخ سليمان العطياوى من المحل الذى هو به لا يناسب لما في بقائه هناك من المصلحة، فاعلم أرشدك الله أن الذى يبلغنا ويظهر لنا نكتب لكم والعامل الناصح العاقل السديد الرأى يتأمل القضايا على مقتضى مصلحة الرعايا، ثم ما يرى المصلحة في تنفيذه ينفذه، وما يرى المصلحة في عدم تنفيذه يراجع فيه، ونحن لا نكره. المراجعة.
والآن حيث اقتضى النظر عدم الإسقاط عن الفرقتين المذكورتين، وعدم الرد لهم فاترك ما قبضت منهم تحت يدك وأضفه إلى غيره، ولا ترد لهم شيئا، فإنا ما أمرنا بذلك إلا جبرًا لحالهم، وأما الجهاد فهو فريضة وفضيلة يتعين على كل أحد حيث يفجأ العدو، ثم حيث أشار أعيان خدامنا بنى يزناسن وفرهم الله بعدم الكلام الآن مع الرومى وأن الرأى تأخير ذلك، واستصوبت أنت إشارتهم فاترك الكلام معه، ولا تخاطبه فإن الحاضر بصيرة ويرى الشاهد ما لا يرى الغائب.
стр. 2535
وكذا الشيخ سليمان البطياوى حيث كانت المصلحة في بقائه بمحله فاتركه فيه ولا تنقله منه، وأنت بصيرة ما يناسب فإنا نكتب على مقتضى ما يبلغنا، فما يكون صوابا وسداد نفذه، وما تأملته وكان الأمر على خلاف ما بلغنا فيه راجعنا، فإنك أصلحك الله من أهل العقل والتجربة والعراقة في الخدمة، زادك الله توفيقا وإرشادا آمين، وما كان على خلاف الصواب ونفذته فالعهدة فيه عليك، والله يوفقك والسلام في ٢٥ قعدة الحرام عام ١٢٦٨".
وفى عام ١٢٧٠ كتب بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"ولدنا الأبر الأرضى سيدى محمد أصلحك الله ورضى عنك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فيصلك طى هذا كتاب وجهه الطالب عبد السلام بن عبد الكريم جوابا عما قدمناه له من كتاب الزكاة، أخبر فيه عن حال القبيلة بما تراه فيه، ولا شك أن الزكاة فرع عما يزكى، وحيث كان حال القبيلة كما شرح، فمن كان عنده نصاب شرعى من زرع أو ماشية فليطالب بها على قدر ما عنده، ومن ليس عنده نصاب فلا يطالب بشئ.
وعلى هذا يكون العمل في شأنهم لكن إن صرحنا لهم بذلك تشوف له غيرهم من جيرانهم، لأن تلك النواحى كلها هذا العام ضعيفة، والآن تأمره مشافهة حين يكون عندك في العيد بأن يخاطبهم بأن من كان عنده شئ فليزكّ على ما عنده، ومن ليس عنده شئ يقول لهم: أنا أؤدى عنكم، ولا يطالب بعد بشئ من ذلك، وإنما يفرغه لهم في هذا القالب للعلة المذكورة لأن أهل الغرب لا يقصرون إن كان عندهم ما يعطون، فينبغى الآن الرفق بهم والسعى في جبر حالهم، لأن ذلك الظالم تركهم لحما على وضم كما يصلك بطيه أيضا كتاب وجهه عبد الكبير بن المدنى في شأن ما كلفناه به من قبض ما تراه فيه من عند
стр. 2536
رجلين ظننا أنهما معا بإيالته، فبوصوله إليك مُرْ عبد السلام بن عبد الكريم بالقبض على ولد أخت الشافعى وأخيه المذكورين فيه وتوجيههما إليك، ثم وجههما لعاملها المذكور ليستخرج منهما متاع بيت المال، هذا وقد وصلنا كتابك وعلمنا ما فيه وتصفحنا ما أجاب به ابن عبد الصادق في القضية المعهودة، وعلمنا من كتابه الذى وجهت سابقا ما أخبر به من رد الولد النصرانى لأهل ملته، وما ذكره في شأن العداوة بين الريف والصبنيول، وأن لا خير في الهدنة بينهما، فذلك هو المقصود، لكن لو كانوا يقتصرون على مقابلة السيئة بمثلها مع الصبنيول فقط.
وأما ما يفعلونه بالإنجليز وغيره من الأجناس البعيدة عنهم، فإنهم يجرون به كثرة الكلام والهرج.
وما ذكرت على الشريف الذى جاء يعرض بيع أملاك له باكحيك، فإن لنا هناك أصولا، فاكتب لوصيفنا الحبشى يقومها، ويوجه لك رسم التقويم ومواجب البيع، وادفع ثمنها للبائع أو بوكيله بعد تسليم الموجبات شرعا، وما طلبه مقدم الشيخ أبى يعزى من زليج البديع على المثال الذى كانت مزخرفة به القبة، فادفع له من الزليج الموجود في الوقف لا غير، لأن الترقيع ليس كالبناء.
وما ذكرت في شأن مجاط الذين قبضهم الطالب عبد السلام بن عبد الكريم الشعيوى ومن معه، فهؤلاء كانوا نازلين هنالك بالإذن قديما، فأمره بتسريحهم وإبقائهم هنالك، ونحن لما ألح علينا إخوانهم هؤلاء بالطلب في جلب الفارين أجبناهم لذلك، ومن كان له إذن كهؤلاء فليسوا منهم، وعلمنا ما ذكرت من توقف مولاى عبد الهادى فيما توجهه إليه من أمر الأصول على الإذن من قبلنا، فها نحن كتبنا له بذلك، وها كتابه يصلك طى هذا، فاختم عليه ووجهه له.
وأما الحطوشى فقد قدمنا لك أنه لا يوثق به، لأنه يقبض من البائع والمشترى ولا عليه.
стр. 2537
وما ذكرت في شأن الولد المقبوض في جرح وصيف سمار من وصفاننا فانظر في أمره، فإن كان من أهل الدعارة والفساد فألقه بالسجن ورتب له ما يقتات به، وإن كان لم يصدر منه إلا الجرح المذكور فهذا حق لنا قد سامحناه فيه فسرحه والسلام، ألحق بطرته مشافهة حين يكون عندك في العيد، بعد تسليم الوجبات شرعا صح به في ١ ذى الحجة عام ١٢٧٠ الحق بين أسطره شرعى صح به" صح من أصله.
وفى عام ١٢٧١ كتب أيضا بما نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله ورضى عنك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابك وعرفنا ما فيه، ووصل زمام أمناء فاس بصائر الشهر الفارط، وعلمنا ما ذكرت من صدق الحشم فيما ادعوه من ساقية الجديدة، كما علمنا كتبك لمولاى الصادق بما قدمناه لك وإعادتك الكتب له بعد ورود كتابه الذى وجهت بطيه، وقد تصفحناه وكتبنا له بما تراه طى هذا، فاختم عليه ووجهه له، والله يوفقه للقبول، ويصلك زمام رسوم ٤ وبطائق ٣ كانت تحت يد الأمناء تضمنت ما بذمم المذكورين فيها من صائرنا الموفر بالله، فأما ما بذمة دخيسة وأولاد نصير وذوى منيع فكلف عمالهم باقتضائه والإتيان به.
وأما ما بذمة بوزيان فعهدى أنى كنت أمرت بحيازة بلاده في ذلك، فإن كانت حيزت فذاك، وإلا فأمر بحيازتها، وكان بذمته وبذمة إخوته أكثر من ذلك، فقد كنا سلفنا له لما كنا بحركة عين زورة أكثر من ألفين، فباحث الأمناء لعلهم أن يجدوا ذلك في كناش الأمين الذى كان معنا وقتئذ.
وأما ما بذمة ابن المانع فإن كان ما يحاز منه فحزه، وأمر الأمناء أن يجعلوا لعبد الله العلج الذى بباب دارنا العالية بالله هنالك الوارد من المشرق كسوة تناسبه
стр. 2538
من كساوى المخازنية، وأن يدفعوا له خمسة عشر مثقالا، كما يصلك كتاب لابن عبد المالك الريفى، وآخر لقونصو الفرنصيص تطلع منهما على قضية وقعت بطنجة، وكنا كتبنا للخطيب لما ورد علينا كتاب ابن عبد المالك أن يحتج عليهم بأن هذا الرجل هم أتوا به من بلادهم بعد ما صدر منه معهم ما صدر، فهم يعرفونه ويعرفون حالته وأنزلوه عندهم وأجروا عليه مئونتهم حتى صدرت منه هذه الواقعة، وكان من حقهم حيث أتوا به مع معرفتهم بحاله أن يسلموه لعامل البلد في كبله فيعلمنا به، وننقله من هنالك ونعرف ما نسلك في أمره حتى لا يصدر منه هذا ولا شبهه، فصاروا هم المتسببين في قتل ذلك المسلم فهم المطالبون بدمه.
وأمرناه أن يسلك معهم في القضية ما ينقطع به الكلام حتى إن رأى أنهم لا يريدون إلا القصاص، وأن لا محيد عنه، فليكتب لابن عبد المالك أن يقتص منه، لأنه قتل مسلما عمدًا، ثم بعد ختمه ورد كتابه في القضية فاستدركنا له في الكتاب المذكور، أن الذى يكون عليه العمل هو أن يحتج عليهم أولًا بما ذكر، فإن لم يفد فليسلك معهم مسلك الشرع، وما حكم به عليه العمل إن أذعنوا لذلك وإلا فليخبرنا، ولا شك أن الشرع لا يقتل مسلما بكافر لكن هذا قتل مسلما عمدا عدوانا ومصالحا يجر بقتله ضررا على المسلمين، فعلى كل حال استحق القصاص بقتل المسلم، وإذا كان كذلك فنخرج من باب واسع.
وقد ورد أخوك مولاى العباس أصلحه الله ومن معه، ووصلنا كتابك صحبتهم، وعلمنا تنفيذك لهم ما يحتاجونه لسفرهم وللطلبة ما أنعمنا به عليهم أصلحك الله ورضى عنك، ويصلك كتاب للطالب أحمد اللب وجهه له مع ظهير والسلام في ٢٥ جمادى الأخيرة عام ١٢٧١" صح من أصله.
стр. 2539
اهتمامه بأمور الدين وصدور أوامره لولاته بجبر رعاياهم على إقامة رسومه
قال المشرفى في شرحه للشمقمقية بعد ما نقلناه عنه صدر هذه الترجمة:
وكان -أى السلطان المولى عبد الرحمن- في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالمحل الذى لا ينكر، يأمر عماله بالرفق والسير الحسن في الرعية والاستمساك بالسنة وعمارة المساجد واتخاذ الفقهاء يعلمون الصبيان بكل حلة ودوار، وينهاهم عن البدع والمحدثات التي أعظمها إشاعة الفاحشة والربا في معاملاتهم، حتى ابتلاهم مولاهم بغلاء الأسعار والآيات التي نشأت عن أفعالهم.
وبذلك كتب لسائر عماله في رابع جمادى الأولى عام سبعة وستين ومائتين وألف مكاتب فرقها جائلة في الأقطار، تقرأ عليهم في مساجدهم وأسواقهم وموضع اجتماعهم في مواسمهم ما نصه في النسخة التي بعثها لعامل الغرب المالكى القائد محمد بن الحاج الحباسى -فأقام ابن عمه الأستاذ الخير الفقيه ابن عبد السلام في نفر من أصحابه وأهل شرطته، يدور في المناهل ويطوف على كل حلة ويقرأ عليهم مكتوب السلطان، ولثقته وأمانته ومعرفة الناس له بأنه ابن عم الحاكم فيهم كى تأخذ بقوله وتنفذ ما أمر به السلطان- وفاتحة الكتاب: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، عاملنا فلان، سلام عليكم.
وبعد: فقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. . . (٩٠)﴾ إلى ﴿تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠] وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥] وكان النبى ﷺ يتخول أصحابه الكرام بالموعظة أحيانا مخافة السآمة، ولنا فيه أسوة، لأن سنته لمن تمسك بها أوثق عروة، ولم يقبضه الله إليه حتى أكمل به الدين، وأزاح غياهب الشك باليقين، قال ﷻ : ﴿. . . الْيَوْمَ
стр. 2540
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. . . (٣)﴾ [المائدة: ٣] فتركنا ﷺ على المحجة البيضاء التي لا يحيد عنها إلا شقى، ولا ينحرف عن مناهجها القويم إلا غوى، فقد رغب وبشر وحذر وأنذر ولم يأل جهدا في نصح أمته، وندب الناس للانخراط في سلك ملته، فجزاه الله عنهم أفضل ما جزى به نبيا عن قومه آمين، وآكد ما جاء به ﷺ قواعد الإسلام الخمس المشار إليها بقوله ﷺ : بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا".
"فالتوحيد أساسها وقطبها الذى عليه مدارها فالبداية به أهم، والعناية به أتم، ومعرفته على الوجه الأكمل الذى هو إقامة الدلائل والبراهين أولى، ليخرج المكلف به من ربقة التقليد المختلف في إيمان صاحبه".
"والصلوات الخمس عمود الدين وذروة سنامه، فهى منه بمنزلة الرأس من الجسد، وقد وقع الحض عليها في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨] وكقوله ﷺ : أول ما يحاسب عليه العبد صلاة الفريضة، فإن صلحت له صلح سائر عمله، وإن فسدت عليه فسد سائر عمله، وكفاها فضيلة وشرفا أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله فيها، وتاركها يقتل حدًّا كما قال خليل في مختصره: ومن ترك فرضا آخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضرورى وقتل بالسيف حدا، ولو قال أنا أفعل وصلى عليه غير فاضل هـ، ولها وسائل من طهارة حدث أصغر وأكبر وطهارة خبث وستر عورة واستقبال قبلة، وغير ذلك مما لا بد من معرفته".
стр. 2541
"والزكاة واجبة في الحبوب والثمار والعين والأنعام على من حال عليه الحول، وكمل عنده النصاب، "وهى أخت الصلاة قارنها الله بها في غير ما آية من كتابه لكونها طهارة للأموال كما أن الصلاة طهارة للأبدان قال تعالى: ﴿. . . وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] وقال ﵇ حصنوا أموالكم بالزكاة والمال الذى أخرجت زكاته ليس بكنز فلا يدخل صاحبه في الوعيد المشار إليه بآية (يوم يحمى) الآية".
وقال تعالى في الحج: ﴿. . . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. . . (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال ﵇: من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنبه كيوم ولدته أمه، وفى حديث آخر: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
"وقد تساهل الناس في قواعد الإسلام المذكورة فتجد جل العوام لا يعرفون عقائد التوحيد ولو على سبيل التقليد المحض ولا يصلى، ومن صلى فإنما يعرف كيفية الصلاة بكثرة تكرارها ولا يعرف مسنونا ولا مفروضا ولا يحسن طهارة ولا غيرها من وسائلها، ويتثاقل الكثير منهم عن إخراج الزكاة ويعدها من قبيل المغرم، ويتجاهر البعض بكل رمضان من غير نكير، وجل الصائمين يتهاونون بحقه، ولا يبحث عما يصحح صومه أو يفسده، وبعضهم يصوم ولا يصلى، وفى الحديث: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، لما يكثر فيهما من الرياء والسمعة ويتلبس في سفره بمعاص كثيرة التي أعظمها ترك الصلاة في وقتها، ولا يبالى مع كثرة الرفث والفسوق والله يقول: ﴿. . . فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. . . (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
"وكما وقع التساهل الكثير في أصول الدين المذكورة وقع التساهل في فروعها بالأحرى كالجهاد فإنه وإن كان فرض كفاية يسقط الطلب عن البعض
стр. 2542
بسبب قيام البعض به فربما يصير فرض عين إن فجأ العدو، وقال خليل في مختصره: وتعين بفجأ العدو، وإن على امرأة، يحتاج الإنسان إلى نيته ومعرفة أحكامه وتعلم ما يقوى به عليه من رماية وفروسية وغير ذلك قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ. . . (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠] وقال ﵊: من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية".
"وقد أكثر العمال من التساهل في أمر الزنى والسرقة والدماء واكتفوا فيمن ثبت عليه شئ منها بالسجن والذعيرة مع أنهما من الكبائر شدد الشارع في أمرهما وعين في كل واحد منهما مائة جلدة وأما المحصن فحده الرجم حتى يموت لأن السنة خصصت الآية وقال جل وعلا في أمر السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. . . (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] وقال ﵇: لو أن. . . . سرقت لقطعت. . . . وذكر عضوا شريفا من ذات شريفة وحاشاها من ذلك وقال تعالى في حق الدماء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى. . . (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. . . (٤٥)﴾ - إلى قوله ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ. . . (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] فهذه نصوص صريحة قاطعة لا تقبل التأويل، فالإعراض عنها إلى الحكم بالهوى والغرض الدنيوى إلحاد في الدين، وخروج عن ربقة سيد المرسلين ﷺ وعلى آله قال تعالى: ﴿. . . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥] وفى آية أخرى: ﴿. . . فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] وفى آية أخرى: ﴿. . . فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
"ومن ذلك فساد المعاملات بيعا وغيره وتعاطى الربا بإسلاف الدراهم بزيادة أو كرائها بكذا لكل مثقال في الشهر، مع أن الله شدد فيه لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. . . (٢٧٥)﴾ - إلى
стр. 2543
قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقال ﷺ : لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهده، وقال: من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به، وقال في حديث: ولا فشا في قوم الربا إلا أخذوا بالسنة".
"ومن ذلك تسلط الأشياخ في نساء رعاياهم بالاحتيال بالقبض على من كانت عنده زوجة حسناء، حتى يتوصلوا للإفساد فيها، ومن ذلك فساد الأنكحة والتساهل فيها من خطبة الرجل على خطبة أخيه والدخول بالمطلقة قبل كمال العدة وغير ذلك من المنكرات، وأبشعها وأشنعها ما كان بلغنا عن فجرة الأشياخ والخلايف من بيع النساء، وصورة ذلك أن يرغب الرجل في زوجة حسناء تحت آخر ويتوصل إليها بإغراء الشيخ على زوجها بالقبض عليه، وتوظيف ذعيرة لا يفى بها ماله، فإن أدى ما قدر عليه تحمل عنه الراغب في زوجته بالباقى ويتسلمها منه، ويجعلها فجرة عدول الوقت في صورة خلع، وربما يدخل بها الراغب فيها قبل انقضاء عدتها".
"ومع شيوع هذه الحوادث الفظيعة، والبدع الشنيعة، فلا غرابة من حبس الأمطار، وارتفاع الأسعار واستيلاء العدو الكافر على كثير من الأقطار، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذه المسغبة التي امتحن الله بها عباده، وجعلها فيهم حكمه ومراده، أعظم الآيات التي قال الله فيها: ﴿. . . وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩] فليجهد الإنسان في الإقلاع عن ذنبه، والرجوع لربه، حتى لا يكون ممن قال فيهم: ﴿. . . وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ [الإسراء: ٦٠].
"وقد غاضت حياض العلم وأقوت ربوعه، وضيعت من الدين أصوله وفروعه، وزهد الناس وخصوصا ذوى أمرهم في الباقية، رغبة في هذه الدنيا الفانية، مع أن مآلها إلى ذهاب، ومصيرها إلى عقاب، ولو استقام العمال
стр. 2544
لاستقامت الرعية، لأن القوم على دين رئيسهم، فهم أولى الناس بالتفقه في الدين لتكون سيرتهم في الرعية على منهاج الشريعة، فإنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه كما في الحديث.
والعامل إن كانت بطانته صالحة، كانت أعماله جارية على الصلاح والسداد، وإن كانت بطانته على غير هداية، كانت أحكامه مخالفة للشرع فضلّ وأضلّ.
وقد كان العمال الأقدمون أهل الخير والدين ويقتدون بأفعالهم بالعلماء العاملين والأخيار الصالحين، ويعينون من ظهرت نجابته في قبائلهم على طلب العلم من محله، وأخذه من أهله.
واليوم تجد القبيلة الكبيرة من قبائل البادية ليس فيها عالم واحد يرجع الناس إليه في مسائل دينهم ونوازل أحكامهم، وما ذاك إلا للانهماك في زهرة الحياة الدنيا والإعراض عن الآخرة، وقد قال النبى ﷺ : خيركم من لم يدع آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته، فيجب على من ولاه الله أمرًا أن ينصح لنفسه ولرعيته جهد الاستطاعة، فإن النبى ﷺ يقول: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، ويحمل الناس على اتباع السنة والجماعة، ويزجر من قصر في دين الله وخالف أمره، ويبدأ بنفسه لينفع تعليمه ويقبل ما يقول ويسعى في إحياء العلم ما أمكنه فإن رفعه من أشراط الساعة، وتعظيم العلماء من تعظيم حرمات الله، والله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، ويلزم العامل كل دوار أو جماعة مشارطة طالب علم يرجعون إليه في أمر دينهم وتعليم صبيانهم وجهالهم، ويقوم بالأذان والصلوات الخمس في أوقاتها، ومن لم يفعل زجره
стр. 2545
وعاقبه، ويختار الأشياخ من أهل الدين، ويرفع القضايا الشرعية لقضاة العدل الذين يتقون الله ويتحرون في أحكامهم.
ومن وجب عليه حد من حدود الله يرفع أمره إلينا لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه، ولا يقال: فسد الزمان، وقل أهل الدين وفقد الناصر، فإن من قام لله وجد الله قال تعالى: ﴿. . . وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠، ٤١] فهذه تذكرة لمن تذكر، وتبصرة لمن تبصر، فاجعلوا ما اشتمل عليه هذا الكتاب نصب أعينكم، فإنا نصحناكم ولمنهاج الشرع أرشدناكم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، والله يوفقكم لما يحبه ويرضاه آمين".
قال المشرفى المذكور بعد جلبه لهذا الظهير: فلينظر العاقل إلى هذه الوصية الجامعة التي لم تصدر إلا من خليفة أو من ابن نبى ولى، جمع فيها بين علوم الشريعة والحقيقة، دلت على صفاء باطنه واتصافه بالعدل وإيثاره للدين على غيره، وإعراضه عن الأغراض المفسدة للطبع البشرى، فيجب على كل خليفة وولى عهد من أمير ومأمور أن يحفظ فصولها، ويعمل بمقتضاها، ولذلك أدرجتها في تأليفى هذا لنأخذ قسطا من الثواب مع من عمل بها، فينبغى للحاكم أن يمشى على منهاجها فهى كرسالة مولانا على بن أبى طالب كرم الله وجهه للقضاة وأهل الفتوى، ولقد شاهدنا من لم يخالف أمره نجح سعيه وصلحت أحواله ونتجت بخير قضاياه، ومن ادعى عليه أو خالف أمره واتبع هوى نفسه بدد الله شمله ومحا المولى سبحانه اسمه ورسمه.
وقضية الوداية، فيها الكفاية، فقد كانت لهم السطوة والجاه العريض الباع والحظوة، وحيث استخفوا بسلطان الله أهينوا، وكان عاقبة أمرهم خُسْرًا والذى قرأناه في فنون الأدب أن ثمانية إذا أهينوا فلا يلومون إلا أنفسهم: من أتى مائدة
стр. 2546
لم يدع إليها، والمتأمر على صاحب الدار، والداخل في حديث اثنين لم يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس في مجلس ليس له بأهل، والمقبل بحديث على من لا يسمعه منه، وطالب الرفق من أعدائه، وراجى الفضل من اللئام، وهى مجموعة نظما:
أحق بالصفع في الدنيا ثمانية ... لا لوم في واحد منها إذا صفعا
المستخف بسلطان له خطر ... وداخل في حديث اثنين مندفعا
ومتحف بحديث غير سامعه ... وداخل الدار تطفيلا بغير دعا
وطالب الخير ممن لا خلاق له ... وجالس مجلسا عن قدره ارتفعا
وطالب الرفق من أعدائه وكذا ... ضيف تأمر فاحفظها أخى لمعا
وقضيتهم مذكورة في الحسام، وسببها أنهم كانوا هم الرؤساء على محلة مولاى على بن مولانا سليمان بتلمسان لكونه خليفة عن مولانا عبد الرحمن، فجاروا وعاثوا، وكرههم أهل تلك الإيالة لميلهم للطمع الدنيوى، ولا يمضون حكما على وجهه، فنفوهم وأعرضوا عن أحكامهم، وكم بلغوا أمرهم لمولاى على الخليفة بفسادهم وإشاعة الفاحشة منهم، فتارة يأمر بسجنهم ويسرحهم عند غيبة الشاكى، وتارة يوعدهم بالزجر، ولم يفعل، وحين تحققوا ذلك مدوا أيديهم فيهم، عند ذلك كرهوا البقاء هناك، ورجعوا عن غير إذن الإمام، وشهد عليهم الخليفة بذلك بين يدى السلطان فخلى سبيله لكونهم أكرهوه على الرجوع وعاقبهم بما هو معلوم ويستوجبونه، وذكرنا ذلك في غير هذا، وكانت قبيلتهم مشئومة مهما وجدوا مندوحة لإثارة الفتنة أثاروها، فدعا عليهم العلامة السيد محمد بن أبى بكر بن عبد الكريم بن على اليازغى ثم الزهنى، في قصيدة له حين أكلوا ملاح اليهود بفاس العليا وقت فتنة الفترة، التي كانت آخر ولاية مولانا سليمان مطلعها:
стр. 2547
يا غارة الله عهد الله ينتظر ... إن الودايا لذلك العهد قد كسروا
شنوا على ملة الإسلام غارتهم ... وذمة المصطفى في أهلها خفروا
سبوا نساءهم من بعد ما سلبوا ... ديارهم ولدور البغى قد عمروا
إلى أن قال:
يا أهل فاس سيروا بهم على مهل ... ولا عليكم فإن الله ينتصر
تربصوا بهم بالسوء دائرة ... تأتى حماهم فلا تبقى ولا تذر
تصبها راحة المنصور فوقهم ... فيصبحون وفى أخبارهم عبر
اهـ كلامه.
وقد وقفت على ظهائر شريفة للمترجم أصدر أحدها للقائد المهدى الشرادى، والثانى للقائد العربى السعيدى، كلاهما بتاريخ رمضان سنة ١٢٥٢، والثالث للقائد ابن عبد الصادق الريفى بتاريخ صفر عام ١٢٧٠ يأمر فيها العمال المذكورين بالاهتمام بإقامة قواعد الإسلام بمحل ولايتهم، وإرشاد الناس إليها، وتعليمهم أمور دينهم، وما يجب عليهم وجبرهم على العمل به، ويأذن بعقوبة من تهاون بذلك، ويستغرب سكوت العمال عن عقاب تارك الصلاة مع أنه أولى بالعقوبة.
وقد سبق تصريح المشرفى أنه كتب بتاريخ جمادى الأولى عام ١٢٦٧ لسائر عماله بهذا المعنى، كما عثرت في بعض ظهائره الصادرة بتاريخ عام ١٤١ لرؤساء المراكب البحرية التجارية منها والحربية على الحض على التقوى، والصلاة لوقتها وقراءة القرآن (١)، ويوصى بعدم حمل مثل الخمر والخنزير، ويوعد من فعل ذلك
стр. 2548
بالنكال، وتلك أدلة كلها تدل على مبلغ اهتمامه بالدين، وحمل الأمة على العمل بأوامره، وتجنب نواهيه.
وإليك نص ما وقفت عليه مما كتب به للقائد المهدى الشرادى الذى كان ادعى المهدوية وعتا وتمرد، مار الذكر آنفا، بعد الحمدلة والصلاة والطابع السلطانى:
"محبنا المرابط الأرضى السيد المهدى الشرادى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فإن الله سبحانه رضى لنا الإسلام دينا، وجعلنا من أمة سيدنا محمد ﷺ الذى لم يخلق الله له في الوجود قرينا، فمن اتبعه واقتفى ما جاء به فقد فاز فوزا عظيما، ومن حاد عن سنته، فليس من أمته، وقد خسر خسرانا مبينا.
وقد بلغنا من غفلة الناس عن دين الله وتفريطهم في جنب الله وإعراضهم عن أداء ما فرض الله عليهم ما حملنا على تنبيههم من سنة الغفلات، وإرشادهم لتدارك ما فات، بإصلاح ما هو آت ﴿... إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . . (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥] وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. . . (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥] وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ. . . (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢] وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. . . (١٣)﴾ [الشورى: ١٣] وفى الصحيح عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم: كان النبى ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
فاعلموا أن التوحيد أصل الإيمان، وبه يخرج الإنسان من ربقة الشرك وحزب الشيطان، وهو النطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ مع اعتقاد
стр. 2549
معناها، والجزم بأن الله واحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ﴿. . . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] والسورة الجامعة للتوحيد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص] وقد قال ﵊: بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا.
فمن أخل بقاعدة من هذه القواعد الخمس فقد اختل إيمانه، ولا يخفى أن الصلاة هى عمود الدين وذروة سنامه، وقد ذكرها الله في مواضع من كتابه وأوصى عليها ومدح القائمين بها كما ذم من ضيعها قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ. . . (٣)﴾ [البقرة: ٣]، وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ. . . (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] الآية، ولا يكون القيام بها إلا بأدائها في وقتها بشروطها المعلومة شرعا، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
وقد قال ﵇ أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن قبلت قبل سائر عمله، وإن ردت رد سائر عمله.
فمن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ويجب حفظ أم القرآن، وسور منه للقراءة في الصلاة قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
стр. 2550
وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠].
وقد تواترت لدينا أن الناس أهملوا الصلاة رأسا، وتركوا ما كان عليه سلفهم من جعل المساجد في الحلل وترتيب الطلبة للأذان، وإقامة الصلوات وتعليم الصبيان، وهذه غفلة كبيرة عن الله، وتضييع لدين رسول الله ﷺ .
فإذا قرأت كتابنا هذا فمر كل أهل دوار من إيالتك بجعل مسجد فيه إمام راتب، وأجبرهم على إقامة رسوم دينهم، وإحياء سنة نبيهم ﷺ ، بإقامة الصلوات في أوقاتها بشروطها المعتبرة شرعا، فإنهم رعيتنا ينبغى لنا نصحهم وإرشادهم لما ينفعهم دنيا وأخرى.
قال ﵇: كلكم راع ومسئول عن رعيته، وقال: الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فمن قام بواجب ذلك وواظب عليه فقد استبرأ لدينه، وأدى ما عليه، ومن تراخى في ذلك وحاد عن سنن الدين فنعاقبه بحول الله وقوته أشد العقوبة ولا يلم إلا نفسه.
وبث نسخا من هذا الكتاب في إيالتك ليعم النفع به إن شاء الله وليعملوا بمقتضاه، والله يوفقهم لما فيه رضاه، وقد أذنا لك في عقاب من لم يمتثل بعد الإعلام، فأحق ما يعاقب عليه الإنسان دينه، وقد علمت أن سبب نزول المصائب غالبا من احتباس الأمطار وغيرها، التفريط في الدين، فلا بدَّ قُمْ على ساق الجد في هذا والسلام في ١٦ رمضان المعظم عام ١٢٥٢" هـ من أصله.
وبمثله ولفظه كتب للقائد العربى بن على السعيدى بتاريخ ١٥ رمضان عام ١٢٥٢.
стр. 2551
[صورة]
ظهير رحماني للقائد المهدي الشرادى بإقامة رسوم الدين وإحياء السنة بكل دوار من إيالته
стр. 2552
[صورة]
ظهير رحماني إلى القائد محمد بن عبد الصادق بإقامة رسوم الدين في البادية وإلزام كل دوار بمشارطة طالب علم يعلمهم وأولادهم الدين ويقيم الصلاة
стр. 2553
ونص ما كتب به لابن عبد الصادق بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"خديمنا الأرضى، القائد محمد بن عبد الصادق الريفى، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فمن أعظم من الله على هذه الأمة أن رضى لها الإسلام دينا، وأتم عليها به النعمة قال تعالى: ﴿. . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. . . (٣)﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] وأن الصلاة منه كما ورد بمنزلة الرأس من الجسد، فهى بعد التوحيد والإيمان بالله أعظم قواعده، وذروة سنامه ويتيمة عقد فرائده، حض عليها الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ. . . (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢] وقال: ﴿. . . إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. . . (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥] وفى صحيح البخارى وغيره عن النبى ﷺ : بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا. وقال ﷺ : أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة إن صلحت له صلح سائر عمله، وإن فسدت عليه فسد سائر عمله، فمن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وقد ذم الله قوما بإضاعتها فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ. . . (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] الآية، وفى مختصر خليل وقتل بالسيف حدًّا، ولو قال أنا أفعل وصلى عليه غير فاضل، ولا شك أن لها وسائل وشروطا من طهارتى الحدث
стр. 2554
والخبث، واستقبال القبلة مع الأمن إلى غير ذلك مما تتوقف معرفته على مخالطة العلماء الأخيار، وسؤالهم عنه كما يسأل غيرهم عن أمور الدنيا.
وقد بلغنا أن الناس تركوا الصلاة بالبادية وأضاعوها، حتى كأنها ليست من قواعد دينهم، وما ذاك إلا من غفلة العمال عن أمور الدين وصرفهم وجه عنايتهم للأغراض الدنيوية، وإعراضهم عن النظر في الأمور الدينية الأخروية:
ما هكذا يا سعد تورد الإبل
إذا لم يكن دين فلا كانت الدنيا
إن دام هذا ولم يحدث له غير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
فإن الله تعالى يقول في معرض الثناء على العمال أهل الخير والدين، المقتفين منهاج سيد المرسلين: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١] وفى الحديث الشريف: خيركم من لم يدع آخرته لدنياه، ولا دنياه لآخرته.
وما سمعنا أحدا من العمال سجن أحدا أو عاقبه على ترك الصلاة، مع أن تاركها أولى بالعقوبة وأحق، ولو أن العمال اعتنوا بأمور الدين لأعانهم الله على صلاح دنياهم قال تعالى: ﴿. . . وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ. . . (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠] فيجب على كل عامل تحرى لدينه وأراد السلام لنفسه أن يتفقد أحوال إيالته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فيلزم كل دوار ومدشر مشارطة طالب علم يرجعون إليه في أمر دينهم، وتعليم صبيانهم وجهالهم، ويقوم بالأذان والصلوات الخمس، ومن لم يفعل زجره وعاقبه فإن دين الله أولى ما يعاقب عليه العامل الرعية.
стр. 2555
وقد ذكرناكم وأرشدناكم لأنكم مسئولون عن الرعية ونحن مسئولون عنكم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ [الجاثية: ١٥] ألا هل بلغت، اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، وفقنى الله وإياكم، وهدانى والمسلمين إلى صراطه المستقيم وهداكم. آمين والسلام في ٨ صفر الخير عام ١٢٧٠".
فهذه الظهائر الشريفة، والأوامر المنيفة، هى مرآة مكبرة لماضى صالح سلفنا الأكرمين، وأمرائنا العظام من الفتح الإسلامى إلى العصر الحاضر، لا يتقاعسون عن زجر وإنذار من حاد عن الطريقة المثلى والمحجة البيضاء، التي لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، تارة بالوعد، وأخرى بالوعيد، فلقد كان يهمهم كثيرا تعظيم شعائر الدين ورعاية حرماته وإعلاء منار النظام الذى رتبه الله لخلقه، ورسمه بالشريعة، وأوجبه بالحكمة البالغة امتثالا لأوامر الخالق الرازق، ورضوخا لتعاليم الدين الحنيف، ولتحققهم أن الدين أكثر تأثيرًا في بقاء الملك ورسوخ الدولة وجمع الكلمة في الدفاع عنها، وأن أهل الاعتقاد الواحد يعملون بقلب واحد ويد واحدة، ويعتقدون برابطة دائمة بينهم في الدنيا والآخرة، وأن أعظم واجب على السلطان القيام بحفظ الدين ووظائفه الشرعية حتى لا تزول عن أوضاعها، وأن وظيفة الملك قد علم بالضرورة أنها هى حراسة الدين لحماية الناموس.
والأوائل لا يسمون بالملك إلا من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره، وأما من أعرض عن ذلك فيسمونه متغلبا ولا يؤهلونه لاسم الملك، وأن الدين هو وضع إلهى يسوق الناس باختيارهم إلى السعادة القصوى، والملك حارس هذا الوضع الإلهى حافظ على الناس ما أخذوا به، حتى إذا أغفل شيئا من حدوده دخل عليه من هنالك الخلل والوهن -وحينئذ تتبدل أوضاع الدين ويجد الناس
стр. 2556
رخصة في شهواتهم، ويكثر من يساعدهم على ذلك، فتنقلب هيئة السعادة إلى ضدها، ويحدث بينهم الاختلاف والتباغض المؤديان إلى الشتات والتفرقة، وبطلان الغرض الشريف، وانتقاض النظام الذى طلب صاحب الشرع بالأوضاع الإلهية، فتحتاج الأمة إذ ذاك إلى تجديد الأمر واستئناف التدبير، قال حكيم الفرس وملكهم ازدشير: إن الدين والملك أخوان توأمان لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فالدين أس والملك حارس، وكل من لا أس له فمهدوم، وكل من لا حارس له فضائع.
إن الإسلام جاء بالحكمة والعزم هادما للتشريك بالكلية، ومحكما لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديموقراطية والأريستوقراطية، فأسس التوحيد وأظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الراشدين التي لم يسمح الزمان بمثال لها بين البشر حتما ولم يخلفهم فيها بين المسلمين خلف، إلا بعض شواذ كعمر بن عبد العزيز، والمهتدى العباسى، ونور الدين الشهيد. فإن هؤلاء الخلفاء الراشدين فهموا معنى القرآن وما يدعو إليه وعملوا به واتخذوه إماما، فأنشأوا حكومة قضت بالتساوى حتى بينهم أنفسهم وبين فقراء الأمة في نعيم الحياة وشظفها، وأحدثوا في المسلمين عواطف أخوة وروابط هيئة اجتماعية، وحالات معيشية اشتراكية، لا تكاد توجد بين أشقاء يعيشون بإعالة أب واحد وفى حضانة أم واحدة، وهذا القرآن الكريم مشحون بتعاليم إماتة الاستبداد وإحياء العدل والتساوى حتى في القصص منه.
إن الحكومة الإسلامية مؤسسة على أصول إدارة الديمقراطية، أى العمومية والشورى الأريستوقراطية أى شورى الإشراف -وقد مضى عهد النبى ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده على هذه الأصول بأتم وأكمل صورها، خصوصا وأنه لا يوجد في الإسلام نفوذ دينى مطلقا في غير مسائل إقامة
стр. 2557
الدين. . . هذا الدين السهل السمح الذى رفع الإصر والأغلال وأباد الميزة والاستبداد.
ومما يدل على خضوع ملوكنا للشرع المطاع وتسوية أنفسهم مع أقل الرعية، أنه لما كان المولى عبد الرحمن صاحب الترجمة عاملا وأمينا بالصويرة استقرض البعض منه مالا وبقى بذمته إلى أن نقل لخلافة فاس، ثم إلى أن تسنم عرش الملك، ومات المستقرضون، ولما طلب الأمير من الوراثة أداء ما على موروثهم من المال المستقرض طلبوا من السلطان إعمال الشرع معهم في ذلك، فعين وكيلا عنه لرفعهم لمجلس الشرع الحاج عبد القادر بنانى ناظر أحباس القرويين، والقاضى يومئذ مولاى عبد الهادى الشريف العلوى، وبعد تقييد المقال وإجراء المسطرة الشرعية وقع الحكم على الورثة بالأداء وعلى السلطان بيمين القضاء، ثم صالحهم الوكيل بحط قدر من الدين في مقابلة اليمين فأجابوه لذلك، وتم الفصال وهذا يذكرنا بعدل المصدر الأول.
قال في الترجمان المعرب آخر ترجمة أبى الربيع في حق السلطان أبى عبد الله محمد بن عبد الله ما لفظه: لما ولى خاله القائد قدور بن الخضر على قبائل الجبل وأمره بالخروج بالمحلة لقبض الزكاة والعشر في إبان الخريف واقتضاها منهم ورجع، فكثر شاكو تلك القبائل بباب السلطان بأشياخهم فاستفهمهم السلطان عن العامل، فقالوا: ما رأينا منه إلا الجميل، وما تشكينا إلا بالأشياخ، فوجه معهم ﵀ أحد قواده بهذا الكتاب (من إملائه) ونصه:
"خالنا القائد قدور بن الخضر سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وبعد: بلغنى ما صار إليه حال المستضعفين من الرعايا الذين أسندناهم لنظرك، لتحفظهم بسمعك وبصرك، فتركتهم في حيز الإهمال، وليس هذا شأن من يتولى الأعمال، فنأمرك أن تخرج إليهم وقت قراءتك لهذا الكتاب، في
стр. 2558
خمسمائة من الركاب، وأدرك هذه الغنم قبل أن تفترسها الذئاب والقبيلة التي تنزل عليها فاصل دعاويها، ورد مظالمها، وانتصف من ظالميها، ولا تكثر المقام وتطيله، واترك الطمع وسبيله، فإن ذلك مما يضر بالرعية ويجحف بالمال، والحظ عاقبة المآل.
والقبيلة التي تشتكى من شيخها لا تهمل أمرها، وابحث عن حال الشيخ المشتكى منه، فإن كان ممن علم بالجور والتعدى فانتصف منه وأبدله بغيره، وإن كان الشيخ من أهل الخير ولم يعلم ظلمه فأقره على شيخوخته وافصل مسألته بوجه سديد.
وأصحاب الجنايات أحوالهم تختلف، فمنهم من يسجن ولا يطول سجنه ويمكث ثلاثة أيام أو أربعة تأديبا له ويسرح، ومنهم من يضرب ويسجن ويبقى الشهر والشهرين عقوبة له، وأما أهل الجرائم العظيمة مثل القاطع والسارق والهاجم والمتلصص وقاتل النفس، فالواجب أن تتصرف فيهم بالضرب والسجن، وقبض النصاف، ويبقوا تحت يدك إلى أن تأتينا بهم وتخبرنا بجرائمهم، ولا تجعل فسحة في تسريحهم.
وأوصيك بتقوى الله والرفق بالمساكين، والضرب على أيدى الجبارة والمتمردين، فإن ذلك من القربة في الدين، وإياك أن تتعدى هذا الحد وتفرض على القبائل مالا أو تكلفهم لما لا يطاق من المئونة والسخرة، أو تظلمهم مظلمة، فما وجّهتُك في هذه الحركة إلا لرد المظالم وإقامة الحقوق لأربابها، ومن تجنب الظلم في هذا الحركة إلا لرد المظالم وإقامة الحقوق لأربابها، ومن تجنب الظلم في هذا فهو مأجور والسلام" وقد أسلفنا في ترجمة صاحب هذا الكتاب سيدى محمد بن عبد الله نصيحته للأمة كما قدمنا نصيحة السلطان المولى الحسن القرنية في ترجمته.
стр. 2559
ومن هذا الباب ما كان من تحرى صاحب الترجمة المولى عبد الرحمن في الأوقاف الدينية، فقد وقفت له على ظهير أصدره لناظر سَلاَ، أبى العباس أحمد عواد في الموضوع، ودونك لفظه بعد الحمدلة والصلاة ثم الطابع السلطانى بداخله "عبد الرحمن بن هشام الله وليه":
"خديمنا الناظر الأرضى، الحاج أحمد عواد، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فدور الحبس المنفذة بأيدى الناس هناك أردنا التحرى منها، فإن كان من دور المخزن هناك ما يناسب فأعلمنا به لنكون ننفذ منها والسلام في ٢٢ ذى الحجة متم عام ١٢٥٢".
ومن الباب ما كتب به وزير المترجم المختار الجامعى لعواد المذكور ونصه بعد الحمدلة والصلاة:
"محبنا الأود الأرضى، الخير الدين المرتضى، السيد الحاج أحمد عواد، سلك الله بنا وبك مناهج السداد، وبلغنا وإياك من رضاه غاية المراد، وسلام عليك ورحمة الله وبركاته عن خير مولانا أيده الله ونصره.
وبعد: فقد وصلنا كتابك واستوعبناه، وأطلعنا عليه مولانا فسر غاية، ودعا لك بخير، وحمد الله على وجود مثلك في هذا الوقت، لأنه أيده الله لا يحب أن يتولى أمور المسلمين إلا من هو مثلك وهو ضالته المنشودة، وغايته المقصودة، فابق على عملك فإن الله يعينك ويسددك حيث لم تطلب هذا الأمر وما ذكرت في شأن ما ضربه المتولى قبلك من المكوس وأحدثه من الأمور المذمومة شرعا وطبعا، أسقطه واقطع مادته، فإن سيدنا لا يحبه ولا يرضى لولاة أمره أن يسمع عنهم ما يخالف الشرع والسلام في ١٤ ربيع الثانى عام ١٢٤٧، وأسلم على الفقيه السيد
стр. 2560
محمد عواد والحاج العربى معنين والفقيه السيد التهامى مرسيل بأتمه وأزكاه والسلام.
المختار خار الله له ولطف به"
ومن الباب أيضا ما وقفت عليه لولده السلطان سيدى محمد بن عبد الرحمن ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"خديمنا الأرضى الأمين، الحاج عبد الله حصار، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بورود كتابنا الشريف عليك المتضمن للجواب عما أعلمتم به جانبنا العالى بالله من الفصال مع الإنجليز في فكاك دار الأحباس بالعدد الذى قدره ثلاثة آلاف ريال، على أن يدفع خديمنا الطالب الطيب ابن هيمة النصف الذى تطوع به، وأمرناكم بفكاكها من يد النصرانى، ولو أن يزاد من بيت المال ضعف ما تطوع به الخديم المذكور حرصا على تطهير ذلك المحل، وحتى إن توقفتم في خلاصه من يده على محل آخر غيره ويدفع له بالكراء تفعلوا، وذكرتم أنكم أحضرتم النصرانى المرة بعد المرة، واجتهدتم كل الاجتهاد في سل المحل من بين يديه أنت والأمين الذى معك، وذلك بمحضر القائد الطيب بن هيمة وخوفتموه من جهة تسلطه على المسجد وغيره من مواضع البر، بطرق الشرع والقوانين، وضيقتم به غاية حتى أطاع بخروجه منه بمشقة، وطلب فيه ستة آلاف ريال ومحلا يسكن فيه، فبالغتم في الاجتهاد معه حتى أسقط ألفًا وتفاصلتم معه بخمسة آلاف ريال، وعينتم له دارا مناسبة يسكن بها بالكراء من جهة كونها بين دارين لتجار النصارى، وليس في جوارها مسجد ولا زاوية ولا غيرهما من مواضع التقرب، وأنها كانت في القديم معدة للتجار، وكانت بيد نصرانى، ثم بيد ذمية من آسفى، وتكنى بدار الأعشار حيث كانت تنزل بها المعشرات لما كانت تحاز