رخصة في شهواتهم، ويكثر من يساعدهم على ذلك، فتنقلب هيئة السعادة إلى ضدها، ويحدث بينهم الاختلاف والتباغض المؤديان إلى الشتات والتفرقة، وبطلان الغرض الشريف، وانتقاض النظام الذى طلب صاحب الشرع بالأوضاع الإلهية، فتحتاج الأمة إذ ذاك إلى تجديد الأمر واستئناف التدبير، قال حكيم الفرس وملكهم ازدشير: إن الدين والملك أخوان توأمان لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فالدين أس والملك حارس، وكل من لا أس له فمهدوم، وكل من لا حارس له فضائع.
إن الإسلام جاء بالحكمة والعزم هادما للتشريك بالكلية، ومحكما لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديموقراطية والأريستوقراطية، فأسس التوحيد وأظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الراشدين التي لم يسمح الزمان بمثال لها بين البشر حتما ولم يخلفهم فيها بين المسلمين خلف، إلا بعض شواذ كعمر بن عبد العزيز، والمهتدى العباسى، ونور الدين الشهيد. فإن هؤلاء الخلفاء الراشدين فهموا معنى القرآن وما يدعو إليه وعملوا به واتخذوه إماما، فأنشأوا حكومة قضت بالتساوى حتى بينهم أنفسهم وبين فقراء الأمة في نعيم الحياة وشظفها، وأحدثوا في المسلمين عواطف أخوة وروابط هيئة اجتماعية، وحالات معيشية اشتراكية، لا تكاد توجد بين أشقاء يعيشون بإعالة أب واحد وفى حضانة أم واحدة، وهذا القرآن الكريم مشحون بتعاليم إماتة الاستبداد وإحياء العدل والتساوى حتى في القصص منه.
إن الحكومة الإسلامية مؤسسة على أصول إدارة الديمقراطية، أى العمومية والشورى الأريستوقراطية أى شورى الإشراف -وقد مضى عهد النبى ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده على هذه الأصول بأتم وأكمل صورها، خصوصا وأنه لا يوجد في الإسلام نفوذ دينى مطلقا في غير مسائل إقامة
стр. 2557
الدين. . . هذا الدين السهل السمح الذى رفع الإصر والأغلال وأباد الميزة والاستبداد.
ومما يدل على خضوع ملوكنا للشرع المطاع وتسوية أنفسهم مع أقل الرعية، أنه لما كان المولى عبد الرحمن صاحب الترجمة عاملا وأمينا بالصويرة استقرض البعض منه مالا وبقى بذمته إلى أن نقل لخلافة فاس، ثم إلى أن تسنم عرش الملك، ومات المستقرضون، ولما طلب الأمير من الوراثة أداء ما على موروثهم من المال المستقرض طلبوا من السلطان إعمال الشرع معهم في ذلك، فعين وكيلا عنه لرفعهم لمجلس الشرع الحاج عبد القادر بنانى ناظر أحباس القرويين، والقاضى يومئذ مولاى عبد الهادى الشريف العلوى، وبعد تقييد المقال وإجراء المسطرة الشرعية وقع الحكم على الورثة بالأداء وعلى السلطان بيمين القضاء، ثم صالحهم الوكيل بحط قدر من الدين في مقابلة اليمين فأجابوه لذلك، وتم الفصال وهذا يذكرنا بعدل المصدر الأول.
قال في الترجمان المعرب آخر ترجمة أبى الربيع في حق السلطان أبى عبد الله محمد بن عبد الله ما لفظه: لما ولى خاله القائد قدور بن الخضر على قبائل الجبل وأمره بالخروج بالمحلة لقبض الزكاة والعشر في إبان الخريف واقتضاها منهم ورجع، فكثر شاكو تلك القبائل بباب السلطان بأشياخهم فاستفهمهم السلطان عن العامل، فقالوا: ما رأينا منه إلا الجميل، وما تشكينا إلا بالأشياخ، فوجه معهم ﵀ أحد قواده بهذا الكتاب (من إملائه) ونصه:
"خالنا القائد قدور بن الخضر سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وبعد: بلغنى ما صار إليه حال المستضعفين من الرعايا الذين أسندناهم لنظرك، لتحفظهم بسمعك وبصرك، فتركتهم في حيز الإهمال، وليس هذا شأن من يتولى الأعمال، فنأمرك أن تخرج إليهم وقت قراءتك لهذا الكتاب، في
стр. 2558
خمسمائة من الركاب، وأدرك هذه الغنم قبل أن تفترسها الذئاب والقبيلة التي تنزل عليها فاصل دعاويها، ورد مظالمها، وانتصف من ظالميها، ولا تكثر المقام وتطيله، واترك الطمع وسبيله، فإن ذلك مما يضر بالرعية ويجحف بالمال، والحظ عاقبة المآل.
والقبيلة التي تشتكى من شيخها لا تهمل أمرها، وابحث عن حال الشيخ المشتكى منه، فإن كان ممن علم بالجور والتعدى فانتصف منه وأبدله بغيره، وإن كان الشيخ من أهل الخير ولم يعلم ظلمه فأقره على شيخوخته وافصل مسألته بوجه سديد.
وأصحاب الجنايات أحوالهم تختلف، فمنهم من يسجن ولا يطول سجنه ويمكث ثلاثة أيام أو أربعة تأديبا له ويسرح، ومنهم من يضرب ويسجن ويبقى الشهر والشهرين عقوبة له، وأما أهل الجرائم العظيمة مثل القاطع والسارق والهاجم والمتلصص وقاتل النفس، فالواجب أن تتصرف فيهم بالضرب والسجن، وقبض النصاف، ويبقوا تحت يدك إلى أن تأتينا بهم وتخبرنا بجرائمهم، ولا تجعل فسحة في تسريحهم.
وأوصيك بتقوى الله والرفق بالمساكين، والضرب على أيدى الجبارة والمتمردين، فإن ذلك من القربة في الدين، وإياك أن تتعدى هذا الحد وتفرض على القبائل مالا أو تكلفهم لما لا يطاق من المئونة والسخرة، أو تظلمهم مظلمة، فما وجّهتُك في هذه الحركة إلا لرد المظالم وإقامة الحقوق لأربابها، ومن تجنب الظلم في هذا الحركة إلا لرد المظالم وإقامة الحقوق لأربابها، ومن تجنب الظلم في هذا فهو مأجور والسلام" وقد أسلفنا في ترجمة صاحب هذا الكتاب سيدى محمد بن عبد الله نصيحته للأمة كما قدمنا نصيحة السلطان المولى الحسن القرنية في ترجمته.
стр. 2559
ومن هذا الباب ما كان من تحرى صاحب الترجمة المولى عبد الرحمن في الأوقاف الدينية، فقد وقفت له على ظهير أصدره لناظر سَلاَ، أبى العباس أحمد عواد في الموضوع، ودونك لفظه بعد الحمدلة والصلاة ثم الطابع السلطانى بداخله "عبد الرحمن بن هشام الله وليه":
"خديمنا الناظر الأرضى، الحاج أحمد عواد، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فدور الحبس المنفذة بأيدى الناس هناك أردنا التحرى منها، فإن كان من دور المخزن هناك ما يناسب فأعلمنا به لنكون ننفذ منها والسلام في ٢٢ ذى الحجة متم عام ١٢٥٢".
ومن الباب ما كتب به وزير المترجم المختار الجامعى لعواد المذكور ونصه بعد الحمدلة والصلاة:
"محبنا الأود الأرضى، الخير الدين المرتضى، السيد الحاج أحمد عواد، سلك الله بنا وبك مناهج السداد، وبلغنا وإياك من رضاه غاية المراد، وسلام عليك ورحمة الله وبركاته عن خير مولانا أيده الله ونصره.
وبعد: فقد وصلنا كتابك واستوعبناه، وأطلعنا عليه مولانا فسر غاية، ودعا لك بخير، وحمد الله على وجود مثلك في هذا الوقت، لأنه أيده الله لا يحب أن يتولى أمور المسلمين إلا من هو مثلك وهو ضالته المنشودة، وغايته المقصودة، فابق على عملك فإن الله يعينك ويسددك حيث لم تطلب هذا الأمر وما ذكرت في شأن ما ضربه المتولى قبلك من المكوس وأحدثه من الأمور المذمومة شرعا وطبعا، أسقطه واقطع مادته، فإن سيدنا لا يحبه ولا يرضى لولاة أمره أن يسمع عنهم ما يخالف الشرع والسلام في ١٤ ربيع الثانى عام ١٢٤٧، وأسلم على الفقيه السيد
стр. 2560
محمد عواد والحاج العربى معنين والفقيه السيد التهامى مرسيل بأتمه وأزكاه والسلام.
المختار خار الله له ولطف به"
ومن الباب أيضا ما وقفت عليه لولده السلطان سيدى محمد بن عبد الرحمن ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"خديمنا الأرضى الأمين، الحاج عبد الله حصار، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد وصلنا كتابك مخبرا بورود كتابنا الشريف عليك المتضمن للجواب عما أعلمتم به جانبنا العالى بالله من الفصال مع الإنجليز في فكاك دار الأحباس بالعدد الذى قدره ثلاثة آلاف ريال، على أن يدفع خديمنا الطالب الطيب ابن هيمة النصف الذى تطوع به، وأمرناكم بفكاكها من يد النصرانى، ولو أن يزاد من بيت المال ضعف ما تطوع به الخديم المذكور حرصا على تطهير ذلك المحل، وحتى إن توقفتم في خلاصه من يده على محل آخر غيره ويدفع له بالكراء تفعلوا، وذكرتم أنكم أحضرتم النصرانى المرة بعد المرة، واجتهدتم كل الاجتهاد في سل المحل من بين يديه أنت والأمين الذى معك، وذلك بمحضر القائد الطيب بن هيمة وخوفتموه من جهة تسلطه على المسجد وغيره من مواضع البر، بطرق الشرع والقوانين، وضيقتم به غاية حتى أطاع بخروجه منه بمشقة، وطلب فيه ستة آلاف ريال ومحلا يسكن فيه، فبالغتم في الاجتهاد معه حتى أسقط ألفًا وتفاصلتم معه بخمسة آلاف ريال، وعينتم له دارا مناسبة يسكن بها بالكراء من جهة كونها بين دارين لتجار النصارى، وليس في جوارها مسجد ولا زاوية ولا غيرهما من مواضع التقرب، وأنها كانت في القديم معدة للتجار، وكانت بيد نصرانى، ثم بيد ذمية من آسفى، وتكنى بدار الأعشار حيث كانت تنزل بها المعشرات لما كانت تحاز
стр. 2561
بجانب المخزن قيد ولاية ابن عزوز، وأنها الآن بيد الأمناء يضعون فيها إقامة البناء وغيرها، ويؤدون للأحباس ستين أوقية كراء في كل شهر، وأسفلها صين وأعلاها متداع للسقوط، وأكريتموها للنصرانى بمائة ريال في السنة، وعملتم معه تصلحوها له، وذكرتم إن اقتضى نظرنا بقاء الأحباس على حيازة الستين أوقية كراء، وأنتم تحوزون المائة ريال من النصرانى في السنة فذاك وإن اقتضى نظرنا أن تناقل مع المسجد بملك يساوى ستين أوقية كراء في الشهر فعلتم، وأخبرتم أن الخمسة آلاف ريال التي تفاصلتم بها مع النصرانى عملتم معه يقطع له نصفها الآن من خدمة إن كانت له خدمة، والنصف الآخر حين تصلح الدار ويخرج إليها ويدفع لكم مفاتح المحل والمخازن التي كانت بيده يصير يقتطع له من خدمته، وصار كل ذلك بالبال، فقد أمضينا ما فعلتموه أصلحكم الله ورضى عنكم، وأمر المناقلة سهل، فما تقتضيه المصلحة فافعلوه فيها والسلام في ٢٣ من شعبان عام ١٢٨٥".
ومن ذلك أيضا ما وقفت عليه لحفيده المولى الحسن ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"خديمنا الأرضى الحاج عبد الله حصار وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فقد بلغنا أن بلاد السواحل الحوزية كلها أو جلها ملكها أهلها للنصارى واليهود الذين في حمايتهم بالبيع أو الرهن، بأن يذهبوا إليهم برسومها ويطلبون منهم دينا أو بيع قوت أو شبه ذلك، فيعطونهم ما طلبوه ويحوزوا الرسوم، ولا يبقى لأهلها فيها إلا الاستغلال من تحت أهل الحمايات، وهذا الأمر إن لم يتدارك بالقرب اتسع الخرق فيه على الراقع، ولا يكون هذا إلا مع تجار المراسى الحوزية لقربهم منه وعليه فاستفهم تجار بلدك عما دفعوه لأرباب هذه البلاد من دين أو شبهه، ما هو منه على وجه الشراء وما هو على وجه الرهينة، والقدر
стр. 2562
الذى وقع به البيع أو الرهن، وأسماء الذين باعوه أو رهنوه لهم، وأعلمنا به على التفصيل، وإن أمكنك أن تتلطف في حوز الرسوم منهم وتوجيهها إلينا فذلك المراد والسلام في ١٩ ربيع النبوى عام ١٢٩٦ هـ".
ونص آخر له بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"أذنا بحول الله وفوته للفقيه القاضى السيد عبد الله ابن خضراء، في النظر في الوكلاء والشهود والعرفاء بمراكشة، وتمييز البر منهم فيقر والفاجر فيقصى، كما أذنا له في النظر في أمور الأحباس والمواريث والغياب والكشف عن أولياء الأيتام والمحاجير بما تقتضيه الشريعة المطهرة في كل ما يتعلق بحقوق الجميع، فيسلم ما سلمه الشرع من ذلك، ويرد ما رده، وأن يحاسب أولياء الأيتام والمحاجير على ما دخل بأيديهم من أموالهم.
وأما ما دخل بيد ناظر الأحباس الكبرى من مستفادها ونائب المواريث والغياب من أموال المواريث والمنقطعين، فالنظر في محاسبتهم عليه أمر آخر موكل لجانبنا العالى بالله حين نريده والسلام في ٥ ربيع النبوى عام ١٢٩٨ ".
ونص آخر بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"خديمنا الأرضى القائد محمد بن سعيد السلوى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد بلغ لعلمنا الشريف ما استفز به اللعين. رعاع المسلمين، واستهواهم بغوايته وضلاله المبين، وارتمى بهم الحال إلى أن صاروا يشربون الخمر جهارا، ويعربدون في الشوارع وهم صرعى أطوارا، من غير مراقبة من حرمها في صدر الإسلام، وأوعد من يقتحم شربها بأليم العقاب، وفوق إليهم السهام.
стр. 2563
فعن مولانا رسول الله ﷺ مخبرا عن ذى الجلال، من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من طينة الخبال، وهى ما يسيل من جلود أهل النار.
فاعتبروا يا أولى الأبصار، على أن المخالفة باقتحام عقبات المحرمات، موجبة لسخط الله ومجلبة للآفات. ﴿. . . إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. . . (١١)﴾ [الرعد: ١١] فيما يأتونه أو يذرونه، وقد ذم الله تعالى بنى إسرائيل بما جعله بيانا لما اقترفوه. فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. . . (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]. ويكفيك في الإيعاد كونها -أى الخمر- من الخمس عشرة خصلة التي إذا فعلتها هذه الأمة حل بها الخسف أو المسخ أو غيرهما من أنواع البلاء، واستأصلتهم يد الخلاء والجلاء، بنص قوله سبحانه في كتابه المبين: ﴿. . . سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وعليه فنأمرك تزجر من عثرت عليه من المسلمين معربدا، أو وجدته صريعا واللعين عليه مستحوذا، بأن تجلده ثمانين، وتودعه السجن حتى تتحقق توبته ويخلص من شؤم سمة المجانين، ويتدرع شعار المسلمين: ﴿. . . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢] كما نأمرك أن تجعل عهدة من أخرج شيئا من الملاح على البوابين. وتتوعدهم عن ذلك إن غضوا الطرف عنه أو قبضوا عليه الرشا من المبتلين، وتزجر من المسلمين من عاد إلى مخالطة أهل الذمة في شئ من ذلك في الحين أو بعد حين، فإن ذلك مثلبة في الدين:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
إلا ما يتعاطاه أهل الذمة فيما بينهم فلا يتعرض لهم، لكونه مستحلهم في دينهم، وأعطوا العهد عليه، نعم يعزرون إن أظهروا السكر في غير محلهم جريا
стр. 2564
[صورة]
ظهير حسني لعامل سلا في التحذير من الخمر وإقامة الحد على شاربه وسجنه
стр. 2565
[صورة]
ظهير حسنى إلى القائد حم بن الجيلانى في الإذن للنظار بالزيادة في أكرية الأحباس تبعا لارتفاع السكة والزيادة لأصحاب الوظائف الدينية والعلمية في رواتبهم تبعا لذلك
стр. 2566
على مقتضيات الشريعة المطهرة في ذلك، والله ولى التوفيق، والهادى إلى سواء الطريق، والسلام ٩ رجب الفرد الحرام عام ١٣٠٤".
ونص آخر بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير:
"وصيفنا الأرضى القائد حم بن الجيلانى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فقد بلغ لعلمنا الشريف ما استحال إليه أمر الرباع من الضياع وضعف الخراج، بالاستيلاء عليها بما كانت به من الأكرية قبل ارتفاع السكة وعلو الرواج، حتى أفضى ذلك إلى تعطيل جل الوظائف الدينية، والرواتب العلمية العملية، كالإمامة والأذان، والأحزاب والوعظ والتدريس كما شهد بذلك العيان، وعذر التعطيل مقبول، وليس لرده محصول، لما هو بيّن من أن خراج ذلك الوظيف بحساب ما كان به قديما، وقبضه بما تروج به السكة الآن صار تافها ذميما، لا يسمن ولا يغنى، ولا يقوم بصاحبه الذى نعنى، كما أن الأصول والرباع، تداعى جلها للسقوط وآلت إلى الضياع.
ومن المعلوم أنه من مستفاد البعض يتلافى البعض ويتدارك الإصلاح، ويداوى عليها من عاهة الاجتياح، فالزيادة في الأكرية طبق السكة متعين، والمصير إليه من الحق الواضح البين، إذ بذاك تبقى الأحباس محفوظة منتفعا بها على الدوام، وتصير المناصب الدينية مستمرة غير معطل بها القيام، وبه يتوفر ما يقع به الإصلاح في المستقبل كما كان قبل ليصير فيما له وجه من المصالح وقبل.
وإبقاء ما كان على ما كان، سبب في تعطيل الوظائف الدينية وخراب الإسكان، وفى محض حق الله تجب المبادرة بقدر الإمكان، وعليه فليرد سائر النظار في أكرية الرباع والعقار بحسب ما يقتضيه الحال من جهة ارتفاع السكة
стр. 2567
وحسن الاعتبار، وتمسكا بأسد الأنظار، مما ليس فيه ضرر ولا ضرار، وليعرف الزائد أنه أدى ما عليه من حق الله، واستبرأ لدينه قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله، وليعد ما زاده من قبيل التعاون على الدين، لينتظم في سلك الفائزين المهتدين، وليتخلص العمل بتحسين الطوية، فإنما الأعمال بالنية، وليزد ناظر الأحباس المذكور لأهل الوظائف بقدر ما زيد في أكرية الرباع، لتنضبط الوظائف الدينية ولا يبقى عذر في تعطيلها بمقتضى هذا الاصطناع، وقد أزلنا بذلك من عهدتنا ما استرعانا الله عليه، وجعلناه في ربقة النظار والقضاة ومن الأحباس مسندة إليه، والله رقيب، وعلى كل شئ حسيب، والسلام في. . جمادى الثانية عام ١٣٠٣" استقل الظهير الشريف.
إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
وإن أى وقفة يقفها القارئ الكريم من هذه الفصول التي كان يصدر الأمر بها لعمال الجهات وقواد المناطق نَأت أو قرُبَت تملى عليه من آيات الاعتناء بكل ما يتعلق بأمر الدين، ومعالم التوحيد، وأركان الإسلام مما لم يكن يغفل أمره أحد من سلفنا الأكرمين، وملوكنا الأماثل مجتهدين، حاثين على التواصى بإقامة الدين، ونشر نفوذه وثقافته المؤثرة بين مختلف الطبقات وتنوع الأوساط.
وكيف لا يكون اعتناؤهم بالدين عظيما واهتمامهم بأمره يتجاوز أقصى مجهوداتهم ومتفوق حدود مقدرتهم، وهم يعلمون أن ذلك من أخص واجباتهم، وأول فروضهم المحتّم عليهم قبل غيرهم إنجازها وأداؤها، علاوة على ما في رابطة الدين وثقافته، ومن لم الشعث وضم المتفرق وإحكام الوحدة التي ينتظم بها أمر الملك، ويصلح نظام السلطان.
وقلما أمكن صلاح حال أمة أو رعية من الرعايا ما لم تسق بسياسة الدين الكفيلة بصلاح عموم الأحوال، وتحقيق جميع الآمال، ولعل ذلك هو سر اتفاق
стр. 2568
كلمة المؤرخين وعموم الباحثين والمحررين على سحب كلمة السلطان ونعت الملك عن كل قائم لا ينهض بأمر الدين، ولا يحفل بتعاليمه وأوضاعه المحببة إلى كل ذى فكر سليم ونفس شريف.
فمهما علا قدر الواحد واشتد ساعده يدعونه متغلبا ما لم يكن للدين من نظره نصيب، وللاهتمام به من رعايته قدر وافر، ولنرسل رائد النظر بعيدا منذ الفتح الإسلامى للآن على جميع الأصقاع النائية والدانية من مختلف أقطار المغرب وجهاته، فنرى كيف أن مناحية أو صقع مهما ضؤل شأنه وقل سكانه إلَّا وبه مسجد لإقامة الصلوات ومرجع عبادة وإنابة لأداء الفروض، وطلب غفران الخطايا، وتهذيب النفوس، وإصلاح الضمير.
ولم يخل قط عصر أو تاريخ لم تكن فيه كل قبيلة أو بادية تفرط في شأن من أمور دينها وتعليم شرعها، وكان الفضل الأول والأكبر في ذلك واستمراره لهداتها الأمراء الكرام والملوك الأعاظم، ولا سيما ملوك دولتنا الحاضرة الذين نقرأ لهم في هذا الباب صفحات بيضاء يبيض لها وجه التاريخ وتنار بها طلعة وجوهم على ممر الأعصار وتوالى الأيام، وما هذه الفصول المنتشرة بأغلب مراجع هذا التاريخ كله -ومنها ظهيرنا الواقفة هذه اليراعة عنده- إلا غيض من فيض، وقُلّ من كُثْر، من هذه العنايات المختلفة والرعايات المتشتتة بين مختلف دفاتر التاريخ.
أما مولانا السلطان الحالى المفتخرة بعصره الدنيا على كل العصور، فلم ينهج إلا نهج أسلافه الأكرمين، وسلفه من عظماء ملوكنا العلويين في الحث على إقامة أمر الدين وتنظيم معالم الإسلام في مناحية وجهة، ففى كل مرجع وموضع من الأنحاء المغربية يعطى لأمر الدين المقام الأول والمكان الممتاز، وإذا كان قد انفرد عصره الزاهى بإقامة شعائر الدين في مواطن جديدة وأماكن لم يكن تأسس بها مسجد من قبل لحدوثها بحدوث عمران إيالته المتسع، وانتشار نفوذ دولته الممتد في
стр. 2569
ذلك إلا من حظوظه المؤيدة، وسعوده الطالعة، ومجده المضاعف الناشر فخره على الأيام والليالى:
نبنى كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا
فكم من مسجد وجامع جمعة وخطبة أُنشئ منذ جلوس جلالته على عرش أسلافه الكرام، وآبائه الهداة العظام، وإن أحجمنا عن عدها فلمعرفة الجمهور بها وانتصابها أمام جميع الأنظار، يشاهدها الخاص والعام، وحسبك منها المسجد الجامع المقام بأنحاء زمور الشلح بالمحل المعروف بـ (الخميسات) الذى أصبح عمرانه يتزايد بتزايد الإقبال عليه، ومضاعفة الحركة فيه، وناهيك إنه بمنزلة محطة من أكابر المحطات، وطريق من أوسع الطرق شأنا، وأبعدها مدى، يربط بين أقصى البلاد البربرية وشواهق جبالها الممتدة إلى أقصى حدود الأطلس البعيد، فهلا اعتبرنا ذلك من حسنات عصره الزاهر الذى أمكن أن نشاهد فيه ما لم يكن بالحسبان.
اعتناؤه بنشر العلم وتسهيل سبله:
وكما اهتم بأمور الدين وإظهار شعائره وإقامة مبانيه، كذلك اعتنى بمسألة العلم والعلماء والطلبة وانتقد أسلوب التدريس الذى كان جاريا على عهده من تطويل ممل، واقتصار مخل، واشتغال بالقشور عن اللباب حسبما ترى في هذا الظهير الشريف الذى أصدره لقاضى مدينة فاس يأمره بجمع المدرسين وتنبيههم على خطأ ما جرت به العادة، وإرشادهم لنظام كفيل بالتحصيل والإفادة، ونصه:
"ولد عمنا الأرضى، الفقيه القاضى مولاى عبد الهادى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد بلغنا توافر طلبة العلم على العادة، وجدهم في الطلب، غير أنه قل التحصيل والإفادة، وذلك لمخالفة الفقهاء في إقرائهم عادة الشيوخ، وإعراضهم عما ينتج التحصيل والرسوخ، فإن الفقيه يبقى في سلكة سيدى خليل نحو العشر
стр. 2570
سنين، وفى الألفية العامين والثلاث أكثر ما يجلب من الأقوال الشاذة، والمعانى الغريبة الفاذة، وكثرة التشغيب بالاعتراضات وردها، ومناقشة الألفاظ وعدها، ويخلط على المتعلم حتى لا يدرى الصحيح من السقيم، ولا المنتج من العقيم، وفى ذلك تضييع الأعمار التي هى أنفس المتاجر بلا فائدة، وتعمير الأوقات التي يرتجى نفعها بلا عائدة، فتجد الطالب يرحل في طلب العلم من بلاده، ويتغرب عن أهله وأولاده، ويقيم المدة المتطاولة لا يحصل مع كثرة دءوبه على طائل، ولا يقف على محصول ولا حاصل، فترى الفقهاء يكثرون على المبتدئ من نقول الحواشى والاعتراضات، وينوعون الأقوال والعبارات، حتى لا يدرى ما يمسك، ولا أى سبيل يسلك، ويقوم من مجلس الدرس أجهل مما كان، ولا يجد زيادة مع بلوغه في نفسه الإمكان.
وهذا يؤدى إلى ضياع العلم الذى هو ملاك الدين ويحمل على عموم الجهل في العالمين، وما هكذا كان يفعل أهل الإفادة والتحرير، الذين يحرصون على نفع طلبة العلم رغبة فيما عند الله من الأجر الكبير، فقد كانوا يسهلون لهم طرق العلم واستفادته، ويرتكبون ما يقرب تحصيل العلم وزيادته، ويتنزلون لعقول الطلبة على قدر أفهامهم، ويحتالون على حصول الفهم والعلم للمتعلمين بلطيف عبارة كلامهم، حتى يحصل اللبيب على مراده في أقرب أوان، ولا يضيع عمره سبهللا من غير تحصيل ولا عرفان.
إذ كان مقصودهم في ذلك الله ونشر العلم للعمل، لا التفصح والتمشدق الذى يحصل معه الخلل والملل، ولا ينجح معه لذى أرب أمل.
وهذا من الأمر الذى يجب التنبيه عليه، ويتأكد في جنب أرباب المناصب الجنوح إليه، إذ في الحديث: الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المؤمنين وعامتهم.
стр. 2571
فبوصول كتابنا هذا إليك اجمع المدرسين وأرشدهم لما فيه المنفعة العامة، والإفادة التامة، وهو الاقتصار في التقرير على حل كلام المؤلفين وإفهامه للسامعين المتعلمين، مع التنبيه على ما فيه من خطأ وتحريف من غير إكثار هدر، ولا تشغيب بترداد اعتراضات وطرر.
إذ المقصود هو حصول الفهم والإفادة، والمناقشة في الألفاظ إنما هى لغو وزيادة، وليست لأهل التحرير بعادة، وما يقدم قراءة النحو والبيان والمعقول، إلا لتحصيل الملكة التي يتوصل بها إلى فهم المنقول، فلا ينبغى في الفقه مناقشة الألفاظ، ولا نقل كل ما سوده الحفاظ، بل ينبغى الاقتصار على بسط المسائل وفصولها، وتقريبها للفهم بتقرير أصولها، فلا يجاوز الفقيه في سلكة خليل، العام، وإن أطال ففى عامين، ولا يجاوز في الألفية الشهر أو الشهرين كما كان يفعل ذلك جهابذة العلم ونقاده، بل كانوا يسردون خليل في أربعين يوما، والألفية في أقل من ذلك، ويحصل الطلبة في ذلك على علوم جمة، ومسائل مهمة، لا يحصلونها في هذا التماطل والتطويل، وعمارة الأوقات بما ليس عليه تعويل.
ولينظروا في سيرة من قبلهم في التدريس والإلقاء، ويسلكون ما هو أقرب للتحصيل وأمس بتسهيل الفهم والإقراء، فبهداهم فليقتدوا، وبأنوارهم فليهتدوا، ليستفيدوا ويفيدوا، ويبدئوا في نشر العلم ويعيدوا، ويحصل الطلبة الغرباء في ذلك على مرادهم، ويدركوا ما يسره الله على قدر استعدادهم، والله ولى التوفيق.
ومن جملة الأمور الموجبة لقصور فهم المتعلمين وعدم نفعهم، تقصير مجلس الإلقاء وخفته، فلا يجاوز من أطال من الفقهاء الساعة، مع أن من رحل للطلب من بلده ونيته تحصيل العلم يستغرق الأوقات، ويعرض عن الراحة واللذات، ولا يكون له غرض إلا في درس أو نظر، ليحصل مطلوبه على الوطر،
стр. 2572
[صورة]
ظهير رحمانى لقاضى فاس المولى عبد الهادى في إرشاد المدرسين لسلوك طريق تكون أقرب للتحصيل ونفع الطلبة
стр. 2573
[صورة]
ظهير رحمانى للقائم بالزاوية الكرزازية في الإنعام عليه بأعشار بنى عباس وزكواتهم
стр. 2574
ففى الحديث: منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب دنيا، فينبغى حمل الطلبة على الأليق بحالهم من الدءوب والإطالة. ومواصلة الطلب وترك البطالة والسلام في ١٢ محرم الحرام ١٢٦١".
وقد جاء في كتاب شريف بعثه لولده الخليفة بتاريخ عام ١٢٥٢ مما يدل على اعتنائه بالعلم وأهله:
"وما ذكرت على شأن الطلبة الذين ظهرت نجابتهم، فمن كان مجتهدا في القراءة وظهرت نجابته فرد له ما كان يقبضه قبل من الإعانة، ومن كان مجتهدا في القراءة مثابرا عليها فاجعل له ما ينتعش به ويتقوت، وحين يزيد اجتهاده نزيده إعانة، فإن العلم كاد يندثر وفى مراكش أكثر، وقد كان الملوك ينقلون العلماء من البلدان لبث العلم ونشره كالسهيلى وعياض، والطلبة، وإن كان غالبهم إنما يقرأ العلم لأجل الدنيا، فإن العلم يرده إلى الله ويدعوه لإخلاص العمل له، وقد قال سفيان الثورى ﵀: قرأنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله".
تبرعاته وأوقافه
من ذلك إنعامه على رئيس الزاوية الكزازية بجميع أعشار بنى عباس.
ودونك لفظ الظهير الصادر بذلك بعد الحمدلة والصلاة ثم الطابع السلطانى بداخله "عبد الرحمن بن هشام بن محمد وفقه الله" وبعده:
"أنعمنا بحول الله وقوته على محبنا المرابط البركة، سيدى محمد بن محمد القائم بأمور الزاوية الكرزازية بجميع أعشار بنى عباس وزكواتهم القاطنين بوادى الساورة وما والاه، ليستعين بذلك على مئونة زاويتهم المباركة، فنأمرهم أن يدفعوا له ذلك، ولا يتراخوا فيه، وفقهم الله والسلام في رابع عشرى ٢٤ محرم الحرام عام ١٢٣٦".
стр. 2575
وقد أصدر ظهيرا آخر بهذا التاريخ لمقدم الزاوية المذكورة بالتوقير والاحترام، نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"مقدم الزاوية الكرزازية المباركة المحب محمد بن بوعزة، السلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فقد ورد على حضرتنا الشريفة المرابط البركة المحب الصالح سيدى محمد بن محمد، وأثنى عليك خيرا، وذكر لنا محبتك في جانبنا العالى بالله تعالى، وسعيك فيما يرضى الله ورسوله ويرضينا، فالله يرشدك، وها نحن وقرناك لانحياشك إليه، واحترمناك وأسدلنا عليك ذيل المبرة وأمّناك فلا يحوم أحد حول حماك، ولا يروم أذاك، والواقف على كتابنا هذا يعمل بذلك، ولا يسلك غيره من المسالك، والسلام في ٢٤ من محرم الحرام عام ١٢٣٩" هـ من أصلهما المحفوظ بمكتبتنا، وصاحب الزاوية الكرزازية الذى إليه تنسب هو الشيخ عبد الكريم كان من أكابر الأولياء كما في التقاط الدرر للنسابة الضابط المحرر أبى عبد الله محمد بن الطيب القادرى، قال: وممن أخذ عنه من الأكابر سيدى محمد العياشى دفين مصر. هـ.
ومن تبرعات صاحب الترجمة إنعامه بعشرة قناطير من معدن الحديد على الزاوية الناصرية، ودونك نص الظهير الصادر في ذلك بعد الحمدلة والصلاة والطابع السلطانى:
"يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وجعل في الصالحات طيه ونشره، أننا جددنا لماسكه المكرم الأجل المرابط البركة السيد أبى بكر بن على حفيد الولى الشهير، والشيخ العارف الكبير صاحب الأسرار والمفاخر سيدى محمد بن ناصر أفاض الله علينا من بركاته، على ما بيده من ظهير جدنا سيدى الكبير قدس الله روحه في النعيم المتضمن إنعامه على الزاوية الناصرية بتمكروت عمرها الله
стр. 2576
بدوام ذكره بخمسة قناطير من معدن الحديد من مرسى الصويرة، ومثلها من مرسى آسفى كل عام، إعانة لها، وقد جمعنا العشرة قناطير كلها بثغر الصويرة، فنأمر كل من يتولى بها أمرنا الشريف أن ينفذ للزاوية المذكورة القدر المذكور كل عام والابتداء من شهر تاريخه صدر به أمرنا المعتز بالله في ١٠ محرم عام ١٢٧٣" وبعده: استقل.
ومن ذلك الساعات التي حبسها على جامع النجارين والجامع الأعظم من مكناس، ونص ما ورد في ذلك حوالة الأحباس الكبرى بمكناس صحيفة ٤٠:
"حبس مولانا الإمام، المظفر الهمام، أمير المؤمنين مولانا عبد الرحمن ابن مولانا هشام الشريف العلوى مجانة على منار الجامع الأعظم بمكناسة الزيتون، وحازها الموقت بالمنار السيد محمد الفاسى بحضور ناظر الأحباس السيد الحاج الطيب غريط، وذلك بواسطة خديم سيدنا الطالب السيد محمد الأشخم الزرهونى، تقبل الله من مولانا المذكور وشهد على إشهادهم بذلك عارفين قدره وبأتمه، وعرفهم ثالث المحرم الحرام فاتح أربعة وسبعين بموحدة ومائتين وألف فلان بشكله ودعائه وفلان كذلك".
وبالصحيفة نفسها: "بعد تحبيس مولانا أيده الله مجانات خمس على جامعى النجارين، والأعظم بمكناسة الزيتون، وحازها بالأمر المولوى أعزه الله الناظر السيد الحاج الطيب المذكور أعلاه، يليه لجانب الحبسين المذكورين حضر الطالب السيد محمد بن الفقيه السيد عبد القادر الفلوسى الموقت بالجامع الأعظم، والشريف سيدى محمد بن سيدى محمد فتحا المنونى الموقت بالنجارين، وحاز الأولى ثلاث مجانات، وحاز الثانى اثنتين، وعرفوا قدره وبأتمه، وعرفهم ثالث المحرم الحرام فاتح أربعة وسبعين بموحدة ومائتين وألف فلان بشكله ودعائه وفلان كذلك".
стр. 2577
ومن ذلك ما سنه للمهاجرين إليه من وطن الجزائر كل سنة خمسمائة مد من القمح بالمد الفاسى لخصوص الأشراف منهم، مع خمسمائة مثقال كذلك، وكان بها خمسمائة ريال أو ما يقرب منها، وذلك زيادة على صلته لهم في الأعياد وكذلك عوامهم من أهل الحرف والزراعة، وقد أصدر أوامره لعماله باحترامهم وتوقيرهم وعدم تكليفهم بأى كلفة من الكلف المخزنية قلّت أو جلّت، وأن لا يسامون بمغرم ولا هدية رعيا لهجرتهم وتغربهم عن أوطانهم.
وقد وقفت له على ظهير كتبه لولده الخليفة يأمره بإسكان القاضى الذى كان مع الأمير عبد القادر دارا تناسبه بفاس وإعانته على مئونته ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"ولدنا الأبر الأرضى سيدى محمد أصلحك الله ورعاك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فبوصوله إليك مر الطالب علال الشامى يدفع لحامله السيد عبد القادر بن محمد قاضى الحاج عبد القادر بن محيى الدين ثلاثين مدا من القمح إعانة له على مئونته، وينظر له دارا يسكنها مناسبة لحاله، وإن كان أهلا للتدريس يجعل له ما يستحقه من المشاهرة، على أن يقوم على تدريس مختصر خليل، فقد بلغنا أنه يحسنه، وقد كتبنا لولد عمنا مولاى عبد الهادى بذلك بأن يجعل له ما يستحقه، فإن قيمة كل أحد ما يحسنه والسلام في ١١ رمضان المعظم عام ١٢٦٢".
ومن ذلك أنه لما انتشر القحط بالمغرب سنة أربعين ومائتين وألف بذل للضعفاء والأرامل والأيتام والمساكين، وأمدّ التجار بالأموال لجلب الأقوات من أوربا وغيرها لإيالته، وحدد للمحتكرين الأرباح شفقة على ضعفاء الرعية، وعنف ولام من خالف ذلك، ويكفيك شاهدا على ذلك ما أصدره لأهل العدوتين سَلاَ
[صورة]
ظهير رحمانى إلى الخليفة سيدى محمد في جواز اكتيال الجزائريين القمح لأنفسهم من المغرب ومنعهم إن أرادوه لغيرهم
стр. 2580
والرباط في الموضوع، وإليك نص الظهير الصادر إليهم بعد الحمد لله والصلاة والطابع السلطانى:
"خدامنا أهل العدوتين سَلاَ، ورباط الفتح كافة السلام عليكم ورحمة الله تعالى.
وبعد: فكيف تجاركم يجلبون الأقوات ويحتكرونها ولا يقنعون بالربح الذى جعلناه لهم، وقدره درهمان للمثقال، والناس في غاية الاحتياج من غير نكير ﴿... أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨] قال تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧] وقال ﵊: اتقوا النار ولو بشق تمرة.
وعليه فبوصول كتابنا هذا إليكم عينوا رجلين تاجرين ماليين سلاوى ورباطى، كالحاج العربى معنينو، والحاج محمد والزهراء لندفع لهما عشرة آلاف ريال ويتفاوضان فيمن يسافر منهما لبر النصارى يتسوق، ومن يجلس بالبلاد يقبل ما وجهه الآخر، ويباع الزرع بالبلدتين بما يأتى به وزيادة درهم لكل مثقال ربحا، وهذا الربح يستبد به التاجران اللذان تعينونهما، وحظنا من ذلك الدعاء وإغاثة الملهوف، ويباع الزرع للخاص والعام، ولا يحجر على أحد، وإذا تهيأ التاجران للعمل أخبرونا مع رسول، لأوجه للذى يسافر منهما أمرنا لطنجة ليدفع له المال المذكور هناك، ويتخير المسافر المذكور هل نكتب لابن عليل بجبل طارق يعينه أو لمؤدنة بجنوة، والعزم له بركة، وإياكم ثم إياكم والتراخى والسلام في سادس ذى القعدة عام أربعين واثنى عشر مائة" من أصله.
ومن ذلك ما كتب به لولده خليفته سيدى محمد في شأن أهل الجزائر الذين يدخلون أرض المغرب لاكتيال القمح من قبائله، يأمره بالبحث في أمرهم، فإن وجدهم يشترون القمح لأنفسهم وإخوانهم تركهم، وإن وجدهم يشترونه لمن احتل بلادهم منع بيعه إليهم.
ونص الكتاب من أصله الموجود بمستودع المحفوظات بالقصر السلطانى بالرباط بعد الحمد لله والطابع:
стр. 2581
ولدنا البار الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد بلغنا أن عرب الصحراء من الواسطة وغيرهم يدخلون أفواجا بعدد كثير لكيل الزرع من قبائل الإيالة كعام أول، وأنهم كانوا في العام الفارط يقيمون على الأندر حتى يأخذوا ما يخرج منها جملة وذلك بقصد التوجه لبيعه للنصارى دمرهم الله، فلا بد ابحث عن ذلك عامل وجدة وغيره حتى تقف على حقيقته، فإن كانوا يتوجهون به للنصارى كما بلغ عنهم فقد أذناك في منع القبائل من بيعه لهم، ومن ظهر عليه ذلك يعاقب ويزجر، وإن كانوا يأخذون ذلك لأنفسهم ويحملونه لإقامة بنيتهم فاترك سبيلهم، فإنهم إخواننا ولا سبيل لمنعهم، وأعلمنا بما ثبت عندك لننظر فيه والسلام وفى ١٤ جمادى الثانية عام ١٢٦٣ ".
فأين هذا مما تقوله المتقولون عليه من أنه كان يعين النصارى على المسلمين ويمدهم ويساعدهم عليهم.
ومن ذلك ما وصل به علماء الأزهر العامر من مصر المحروسة على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم بواسطة شيخ مجلسه الحديثى قاضيه بالعاصمة المكناسية أبى عيسى المهدى بن سودة المرى مار الترجمة، والأمين الحاج محمد الرزينى، والحاج بوجنان البارودى، وذلك في شهر شوال عام أربعة وسبعين لكل واحد من أهل الطبقات الأولى ثمانية وأربعون ريالا (فرنك ٢٤٠)، ولكل فرد من الثانية خمسة وأربعون ريالا (فرنك ٢٢٥)، وللثالثة كذلك اثنان وأربعون ريالا (فرنك ٢١)، وقد قدمنا أسماء أولئك الشيوخ في ترجمة أبى عيسى المذكور.
ومن ذلك شراؤه لدار بمكة المشرفة وتحبيسه لها على مؤذنى المسجد الحرام بمكة زادها الله عزا وشرفا، وكان ذلك سنة ١٢٧٤، ودونك نص عقد الشراء
стр. 2582
والوقف وما جرى في ذلك بعد افتتاحه وطابع قاضى مكة المشرفة بداخله السيد أحمد عزت:
"الحمد لله عز شأنا، هذه حجة صحيحة شرعية، ووثيقة محررة مرعية، صدرت بمحكمة مكة المكرمة البهية، دامت آمنة محروسة محمية، بين يدى نائب مولانا فخر قضاة الإسلام، كمال ولاة الأنام، قاموس البلاغة ونبراس الأفهام، محرر القضايا والأحكام يومئذ ببلد الله الحرام الراجى لطف ربه الخفى، الحاكم الشرعى الحنفى، الواضع خطه وخاتمه الكريمين أعلاه، دام فضله ومجده وعلاه، مضمونها حضر إلى المجلس الشريف الشرعى، ومحفل الدين المنيف المرعى، المكرم الحاج محمد بن الحاج أحمد الرزينى المغربى في شراء المبيع الآتى ذكره فيه بطريق وكالته عن الجناب الشريف المحترم السيد السلطان الأمجد مولاى الشريف السلطان عبد الرحمن بن المرحوم السلطان هشام سلطان المغرب، الثابتة وكالته عنه في شراء الدار الآتية، وأن يوقفها عنه في الوكالة عنه المفوضة المطلقة وقفا صحيحا شرعيا يصرف ريعه على الآتى ذكرهم أدناه بشروطه الآتية، وذلك بين يدى نائب مولانا الحاكم الشرعى الموما إليه أعلاه ثبوتا شرعيا، بطريقه الشرعى المطابق للوجه الشرعى بشهادة المكرمين الحاج سعيد جسوس بن أحمد المغربى، والحاج على بن حسن المغربى، وحضر لحضوره في البيع المكرم صالح بن الشيخ عبد الغنى بن الشيخ أحمد عبد الغنى غب حضورهما وثبوت الوكالة المذكورة فيما ذكر الثبوت الشرعى".
"اشترى المكرم الحاج محمد بن أحمد الرزينى الوكيل المذكور بطريق وكالته المفوضة المذكور عن موكله مولاى الشريف السلطان عبد الرحمن المشار إليه بمال موكله لموكله، دون مال غيره من بائعه الحاضر معه صالح عبد الغنى المزبور، فباعه ما ذكر أنه له وفى ملكه وحوزه، وباق تحت تصرفه إلى حين صدور هذا البيع منه
стр. 2583
فيه الآئل إليه بالشراء الشرعى، بموجب حجة شرعية بيده، أعنى ما باعه كامل الدار الكائنة بمكة المشرفة بحارة الشامية المشتملة على مساكن علوية وسفلية، ومرافق ومنافع، وحقوق شرعية، وحوش وذلك بسفح جبل الهندى، ويحد كامل هذه الدار ويحيط بها بجميع ما اشتملت عليه حدود أربعة شرقا السكة النافذة المصعدة إلى علو جبل الهندى، وفيها باب الدار، وغربا جبل الهندى المذكور، وشاما ملك ورثة الشيخ محمد سعيد بن العطار، ويمينا وقف المرحوم الشيخ إبراهيم بن ياسين الجناعى، وتمام الحد السكة المصعدة إلى علو الجبل المذكور، وفيها باب الحوش بما لهذه الدار المبيعة المذكورة من الحق والحقوق والسوح والفسوح والمرافق والمنافع والأرض والبنا ومجارى الماء والطرق والاستطراقات وكل ما يعد، ويحسب من جملتها، وينسب إليها شرعا المعلوم ذلك عند كل من المتبايعين المذكورين العلم الشرعى، النافى للجهالة شرعا، اشتراء صحيحا شرعيا، وبيعا صريحا مرعيا بيعا باتابتلات ... حازما جازما لازما ثابتا لا عدة فيه ولا مثنوية، مستوفيا لجميع شرائطه الشرعية، ومسوغاته المحررة المرعية.
لا قول فيه يبطله، ولا شرط ولا خيار يفسده، بل وقع على أتم البيوعات الشرعية وأكملها، صدر بين المتابعين المذكورين بصريحى الإيجاب والقبول الشرعيين، بثمن قدره وجملته من الريالات السنكو ألفان ريالا سنكيا وسبعمائة ريال سنكى. وخمسون ريالا سنكيا، ثمنا حالا مسلما جميعه من يد المشترى المذكور بيد البائع صالح عبد الغنى المزبور، حسب إقراره بقبض ذلك واعترافه الإقرار والاعتراف الشرعيين، وأذن هذا البائع المذكور لهذا المشترى الوكيل المزبور في قبض وتسلم كامل الدار المحدودة المبيعة المذكورة وقبضها وتسليمها منه لموكله مولانا السلطان عبد الرحمن المذكور، وحازها له حوز مثلها خالية عن الموانع المبطلة، والشواغل المفسدة، لصحة هذا البيع، والقبض والتسليم والاستلام
стр. 2584
فموجب ذلك صارت الدار المبيعة المحدودة المذكورة ملكا طلقا من أملاك المشترى له مولاى الشريف السلطان عبد الرحمن المذكور، وحقا صرفا من حقوقه يتصرف في ذلك تصرف الملاك في أملاكهم، وذوى الحقوق في حقوقهم من غير معارض له في ذلك ولا منازع، ولا رافع ليده ولا مدافع، وضمان الدرك له على البائع المذكور، حيث يجب له عليه شرعا، وقد صح وثبت جميع ما ذكر لدى نائب مولانا الحاكم الشرعى المومى إليه أعلاه ثبوتا صحيحا شرعيا، وأجاز هذا البيع ونفذه وأمضاه، وأوجب العمل بمقتضاه، والله الهادى".
"ثم لما أن تم هذا البيع وانبرم، وصارت الدار المذكورة ملكا من أملاك مولانا السلطان عبد الرحمن المذكور، أقر بالمجلس الشرعى بين يدى نائب مولانا الحاكم الشرعى المومى إليه أعلاه هذا الوكيل عنه الحاج محمد الرزينى المذكور بوكالته المفوضة المذكورة الثابتة شرعا، عن مولانا السلطان عبد الرحمن سلطان المغرب، إقرارا شرعيا وهو وموكله بحال الصحة ووفور العقل طائعين نافذين التصرف، بأنه أوقف عن موكله بحال السلطان المذكور كامل هذه الدار ملكه المحدودة المذكورة أعلاه، وذلك لأنه حيث كانت هذه الدنيا الدنية دار مرور وغرور، لا دار بقاء وسرور، ولأن الآخرة خير وأبقى ولا ينفع ابن آدم من هذه الدنيا إلا ما قدمه لنفسه من التصدقات المرضية، والأعمال الزكية، وقد ورد في الخبر عن سيد البشر سيدنا محمد ﷺ في فضل الصدقة أحاديث كثيرة شهيرة أشهر من شمس الظهيرة، منها قوله ﷺ : يحشر المرء تحت ظل صدقته، ومنها قوله ﷺ : اتقوا النار ولو بشق تمرة، ومنها قوله ﷺ : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.
فلهذا رغب السلطان مولاى السلطان عبد الرحمن المذكور في الوقفية لأنها صدقة جارية طامعا في الجزاء والثواب، من الملك الوهاب.
стр. 2585
فأوقف هذا الوكيل عنه الحاج محمد الرزينى المذكور بوكالته المفوضة عنه كامل الدار المحدودة المذكورة، وهى في ملك موكله، وحبس وسبل وأبد وأكد، ووطدّ (١) وسرمد وخلد، كامل الدار المحدودة المذكورة أعلاه بحقها وحقوقها وسوحها وفسوحها ومرافقها ومنافعها وأرضها وبنائها وطرقها واستطراقاتها وحوشها ومجارى مائها، وكل ما يعد ويحسب من جملتها وينسب إليها شرعا، المعلوم ذلك عند الواقف الوكيل وموكله العلم الشرعى النافى للجهالة شرعا وقفا صحيحا شرعيا، وحبسا صريحا مرعيا، لا يباع ولا يوهب ولا يرهن ولا يملك ولا يتملك، ولا يبدل ولا يستبدل، ولا يناقل به ولا ببعضه، بل لا يزال قائما على أصوله وضوابطه مستمرا على شروطه وروابطه، أبد الآبدين، ودهر الداهرين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
يصرف ريعه بعد العمارة الضرورية اللازمة على المؤذنين بالمسجد الحرام بمكة المشرفة أهل الوظائف في منابر المسجد الحرام دائما أبدا بالسوية بينهم، وإن تعذر إجراء ريع الوقف على المؤذنين أصحاب الوظائف المذكورين ولم يمكن إجراء ذلك مطلقا بوجه ما، فيصرف ريع الوقف على مطلق الفقراء القاطنين ببلد الله الأمين.
وشرط هذا الواقف الوكيل المفوض المذكور عن موكله، أن النظر على هذه الدار الوقف للحاضر معه بالمجلس الشرعى المكرم أحمد أفندى أماصيه لى ابن عمر مؤذن باشى شيخ المؤذنين حالا، فلا يعارضه فيه معارض، ولا ينازعه فيه منازع، ولا يشاركه مشارك، يؤجر ويعمر ويقسم ريع الغلة بالسوية على أصحاب الوظائف المؤذنين جماعته، ثم من بعده يكون النظر لكل شيخ يتولى مشيخة المؤذنين شيخا بعد شيخ دائما أبدًا.
وإن آل الوقف لمطلق الفقراء بمكة فالنظر لمولانا الحاكم الشرعى يومئذ، ينظر عليه من أهل الديانة والأمانة من فيه صلاحية لذلك".
стр. 2586
"ثم لما أن تم هذا الوقف وانبرم، وعلى هذا المنوال انحسم، وتسلم هذه الدار الوقف المذكورة الناظر عليها أحمد أفندى المذكور، ووضع يد نظارته عليها خالية عن الموانع والشواغل، حضر إلى المجلس الشرعى ثانيا هذا الوكيل الحاج محمد الرزينى المذكور الثابتة وكالته المفوضة عن مولانا السلطان عبد الرحمن المزبور، بين يدى نائب مولانا الحاكم الشرعى المومى إليه أعلاه، وأحضر معه الناظر على الدار الوقف المذكورة أحمد أفندى المذكور شيخ المؤذنين، وادعى عليه بوكالته المذكورة بدعوى صحيحة شرعية مستكملة لشروطها ومسوغاتها الشرعية في هذه الدار الوقف المذكورة، وحددها ورددها بحدودها المذكورة أعلاه، تتضمن دعواه أن موكله عنَّ له الرجوع عن هذه الوقفية ويريد عود الدار المذكورة إلى ملكه ثانيا، زاعمًا عدم صحة الوقفية حيث لم تسجل ولم يحكم بها حاكم شرعى متمسكا بقول الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان رضى الله عنه في ذلك، وطلب رفع يد الناظر عليها المدعى عليه عنها، وعارضه الناظر في ذلك أحمد أفندى المذكور بأن ليس لموكلك الرجوع عن هذه الوقفية، وأنها صحيحة ولو لم تسجل، متمسكا بقول الإمامين الهمامين أبى يوسف ومحمد، وأن العمل على قولهما في الوقفية، فعند ذلك تأمل بينهما نائب مولانا الحاكم الشرعى المومى إليه أعلاه في ذلك، تأملا شافيا كافيا ورأى برأيه السديد، ونظره الرشيد، أن بجانب صحة الوقيفة رجحانا قويا، وطريقا سويا.
ثم استخار الله تعالى وحكم بينهما بصحة الوقفية ولزومها، في خصوصها وعمومها، حكما صحيحا شرعيا عالما بالخلاف، الجارى بين الأئمة الأسلاف، ومنع هذا الوكيل المدعى المذكور عن إعادة دعوى الملكية، وامتثل لذلك وبقى الناظر المذكور واضعا يد نظارته على الدار الوقف المذكورة، وصارت وقفا من أوقاف الله تعالى الأكيدة، مدفوعا عنها بحوله وقوته الشديدة.
стр. 2587
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١] جرى وحرر ٢٠ ذى الحجة الحرام ختام عام الرابع والسبعين والمائتين والألف من هجرة من له العز والشرف، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، شهود الختم:
ترجمانه: محمد أفندى سعيد زاده. كاتبه: دروس أفندى معاص.
مسجله: الشيخ أحمد عزوز حباط. كاتبه: محمد بن المرحوم وسى الفغبى غفر لهما" من أصله.
استعداده البحرى
كان المغرب على عهده لا تزال له مراكب بحرية تجارية وحربية تمخر العباب ويقتنص رؤساؤها مراكب الدول التي ليس لها عقد مهادنة مع المغرب، ولا جوازُ مرورٍ يُبيحُ لها حرية التجول بمياهه وعبور شواطئه، وكان له بتلك المراكب ورؤسائها مزيد اعتناء، وقد اهتم كثيرا بإرجاع القوة البحرية -التي أغفلها بل أهملها عمه أبو الربيع آتى الترجمة- إلى سابق عزها، وردها إلى شبابها.
فتطوف على الثغور المغربية أواخر سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف، وأمر بإنشاء الأساطيل وضمها إلى البقية الباقية من آثار جده أبى عبد الله محمد بن عبد الله، وأصدر أوامره لرؤساء البحر من العدوتين سَلا، والرباط، أن يخرجوا القراصين للتطوف بالسواحل المغربية وما جاورها، فخرج الرئيسان عبد الرحمن بركاش وعبد الرحمن بريطل، فصادوا بعض المراكب الأجنبية وليس بيدها ورقة الجواز التي تخولهم التجول بتلك السواحل طبق الاتفاق الواقع بين الدولة الشريفة والدول الأروبية، فغنموا تلك المراكب وأتوا بها إلى مرسى العدوتين والعرائش، وبأثر ذلك وقع الهجوم على مرسى العرائش أخذا بالثأر، ووقع قتال عظيم بين
стр. 2588
[صورة]
ظهير رحمانى بحيازة (اليطغان) التي كانت عند الرئيس عبد السلام
стр. 2589
أهل ذلك الثغر والمهاجم الأجنبى دام طيلة النهار، وانجلى بالظهور على الهاجم، وذلك يوم الأربعاء ثالث ذى القعدة عام خمسة وأربعين ومائتين وألف، وكانت هذه الواقعة وما نشأ عنها من فتح أبواب المشاكل بين الدولة الشريفة والدول الأجنبية من أعظم ما فت في عضد صاحب الترجمة، وأكبر حائل بينه وبين الوصول لبغيته وغايته وضالته المنشودة.
وقد عثرت على عدة وثائق في هذا الباب، فمنها ظهير يدل على استعمال تلك المراكب في نقل الأمناء ونصه بعد الحمد لله والصلاة والطابع:
"خديمنا الأرضى، الحاج محمد بن التهامى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فالأمينان الواردان عليك في المركب أنزلهما بمحل حذاء دارك وما معهما من الكمانية واستوص بهما خير إلى أن نقدم، فنحن في إثره فنهوضنا من ثغر الرباط الفتح يوم الاثنين تاسع شهر تاريخه، وإياك والتراخى في ذلك سددك الله، والسلام في ٨ شوال الأبرك عام ١٢٣٩ ".
وكان السلطان ينعم على رؤساء المراكب بـ (اليطغان) تشريفا لهم، وهو سيف قصير محلى بالفضة له قبضة من عاج أو كركدان مرصع بالذهب والأحجار الكريمة، وله غمد كله من ذهب، وقد يكتب على نصله اسم صانعه واسم السلطان المنعم به، وكان هذا اليطغان سلاحا ملوكيا ينعم به السلطان على رؤسائه ما داموا أحياء، فإذا مات صاحبه حيز من ورثته ليدفع لمستحقيه، يدل على ذلك هذا الظهير الذى أصدره المترجم ونصه بعد الحمد لله والصلاة والطابع:
"نأمر خديمنا الفقيه الحاج عبد الوهاب محبوبة، أن يحوز اليطغان التي كانت عند الرئيس عبد السلام ﵀، فإنها من آلة الحرب التي لا تورث،
стр. 2590
وإنما ينتفع بها من كانت عنده قيد حياته، وتدفع لمن يستحق الانتفاع بها بعد مماته والسلام وفى ٩ من جمادى الأولى عام ١٢٤٣".
وبعده إعمال بعض القضاة له، ونص كتاب من الوزير ابن إدريس في الموضوع:
محبنا الأود الأرضى، الحاج أحمد عواد، سلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير مولانا أيده الله ونصره.
وبعد: فإن يطغانا كان عند الرئيس عبد السلام بن الفقيه، ولما توفى حازه منه محبوبة، وعليه فيأمرك مولانا أن تحوزه منه ووجهه إلينا ليصل محله إن شاء الله تعالى والسلام في ١٧ شعبان الأبرك عام ١٢٥٦.
محمد بن إدريس لطف الله به"
وكان السلطان يصدر أوامره للرؤساء بما يكون عليه عملهم، وأين يتوجهون، وعمن يبحثون كما ترى في هذا الظهير الذى أصدره المترجم ونصه بلفظه بعد الحمد لله والصلاة والطابع الكبير بداخله (عبد الرحمن بن هشام غفر الله له) وبدائرته: ومن تكن برسول الله إلخ، وبزواياه: (وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) (الله، محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، علي).
"الخديمان الرئيس عبد الرحمن بريطل والرئيس الشريف عبد السلام، أصلحكم الله ووفقكم، وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فليكن سفركم المبارك السعيد المصحوب بالسلامة والغنيمة إن شاء الله ما مداش واحد تقطعون للبحر الكبير على قان سينط، وتبحثون كل البحث على جنس إبريمل، وجنس لويك وجنس ابروصية وجنس هنبورك، وإذا احتجتم للماء
стр. 2591
فادخلوا لجنوة، ولا تقيموا فيها أكثر من ثلاثة أيام ولا تحملون منها إلا الماء، وإياكم والفالطة وعليكم بتقوى الله والصلاة في وقتها وقراءة حزب القرآن وحزب البحر صباحا ومساء، والله خليفتى عليكم، وإذا تم سفركم وكمل بالخير إن شاء الله فادخلوا مرسى العدوتين إن ساعدتكم للدخول إن شاء الله والسلام في ٢٦ من قعدة الحرام عام ١٢٤١".
وقد اقتنص يوما الرئيس الحاج عبد الرحمن بركاش مركبا غنيمة، فتألفت لجنة لإحصاء ما احتوى عليه من السلع وتقويمها وبعد أن بيع منها ما بيع، ووجه للسلطان بعضها، كتب السلطان إبراء لأمناء العدوتين الذين تألفت تلك اللجنة منهم ومن أمينين تطوانيين وذمى من يهود تطوان وإليك نص ما راج في ذلك بلفظه:
"الحمد لله وحده بأمر مولانا الإمام، حامل راية الإسلام، سيدنا أمير المؤمنين، وناصر الملة والدين، المجاهد في سبيل رب العالمين طالع السعد في غرة عدنان، أبى زيد مولانا عبد الرحمن، نصره الله وأيده، وأيد عساكره وجنوده، آمين، أحصى أمناؤه بمرساه من العدوتين حرسهما الله بوجود مولانا أعزه الله وهم خديمه الحاج محمد السويسى والحاج بناصر غنام والحاج عبد الله السدراتى والأمينان الواردان بأمره الشريف أسماه الله من تطوان حرسه الله الحاج عبد الرحمن مدينة والحاج أحمد صالح والذمى شميل قرياط من يهود ملاح تطوان، ما احتوى عليه المركب المغنوم على يد رئيس سيدنا المجاهد "عبد الرحمن بركاش من السلع على اختلاف أنواعها وتعرفوا وزن ما يوزن منها، وعد ما يعد منها حسبما يذكر ذلك مبينا بتقويم الذمى قرياط المذكور بحسب سعر الوقت في أوائل ربيع الثانى عام ١٢٤٤: