فادخلوا لجنوة، ولا تقيموا فيها أكثر من ثلاثة أيام ولا تحملون منها إلا الماء، وإياكم والفالطة وعليكم بتقوى الله والصلاة في وقتها وقراءة حزب القرآن وحزب البحر صباحا ومساء، والله خليفتى عليكم، وإذا تم سفركم وكمل بالخير إن شاء الله فادخلوا مرسى العدوتين إن ساعدتكم للدخول إن شاء الله والسلام في ٢٦ من قعدة الحرام عام ١٢٤١".
وقد اقتنص يوما الرئيس الحاج عبد الرحمن بركاش مركبا غنيمة، فتألفت لجنة لإحصاء ما احتوى عليه من السلع وتقويمها وبعد أن بيع منها ما بيع، ووجه للسلطان بعضها، كتب السلطان إبراء لأمناء العدوتين الذين تألفت تلك اللجنة منهم ومن أمينين تطوانيين وذمى من يهود تطوان وإليك نص ما راج في ذلك بلفظه:
"الحمد لله وحده بأمر مولانا الإمام، حامل راية الإسلام، سيدنا أمير المؤمنين، وناصر الملة والدين، المجاهد في سبيل رب العالمين طالع السعد في غرة عدنان، أبى زيد مولانا عبد الرحمن، نصره الله وأيده، وأيد عساكره وجنوده، آمين، أحصى أمناؤه بمرساه من العدوتين حرسهما الله بوجود مولانا أعزه الله وهم خديمه الحاج محمد السويسى والحاج بناصر غنام والحاج عبد الله السدراتى والأمينان الواردان بأمره الشريف أسماه الله من تطوان حرسه الله الحاج عبد الرحمن مدينة والحاج أحمد صالح والذمى شميل قرياط من يهود ملاح تطوان، ما احتوى عليه المركب المغنوم على يد رئيس سيدنا المجاهد "عبد الرحمن بركاش من السلع على اختلاف أنواعها وتعرفوا وزن ما يوزن منها، وعد ما يعد منها حسبما يذكر ذلك مبينا بتقويم الذمى قرياط المذكور بحسب سعر الوقت في أوائل ربيع الثانى عام ١٢٤٤:
стр. 2592
[صورة]
стр. 2593
[صورة]
стр. 2594
[صورة]
стр. 2595
[صورة]
стр. 2596
[صورة]
стр. 2597
[صورة]
стр. 2598
[صورة]
стр. 2599
[صورة]
стр. 2600
[صورة]
стр. 2601
[صورة]
стр. 2602
[صورة]
стр. 2603
[صورة]
стр. 2604
[صورة]
стр. 2605
ومن أدلة اعتناء المترجم بالمراكب الحربية ما كان يوفده من البعثاث الفنية لتفقد أحوالها والكشف عنها واختبارها، كما يستفاد من هذا الكتاب الذى وجهه لحضرته بعض ولاته في أواخر عهده، ونصه من أصله المحفوظ بمستودع الأوراق الرسمية بالحضرة الشريفة من رباط الفتح بعد الحمد لله والصلاة:
"بعد أداء ما يجب على الخديم، من التبجيل والتعظيم، لمقام مولانا العلى بالله العظيم، أطال الله بقاءه، وأدام في معارج الفخر علاه وارتقاءه، ينهى لشريف علم مولانا المعتصم بالله أنه ورد عن أمر مولانا الشريف لهذا الثغر السعيد بوجود مولانا المعلم الغازى السلوى النجار حرفة (١)، والرايس الحاج عبد الرحمن بريطل الرباطى، واليكانجى الحاج أحمد بن سعيد النسب بقصد النظر إلى مراكب مولانا الجهادية واختبار أجفانها، وتوجهوا إليها مع معلم نجار من هذا الثغر السعيد وقائد مرساه ونظروها نظرا عاما، واختبروها اختبارا تاما، فألفوا المركب الذى صنع عن أمر مولانا ثبت الله أجره برباط الفتح راشى متلاشى لا يرجى نفعه لا في الحال ولا في المستقبل، ولا يصلح لصالحة وسلامته من الغرق في البحر محال والمركب الثانى والثالث حسبما أشير إليهما في الرسم الوارد بالعدول للحضرة
стр. 2606
الشريفة، يرجى إصلاحهما، لكن بعد ما تثنى قيمتهما المشتران بها، وهذا ما ذكر من ذكر في الرسم حسبما يطالع عليه مولانا ونظره أوسع، ورأيه الشريف السديد أنفع، وبما يأمرنا مولانا المعتز بالله عليه عملنا والسلام بأتمه معاد على الحضرة الشريفة.
وفى ثانى عشر ربيع الأول النبوى الأنور عام ١٢٦٨ مقبل العتبة الشريفة محمد بن عبد السلام وفقه الله" صح من أصلها المشار له صدره وقوبلت عليه فماثلته حرفا حرفا من غير إصلاح ولا زيادة ولا نقص.
ومن ذلك ما أفاده أبو القاسم الزيانى في كتابه المعنون بتاريخ الولاية، المحمودة البدء والنهاية -وهو من نفائس محتويات مكتبتنا- من شرائه مركبين حربيين وتعميرهما بالعساكر والمدافع، واختار لذلك من له رسوخ وثبات في الدين، وصارا يتجولان في البحر إلى أن انقض أحدهما على مركب إنجليزى وجده غير متأبط لورقة الجواز، وسار به إلى مرسى الرباط أسيرا، ثم لما اتصل الخبر بقنصل الإنجليز القاطن بطنجة، طلب من صاحب الترجمة أن يرد عليه مركبهم لأنهم مسالمون للسلطان قبله، واعتذر على عدم حمل المركب لورقة الترخيص في الجواز بأنه خرج من بلد ليس به قنصل يعطيه الورقة، وأن السنجق (العلم) يغنى عنها فلا تسمح القوانين والحالة هذه بأخذ ذلك المركب أسيرا.
ثم اجتمع قناصل الدول للنظر في القضية فسلموا عذر القنصل الإنجليزى وعضدوا ما احتج به، فسلمه المترجم لهم، وأسر المركب المغربى الآخر مركبا نامسويا، ولم يكن لهم عقد صلح مع الدولة المغربية، ولما اتصل بهم الخبر أنهضوا سفيرًا لطنجة يطلب رد مركبهم عليهم ويزعم أن باشدورهم متأهب للقدوم على الحضرة السلطانية متأبط لهدية من سلطانهم للمترجم لطلب عقد الصلح، واتخاذ قنصل لهم بطنجة، فأبى المترجم مِنْ رَدّ المركب، واحتج بأنه أخذ في وقت الحرب، فرجع ذلك السفير خائبا.
стр. 2607
ولما أخبر بذلك عظيم النامسة اشتد غيظه، ووجه مراكب قرصانية للاحتيال على قنص مركب من المراكب المغربية، فصار ذلك المركب القرصانى يتطوف بنواحى مياه المراسى المغربية، إلى أن رأى مراكب منها بمرسى العرائش فحدثته أطماعه بالقبض عليها، ولما قابلوا المرسى أنزلوا عددا من الجند بالبر وقصدوا المراكب السلطانية، لإخراجها من المرسى، فحال بينهم وبين ذلك أهل البلد والمجاورون لها، وأحاطوا بهم قبل وصولهم للمراكب واستأصلوهم قتلا، وقطعوا رءوسهم ووجهوا بها للحضرة السلطانية بفاس هـ.
وقد كان العمل جاريا بحمل المراكب المغربية التجارية للجوازات البحرية المشتملة على اسم الرئيس والمركب وعدد بحريته، وإليك مثالين أصدرهما المترجم لمركبين مغربيين اسم أحدهما أصيلة، والآخر ميمونة.
نص الأول بعد الحمد لله والصلاة والطابع الكبير بلفظه:
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وأحلى في الملأ الأعلى ذكره، بيد خديمنا الرئيس عبد السلام بن محمد بن الفقيه الشريف السلوى، يعلم منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، أننا أذناه بالسفر بقصد التجارة في مركبنا السعيدة البازركان المشتملة على صارى واحد المسماة ازيلة عدد بحريتها عشرة بالرئيس المذكور، ويخض إن شاء الله في البحر الصغير والكبير مشترطا عليه أن يشتغل في جميع أموره كلها بما يعنيه متحريا للأمور المذمومة المخلة بالدين، وأن لا يتعدى القانون المتعارف بيننا وبين أجناس النصارى، وأن لا يحمل في مركبه مثل الخمر والخنزير، فإن حملها (١) فقد تعرض لغضب الله ونكالنا بحول الله، وبعد قضاء أربه من المحل الذى حل به يئوب إلى أى مرسى من مراسينا السعيدة بالله تيسرت، كما نؤكد على من يقف عليه من حكام المدن من مدائن النصارى والقراسين ... وخدامينا، ولما نضاطس مراكب الحرب وحراسين المصالحين معنا أن
стр. 2608
يوقره ويحترمه، وأن لا يحدوا عما أبرمه أمرنا الشريف ولا يتعداه، وعلى الرئيس وبحريته بتقوى الله سرا وعلانية، والصلاة في أوقاتها، وربنا الفتاح، إنه على ما يشاء قدير، والسلام بهذا صدر أمرنا المعتز بالله في ١٤ ربيع النبوى الأنور عام ١٢٤١".
ونص الثانى:
"كتابنا هذا السامى بفضل الله وقدره، النافذ بإذن الله سبحانه نهيه وأمره، يتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، أنا أذنا في سفر المركب البازرقان الذى صورته سكوته في البحر ببنديرتنا السعيدة، وحمل ما يحمل من السلع وأنواع المتاجر البرية والبحرية، واسم المركب ميمونة، ورئيسه الحاج أحمد، وبحريته ستة، فالواقف عليه من رؤساء مراكب الأجناس المصالحين مع جنابنا العالى بالله يعظم قدره، ويرفع جانبه وخطره، ويجرى معه طرقة البحر على القوانين المقررة، والشروط المعروفة المحررة، من غير تعرض له بأذى ولا مكروه، في مذهب من المذاهب ولا وجه من الوجوه، وقوفا عند ما سطرناه، وعملا بما ذكرناه، صدر به أمرنا المعتز بالله في ٢٠ ذى القعدة عام ١٢٦٢ ".
ونص جواز آخر صدر للرئيس الحاج بناصر مرسيل الرباطى بالمرور بجنوة من إيطاليا بعد طابع المترجم الكبير من أعلى:
"إلى الولاة الذين في خدمة سردنيا وولاة الدول الأجنبية أن يسرحوا سبيل ماسكه لما بيده عند الحاجة وهو السيد الحاج بناصر مارسيل، الذى مسقط رأسه رباط سلا، الساكن هناك، الذاهب إلى مادرا، المصحوب بـ ... ... هذه المأذونية مطلقة مدة رحلته أعطيت إياه، نيابة عن سيادة جناب المفوض القنصل العام نائب القنصل بجنوة.
стр. 2609
عدد ١٦
أوصاف:
عمره ٣٥، القامة متوسط شعره أسود حاجباه أسودان، عيناه أسودان، الجبهة مرتفعة، الأنف متوسط، الفم مستدير، اللحية سوداء، الوجه مستدير، وعلى جبهته جرح برئ وكتب بجنوه في ٥ يوليو ١٨٢٩".
وكان المترجم قد أذن لسفراء الدول بطنجة في النيابة عنه في شأن الحجر الصحى على المراكب البحرية الواردة على مراسى المغرب وتسريحها على مقتضى القانون الدولى العام الجارى في ذلك، وقد أقر هذا العمل من بعده حفيده السلطان المولى الحسن ونص ظهير الإقرار:
"يعلم من هذا الكتاب الكريم، المقابل أمره السامى بالله بالإجلال والتعظيم، أننا بحول الله وقوته أقررنا جماعة نواب الأجناس المحبة الذين بثغر طنجة المحروس بالله تعالى على ما كان أقرهم عليه سيدنا الجد المقدس بالله من الإذن لهم في التصرف نيابة عن الجناب العالى بالله، في أمور السداد الذى هو التصرف في قبول المراكب التي ترد على المراسى ودفعها وجعلها في الكرنتيلة، وتسريحها على مقتضى قوانينها، وذلك في البحر فقط دون البر، لكونهم أعرف بتلك القوانين، وتكليف أسلافنا الكرام لهم بذلك دليل على محبتهم لجانبنا العالى بالله، وحرصهم على نفع الرعايا وضبط مصالحهم إقرارًا تاما نأمر الواقف عليه من عمالنا وولاة أمرنا أن يعمل بمقتضاه ولا يتعداه، صدر به أمرنا المعتز بالله في ٧ ربيع النبوى الأنور عام ١٢٩٦".
وحدثنى من وثقت بخبره أنه لما بويع المولى عبد الرحمن علق بعض الأجناس المجاورين للإيالة المغربية الاعتراف بسلطنته على إبطال القوة البحرية
стр. 2610
فامتنع، وبعد مراجعات وقع الاتفاق على بناء الأبراج بثغر الرباط، فأمر ببناء برج السراط، وبرج السقالة، وبرج الدار، وبرج القصبة والسقالة، ثم إن المترجم هو الذى أمر على وجه السر بتغريق الأسطول البحرى المغربى لأمر أوجبه.
علائقه السياسية
كان للسلطان المولى عبد الرحمن علائق ودية مع ملوك عصره وأمرائه المسلمين وغيرهم من الأوربيين، فقد راسل السلطان عبد المجيد الأول العثمانى، وخاطبه مهنئا ومعزيا، كما هادى عباس باشا الأول صاحب مصر، ولما توفى باى تونس وتولى مكانه المشير محمد باشا، راسل السلطان سنة ١٢٧١ معلنا تبوأه عرش الإمارة ومجددا عهد السلف، فأجابه المترجم بكتاب من إنشاء العلامة الأديب اكنسوس.
ولما توجه ولديه سليمان والرشيد للحج سنة ١٢٦٥ ركبا في سفينة إنجليزية ذهابا وإيابا، وأصحبهما هدية سنية إلى عباس باشا أمير مصر، قال صاحب الابتسام: إنها كانت تشتمل على خيل وسرج مذهبة وبغال فارهة، وتحف من طرائف المغرب، فكانا في ضيافته من يوم حلولهما في ثغر الإسكندرية إلى أن رجعا إليه مغربين، وقام بكل ما يحتاجان إليه من زاد ومركوب حتى وصلا لمكة، ومن مكة إلى الإسكندرية، وبعث معهما أبوهما صدقة للحرمين، وكان مدة السفر ذهابا وإيابا خمسة أشهر لخ.
وقد وقفت في مستودع الأوراق الرسمية بالدار العلية من رباط الفتح على رسالة كتبت للسلطان المترجم تدل على نوع من العلائق والاتصال مع على باشا والى مصر، جد عباس باشا المذكور، ونصها بلفظها بعد الحمد لله والصلاة:
"بعد تقبيل البساط بين يدى أمير المؤمنين نصره الله، ودام لنا وللمسلمين وجوده.
стр. 2611
وبعد: يكون في كريم علم مولانا أن الحاج عبد السلام اقلع الذى كنا وجهنا بالغنم للباش محمد على، فقد وصل مصر وتلاقى بالباشه ودفع له الغنم وفرح بها الباشه غاية حتى قبل واحد (كذا) من أولادها، وسأله عن مولانا وعن أمر المغرب، وقال له هل عند مولانا نضام (كذا) قال له نعم قال له المعلمين ... . مسلمون قال للكاتب أعطيه كتوب النضام و ... . فأعطاه كتب ٣٥ ومنهم واحد طيب جيد غاية وهذا الحاج عبد السلام يفهم في أمر النضام، نطلب من مولانا يعرفنا هل نبعث الكتوب أو نبعث معهما الحاج عبد السلام والباشه أعط للحاج عبد السلام سيف جيد وكسوة ملف ومات ريال.
وأما أمر الفرنصيص ما تحقق عندنا، لأن فرنصه لا زالت قائما وسلطانهم هرب هو وزوجته، ولم يتحاقق أين هو وزوج من أولاده وصل للنضره، وأولاده إلى كان في الجزاير هرب، ووصل إلى سبنيه ومنها ذهب للنضره ... . وصل للنضره بأولاده وفى فرنصه التفق أن لا يعمل سلطان، وإنما يعمل مثل المركان يحكمون أربعون، وقد نهب دار السلطان والوزير، والله يقوى شرهم ويصل مولانا موسطرت كرية جيده عددها ٢٠٠ نطلب من مولانا يأخذها منا مثل الذى قبلها سوم ١٥٠ للماه وثمانها يقطع مما بدمة شريكنا بهلال في سوير وربنا يدوم لنا وللمسلمين وجود مولانا نصره الله والسلام ١٠ من ربع الثانى عام ١٢٦٤ عبد ربه الخديم محمد الرزينى"، صح من أصلها وقوبلت عليه فماثلته حرفا حرفا ولحنًا وتحريفا وركاكة.
وقال في الابتسام لما ذكر ورود يوسف المدنى المتقدم الذكر: هو رجل أديب ورد من المشرق على حضرة الأمير سنة سبع وخمسين فأكرمه وبالغ في إكرامه، ولما أراد الرجوع للقسطنطينية رواده السلطان على أن يبلغ كتابا من حضرته إلى
стр. 2612
حضرة عبد المجيد خان والكتاب فيه التعزية والتهنئة، لأن ذلك كان عقب موت السلطان محمود خان وولاية ولده عبد المجيد خان، فلما صادف وروده وقوع الأمرين، رأى سلطاننا أبو زيد، أن من المناسب أن يبعث كتابا فيه التعزية والتهنئة رعاية للود، وحفظا لما تقادم من العهد، وكان يوسف قبل ذلك مقيما بدار الخلافة عارفا باصطلاحهم وما يناسب في حقهم ويعرف أعيان دولتهم، ويعرف الباب التي يدخل منها مع ما كان عليه من الأدب والذكاء وحدة الذهن ومعرفة القوانين الجارية عندهم، فيؤدى بسبب ما ذكر أحسن أداء، ويوفى البلاغ بأكمل وفاء، فلما دفع له الكتاب أخذه ومشى مكرما ثم رجع مرة ثانية بجواب الكتاب في سنة ثمان وخمسين فأنزله السلطان على الفقيه ابن إدريس فبالغ الفقيه في إكرامه، وإتحافه وعظم جانبه، وكان يلتمس في كل الأمور خاطره، ويكرم لأجله وارده وصادره، حتى سافر ثم رجع مرة ثانية بعد سنة فكرمه السلطان بمثل إكرامه في المرتين السابقتين هـ.
وأما أوروبا فقد كان له مع دولهما علائق ودادية سياسية تجارية ومخاطبات مع ملوكها ورؤسائها، وقد أقر معاهدات أسلافه معها وعدل معها ما عدل وأنشأ ما أنشأ:
فالدولة الفرنسية أقر سنة ١٢٣٩ اتفاق جده سيدى محمد بن عبد الله المعقود معها، وفى نفس السنة أذن بإصدار أربعة آلاف رأس من الثيران وثلاثمائة ألف قنطار من الشعير لتموين الجيش الفرنسى الموجود حينئذ بإسبانيا على سبيل الامتياز، ونص الاتفاق المنعقد في ذلك بين نائبى الطرفين بحضور القائد محمد أميمون الكروانى عامل طنجة:
"الحمد لله نسخة من الشروط في شأن وسق الثيران بين سيدنا نصره الله والنصرانى ويقطور وكذلك في شأن الشعير، وهذه هى: الحمد لله، عقدة شروط
стр. 2613
انعقدت بحضرة خديم المقام العلى بالله الأمجد الأسعد القائد محمد أميمون بين خديم سيدنا نصره الله، التاجر مير ابن مغنين في أمور التجارة مما هو مذكور في الأوامر الشريفة المقروءة على كافة قنصوات جميع أجناس النصارى حسبما بأيديهم نسخ منها بالعدول، وبين الرومى ويقطور وكيل ونائب العلاف الكبير على العساكر الفراصيصية وجيوشها، الذى هو الآن في بلاد إصبنول تحت سنجق الفرانصيص بواسطة فونصو الفرانصيص وهو الرومى صرد المقيم في الوقت تحت إيالة مولانا المنصور بالله اتفقا عليها على ما سيذكر:
الشرط الأول:
سرح مير ابن مغنى المذكور بأمر سيدنا نصره الله الذى هو في يده للرومى المذكور أربعة آلاف رأس من الثيران وثلاثمائة ألف قنطار من الشعير بميزان الغرب على شروط المبينة بعد.
الشرط الثانى:
التزم الرومى المذكور بأن يدفع هو إن كان حاضرًا أو يترك نائبه إن كان غائبا بعد وسق الثيران المذكورين اثنى عشر ريالا صاكة، لكل رأس منها لمن يأذن مولانا نصره الله، وبعد وسق الشعير المذكور نصف ريال لكل قنطار من القناطير المذكورة صاكة لمن يأذن أيضا مولانا نصره الله.
الشرط الثالث:
إن وسق ما ذكر يكون بالمراسى المبينة بعد وهى مرسى تطوان والعرائش وطنجة على رضا الرومى المذكور أو نوابه.
الشرط الرابع:
إن الرومى المذكور يدفع في الشهر الذى يقدم فيه أمر سيدنا نصره الله باستحسانه لجميع ما سطر صدره عشرين ألف ريال من حساب وسق الثيران
стр. 2614
والشعير، حسبما في الشروط الأول، ويقتطع عند وسق ما ذكر من العدد المذكور قدر ما يلزم في الوسوق قل أو جل، على حسب التوالى حتى يفرغ المال المدفوع.
الشرط الخامس:
إذا خرجت جيوش الفرنصيص من بلاد الأندلس فقط قبل تمام وسق ما ذكر فالرومى ويقطور المذكور له الخيار بين أن يكمل الوسق المذكور بجميع شروطه المذكورة أو يتركه، وإذا كان قد بقى شئ من العدد المدفوع فإما أن يسبق فيه الثيران والشعير أو يسبق برضا سيدنا نصره الله. الشمع بتسع ريالات للقنطار صاكة أو الجلد بثلاث ريالات صاكة، وإذا لم يرض سيدنا أيده الله بذلك فيأخذ دراهمه الباقية ووسق الثيران والشعير من الباقى المدفوع كما ذكر يكون بالصاكة المذكورة قبل.
الشرط السادس:
التزم على نفسه خديم مولانا المنصور بالله مير بن مغنين المذكور بأن ييسر لرومى المذكور جميع ما يحتاج إليه من المواجب التي يسبق في سائر المراسى المذكورة، على حسب ما بيده من إذن سيدنا ومولانا نصره الله، ويبذل جهده في ذلك حتى لا يتعسر عليه شئ في الوسق المذكور، ويكون العمل على الشروط المذكورة من غير أن يتعرض له أحد، ويشرع الرومى المذكور في عمل الشروط من يوم تاريخه.
الشرط السابع:
إن هذه الشروط المذكورة المجعولة مع الرومى المذكور في الوسق المذكور إنما هو للفرانصيص الذين ببلاد إصبانيا لا لغيرها من بلاد الأجناس الآخرين، على هذا انعقدت هذه الشروط المذكورة بين الرومى وبين مير المذكورين، فمن حضر
стр. 2615
[صورة]
اتفاق مير بين مغنين و (فكتور) ... بواسطة قنصل فرنسا على وسق الثيران والشعير من المغرب
стр. 2616
العقد المذكور قيده شاهدا به عليهما في الثانى والعشرين من ربيع النبوى الأنور عام ١٢٣٩" عبد ربه تعالى أحمد بن محمد الرفاعى لطف الله به آمين، وبعده طابع خديم مقام العالى بالله محمد بن ميمون الله وليه وبعده خطوط اليد النصرانى المذكور وقنصو الفرانصيص وخليفته، وكذلك خط اليد خديم المقام العالى بالله مير بن مغنين المذكور بالكتابة بالرومى" وبعد ذلك ختم باللَّك الأحمر وخط إفرنجى.
وقد أرسل إليه الملك لويس سفارة برياسة الكونت (دومرنى) لتجديد روابط الوداد واستتباب الأمن بين الدولتين فوصلت في ١٥ مارس سنة ١٨٣٢ م لمكناس، وكان استقبال السلطان للسفير في ٢٢ من الشهر وهو يومئذ بمكناس، وكانت مطالب الملك المذكور محصورة في رسالة منه، وهى التخلى عن تلمسان واسترجاع ابن العامرى والتزام الحياد التام في مسائل داخلية الجزائر وإرجاع الوفد الجزائرى الذى كان إذ ذاك بمكناس، وأداء قيمة السلع التي كانت بسفينة (نيبتون) التي حرثت أمام وادى نول سنة ١٨٢٠، وحصر واجبات المعشرات بالديوانات ما بين الدولتين، وبقيت المفاوضة جارية بين السفارة والملك بواسطة الوزير المختار الجامعى، والطالب ابن جلول إلى رابع إبريل، وكانت النتيجة عدم اعتراف السلطان بمسئولية ما ضاع في تلك السفينة، حيث كان ذلك في دولة السلطان قبله، كما أنه لم يساعد على الاتفاق الجمركى، وكتب رسالة رسمية إلى لويس فليب التزم فيها استرجاع محمد بن العامرى بعد ما أنكر أعماله السيئة، وأن لا يوجه رسلا إلى الجزائر ما دامت تحت حكم الاحتلال الفرنسى، وأن لا يكلف أوربيا بشئون المغرب في الجزائر وتخلى عن تلمسان، ورد الوفد الجزائرى الذى كان بمكناس بدون نتيجة.
стр. 2617
ثم إن الملك لويس المذكور استدعى قنصله بالمغرب وأقام (ميش) قنصلا مكانه وكتب للمترجم بذلك فأجابه بما نصه بعد الحمد لله والحوقلة:
"من عبد ربه الراجى عفوه ولطفه ومعونته ورفده، اللاجئ إلى حوله وقدرته في كل الأحيان، المتمسك بحبل قدرته العظيمة الشان، وهو (الطابع الكبير بداخله عبد الرحمن بن هشام الله وليه): أبد الله سعوده، وأصحب النصر والظفر والتأييد أعلامه وبنوده، إلى المحب الذى بان صدق وداده، وتوفرت دواعى مواصلته ومعاونته وإنجاده، عظيم جنس الفرانصيص لوى فيليب.
أما بعد: فقد وافانا كتابكم الآخذ من البلاغة أوفر نصيب، وعلى كمال عقلكم شاهد غير مريب، فقد أحيا رسوم الوداد، وأكد جميل الاعتقاد، فاعلم بأن الوداد لا زال بمحله طالبين من تعاطى أسبابه المزيد عليه، وقد وصل القونص الذى وجهتم ميش ليكون مكان القونص قبله فتلقيناه بالقبول، وألبسناه رداء عنايتنا المسدول، وخصصناه بين القونصوات بمزيد الحظوة والشفوف، لثنائكم عليه بما هو به لديكم موصوف، ووجهنا ذى لبرط بيش قونص القديم المكث بإيالتنا مكروم الجثاب لأجلكم، وهذا هو شأن الأحباب، والسلام في ٦ ذى القعدة الحرام عام ١٢٤٨" من أصله المحفوظ بقسم المغرب من وزارة الخارجية الفرنسية.
وفى ٢٧ يوليو عام ١٨٣٦ ورد على المولى عبد الرحمن الكرونيل (دولارو) سفير ٢ والسلطان يومئذ بمكناس مذكرا في معاهدة مرنى السالفة ومحذرا ومنذرا في موالاة الأمير عبد القادر، وطالبا كف رعاياه عن الانضمام للمذكور وإلزامهم الحياد، وإلاّ يُعدّ ناقضا للعهد فيؤذن بحرب.
وطلب الإمضاء على شروط سبعة، منها: الاعتراف باستيلاء فرنسا على الجزائر، وملازمة الحياد، وأن يمنع الجزائريين من الالتجاء للمغرب، وأن تطلق حالا سراح الأسارى الفرنسيين الذين بالمغرب، وإلا فإن فرنسا تجاهر بعداوته، وتهجم على مراسى إيالته.
стр. 2618
[صورة]
كتاب رحماني إلى لويس فيليب ملك فرنسا بوصول القنصل (ميش) وقبوله
стр. 2619
[صورة]
كتاب رحمانى للويس فيليب باعتماد (دينيوق) قنصلا لفرنسا
стр. 2620
وكانت مقابلة السلطان لهذا السفير واستلامه منه أوراق مأمورية سفارته في ٣٠ يوليو.
وكان جواب السلطان أن له الرغبة في مسألة فرنسا، وعين له محمد الطيب البياز للمفاوضة، وبعد انتهاء المفاوضة وفق ما أمل السفير بارح الحضرة المكناسية موليا وجهه للمحل الذى جاء منه في غشت.
ثم استدعى القنصل المذكور وحل محله اسمه (دينيون) وكتب الملك للسلطان باعتماده وكيلا فأجابه بما نصه بعد البسملة والحوقلة:
"من عبد الله المتوكل على الله، المعتصم بالله أمير المؤمنين بالمغرب الأقصى الشريف العلوى الحسنى وهو الطابع بداخله (عبد الرحمن بن هشام الله وليه): أيد الله عساكره وجنوده، ونصر أعلامه حيثما توجهت وبنوده، إلى وحيد عصره، وفريد مصره، المتميز بخصوصية نفسه، على أبناء جنسه، المحب الودود، المحافظ على العهود، لويز فيلب عظيم جنس الفرنصيص.
أما بعد: فقد وافى حضرتنا العلية بالله كتابك، وعرفنا ما تضمنه خطابك، وعلمنا ما أنتم عليه من رسوخ المودة وجميل الاعتقاد، والجرى على سنن الوفاء في الإصدار والإيراد، فنحن بحول الله وقوته في حسن الوفاء بالعهود والمحافظة على الشروط فوق ما تظنون، وفى الوقوف على الحدود، واتباع السبيل المعهود، أكثر مما تؤملون، إذ نحن أولى برعى الذمام، وأحق بالمحافظة على الألفة والالتئام.
وما أنهى إليكم الخديم ميشن من الاعتناء به فكل من ورد لإيالتنا، واستظل بظل رعايتنا، لا يرى إلا ذلك وزيادة عموما، وخصوصا جنسكم فإنه آثر الأجناس لدينا لقديم عهده ووصلته، وتحببه لجانبنا العالى بالله تعالى ومودته، والخديم دينيون الذى وجهتم للخدمة بإيالتنا السعيدة واخترتموه للوساطة بين الدولتين بعد
стр. 2621
التجربة والاختبار قد أمرنا بمقابلته بالمعروف، وإجرائه على المنهج المألوف، وهو عندنا في محل الثقة فيما ينهى لحضرتنا الشريفة من أمور دولتكم إن شاء الله تعالى، ونسأل الله أن يكون مثل الذى قبله أو أفضل، ومن عنايتكم بجانبنا واهتمامكم بإيالتنا لا توجهون لخدمتنا من حاشيتكم إلا أهل العقل والرزانة وذوى الجد والحذق، ليسعوا في الألفة بين الإيالتين ويحسنوا الوساطة بين الدولتين، والعاقل لا يوجه إلا عاقلا مثله، ولا يرشح للمهمات إلا شكله، انتهى، وكتب في حمراء مراكشة صانها الله في تاسع عشر ذى القعدة الحرام عام ١٢٥٥" من أصله المحفوظ بوزارة الخارجية.
وبعد وقائع الحدود الجزائرية المعروفة وما تلاها من ضرب الثغور وعظائم الأمور، فوض السلطان عامله أبا سلهام بن على ازطوط العرائشى في عقد المهادنة والرجوع إلى الصلح، وكتب السلطان لباشا مكناس القائد الجيلانى بن بوعزة يقول: وبعد فقد كلفنا خديمنا الطالب بوسلهام بن على بعقد الصلح والمهادنة مع جنس الفرانصيص، لرغبته في ذلك وحرصه عليه، فكتب لنا أنه تم عقد الصلح معه وطلع قونصهم لداره بطنجة، وأطلع سنجق جنسه، ومن جملة ما شرط عليهم الخروج من الجزيرة ورد الأسارى للصويرة، وأعلمناك لتكون على بصيرة والسلام في ٢٨ شعبان الأبرك عام ١٢٦٠".
ونص معاهدة ازطوط المشتملة على فصول ثمانية بلفظها بعد الحمد لله والحوقلة:
"هذا تقييد الشروط الذى ينعقد عليها أمر الصلح والمهادنة بين سلطان مراكش وسوس وفاس، وبين سلطان الفرنصيص أن خاطر الجانبين لا يكون في هذه الشروط المذكورة تحت، إلا بانفصال ما وقع بين الدولتين أن يتجدد بينهما
стр. 2622
الصلح والمهادنة حسبما هو مقتضى الشروط المنعقدة بين أسلافهم وقطعتهم ساعة الحرب، وسلاطين الجانبين أمروا نيابهم المكلفين بأمورهم:
فمن جهة سلطان المغرب وهو الفقيه سيدى أبو سلهامة بن على المفوض إليه من جانب سلطانه الموقع بينهما الفصال:
وحق جهة سلطان الفرنصيص هو المسمى انطوان مارى واقيل دورى دنيون اوفسيال نيشان افتخار كابليو من نيشان السبيل من دولة الصبنيول وغيره نائب قونصو خلنار، ونائب سلطانه بإيالة المغرب مع المسمى لويز شاول أى دكاز كونت، وكازد كرنى دكلو كبسرت كباليرنيشان افتخار أمير نيشان دانبرك من سلطان دينمارك ومن نيشان كارلوس الثالث من دولة الاصبنيول وغيره نائب سلطانه بإيالة سلطان مراكش:
الشرط الأول:
فعساكر سلطان مراكش المجتمعين لغير عادة في الحدود أو قريب منها يأمر عليه بالتفريق في الحين سلطان مراكش، ويأمر الآن أن يقطع اجتماعها في ذلك النواحى ولا يبقى بها أثر من عدد ألفين من الرجال الذى يلزموا في تقدير الصلح وحفظ المحادة، وإذا كان لزم لسلطان مراكش المغرب زيادة عدد من الجيش بذلك النواحى فيعرف به سلطان افرنصة حتى يتفق أمرهم على ذلك ويفعل.
الشرط الثانى منها:
هو أن يأمر سلطان المغرب بالمعاقبة لقواده الذى حاربونا أو تركوا من يحاربونا في إيالتنا في وقت الصلح، وتعدوا على جيش الفرنصيص، وأن يخبر لفقائهم سلطان مراكش لسلطان الفرنصيص.
стр. 2623
الشرط الثالث:
هو أن سلطان مراكش يتضمن بأنه لا يأمر بإعانة أحد من رعيتنا الذى يقوم علينا، وكذلك لا يعين أحدًا ممن هو من أعدائنا في بلدنا ولا بموطن، ولا يترك من يعطى من آل رعيته لعدونا سلاحا ولا شيئا من آلات الحرب.
الشرط الرابع:
فالحاج عبد القادر بن محيى الدين هو خارج عن حكم الشريعة في إيالة المغرب وإيالة الجزائر، فعلى ذلك يضربون عليه في بلادهم، وكذلك إذا هو في إيالة سلطان مراكش، فرعيته يضربون عليه بالبارود حتى يطردونه ويخرجونه من بلادهم، وإذ تقبض به واحد من الجانبين، فإذا كان من تحت يدى الفرنصيص فيتضمن سلطان افرانصة بأنه يتكرم عليه ولا يضره، وإذا كان تحت يدى جيش سلطان المغرب فيأمر بإرساله إلى مدينة من مدائن السواحل من نواحى المغرب حتى يصير بين الدولتين الاتفاق في شأنه، لئلا يتجدد من جهة الحرب مرة أخرى معنا، وكذلك لئلا يقطع الصلح مع المهادنة المقيمين بين الدولتين.
الشرط الخامس:
أما الحدود التي بين المغرب وإيالة الجزائر فيبقوا ولابد مثلما كانوا معلومين ومعروفين من المغرب في عهد تولية التي لك على أرض الجزائر، وعلى أن يجرى الأمر في هذا الشرط فيسموا أمر الجانبين نوابا، ويأمرونهم بالمسير إلى هذه الحدود ويحصرونهم هناك، ويتفاصلوا بينهم في ذلك، ويجعلوا شرطا مخصوصا على هذه الحدود، ولازم سلطان المغرب أن يرضى في هذا ويخبر لسلطان الفرانصيص بما فعل في هذه النازلة.
стр. 2624
الشرط السادس:
وفى الحين الذين يصنعون النواب المكلفين بأوامر سلطانهم طوابعهم على هذه القوانين فتقطع العداوة بين الدولتين، ولا يبقى بينهما قتال، وكذلك في الوقت الذى يجرى فيه سلطان مراكش الأمر بالوفاء هذه القوانين ونعاينوا الوفاء ويرضى سلطان الفرنصيص في الحين ذلك يخرجون الفرنصيص من جزيرة الصويرة، وكذلك من وجدة وعزما يردون الأسارى الذين بين الدولتين.
الشرط السابع:
والمراد هو أن النواب من الدولتين يصير الاتفاق بينهم على عقد شروط جديدة على وجه جميل وفى وقت قريب، وإن تأسس على الشروط السابقة المقررة بينهم وأسباب تجديد عقدة الشروط هو لزيادة التقوية والتكميل، وذلك على مقتضى الخير من الجانبين والنفع في التجارة، ومن الآن إلى أن يتجددوا هذه الشروط فتبقى هذه الشروط المتقدمة موقرة محترمة في كل شئ، وجنس الفرنصيص في كل شئ وفى كل حالة يكون مقبول بالأنعام والمحبة كما هو الجنس العزيز من سائر الأجناس.
الشرط الثامن:
هو أن سلاطين الجانبين يرضوا ويكون منهم الوفاء في هذه القوانين المذكورين، وفى نسخة منهم بطابع سلطان المغرب يأخذها سلطان الفرنصيص ونسخة أخرى بطابع سلطان أفرانصة يأخذها سلطان المغرب، ولابد ولابد في كون هذه مدة من شهرين أو أقل إذا يمكن، والنواب المذكورين يصنعون من الآن تحتها طوابعهم وأسماءهم وهذا في تاريخ ١٠ من شهر شتنبروا في سنة المسيح ١٨٤٢ الموافق في دى ٢ من شعبان الأبرك من سنة الهجرة عام ١٢٦٠" صح من أصله المحتفظ به بالمكتبة الزيدانية على ما به من تحريف وركاكة.
стр. 2625
ثم تلا هذه المعاهدة اتفاق آخر بشأن تحديد الحدود حسبما أشير إليه في الشرط الخامس مما تقدم، وقد ناب عن الفريقين في عقده القائد حميدة الشجعى.
"الحمد لله وحده ولا يدوم إلا ملكه، هذا تقييد اتفق عليه نائب سلطان مراكش وفاس وسوس الأقصى، ونائب سلطان الفرنصيص وسائر مملكة الجزائر، فمراد السلطانين هو تصحيح عقد المحبة السابقة وثبوتها، ولذلك ترى كل واحد منهما يطلب من الآخر الوفا بالشرط الخامس في مكتوب الصلح المنبرم ١٠ شتنبر ١٨٤٤ عام من تاريخ المسيح ومصادقا لتاريخ ٢٥ من شعبان ١٢٦٠ سنة من الهجرة، وعين كلا السلطانين نائبه على تحديد الحدود بين الإيالتين وتصحيحها نيابة تفويض، فنائب سلطان المغرب هو الفقيه السيد حميدة الشجعى عامل بعض مملكة المغرب، ونائب سلطان الفرانصيص وهو الجينرال اريسطيد يزيدور كنت دلاروا وصاحب نيشان الافتخار دولة الفرانصيص، ودولة صبانية، فبعد الملاقاة بينهما وإتيان كلاهما برسمى التفويض من سلطانه، اتفقا على ما فيه مصلحة الفريقين، وجلب المحبة بين الجانبين وها هو مذكور أسفله:
الشرط الأول:
اتفق الوكيلان على إبقاء الحدود بين إيالتى المغرب والجزائر كما كانت سابقا بين ملوك الترك وملوك العرب السابقين، بحيث لا يتعدى أحد حدود الآخر، ولا يحدث بنا في الحدود في المستقبل، ولا تمييزا بالحجارة بل تبقى كما كانت قبل استيلا الفرانصيص على مملكة الجزائر.
الشرط الثانى:
عين الوكيلان الحدود بالأماكن التي في ممر الحدادة وتراضيا عليها، بحيث إنها صارت واضحة معلومة كالخيط، فما كان غربى الخط يعنى الحد فلإيالة مملكة المغرب، وما كان شرقى الحد فلإيالة مملكة المشرق.
стр. 2626
الشرط الثالث:
ذكر مبدأ الحدود والأماكن التي تمر عليها الحدادة، فمبدؤها ملتقى وادى عجرود مع البحر واصعد مع الوادى إلى أن تبلغ المشرع المسمى كيس، وسر كذلك مع الوادى إلى أن تبلغ رأس العيون الكائنة بحجر الكديات الثلاثة المسماة مناصب كيس، وهذه الكديات الثلاثة داخلة في الحد الشرقى، وسر من رأس العيون من الحمار إلى أن تبلغ دراع الدوم واهبط إلى الوطا المسمى الأعوج، وسر كذلك وحوشى سيدى عياد كالمقابل لك غير أن الحوشى بنفسه يبقى داخل الجهة الشرقية نحو الخمسمائة ذراع، وسر كذلك إلى جوف لبارود الكائن بوادى بونعيم، ومنه إلى كركور سيدى حمزة، ومنه إلى زوج البغال، وسر منه مياسر البلد الطلح إلى سيدى الزهار المعلوم للأعملة الشرقية، ومنه سر مع الطريق الجادة إلى عين تقبالت التي هى بين الواردة والربوجتين المسماتين بالتوميات المعروفتين لإيالة المملكة المغربية، واصعد من عين تقبالت مع واد روبان إلى رأس العصفور، وسر كذلك مع الكاف واترك شرقا قبة سيدى عبد الله بن محمد الحمليلى وغرب مع ثنية المشاميش، وسر كذلك غير مشرق وغير مغرب إلى أن تبلغ قبة سيدى عيسى الكائنة بمنتهى طرفى مسيون والقبة وحرمها داخلان في إيالة المملكة الشرقية، وسر مستقبلا من القبة المذكورة إلى أن تبلغ كدية الدباغ وهى تمام حد التل، ومنها سر مستقبلا إلى أن تبلغ خنيف اللحدا، ومنه إلى ثنية الساسى المعلومة لإيالة المملكتين والحدادة المذكورة من البحر إلى الصحرا من تمامها.
ذكر الأرض الملاصقة للحدود شرقا، وذكر القبائل النازلة بها، فأول الأرض والقبائل أرض بنى منقوس التحاته واعطيه الذين هم لإيالة المغرب، ومنزلهم أرض إيالة مملكة المشرق، وسبب نزولهم واقعة وقعت بينهم وبين إخوانهم الغرابة فانهزموا فالتجأوا إلى المنازل التي هى سكناهم الآن، ولا زالوا يتصرفون في المنازل
стр. 2627
المذكورة بالْكِرَا، مِنْ من مالك إيالة المملكة الشرقية إلى الآن وحتى الآن، لكن تكرم وتبرع النائب عن سلطان الفرانصيص على نائب سلطان المغرب بالوظيفة التي تؤديا هاتان القبيلتان المذكورتان لسلطان العملة الشرقية، فلا يطالبون بقليل ولا كثير ولا جليل ولا خطير، رغبة في الاستيلاف وإبقاء للمحبة، وجلبا للمودة بين الفريقين مدة الخير والصلح والمهادنة وضيافة من النائب المتبرع المذكور على السيد النائب عن سلطان المغرب المسطور، ثم يجاور تراب الفرقتين المذكورتين تراب مسيردة والأعشاش وأولاد ملوك وبنى بوسعيد وبنى سنوس وأولاد أنهار، فهذه القبائل الستة من جملة عملة الجزائر.
وكذلك ذكر الأرض الملاصقة الحدود غربا، وذكر القبائل النازلة فيها، فأول الأرض والقبائل، أرض أولاد منصور، أهل تزيفة، وبنى يزناسن، والمزاوير، وأولاد أحمد بن إبراهيم، وأولاد العباس، وأولاد على بن طالحه، وأولاد عزور وبنى بوحمدون وبنى حمليل وبنى مطهر بوحمدون وبنى حمليل وبنى مطهر أهل رأس العين وهو لا القبائل بمنازلهم لعملة المغرب.
الشرط الرابع:
أن أهل الصحرا لا حد فيها بين الجانبين لكونها لا تحرث، وإنما هى مرعى فقط لعرب الإيالتين التي تنزل فيها وتنتفع بخصبها وماها، ولكلا السلطانين التصرف في رعيته بما شاء، وكيف شاء، من غير معارض إن امتازت، وإلا فمن أراد إحداث أمر في رعيته حالة اختلاطها برعية غيره فليكف عن غير رعيته ويحدث في رعيته ما يشاء.
فالأعراب الغربية هما المهايه وبنى قيل أولاد سيدى الشيخ الغرابة وعمور الصحرا وحميان الجنبة.
والأعراب الشرقية هم أولاد سيدى الشيخ الشرافة وكافة حميان من غير حميان الجنبة.
стр. 2628
الشرط الخامس:
في تعيين قصور إيالة المملكتين في الصحرا فعلى الملكين اتباع الطريق السابقة وتوقير أهل هذه القصور رعيا لجانب المقامين، أما قصور فجج وقصر بيش فلعمالة المغرب، وأما العين الصفرا وسفيسفة وعلة وتيوت وشلالة والأبيض وبوسمغون فللعملة الشرقية.
الشرط السادس:
أن الأض التي هى قبلة قصور الفريقتين في الصحرا لاما فيها فلا تحتاج للتحديد لكونها أرض فلاة.
الشرط السابع:
أن جميع من التجأ من رعية الفريقين إلى الآخر فلا يرده من التجأ إليه لموضعه، حيث أراد البقاء بملتجئه، وإلا فمن أراد الرجوع لموضعه فلا يتعرض له عامل ولا غيره، وحيث عزم على البقا فيبقى تحت حكم عامل المكان الملتجأ إليه، ويكون آمنا في نفسه وماله احتراما من السلطانين بعضها بعضا.
وهذا الشرط لا تدخل فيه القبائل الذين عملتهم مبينة في الشرط أعلاه، وغير خفى أن الحاج عبد القادر ومن في حزبه غير داخل في هذا الشرط، لأن دخوله فية موجب لبطلان الشرط الرابع في مكتوب الصلح المنبرم ١٠ شتنبرو سنة ١٨٤٤، فإن العمل والوفا به من أهم الأمور الموجبة لنفوذ كلمة السلطانين، وتصحيح المحبة، وإبقا المودة بين الدولتين، والألفة بين الجانبين، فبعد المطلوب من السلطانين الرضا بما ذكر أعلاه والوفا به، ولابد من كتب نسختين لتقييد الشروط المذكورة، فتطبع نسخة منهما بطابع سلطان الفرانصيص، ويأخذها سيادة
стр. 2629
[صورة]
معاهدة الحدود الجزائرية المغربية المنعقدة بين القائد حميدة الشجعى نائب المغرب والكونت دولارو نائب فرنسا