← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مشرفة على حمى حمرية ... ذات المعانى والحلى والحلا تالله ما أبصر طرف مثلها ... في الكون طرا قط منذ نشا يكاد زيتها يضئ في الدجى ... من قبل أن يمسه جمر الغضا صفوفها جند لحاضرتها ... يحرسها ممن بغى ومن طغا محتميا بعلمى ورزيغة ... ذات السرور والحبور والهنا تأمل في أبى السلو إذ جرى ... مسبحا لله في در الحصا كسا الرياض حللا من سندس ... فسجدت لله شكرا للحبا حلى السواعد سوارى ذهب ... والساق خلخالى لجين قد صفا يغشى عيون الناظرين نورها ... من كل لون مشرق يذكى الحجا بالبنفسج زها بزرقة ... على يواقيت الشقيق وازدهى فانتصر الورد له لمرحم ... فسليا لسانه من القفا وصعد النرجس فيه طرفه ... أطراق كرا إن النعام في القرى فطأطأ الرأس صغارا وانثنى ... وأظهر الخجلة سنه واستحا شأن من طغى تجبرا ... لا بد أن ينبذ يوما بالعرا وأظهر الخيرى خيرا في الضحى ... وهو يشرق إذا الليل سجا مختفيا من الرقيب في الدجى ... وشانه النمام خبرا ففشا حروف خط فوق طرس أخضر ... مرصع جاءت لمعنى معتما أصل زكا فرع زها زهر ذكا ... نهر سلا روح جلا ظل ضفا تنازع الأذن العيون غبطة ... فيها إذا سجا الحمام أو شدا جنتها الدنيا التي قد زخرفت ... لمن أقر نفسه على الهوى

стр. 282

هوى لكن محجوبة في خدرها ... تحن للعشاق أرباب النهى أطرق طرف الشمس منها خجلا ... وربما غاب بسحب كالدمى فكم رشفنا ثغرها بمحضر ... من خلها الذى إليه تنتما وكم أدارت كاس أنس في الدجا ... حتى بدا وجه الصباح وانجلا وسبحت كأس ببحر من طلا ... ملتطم برشف ريق قد شفا أم الكنوز قد حوى مالكها ... من الكنوز الفاخرات ما حوا أم العشير حولها تفخر في ... حللها على بنى موسى الرضى وما رعت ذمام قصر مَرِض (١) ... ولا ذمام قصر (٢) يكدر السها بل رغبت عنهم عساها أن ترى ... وجه العروس كى تفوز بالمنى لله ما أبهى محياه الذى ... جماله في كل عين قد حلا يحن شوقًا لجنان العافية ... شغفه الوهاد منه والربا وما استوى إلى مياه ملك ... فباب ريح اليمن منتهى الحمى محل أنس الغانيات في الضحى ... ومربع الظبا ومرتع المها فالنور منه شاخص كمقلة ... من ذهب إنسانها مسك ذكا يهوى شباب الشمس غضا ناضرا ... دابا ويذيل إذا الشبيب عرا ويحه أحرق حشاه حبها ... فصار أحوي من تباريح الجوى كأن أرضه سماء قد بدلت ... نجومها مشرقة وقت الضحى وحوله الرياض قدما قد محت ... رسومه أيدى الزمان فانمحى أين البروج والحصون حو ... والمسجد الأسمى السنى المبتنا

стр. 283

أودى بها الدهر الديهار إن في ... ذاك لآية لأرباب النهى فيا لها من آية دلت على ... أن ليس يبقى غير من له البقا لا تعجبن ما دمت حيا يا فتى ... من كدر الدهر إذا هو سطا ما أبررت إلا حقيق نعتها ... لكن على غير منعوتها جرى ما زال يوم الأربعاء يذكرنى ... وحال هذه المغانى في الصبا على أنى في رتبة تسمو السها ... أحبر في روض العلوم والعلا أحرر النقل بذهن ثاقب ... ليلا وعند الصبح يحمد السرى فأحكم الدرس بقول رائق ... يملى على كل ضمير ما نوى أطواراً أطرب لحل مشكل ... وربما أنصب مما قد زوا مشمرا عن ساعد الجد وقد ... ساعدنا الجد بكل مبتغى ممتطيا ذرى المعالى دائما ... وقصد من شيمته العلو العلا موفقا بالله مهديا به ... مؤيدا بنصره كما أشا فقل لمن رام لحاق رتبتى ... شتان ما بين الثريا والثرا وهل ينال المجد يوما من ونى ... أم هل ينال الرشيد يوما من غفا بل ذاك محض فضل ربنا الذى ... أعطى العبد كل شئ فهدى ظنوا بأنى قلق وما دروا ... أنى امرؤ عن موقف الذل نأى والحر يستف الثرى ولا يرى ... عليه فضل أحد من الورى همته بالله لا بغيره ... بالله أخذه وبالله العطا ومن تمام فضله عليه أن ... منع ما أطغى وأعطى ما كفى أحمده حمدا يوافى ما حبا ... غير أن لا أحصى عليه من ثنا اهـ. كما وجد.

стр. 284

وقول بعض نبغاء الثغر التطوانى متوجا أوائل الصدور بما لفظهه "مكناسة حسناء": مكناسة الزيتون فردوس الدنا ... تزهو بهجتها على الزوراء كلفت بها النجم المنيرة فانثنت ... سكرى بها تدنو إلى البطحاء نور الغزالة مستمد جمالها ... حصباؤها در ترى للرائى أبناؤها أهل الذكاء سجية ... أهل السخا يسدون للغرباء سيما التمدن في جباههم فهم ... بين الورى كالشامة البيضاء تختال من رقص البلاغة ألسن ... لهم كميس الغادة العذراء حزت الفضائل والتقدم للعلا ... مكناسة والطيب في الأهواء سادت طرائقك الفسيحة غيرها ... نسخت بحسن آية الأقذاء نالت عذوبة كوثر أودية ... تختال فخرا من لجين الماء الله يعلم أننى أحببتها ... أو ما تراها مسكن النبلاء أهل بهم سعد الزمان وأخضبت ... أهل السخا بالبلدة الغراء وقول صديقنا المؤرخ الأشهر أبى عبد الله محمد بو جندار الرباطى دام إسعاده: مكناسة عهدى بها مرفوعة ... فلايما نصبت على التمييز فتأرجت وتبرجت وتبرزت ... مثل العرائس ساعة التبريز وكفاك أن رياضها وحياضها ... تنسيك في "فرساى" من باريز هاتيك إسماعيل أبدع صنعها ... ولهذه آثار صنع "لويز"

стр. 285

وكلاهما بلد عليه حلة ... في غاية الإبداع والتطريز وعلى قصورهما المحاسن أصبحت ... مقصورة كتقاصير الإبريز من لى بزورة تلك أو هذى فهل ... حكم القضاء أتى على التجويز لا خيب الله الرجا حتى أرى ... وعد الزمان اليوم في تنجيز وقوله: مكناس ليست لو ترى حجراتها ... إلا كناسا للظبا ومهاتها بلد بها يأتى إلى المضنى الشفا ... يا حسرة المضنى إذا لم يأتها طاب الهواء مع الهوى في حيها ... والماء كالصهباء في كاساتها إن جئتها تسقى بأكواب وكأ ... س من معين في أكف سقاتها فكأنما هى جنة الرضوان طا ... ف الحور والولدان في عرصاتها سافر إليها عاجلا أو آجلا ... واغنم بها السراء قبل فواتها وإذا لمحت معاهدا قد أومضت ... ومضت بها اللذات في أوقاتها حى ابن زيدان الرِّضا والأحمد يـ ... ـن الناظر الأسمى وخير قضاتها وقول الأديب الماهر الفقيه السيد إبراهيم بن أحمد السلوى العدل الأول بنظارة الأحباس بالدار البيضاء: إن مكناس بلدة خصها اللـ ... ـه برحب الفنا وطيب النسيم بلدة للمحاسن الغر أمست ... مركزا ينتديه كل كريم بلد طيب ومرعى فنسيح ... خصب معشب بصنع الحكيم فيها الاطمئنان ألقى عصاه ... وازدهت في معارف وعلوم

стр. 286

وبها كانت الفطاحل من كـ ... ـل وزير وقائد وزعيم وبها الدولة العظيمة كانت ... لأبى النصر والفخار الصميم كان فيها إذ ذاك وقع عظيم ... ودوى يروع كل مظلوم إلى أن قال: وبمكناس كم مآثر تتلى ... أودعتها الرواة بطن رقيم وكفى نهرها الذى حل منها ... بمحل السوار في زند ريم ما لغمدان ما لبغداد معنى ... مشبه بالذى حوت من رسوم ذاك باب المنصور يشهد بالعجـ ... ـز لمن رامه بعيّ ذميم واستجدت بهمة المتوليـ ... ـها فقرت جفون كل مقيم وإلى الآن لم تزل في ترق ... واعتناء معضدا بقروم وقول نابغة الشرق وناطورة الأدب الشيخ رشيد مصوبع اللبنانى: في المغرب الأقصى رأيت مدينة ... فيه تعد حديقة للناظر مكناس هاتيك الديار فحيها ... يا من مررت بها بشوق وافر لم يحك رقتها سوى ماء بها ... شبم وغير شذا نسيم عاطر وقول صاحبنا الفقيه الأديب الناظم النثر السيد محمد بن الحاج السلمى الفاسى: على مكناسة الزيتون سور ... يقول لساكنيهما لا تخافوا هى الدنيا جمالا وافتخارا ... وإنى في حياطنها لقاف وقوله على لسانها:

стр. 287

يمثلنى ذو اللب أول ما يرى ... حصونى بجيش للحروب عرمرم فيخشى من التمثيل ما ليس يختشى ... من المرهف البتار وهو مصرم فصينت دماء القوم والمال كله ... وأصبح شمل البغي وهو مهشم ولم لا وغصن الحسن منى أعاده ... جلال ملوك الغرب ذاك المقدم بمولاى إسماعيل كنت وحيدة ... وكل بحسن الوضع منى مغرم فلا زال رضوان من الله عاطفا ... على رمسه والشأن منى معظم وقوله: بمكناسة الزيتون من ملح الحسن ... معان بها تعلو على كل ذى زين لها الشرف الذاتى وفى الغير عارض ... إذا ما أعارت بعض ما لاح للعين فمن شام دور الحى منها وقد سمت ... تخيل أزهارا منوعة اللون وقول محبنا الفقيه العدل السيد عبد القادر العلمى المكناسى شهر بالعرائشى: يا ناظرا مكناسة الزيتون ... ذات البها والحسن والتحسين نزه لحاظك في أجنتها التي ... تحيى فؤاد العاشق المحزون وانظر إلى أسوارها وبروجها ... قد أسست للفخر والتحصين فكأنها ملك بدا في عرشه ... ليرى دفاع الهاجم المفتون أو أنها عذراء حسن أحرست ... بجبالها عن ناظر بعيون أحسن بها من بلدة فمياهها ... قد أجريت من كوثر ومعين يكفيك فيها شرحها بهوائها ... صدرا لمكلوم الحشا بعيون ولحسن منظرها البديع أنشدت ... (يا ناظرا مكناسة الزيتون)

стр. 288

وقول صاحبنا الأديب الفقيه القاضى السيد محمد الشنكيطى البيضاوى: لله لله ما أبهاك مكناس ... أرض هى الأرض بل ناس هم الناس بها القصور وأسوار مشيدة ... كالراسيات وأبراج وأقواس تجسم الفخر في تلك المعاقل والـ ... ـجلال والعزم والسلطان والباس وماؤها السلسبيل العذب باكره ... ريح هو المسك أنفاس فأنفاس يكفى مدينتها أن الكبير بها ... يضئ من علمه الفياض مقباس إلى روائح من أخلاقه عبقت ... ما الرند منها وما الريحان والآس وقول صديقنا العلامة المشارك المتضلع السيد أحمد بن العياشى سكيرج من قطعة: فما مكناسة الزيتون إلا ... جنان الخلد أو دار السلام هى الدنيا بها قد حاط قاف ... لها من كل ما يحتاط حام فمن فيها يحل ينال أمنا ... به يحظى بحفظ مستدام وفيها وسادة فقهاء فاقوا ... سواهم في جلال واحترام وقوله: عرج على مكناسة الزيتون ... فيها حلول الطالع الميمون بلد تريك ضخامة الملك العلى ... وتريك ما هو قرة لعيون بلد بها ماء الحياة جرى وقد ... طاب الهوى فيها، غير الدون لله من بلد تحلى أهلها ... بإقامة المفروض والمسنون ولهم من الآداب ما يسبى النهى ... مع حسن أخلاق برفع شئون

стр. 289

فعليهم أذكى السلام يعمهم ... بالطيب من صب بهم مفتون وقوله: سكنت في مكناس ... فعرفت خير الناس حتى تكون مفاخرا ... أولى الندا والباس بلد بها تحيا النفوس ... بطيب الأنفاس ما دمت لم تسكن بها ... لم تحظ بالإيناس قوله: مكنس الغزلان مكناس وهل ... مثل مكناس يري في المغرب بلد فاقت بمن حل بها ... وبماء وهواء طيب وقوله: هذه مكناس يا قوم بدت ... هل رأيتم حسنها يسبى النهى بلدة طابت وطابت ناسها ... وبها الأنفس قرت عينها وقوله: خليل فسر بى (١) بين سربى لمكناس ... ففيها تطيب النفس من بين أنفاس لقد زرتها أزمان كان مساعدى ... زمانى بناس كنت أعتادهم ناسى فشاهدت أرضا لا نظير لها ولا ... نظير لمن فيها لدى الجود والباس وقد زادنى فيها ابن زيدان غبطة ... بها وبه قد تم في الناس إيناسى فَسِر بِى كى تدوم مسرتى ... فإن لم تَسِرْ بالرجل سرت على الرأس

стр. 290

وقول الأديب أبى على حسون بن على بن عمر القسمطينى المعروف بابن الفكون في قصيدة له في رحلته من قسمطينة إلى مراكش كتب بها إلى أبى البدر ابن مردانيش وهو بقسمطينة عدد فيها البلادات التي دخل فيها مطلعها: ألا قل للسرى بن السرى ... أبى البدر الجواد الأريحى إلى أن قال: فيها: وما مكناسة إلا كناس ... لا حوى الطرف ذى حسن سنى وقول الوزير السيد الشرقى الإسحاقى في رحلته: تذاكرنا الغرب يوما ونحن بمصر فذكرنا مطمح النفس، ومحل الأنس، مكناسة الزيتون وما بها من المعاهد التي استفتى القلب فيها نفسه وإن أفتاه المفتون، ففتت الشوق مناكل كبد، وبرح كل منا بما يجد، فأنشدنى صاحبنا الفقيه الأديب السيد بلقاسم بن الفقيه العلامة السيد سعيد العميرى لنفسه ما أنشده أيام نزوحه عن الحضرة المذكورة وجلائه عنها أيام الحادث الجارف، الذى استدعى التالد والطارف، بناحية جبل غمارة: يا للوى لعمارة ... شئمتها بغمارة أرابنى اليوم أمر ... كنت امتطيت غماره إلى أن قال: وكيف لى وبكره ... خلى الحبيب وداره فليس يبغى سواها ... مأوى ولو كان داره وقول حبيبنا الفقيه الكاتب الشاعر المطبوع الشهير السيد الحاج عبد الله القباج مشطرا للقطعة الشنجيطية المارة: لله لله ما أبهاك مكناس ... خصب ورخص وأغراس وأعراس

стр. 291

مكناس ما نظرت عينى نظيرتها ... أرض هى الأرض بل ناس هم الناس بها القصور وأسوار مشيدة ... ثشى وفيها من الإفضال أجناس وبين ساحتها الآثار ثابتة ... كالراسيات وأبراج وأقواس تجسم المجد في تلك المعاقل ... والفخار والعز قلب والعلا راس والمجد فيها مقيم والمهابة ... والجلال والعزم والسلطانه والباس وماؤها السلسبيل العذب باكره ... ريح الصبا وهواه الخمر والكاس ما مر منها امرؤ إلا ومر به ... ريح هو المسك أنفاس فأنفاس يكفى مدينتها أن الكبير بها ... هو الإمام الذى تصبو له فاس والأبلج الفرد من لو في الظلام سرى ... يضئ من علمه الفياض مقباس إلى روائح من أخلاقه عبقت ... فوق القياس وللأخلاق مقياس كأنها من جنان الخلد قد هبطت ... ما الرند منها وما الريحان والآس وقول المشطر المذكور لا زال يشنف الأسماع بخرائده، ويحلى النحور بفوائده: بمكناسة الزيتون أهل معالى ... وأهل عوالى بل وأهل علالى بلاد هواها لا يقاس به هوى ... بلاد حباها الله خير زلال بلاد هى السلوان للنفس والمنى ... وليس بها هم وغم كلال بلاد ويكفيك اسمها عن صفاتها ... كساها جمال الدهر ثوب جلال بلاد فما في الغرب من جنة ترى ... سواها وما فيما ذكرت تغال بلاد بها الجنات والحور غيدها ... وفيها من الولدان كل غزال

стр. 292

بلاد ولكن من هوى كل مهجة ... أقيمت بلا ريب ودون جدال بلاد لروح المرء روح وراحة ... وللجسم طب من أضر عضال بلاد متى تقبل بهمك نحوها ... دخلت وحد الهم باب جمال بلاد تنسى من أتاها بربعه ... وما غيرها ينسبه فيه بحال بلاد هى الدنيا فخذها غنيمة ... لنفسك دارا لم تسم بملال بلاد إذا أسقطت من أحرف اسمها ... وأوله حرفا ورمت سؤال يعود كناسا والكناس مخصص ... لسكنى الظبا والريم بين جبال بلاد بإسماعيل تزهو وتزدهي ... على كل مصر قد زها بظلال بأنحائها آثاره وفخاره ... وللملك والسلطان خير مثال وفي قلبها من نسله خير زمرة ... ومن آله الأطهار أفضل آل ومزوارهم في عصرنا وكبيرهم ... أبو زيد الغطريف راحة بال. حلاحل مغناها وجحجاح أهلها ... وأورعها مصباحها المتلالي سلالة زيدان الشهير بفضله ... قديما وأهل الفضل أهل نوال وإن أبا زيد لأكرم سيد ... بكناسة فاعلم وثق بمقالي شريف عفيف عالم متواضع ... وتاج فخار بل وسيف نضال وبحر من الآداب عذب مذاقه ... خضم وبحر العلم كنز لآلي له خلق كالزهر باكره الندى ... ووجه منير فديه ألف هلال فلا زال للعلم المقدس خادما ... ولا زال للتحقيق فيه موالي ولا زال للتاريخ كوكب أفقه ... ولا زال للآداب بدر كمال انتهى.

стр. 293

قاله وكتبه في ثاني عشري ربيع الثاني عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف، ودودكم عبد الله القباج وفقه الله. انتهى. من خطه. وقول ابن عمنا الفقيه الأديب العدل مولاي الحسن بن النقيب الأبر البركة سيدي محمد بن العباس العلوي النَّجَار، الفاسي النشأة والدار والقرار: إذا افتخرت فاس بطيب معانيها ... ولطف أهاليها ورقراق واديها ومراكش الحمرا بطلع نخيلها ... وحسن سجايا أهلها وأغانيها وثغر رباط الفتح بالأدب الذي ... غدا مفرق العليا يصول به تيها فمكناسة الزيتون فاقت بتربة ... وطيب هواء وابتهاج مبانيها فما مثلها الزهراء في حسن منظر ... ولم لا وسبط المصطفى هو بانيها إمام همام ساعد السعد سعيه ... فكانت شموس الفضل مشرقة فيها وقول صفينا الشريف الأديب سيد محمد فتحا بن يحىي الصقلي: مكناسة ما لها في الحسن من ثاني ... تسبي عقول ذوي العرفان والشان وأهلها حسن أخلاق لهم جملت ... نسيت من لطفهم أهلي وأوطاني هواؤها عز أن يلفى له شبه ... به الدواء لمكروب وللعاني وماؤها السلسبيل العذب منهله ... يشفي السقيم به من كل أحزان هي العروس التي تجلي لمغربنا ... بين البلاد بحسن ثم إحسان فاقت برفعتها كل البلاد ولا ... يلفي شبيه لها قاص ولا داني وقول محبوبنا الأديب المفضال مراقب أحباس حضرتنا المكناسية سابقا وخليفة عامل فاس على فاس الجديد حينه السيد الحاج محمد بو عشرين.

стр. 294

يا رائدا للفخر والأيناس ... عرج لنيل المجد في مكناس بلد حباه الله كل مزية ... وحماه من زيغ ومن أدناس وكساه من ثوب الجمال أرقه ... ووقاه من شر ومن وسواس فغدا بوجه القطر شامة خده ... وبجيده عقد من الألماس تسمو معالمه بأقدس مشهد ... وبخير أرض أُخرجت للناس ونزاهة الأخلاق في نفس العلا ... وصيانة الأعمال في الأحباس وقول مالك أزمة الشعر الأديب الماهر السيد محمد بن المفضل غريط من قصيدة: يا نجل زيدان يا أندى الكرام يدا ... يا من أَضاءت به أرجاء مكناس مدينة من شكا ضيقا بمهجته ... ففي ترامسها لسقمه آس كان بركتها وجه سوالفه ... ما يبهج العين من أغصان أغراس يا حسنها إن حكت شمس الأصيل بها ... مخلص التبر محلولا بقرطاس تنال في حوزها أفكار زائرها ... ما لا تناله بالأوتار والكاس هوى يتيم من رقت طبيعته ... بلي يلين طبع النافر القاسي تلك الديار التي جلت ضخامتها ... فاستوجبت مدحها من جلة الناس وأُدعت من صنيع الملك ما وسمت ... بالعجز عن مثله ملوك أحناس ينبي بما كان للمجد المقدس من ... ملك عظيم جليل الفخر والباس يستوقف الفكر حتى لا يجيء له ... من كل أبنية الدنيا بقياس

стр. 295

وقوله من قصيدة: فلعله يجد السبيل لحضرة ... تسمو بنصرتها على "غمدان" بلد تصادق ماؤها وهواؤها ... كتصادق الأرواح والأبدان مغني القصور الشم والدور التي ... لم تلف في "شام" ولا "بغدان" مكناسة إحدى الشهود لمالك ... بعظيم منقبة ورفعة شان مجلى مآثر من تجول صيته ... في سائر الأقطار والأوطان إلى أن قال: بلد لها آوت أصولي عندما ... غمر" الجزيرة" وابل" الإصبان" فتبوءوا دارا يعز قطينها ... وتفيئوا في نعمة وأمان وتسنموا في دولة علوية ... رُتَبًا تُنَاهِضُ رتبة "السلماني" وتشرفوا بمراسم مرعية ... لم يخترم أحكامها الملوان بلد تكامل حسنها بفريدة الـ ... ـعقد قد الذي يغلو عن الأثمان وقوله: أهل الصفا والود من مكناسة ... الزيتون ذات البشر والسلوان وقوله بمكناس غنمت صفاء وقت ... وأنسا ما رأيته في سواها فإن أَكثرت ذكراها فإني ... شغفت بها وتيمني هواها وقول الفقيه الكاتب السيد محمد بن داني من قصيدة طنانة أنانة: لمكناس على البلدان فخر ... عميم والفخار لها قديم

стр. 296

وقول صديقنا الحميم العلامة سيدي المدني بن الحسني الحسني الرباطي: لله مكناس في حسن وإحسان ... يرنو لها كل إنسان بإنسان حديقة تدع الأحداق محدقة ... بمنظر يزدرى بـ"شعب بوان" بها يصح ضعيف الجسم من علل ... يرتد من حسنها صحيح أبدان لقد تجلت محاسن البديع بها ... على منصة ديوان وإيوان فمن مناخ بها صارت نسائمه ... بين الأماثل من أثمال ميدانى ومن روابي إذا اقتعدت صهوتها ... ترى القصي كـ (زرقاء) بميدان ومن قصور إذا رام البليغ لها ... وصفا يكون القصور وصفه الداني ومن دساكر فيها للعساكر قد ... كانت مبوأَة من نسل عبدان ومن حصون كغيل السيد ما فتئت ... مأوى الكمأة لمن يأتى بعدوان تناطح السحب و [الأهرام] من صعد ... ك [الدردنيل] و [واثور] (١) و [فردان] وقد تجلت مفاخر الإمارة من ... [أبي الفدا] فغدت تزري [بغمدان] يفتر ثغر (أصيلا) و (العرائش) مع ... [ثغر الزقاق] (٢) لنصر فوق تبيانى ومن مدارس زانتها قد انبجست ... منها العلوم فأروت كل ظمآن ومن مساجد للعباد مزهرة ... كالكتبيين (٣) بدت أو مثل حسان (٤) ومن عيون بها للصادي مزهرة ... وكل راء وقاف ما (بوفكران)

стр. 297

ومن بساتين تحكي في منازهها ... حلي البدائع من در وعقيان وأخضر يانع وأبيض يقق ... وأصفر فاقع وأحمر قاني كأنها في جمالها وبهجتها ... آجام (جلق) (١) أو كغاب (بولان) (٢) والورق تشدو على الأوراق من مرح ... والطير يرقص زهوا فوق أفنان والماء يعلو وقد أبدي لنا نغما ... كالناي وقعه (زرياب) (٣) عيدان لذاك تنشد من أقوالها مثلا ... إذا سقتها السما بكل هتان إن البساتين (في الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعمري مثل) بستاني فقد تكامل فيها الحسن واتسقت ... لها الحلي فبدت عروس بلدان فأذكرتنا (فروق) (٤) في مباهجها ... أو (الكنانة) (٥) أو جسرا (ببغدان) (٦) لما استعارت محاسن الشموس غدت ... عطر العروس وزادت بابن زيدان إذ صار بهجتها فضلا وكان بها ... [كاليحمدي] الرضا و [كابن حمدان] (٧) عليك مني سلام عاطر أرج ... يعم ربعكم الزاهي إحسان وقول حبنا ناظر مكناسة الحالي الفقية الأديب أبي العباس أحمد الصبيحي السلاوي:

стр. 298

عرج على مكناسة الزيتون ... متيمنا بالتين والزيتون وأنخ مطيك حيث منطلق الهوى ... يشفي الجوي والجسم بالتعيين حيث المياه الدافقات ترقرقت ... وجرت بأودية كما بعيون حيث البساتين الكثيفات التي ... كالغاب تحسبها بلا تخمين حيث الزياتين الكثيرات التي ... لا حد يدركها إلى زرهون حيث الصوامع شامخات في السما ... تقضي بكل عناية بالدين حيث المآثر جمة لملوكنا ... لا سيما المفضال إسماعين لا تنس منها دوره وقصوره ... ومعامل التحصين والتحسين وأماكن الأجناد والأسرى بها ... ومخازن التجنيد والتموين ولباب منصور تراه آية ... من أكبر الآيات في التمدين هذا وإن بها أفاضل جلة ... موتي وإحياء بهذا الحين ناهيك بالشيخ ابن عيسى منهم ... وكذاك رب الدار للمسكين واقصد بأحياء بها رب القرى ... من غير معرفة ولا تبيين عين البلاد أخو الوداد المرتضى ... العالم المخطوط في التدوين ذاك ابن زيدان النقيب ومن له ... في الخلق لطف الورد والنسرين أبقاه مولاه لنشر عبيره ... وسقي رياضا حلها بهتون وقولي: مكناسة الزيتون تيهي وافخري ... حزت الشفوف على بلاد المغرب بمناظر يسبي العقول جمالها ... وزلال مائك والهواء الطيب

стр. 299

وأريج أرجاء ولطف حدائق ... بك أَحدقت وبديع ربع مخصب وفواكه كالشهد إلا أنها ... مسكية تزري بثغر أشنب أعظم بما قد نلته من رونق ... يصبو له في الناس كل مهذب وقد شطر قطعتنا هذه قاضي مكناسة الحالي شيخنا أبو العباس البلغيثي حفظه الله بما لفظه: (مكناسة الزيتون تيهي وافخري) ... فالتيه من ذات المحاسن يعذب ولئن فخرت فلا غرابة حيث قد ... (حزت الشفوف على بلاد المغرب) (بمناظر يسبي العقول جمالها) ... جمد الذي بجمالها لم يطرب وجلال ربي قد سموت بموقع ... (وزلال مائك والهواء الطيب) (وأريج أرجاء ولطف حدائق) ... تحكي الفرادس من بهاها الأعجب لا غرو أن فقت البلاد بجنة ... (بك أحدقت وبديع ربع مخصب) (وفواكه كالشهد لولا أنها) ... فيها الشفا تغني عن المتطبب تغني عن الصباء إلا أنها ... (مسكية تزري بثغر أشنب) (أعظم بما قد نلته من رونق) ... هو موقف الأبصار للمتعجب فيه لنفس الأريحي راحة ... (يصبو له في الناس كل مهذب) وكذا صديقنا الأديب الماهر السيد عمر بري المدني: (مكناسة الزيتون تيهي وافخري) ... بالروض فيك كناس ظبي ربرب يكفيك أنك للجمال بأسره ... (حزت الشفوف على بلاد المغرب) (بمناظر يسبي العقول جمالها) ... وبطرز شكل ليس يفهمه غبي

стр. 300

وملاعب تلهو بلب ذوي النهي ... (وزلال مائك والهواء الطيب) (وأريج أرجاء ولطف حدائق) ... حدق الوري من حسنها لم تذهب وزهور أنوار الربيع بما احتوت ... (بك أحدقت وبديع ربع مخصب) (وفواكهه كالشهد إلا أنها) ... تنشي كسكر وسط كأس مذهب وتخال في استنشاق ريح أريجها ... (مسكية تزري بثغر أشنب) (أعظم بما قد نلته من رونق) ... راقت مدائحه لكل مؤدب أني يغض الذوق عنه وقد غدا ... (يصبو له في الناس كل مهذب) وخمس تشطير هذا بقوله: طاب الزمان يوجه روض أخضر ... الورد وجنته بخد أحمر زيتونه خال عليه عنبري ... (مكناسة الزيتون تيهي وافخري بالروض أنت كناس ظبي ربربي) كم فيك من لحظ يصيد بسحره ... ويصيب شاكلة الكمي بنحره لا حزم فيك مع المدل بمكره ... (يكفيك أنك للجمال بأسره حزت الشفوف على بلاد المغرب) زانت بك الدنيا فتم كمالها ... وتحسنت في نظمها أحوالها قد سلمت عند الورى أقوالها ... (بمناظر يسبي العقول جمالها وبطرز شكل ليس يفهمه غبي) ما حل فيك غريب دار قد وهي ... ألا تفتح من لهاك له اللهي بمنازه ما إن تقاس بمزدهي ... (وملاعب تلهو بلب ذوي النهى وزلال مائك والهواء الطيب)

стр. 301

أصبحت بين أزاهر وشقائق ... كقلائد القيان عند الرامق وبكل نعت قد حلا للعاشق ... (وأريج أرجاء ولطف حدائق حدق الورى من حسنها لم تذهب) فيك النفوس على مقاصدها استوت ... من كل شرب للظما منها روت ببلابل تنسيك (معبدا) إن روت ... (وزهور أنوار البديع بما احتوت بك أحدقت وبديع ربع مخصب) أما ثمارك إن أدلي فنها ... فكأنني للراح أفتق دنها ولديك في الأعناب ما ينهى النهى ... (وفواكه كالشهد إلا أنها تنشي كخمر وسط كأس مذهب) روح الشجي إن روعت بأجيجها ... وتغلغلت من حره بضجيجها فلروحها طب لرع مهيجها ... (وتخال في استنشاق ريح أريجها مسكية تزرى بثغر أشنب) حسناء نادي رفقها بترفق ... يا عاشقي هذي الملاعب فانتقي نزه عيونك في البهيج المونق ... (أعظم بما قد نلته من رونق راقت مدائحه لكل مؤدب) أما النعيم فتحت ذيلي قد بدا ... ولثغر أنسي رشفه فقد الصدى لا تدخر أُنسا تصابحه غدا ... (أني يغض الذوق عنه وقد غدا يصبو له في الناس كل مهذب)

стр. 302

وشطرها أيضا صديقنا الأديب الفقيه سيدي اليمني الناصري الرباطي النشأة والدار والقرار: (مكناسة الزيتون تيهي وافخري) ... بمفاخر تزهو بفخر مغرب جزت السماك ترفعا حتى لقد ... (حزت الشفوف على بلاد المغرب) (بمناظر يسبي العقول جمالها) ... تغني النفوس عن الأنيس المطرب طاب المقام لديك من طيب الهوي ... (وزلال مائك والهواء الطيب) (وأريج أرجاء ولطف حدائق) ... ضحكت على دمع الغمام الصيب وبأعين من نرجس حداقها ... (بك أحدقت وبديع ربع مخصب) (وفواكه كالشهد إلا أنها) ... تنسيك ذوقا كل ذوق أعذب فإذا ارتشفت أو اقتطفت وجدتها ... (مسكية تزري بثغر أشنب) (أعظم بما قد نلته من رونق) ... راق يروق لكل راء معجب قد هذبته يد الهنا حتى غدا ... (يصبو له في الناس كل مهذب) وكذا حبنا الفقيه ابن الحاج السلمي فقال: (مكناسة الزيتون تيهي وافخري) ... وطئى الثريا بالجمال المعجب أو ليس أنك فوق ما قد نلته ... (حزت الشفوف على بلاد المغرب) (بمناظر يسبي العقول جمالها) ... أسلت عن الحسنا ونغمه مطرب تصبو النفوس إلى مغانيك العلا ... (وزلال مائك والهواء الطيب) (وأريج أرجاء ولطف حدائق) ... كالهيف في حلي اللجين ومذهب فنون ما يهوي ويعشق حسنه ... (بك أحدقت وبديع ربع مخصب)

стр. 303

(وفواكه كالشهد إلا أنها) ... ساغت لآكلها كسوغ المشرب مدت له عند التناول نفحة ... (مسكية تزري بثغر أشنب) (أعظم بما قد نلته من رونق) ... يهدي لرائيه جميع المأرب لا زال عهدك والزمان رفيقه ... (يصبو له في الناس كل مهذب) وخمسها الشاب الأنجب الشريف الأديب المولي عبد المالك بن شيخنا البلغيثي المذكور: مكناسة حسناء بين الأظهر ... تختال في ذيل البهاء الأزهر ظهرت محاسنها بهذي الأعصر ... (مكناسة الزيتون تيهي وافخري حزت الشفوف على بلاد المغرب) بقصورك العليا العجيب جلالها ... وحصونك الشما العديم مثلها فكأنها الخضرا وأنت هلالها ... (بمناظر يسبي العقول جمالها وزلال مائك والهواء الطيب) عجبا لزخرفك القديم الرائق ... وبديع شكلك والبناء الشاهق وأريجك الأبهى الأنيق الشائق ... (وأريج أرجاء ولطف حدائق بك أحدقت وبديع ربع مخصب) ببنفسج وبنرجس ما بينها ... ورد يذكرك الخدود وحسنها وعصافير بالأيك تبدي لحنها ... (وفواكه كالشهد إلا أنها مسكية تزري بثغر أشنب) قد فقت صونا كل فرد أبلق ... وحويت فضلا ماله من ممحق وعليك ألوية الفخار تخفق ... أعظم بما قد نلته من رونق يصبو له في الناس كل مهذب)

стр. 304

إلى غير هذا مما يطول، وليس لغايته وصول. ثم إن ما توارد عليه هؤلاء الأدباء وغيرهم من محاسن مكناسة منظور فيه إلى الحسن الفعلى الحالي تارة وإلى الأصلي الذي عضدته آثاره أخرى، إذ لا محالة أنها كغيرها تعاورتها أطوار الزمان، وكسفت المرة بعد الأخرى بأيدي الامتحان. وما دام في العيش خير لا بد أن يقابل كل شروق بغروب، وَمِنْ أنْ يتقلب فصل الربيع المحبوب، في أطوار باقي الفصول وبذلك يكمل المرغوب، وعلى ذلك نبه علامة مكناسة ومؤرخها وأديبها ابن جابر الغساني بقوله: لا تنكرن الحسن من مكناسة ... فالحسن لم يبرح بها معروفا ولئن محت أيدي الزمان رسومها ... فلربما أبقت هناك حروفا هذا وحيث أتينا ببعض ما امتازت به هذه المدينة من الفخر، وجئنا للمطالع المنصف بما يجده نعم الذخر، ومنحناه تلك المنح المزرية برقة الملح، وروينا الظماء من عذوبة أخبارها، فلا بد أن نأتي على المطلب الثالث ونحلي تاج مفرقها بذكر ما لا غني عنه من تراجم من حفظت ترجمته من علمائها وأحبارها، مشاهير الإسلام وحماته، وحفاظه وحاملي راياته، ونظم نثار أوليائها شم الأنوف، الباذلين مهجهم في عرفان من هو بالديمومة معروف، أولئك الذين رفعوا بانتصابهم لنفع العباد، وإرشاد الخليفة حاضرها والباد، مرتبا تراجمهم على ترتيب حروف المعجم غير مبال في نظمها بتقديم من تأخر، أو تأخير من تقدم، لا أهمل من الحروف غير حرف عدمت تراجمه، أو جهلت معالمه. أذكر أولا ما حلي به كل واحد منهم بنصه، ثم أذيله بما وقفت عليه زائدًا من أحوال شخصه، وأطرز حلل أولئك الأعاظم، بذكر ما للناثر منهم إن وقفت

стр. 305

عليه والناظم. ملتزم التعرض لذكر من كان أصله منها، سواء استوطنها أو رحل عنها، ولمن كانت له ولاية أو إقبار بها، ولو كان من غير سر بها، أو هاجر إليه لما صح عنده من عموم برها، وتعجيل خيرها، واتخذ دار استيطان فأسلته عن تذكار الأهل والأوطان. معتمدا في النقل على ما يتلي عليك من الكتب الذي عرفت جلالة أربابها. وأجمع العقلاء على أنهم أتوا البيوت من أبوابها. كنفح الطيب، ووفيات ابن خلكان، وتكملة الصلة للحافظ أبي بكر ابن الأبار القضاعي، وفهرسة مسند فاس أبي زكرياء السراج، وخلاصة الأثر للمحبي، ودرة الحجال، والرياض الربانية، والمنح البادية، في الأسانيد العالية، ونيل الابتهاج، وكفاية المحتاج، ونشر المثاني والرحلة العياشية، ودوحة الناشر والصفوة، وفهرسة ابن غازي، وتعريف السلف، وروض القرطاس، وابتهاج القلوب، ومرآة المحاسن، وممتع الأسماع، وابن خلدون، وسلوة الأنفاس، والإحاطة، وتحفة الزائر، ببعض مناقب سيدي أحمد بن عاشر، لابن عاشر الحافي، وجواهر السماط وتعطير البساط، بذكر تراجم قضاة الرباط، والجيش العرمرم، وخمائل الورد والنسرين لأكنسوس، ودوحة المجد والتمكين لمحمد الغالي الإدريسي العمراني اللجائي، ورحلة النابلسي الكبري، وفهرسة النخلي، وفهرسة ابن سالم البصري، والسلسل العذب للحضرمي، والنبذة اليسيرة النافعة، التي هي لأستار بعض أحوال الشعبة الكتانية راجعة. لشيخنا الإمام سيدي محمد بن جعفر الكتاني، والفتح الوهبي للحاج العربي بن داود، وأداء الحق الفرض في الذي يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، لأخينا النسابة المعتني مولاي عبد الحي الكتاني، وسلوك الطريق الوارية للشيخ والمريد والزاوية للإمام الزيادي، وفهرسة سيدي العربي الدمناتي وثبت الأمير الكبير، وثبت ابن الصباغ، والشجرة الشما لمولاي الزكي العلوي، وسلك

стр. 306

الدرلابي الفضل المرادي، وكتاب صله الصلة لأبي جعفر أحمد بن الزبير، ورحلة الإمام العبدري، والاستقصا، ورحلة ابن عثمان المكناسي، المسماة إحراز المعلى والرقيب، وبغية الوعاة، والبدور الضاوية، والدرر البهية، وفهرسة الشيخ التاودي، وفهرسة أبي القاسم الميري، وذيل السلوك وعجائب الآثار، والروض الهتون، والمعجم المختصر لشارح الإحياء، والقاموس، والإصابة، وما تلقيته من مشايخي النقاد، وأخلائي الأنجاد، أو نقلته من كنانيشهم أو شاهدته بالعيان إلى غير هذا مما يطول تعداده وقد اكتفيت بذكر المواد التي لي منها الاستمداد، عن نسبة النقل في التراجم غالبا فأقول:

стр. 307

[المطلب الثالث] [في تراجم السلاطين والأمراء والأعيان والعلماء] [حرف الألف] ١ - منهم: أبو إسحاق إبراهيم بن يحيي بن أبي حفاظ مهدي الأمام المكناسي . حاله: فقيه نحوي، مشارك نبيل، ماجد وجيه، وقور أحد الفضلاء الرحالين. دخل الشام والعراق وأفاد واستفاد وكانت له يد في الشعر والأدب. ذكره الذهبي وأورده صاحب بغية الوعاة ونسباه لمكناسة. مشيخته: سمع من أبي الحسين بن زرقون وطائفة بإشبيلية. الآخذون عنه: أخذ عنه الحافظ الدمياطي وغيره. ولادته: ولد سنة ستمائة. وفاته: توفى بالفيوم سنة ست وستين وستمائة. ٢ - ومنهم: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى المصمودي التلمساني . حاله: كان عالما محققا مدرسا صالحا زاهدا ممن أوتي الولاية صبيا، وحل من رياسة العلم والزهد مكانا عليا، جاهد في العلم والعبادة إلى الغاية القصوي، ورعا وزهدًا وإيثارًا، متابعا على البر، متبعا طريق السلف أحب الناس لمذاكرة العلم، كثير الرغبة في الاجتماع بأهل العلم والفضل، شديد المحبة في المذاكرة، أعلم أهل وقته بالسير وأخبار السلف والعلماء كافة من متقدم ومتأخر. انقطع لخدمة الله تعالى فكفاه ما أهمه، له كرامات كثيرة، منها ما حدث به

стр. 308

أصبغ، وابن حبيب دون المشهور لعذر، ثم حصل لي ألم شديد، فاعتقدت أنه عقوبة لترك المشهور، ثم زرت الشيخ وأنا متألم فقال له: مالك يا فلان؟ فقلت: ذنوبى، فقال فورا: لا ذنوب على من قلد أصبغ وابن حبيب. وكان ربما يرد ما يهدي له من طعام فربما يتفقد المهدي فيجب موجب الرد من شبهة فيه من ضجر أهل البيت أو غيره. قال السوداني في "كفاية المحتاج" وذكر غير واحد أنه كان خارج البلد في وقت لا يدرك فيه الباب ثم يرونه في البلد، وكان يلبس جيد الكساء فقط يعري رأْسه أكثر الأوقات، وكان إذا وجد نوار الربيع أمعن النظر في ألوانه وصفته فيغلبه الحال ويتواجد ويتبختر ويقول هذا خلق الله الآية. ولد بمكناسة الزيتون وقرأ بفاس. مشيخته: أخذ عن الإمام موسى العبدوسي، والإمام الأبلي، وشريف العلماء أبي عبد الله التلمساني، والقاضي سعيد العقباني. الآخذون عنه: من جملتهم أبو عبد الله بن جميل وناهيك به. وفاته: توفي عام خمسة وثمانمائة وحضر جنازته السلطان على قدمه. ٣ - ومنهم: إبراهيم بن عبد الكريم أبو إسحاق . حاله: كان فقيها مدرسا بمكناسة الزيتون، يقرر أقوال الأئمة وكلام الناس والمختصرين، ويعلم الصبيان ويدرس المدونة. وفاته: توفي بعد سبعة عشر وسبعمائة. ٤ - ومنهم أبو إسحاق الشيخ إبراهيم بن أبي الفضل بن صواب الحجري (١) من أهل شاطبة). حاله: كان من أهل المعرفة بالعربية واللغة والأدب، وتجول البلاد معلما بها

стр. 309

تعلم الطب وقعد للعلاج بطنجة، واستقر آخر عمره بفاس في نحو ست وخمسمائة. قال ابن الأبار في "تكملته" أكثر خبره عن ابن عُزَير (١) ذكره ابن عياد وفيه عن غيره. مشيخته: روى عن أبيه، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي الحسن بن سيدة وأبي إسحاق بن خفاجة، وله فيه مدح. وفاته: توفي بمكناسة الزيتون وهو ابن إحدى وثمانين سنة. ٥ - ومنهم: أبو إسحاق إبراهيم بن عبد القادر الزرهوني . حاله: كان من صدور كتاب الدولة الرشيدية العلوية الحسنية وأجل حملة الأقلام بها، أديبا نحريرًا منشئا بليغا وجيها مبجلا، فقيها نبيها أريحيا مهذبا، ملحوظا بعين الإجلال والإكبار من عظماء دولة السلطان الأفخم مولاي الرشيد بن الشريف بن على الحسني السجلماسي. وفاته: توفى عشية الاثنين سابع عشر شعبان عام ألف وثمانين ﵀. ٦ - ومنهم: أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز الخياطي . من ذرية الولي الأكبر سيدي عبد الله الخياط دفين جبل زرْهُون. حاله: فقيه جليل قدوة، ماجد بركة، نزيه عالي المكانة، ولي صالح متبرك به أورده في جواهر السماط وقال: إنه دفين داخل باب الفتوح من فاس، ولم يذكر له غير هذا.

стр. 310

٧ - ومنهم: أبو إسحاق إبراهيم بن القائد الطبيب الأندلسي المراكشي ثم المكناسي ثم التونسي . أحد أطباء الحضرة السلطانية الإسماعيلية. حاله: طبيب ماهر حكيم عظيم الشأن من أجلاء الحكماء المتقين الكامِلي المهارة، الملازمين لسيدنا الجد الأكبر السلطان الأعظم مولانا إسماعيل، المرجوع إليه في المعضلات من الداء، وكانت مسائله كلها متقنة. وكانت له بمكناس حانوت اتخذها ليقصده الناس للسؤال عن مسائل الطب ولاشتراء الأدوية منه، ثم انتقل إلى تونس واتخذ بها حانوتا لما ذكر وسمي نفسه هنالك محمدا الأندلسي، فغير اسمه لأمر معلوم أَحوجه إلى ذلك، والضرورات تبيح المحظورات، كذا أخبر عنه تلميذه ابن شقرون الطبيب المكناسي صاحب الشقرونية المتداولة بين أيدي عامة الناس وخاصتهم، حسبما وقفت على ذلك بخط العلامة الثبت المتقن السيد محمد فتحا الخياط بن إبراهيم المشنزائى -بنون فزاى- الدكالى الأصل، من أولاد ابن إبراهيم الدكاليين بفاس، بيتهم بيت علم وصلاح ومتانة دين ورياسة وجلالة. الآخذون عنه: أخذ عنه أبو محمد عبد القادر بن شقرون المكناسي مسائل كثيرة من الطب. ٨ - أحمد الذهبي السلطان أبو العباس أحمد (١) الذهبي بن فخر ملوك المغرب وأعظم سلاطينه سيدنا الجد مولانا إسماعيل بن الشريف الحسني العلوي. آتي الترجمة قريبا بحول الله.

стр. 311

حاله: كان جوادا كريما شفيقا حليما، وكل ما صدر من الشدة والقساوة وقتل الأنفس في دولته فبإلزام من العبيد وإكراه له على فعله، وقد كان قيد حياة أبيه ساعيا فيما يرضي ظاهره، استخلفه والده بقطر تادلا وغيره حسبما أوضحنا ذلك في "المنزع اللطيف" ولم يسمع عنه ما يريب مدة تقلباته في أطوار الخلافة على والده، وسيره مبسوطة بوافر العطاء الشامل للقاصي والداني. ولما نقل الله والده إليه -وذلك يوم السبت ثامن عشرين رجب عام تسعة وثلاثين ومائة وألف- اجتمع رأْي قواد العبيد ذوي الشوكة وأبطال الودايا ورؤسائها ثم العلماء والأشراف والوزراء والكتاب وصدور الدولة على بيعة المترجم فبايعوه بإلزام لهم من العبيد وزرعوا بيعته بذر الفوضي والعتو، وأوقدوا نيران الفتن. وحملهم على اختيار المترجم دون باقي إخوته ما عرف به من الجود والبذل الواسع، حتى إِن الأسير الإنجليزى البحرى "تومابلودام" حكى في رحلته المطبوعة باللغة الإنجليزية أن العسكر فرحوا بتوليته لكونه كان يسدل لهم جم العطاء، ولم يكن والده عهد إليه كما زعم الزياني، فقد ذكر صاحب "الجيش" أن السلطان العادل مولانا سليمان كان يحكي لهم مرارًا أن مولانا إسماعيل لما أيقن بالموت دعا رفيقه وعالم حضرته أبا العباس اليحمدي وأكد عليه في أن يشير عليه بمن يصلح للولاية على المسلمين من بعده، وكان آخر الأمر بعد الممانعة التامة قوله: يا مولانا، اعلم أنه ليس لك ولد، أوْلا ولد لك. فقال له السلطان صدقت والله، وودعه وخرج ولم يعهد لأحد، قال: وكان مولانا سليمان يحكي ذلك في شأن بعض أولاده، وأما قول الزياني: إن مولاي أحمد ولي العهد فليس كذلك، ومن العجب أنه قال إنه سمع هذه الحكاية من مولانا سليمان كما سمعناها منه ولا بعد فيه ثم يقول: إِنه ولي العهد، مع أن مولاي أحمد ﵀ قيل إِنه كان لا ينفع نفسه لعدم صحوه فهو طافح دائما. انتهى. ولم يعرج على العهد له في "درة السلوك وريحانة العلماء والملوك" مؤلفه

стр. 312

العلامة الأصيل، المفوه الجليل، مولانا عبد السلام بن السلطان الأعظم سيدي محمد بن عبد الله، ورب البيت أدري بما فيه، وأهل مكة أدري بشعابها، ولا سند ولا سلف للزياني فيما تقوله واختلقه، وإنما التقديم والتأخير إذ ذاك كان بيد العبيد حسب أغراضهم الشخصية حسبما علم بالاستقرار من أحوالهم الاستبدادية: أشاعوا أن والده عهد إليه كي لا تتشوف نفوس إخوته لمنازعته الأمر، واختلقوا له طابعا باسمه وكتبوا عدة مكاتب لسائر البقاع المغربية وطبعوها بطابعه مظهرين أن والده عهد إليه بالخلافة من بعده، ومموهين بما كان له من الحظوة والمكانة مدة خلافته لديه، وأنه لم يحفظ عنه إذ ذاك ما يدنس سمعته أو ينتقد عليه، وأوعدوا من شق عصا طاعته بما يلزم البغاة المحاربين، وصرحوا بكينونتهم عند أمره في الشدة والرخاء والمنشط والمكره، والحال أنهم مصرون على خلاف ذلك إن لم يكن رهين نظرهم. ولما شاهد أهل مكناس الجد من المترجم وأنه عزم على تدمير مدينتهم بما نصبه عليها من المدافع -حسبما ذكر ذلك الأسير تومى الإنجليزي في رحلته ونقله عنه مختصر الرحلة صحيفة ٩ - بايعوه خوفا من تدمير المدافع وصولة العبيد وقواهم على الامتثال ما سمعوا المترجم يعلن به من أنه لا يقبض من الرعية غير الزكوات والأعشار فتمت له البيعة بمكناس. وبلغ نعي والده أهل فاس -وقد كانوا قاموا قومة شنعاء في وجه عاملهم أبي على الروسي- فاجتمع العلماء والأعيان وذوو الحل والأبرام بالضريح الإدريسي الأزهر وبايعوا المترجم وأوفدوا عليه ببيعتهم للعاصمة المكناسة جماعة مؤلفة من وجوه الأشراف والعلماء والتجار وذوي الحيثيات، وقلوبهم مملوءة رعباً بما صدر منهم من الإيقاع بعاملهم المذكور ونهب أمواله، معتقدين أنه يقابلهم بما يقابل به من ارتكب ما ارتكبوه من الإجرام لا يدرون أي باب من أبواب الاعتزار يلجون، ولما مثلوا بين يديه لم يبال بما اقترفوه ولا رفع لافتياتهم رأْسا كأنه لم يكن

стр. 313

له أدني علم بذلك الحادث الجلل، مع أنهم قتلوا العامل وثمانين من أصحابه كما في اختصار رحلة تومي الإنجليزي. بَلْ هشَّ، وبشَّ، وأَكرم، وعظم، وخص كل واحد على حدته بعطاء له بال، وأجري عليهم ببلادهم جرايات مشاهرة ومسانهة ورشح الفقيه السيد محمد المسكيني لقضاء فاس والطيب المريني لحسبتها ولعمالتها القائد محجوب العلج، ورجع الوفد الفاسي يرفل في حلل النشاط والانبساط بعد الخوف والقنوط، وفي اختصار رحلة تومي الإنجليزي التصريح بأن أهل فاس تأخروا عن البيعة، ولعله شيء تخرصه أو تأخر نسبي، وإلا فسياق أحواله يقتضي أنهم بادروا بالبيعة قبل غيرهم والله اعلم. ثم وردت البيعات من سائر الأصقاع المغربية على الحضرة السلطانية وتلقي الوافدين على اختلاف طبقاتهم بكل بشاشة وطلاقة، وأحسن لكل فرد منهم على حدته، وأكرم مثواه، وأتبعه الكرامة حيث سار ورد كلا على منصبه الذي تركه فيه والده وأفاض المال ووصل سائر الرعية بصلات سنية فأحبته القلوب واطمأنت النفوس وابتهجت وفرحت الرعية واستبشرت. ولما رأي العبيد أن الملك لازال قائما تسوسه ساساته المهرة الذين حنكتهم التجارب وأثمرت غروس الإخلاص والصدق للملك في قلوبهم ونبذهم مخازي الشهوة والأغراض الشخصية وراءهم ظهريا، طبق حال تنظيم المملكة أيام والد المترجم، أَظلم الجو في أعينهم حيث حيل بينهم وبين ما يشتهون من نهب بيوت الأموال، وجعل الإمرة أُلعوبة بين أيديهم وكبر ذلك عليهم، وعلموا أنه لا سبيل لتحصيلهم على أعراضهم الفاسدة ما دامت المناصب عامرة بأربابها ذوي النجدة والأفعال السديدة والآراء المصيبة والسياسة المؤسسة البنيان، على تقوي من الله ورضوان. واتفق رأي كبرائهم على أن يوسوسوا للسلطان في أركان الملك ويختلفون لهم معايب يلصقونها بجنبهم ويدسون لهم دسائس حتى يوغروا قلب السلطان عليهم ويبالغون جهدهم وطاقتهم في إغرائه على قتلهم وتظافروا على ذلك: فصار

стр. 314

كل من اجتمع منهم مع السلطان يبدي له دسائس في قوالب نصائح ويقول له يا سيدي: إن ملكك لازال إلى الآن لم يتم، ولا يؤمن عليك من هؤلاء العمال والوزراء والكتاب الذين كانت بيدهم مقاليد الملك أيام والدك، فإنهم لا يرونك شيئا وأنت محجوب بهم عن الرعية، ولابد من قيامهم عليك وتقديم غيرك من إخوتك وترشيحه للملك دونك، وكان المترجم يميل إليهم كل الميل لضعف فكرته عن السياسة، وتدبير أمر الملك والرياسة، أي ولكونه مغلوبا على أمره يخاف بأسهم ولا يري رأْيا إلا رأيهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ولما تمكنوا منه وأوغروا صدره على من بيده الحل والإبرام من ولاة أمره وأمر والده من قبله أغروه أي بعد أن أقاموا له الحجج على الفتك بأركان السياسة الذين هم للملك عماد كأبي العباس أحمد بن على اليازغي وكان عامل الجبال كلها سهلها ووعرها نافذ الحكم فيها، يرسل رسولا واحد في قضايا متعددة فتنفذ الأوامر كلها وفق ما أمر في أقرب الأوقات، ويأتي الرجل الواحد إليه بالمساجين العديدة من صياصي الجبل والقبائل العظيمة من غير قيد ولا يحدث أحد نفسه بالهروب لعلمه بنفوذ كلمته وطول يده في طول البلاد والعرض، وأنه لات حين مناص، وقد كان هذا العامل ناصحا للسلطان يجمع المال من وجوهه ويودعه في خزائن السلطان يبذل النصح ولا يعرف غشا ولا خديعة، وكان السلطان مولانا إسماعيل يعرف أمانته وصدقه وينزله منزلته ويقدره قدره ولا يسمع فيه مقالة طاعن. وعلى بن يش: وكان قائد أهل الديوان وعامل البربر ورئيس العمال، وكان من ذوي الرأي والتدبير والعقل الراسخ، لا يقدر أحد من البربر أن يملك فرسا ولا مكحلة ولا يحوم حول ذلك، وبسبب ذلك صارت رءوس الجبال البربرية الصْعبة المسالك تمر فيها الأطفال وضعاف النساء في أمان واطمئنان لا يلحقهم أدني مروع ولا مشوش.

стр. 315

وابن الأشقر: وكان عاملا على جبل زَرْهُون، وعلى يده أعشار البوادي والحواضر من زروع ومواشي وزيوت وغير ذلك، وكان عليه مدار الجيوش، وإليه مرجع أمرها ذا رأْي مصيب وثبات ونصح وإخلاص وتيقظ وحزم وعزم. وحاجبه المملوك الخصي مرجان الكبير وكان بيده دفتر الداخل والخارج لا يطلع على ذلك غيره قريب أو بعيد، وكان العارف بالعوائد الجارية في الصلات مسانهة ومشاهرة، وما يدفع للجيوش وغيرهم في الأعياد والمواسم وغيرها لا يعرف ضبط ذلك وتحقيقه غيره، وقد كان محور شئون الدولة على هؤلاء الأربعة يدور لتحقق متبوعهم صدقهم وأمانتهم وسياستهم وكياستهم وعلمهم من أين تؤكل الكتف بعد السبر والامتحان والاختبار. وبموت هؤلاء الأربعة اختل النظام وضربت الفوضي والاستبداد الأطناب، ووقع من العامة استخفاف عظيم بأمر المملكة واشتد النهب في الطرقات وأغلقت المسالك، ولم يأمن المسافر من الوقوع في المهالك. وحصل أهل الزيغ على غاية مناهم وكثرت الشكوي بباب السلطان والسلطان داخل قصوره ضارب صفحا عما وراء بابه لا يسمع شكوي ولا ينتصر لمظلوم من ظالم، أي لكونه أسند الأمر لرؤساء العبيدِ المتعصبين، وذوي السلطة ومن لا ينفذ له أمر دونهم. ومن جملة من قتلوه وصلبوه الفقيه العلامة القاضي الوزير السيد محمد بن العياشي الذي كان بيده دواوين الحراطين (١).

стр. 316

ثم نظروا فيمن بقي شجي في نحورهم يحول بينهم وبين تمام مرادهم فلم يجدوا غير الحاجب المملوك الخصي مرجان الصغير فقتلوه، ثم قتلوا عامل مكناسة ابن عدو، ثم أشاروا بقتل من بقي ممن يشار إليه بجودة الرأي وحسن التدبير، والنصح للأمير، حتى خلا لهم الجو واتسع الخرق على المرتق. فبموت أحمد بن على اليازغي ثار أهل الجبال وأضرمت نيران العتو والفساد ورفضت الأوامر السلطانية وانقطعت الجبايات وانتشر العيث والنهب في الطرق واتبعت الأهواء. وبموت على بن يشو خرج البرابر من السلاسل والأغلال وتنافسوا في اشتراء الخيل والسلاح، ورجعوا لحالتهم الأولى من سفك الدماء وقطع الطرقات، ولم يبق لهم زاجر ولا رادع. وبموت ابن الأشقر كف الزراهنة عن الأداءات وتحصنوا بجبلهم خوفا من البربر وصمموا على قتال من أتاهم وضاعت أعشار القبائل وزكواتهم ولم يعرف منها نقير ولا قطمير. وبقتل مرجان الكبير جهل الخارج ولم يدر قدر الداخل وأخرقت الدفاتر الحافظة لذلك، وبسبب ذلك نال العبيد مناهم وحصلوا على ضالتهم المنشودة. ولما اختل النظام وتفاحشت المظالم وأكل القوي الضعيف واضطربت الأحوال، واشتبكت الأهوال، وثارت الثوار بسائر النواحي خرج المترجم من دار الملك وأفاض المال وزاد للعبيد فوق المعتاد ظنا منه أن ذلك يجدي في رتق ذلك الفتق العظيم، ثم رجع لقصوره أي حيث رأي أنه لا سبيل له لأكثر مما فعل. قال في "نشر المثاني" ووقعت هدنة بين الناس عن الحرب، إلا أن أهل فاس رفضوا جميع ما كان يجري عليهم من الوظائف السلطانية وحملوا الأسلحة وركبوا الخيل، وضج الناس بالفرح والسرور، واشتغلوا بالملاهي في النزهات والتأنق في اللباس والجلوس في الطرقات أفواجا مقبلين على اللهو واللعب والسريان (١) في

стр. 317

كل متسغ من أرقة فاس، ولم يبق للأحكام السلطانية نفوذ فيها بل في سائر المغرب، وليس للسلطان سوى الدعاء على المنابر والاسم، وكمل العام كله على هذه الحالة -يعني عام تسعة وثلاثين- وكثر في المغرب الفتن والأهوال فكان هذا هو الأصل في الفتن التي ظهرت بعده. اهـ. من النسخة الصحيحة من نشر المثاني (١) قاله في الدر المنتخب. ومن جملة من ثار، وسعي في الأرض الفساد من الثوار: أحمد بن على الريفي واللصوص وقطاع الطريق ونهض بتلك الجيوش يريد دخول تطاوين ومبايعة أهلها له -وقائدهم إذ ذاك عمر الوقاش آتي الترجمة في حرف العين بحول الله وقوته- فقابلوه بأفواه القنابل ووقع بينهما قتال عظيم مات فيه كثير من الفريقين، قيل إنه دخلها وهمّ بأهلها فانتصروا عليه وصدوه. والذي صححه في "الدر المنتخب" أنه لم يدخلها، وأن الكرة كانت عليه من أول الأمر، ودعا الوقاش لنفسه وكثر الهرج والمرج واشتعلت نيران الفتن، وكتب أهل تطاوين للسلطان المترجم وقصوا عليه القصص وشرحوا له ما هم فيه من الضيق والحرج وطلبوا نصرته وتعزيزهم بجيش ينكس أعلام البغاة المتمردين ويكسر شوكتهم كي ترجع المياه إلى مجاريها ويستتب الأمن في تلك الناحية. ولما وصلته رسلهم بالكتاب وعلم فحواه، وأحاط علما بسره ونجواه عرضه على المسيطرين عليه من أعيان العبيد وهو إذ ذاك مضروب بأعلى يده من جانبهم فأجابوه بأن هذا الأمر لا يهم ولا يرفع إليه رأس، لأن عادة أهل الريف مع جيرانهم العداوة والقتال دائما، ولو علمنا أن الريفي ادعي هذا الدعوى لبادرنا إلى قتاله وأبدناه بجيوشه وصيرنا جميعهم في خبر كان، فاستصوب رأيهم قائلا هذا رأيي، ولم يدر أنهم إنما تنصلوا خوفا على أنفسهم وركونا للراحة لعلمهم أن الجيش الذي يبعثه السلطان لا يكون إلا منهم، فاختاروا الراحة وأعرضوا عن مصالح الإسلام والمسلمين، وبقيت رسل أهل تطوان منبوذة بالعراء لم يبال بها

стр. 318

أحد مسندًا الأمر لغير أهله، وإذا أخبر بحادث جلل، يقول: كل ما قدر الرحمن مفعول. ولما رجع رسل تطوان الى بلدهم وأخبروهم بحقيقة الحال وأنه لا سلطان في الحقيقة، وإنما هي فوضي منتظمة من شهاوي وأغراض قاموا في تحصين بلادهم على ساق واشتد القتال بين الريفي والقبائل التي أبت من متابعته على هواه وكان النصر حليفهم والخذلان قرين الريفي إلى أن قتل وأراح الله منه البلاد والعباد. وفي اختصار "رحلة تومي" الإنجليزي صحائف ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ما فيه بعض مخالفة لما ذكره صاحب "الدر المنتخب" في الجملة وذلك أنه حكي أن الباشا أحمد هو الذي كان عاملا على تطوان، وأن أهل تطوان ومجاوريها من الجبال هم الذين قاموا على العامل المذكور مع رئيس الفتنة إذْ ذَاك بليز، فقاموا على الريفيين ونهبوا أموالهم وقتلوا منهم من لم يدخل معهم في افتياتهم، فطلب الباشا أحمد الريفي الإعانة على أهل الجبال ومن أقاموا الفتنة من أهل تطوان فامتنعوا، فعند ذلك وجه إليهم عسكر سبتة فامتنعوا من تلبيته وأن أخاه والي. طنجة لما علم بما ذكر لحق بأخيه أحمد المذكور في خمسمائة فارس، ولما وصل تطاوين ولاه أخوه أحمد مكانه بتطاوين وترك معه أدالة من العبيد وخرج هو في أثر الثائرين، ثم إن أهل تطاوين لم يقبلوا أخا الباشا عاملا عليهم فحصروه في داره وعند ذلك أمر الأخ الذي بتطاوين بإيقاد النار في دار البارود فانهدت وانهد ما حولها من الدور، ثم هرب العامل مع لفيف من أصحابه إلى بعض الأضرحة، ثم إلى طنجة، وأن أهل تطاوين أكلوا داره ونهبوا أجنته وأمتعته، ووجهوا بيعتهم للذهبي وأخبروه بأن سبب قيامهم على العامل هو ظلمه لهم فليحرر. ولما علمت القبائل حقيقة ما صار إليه الأمر بعد السلطان الأعظم مولانا إسماعيل نبذوا الأوامر السلطانية وراءهم ظهريا وامتطوا متن الاستبداد، وماجوا في الأرض بالفساد، وأكل القوي الضعيف واشتدت شوكة البرير وعظمت ولم يبق إلا

стр. 319

النهب والسلب واشتد الضيق بمكناسة والسلطان بها، حتى صار خارجها مسلوبا، وداخلها منهوبا، تغير البرابر على سرحها وتمنع أهلها من العمل بجنتها. ولما تيقن العبيد أن السيل بلغ الزبى، أجمعوا رأيهم على أنه لابد من شد الوطأة على متمردة البرابر وكسر شوكتهم قائلين إنهم آذونا وآذوا جوارنا واستضعفونا، ونحن ما مات سيدنا حتى تركنا أصحاب قوة وبأس شديد، يذيب رعبنا الحديد، فركب منهم ما يزيد على الخميس ألفا وأغاروا على سرح البرابر في سائر الجهات والنواحي ورجعوا لمكناسة من غير أن يتعرض لهم بربري ثم اجتمع رءُوس البربر ووجوه العبيد واتفق رأيهم على أن البرابر لا يتعرض لهم أحد داخل المدينة ولا خارجها، وأن البرابر لا يتعرضون لمن أتي لمكناسة ولا لمن خرج منها. انتهى، ما يعول عليه مما ساقه أيضا في "الدر المنتخب" وهذا بعض ما جري عام تسعة وثلاثين الذي جلس فيه المترجم على عرش مملكة والده المقدس. أما عام أربعين فقد قال العلامة المؤرخ ابن إبراهيم الدكالي في "تقاليد التاريخية"ما نصه: وفي ضحي يوم الخميس رابع عشر ربيع الأول عام أربعين أغار الوداية على سوق الخميس، واشتغلوا بالسلب والنهب وضربوا الناس بالرصاص، فانتدب أهل فاس لقتالهم من الزوال إلى الغروب من جهة المرس، فقبض الأوداية على بعض أهل فاس وسجنوهم بفاس الجديد، وفي آخر النهار أخذ أهل فاس قصبة شراكة واستولوا عليها. ثم بالغد وقع قتال أيضا بظهر الرمكة، ثم يوم السبت وقع قتال بينهم بناحية بستيون باب الجيسة وكانت الغلبة لأهل فاس. ثم وقع الصلح بينهم يوم الأحد وذلك بروضة سيدي أبي بكر بن العربي نفع الله به وسرحوا المسجونين بعد أن قتلوا منهم طائفة، ثم أخذ الأوداية في قطع الطريق.

стр. 320

ومن الغد جاء كتاب من عند السلطان يسأل عن الظالم من الفريقين وقرئي بمنبر مولانا إدريس، ثم لما سمع الحياينة وشراكة وأولاد جامع بهذا الأمر جاءوا إعانة لأهل فاس ظنا منهم أن ما فعله الأوداية ليس بإذن السلطان، فلما تحققوا أن ذلك بإذنه انصرفوا لمواضعهم وبقي الأمر يروج إلى يوم الأربعاء الموفي عشرين خرج الأشراف والعلماء بقصد الملاقاة مع السلطان. وفي يوم الخميس بعده وقع قتال بباب الفتوح وحضر فيه الحياينة ومن انضاف إليهم وبقي من خيل الأوداية نحو من ستة وثلاثين، ووقع قتال بالوادي المالح بباب الجيسة يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر ومات فيه من أهل فاس نحو الستة. وفي الرابع والعشرين جاء شريف ممن ذهب لملاقاة السلطان وأخبر أنهم لم يتلاقوا مع السلطان وأن على ويش أمر بهم فسجنوا إلا هذا الشريف بخصوصه، وجاء كتاب من أخت الأمير تهددهم فيه وتذكر أُمورًا تقتضي أنهم ظالمون، ثم أجاب أهل فاس عن الكتاب المذكور وبقي الأمر يروج إلى يوم الثامن والعشرين قدم جماعة من عبيد مشرع الرملة يبحثون عن حقيقة الأمر لأن الوداية كتبوا لهم أن أهل فاس شقوا العصا على السلطان، فأضافهم أهل فاس أحسن ضيافة وأخبروهم بحقيقة الأمر، وانصرفوا يوم السبت الموفي ثلاثين، وفي عشية هذا اليوم وقع قتال مع محلة جاءت من عند السلطان قرب بستيون باب الفتوح ولم يمت فيه أحد من أهل فاس. ثم صار السلطان يبعث البعوث ويكثر الجيوش لحصار فاس وأمرهم بالتضييق على أهلها وقطع عنهم الداخل والخارج وركب الأنفاض والمهاريز ليرمي بها البمب. وفي ثاني ربيع الثاني رمي البمب على فاس سبع مرات ولم تضر أحدا،
следующие страницы →