ثم نظروا فيمن بقي شجي في نحورهم يحول بينهم وبين تمام مرادهم فلم يجدوا غير الحاجب المملوك الخصي مرجان الصغير فقتلوه، ثم قتلوا عامل مكناسة ابن عدو، ثم أشاروا بقتل من بقي ممن يشار إليه بجودة الرأي وحسن التدبير، والنصح للأمير، حتى خلا لهم الجو واتسع الخرق على المرتق.
فبموت أحمد بن على اليازغي ثار أهل الجبال وأضرمت نيران العتو والفساد ورفضت الأوامر السلطانية وانقطعت الجبايات وانتشر العيث والنهب في الطرق واتبعت الأهواء.
وبموت على بن يشو خرج البرابر من السلاسل والأغلال وتنافسوا في اشتراء الخيل والسلاح، ورجعوا لحالتهم الأولى من سفك الدماء وقطع الطرقات، ولم يبق لهم زاجر ولا رادع.
وبموت ابن الأشقر كف الزراهنة عن الأداءات وتحصنوا بجبلهم خوفا من البربر وصمموا على قتال من أتاهم وضاعت أعشار القبائل وزكواتهم ولم يعرف منها نقير ولا قطمير.
وبقتل مرجان الكبير جهل الخارج ولم يدر قدر الداخل وأخرقت الدفاتر الحافظة لذلك، وبسبب ذلك نال العبيد مناهم وحصلوا على ضالتهم المنشودة.
ولما اختل النظام وتفاحشت المظالم وأكل القوي الضعيف واضطربت الأحوال، واشتبكت الأهوال، وثارت الثوار بسائر النواحي خرج المترجم من دار الملك وأفاض المال وزاد للعبيد فوق المعتاد ظنا منه أن ذلك يجدي في رتق ذلك الفتق العظيم، ثم رجع لقصوره أي حيث رأي أنه لا سبيل له لأكثر مما فعل.
قال في "نشر المثاني" ووقعت هدنة بين الناس عن الحرب، إلا أن أهل فاس رفضوا جميع ما كان يجري عليهم من الوظائف السلطانية وحملوا الأسلحة وركبوا الخيل، وضج الناس بالفرح والسرور، واشتغلوا بالملاهي في النزهات والتأنق في اللباس والجلوس في الطرقات أفواجا مقبلين على اللهو واللعب والسريان (١) في
стр. 317
كل متسغ من أرقة فاس، ولم يبق للأحكام السلطانية نفوذ فيها بل في سائر المغرب، وليس للسلطان سوى الدعاء على المنابر والاسم، وكمل العام كله على هذه الحالة -يعني عام تسعة وثلاثين- وكثر في المغرب الفتن والأهوال فكان هذا هو الأصل في الفتن التي ظهرت بعده. اهـ. من النسخة الصحيحة من نشر المثاني (١) قاله في الدر المنتخب.
ومن جملة من ثار، وسعي في الأرض الفساد من الثوار: أحمد بن على الريفي واللصوص وقطاع الطريق ونهض بتلك الجيوش يريد دخول تطاوين ومبايعة أهلها له -وقائدهم إذ ذاك عمر الوقاش آتي الترجمة في حرف العين بحول الله وقوته- فقابلوه بأفواه القنابل ووقع بينهما قتال عظيم مات فيه كثير من الفريقين، قيل إنه دخلها وهمّ بأهلها فانتصروا عليه وصدوه.
والذي صححه في "الدر المنتخب" أنه لم يدخلها، وأن الكرة كانت عليه من أول الأمر، ودعا الوقاش لنفسه وكثر الهرج والمرج واشتعلت نيران الفتن، وكتب أهل تطاوين للسلطان المترجم وقصوا عليه القصص وشرحوا له ما هم فيه من الضيق والحرج وطلبوا نصرته وتعزيزهم بجيش ينكس أعلام البغاة المتمردين ويكسر شوكتهم كي ترجع المياه إلى مجاريها ويستتب الأمن في تلك الناحية.
ولما وصلته رسلهم بالكتاب وعلم فحواه، وأحاط علما بسره ونجواه عرضه على المسيطرين عليه من أعيان العبيد وهو إذ ذاك مضروب بأعلى يده من جانبهم فأجابوه بأن هذا الأمر لا يهم ولا يرفع إليه رأس، لأن عادة أهل الريف مع جيرانهم العداوة والقتال دائما، ولو علمنا أن الريفي ادعي هذا الدعوى لبادرنا إلى قتاله وأبدناه بجيوشه وصيرنا جميعهم في خبر كان، فاستصوب رأيهم قائلا هذا رأيي، ولم يدر أنهم إنما تنصلوا خوفا على أنفسهم وركونا للراحة لعلمهم أن الجيش الذي يبعثه السلطان لا يكون إلا منهم، فاختاروا الراحة وأعرضوا عن مصالح الإسلام والمسلمين، وبقيت رسل أهل تطوان منبوذة بالعراء لم يبال بها
стр. 318
أحد مسندًا الأمر لغير أهله، وإذا أخبر بحادث جلل، يقول: كل ما قدر الرحمن مفعول.
ولما رجع رسل تطوان الى بلدهم وأخبروهم بحقيقة الحال وأنه لا سلطان في الحقيقة، وإنما هي فوضي منتظمة من شهاوي وأغراض قاموا في تحصين بلادهم على ساق واشتد القتال بين الريفي والقبائل التي أبت من متابعته على هواه وكان النصر حليفهم والخذلان قرين الريفي إلى أن قتل وأراح الله منه البلاد والعباد.
وفي اختصار "رحلة تومي" الإنجليزي صحائف ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ما فيه بعض مخالفة لما ذكره صاحب "الدر المنتخب" في الجملة وذلك أنه حكي أن الباشا أحمد هو الذي كان عاملا على تطوان، وأن أهل تطوان ومجاوريها من الجبال هم الذين قاموا على العامل المذكور مع رئيس الفتنة إذْ ذَاك بليز، فقاموا على الريفيين ونهبوا أموالهم وقتلوا منهم من لم يدخل معهم في افتياتهم، فطلب الباشا أحمد الريفي الإعانة على أهل الجبال ومن أقاموا الفتنة من أهل تطوان فامتنعوا، فعند ذلك وجه إليهم عسكر سبتة فامتنعوا من تلبيته وأن أخاه والي.
طنجة لما علم بما ذكر لحق بأخيه أحمد المذكور في خمسمائة فارس، ولما وصل تطاوين ولاه أخوه أحمد مكانه بتطاوين وترك معه أدالة من العبيد وخرج هو في أثر الثائرين، ثم إن أهل تطاوين لم يقبلوا أخا الباشا عاملا عليهم فحصروه في داره وعند ذلك أمر الأخ الذي بتطاوين بإيقاد النار في دار البارود فانهدت وانهد ما حولها من الدور، ثم هرب العامل مع لفيف من أصحابه إلى بعض الأضرحة، ثم إلى طنجة، وأن أهل تطاوين أكلوا داره ونهبوا أجنته وأمتعته، ووجهوا بيعتهم للذهبي وأخبروه بأن سبب قيامهم على العامل هو ظلمه لهم فليحرر.
ولما علمت القبائل حقيقة ما صار إليه الأمر بعد السلطان الأعظم مولانا إسماعيل نبذوا الأوامر السلطانية وراءهم ظهريا وامتطوا متن الاستبداد، وماجوا في الأرض بالفساد، وأكل القوي الضعيف واشتدت شوكة البرير وعظمت ولم يبق إلا
стр. 319
النهب والسلب واشتد الضيق بمكناسة والسلطان بها، حتى صار خارجها مسلوبا، وداخلها منهوبا، تغير البرابر على سرحها وتمنع أهلها من العمل بجنتها.
ولما تيقن العبيد أن السيل بلغ الزبى، أجمعوا رأيهم على أنه لابد من شد الوطأة على متمردة البرابر وكسر شوكتهم قائلين إنهم آذونا وآذوا جوارنا واستضعفونا، ونحن ما مات سيدنا حتى تركنا أصحاب قوة وبأس شديد، يذيب رعبنا الحديد، فركب منهم ما يزيد على الخميس ألفا وأغاروا على سرح البرابر في سائر الجهات والنواحي ورجعوا لمكناسة من غير أن يتعرض لهم بربري ثم اجتمع رءُوس البربر ووجوه العبيد واتفق رأيهم على أن البرابر لا يتعرض لهم أحد داخل المدينة ولا خارجها، وأن البرابر لا يتعرضون لمن أتي لمكناسة ولا لمن خرج منها. انتهى، ما يعول عليه مما ساقه أيضا في "الدر المنتخب" وهذا بعض ما جري عام تسعة وثلاثين الذي جلس فيه المترجم على عرش مملكة والده المقدس.
أما عام أربعين فقد قال العلامة المؤرخ ابن إبراهيم الدكالي في "تقاليد التاريخية"ما نصه: وفي ضحي يوم الخميس رابع عشر ربيع الأول عام أربعين أغار الوداية على سوق الخميس، واشتغلوا بالسلب والنهب وضربوا الناس بالرصاص، فانتدب أهل فاس لقتالهم من الزوال إلى الغروب من جهة المرس، فقبض الأوداية على بعض أهل فاس وسجنوهم بفاس الجديد، وفي آخر النهار أخذ أهل فاس قصبة شراكة واستولوا عليها.
ثم بالغد وقع قتال أيضا بظهر الرمكة، ثم يوم السبت وقع قتال بينهم بناحية بستيون باب الجيسة وكانت الغلبة لأهل فاس.
ثم وقع الصلح بينهم يوم الأحد وذلك بروضة سيدي أبي بكر بن العربي نفع الله به وسرحوا المسجونين بعد أن قتلوا منهم طائفة، ثم أخذ الأوداية في قطع الطريق.
стр. 320
ومن الغد جاء كتاب من عند السلطان يسأل عن الظالم من الفريقين وقرئي بمنبر مولانا إدريس، ثم لما سمع الحياينة وشراكة وأولاد جامع بهذا الأمر جاءوا إعانة لأهل فاس ظنا منهم أن ما فعله الأوداية ليس بإذن السلطان، فلما تحققوا أن ذلك بإذنه انصرفوا لمواضعهم وبقي الأمر يروج إلى يوم الأربعاء الموفي عشرين خرج الأشراف والعلماء بقصد الملاقاة مع السلطان.
وفي يوم الخميس بعده وقع قتال بباب الفتوح وحضر فيه الحياينة ومن انضاف إليهم وبقي من خيل الأوداية نحو من ستة وثلاثين، ووقع قتال بالوادي المالح بباب الجيسة يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر ومات فيه من أهل فاس نحو الستة.
وفي الرابع والعشرين جاء شريف ممن ذهب لملاقاة السلطان وأخبر أنهم لم يتلاقوا مع السلطان وأن على ويش أمر بهم فسجنوا إلا هذا الشريف بخصوصه، وجاء كتاب من أخت الأمير تهددهم فيه وتذكر أُمورًا تقتضي أنهم ظالمون، ثم أجاب أهل فاس عن الكتاب المذكور وبقي الأمر يروج إلى يوم الثامن والعشرين قدم جماعة من عبيد مشرع الرملة يبحثون عن حقيقة الأمر لأن الوداية كتبوا لهم أن أهل فاس شقوا العصا على السلطان، فأضافهم أهل فاس أحسن ضيافة وأخبروهم بحقيقة الأمر، وانصرفوا يوم السبت الموفي ثلاثين، وفي عشية هذا اليوم وقع قتال مع محلة جاءت من عند السلطان قرب بستيون باب الفتوح ولم يمت فيه أحد من أهل فاس.
ثم صار السلطان يبعث البعوث ويكثر الجيوش لحصار فاس وأمرهم بالتضييق على أهلها وقطع عنهم الداخل والخارج وركب الأنفاض والمهاريز ليرمي بها البمب.
وفي ثاني ربيع الثاني رمي البمب على فاس سبع مرات ولم تضر أحدا،
стр. 321
وركب أهل فاس نفضا بالزيات يرمي لناحية المحلة النازلة بظهر الرمكة ثم كتب أهل فاس كتابا لعبيد مشرع الرملة.
وفي زوال يوم الأربعاء رابع الشهر المذكور وقع القتال أيضا بقنطرة ابن طاطو مات فيه من أهل فاس نحو الستة.
ومن الغد وقع قتال كبير واشتد من الزوال إلى الغروب بالموضع المذكور ومات فيه من أهل فاس نحو الثمانية ومن غيرهم عدد كثير، وفي صبيحة هذا اليوم هدم أهل فاس المنزه الذي بدار أبي على الروسي ونهبوا دار صهره المزوار.
وفي الثاني عشر من الشهر كان قتال كبير بناحية باب الحديد، وامتد من الضحي إلى الغروب، مات فيه من أهل فاس نحو الثمانية ومن غيرهم من أهل المحلة نحو أربعين رجلا ونحو الثلاثين من الخيل. وفي عشية هذا اليوم قدم الأشراف الذين كانوا مسجونين بمكناسة ومعهم مولاي المستضيء (١) وأشراف مكناسة ليوقعوا الصلح بين الفريقين، ثم ذهب مولاي المستضيء مع جماعة من أعيان أهل فاس من أشراف وعلماء وتلاقوا مع السلطان ففرح بهم وسامحهم، وقال لهم: أرسل ولدي يسكن معكم وهو أمان بيني وبينكم، وقدم الذين ذهبوا مع مولاي المستضيء يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الثاني المذكور بين المغرب والعشاء وضجت المدينة وظنوا أنهم عَدُو فتبين خلاف ذلك بعد ما وقع الحزام (٢).
وفي السادس والعشرين ورد أبو فارس والد السلطان، وتلقاه الناس بظهر هو بالناس، ثم إن بعض الشياطين من الناس أسر في أذنيه أن أهل فاس عزموا على قتلك إن دخلت إليهم فنكص على عقبيه وولى هاربا، فوقعت رجفة وأخذ أهل
стр. 322
فاس بعض أصحابه وقتلوه وبات مولاي أبو فارس بالمحلة وتغير الناس لذلك وبالغد أرسلو إليه وألانوا له القول واصطلحوا معه وأتي إلى المدينة معهم.
وفي التاسع من جمادي الأول رحلت المحلة عن فاس بعد ما أصابتهم المشقة العظيمة من الكور والبمب. وفي يوم السبت الثالث عشر من الشهر خرج القائد المحجوب هاربا، وقد كان أهل فاس أعطوه الأمان حين كان القتال مع السلطان.
وفي عشية هذا اليوم وقع الشر أيضا بين أهل فاس والوداية عند بستيون باب الجيسة.
وفي العشرين كان آخر شر بالمحل المذكور وامتد إلى الغروب ومات كثير من الوادية ومن أهل فاس نحو خمسة عشر رجلا وجرح كثير منهم.
وفي الثالث والعشرين كان شر كبير عند باب الجيف بفاس الجديد، وذلك أن أهل فاس اتفقوا أن يذهبوا لفاس الجديد ويأخذوها قهرا، فتحزموا وخرجوا على ظهر الرمكة بعدد كثير، فلما رآهم الوداية أيقنوا بالهلاك وتحققوا أنهم لا يقدرون على ملاقاتهم، ثم إن الله تعالى ألقى في قلوب أهل فاس الرعب فرجعوا من حينهم هاربين وتبعهم الوداية بالقتل والضرب والسلب والنهب، ومات منهم ما بين مفقود وساقط في الوادي ومقتول ما ينيف على عشرين.
وفي يوم السبت خامس جمادي الثانية وقع قتال بوادي المالح خارج باب الجيسة، واشتد من الزوال إلى الليل مات من أهل فاس نحو العشرين ومن الوداية أكثر من ذلك.
وفي ليلة الجمعة الخامس والعشرين رموا على فاس سبعة من البمب.
ومن الغد وقع أيضا شر بالوادي المالح فجاء الوداية بعدد كثير وانهزموا وقطع منهم أهل فاس رءوسا وقتلوا منهم ما يزيد على الأربعين، وأما الجرحى
стр. 323
فكثير، ومات من أهل فاس نحو العشرة، ثم في هذا اليوم نفسه رموا على فاس تسعة من البمب ونزلت في المواضع الخالية، ثم رموا في يومين بين ليل ونهار نحو الثلاثين، ثم رموا تسعا.
وفي يوم الجمعة ثاني رجب وقع حزام قبل الصلاة، وأخرج القائد عبد الوهاب الناس من المسجد خوفا على المدينة، وترك خطيب الأندلس نصر السلطان في الخطبة ونصره خطيب القرويين.
وفي رابع رجب وقع شر كبير لم ير مثله ومع الوداية قبائل كثيرة مات من أهل فاس نحو اثني عشر رجلا.
ومن الغد رموا اثني عشر من البمب.
وفي سادس الشهر جاء جيش عظيم وأحاطوا بالمدينة واجتمعوا بدار ابن عمرو وجاء موسى الجراري إلى باب الجيسة وبعث رسولا يطلب الأمان حتى يتكلم مع علماء فاس، فأجابوه لذلك وتكلموا معه حتى لم يجد حجة وانصرف مع العصر يريد أن يصلح أهل فاس مع السلطان.
وفي الثاني عشر رجب خرج علماء أهل فاس وأشرافها وجماعة من الأعيان صحبة موسى الجراري بعد ما أعطاهم رهائن من قومه تركهم بفاس وقدموا لمكناسة ولم يتلاقوا مع السلطان وإنما تلاقوا مع الدائرة ولم يحصلوا على طائل ورجعوا لفاس تاسع عشر الشهر المذكور.
وفي السابع والعشرين فتح بعض رؤساء فاس باب الفتوح ليلا وأخرج منها بعض أحمال السلع بقصد التجارة على يد بعض أشراف تافيلالت، وقبض من صاحبها نحو العشرة مثاقيل ثم بلغ الخبر للجماعة فأرادوا الانتقام ممن فعله فوقعت فيه الشفاعة، وكان ممن أراد الانتقام منه مولاي عبد الله بن إدريس وأراد عزل
стр. 324
الغرناطي فلم تساعده الجماعة، فبعث إلى موسى الجراري وقال له: إن أهل فاس أرادوا مولاي إدريس فأخذت الجماعة بخاطره حتى سكن.
وفي يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر وقع شر كبير بالوادي المالح مات من أهل فاس نحو الثلاثين، وجرح نحو الخمسين، ومات من الوداية نحو ثلاثمائة وجرح نحو الثمانين، وصاروا يرمون البمب في اليومين بعد على أهل فاس.
اهـ، ما ذكره ابن إبراهيم ونحوه في نشر المثاني.
قال في "الدر المنتخب" ولما ترك الأمير ما كان عليه والده من القوة وحسن التدبير في الأمور وقع في النكبات، حتى عزل ولم يبق إليه التفات، وهكذا يقع لكل ملك ترك التدبير، وعدم التفرقة بين الأمر اليسير والعسير، اجتمع أهل فاس وغيرهم من أعيان القبائل وصناديدهم -غير الأوداية لم تنتظم في سلكهم- واتفق رأيهم على خلع المترجم وبيعة غيره ممن يقوم بأمور المسلمين من إخوته (١).
ولما وصل الخبر بالعبيد تيقنوا أنهم إذا لم يبادروا للدخول فيما دخل إليه أهل فاس ومن انضم إليهم يخرج الأمر من أيديهم وينبذون بالعراء ويحال بينهم وبين ما يشتهون من الاستبداد ونهب بيوت الأموال وأكل أموال الناس بالباطل، فأجمعوا أمرهم بينهم وتفاوضوا في تدبير حيلة يدخلون بها على أهل فاس ومن انتظم في سلكهم من عصبة القبائل، ورأوا أن لا حيلة تخلصهم إلا إظهار الأنفة والضجر من المترجم وتصميم العزم على خلعه لعجزه عن القيام بتدبير أُمور الرعية حتى عم الفساد وضربت الفوضي في سائر الأيالة الأطناب، وكتبوا لأهل فاس والوداية، بأن السلطان عجز عن الولاية، وأنه لابد من تقديم من يقوم بأمور المسلمين، من نبهاء إخوته المقتدرين، وأن هذا الخرق كان وقوعه منهم وأنهم يريدون جبر كسره
стр. 325
على أيديهم وأن مولاي عبد المالك (١) بسوس هو أحق وأولي بالقيام بأعباء الخلافة ورتق ما تسبب فيه أخوه المترجم من الفتق، وأنهم يطلبون من أهل فاس والوداية الموافقة على هذا الأمر الذي فيه صلاح الأمة وغلق باب التهور والافتيات، فاستحسن أهل فاس والوداية ذلك منهم وتمت الحيلة عليهم وأجابوا العبيد بتحبيذ ما رأوا، وأنهم لا خروج لهم عما أبرموه واتفق رأيهم عليه، ففرح العبيد واستبشروا وأرسلوا إلى مولاي عبد المالك بسوس، ولما بلغه الخبر لبي دعوتهم. وأجاب رغبتهم، وجد في المسير وطوى المراحل وصاحب الترجمة في غمرته ساه.
ولما وصل مولاي عبد المالك لوادي بهت واتصل الخبر بالعبيد دخلوا على المترجم لدار ملكه وألقوا عليه القبض وأخرجوه من دار الملك وسجنوه بالدار التي كانت معدة لسكناه قبل ولايته على عهد والده، وأحاطوا به شرذمة من الحرس لحراسته ونادوا بخلعه والضرب على يده، وقيل: إنهم فعلوا به ذلك قبل تعيين السلطان في سابع شعبان، ومن الغد وصل الخبر لفاس.
وفي تاسع شعبان قدم العبيد إلى مشرع الرملة والعلماء والأشراف على فاس فتهيأَ أهل فاس لملاقاتهم في ثمانين ألفا من الرماة ورحبوا بهم وأضافوهم أحسن ضيافة، وشرحوا لهم عجز المخلوع عن القيام بمصالح الرعية وما آل إليه بسبب إهماله البلاد والعباد، من انعدام الأمن، وتساقط القوى على الضعيف، وأن رأيهم اجتمع على بيعة أخيه المولي عبد المالك لنجدته وشجاعته وحزمه وعزمه وضبطه وحسن سيرته وسياسته وعدله وميله للسلم والإصلاح بين الناس، وأنهم شهدوا منه ذلك في حياة والده حيث خالف عليه وبويع بتارودانت، ففرح أهل فاس بولايته لأنهم حركوا معه فكان يحسن إليهم ويواسي ضعيفهم ويصبرهم ويطيب
стр. 326
أنفسهم على ما يقاسون من أذي عمال والده، فتوافق الجميع على نصره وخلع أخيه المولي أحمد، وأعلنوا بذلك في الأسواق والأندية، قيل: كان ذلك في عاشر شعبان.
وفي يوم الجمعة رابع عشر منه خطب به على المنابر في سائر المساجد وخلفوا بمكناسة الزيتون ولده، وأبردوا بريدا لمولاي عبد المالك يعلمه بسائر ما وقع ويحثه على تعجيل القدوم عليهم للعاصمة المكناسية، فصار الرسول يطوي المراحل متأبطا المكاتب بشرح الواقع، وبِفَور وصول الخبر لمولاي عبد المالك أسرع السير إلى أن حل بالضريح الإدريسي الأكبر تاسع رمضان، وهناك لحق به وفد شرفاء فاس وعلمائها وأعيانها ورماتها مع القبائل المجاورة لهم فكرم وفادتهم وأنزلهم بوادي الشجرة بجنان هلال وأفاض عليهم موائد الإنعام والإكرام والصلات الضافية فسروا واستبشروا.
ومن الغد دخل مكناسة فتلقاه وجوهها على اختلاف طبقاتهم وقدموا إليه بيعتهم.
وفي الثالث والعشرين من رمضان شرع في قراءة صحيح البخاري في جمع من أعيان العلماء وأصدر أوامره لجميع القبائل بحضور العيد بحضرته فامتثل الكل فغمرهم موائد وصلات وعوائد.
وفي رابع شوال عزل التماق عن قضاء فاس، وولي مكانه العلامة أبا العباس الشدادي وولي العمالة العربي العسعاسي.
ولما تم له الأمر واستقر على عرش ملكه بمكناس قام أهل فاس وغيرهم يطلبون أخذ ثأرهم من أخيه السلطان المترجم وألصقوا به أمورا زعموا أنه ارتكبها تبعا لأهل الظلم والتعدي. قال في "الدر المنتخب" نقلا عن نشر المثاني: إن مولاي
стр. 327
عبد المالك، استفتى العلماء في أمور شنيعة شنعوها على أخيه مولاى أحمد توجب القتل لمن ارتكبها وفعلها، وكثر بها الكلام على الألسنة منها طلب أهل فاس أن ينصفهم من أخيه مولاي أحمد المذكور بكونهم لم يخرجوا عنه ولا قدرة لهم على ذلك ولا على حرب من يريد ذلك ولا على موافقته بقول ولا فعل، فنهبت أموالهم وحطبت أشجارهم وهدمت دورهم بالبمب، وماتت نساؤهم وأولادهم وآباؤهم وأهلوهم بالهدم، مع أن من ينسب له الخروج عليه لم يتحقق منه ذلك ولم يثبت عليه وإنما يدفع عن نفسه الوداية وغيرهم من الجيش الذين كانوا ينهبون أموالهم ويريدون الوثوب على نسائهم كما فعلوا بالبوادي والحواضر فنسبوا الخروج إليهم ليحصلوا ما أرادوا فيهم، ووشوا بأهل فاس إلى مولاي أحمد ونسبوا لهم الخروج عليه فقبل منهم ذلك من غير ثبوت لهم على أهل فاس، فأَطلق يدهم عليهم فخاض العلماء في ذلك ولم تتفق أقوالهم ولا آراؤهم في شيء فلم يجيبوا عن شيء واتفقوا على أن التفويض في ذلك للسلطان يجتهد ويحكم باجتهاده، فاستشار في ذلك كاتبه أبا عبد الله محمد بن أحمد الفاسي فأجابه بأنه لم يتم موجب قتله بما طلبه به بعض الضعفاء من أهل فاس من المؤمنين فرجع عما استفتي فيه العلماء من قتله. انتهى.
ثم أرسل مولاي عبد المالك أخاه الولي أحمد المترجم مسجونا لسجن فاس الجديد، فأُتي به إليه مقيدا بالحديد تاسع الشهر قيل إنه رق له بعد ذلك وسرحه وبقي مسرحا نحو ثمانية أيام، ثم بداله سجنه وإجلاؤه إلى الصحراء ظانا أنه يستريح منه، وقبض عليه ووجهه في الثامن والعشرين من الشهر المذكور، وأمر ولده بسمل عين عمه المترجم بمجرد وصوله إليه، فكان من لطف الله به أن بلغه ما أضمر له أخوه القائم عليه فهرب لزاوية أبي عثمان سعيد أحنصال بقبيلة آيت عطة، وكان قيم الزاوية إذ ذاك ولده أبو يعقوب يوسف بن سعيد -وكان من المحدثين- فأخبره برجوعه لملكه وعود الأمور إليه.
стр. 328
ثم لما بدا للعبيد من المولي عبد المالك ما لم يوافق هواهم من التبذير وتفريق الأموال في غير مستحقها بل حتى في مستحقها وقيامه بأمور المملكة بنفسه واستروحوا رائحة عزمه على الإيقاع بهم ضاق بهم المتسع وشمروا على ساق في خلعه، ورد المولي أحمد لبسط كفه وإلقائه زمام الملك بأيديهم يتصرفون في الرعايا والجبايات وبيوت الأموال كيف شاء هواهم.
ولما أحَسَّ بذلك المولي عبد المالك أخذ في الاحتياط لنفسه وتربص الدوائر بهم، ولكن بادت حيله ولم تغن عنه احتياطاته شيئا كما سيقص عليك في ترجمته بعد بحول الله.
وفي صبيحة عيد الأضحى من العام أعلن العبيد بخلع ربقة بيعته من أعناقهم ومنعوا خطيب مشرع الرملة من التعرض لذكره في خطبته وألزموه ذكر مولاي أحمد المترجم وطيروا الأعلام إليه، ولما اتصل به الخبر أسرع المسير إليهم وفي معيته صاحب الزاوية الحنصالية المذكور وقد انضم إليهم بنو حسن وتحالفوا وتعاقدوا على بيعته والموت تحت رايته وارتحلوا جميعا إلى مكناسة حيث عرش المملكة، فهم المولي عبد المالك بالبروز إليهم ومقاتلتهم، فجهر الوداية بالخروج عليه وبيعة أخيه وشرعوا فورا في قتال جيشه، ولحق بهم العبيد إلى مكناسة يوم الاثنين رابع عشري ذي الحجة عام أربعين (١).
ثم نادي بعض رؤساء العبيد على بعض من بباب قصبة السلطان الموالي للقبة الخضراء بنصر أخيه مولاي عبد الله وكانت خناثة بنت (٢) بكار المغفري -زوجة مولانا إسماعيل- هي الساكنة بتلك الدار الموالية لذلك الباب، فلما سمعت النداء بنصر ولدها فتحت الباب من ناحيتها فبينما الناس يقاتلون بنواحي مكناسة إذ سمعوا بدخول العبيد للقصبة فسقط في أيديهم، وخرج السلطان ناجيا بنفسه في
стр. 329
نحو ثلاثمائة من أصحابه، وسلك غير طريق فاس المشهورة، ووقع في القصبة نهب عظيم وأعادوا الغارة على مكناسة بمثل ذلك نهبا وسبيا وهتكا للحرمات، وارتكاب سائر المحرمات، وكان ذلك ثاني اليوم المذكور (١).
ولما وصل مولاي عبد المالك أبواب فاس اضطرب رأي أهلها، فمنهم من رأي أن الأولى صده عن الدخول إليها لعجزهم عن مقاومة حرب العبيد الساعين في الأرض الفساد، وخافوا أن يوقعوا بهم ما أوقعوه بمكناس وقصبته، ورأي السواد الأعظم منهم دخوله والمقاتلة دونه، لأنه الخليفة الذي بيعته في أعناقهم وطاعته واجبة عليهم والحال أنه بين أظهرهم فأدخلوه واستوطن دار القيطون، وما رأى الجمهور من إدخاله هو رأْي جل علمائهم، وانضم إلى أهل فاس كل من لم يخرج عن المولي عبد الملك من القبائل على ما سيبين في محله بحول الله (٢).
وقيل: إن مولاي أحمد المترجم وصل مكناسة في أواخر ذي الحجة من العام المذكور، وأن مولاي عبد المالك لما فر ترك رماة أهل فاس بقصبة مكناسة وكانوا نحو الألفين، وأن مولاي أحمد لما حل بمكناس قبض على الرماة المذكورين وقيدهم وأودعهم بالسراديب رجاء أن يرجع أهل فاس إلى طاعته، ولما اتصل الخبر بأهل فاس خرجوا خيلا ورجالا إلى زواغة ونهبوا للوداية جميع ما وجدوه من الماشية، وجاءوا بذلك لفاس، فبيع الكبش بثلاث موزونات والبقر بثمانى عشرة موزونة فاستغاث الوداية بإخوانهم الحالين بمكناس والعبيد.
وفي أول يوم من المحرم جاء المولي أحمد لقتال فاس بجنود لا حصر لها وهم لا يشكون في دخول فاس والإيقاع بأهلها أفظع مما فعلوه بمكناس، ثم بدا لمولاي أحمد أن يوجه القائد صالح الليريني قائد الرماة المسجونين بكتاب لأهل
стр. 330
فاس يحذرهم ما صنعوا ويغريهم على بيعة المترجم والدخول تحت طاعته، ويعدهم بتسريح إخوانهم الرماة المسجونين، ولما وصل الليريني إليهم وقرءوا الكتاب المذكور وثبوا على الليريني فقتلوه وصلبوه على التوتة الكائنة بسوق الصفارين، وقتلوا الحاج الخياط عديل بداره بالمعادي، وتمادوا على قتل كل من ذكر المترجم حتى لم يبق لاسمه ذكر بفاس.
وفي سادس محرم نودي في وقت الصلاة بهجوم العدو وخرج الناس من المساجد وصلوا الجمعة ظهرا فكشف الغيب أن لا عدو فاطمأنوا وأقاموا صلاة الجمعة وخطبوا بمولاي عبد المالك.
وفي يوم السبت سابع محرم وقع قتال كبير بين أهل فاس والوداية والعبيد، مات من أهل فاس نحو ثمانية وجرح نحو العشرين، ومات من الوداية ومن انضم إليهم نحو أربعمائة.
قال في "نشر المثاني" وفي تاسع المحرم قدم على السلطان مولاي أحمد مَن بقي (١) من جيشه من قبائل المغربْ فأحاطت الجيوش بمدينة فاس كالخاتم، فلما أصبح يوم عاشوراء برر (٢) جيش العبيد على فاس، وأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم، وقصدوها دفعة واحدة ولم يخرج لهم أحد من أهل فاس، وإنما حاربوهم من أسوارها إلا القليل خرج إليهم، فهزم الله تعالى الجيوش كلها، ولم يمت من أهل فاس أحد إلا الولي الصالح سيدي العربي بن عيسون، لأنه خرج على باب المسافرين فأصابته رصاصة فقتلته، وحكموا أنهم منعوه من الخروج أولا خوفا عليه فقال: إن لم تتركوني أخرج يدخل عليكم العبيد يشير أنه الطالب من الله تعالى أن يصرفهم عن فاس وأنه افتداهم بنفسه وأنه حصل لأهل فاس دهش
стр. 331
عظيم. ثم كتب لهم مولاي أحمد رسائل يدعوهم إلى خلع مولاي عبد المالك والدخول في طاعته فامتنعوا، وهو في ذلك مساعف للعبيد، وإلا فقد كان حاله إنما يريد الراحة لكن كان الأمر والنهي للعبيد، وليس له من الملك إلا الاسم لا المسمي لا يقطع أمرًا إلا بما يأمرونه [به] وبهذا اعتذر أهل فاس وامتنعوا من الدخول تحت العبيد. ثم حمي وطيس الفتنة وبقي الحرب سجالا (١).
وورد الخبر بأن سفيان وبني مالك وشراكة وأولاد جامع والحياينة اجتمعوا يريدون أن ينصروا موالي عبد المالك لأنهم باقون على عهده ولم يخلعوه، فوجه لهم العبيد جيشا فاقتتلوا مع القبائل قرب وادي إينول (٢) فانهزمت القبائل وبقي منهم قتلي كثيرون (٣).
ومن جملة من قتل مع (٤) القبائل وزير مولاي عبد المالك مولاي المنتصر بن مولانا إسماعيل، وحمل إلى فاس ودفن بروضة سيدي الخياط بالدوح من فاس القروس، قتله الوداية وأرسلوه مع بعض المحبوسين من أهل فاس، وقصدهم بذلك تحقق مولاي عبد المالك بهزيمة جيشه، فحينئذ يئس وانقطع رجاؤه من المدد (٥).
وفي رواية أن الذي قدم بمولاي المنتصر سيدي عبد الله القصري في الرابع عشر من المحرم ودفن ليلا، وحضر جنازته السلطان مولاي عبد المالك وأعيان المدينة، وشد العبيد الحصار على فاس، وقطعوا الماء عن عدوة القرويين وأدنوا محلتهم لسورها.
стр. 332
وفي ثامن عشر محرم ركبوا نفضين على المدينة قرب سيدي الحسن الدراوي، ورموا في ذلك اليوم نحوًا من أربع وعشرين كورة، وبالغد وقع قتال كبير على جميع الأبواب خصوصا باب الفتوح، لأنهم أرادوا أخذ البستيون وجاءوا إليه بالسلاليم فانهزموا، ومات من أهل فاس نحو العشرين ورموا في ذلك اليوم كورا كبير.
وفي اليوم الموفي عشرين رَمَوْا نحو خمس وأربعين كورة، وبالغد رموا نحو العشرين.
وفي يوم الأحد الثاني والعشرين وقع قتال عظيم عند سيدي الحسن الدراوي، وفيه مات الحاج عبد الرحمن المفرج قائد الأندلس ونحو العشرين رجلا بين قتيل وجريح.
وفي السادس والعشرين وقع قتال عظيم بوادي المالح بباب الجيسة من الضحى إلى الظهر مات فيه من أهل فاس ثلاثة، وجرح ستة ومن الغير عدد كثير، ورموا في ذلك اليوم من الكور والبمب عددًا كثيرا في كورة واحدة نحو سبعه أرباع، وركبوا بقصبة شراكة بالخميس أربعة عشر نفضا وكانوا يرمون بها ليلا ونهارا من كل جهاتها وأحاطوا بها بأشبارات، فكان بينهم وبينها أقل من رمية بمكحلة، وربما كان رصاصهم يبلغ سطح الدور من بعض جهاتها فيصيب من يكون بالأسطحة، ووقع ضيق عظيم بالمدينة وهدم بالبمب كثير، ومات كثير من النساء والأطفال ومن لا يستطيع منعا ولا دفعا من الرجال العاجزين عن القتال، ونهب أهل الحلة المرس الكبير الذي بين سيدي على بن حِرازهم (١) وسيدي الحسن الدراوي إلى سور المدينة وحطبوا الأشجار وتجلدوا على دخول فاس، وأخلي من المدينة الدور التي يصل إليها الرمي بالكور والبمب واقتصروا على سبكني ما لا يصل إليه، ورتب أهل فاس الحرس على الأسوار وحفروا واديا خارج السور
стр. 333
محيطا به وآخر أبعد منه من جهة باب الجيسة، وتجلدوا للمدافعة عن أنفسهم وعن أهل المسكنة من المؤمنين الذين لا يستطيعون دفعا ولا منعا العاجزين عن القتال وعن المنع أو القبول بالقول باللسان، متوجهين إلى الله في اللطف والنجاة وإخماد الفتن، متضرعين إلى الله لائذين بحمي الله وحمي رسوله وأوليائه، وظهر في ذلك لطف عظيم وأمور عظيمة وأهل المدينة يخرجون للجيش خارج السور لا يرضون بالاقتصار على السور، وكان جيش العبيد مع ما انضاف إليهم قدر مائة ألف.
ثم إن القبائل التي انهزمت بوادي لشول أعادوا الجمع لأجل مولاي عبد المالك والمدافعة عنه وكانوا يتنهزون الفرصه كيف يصلون إلى فاس من الجيش المحيط بها، واستقروا بموضع يقال له تيسة من أرض الحياينة، وكان العبيد ينهبون زرع الحياينة الذي بأَمْرَاسِهِم ويأتون به للمحلة فخرج العبيد لنهب الحياينة على العادة، فرصدهم القبائل المجتمعة بتيسة واقتتلوا مع العبيد، فهزموا العبيد وقطعوا رءوسهم ونهبوا لهم من الدواب ما يزيد على الستمائة.
ولما وصل الخبر للعبيد أرسلوا جيشا منهم ومن الأوداية ووقع القتال أيضا بتيسة فغلبهم جيش العبيد وهزمهم وتفرقت القبائل في الجهات. ولم تتبع العبيد إلَّا سفيان لكثرة حقدهم عليهم، حتى أدركوهم فأوقعوا بهم مقتلة عظيمة فهرب سفيان لحرم وزان ظنا منهم أن العبيد لا يتبعونهم للحرم، فتبعوهم ودخلوا عليهم داخل وزان، ونهبوا الأمتعة والديار، وكانت هذه الوقعة على الناس بوزان من أعظم الوقائع وذلك في الخامس والعشرين من صفر.
ورجع جيش العبيد (١) من وزان إلى فاس ودخلهم من العجب ما أطمعهم بالاستيلاء على فاس، وقد كان العبيد حين دخلوا لقتال القبائل صادفوا الفقيه
стр. 334
السيد أحمد بن سيدي محمد القسمطيني بحوز الحياينة متوجها إلى فاس، وقد كان قاضيا بتازا فقتلوه ومثلوا به.
وفي صفر أيضا وقع قتال عظيم على جميع أبواب فاس حضر فيه مولاي أحمد السلطان وأصحابه وجاءوا من ناحية باب الجيسة، وأظهر اللمطيون في ذلك اليوم قوة عظيمة وقتلوا من الجيش ما يزيد على مائة وخمسين وجاءوا بخَيْلِهم وأسلحتهم، ومات فيه من أهل فاس نحو خمسة عشر رجلا منهم التاجر بو عزة الشرايبي.
وفي الخامس من ربيع الأول كان قتال كبير أيضا بباب الجيسة مات من أهل فاس نحو اثني عشر رجلا، وجرح نحو العشرين ومات من الفريق الآخر عدد كبير.
وفي التاسع منه كان القتال بمصلي باب الفتوح وباب المسافرين وباب الجيسة، مات من أهل فاس عدد عديد يقارب المائة ومن القبائل أضعاف ذلك.
وفي يوم الأربعاء الخامس عشر منه أو الرابع عشر سردوا جيشهم على أن يدفعوا على فاس دفعة واحدة من كل ناحية، وعلامة ذلك خروج نفض في كل محلة عند طلوع الفجر على حين غفلة من أهل فاس، فكان من قدر الله تعالى أن أخبر بذلك بعض أهل المخزن (١) بعض أهل الصلاح والولاية برسالة، فدفع الرسالة التي أَتته من المحلة لأهل فاس فباتوا على سهر يترقبون ذلك (٢).
فلما خرجت الأنفاض كان أهل المدينة على حذر، فإذا هم من كل حدب
стр. 335
ينسلون إلى أسوار المدينة، وجاء العبيد بسلاليم كل سُلَّم (١) يسع عشرة رجال في الدرجة الواحدة، وكانوا حفروا مينة تحت بعض الأسوار قرب سيدي الحاج بودرهم، وجعلوا فيها البارود وأوقدوا فيها النار، وكان من لطف الله أَن صعد السور بالبارود ورجع لمحله ولم يعمل فيه البارود صدعا فرجع العبيد في قيود الحزن ترتاع ولم ينالوا شيئًا (٢).
ولما بدا النهار ووضعت الحرب أوزارها وجدت قتلي العبيد صرعي على كل ناحية، وأكثرهم بباب الفتوح، وهم عدد كبير. ومات من أهل فاس نحو الخمسين منهم الطالب عبد الواحد الجامعي، والطالب مسعود بن محمد الفيلالي، والسيد علال التونسي (٣).
فمن هذه الوقعة أيس العبيد من دخول فاس عنوة، واستبشر أهل فاس وزال عنهم الفزع.
ثم صرف العبيد وجهتهم إلى استعمال الحيلة والمكيدة، وإرسال الكور والبمب (٤)، وطال الأمر وانقطع من يقوم بدعوة مولاي عبد المالك من كل موضع إلا بفاس، وانقطع عنها اللحم والصابون وجميع ما يجبي إليها من خارجها إلا الزرع والإدام كانا بها [كثيرا في هذا الحصار] (٥).
وبقي كل من الريفيين مصابراً للآخر إلى سادس عشر ربيع الثاني، جاءت محلة عظيمة ونزلت على فاس قائدها الباشا مساهل وهم أخلاط ملتقطون من بني
стр. 336
حسن وغيرهم ودفعوا على القلة من باب الجيسة، مات منهم من (١) لا يحصي، ومن فاس نحو العشرين.
ثم في يوم الأحد الرابع والعشرين منه وقع القتال بباب عجيسة، وبالوادي المالح، وبناحية القلل وامتد من الضحي إلى العصر، ومات من أهل فاس نحو الثلاثين، منهم القائد عبد الوهاب الغرناطي. ومن الفريق الآخر من لا يحصى. هـ بنقل "صاحب الدر المنتخب".
ولما اشتد الأمر وطال وكثر الهرج والمرج وعظمت المصائب، واشتعلت نيران الفتن من كل جانب، واشتبكت وارتبكت، والمترجم وحاشيته مجدون في مراودة أهل فاس عن الخروج عن طاعة المولي عبد المالك والرجوع إلى طاعة المترجم، واختلفت آراء الأعلام والعوام في ذلك أفتي الفقيه سيدي محمد ميارة بأنه لا يحل الخروج عن طاعة مولاي عبد المالك ووافقه على ذلك الفقيه أبو عبد الله محمد ابن عبد السلام بناني وأبو عبد الله محمد بن زكري، وخالفهم أبو العباس أحمد ابن مبارك الفيلالي اللمطي قائلا بوجوب خلعه ودفعه لأخيه المتغلب، لأنه لا قدرة له على مقاومته، وبقي الأمر يروج ومال اللمطيون إلى فتوي ميارة ومن وافقه، والأندلسيون إلى فتوى ابن المبارك ومن تبعه كأبي العلاء إدريس المشاط وأبي الحسن على الحريشي.
وفي ضحى يوم الإثنين رابع جمادى الأولى ذهب مولاي عبد المالك إلى زاوية سيدي عبد القادر الفاسي موهما أنه يزور وقصده الكلام مع الأندلسيين والأخذ بخواطرهم فلم يلتفتوا إليه على عادة الغوغاء في الرجوع عن أقوالهم.
قال العلامة ابن إبراهيم الدكالي في "تقاييده التاريخية": ثم إن بعض الطلبة اجتمعوا بجامع الأندلس مع الفقيه السيد أحمد بن مبارك وكتبوا موجبا بإخراج مولاي عبد المالك وعزله ونصر الذهبي، وجعلوا يطوفون به على الناس في
стр. 337
العسات فيقولون: هل تعلمون الشرع أم لا؟ فيقولون: نعم، نعمل الشرع، فيقولون إن الشرع حكم بإخراج مولاي عبد المالك ونصر الذهبي أخيه حتى طافوا بذلك الموجب على جميع أسوار المدينة فتغير الناس بسبب هذا الفعل أشد التغيّر (١)، وبقي الأمر كذلك إلى يوم الجمعة الخامس عشر من الشهر وجاءت غوغاء الأندلسيين إلى أئمة المنابر وأمروهم أن لا يخطبوا بمولاي عبد المالك، فبعضهم ترك نصره على المنبر، وبعضهم نصره، وبعضهم قال: اللهم انصر من نصره الحق المبين، واختلفت الكلمة وكثر الهرج والقيل والقال بين الفريقين، وكاد الأمر يعظم وغلت الأسعار خصوصا الصابون بيع بخمس موزونات للرطل.
ثم اجتمع الأندلسيون واللمطيون بمدرسة الصارفين ليلا وأظهر الذين أرادوا خلع مولاي عبد المالك حجتهم وسكت المخالفون لهم فدل سكوتهم على موافقتهم وانفصل المجلس في الحين.
وفي يوم السبت السادس عشر اجتمع رؤساء الأندلسيين منهم الحاج عبد الرحمن المرابي، والحاج محمد الأندلسي، والحاج محمد يويجر، وأحمد بن عبد الوهاب الغرناطي، والمجذوب اقلال اللمطي، والحاج أحمد بودة اللمطي بروضة سيدي محمد بن عباد مع من وافقهم من طلبة الوقت وكتبوا كتابا لمولاي أحمد الذهبي واشترطوا عليه شروطا إن وفي بها خلعوا أخاه ونصروه وبعثوا له ذلك الكتاب، وبالغد أجابهم بأنه قبل ما شرطوه وذهب إليه جماعة من العلماء والأشراف وأهل الحل والعقد ففرح بهم فرحا شديداً ووعدهم خيرا.
وفي يوم الاثنين الثامن عشر قدموا من عند مولاي أحمد ومعهم كتاب لأهل فاس يشكر فعلهم ويحبذ صنيعهم ويعلن بمسامحتهم فيما صدر منهم ورد القائد المحجوب عليهم فقرأ الكتاب بصحن القرويين وأعلنوا بنصره.
ومن الغد نودي بالأسواق على المخازنية الذين مع مولاي عبد المالك بأن لا
стр. 338
يشتري أحد منهم سلاحا ولا غيره، ومن اشتري منهم شيئا لزمته العقوبة، ونودي ثانيا لما دخل مولاي عبد المالك لحرم مولاي إدريس أن لا يدخل عليه أحد.
وفي عشية هذا اليوم جاء كتاب من عند الذهبي بأنه سامح أخاه وشفع فيه أهل فاس، أنه إن أراد الخروج من الحرم الإدريسي والذهاب لتافلالت فله ذلك، ولما أخبر مولاي عبد المالك بذلك امتنع من الخروج وقال: إني في حرم الله ولا حاجة لي بالملك، فشهد عليه بذلك وأرسلت الشهادة للذهبي.
ثم إن مولاي عبد المالك سمع ممن لا خلاق له من أهل فاس يقول في حقه: إن هذا الحرم لا يجير عاصيا، وسمع أن بعض الطلبة الذين أفتوا بخلعه أفتوا بإخراجه من الضريح الإدريسى، فبعث أحد أولاده لعبيد مشرع الرملة يطلب منهم لأمان لنفسه ويخرج معهم فأجابوه كتابة لذلك.
قال ابن إبراهيم: وفي ضحي يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الأولى قدم الباشا سالم الدكالي رئيس العييد ومعه نحو الخميس من أكابرهم ودخلوا لحرم مولانا إدريس وتكلموا معه وأعطوه الأمان وأنهم لا يغدرونه، فخرج معهم قرب الزوال مع جماعة من أصحابه وكلهم على خيلهم ولما كان مولاي عبد المالك عند السقاية التي بزنقة الحرم الإدريسي لقيه بعض الأندلسيين فقال له نريد من سيدنا السماح فقال لهم: هذا السيد بيني وبينكم وانصرف.
وكان الذي جد في خلعه هم الأندلسيون، وكنا نسمع أن الذهبي بعث إليهم بدراهم كثيرة فاقتسموها بينهم وكانت العامة تقول: أهل الأندلس باعوا سلطانهم بالفلوس.
ولما كان اليوم الذي دخل العبيد للحرم الإدريسي بقصد إخراج مولاي عبد المالك ضج الناس بالمدينة وسد بعضهم الدروب وتحزب اللمطيون وحلفوا أَن
стр. 339
لا يتركوا أحدًا يخرجه كائنا من كان، ثم دخل اللمطيون على مولاي عبد المالك وخيروه في المقام بالضريح الإدريسي والخروج مع العبيد، فاختار الخروج مع العبيد.
ولما ذهب معهم للمحلة أرسلوه لفاس الجديد وتلاقي مع أخيه مولاي أحمد، فتأدب له ونزل عن فرسه وعانقه وسلم عليه وأعطاه مضمة من الذهب وفرسا سرجه ذهب وأنزله بدار ابن شقرة ففرح الناس بذلك.
وفي الغد -وهو الثاني والعشرون من الشهر- بعث مولاي أحمد أخاه مولاي عبد المالك لمكناسة مسجونا فأصاب الناس كدر لا يعلمه إلا الله.
وفي هذا اليوم ذهب أعيان فاس إلى فاس الجديد وصلوا معه الجمعة وفرح بهم وأخذوا بخاطره وقدموا له هدية وشكروا فعله وسرح لهم المساجين الذين كانوا بمكناسة بالدهاليز، وأمر أهل فاس بالصلح مع الوداية فاصطلحوا، وفي الغد وهو يوم السبت فتحت أبواب فاس كلها وأمن الناس بعضهم بعضا.
وفي يوم الاثنين الرابع والعشرين قلعت المحلة ورحلت وذهب السلطان لمكناسة بعد الزوال، وودعه أهل فاس، وبعد ثمانية أيام ذهب أهل فاس إلى مكناسة طالبين من السلطان أن يرد عليهم ما نهبه لهم الودايا من الخماسي البلدي الذي كان بالبرج بفاس الجديد على يد القصارين فلم يرده لهم.
وفي يوم الاثنين ثالث رجب جاء الفقيه السيد إدريس المشاط من عند السلطان، أنه عزل سيدي أحمد الشدادي عن خطة القضاء وولاها له فلم يقبله أهل فاس.
وفي الرابع عشر رجب جاء المشاط لجامع القرويين وصلى الظهر وجلس بمقصورة القضاء ليحكم بين الناس، فدفع عليه جماعة اللمطيين فقام هاربا.
стр. 340
وفي ثامن عشر رجب جاء كتاب السلطان برد سيدي أحمد الشدادي للقضاء، وعزل المشاط وقرئ على المنبر وفرح الناس.
ثم بعد إبرام الصلح مع أهل فاس مرض المترجم قيل خرج من فاس صحيحا وابتدأه المرض بمكناس، وقيل خرج من فاس مريضا حمله العبيد في المحفة لمكناس، وعلى هذا القول أعني الثاني اقتصر في نشر المثاني (١).
ولما اشتد به المرض أرسل إلى أخويه سيدي محمد بن عريبة ومولاي سليمان ابن الجامعية -على ما قيل- وجماعة من العبيد أهل مشورته وأمرهم بقتل أخيه المولي عبد المالك ليلا من غير أن يشعر به أحد، فخنقوه ليلة الثلاثاء الموفي ثلاثين من رجب وغسلوه بالماء البارد على لوح بِمِيضَأة جامع الزيتونة.
ولما قتل مولاي عبد المالك شهيدا ﵀ وشاع الخبر في الناس منهم من صدق الخبر ومنهم من أنكره، وكانوا يتبايعون بالأجل الذي هو ظهور مولاي عبد المالك حتى أفضي الأمر إلى إخراجه من قبره برد الله ثراه ووضعه على الشافر حتى شاهدهْ الخاص والعام وزال الريب.
стр. 341
علائقه السياسة
لما لبي مولاي إسماعيل داعي مولاه، وانتقل لما قدمت يداه وجه ملك الإنجليزي القبطان "روسيل" سفيرًا للمترجم معزيا ومهينا وطالبا فداء الأسارى والدوام على حسن المعاملة مع التجار الذين بإيالته المغربية والأمنية على أنفسهم وأموالهم طبق ما كان الأمر جاريا عليه بينه وبين والده الفقيد.
ولما بلغ علم المترجم أن السفير حل بطنجة كتب له بما حاصله -حسبما جاء في صحيفة ٢٧ من "تاريخ انقلابات دول المغرب بعد وفاة مولانا إسماعيل" الذي ألفه القبطان "ابريط ويت" الإنجليزي الذي ورد في رفقة السفير "روسيل" المذكور المترجم من الإنجليزية إلى الفرنسية- وبعد: نقد أَخبرنا الباشا احمد بن على بن عبد الله الريفي أنكم وصلتم إلى جبل طارق ومعكم صاحب القائد المذكور الذي كان في عاصمة مملكتكم، وأخبرنا بما تؤملون منا من تجديد العهود التي كانت بين والدنا ﵀ وبين دولتكم، وعليه فقدم لدينا صحبة الباشا أحمد بن على وها مكاتب الإيصاء عليك بالطريق حتى تصل لدينا مصونا من كل مروع أنت ومن معك من الأصحاب اهـ. ملخصا.
والصاحب الذي أشار إليه في هذا المكتوب الذي سماه صاحب التاريخ المنقول منه ببوكلي كان وَجَّهَهُ الجدُّ المقدس مولانا إسماعيل سفيراً لملك إنكلترا وفي أُيوبته من سفارته اتصل به نعي مرسله أثناء الطريق.
وكان هذا السفير من جملة أعوان القائد أحمد الريفي المذكور وهو الذي كان أشار على السلطان المرحوم بتعيينه سفيرا.
ولما حدث ما حدث بين القائد أحمد وبين أهل تطوان مما تلي عليك وعلم بذلك السفير والحال أنه تطواني الأصل والاستيطان، كبر عليه ذلك ولم يدر إلى
стр. 342
أين تكون وجهته، فإن قصد الريفي لطنجة ربما لا يأمن على عائلته بتطوان من التضييق بهم وسلبهم أمتعتهم وما لهم نكاية له، وإن قصد أهله بتطوان لا يدري ماذا تلد له الليالي، وقد كان كل من الريفي وأهل تطوان لما علموا بقدومه وجه إليه يأمره بالنزول من البحر لديه فازدادت حيرته، حتى هم بالرجوع من حيث جاء إلى أن تطمئن البلاد وترجع المياه لمجاريها، وقد كان هذا السفير متأبطا لهدايا مهمة من ملك الإنجليز لمرسله.
ولما اتصل الخبر بصاحب الترجمة أوفد إليه الحاج عبد القادر لبريس لجبل طارق يأمره بالقدوم لحضرته بمكناس، وعند ذلك لم يجد بدا من التوجه للقائد أحمد الريفي بطنجة فتوجه لديه ثم ذهب للحضرة السلطانية.
وفي عشري قعدة الحرام عام تسعة وثلاثين ومائة وألف كتب المترجم لقنصل الإنجليز وتجار النصارى الذين بتطوان يعلمهم بانه ولي الباشا على بوشفرة مكان الباشا أحمد الريفي عاملا على إيالته سهلها ووعرها ماعدا طنجة والعرائش وأصيلا، فإنه أبقاها لنظر الريفي المذكور، وأنه أمر بوشفرة بسكنى تطوان وأَنهم لا يرون من المذكور إلا كمال المجاملة والصيانة التامة لأنفسهم وأموالهم حسبما بصحيفة ٢٨ من تاريخ انقلابات دول المغرب المذكور.
بناءاته: منها القصبة التي أنشأها بتادلا حذو قصبة والده، واتخذ بها داره ومسجداً أكبر من مسجد والده، كما أن قصبته أكبر، وزيادته في قبة ضريح والده كما تقدمت الإشارة لذلك في البناءات المكناسية.
قضاته: منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن التماق الأندلسي الغرناطي العلامة المشاور، ولي قضاء فاس بعد امتناع والخطابة بالقرويين منها سادس صفر سنة أربعين ومائة وألف، فعدل في الأحكام وتحري الإنصاف والورع ومشاورة العلماء وأُخر رابع شوال من السنة المذكورة عن غير
стр. 343
ريبة. له من المؤلفات: حواشي على شرح الحصن، وإزالة الدلسة عن أحكام الجلسة، وجمع الأقوال في لبس السروال، قبضه الله عشية الأربعاء عاشر الأربعاء عاشر جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، ترجمه في "النشر" "والروضة المقصودة".
عماله: منهم على بوشفرة الوديني، وأحمد الريفي، والمحجوب العلج.
وفاته: توفي مسلولا ﵀ ليلة السبت الرابع من شعبان عام أربعين ومائة وألف طبق ما هو منقوش في رخامة ضريحه، ودفن خلف ظهر والده بقبة الضريح ﵀ وبرد ثراه وغفر له آمين.
٩ - أبو العباس أحمد بن محمد بن حماد بن محمد بن زغبوش المكناسي التاودي (١).
حاله: كان فقيها حافظا لكتاب الله تعالى كثير التلاوة له متدينا ماهرا في معرفة الهيئة والتعديل، عمي آخر عمره فلما كان عند الموت قلا: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد، فحدث حاضروه أن الله تعالى رد عليه بصره، قال حفيد أخيه أبو الخطاب: فلا أدري أنص لهم على ذلك أم استدلوا بالتلاوة. ووالده محمد بن حماد هو الذي كان امتحنه يدر بن ولجوط في سبعة من أقاربه بالتثقيف إلى أن أصبحوا مذبوحين، ولا غرابة في ذلك إذ الجاهلون لأهل العلم أعداء سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
١٠ - أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن الولي الصالح المتبرك به عبد المغيث زغبوش القرشي المكناسي النشأَة والدار والإقبار .
حاله: فقيه معظم، وجيه محترم، تقي زكي، بر طاهر مرضي، من بيت مجد وفضل وعلم وديانة، وعفاف ونباهة وصيانة، تقلَّد وظائف، إفراداً وجمعا،
стр. 344
وتقيد بمناصب هداية ونفعا، كم نشأ في هذا البيت الكبير من عدول، وكم تفرع من فطاحل عن تلك الأصول، وكم تفننوا في بلاغة النظم والنثر، حتى أصبح منهم روض العنم في نشر، تحمد عقباه يوم النشر، وتطيب الأكوان من ريا ذلك النشر، رمقتهم الجلالة الإسماعيلية بطرف القبول، وشملتهم عنايتها بإدراك السول وحملهم على كاهل المبرة والاحترام، وأفردهم من منشوراته بما يعد من المآثر الفخام، وناهيك بما يتلي عليك من ذلك بعد في مرسومه الأغر، فإنه شاهد صدق أغر.
١١ - أحمد بن عبد الملك بن محمد بن الحسين (١) بن عميرة المخزومي بلنسي شفوري الأصل يكنى أبا المطرف.
حاله: قال ابن عبد الملك: كان أول طلبه شديد العناية بشأن الرواية فأكثر (٢) من سماع الحديث، وأخذ عن مشايخ أهله، وتفق في العلوم، ونظر في العقليات، وأصول الفقه، ومال إلى الأدب، فبرع به براعة عد بها من كبار مجيدي النظم.
وأما الكتابة فهو علمها المشهور. وواحدها الذي عجزت عن ثانيه الدهور، ولاسيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولي على أمد الإحسان، وله المطولات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يعلم كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التاريخ، ويودعه إلمامات بالمسائل العلمية متنوعة المقصد (٣).
стр. 345
وقال المَقَّرِى في "نفح الطيب" لدي تعرضه له ما لفظه: قال فيه بعض علماء المغرب قدوة البلغاء، وعمدة العلماء، وصدر الجلَّة الفضلاء، ونكتة البلاغة (١)، التي قد أحررها وأودعها، وشمسها (٢) التي أَخفت ثواقب كوكبها حين أبدعها، مبدع البدائع التي لم يحظ قبله بها إنسان، ولا ينطلق عن تلاوتها لسان، إذ كان ينطق عن قريحه صحيحة، ورويَّة بدرر العلم فصيحة، ذللت له صعب الكلام، وصدَّقت رؤياه حين وَضَعَ سيدُ المرسلين -وهو الذي أُوتي جوا مع الكلام- في يده الأقلام (٣).
وقال ابن الأبار في تحفة القادم في حقه ما صورته: فائدة هذه المائة، والواحد يفي بالفئة، الذي اعترف باتحاده الجميع، واتصف بالإبداع فماذا يتصف به البديع، ومعاذ الله أن أُحابيه بالتقديم، لما له من حق التعليم، كيف وسَبْقه الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر، تحلت به الصحائف والمهارق، وما تخلت عنه المغارب والمشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثم أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول العموم والخصوص لذكره، وتناوب المنثور والمنظوم على شكره (٤).
وقال في الإحاطة: قلت: وعلى الجملة فذات أبي المطرف فيما ينزع إليه (٥) ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحْدِه، إدراكاً وتفتناً، بصيرا بالعلوم مُحَدِّثًا مكثرًا راوية ثَبتًا، متبحرا (٦) في التاريخ والأخبار، ريَّانا مضطلعا بالأصلين،
стр. 346
قائما على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطلاوة، جم العلوم (١)، غزير المعاني والمحاسن، شفاف اللفظ حر المعنى (٢).
انتقل إلى العُدْوة (٣)، واستكتبه الرشيد أبو محمد بن عبد الواحد بمراكش مدة يسيرة، ثم صرفه عن الكتابة وولاه قضاء مِلْيانة من نظر مراكش الشرقي، فتولاه قليلا ثم نقله إلى رباط الفتح، وتوفي الرشيد فأقرّه (٤) على ذلك الوالي بعده أبو الحسن المعتضد أخوه، ثم نقله إلى قضاء مكناسة الزيتون، ثم لما قتل المعتضد انفصل عن مكناسة ولحق بَسبْتة، وجري عليه بطريقها ما يذكر في محنته، ثم ركب البحر منها متوجها إلى إفريقيَّة، فقدم بجاية على الأمير أبي زكريا، ثم توجه إلى تونس فنجحت بها وسائله، وولي قضاء مدينة الأريس، ثم انتقل إلى فاس وبها طالت مدة ولايته، فاستدعاه المنتصر بالله محمد بن أبي زكرياء، ولَطُف محله منه، حتى كان يحضر مجالس أُنسه (٥).
مشيخته: روي عن أبي الخطاب بن واجب، وأبي الربيع بن سالم (٦) وأبي عبد الله بن فرج، وأبي على الشلوبين، وأبي عمر بن عات، وأبي محمد بن حَوْط الله، لقيهم وقرأ عليهم وسمع منهم، وأَجاروا له، وأَجار له من أهل المشرق أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج وغيره (٧).
стр. 347
الآخذون عنه: أخذ عنه ابنه أبو القاسم، وأبو بكر بن خطاب، وأبو إسحاق البلقينى الحفيد، والحسن بن طاهر بن على الشقوري، وأبو عبد لله البري (١). وحدث عنه أبو جعفر بن الزبير، وابن شقيف (٢)، وابن ربيع، وغيرهم ممن يطول ذكره.
شعره: من ذلك قوله موريا بالعلوم:
قد عكفنا على الكتابة حينا ... ثم جاءت خطة القضاء تليها
مع كل لم يبق للجهد إلا ... منزلا نائيا وعيشا كريها
نسبة بدلت ولم تتغير ... مثل ما يزعم المهندس فيها (٣)
وقوله:
يا غائبا سَلبَتني الأنس غيبتُه ... فكيف صبري وقد كابدتُ بينهما
دَغوَاي أنك في قلبي فعارَضَها ... شوقي إليك فكيف الجمعُ بينهما (٤)
وقوله:
إن الكتاب أتي وساحةُ طِرْسِه ... دوح توشح بالبديع مبرقع
وله حقوق ضاق وقت وجوبها ... ومن الوجوب (٥) ضيق وموسع (٦)
стр. 348
وقوله:
وأجات فكري في وشاحك فانثني ... شوقا إليك يَجول في جَوَّال
أنصفت غُصْنَ البان إذ لم تدعه ... لَتَأوُّدِ (١) مع عطفك الميال
ورحِمْت در العقد حين وضعته ... متواريا عن ثغرك المتلالي
كيف اللقاء وفعل وعدك سينه ... أبدا تخلصه للاستقبال
وكماة قومك نارهم ووقيدها ... للطارقين أسِنّة وعوالي (٢)
وقوله:
أري مَنْ جاء بالموسي مواسي ... وراحة ذى القريض تعود صِفْرا
فهذا مخفقُ إن قص شِعْرًا ... فهذا مخِفُقُ إن قصَّ شَعْرَا (٣)
وقوله:
كبَّرت بالبشرى أتت وسماعها ... عيدي الذي لشهوده تكبيري
وكذلك الأعياد سنة يومها ... مختصة بزيادة التكبير (٤)
وقوله
بايعونا مودة هي عندي ... كالمصرات بيعها بالخداع
فسأقضي بردها ثم أقضي ... بعدها من مدامعي ألف صاع (٥)
стр. 349
وقوله:
شرطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع حتما يواصل
فلما أردت الأخذ بالشروط أعرضوا ... وقالوا يصح البيع والشرط باطل (١)
نثره: من ذلك قوله من رسالة أجاب بها العباس بن أُمية وقد أعلمه باستيلاء الروم على بَلتسِية:
بالله أي نحو تنحو، أو مسطور تثبت أو تمحو، وقد حذف الأصل والزوائد، وذهبت الصلة والعوائد، وباب التعجب طال، وحال اليأس لا تخشي انتقال، وذهبت علامة الرفع، وفقدت نون الجمع، والمعتل أعدي الصحيح، والمثلث أودي الفصيح، وامتنعت المجموع من الصرف، وأمنت زوائدها من الحذف ومالت قواعد الملة، وصرنا جمع القلة، وظهرت علامة الخفض، وجاء بدل الكل من البعض (٢).
مؤلفاته: له تأليف في كائنة مَيُرْقَة (٣) وتغلب الروم عليها نحا فيه نحو العماد الأصبهاني في الفتح القدسي، وكتابه في تعقبه على فخر الدين ابن الخطيب الرازي في كتاب المعالم في أصول الفقه منه، وردُّه على كمال الدين أبي محمَّد عبد الكريم السِّماكي في كتابه المسمي بالتبيان في عدم البيان، واختصار نبيل من تاريخ ابن صاحب الصلاة وغير ذلك من التعاليق والمقالات (٤).
стр. 350
ودون الأستاذ أبو عبد الله ابن هانئ السبتي كتابته وما يتخلَّلُها من الشعر في سفْرين بديعين أتقن ترتيبهما، وسمَّي ذلك "بغية المستطرف، من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرف" (١).
محنته: لما قتل المعتضد اغتنم الفترة وانفصل عن مكناسة قاصدا سبتة فلقّي الرفقة التي كان فيها جمع من بني مرين فسلبوه وكل من كان معه، وكان المنهوب من ماله يعدل أربعة آلاف دينار، وكان ورقا وعينا وحليا أُصيب بما له أحوج ما كان إليه (٢) وقد استقبل الكبر ونازعه سوء الحظ (٣).
مولده: ولد بجزيرة شُقر (٤) وقيل بِبَلَنْسِية في رمضان عام ستة وخمسين قال عبد الملك: ووهم ابن الزبير في وفاته إذ جعلها في حدود الخمسين وستمائة أو بعدها (٥).
١٢ - أبو العباس أحمد بن على الزرهوني المكناسي .
حاله: فقيه علامة جليل محدث كامل ناقد أورده ابن لأبار في تكملته وغيره.
стр. 351
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو القاسم بن سمجون، وحدث عنه بموطأ مالك وأجاز له روايته قال ابن الأبار: ولا أدري أين لقيه.
١٣ - أبو العباس أحمد: هو الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد البكري .
من أهل شريش
حاله: كان فقيها جليلا استوطن سلا وولي بها القضاء، ثم بمدينة مكناسة. مشيخته: روي عن أبي إسحاق بن قرقول.
وفاته: توفي سنة إحدى عشرة وستمائة.
١٤ - الولي الصالح المولي أحمد الشبلي الشريف الحسني .
لم أقف على من تعرض لترجمته ولا على من له أدني معرفة بشيء من حاله غير ما في بعض الرسوم من تحليته بالشريف الحسني، وما هو منقوش في جبص دائرة باب مسجد ضريحه ولفظه:
ها روضة الشبلي كالمسراج ... وبهاؤها للزائرين يناجي
نزه لحاظك فيهاء محاسني ... واغنم كرائم نوري الوهاج
واعكف على عين الكرامة والهدي ... ذخر الأنام وواضح المنهاج
فإذا دخلت ضريحه فاسأل به ... تحظ بأنوار نوره المسراج
وابسط أكفك للمهيمن ضارعا ... متوسلا بسلالة الإنتاج
السيد الحسني الهمام المرتضي ... كهف الآمال وبغية المحتاج
واسأل تنل فوق الأنام جميع ما ... ترجو وتلق مواهب الفراج
стр. 352
انتهي.
يقال: إن هذه القطعة لبعض الأدباء المكناسيين من أولاد القنسود، وقصيدة في مدحه أيضًا تأتى فيما بعد.
ويقال إن السيدة حبيبة بنت الحاج الطاهر بن العربي بادو، هي التي بنت ضريح هذا السيد ومسجده من مالها الخاص بها والخالص لها, لرؤيا رأتها وقد كانت كفيفة البصر فرد الله عليها بصرها فبنت الضريح ومسجده، وهذا إن صح يحمل على مزيد التنميق أو التجديد، وإلا فقد أسلفنا لك ما هو نص في أن باني الضريح المذكور هو سيدنا الجد السلطان الأعظم المولي إسماعيل عليه صيب الرحمات، والله أعلم بحقيقة الحال.
١٥ - أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن تميم اليَفَرتِي الشهير بالمكناسي .
أخو أبي الحسن الطنجي، شيخ أبي عبد الله محمَّد بن سليمان السطي.
حاله: فقيه عدل أستاذ نبيل فاضل زكي نزيه.
مشيخته: منهم ابن هاني تلميذ ابن الشاط، وابن رشيد، وأبو يعقوب البادسي، وابن الزبير، وابن سليمان الوادياشي، وأبو عبد الله محمَّد بن قاسم ابن محمَّد الأنصاري المالقي الضرير الشهير بابن قاسم نزيل مكناسة الزيتون، رحل إليه من مدينة فاس إلى مكناسة، ورحل إليه الناس للأخذ عنه، ولما قفل إلى بلاده مدينة فاس صار يدعي بالمكناسي لذلك.
وفاته: توفي بمدينة فاس سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة برد الله ثراه آمين.
١٦ - أبو العباس أحمد بن العربي الغُمَاري الكَومي، قاضي مكناس .
حاله: فقيه علامة واعية موثق، وقفت على رسم تحبيس حلي فيه بالعلم
стр. 353
والجلالة، ولم أعرف شيئًا من أحواله ولا من الولادة والوفاة، إلا أنه كان متوليا خطبة القضاء بمكناس سنة ٩٥٩ تسع وخمسين وتسعمائة (١).
١٧ - أبو العباس أحمد بن عمر بن محمَّد بن عاشر الأندلسي الأنصاري الجزيري .
نزيل سلا، ودفينها، أصله من شمينة وبها نشأ.
حاله: أفضل أهل زمانه علمًا وعملاً، وقال ابن سعد في "النجم الثاقب" في حقه ما ملخصه: كان أحد الأولياء الأبدال، معدودا في كبار العلماء ممن جمع له العلم والعمل وألقي عليه القبول من الخلق، شديد الهيبة، عظيم الوقار, كثير الخشية، طويل التفكر والاعتبار، قصده السلطان أبو عنان وارتحل عام سبعة وخمسين فوقف ببابه طويلاً فلم يأذن له وكرر ذلك مرارًا فلم يأذن له، وتبعه يوم الجمعة على رجله والناس ينظرونه وهو لا ينظر فقال: منعنا من هذا الولي، ثم أرسل إليه ولده مستعطفا فأجابه بما قطع رجاءه منه. اهـ (٢).
ودونك نص ما أجابه به:
"الحمد لله من العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن عمر بن محمَّد بن عاشر وفقه الله تعالى بمنه وكرمه، إلى أمير المؤمنين أبي عنان أيده الله تعالى بتقواه ورد حاله إلى ما كان عليه الخلفاء الراشدون ومن تعرض لنصيحة المسلمين آمين، وصلى الله تعالى على مولانا سيدنا محمَّد وآله وسلم تسليما، أما بعد:
стр. 354
فقد ورد على كتابكم المشرف بذكر الله تعالى وولدكم المكرم جعله الله تعالى من المتقين، وأنبته نباتا حسنا وعلمه علماً نافعا ولا يجعله من المبعدين، من رحمة رب العالمين، وصلي الله على سيدنا ومولانا محمَّد الكريم، ولتعلم أني ما شككت فيكم وقد أيقنت أنكم ما أرسلتموه إلا من أجل الله وطلب مرضاته، وبعد: فإني لم أكن للزيارة أهلا, ولا للقربة محلا، وإنما سترني الكريم بفضله، ولطف بي بحلمه، ولله الحمد على نعمته الظاهرة والباطنة، ولتعلم أنى قصدت بنصيحتى لك وجه الله العظيم خاصة فإني لا أطمع في مخلوق أن يكسبني مالا ولا جاها لاكتفائي بمولاي ﷻ وتقدست أسماؤه.
ولتعلم يا أمير المؤمنين وفقك الله للخير أن الله ناظر إليك في كل حين وفي كل ساعة وكل نفس وكل طرفة، ولابد لك من لقائه، ويسألك عما دق وجل، وينشر عليك عدله، ويسألك عن أمر خلقه وما صنعت، هذا إِن طالبك ﷻ . وأما إِن عفا عنك ونشر عليك رحمته وفسح لك فلا راد لفضله ولا لحكمه ﷻ وتقدست أسماؤه.
وليكن أمير المؤمنين مشفقا على نفسه، وليعمل في يومه لما فرط في أمسه، ومن كان يومه شرا من أمسه فيا حسرته ويا وحشته ويا فجعته, وأعظم المصائب إعراضه عن ربه ، وقد أشفق الصالحون والأولياء والمتقون على أنفسهم، كان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقرأ قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ وقال الله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من يأخذها بما فيها يعني من الأجر الذي يعطي الإمام العادل إشفاقا على نفسه. وقد وقف الفضيل بن عياض بعرفة فقال: ظننت أن هذا الخلق غفر لهم حتى رأيت نفسي فيهم. وكان عطاء يقول: لو مات عطاء استراح الناس. وكسفت الشمس يوما فصاح عتبة الغلام بذنوبي كسفت الشمس. وعرك عثمان بن عفان أذن غلام له لأدب فقال: آه أوجعتني. فقال: عثمان خذ أذني فاعركها، فأبي الغلام فقال عثمان: لا بد من ذلك لأن تقتص مني في الدنيا خير من أن يقتص مني في الآخرة فعرك الغلام أذن عثمان فقال له: اشدد وزد، فقال: أمير المؤمنين
стр. 355
إن كنت تخاف القصاص فإني أخاف أيضًا، فهذا يدلك كله على شفقة الأولياء والأصفياء على نفوسهم لما علموا عدل الله في خلقه، ولك عبرة في آبائك وأجدادك فقد صاروا إلى الله ولا تدري ما قال لهم ولا ما قالوا له.
وروي عن عيسى ﵇ أنه مر بجمجمة فضربها برجله وقال تكلمي بإذن الله تعالى، قال: يا روح الله، أنا ملك زمان كذا وكذا فبينما أنا جالس في ملكي على تاجي على سرير ملكي وحولي جندي وحشمي إذ بدا لي ملك الموت، فزال عني كل عضو على حاله، ثم خرجت نفسي إليه، فيا ليت ما كان من الاجتماع كان فرقة، ويا ليت ما كان ذلك إلا حسرة ووحشة.
وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال في خطبته: أين الوضأَة وجوههم، أين الصباح الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم، أصبحوا تحت الثرى.
وروي عنه أيضًا أنه قال في خطبته: أين الذين بنوا المدائن، وحصنوا الحصون والحوائط، أين الذين كانوا يعطون من الغلبة في مواطن الحرب قد تضعضع بهم الحرب فأصبحوا تحت التراب والآكام.
وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال لابن مسعود وبه ألم من آخر الليل: قم وانظر لي أي ساعة هذه، قال قد طلعت الجمرة يعني الزهرة، فقال حذيفة أعوذ بالله من صباح إلى النار.
وقال معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة لجاريته: ويحك انظرى هل أصبحنا؟ فنظرت فقالت: لا. ثم تركها ساعة فقال لها: انظري فقالت: نعم، فقال أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار.
وقيل لعامر بن عبد الله بن قيس عند الموت وقد بكي: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي فرارا من الموت ولا حرصا على الدنيا, ولكني أصبحت في صعود مهبطة ثم لا أدري أين أهبط هل إلى الجنة أو إلى النار أو يعفو الله تعالى.