وكان المولى عبد العزيز يقدمه على الجيوش ويبعثه للقبائل كما كان والده يرشحه لمثل ذلك، ومن الوثائق الدالة على ذلك ظهير شريف كتبه المولى عبد العزيز إليه بإمضاء أمانه لبنى مستارة بعد الإيقاع بهم، ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الصغير بداخله (عبد العزيز بن الحسن الله وليه ومولاه):
"ابن عمنا الأرضى مولاى عبد السلام الأمرانى، سددك الله وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: وصل كتابك بما فتح الله به من الظفر بفساد جبالة بنى مستارة وهم بنو يمل وبنو قيس، وقضاء الغرض فيهم واستئصالهم وتخريب حصونهم وتفريقهم في الأوعار مذمومين، وعلمنا ما عزمت عليه من الأخذ في استئصال الباقين لما بينته، وما أخبرك به كبير الزاوية عندهم السيد محمد بن الطاهر من بلوغ العقوبة فيهم حدها، وتشوف باقيهم للفرار من البلاد لما خامرهم من الرعب وما أجبته به من الأمان عليهم، ورفعك العسكر عنهم ليعمروا بلادهم كما بكتابه الذى وجهت وصار بالبال، أصلحك الله وأعانك، وما حل بهم كله بسبب ما اقترفوه، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد صادف البلاء فيهم محله، وقد أمضينا تأمينك عليهم لأجل تعمير بلادهم، ونأمرك أن تجد في مطالبتهم وغيرهم من القبائل بأداء الموظف عليهم وإزعاجهم لذلك، ثم ما اقتضته المصلحة بعد تنصيص الموظف يكون الإقدام عليه إذ التربية والزجر لذوى الجرائم مطلوب والسلام في ٢٢ محرم الحرام عام ١٣٢٠".
ونص آخر في الربط على الأخماس:
"ابن عمنا الأرضى مولانا عبد السلام الأمرانى وفقك الله، سلام عليك ورحمة الله.
стр. 2872
وبعد: وصل كتابك بأنك بصدد الربط على فساد الأخماس والتضييق بهم واخترت المرور على طريق بنى زروال لسهولتها وقربها، والتخييم عليهم ببنى قاسم من بنى زروال، على أن لا تكلفهم بشئ ليكونوا لكم إعانة عليهم، وطلبت تأخير عاملهم الحسن بن الطاهر لما شرحته من حاله وتولية الحسن الأكتامى، لما وصفته به من النجدة وصار بالبال، فحيث ترجح عندك المرور على طريق بنى زروال، فلا تعدل عن الراجح إلى المرجوح، والأكتامى قد وليناه على إخوانه وهو على سفر، والسلام في ١٥ جمادى الأولى عام ١٣٢٠".
ونص ثالث في قضية محمى:
"ابن عمنا الأرضى مولاى عبد السلام الأمرانى، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فقد رفع لأعتابنا الشريفة التهامى السلوى أصلا القصرى دارا محمى المركان شكايته بهجوم المذكورين طرته على صاحبه المخالط محمد بن بوسلهام، ولد الرحلة ونهبهم له ثمانية وعشرين رأسا من البقر، وعليه فنأمرك أن تعمل البحث عن الواقع بمحل النهب، وإن صح الهجوم فحقق بيان المنهوب عددا ونوعا والفعال لذلك، وبيان ما هو للشاكى من ذلك، وما هو لمحمد بن بوسلهام، والزم كل واحد من العمال استخراج ما ناب إخوانه ودفع ذلك لأربابه وإيقاع الإبراء بالعدول، وقد أصدرنا أوامرنا الشريفة للعمال المذكورين بالتنفيذ، وها هى تصلك طيه والسلام في ٢٣ جمادى الأولى عام ١٣٢٠" صح من أصله كسابقيه. والأشخاص المشار إليهم بالطرة هم: سلام الكبوس القيطونى، والقريش الزواكى، وولد الغياثى المستارى، وأحمد اليملى، وبوشتى المعضاضى.
стр. 2873
ونص رابع في قضية أبى حمارة:
"ابن عمنا الأرضى، مولاى عبد السلام الأمرانى، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد أخبر أخونا مولاى الكبير بأن الفاسد الفتان قد عاد للدخول إلى تازا، وتحقق لنا أن ذلك إنما هو من التراخى الواقع منه ومنك، لكون المحلتين اللتين معكما موفورتين وفيهما أزيد من الخمسة آلاف من العسكر، فكيف يتصور معهما إقدامه على تازا وجرأته عليها مع كونكم بمرأى منه ومسمع، فلو لم يظهر للفساد الذين معه التراخى لما تجرءوا على ذلك، وعليه فنأمرك أن تقوم على ساق الجد في محاصرة الفاسد المذكور، وانتهاز فرصة الظفر به، والتشمير عن ساعد التيقظ والحزم في أمره حتى يقضى الغرض فيه، ويقع الظفر به بنفسه، فلا يقبل منك بعد هذا تعلل بشئ في تحصيله، لأن العدد معكم مقوم موفور.
وقد أصدرنا أمرنا الشريف لأخينا مولاى الكبير، بأن يكون عند إشارتك في كل ما تشير عليه به، ووجهنا لك خديمنا الأنجد القائد عباس بن المعروفى مع خمسمائة من الخيل صحبته، ردءا لكم وتعضيدا، وأمرناه بالكون عند إشارتك أيضا بحيث لا يبقى عذر لمعتذر، فلتأخذ بالحزم، وشمر عن ساعد العزم أعانكم الله وقضى الغرض بكم، وها نحن في انتظار ما يبلغنا عنكم والسلام في ١٨ شعبان ١٣٢٠" صح من أصله.
وكان أول أمره يتعاطى بالعدالة بالعاصمة المكناسية والخطبة بجامعها العتيق مدة، ثم تخلى عن ذلك كله، ثم لما خلع أهل فاس ربقة طاعة السلطان مولاى عبد العزيز من أعناقهم وكثر الهرج والمرج، وكان المولى عبد الحفيظ قد دعا لنفسه وبايعته القبائل الحوزية، واشتدت عصبيته، ومالت قلوب الناس إليه، قام المترجم في ذلك على ساق، حتى قلد بيعته الأعناق، بعد أن خلع المولى عبد العزيز،
стр. 2874
وكتب بذلك لعامل عاصمتنا المكناسية وسائر القبائل البربرية وندبهم لمبايعة المولى عبد الحفيظ والدخول فيما دخل فيه أهل فاس وغيرهم من القبائل الحوزية، وأبدى ما استوجب به المولى عبد العزيز خلع بيعته من الأعناق، وأن الأولى بالقيام بالأمر من بعده هو المولى عبد الحفيظ لجمعه لشروط الإمامة ولمبايعة أهل الحوز له، ولاشتداد عصبيته، ولما في المسارعة لذلك من حقن الدماء، وإخماد نيران الفتن المضرمة تحت التقاعس عن ذلك لتحفز الغير للوثوب فلم يسع أهل مكناس إلا المسارعة للدخول فيما دخل فيها الناس.
ثم لما تم الأمر على ما سنورده في محله بعد بحول الله، اجتمعت كلمة أهل فاس على إزالة الشريف البركة مولاى على بن السلطان سيدى محمد عن منصب الخلافة عن السلطان، حيث كان الولى عبد العزيز رشحه لذلك عند نهوضه من فاس، قاصدا رباط الفتح، عندما تحقق لديه قيام أخيه المولى عبد الحفيظ ونهوضه عن عاصمة الجنوب مع زعمائها من القواد والرؤساء والأعيان، ووجهتهم عاصمتا فاس ومكناس.
وبعد نزع المولى على عن منصبه تولاه المترجم، وهو الذى كان يسوس الأمور ويدبرها مع الحواضر والبوادى من بربر وعرب، وكان للكل به الثقة الكاملة لما علموه من صدقه وأمانته ومحبته الخير للقوى والضعيف والمشروف، ولما يعلمون من صدق ولاء البربر له، وأنهم لا يتعدون إشارته، ولم يزل قائما ومدافعا ومسكنا للروعات إلى أن وصل المولى عبد الحفيظ مؤيدا منصوراً فأبقاه ظاهرا على حاله يتربص به الدوائر، وصاهر أنجاله الثلاثة أبا العلاء إدريس، وأبا عثمان سعيد، والمولى بناصر بأخواف، والمترجم مع ذلك كله لم يغتر، بل يتيقن أن السم في ذلك العسل إذ قديما حنكته التجارب وحنكها.
стр. 2875
مشيخته: أخذ عن مختصر الرهونى، ومولاى محمد القاضى، والمولى عبد المالك الضرير، والسيد أحمد بنانى كلا وغيرهم من محققى الأعلام.
نثره: من ذلك ما وقفت عليه بخطه ومنه نقلت وإليك لفظه:
إلى خديم حاجته، وأسير شهوته، من ليس له في البسيطة ود من قاص ودانى، محمد بن حم الزيانى، سلام تتوالى نفحاته؛ ورحمة الله وبركاته على من بالعهود وفى، وسلك في سره وجهره سيرة الحنفا، وبعد فقد ملأ الأذهان، بعد ما طرق الآذان، أنك عزمت على شق العصا، فويلك ثم يا ويل من حواليك إن بلغ ما ثقل عنك هنالك، أما علمت أن هفوة العامة كغصة الطعام، وهفوة الخاصة كغصة الماء، لا دواء لها، ولعمرى لقد تصديت لمقتك، وسعيت بظلفك لحتفك، وأيم الله لقد زلت أقدامك، وطاشت سهامك، شعر:
وقل للذى سامى الملوك تعاندا ... فهل تعبر اللجات ويحك بالسبح
وعما قريب يتلى عليك وعلى رهطك قوله سبحانه (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة) الآية ولنا موقف بين يدى الله مع من قرأها إن لم يقرأها عليه قراءة إفهام، لعله يتذكر أو يخشى والسلام" هـ.
ولادته: ولد بفاس سنة خمسين ومائتين وألف.
وفاته: توفى بفاس عام سبعة وعشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بروضتهم الشهيرة ثمة.
ومما يتعلق بترجمته ما كتب له به أبو إسحاق إبراهيم السوسى يعزيه بموت والده سابق الترجمة ولفظه:
لكاتبه إبراهيم بن إدريس السنوسى الحسنى، أحسن الله عاقبتهما بمنه، معزيا الشريف الفقيه مولاى عبد السلام بموت والده العلامة الصالح مولاى محمد الأمرانى، ﵀ وأعاد علينا من بركاته آمين.
стр. 2876
استعن بالصبر يا خل الوفا ... وتمسك به واقرأ ما نزل
ما عسى يغنى التشكى والأسى ... أيردان قضاء حيث حل
إن أذكى الناس من يرضى بما ... قدر الرحمن قدما في الأزل
وتجمل إن عرى خطب ولا ... تشكون حالك للخلق تجل
واحتسب أجر أبي صار إلى ... جنة الفردوس يزهو ذا جذل
بجوار المصطفى خير الورى ... جده الهادى إلى خير الملل
فلقد كان ورب العرش ما ... له في المجد وفى الفخر مثل
عالما حبرا تقيا عاملا ... فاضلا مقتفيا نهج الأول
فاز من خلف نجلا مثلكم ... تابعا سيرته ثم ارتحل
فاتق الله وكن خير امرئ ... لأياد الله بالشكر عقل
لم يسد من ساد إلا بالتقى ... وحياء وبعلم وعمل
ولقد ذكرتكم ممتثلا ... أمر رب منعم
٤٦٣ - عبد السلام بن محمد بن عبد السلام بن عبد الله .
يدعى سيدى عب طلاق النساء لكثرة تطليقه -إذ تزوج بمائتين اثنتين وسبعين بتقديم السين على المثناة امرأة- بن محمد الحبيب المعروف بسيدى حبيبى ابن محمد فتحا بن زين العابدين بن فخر الملوك مولانا إسماعيل الحسنى.
حاله: شاب نجيب، حامل لواء الأدب في زمانه، رقيق الطبع، حلو الشمائل، لطيف المعاشرة، ممتع المجالسة، شريف النفس، فقيه نبيل، لوذعى نبيه،
стр. 2877
عالى الهمة، له اليد الطولى، والعارضة العريضة، والاقتدار الكامل في النظم والنثر، ذهب في شعره مذهب القاضى الفاضل، وابن نباتة وغيرهما من أكابر الأدباء، استكتب في الدولتين العزيزية والحفيظية، فكان أكتب أهل طبقته وأبرع جلهم خطا، وكان يقيد بإقامة الحضرة السلطانية، ويظعن بظعنها، ولما ظعن المولى عبد الحفيظ من فاس إلى الرباط كان من جملة من تخلف عن الظعن معه، ثم لحق به وأعيد قال خدمته، ولم يزل مقرا عليها إلى أن اخترمته المنية.
شعره: من ذلك قوله:
أشجى فؤادك بارق الأنواء ... أم ذكر رامة أم نسيم قباء
أم ذكر وجرة أم جآدد جاسم ... والمنحنى أم ساكن البطحاء
سقيا لهم معاهدا وملاعبا ... لمهى محجبة وعين ظباء
لله أيام لنا سلفت بها ... جاد الزمان بشربها بصفاء
جاريت فيها إلى الصبابة والصبا ... رخو الأعبة أصهب الصهباء
سكران سكر مدامة وصبابة ... خلع العذار أجر فضل رداء
قضيتها أحلام صب موله ... قد أيقظته إشارة الرقباء
يا عاذلى لو كنت تدرى ما الهوى ... أبدلت لامك عاذلى بالراء
دع عنك تحذير (المحب) فإنما ... يزداد بالتحذير في الإغراء
أأروم إخفاء المحبة والهوى ... والدمع سال ولات حين خفاء
كم ذا التعلل بالإشارة والكنى ... مترددا كتردد الفافاء
ما العشق من خلقى ولا فعلى بأفـ ... ـعال المغازل ليلى أو أسماء
بل طيبة الغرا مناى ومقصدى ... عين الوجود وسيد الشفعاء
стр. 2878
ختم النبوة صفوة النور التي ... قد أودع الأجداد للآباء
والنخبة العظمى التي قد بشرت ... بمصون سرها سائر البشراء
لله ليلة كان ساطع نورها ... بتوارد الأنباء والأضواء
يا زاجر الوجناء يقصد طيبة ... رفقا بقلبى زاجر الوجناء
بالله إن عرجت نحو مقامه ... وحللت بالأكناف والأرجاء
عفر خدودك عن عبيد مسرف ... ولتسع بين مخافة ورجاء
يا خير من وطئ الثرى ماذا عسى ... يجدى لديك تمدحى وثنائى
هل بعد مدحك في المثان يروم مد ... حك معشر الخطباء والشعراء
يا متعب الأقلام بالتعداد ما ... لخصائص المختار من إحصاء
صلى عليه الله أزكى صلاته ... والآل والأتباع والصحباء
وقوله وأجاد:
لمع البرق فأورى كمدى ... شمته ليلا كسيف مغمد
مومضا من رامة أو أضم ... باسما عن حبب أو برد
وأرانى من سناه ابرا ... ترفأ السحب بخيط أسود
خفق الجنح ولولا برد ما ... كان من ريح لحاكى كبدى
أيها البرق الذى أجبابنا ... لم يزالوا مثله في الموعد
هل لأيام مضت من عودة ... على أن ما مضى لم يعد
سمحوا بالوصل حتى لم نكن ... نتقى في قربهم من مبعد (١)
стр. 2879
ثم شحوا وافترقنا بددا ... هل ترى من جامع للبدد
هل ترى أحظى بوصل أهيف ... ساكنا قلبى بعيش أرغد
رشأ يرنو بعينين فكم ... قتلت أجفانه من أسد
قلت قلبى ماله من مخلص ... غير مدح المصطفى محمد
ودوائى وشفائى ذكره ... ليس لى في غيره في من مقصد
خير مبعوث لخير أمة ... النبى العربى السيد
شهد الظبى مع الضب له ... ولمن من قبله لم يشهد
والحصى قد سبحت في كفه ... وبكى الجذع له بالمسجد
ورجوع الشمس لما أن دعا ... واضطراب قد بدا من أحد (١)
وانشقاق البدر منه آية ... نورها ذو بصر لم يجحد
معجزات كالنجوم ما لها ... في سماء فضله من عدد
حبذا ليلة فيها وضعه ... مثله في مثلها لم يولد
خرت الأصنام فيها وبدا ... لجميع الخلق ما لم يعهد
وقوله يرثى والده الولى الصالح أبا عبد الله محمد المحب المتوفى ليلة الأحد سابع عشرى محرم الحرام عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف:
سل الدار عن سكانها أين يمموا ... وأين ثووا بعد الرحيل وخيموا
إذا وردت ماء النعيم مطيهم ... فقد لفحت قلبى الكثيب جهنم
فعذرى في جف المدامع واضح ... وأين يسيل الماء والنار تضرم
стр. 2880
أتانى كتاب ناعيا بفراقهم ... فعاد نهارى داجيا فهو مظلم
أجيل به طرفى فتزاد لوعتى ... كما ازداد سما من به عض أرقم
وقد كان قلبى بالرزية مخبرى ... فصار بيانا ما له أتوهم
هو الموت مر في المذاق وشربه ... على كل حال واجب متحتم
أرى الدنيا بحرا زاخرا وهو ساحل ... وبعض الورى غرقاه والبعض عوم
وما هذه الأعمار إلا سفائن ... مجاذفها الأيام تمضى وتصرم
أباد الردى آباءنا وجدودنا ... وكل تساوى آخر ومقدم
عجبت لمن يبنى القصور جهالة ... وقبره ما تحت الثرى متهدم
أغرك من دنياك حسن ابتسامها ... حذار حذار عطرها فهو منشم
أتلهو ضلالا في أمان وهذه ... طيور المنايا فوق رأسك حوم
تروح وتغدو لا لديك تفكر ... ولا عبرة كأنما لست تعلم
وما فات في الدنيا كمثل محمد ... وقد صار للدار التي هى أدوم
لقد عاش لا شئ يخاف عقابه ... ومات ولا شئ له يتندم
مضى غير صاح من هواه وسكره ... ألا إنه هو (المحب) المتيم
ومذ جذبت أيدى الحبيب بضبعه ... غدا بلسان الحال عنه يترجم
ولو كان كل ميت كمحمد ... لهان على الناس الذى هو أعظم
فيا ليتنى لو كنت عند احتضاره ... أقبل ذاك الكف منه وألثم
ويا ليتنى لو كنت عند محمد ... إذا ما هم صلوا عليه وسلموا
стр. 2881
وقوله مقرظا تأليف العلامة الجليل صاحب التآليف العديدة، والمقيدات المفيدة، حامل لواء الإفتاء والمرجوع إليه في النوازل بالديار الفاسية، مفيدنا ومخلص ودنا أبى عيسى المهدى الوزانى، في الرد على ابن المهنا القسمطينى:
سلا هل على ضوء النهار دليل ... وهل لابن مهنا في الضلال مثيل
وهل مثله من أنكر الشمس من عمى ... وقد كر منها بكرة وأصيل
ولا عجب أن ينكر الشم ضلة ... ويرتد منه الطرف وهو كليل
فلن ينظرن شمس الظهيرة أرمد ... ولن يقذف الماء الزلال عليل
يجادلنا في الطاهرين ومن زكت ... فروع علاء منهم وأصول
وقد جادل الجهال في الله قبله ... وكذب في الدعوى إليه رسول
يجادلنا في الطاهرين ومن لهم ... بكل قتام غرة وحجول
ومن جاهدوا في الله حق جهاده ... وقاموا بعبء الدين وهو ثقيل
أتنقم من (إدريس) أن كان طالبا ... حقوقا بهم الشهم (الحسين) قتيل
وقد كان في قتل (الحسين) وأهله ... لظلم وعن نهج الهدى لنكول
وللأرض منه والسماء لعبرة ... وللخلق فيه رنة وعويل
فإن له والله فيه لأسوة ... ومنحى لعمرى واضح وسبيل
فكيف ترى في الأرض [إدريس] باغيا ... وقد بايعته عامر وسلول
وكيف نرى (إدريس) للحق نابذا ... وقد بان عنه إذخر وجليل
ولن يرتضى العباس لو كان باقيا ... فعال بنيه فيهم و (عقيل)
فمذ قتلوا إدريس قلت عروشهم ... وصار وذاك الرعى وهو وبيل
وعاد على ابن خالد شؤم قومه ... وأمسى عزيز القوم وهو ذليل
стр. 2882
أعد نظرا فيما احتججت فإننا ... عليك به حقا عليك نصول
كحاطب ليل ليس يدرى بما أتى ... وحاطبة عشواء وهى حمول
وباحثة بالظلف عن حتف نفسها ... فخرت وشيكا والنجيع يسيل
أتنسب (إدريسا) إلى غير عيصه ... وتحسب أن الشبل ويك دخيل
ومن قال إن الشمس مطلعها الدجى ... تكذبه أبصارنا وعقول
ولم يتخذ إدريس عند مسيره ... سوى (راشد) مولاه فهو خليل
وإن خليقا باسمه وصفاته ... وعن عهدهم والله ليس يحول
وهل تصحب الآساد غير شبيهها ... وهل يصطفى غير الفحول فحول
لك الويل ثم الويل منها مقالة ... بنفسك منها للبلاء حلول
فنشهد أن الله لا رب غيره ... وأن ابن إدريس لطه سليل
ونشهد أن الممترين جميعهم ... يميل مع الجهال حيث نميل
دعا المغرب الأقصى بدعوة صادق ... فلبى دعاه وعره وسهول
وأمسى به الإسلام يعلو مناره ... وأصبح والإيمان فيه يجول
فطابت به منه البقاع وجددت ... رسوم عفت من أهله وطلول
كفى المغرب الأقصى بذلك مفخرا ... وفرع بنى الزهراء فيه أثيل
كثيرون في أنحائه وشعوبه ... وهم في سواه نادرون قليل
فلم يخل من أسمائهم عود منبر ... ولم تخل منهم عصبة وقبيل
ولم يحتكم في نفسنا غير أمرهم ... فكل سميع أمرهم وفعول
فجورهم والله عدل ورحمة ... وصرصرهم عند الهبوب قبول
стр. 2883
أتنكر فضل المغرب الأقصى جاحدا ... بزوغ نجوم ما لهن أفول
تواترت الأخبار طرا بفضله ... وما كان في نقل الثقات فضول
ومنهم سيوف نحو نحرك شرع ... مواض قواض ما لهن فلول
ومنها بحور قد تفجر بعضها ... فأرداك منها وافر وطويل
وهل نحن إلا الصخر توهى بنطحه ... قرون وعول إن أتته وعول
ومن تاه في البيداء من غير مرشد ... فليس له غير الضلال قفول
ألم يكفك التاريخ بالحق شاهدا ... وعدلا رضيا ليس عنه عدول
لقد مر قرنا بعد قرن وفضلنا ... يزيد وجيل قد تقضى فجيل
أما سلفت فينا ملوك خضارم ... لفيلقها فوق السماك مقيل
تسير بهم للمكرمات سوابق ... فيخلف من بعد الرعيل رعيل
يخوضون في نيل العلا كل غمرة ... فلا يعتريهم في العظيم ذهول
ويقتحمون الموت والموت أحمر ... وللبيض والسمر العوالى صليل
لهم كل يوم للوغى ورجالها ... نزال وللضيف الملم نزول
رعى الشادن السرحان من حسن عدلهم ... وعاد يسوق الكركدن لفيل
عطاؤهم قصد وعقلهم هدى ... وأخلاقهم مثل الزمان فصول
ذكاؤهم بالمبهمات موكل ... وحدسهم للمعضلات كفيل
أما سلفت فينا ربوع أواهل ... من العلم أعناب بها ونخيل
ثمار جناها دانيات قطوفها ... وظلهم للرائدين ظليل
صحائفهم للشاردات حبائل ... وأقلامهم عند الهياج نصول
стр. 2884
أنافوا على الشعرى العبور نباهة ... فصار لها بين النجوم خمول
فلو فاض في بحر المحيط مدادهم ... لما شربا بعد الفرات ونيل
بهم ملة الإسلام ألقت ثقالها ... فما ناء منهم بازل وفصيل
وما غرهم بالله والدين زخرف ... ولا فتنتهم قينة وشمول
ولا نبذوا عهد الرسول وراءهم ... ولا جرفتهم عن حماه سيول
وفى الملة السمحاء لم يتلونوا ... كما تفعل الحرباء فيه وغول
وفينا لعمر الله منهم بقية ... بها طرف أعيان الفخار كحيل
بزاة لهم في العلم كل طريدة ... لتهوى ولو أن الجناح بليل
شمائلهم لم يبد فيها تصنع ... وأوراقهم لم يعتورها ذبول
وقد تخلف الأزهار بعد ذهابها ... لطيبا وبعد النخل ينحو فتيل
ولا عيب فيهم غير أن جسومهم ... بها من هموم المشكلات نحول
وأنطقهم في فاحش القول ألكن ... وأفطنهم في المحدثات غفول
ضوالعهم يوم الرهان سوابق ... وأطفالهم عند اللقاء كهول
أصاغرهم عند المقال أكابر ... ونزرهم عند النوال جزيل
وقد كان في الإعراض عنك لغنية ... فإن به وجه السكوت جميل
إلى أن قال:
فدونكها كالشهد أما حجاجها ... فرجم وأما نظمها فحفيل
قواف لها يغدو الحطيئة صاغرا ... ويمسى جرير وهو منها ضئيل
تسير مسير الشمس في كل بلدة ... فتخضر آكام بها وحقول
стр. 2885
لها في جدال الخصم من كل مصنف ... لقاض ومن أهل النهى لوكيل
وناتجها مثل الدلاص مسرد ... وبرهانها مثل الحسام صقيل
بغايتها تجرى الفحول جيادها ... وتضحى لأقداح السباق تجيل
ينم بها نشر الحجا عند نشرها ... فيمسى عليها الناشقين يحيل
وما روضة غناء باكرها الحيا ... وغنى على الأغصان منها هذيل
وراح لها قيل الربيع بجيشه ... فاضحى لديه للنسيم مثول
ومات بها الجعل الغبى لحينه ... فلم يك فيه من شذاها حصول
بأطيب منها نظرة ونضارة ... إذا ما تنيط زهرها وتنيل
يطيب سليم الشم من شم طيبها ... وليس لمزكوم إليه وصول
يؤرخ مسكا فاح عند ختامها ... لسان مجيب سرمدا وسئول
. . . . . . . . . . . . . ٣٨١ ٥٥ ٥٤٥ ٣٤٣
. . . . . . . . . . . . . ج: .... ١٣٢٤
وقوله راثيا شيخنا الفقيه العلامة الحافظ أبا عبد الله محمد بن عبد السلام كنون رحمه الله تعالى:
الكون أصبح ظاهر الأوصاب ... والدهر جرعنا كئوس الصاب
بأشد رزء في الزمان وحادث ... وأجل خطب في الورى ومصاب
فبكل قلب حسرة وتأسف ... وبكل عين عبرة كعباب
هل هو إلا الموت قصاب الورى ... ما حيلة الأغنام في القصاب
стр. 2886
أبدا يفجعنا بأفضلنا فكم ... أخد الرءوس وشال بالأذناب
لابد في الدنيا وإن طال المدى ... من فرقة الإخوان والأصحاب
كل الحياة بها كلمعة بارق ... والعمر أجمعه كفئ سحاب
وإذا نظرت إلى الوجود بأسره ... لم تلفه إلا شراب سراب
ذهب الإمام محمد لسبيله ... واحسرتاى ولات حين إياب
علامة العلماء حافظ عصره ... من كان في التدريس ليث الغاب
ذهب الذى في العلم يفتح دائما ... للجاهلين مغالق الأبواب
ذهب الذى قد كان في أوج الهدى ... نجم اهتداء لنا وخير شهاب
ذهب الذى قد كان في ليل الخطا ... إن جن بالأفهام بدر صواب
أسفى على شمس المعارف كورت ... والفضل والإرشاد والآداب
أسفى على روض المعارف قد ذوى ... وغدت مقاصره طلول خراب
ما كنت أحسب قبل رفع سريره ... أن البحور تسير في الأخشاب
من للمجالس والمنابر بعده ... من للدروس ووجهة المحراب
من للعلوم إذا تحجب وجهها ... فيميط عنه لنا لكل حجاب
من للعباد إذا أصابهم الظما ... لمعين ورد عنده وشراب
لو قبله تفدى الكرام من الردى ... لفداه أولو شيبة وشباب
ما كان إلا التبر عاد لأصله ... وغدا بمعدن جندل وتراب
عز العزاء به وقد عظم الأسى ... فعرى اللسان تحير الألباب
فلقد تنكس رأس كل يراعة ... ولقد تشتت شمل كل كتاب
стр. 2887
سيان إيجازى بذكر ثنائه ... ورثائه من بعد أو إطنابى
لو كان يمكننى عتاب للردى ... عاتبته فيه أشد عتاب
لكنها أيدى المنية طالما ... نبذت لقشر وانتقت للباب
إنى ليحزننى به ويسرنى ... أن حل بالفردوس خير جناب
في مقعد صدق ينعم دائما ... بجميل أعمال وحسن ثواب
لولا الحياة لكنت تسمع حورها ... نادته بالتأهيل والترحاب
وتقول أرخ عند أفيا جنة ... لمحمد زلفى وحسن مآب
. . . . . . . . . . . . . ١٣٢٦
نثره: منه مقامة نصها: حكى الضحاك بن بشير قال: ضمتنى يد الرفقة والعشرة، مع أصحاب بفاس كالنجوم عشرة، بلوت شجرهم مرا وحلوا، وخطبت صحبتهم فوجدتها من الموانع خلوا، رضعوا من الأدب الأخلاف والأفواق، وفطموا عن ضرعها الخلاف بالوفاق، طالما حنكتهم التجارب رغبة ورهبة، وسامتهم الأيام فرقة وغربة، حتى ألفتهم الأسنمة والغوارب، واختصصت فيهم المشارق والمغارب، وصارت جميع البلاد لهم أوطانا، والمنازل كلها أعطانا، وكان لى فيهم صاحب هو واسطة عقودهم، وحبة عنقودهم. امتزجت روحى بروحه امتزاجا، واعتدل طبعى بطبعه مزاجا، أخلص كلانا لصاحبه جهره وسره، ووثقنا بخير مودتنا فلم يتق شرى ولم أتق شره، وحينما ألقينا عصا الترحال بفاس، وتخلصت الرحال بوضع ثقلها من معزة النفاس، أصبحت الطرق بالقطاع شاغرة، وعوادى الفساد لأفواه الفتن فاغرة، وأمست السهول وهى وعرة، وأعثرت الخيول بعرة، واستنسرت بغاث الطير، وانتشرت بغاة الضير، وذلك بشغب شيطان يزعم أنه من الملائكة، وأشداقه لحنظل الباطل لائكة، فأعوزتنا السيوف ففزعنا للأقلام،
стр. 2888
وأرهفنا بصحائف الكلام صفائح الكلام، فإذا نحن جعنا، لأقراص الأوراق رجعنا، وإذا نظما، نظمنا نظما، وترانا نثرى، إذا نثرنا نثرا، فنظم ذلك الصاحب قصيدة ميلادية انتقل فيها من المديح النبوى، إلى المدح السلطانى المولوى وأشار فيها لذلك الفتان الخارجى الذى شاب الموارد لما شب نار شبيب، وعقد للفتنة في الدين والدنيا كل سبيب، الخارج من الهدى بالضلال، والشبيه في أخلاقه الشيطانية بالضلال، الدعى الشاق للعصا، الداعى الشقى بما لم يطع الله به بل عصا، واستشارنى فيها، هل يثبتها أو ينفيها، فأمرته أن يقصد بقصيدته تلك دار الخلافة وليأت من الباب، من له من الرياسة والسياسة اللباب، دستورها المبجل المعظم، وعقد وزارتها الأمثل المنظم من إذا وعد فالسوأل، وإذا أعطى فحاتم إذا يسأل، أكرم من تكرم في عصره وتفضل، ووزير الوزراء سيدى محمد المفضل، قال غريط قلت غريط، والتقريظ للمعالى والتقريط:
وزير يود السيف والسهم عزمه ... ورأيه في إمضائه وسداده
وصوب الندى كقطرة من نواله ... على صبه أو نقطة من مداده
فأرصد ليلة الاحتفال، فلك عند ملكها أيمن قال، حيث الألسن بأسرار المديح بائحة، والمباخر بالند فائحة، والإنشاد يرجع ويردد، والعهود القديمة تذكر وتجدد، وكواكب الشموع والمشاغل تزهر، والجفان والأجفان هذى تكسر وهذى تسهر، والموائد تنصب وترفع، والعوائد الكريمة صلتها للموصول تدفع، قال الراوى فكتب القصيدة بما خشلب خط ياقوت المستعصى، وكان عنه ابن مقلة عمى، وانتظر ليلة المولد، وورود صافى ذلك المورد، وربيع أمامه وصفر وراءه، وكرم المصدر الوزير حفظه الله يضمن عند صدوره ووروده وراءه هـ.
مشيخته: أخذ القرآن العظيم عن الأستاذ البركة أبى عبد الله محمد الغمارى بفاس، وعن الأستاذ الفقيه أبى عبد الله محمد البوعمرانى بمراكش.
стр. 2889
وأخذ النحو والفقه عن الفقيه العالم أبى العز رحال الزمرانى، وعن الشريف الفقيه الأخير أبى على الحسن السرغينى، وعن العلامة الأديب أبى الفضل عباس التازى، والعلامة الشريف البركة سيدى محمد بن جعفر الكتانى، والعلامة رئيس المجلس العلمى سيدى أحمد بن الجيلانى.
وأخذ الطريقة التجانية عن العلامة أبى عبد الله محمد فتحا بن عبد السلام جنون المتوفى عشية الجمعة ثامن عشرى شعبان عام ستة وعشرين وثلاثمائة وألف، وأخذ عن شيخنا أبى عيسى المهدى بن محمد الوزانى المتوفى يوم الثلاثاء متم صفر عام اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف، وشيخنا أبى عبد الله محمد فتحا بن قاسم القادرى، وعن عمه الشريف الأخير الفقيه مولاى العربى المحب.
ولادته: ولد بالدار العالية بمكناس في عام اثنين وثلاثمائة وألف.
وفاته: توفى في أوائل شوال عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف برباط الفتح، ودفن بالعلو، وقد رثاه صديقنا الكاتب الأديب الأبرع أبو عبد الله محمد بن محمد المفضل غريط بقوله:
نغالط بالآمال والحكم واجب ... ونستوهب الإمهال والعمر ذاهب
ولولا أمانينا وحجب نفوسنا ... عن الغيب ما لذت لدينا مشارب
حيارى فلا ندرى بيوم انتقالنا ... كما ضل بين النجح واليأس هائب
وما الحى إلاطعمة لمنية ... براثنها لم ينج منهن هارب
فبينا تراه أيدا متماسكا ... إذا به منحل العزيمة شاجب
وأى محب لم تنله كريهة ... وأى زمان ليس فيه مصائب
كأن بنى الإنسان بل كل محدث ... على لجة الأيام طاف وراسب
стр. 2890
هو الموت جل الله قاهر خلقه ... يروع من ذكراه ضار وضارب
فأين الملوك الصيد أين عديدهم ... وأين القصور الشم أين المواكب
وأين أباة الضيم أين اقتدارهم ... وأين بناة المجد أين المناصب
وأين بنو الآداب أين سراتهم ... وأين رجال الشعر أين الحبائب
وأين ذوو الأقلام أين خيارهم ... وأين ذوو الأحلام أين العصائب
محاهم من سفر الوجود معيدهم ... لأصل الثرى والفرع للأصل آيب
وأعظم رزء تشتكى النفس حره ... نوى من إليه تدنى وتناسب
خليلى أما الصبر عنك فخائن ... وأما فؤادى فهو بالوجد ذائب
وكانت ظنونى أن يتاح اجتماعنا ... فلم تجدنى تلك الظنون الكواذب
فآه ليوم ثم آه لليلة ... كساها إهاب الحزن ناع وناعب
وأضحت لها الأقلام تخدش طرسها ... وتذرى الدموع السود وهى نوادب
وكنت لها نعم الموفى حقوقها ... إذا كل فكر أو توقف كاتب
وكنت بروض العلم أنضر زهرة ... فذبلها ريح من الحين عاصب
وكنت أديب العصر والجوهر الذى ... تنافس فيه مشرق ومغارب
وكنت بتقوى الله أشرف آخذ ... وأول ساع حيث ترضى المناقب
نشأت على هدى وجد وعفة ... نقى الحلى لم تستملك الملاعب
عكفت على الإصلاح طوعا ولم تقل ... (وللهو منى والخلاعة جانب)
ومالك في غير المعارف رغبة ... ومالك غير الذكر والفكر صاحب
ومت وعند الله أعظم نعمة ... لمن هو في رضوان ربه راغب
стр. 2891
فما للقوافى بعد فقدك محكم ... وما للمعانى بعد رزئك جالب
معان إذا ما الناظمون تكلفوا ... فهن بأكناف الجمال كواعب
كواعب تهتز النفوس لظرفها ... كأن وسمت بالسحر منها الترائب
ترائب فيها للنواظر جنة ... وفيها لأوصال القلوب جواذب
بدائعها مشهورة وحديثها ... يصححه عن شاهد الحسن غائب
وما لعلوم العصر مثلك عاشق ... وما لنتاج العقل مثلك طالب
وما لأخى ود وعهد وصحبة ... سواك أنيس أو رفيق مواظب
قضى معك دهرا لم يمل وإنما ... قضاء موجد الأرواح لا شك غالب
لئن سترتك عن جفونى تربة ... فلم يحجبنك عن ضميرى حاجب
يصور فيه الوهم منك خلائقا ... مهذبة هى الكبا والكواكب
لتبك عليك كل عين ملية ... بحبك حتى تضمحل السواكب
عليك من الرحمن أوسع رحمة ... تؤم حماك الرحب منها سحائب
وما لى وللشعر القوى انتقاده ... بضعف القوى والرزء للرشد سالب
وإنى على ما بى هتفت مؤرخا ... بقد نال أعلى الخلد زاك مراقب
. . . . . . . . . . . . . ١٠٤ ٨١ ١١١ ٦٦٤ ٢٨ ٣٤٣
عام ١٣٣١
٤٦٤ - عبد الهادى بن عبد المالك بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حفيد بن على بن محمد بن عبد الواحد أبى الغيث الشريف العلوى البلغيثى .
стр. 2892
حاله: فقيه أستاذ نبيل، وجيه مفضال، استوطن مكناسة الزيتون كما في الشجرة الزكية، وصاهره إمام وقته أبو الربيع سليمان بابنته المصونة الجليلة السيدة حفصة.
٤٦٥ - عبد الهادى الفيلالى نزيل مكناس ودفينها .
حاله: عالم فاضل زكى، أستاذ مقرئ مجود، له معرفة شافية بعلم القراءات وإتقانها وتوجيهها، انتهت إليه رياسة ذلك الفن في عصره، نشأ بالصحراء بلاده، حكى عنه أنه سئل عن الإشمام والروم، فأجاب سائله عن ذلك بالأبيات الآتية، ولما تمم الأبيات ذهب للحجام وأمره بقلع ثنيته ليتمكن من النطق بالإشمام على حقيقته، وقد كان مدررا يعلم الصبيان ويرشد الشيوخ الأساتيذ، ويبث العلوم في صدور الرجال ونفع الله به خلقا.
الآخذون عنه: منهم العدل البركة سيدى محمد بن الرضا الطاهرى، أخبرنى بالأخذ عنه ومنه استفدت بعض ترجمته.
شعره:
سألتنى نظما على الإشمام ... والروم فاستمع أخى كلامى
الرفع فيه الروم والإشمام ... والخفض بالروم فقط يرام
النصب لا روم ولا إشماما ... في مذهب القراء خذ أحكاما
وفى عريض شكل قل بالمنع ... وهاء تأنيث وميم الجمع
٤٦٦ - عبد الواحد بن على بن محمد فتحا بن على الكتانى. نزيل مكناس .
حاله: كان من أهل الولاية الظاهرة، والكرامات الباهرة، معروفا بالصلاح، مشارا إليه بالمعرفة والفلاح.
стр. 2893
وفاته: توفى بحضرتنا المكناسية أواسط القرن التاسع على ما استظهره شيخنا ابن جعفر الكتانى.
٤٦٧ - عبد الواحد بن الأستاذ أبى الحسن على بن محمد بن على المدعو منون .
حاله: فقيه جليل، علامة كامل فاضل مثيل، مدرس نفاع حفيل، صدر من صدور مكناس، وحامل لواء التحقيق بين علمائها الأكياس.
مشيخته: أخذ عن والده وغيره.
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون عام ثمانية وستين وثمانمائة، وقفت على زمام تركته بتاريخ أواخر شوال من العام المذكور.
٤٦٨ - عبد الواحد بن عبد الرحمن الشبيهى الجوطى .
حاله: فقيه علامة مشارك، خطيب مصقع، فصيح بليغ، صالح فالح، خير دين ثقة ناسك متعفف، هين لين، زكى ذكى، فاضل صوام قوام، صادق الأقوال والأفعال، ذو مائدة مبسوطة، جامع لكل وصف حسن، جار على سنن سلفه الصالح، ولى الخطبة والإمامة بمسجد ضريح جده مولانا إدريس دفين زاوية جبل زرهون، رحل إلى الحج ومكث سنة بمكة والمدينة، ودخل مصر وذلك عام ثمانين ومائة وألف، ثم رجع إلى المغرب، ولما ظهر البربر على جبال زرهون رحل منه إلى سكنى فاس وتركه، وبلدة مدينة مكناس لعيث العبيد بمكناس كالبربر بزرهون أو أشد، ومكث ما شاء الله بفاس، ولما ولى أمر زرهون السلطان سيدى محمد بن عبد الله من قبل والده السلطان المولى عبد الله بن السلطان مولانا إسماعيل رجع المترجم لداره بزاوية زرهون ولم يزل مستوطنا بها.
مشيخته: أخذ عن الشريف النزيه مولاى الطيب بن محمد دفين وزان
стр. 2894
وغيره، تعرض لذكره صاحب الأزهار النادية في ترجمة والده المولى عبد الرحمن قائد زرهون المترجم آنفا، وذكره الزبادى في سلوك الطريق الوارية.
وفاته: توفى بزرهون سنة أربع وتسعين ومائة وألف.
٤٦٩ - عبد الواحد المدعو الدربالى .
أحد حفدة الشيخ أبى عثمان سعيد المَشَنْزَائى، دفين خارج باب وجه عروس، أحد أبواب مكناس اليوم.
٤٧٠ - عبد الواحد بن حمادى بن عبد الواحد بن محرز بن الشريف بن على .
حاله: علامة مشارك، فقيه جليل، فاضل نزيه، مفت ماجد، انتهت إليه رياسة الفتوى في زمانه، استوزره سلطان وقته سيدى محمد بن عبد الله وصحبه السلطان مولانا سليمان، وتوفى بمكناسة الزيتون كما في الشجرة الزكية في العصر السليمانى ودفن بضريح بعض الصالحين بها، وله عقب باخنوس وفاس البالى.
٤٧١ - عبد الواحد بن محمد ابن فقيرة .
المكناسى النشأة والدار والإقبار.
حاله: خاد الذكاء سريع الإدراك، جيد الإصابة، فصيح اللسان، ثبت الجنان، غزير الاطلاع، فقيه نبيه، عدل رضى، موثق ماهر، ناظم ناثر، صاحب نوادر عجيبة، وأفعال غريبة، مستحضر لتراجم المتأخرين والوقائع التاريخية والنوادر السياسية والحكم والنكت الأدبية والمجون الهزلية، له من ذلك ما لو جمع لملأ الدفاتر.
استكتبه السلطان مولانا الحسن لبراعة خطه وشدة حذقه ونبله، ثم انتخب
стр. 2895
وأدرج في سلك الطلبة الذين ينسخون الكتب، وكانت العادة أنهم يدفعون كل يوم جمعة ما نسخوه في الجمعة التي قبلها، ثم إنه ألقى السكر في أدوات النساخ جميعا ولم يشعر به أحد، فلما كان يوم الجمعة ودفعوا ما تم نسخه وفق المقرر وجد الجميع ملصقا بعضه على بعض، فأعمل البحث في السبب حتى اعترف أنه الفاعل، وأن الحامل له على ذلك هو ما رأى من عدم اعتناء النساخ بالأشغال المولوية، وعدم اهتمامهم بالشئون المنوطة بهم، وعدم تحفظهم ومبالاتهم.
وكانت هذه القضية قاضية على استخدامه بالوظائف المخزنية، كما أنه كان منتظما في سلك كتاب الحضرة المولوية بالصدارة، وكانت العادة جارية كل سنة بتوزيع المكاتيب على الجيوش للعمال في الشئون المخزنية، والقصد جلب النفع بها للمستخدمين بالمقبوض من العمال، وكان ما يقبض على تلك المكاتيب من القواد لا يتجاوز مائة مثقال، أعنى خمسة وثلاثين فرنكا وثلاثة أرباع الفرنك تقريبا، فكتب في بعض المكاتيب بعد الافتتاح.
وبعد: فيأمرك مولانا أن تحسن لحامله بما يرفأ به حاله فأدخل الكتاب للحضرة السلطانية وسلم وطبع، وخرج ليختم ويدفع لصاحبه أصلح الجملة المذكورة التي هى يرفا حاله بمائة ريال حالة، وختم الكتاب ودفع لصاحبه بعد أن قبض منه ما تجاعل معه عليه لذلك، وقد كان العامل المكتوب إليه من الحذق والنباهة بمكان، فامتثل ودفع ما عين في الكتاب السلطانى، ثم بعد مدة ورد على الحضرة المولوية ومعه الكتاب فاطلع عليه الوزير إذ ذاك وبعد البحث اعترف المترجم بأنه الفاعل وبين الكيفية، فكانت سبب تأخيره عن الخدمة المخزنية بالكلية، وذلك بعد أن كان سقط من على دار كان يسكنها بمراكش إلى أسفلها، ووقع في حفرة بالوادى المضاف وبقى بوسطها، وقد انكسر ظهره بسبب سقوطه وبقى على
стр. 2896
تلك الحال ثلاثة أيام، وذلك أنه كان يسكن الدار وحده، ولما دخلها أغلق الباب عليه، وقد كانت الأيام أيام مطر ولما فتحت عليه الدار ووجد على تلك الحال، بحث عن السبب فأجاب بأنه هجا صلحاء مراكش فجوزى بذلك، ومع الأسف فقد ضاعت مقيداته وفوائده العلمية والأدبية التي لو جمعت لجاءت في مجلدات.
شعره: من ذلك قوله لما سقط من سطح دار سكناه بمراكش ووقع به من الألم والكسر ما وقع، وأتى برجل فوال يكويه وكان هذا الفوال (أى بائع الفول) قوى الجسم كامل الصحة فكواه حسبما أنشد ذلك لنفسه شيخنا أبى عبد الله الطاهرى ومن خطه نقلت:
جزى الله شرا من كوانى جاهلا ... جزاء سنمار وما كنت ذا ذنب
ولكنما الفوال من جهله عتا ... على بنار صيرتنى في كرب
وأصبعى في أستى أبرد حرها ... فضاعف لى هما وصعبا على صعب
أعاد عليه الله من شر فعله ... كذاك بنوه ما بقيت على جنب
أقاسى هموم القاسى ساعة كيه ... لمقعدتى حتى كأنى في حرب
وكدت أفارق الدنيا بيد أنه ... شديد عنيد ما رأيت بذا الغرب
مماثله ومن يماثل مثله ... كأنه قد أنشى من أقبح ما كلب
فلا صورة ترضى ولا فعلة تضى ... خسيس حقير ليس في العجم والعرب
ومن أشأم الأيام فوالهم كوى ... وفى جسمى الحساس تار وفى جنبى
ومقعدتى من شدة الكى تشتهى ... ولوج يد الفوال والحس ما دأبى
فيا رب شتت شمله عاجلا يرى ... رهين سلاسيل إلى الرمس والترب
وفى حيص أو بيص وفتنة منكر ... نكير ولا ينجو ببعد ولا قرب
стр. 2897
وأوصى جميع العالمين بخزيه ... وبالبعد منه واتقاء ذوى ثلب
فلا خير منه يرتجى طول عمره ... لزيد ولا عمرو وشبه بلاريب
وقوله مادحا قاضى الحضرة المكناسية أبا العباس ابن سودة:
طالع السعد في سماء المعالى ... قد أضاء به دياجى الليالى
بشرتنا بشائر البشر منه ... ببلوغ المنى ونيل النوال
وغدت مسند الأحاديث تروى ... عن علاه مصححا ذا اتصال
صح فيه غرام صب عليل ... لم يكن من هواه يوما بخال
لم أمل للتصابى لولا بدور ... في خدور تحجبت بجمال
أو أفه بالقريض لولا إمام ... علقت بمديحه آمالى
كعبة الأمن والهدى ملجأ القـ ... ـصاد غيث الندى وليث النزال
بحر علم وطود حلم وتقوى ... للإله بخشية وابتهال
وهى أطول من هذا.
وفاته: توفى في ثانى ربيع الأول سنة عشرة وثلاثمائة وألف، ودفن بروضة الشيخ محمد بن عيسى ﵀ وفسح له في عدنه.
٤٧٢ - عبد الوهاب بن محمد بن الشيخ المكناسى الأصل والنشأة والدار .
حاله: علامة مكناسة الزيتون وقاضيها الأرشد الأمجد، صدر نحرير، خطيب بليغ، مدرس مدقق محقق، مفت فاضل نبيل، كان متوليا خطة قضاء الجماعة بمكناسة الزيتون، وخطبة جامع قصبتها الهاشمية الإمامية، وإمامة محراب جامعها الأعظم، وإليه صار مرجع الأنام في الإفتاء، وقفت على رسم مسجل عليه بتاريخ ثانى عشرى شوال عام تسعة وأربعين ومائة وألف، والذى ولاه خطة
стр. 2898
القضاء في التاريخ المذكور وهو سيدى محمد ولد عريبة نجل السلطان سيدنا الجد مولانا إسماعيل، بعد أن عزل قاضيها السيد الطالب بوعنان المترجم فيما سلف، ولى مكانه أبا القاسم العميرى، ثم عزله وولى مكانه سيدى محمد البيجرى، ثم عزله وولى مكانه المترجم، كذا في الدار المنتحب.
وقد ذكر المترجم أيضا صاحب مقصد الأسما، فيما يتمسك به المقيم والمسافر من الأسما، تأليف بعض تلاميذ ولده الإمام المنور أبى عبد الله محمد ولم أقف على تاريخ وفاته، ولا اسم المؤلف للكتاب المشار له.
وقد كان أصيب في عقله ﵀ ورده الله عليه بهدايته للذهاب للعارف الكامل الشريف سيدى عبد السلام البقالى، ولما ذهب إليه اشترط عليه أن يقرئه تلخيص المفتاح إذا هو برئ وشفاه الله، فالتزم ذلك، ولما من الله عليه برد عقله، وفى البقالى بشرطه وصار لا يفارقه في الغالب، حتى نقل الله البقالى إليه سنة نيف وخمسين ومائة وألف.
مشيخته: أخذ عن أبى على اليوسى، وأبى على بن رحال المعدانى، ومحمد ابن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الواحد بصرى وغيرهم من الأعلام.
الآخذون عنه: منهم الولى الصالح أبو محمد عبد السلام البقالى، والسيد المجذوب بن عزوز المكناسى، وأبو حامد العربى بصرى صاحب منحة الجبار وغيرهم.
٤٧٣ - عبد الوهاب أبو نصر وأبو اليمن وأبو البركات قاضيها ابن السيد الحاج محمد المدعو حم العرايشى المكناسى الدار والإقبار .
حاله: علامة أصيل، متقن محصل جليل، فقيه متفنن مشارك نحوى، ماهر خطيب بليغ مصقع، فاضل جليل مطلع، تولى خطة القضاء بالعاصمة الهاشمية
стр. 2899
المولوية السلطانية المكناسية على عهد السلطان الأعظم سيدنا الجد الأكبر مولانا إسماعيل، وقفت على كثير من خطاباته والتسجيل عليه، من ذلك عقد بتاريخ ألف ومائة وعشرين وبتاريخ ثلاث وعشرين على فيها بما لفظه: قاضى الجماعة بالحضرة المولوية وأوصاف عالية دالة على شفوف مكانته ومقدرته وسعة معلوماته، وقد كان أبوه متوليا خطة النظارة على أوقاف المساكين، وكان هو متصدرا للتدريس بجامع النجارين، واعتنى بتدوين ما يرجع لمأموريته وجمع المقاصد التي وقت بالغاية التي لا تستطاع فيما دونه، عاملا على ما يقربه عند الله من مرضاته، ويظفره بجزيل مثوباته، وكان متحليا بالسكينة، حالا من النزاهة بالمكانة المكينة، خطبته الخطط العلمية، واغتبطت به الجادة الأولية، واستعملته الدولة المنيفة التي ترتاد أهل الفضائل للرتب، وتستظهر أهل المناصب بأبناء التقى والحسب، فصار معدودا من أعيان خطبائها، وصدور نبهائها، ﵀.
مشيخته؛ منهم أبو مدين السوسى.
وفاته: توفى كما هو منقوش عند رأس ضريحه في زليج في عاشر جمادى الثانى عام سبعة وعشرين ومائة وألف، ودفن بضريح الولى الأشهر المولى عبد الله ابن حمد دفين خارج باب البرادعيين.
٤٧٤ - عبد الوهاب الشيخ أبو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عمران .
أمه فاطمة بنت عبد الرحمن بن عزون، ذكره في منحة الجبار.
حاله: كان أحد الأفذاذ المشار إليهم في وقته علما وعملا، كثير التلاوة والأذكار، تصدر للتدريس والإفادة مدة، ثم انقطع لعبادة ربه.
مشيخته: منهم أبو عبد الله محمد بن حسين الشهير بأبى مدين قاضى
стр. 2900
العاصمة المكناسية، وأبو العباس أحمد بن يعقوب الولالى، وقد كان بقيد الحياة عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف.
٤٧٥ - عبد الوهاب بن أحمد أدَرّاق .
حاله: خاتمة الحكماء جليل القدر، رفيع الذكر، محبوب العام والخاص جهينة الزمان، ويتيمة الأوان، فقيه عالم طبيب ماهر، أديب ناظم ناثر، له معرفة بالنحو واللغة والشعر، وانتهت إليه في زمانه الرياسة في فن الطب فكان لا يجارى فيه ولا يبارى، مع لطف وجاه ووجاهة، تقف الوزراء فمن دونهم ببابه وقوف المماليك بأبواب الملوك.
وكا الطبيب الخاص لدى الجلالة الإسماعيلية، لا يفارق السلطان، وكذلك لدى ولده أبى محمد عبد الله، وكانت له مكانة عظيمة لديها، لم يلحقها غيره بحيث لا ترد شفاعته، ولا تهمل إشارته، وكان مضربه ومنزله في الأسفار أعظم من مضرب أكبر العمال.
له الاستنباط في الطب الذى يحق أن يخضع له به بقراط فمن دونه، وكذلك ابن سينا مع همة ووقار، وسمت وعلو مقدار، وكانت تحبه الملوك وتجله وتقدر قدره، وأجازوا له الجوائز ذات البال، ومارس علاجهم، وتردد إليهم فأدنوه، وأحلوه منهم محل التكرمة والإجلال، وله أنظام في الطب في أنواع العشب والفواكه وخواصها ومنافعها، لو جمع ذلك لكان ديوانا حافلا، وسيمر بك نزر من ذلك.
ومما يبرهن على مهارته في الطب وكامل معرفته أن شخصين أرادا أن يختبراه في الطب، وكان كل من عنده مريض يأتيه عند الصباح بزجاجة فيها بوله يقال لها الهراقة، فعمد أحد الشخصين إلى بول كبش سمين وجعله في زجاجة،
стр. 2901
وعمد الآخر إلى سقف قديم تنزل منه القطرة وجعل ماء القطرة في الزجاجة كأنه بول، واختلطا في الناس فجعل الطبيب ينظر في كل هراقة ويصف للمريض الدواء حتى وصل لصاحب الكبش فجعله في ناحية، ثم وصل لصاحب السقف فجعله في ناحية حتى فرغ من أمور الناس، فقال لصاحب الكبش: هذا غلبت عليه الشحم إن لم تذبحه عن قرب مات، وقال لصاحب السقف: اجعل لهذا حريرة وإلا سقط ثم قبضهما، وأراد أن يذهب بهما إلى الحاكم ثم عفا عنهما:
ومن ذلك أنه كان يمر على رأس الشراطين فيجد إنسانا في طراز يقول الأبيات بصوت حسن، فكان يقف لاستماع صوته، فمر يوما فسمع صوته وهو متغير، فصعد إلى الطراز وسأل عن الآنية التي يشرب منها فوجدها برادة، فكسرها فوجد داخلها وزغة، فقال هذه التي غيرت صوته.
ومن ذلك أنه كان مارا بالرصيف ومعه عبده، وإذا بوإذا بإنسان فإحدى يديه لبن وفى الأخرى حوت، فقال لعبده اتبع هذا وقيد الدار التي يدخل لها فتبعه، ولما كان من الغد أمره أن يذهب إلى تلك الدار وينظر، هل بها جنازة؟ فذهب عبده وأخبره أن بها جنازة، فذهب المترجم ودخل على الميت وفصده في محل، وقال لأهله: أخروه حتى تنظروا في أمره، ثم بعد هنيئة زال ما بالميت وعاش بعد، إلى غير هذا مما يقضى منه العجب ويشهد للعرب بالتفوق الذى لا مطمع لغيرهم في الوصول إليه، وإنما أوقعنا في الحضيض الأسفل الكسل، وإهمال اتباع سلفنا الصالح رضوان الله عنهم.
وقفت على ظهير سلطانى أصدره سيدنا الجد الأكبر أبو النصر إسماعيل، يتضمن الإنعام على صاحب الترجمة بعمالة الجزية الواجبة على أهل الذمة القاطنين بعاصمته المكناسية، وإليك لفظه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الإمامى:
стр. 2902
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره بيد خديمنا الفقيه الأجل، الحكيم الأنبل، السيد عبد الوهاب ابن الفقيه النزيه، الحكيم الوجيه، السيد أحمد أدراق، يتعرف منه بحول الله وقوته أننا أنعمنا عليه بعمالة الجزية الواجبة على أهل الذمة القاطنين بملاح مكناسة حرسها الله وزدنا له في. . . . بها إعانة له على ما هو بصدده من ملازمتنا، وخدمة جنابنا العالى بالله على مقتضى حكمته، وشريف صنعته، إنعاما تاما والواقف عليه يعمل به والسلام وفى الرابع من صفر الخير عام سبعة وثلاثين ومائة وألف".
ووقفت على ظهير أصدره نجل أبى النصر المذكور المولى على زمن إمرته بالإنعام على المترجم على وجه الإقطاع والتمليك بدار القرفطى المجاورة لروضة السيدة عائشة العدوية من العاصمة المكناسية، وبسط له يد الحوز فيها على الوجه المذكور، نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله (أمير المؤمنين أبو الحسن على ابن أمير المؤمنين إسماعيل الشريف الله وليه) وبدائرته من أعلى (لا إله إلا الله وحده صدق الله وعده ونصر عبده لا إله إلا الله الأمر كله لله):
"كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وأحاط بحوله وطوله. . . . آمين بيد حامله محبنا الفقيه العلامة. القدوة الدراكة الفهامة. الحكيم الأجل السيد عبد الوهاب بن أحمد أدراق، يتعرف منه بحول الله وفضله، وجميل مواهبه وعدله، أننا أنعمنا عليه بدار القرفطى المجاورة للسيدة الجليلة عائشة العدوية نفع الله بها وجدنا عليه بملكيتها والتصرف فيها بالبيع والسكنى وغير ذلك تصرف المالك في ملكه بمقتضى. . . أن من نازعه فيها. . . بساحتها أو حام حول حماها لا يلمن إلا نفسه. ولا يتخيلن إلا رمسه. هبة كلية. ومنحة سرمدية. على الأبد إن شاء الله، وحسب الواقف عليه العمل به. والاقتفاء بكريم مذهبه. والسلام وفى منتصف جمادى الآخرة عام سبعة وأربعين ومائة وألف".
стр. 2903
كما وقفت له على ظهير آخر أصدره بالإنعام على المترجم بمستفاد ميزان قاعة العطارين من فاس، وما يضاف لذلك داخل المدينة وخارجها، إعانة له على ما هو بصدده من القيام بالوظائف السلطانية، وملازمته للدار العالية، نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع المتقدم ما بداخله:
"كتابنا هذا أسماه الله تعالى وأعز أمره، وخلد في دفاتر اليمن والإقبال ذكره، بمنه آمين بيد ماسكه الفقيه الأجل، العالم الأكل، الحكيم الأنبل، محبنا وأعز الناس لدينا، وأحبهم علينا، السيد عبد الوهاب بن أحمد أدراق يتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه العميم ونصرته، أننا أنعمنا عليه بمستفاد ميزان قاعة العطارين من فاس حاطها الله وما هو مضاف إليه، وجارى حكمه عليه، داخلا وخارجا فقد أجرينا عليه ذلك وأسندنا أمره إليه، وأقصرنا نظره وخراجه عليه، ليستعين بذلك على ما هو بصدده من القيام بوظائفنا، والوقوف في مآربنا والملازمة للعلية بالله تعالى أعتابنا، أداء لبعض واجبه علينا، وقليل ذلك في حقه عندنا ومكانته لدينا، إنعاما تاما، مطلقا عاما، دون منازع له ولا معارض، ولا مزاحم ولا مناقض، ومن نازعه فيها أو طاف بساحتها نحفر جدره، ونمح أثره، والواقف عليه يعمل بمقتضاه، ولا يخالف ما أبرمه وأمضاه والسلام وفى الخامس والعشرين من ذى القعدة الحرام عام. . . . سبعة ومائة وألف".
مشيخته: أخذ عن الشيخ اليوسى، وسيدى عبد السلام القادرى، ولقى العارف بالله سيدى أحمد بن عبد الله، وكان يذكر حكايات في تفريح مضايق عرضت في علاج أولاد السلطان وأضرابهم.
مؤلفاته: منها تعليق على النزهة للشيخ داود، وأرجوزة ذيل بها أرجوزة ابن سينا في الطب، وأرجوزة في حب الإفرنج المعروف لدى العامة بالنوار، وهو
стр. 2904
السمهرى، فيمن نفى عيب الجدرى، رد به على من يقول إنه ليس من عيوب الرقيق، ومنظومة في مدح صالحى مكناسة الزيتون، وغير ذلك.
شعره: من ذلك قوله:
رمت انتساب سلالة الشيخ الذى ... شرفت بنسبته بنو جيلانى
فصددت عنه والذى قد صدنى ... علو رفعة شأنه عن شانى
إذ ما استطعت سوى العكوف ببابه ... متضرعا عل الندى يغشانى
قد ألف النجل الإمام المرتضى ... عبد السلام أزاهر البستان
في النسبة العليا وذكر مناقب ... بروية في غاية الإتقان
وتلاه في الوصف الجميل محمد ... المسناوى العالم الربانى
وتلاهم الجم الغفير من الألى ... جلت مآثرهم من الأعيان
ما كان صنعهم لصحة نسبة ... بل للتبرك وارتجاء تدانى
فلصحة النسب الشريف دلائل ... من قبلهم بسواطع البرهان
فطمحت بالالحاق لو سمحوا به ... لأنال ما نالوه من عرفان
إذ من أتى بابا ولازم سدة ... دخل المكان على هدى وأمان
وعلى النبى وآله وصحابه ... أزكى الصلاة ورحمة الرحمن
ما غردت قمرية باللحن في ... روض المنى ورنت على الأغصان
وقوله:
سر كما تحمل في كف القدر ... لا كما تختار إن كنت أثرْ
ما لعبد من مراد أن يرد ... كل شئ بقضاء وقدرْ
стр. 2905
فإذا ما قلت إنى قادر ... فادن كى تفعل شيئا أو تذرْ
سلم الأمر لمولاك ولا ... تتعب العقل بورد أو صدرْ
واطرحن عنك قضايا ما لها ... أثر واشدد على ما في الأثرْ
وإذا ما اشتد أزم فله ... فرج أقرب من لمح البصر
فابتهل لله واسأله إذا ... جن ليل سيما عند السحر
بخضوع وخشوع تعط ما ... فوق ما تأمل من رب القدر
وختام المسك إكثارك من ... صل يا رب على خير البشر
وعلى الآل وصحب كلما ... طلعت شمس وما لاح قمر (١)
وقوله في منافع النعناع:
ألا هل من الأعشاب نبت يوافق ... موافقة النعناع بل ويطابق
فكم من خصال حازها وفوائدا ... وكم من مزايا لا يفى بها ناطق
يسارع بالتسليم عرفا على الذى ... يمر به في روضه ويسابق
فما العنبر الشحرى ما المسك ما الشذا ... إذا فهن طيبا كلها منه سارق
إذا عبق النعناع فاغن به ولا ... تعرج على روض خلا منه عالق
ففى طبعه حر بآخر أول ... ويبس عليه المعتنون توافقوا
ولكن به لبن من الماء عارض ... تزيد به أسراره والدقائق
يؤنس بالتفريج نفسا مشوقة ... ويذكى حجا من للمعارف عاشق
ويرسل مقوال الفتى بمقوله ... ويفتح أبوابا عليها مغالق
стр. 2906
فخذ منه قبل الأكل نزرا وبعده ... ترى عجبا نعم العشير الموافق
يصون غذاء المرء من كل آفة ... تخاف ولم يطرقه بالسوء طارق
إذا الشهوتان احتاجت لموافق ... فليس كما النعناع خدن موافق
ففى هضمه إن عز هضم لناقص ... وفى التخمة الشنعاء خيره دافق
وقاطره في الكل مثل طبيخه ... بسكر نبت فهو راق ورائق
وللماء إصلاح بتضميده علا ... وشائعه أن غيرته ريانق
له في علاج الصدر سهم مفوق ... وفى خفقان القلب سهمه بارق
وفى المعد اللاتى تفاقم ضعفها ... له الرتبة العظمى على الغير فائق
وفى الغشيان الصعب قد شاع نفعه ... وللقئ والإسهال بالفور عائق
وللدوخة الضراء بالرأس نافع ... كذاك الصداع لا تراه يفارق
وهل لدماغ قد وهى مثله وهل ... عيون وهت عما سواه روامق
وينفع ألبانا من العقد عندما ... تكون حوتها للغذاء مسارق
ويخرج ديدان البطون بأسرها ... وللسم دفاع وللبرء سائق
مدر لبول للحصاة مفتت ... منق لأنواع البلاغم فارق
وفيه لطرد الريح بالحر غاية ... كذا لفواق جربته الحواذق
وفيه لدفع الريح نفع مقرر ... إذا بفضا الأحشاء برقه خافق
وفى ألم القلب الضعيف بدت لنا ... منافعه الجلا فسوقه نافق
فمضغه يشفى السن من وجع ومن ... بتور بلثات لدى الفتق رائق
يحمر لون المرء حتى كأنه ... إذا رئى قال المبصرون شقائق
стр. 2907
وقد جريته للبواسر أسرة ... وأرواحها فانزاح عنها التضايق
وللنكهة التطبيب عند امتضاغه ... وناهيك منه ما حوته الحدائق
فما لى لا أثنى عليه وأعتنى ... بنظم لآليه وفضله سابق
وقوله:
أفضل شئ للتداوى يوكل ... الكبر المملح المخلل
فطبعه الحر وقيل البرد ... والحر أشهر على ما يبدو
وقيل بل بحسب الأقاليم ... حرا وبراد عن ذوى التعاليم
مسخن للمعد المبروده ... مفتح للكبد المسدوده
يفتت الحصا وللبول يدر ... وفى الطحال سره أمر شهر
منبه لشهوة الغذاء ... بعد سقوطها بلا امتراء
ويخرج الحام من المفاصل ... إن حلها من خارج أو داخل
ويطرد الرياح والسموما ... يبرئها والبهق المذموما
والريق والسعال للمبرود ... والخل في المحرور من مفيد
ويبرئ القروح والأسنانا ... يعيدها قوتها استنانا
ويجبر الكسر وما ضهاه ... من هتك أو وهن حواه
كذا يحل كل صلب من ورم ... وشبهه وفى الخنازير أتم
ويخرج الديدان عن قريب ... ولو من الأذن على تجريب
وهذه الخصائص المذكوره ... لقشر أصله ترى مسطوره
وقد ينوب اللب عن أصله في ... خصاله وبالمزيد قد يفى
والكبر الحائز كل فخر ... ما كان منه نابت في الصخر
стр. 2908
وفاته: توفى عن سن عالية ليلة صبيحة الاثنين الثامن والعشرين من صفر الخير عام تسعة وخمسين ومائة وألف، ودفن ظهر اليوم المذكور بروضة سيدى محمد الطالب، قرب سيدى أبى غالب على ما في المورد الهنى، والذى في النشر أنه توفى أواخر صفر عام الترجمة يريد العام المذكور.
٤٧٦ - عبد الوهاب أجانا .
المكناسى أصلا المراكشى دارا أو قرارًا.
حاله فقيه أستاذ مقرئ مجود بركة فاضل، وجيه نزيه، صالح فالح معتقد كانت له جلالة ومكانة لدى السلطان العادل مولانا سليمان ومحبة زائدة وكان يؤدب أولاد الملوك بالدار السلطانية من الحضرة المراكشية بعد أن رجع من سجلماسة بعد أن حفظ عليه القرآن السلطان العادل مولانا سليمان وأخذ عليه علوم القراءات من تجويد وغيره، ولذلك لم يزل مراعيا فيه حق الشيخوخة معتنيا بأولاده بعد وفاته، محسنا إليهم، أقطعهم بعد موته دارًا وجنة بمراكش، كانت بيد والدهم بظهير دونك لفظه:
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله، ثم الطابع داخله (سليمان بن محمد بن عبد الله) ودائرته فيها محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، على:
"أنعمنا بحول الله التام، وشامل يمنه العام، على أولاد شيخنا البركة الفقيه الأجل السيد عبد الوهاب أجانا ﵀، وهم الفقيه السيد المفضل، وأخوه الفقيه السيد أحمد، وإخوانهم بالدار التي بها سكناهم مع والدهم رحمة الله عليه الكائنة بدرب الحمام من المواسين من حضرة مراكش أمنها الله، وكذا أنعمنا عليهم
стр. 2909
بالعَرْصَة (١) التي كانت في يد والدهم وتصرفه الكائنة بدرب سنان من الحومة المذكورة يتصرفون فيها بأنواع التصرفات كلها من غير منازع ولا معارض، ولا مدافع ولا مداحض، إنعاما سائغا لا يتعقب، وإقطاعا إماميا لا نسخ بحول الله يترقب، والوقف عليه من القضاة والحكام، وحملة السيف والأقلام، يعمل به، ولا يحيد عن كريم مذهبه، والسلام وكتب في سادس شعبان المبارك أحد شهور عام اثنى عشر ومائتين وألف، ذكره صاحب الإعلام، بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، وقال إنه وقف عليه.
وقد كان ولاه على قبائل تامسنا لما ولاه الله أمر المسلمين، فأقام واليا بها مدة أعوام إلى أن كبر سنه وعجز، فأخره إذ ذاك عن الولاية وأنزله بمكناسة كذا في جمهرة التيجان لدى تعرضه لذكر الآخذين عن السلطان المذكور.
مشيخته: منهم السلطان العادل المولى سليمان، فإنه لما ولاه الله أمر المسلمين صار المترجم يأخذ عنه العلم في جملة من أخذ عنه من الأعلام.
الآخذون عنه: أخذ عنه السلطان العادل المولى سليمان، وهو مؤدبه في صغوه إلى أن حفظ القرآن، والأمهات الصغار، وكان يظعن بظعنه ويقيم بإقامته وناهيك به، ذكره الزيانى وتلميذه ابن رحمون في عداد مشيخة السلطان المذكور.
وفاته: توفى أوائل القرن الثالث عشر بمراكش.
٤٧٧ - العباس بن محمد بن كيران الفاسى الأصل المكناسى الوفاة .
حاله: عالم زمانه، وفريد عصره وأوانه، حامل لواء التحقيق، المشار له في الإتقان والتدقيق، مشارك نفاع، غزير المعارف كثير الاطلاع، له اليد الطولى في سائر العلوم، والاقتدار الكامل على الحوض في منطوقها والمفهوم، اثتقاه سيدنا
стр. 2910
الجد المولى عبد الرحمن بن هشام لقضاء عاصمته المكناسية، واتخذه شيخ مجالسه الحديثية ينوه بقدره، ويستمع لنهيه وأمره، وتولى خطبة جامع القصبة السلطانية، وأقبل على التدريس، فانتفع به جم غفير من أهل النقد والتحرير، ولم يزل محمود السيرة على تلك الحال، إلى أن لقى الكبير المتعال.
مشيخته: أخذ عن العلامة السيد عبد القادر بن شقرون الفاسى، وتلميذه الشيخ الطيب ابن كيران وخصوصا الحديث، وعن الشيخ محمد صالح بن أبى محمد خير الله الشريف الحسنى نسبا البخارى السمرقندى أصلا ومنشأ الرضوى نسبة إلى على الرضا البخارى المولود عام واحد ومائتين وألف المتوفى بالمدينة المنورة عام ثلاثة وستين ومائتين وألف، وأجازه إجازة عامة عام ستين ومائتين وألف عند مقدمه للديار المغربية، إجازة عمم فيها وخصص، ودونك صورتها بعد البسملة والصلاة:
أحمده إذ الحمد لذاته، له بذاته، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد قطب دائرة الوجود وصفاته، وعلى آله وأصحابه نجوم الاقتداء وهداته وحماته.
أما بعد: لما كان عادة أهل الحديث، في القديم والحديث، الاستكثار من الاستجازة ولو من الدون، لصالح أغراض لا يعقلها إلا العالمون، طلب منى العلامة الأشهر، والبدر المنير الأزهر، الشيخ البركة، الحميد السكون والحركة، قاضى مكناسة الزيتون، المزرية علما بالروض الهتون، أبو عبد الله محمد العباس ابن كيران، تولانى الله وإياه وجميع المسلمين بالقبول والغفران، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، أن أوصل له سند الفاتحة وأصافحه وأشابكه بالمصافحة والمشابكة، المعروفة المتداولة بين المحدثين فصافحته وشابكته، وهأنا أوصل له سند الفاتحة فأقول وأنا الفقير البارى، محمد صالح الرضوى النجارى، أدركنى الله وأسلافى وأخلافى والمسلمين بلطفه العميم السارى؛ وخيره الكثير الجارى، حدثنا