← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

فحصل لي من السرور ما لا يعلمه إلا الله حتى إنه من فرط ما سرنى أبكانى والله على ما نقول وكيل. انتهى كاتبه أحمد بنانى سامحه الله. انتهى لفظه من خطه. ولادته: ولد بمكناسة الزيتون ليلة عيد الأضحى عام تسعة وعشرين ومائتين وألف حسبما أخبر بذلك عن نفسه، ونقله عنه تلميذه أبو العباس بنانى، وإلى ذلك رمز الفقيه الأديب السيد محمَّد بن أحمد التريكى الآسفى بقوله: إن قيل ما عام مولد ابن سائحنا ... ففه بقولك مكناس به ابتهجت وفاته: توفي برباط الفتح في الساعة الحادية عشرة من ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجب، عام تسعة وثلاثمائة وألف، وكان الذي تولى غسله الفقيه ابن الغازى الكبير، والحاج العربي افقير، وصلى عليه تلميذه العلامة السيد أحمد ابن محمَّد بنانى المذكور آنفا، وحشره الشريف سيدي محمَّد الودغيرى في جماعة من أفاضل الأعيان، ودفن بداره وضريحه مزارة مشهورة مقصودة بالثغر الرباطى، وقد رثاه الأديب الشهير السيد الحاج الطيب عواد السلاوى بقوله: سكب الدمع على الأرجاء أضناكا ... أم حر نار الأسى والبين أفناكا أم أنت صب موله فلست ترى ... صبرا على من بنور العطف حلاكا ومن دعاك بسعد الدين مذ زمن ... وتارة بأمين الدين سماكا وقال من أول الرعيل أنت فمل ... لله ميلا فإن الله أعطاكا أم قد فقدت بروح القدس سارية ... كانت تهب سحيرة بمغناكا أم قد فقدت من الأنوار بارقة ... سارت بحسك للحمى ومعناكا أم قد فقدت سراج القلب من سطعت ... أنوار أسراره على محياكا أم قد فقدت ضياء الدين فانكسفت ... شمس المعارف في آفاق مسراكا

стр. 2942

ذاك الإِمام الذي حاز الكمال ومن ... قرت به في جمال الإنس عيناكا روح الوجود وسره وطلعته ... وقطبه خير من تهوى ويهواكا حصن الحنيفية السمحاء صارمها ... غيث الندى من ببشر الوجه يلقاكا بحر المعارف والعلم الذي بهرت ... أنواره فاقتبس منها لمسعاكا ما جئت زائره في كشف نازلة ... من قبل تسآله إلا وأفتاكا ما جئت تشكو له نزول نائبة ... إلا وأذهب ما تشكو وسلاكا فاشهد معاهده تنل معارفه ... إن لم يكن ذنب نار الشك أقصاكا واعرف مفاخره تنل مناقبه ... إن لم يكن ران شرك الحب أوداكا بالله ربك يا سعد الوجود أفق ... من سكرة الوجدان الصحو ينهاكا بكاك قطع أكباد الورى آسفا ... والأرض قد أظلمت من فقد مولاكا ومن يلمك على طول البكاء فلم ... يشهد بسرك من تبكى ونجواكا فاسكب دموعك من دم الفؤاد على ... فقد الهمام ولو عدت محياكا محمَّد العربي بن السائح العمرى ... خليفة الغوث من بالورد أحياكا إلى أن قال: يا رب بالذات بالاسم الكريم ومن ... ناديت في المستوى عبدي فلباكا محمَّد خير من أدنيته شرفا ... لقاب قوسين محبوبا فحياكا فصل رب وسلم دائما أبدًا ... عليه ما حسن ذو وجد للقياكا وآله الغر ما ازدهى الوجود بهم ... وفاز عبد أحبهم بمرضاكا واجعل شفاعته تعم مجلسنا ... ومن غدا في بني الزهراء يرعاكا

стр. 2943

وحط بجاهه ديننا فجاهه في ... كل العوالم معقل لنعماكا وارض عن الختم للأسرار أجمعها ... كذا خليفته السامى لمرآكا وعم مثواهما نورًا ومرحمة ... تنهل من مزنها أرياح رحماكا ما أنشد العبد مبتولا لسيده ... مذ غاب منظره شوقا لرؤياكا إن سرت للمنزل الأسنى وكنت به ... ففي سويداء نور القلب مثواكا ٤٨٨ - العربي بادو ابن الأمين المحتسب الحاج الطاهر . حاله: فقيه علامة جليل، مشارك دراكة نبيل، لم أقف على تاريخ وفاته ولا على شيء زائد على ما قيدته في ترجمته، وضريحه بسيدى الدغوغى من جامع الزرقاء، يسار الداخل عليه دربوز خشب. ٤٨٩ - العربي بن على بن فارس الحسنى العلوى . حاله: نابغة أقرانه وأنجبهم وأذكاهم وأزكارهم وأشجعهم، كان فارسا كرارًا، بطلاً مقداما شعلة ذكاء، ذا ذهن وقال، وملكة كاملة كل صعب له بها انقاد، درس بالمسجد الأعظم بالحضرة المكناسية فأجاد وأفاد، ثم بارح الديار المكناسية مسقط رأسه بدرعة وذاك آخر العهد به. مشيخته: أخذ عن مشائخ مكناس السيد فضول بن عزوز، والسيد فضول السوسى، والسيد عبد السلام بن عمرو الصنهاجى، وأبى عبد الله محمَّد بن الجيلانى السقاط وهو عمدته وعن غيرهم. ٤٩٠ - العربي بن إدريس الشريف العلمى اللحيانى المعروف بالموساوى . دفين مدشر موساوة، أحد مداشر جبل زرهون. حاله: أستاذ مقرئ مجود، علامة فاضل، له مشاركة في فنون شتى، فقيه

стр. 2944

محدث، مفسر أصولى، بيانى منطقى، نحوى، خير دين عابد متبتل ناسك، عارف بربه، قال عليه مرشد إليه، ورع متقشف، معتقد صالح فالح مكاشف، شوهدت منه مكاشفة عجيبة أخبر بها بعض أصدقائه وقد طلب منه بيان حقيقتها على طريق الكشف فأخبره كتابة بخط يده فاطلعت على جوابه وكان في نفسى شيء منه، ثم كان الأمر وفق ما أخبر، وذلك بعد موت المسئول والسائل، وقد كان السيد العربي بن السائح المترجم آنفًا ينوه بقدره ويثنى عليه ويحض الناس على زيارته والتبرك به، وقد لقيته بداره بمدشر موساوة وزرته والتمست بركته، ودعالي بخير، ولقننى الورد التيجانى وسائر أذكار الطريق وأسرارها، وأجازنى عامة في ذلك برد الله ثراه. مشيخته: أخذ عن الشيخ بدر الدين الحمومى المتوفى ثامن محرم الحرام عام ستة وستين ومائتين وألف، وعلى التسولى المتوفى خامس عشر شوال عام ثمانية وخمسين ومائتين وألف، وعلى المرينى المتوفى في سابع رجب الفرد عام خمسة وتسعين ومائتين وألف، ومحمد بن عبد الرحمن الحجرتى الفيلالى، والشيخ الطالب بن حمدون بن الحاج، وأبى بكر بن الطيب بن كيران المتوفى رأبع عشر جمادى الثانية عام سبعة وستين ومائتين وألف، والشيخ الطالب بن عبد الرحمن والشيخ أحمد بن أحمد بنانى المتوفى يوم الجمعة ثامن جمادى الأولى عام ستة وثلاثمائة وألف، والشريف أبي العلاء إدريس الودغيرى الملقب بالبكرواى المتوفى سادس عشر محرم سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائتين وألف، والشيخ محمَّد بن عبد السلام الشفشاونى العلمى المتوفى سنة إحدى وتسعين بتقديم المثناة فوق على السين ومائتين وألف، وغير هؤلاء ممن يطول بنا تعداده. الآخذون عنه: أخذ عنه أبو محمَّد الكامل الأمرانى، ومحمد بن الطاهر الفاسى في جماعة من الأعلام.

стр. 2945

مؤلفاته: منها القول النافع والجواب القامع، في بيان مخرج الضاد المعجمة والتاء الفوقية المثناة في نحو كراسة، وقفت على مبيضته بخط يده، ومنحة الإخوان في نحو ألف بيت، ضمنها بعض ما يتعلق بالطريق التيجانية، ورسالة الترغيب والترهيب في الطريق والتصوف وآداب المزيد، ونصائح سنية سنية نافعة وغير ذلك. وفاته: توفي عن من عالية ليلة السبت سادس عشر جمادى الثانية عام عشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بمدشر موساوة أحد مداشر جبل زرهون وقبره مزارة شهيرة ﵀. ٤٩١ - العربي بن الأستاذ فضول ابن شَمْسِى . المكناسى الأصل، والنشأة والدار والإقبار. حاله: كان شيخ جماعة القراء الأساتذة ببلده مكناسة الزيتون، فقيها أستاذا، مقرئًا متقنا، مجودا فاضلا زكيا، تقيا نقيا، بشوشا هينا لينا، حسن الخط والتلاوة، ذا نوادر ومستظرف أخبار، من أهل الخير والفضل والدين المتين، والمروءة الكاملة، تصدر للتعليم وإقراء القراءات السبع بإتقان وتحرير، وواظب على ذلك بجد واجتهاد مدة تزيد على الخمسين سنة، فنفع الله به، وتخرج على يديه من حملة القرآن وحفاظ السبع المئون، حتى كاد أن لا يوجد في زمنه بمكناس من القراء إلا من أخذ عنه أو عن تلاميذه أو تلاميذهم، حسبما جاء في شهادة شرعية شهدها جماعة الأساتذة إنما أول هذه المائة، وثبتت لدى قاضيها أبي العباس ابن سودة ونصها بعد الحمدلة: "شهوده المجموعة (١) إثر تاريخه يعرفون الأجل الأرضى، المؤدب الأحظى

стр. 2946

الأستاذ المرتضى، السيد العربي بن المنعم الأستاذ البركة السيد الحاج المفضل ابن شمسى معرفة كافية، شرعًا عينا واسما ونسبا بها ومعها، يشهدون أنه من أهل الفضل والمروءة والخير والديانة، وأنه شيخ جماعة الأساتيذ وقتئذ بهذه الحضرة المكناسية صانها الله، وأنه المتصدر للتعليم وإقراء القراءات السبع وتحريرها بها، بهذه الحالة عرفوه، وعليها خبروه واختبروه، ولا زال على الحالة المذكورة إلى الآن كل ذلك في علمهم مستندين على المخالطة والأخذ عنه وبمضمنه قيدت شهادتهم مسئولة منهم لسائلها عن إذن من يجب سدده الله وأرشده بواسطة عونه الحسن، وفي ثانى عشرى ربيع النبوى الأنور عام خمسة وثلاثمائة وألف: الشريف بن عبد القادر بن مولاى هاشم العلوى الأستاذ، مولاى مشيش ابن مولاى الطاهر الإدريسى الومغارى الأستاذ، الفقيه الأرضى المدرس الأحظى السيد التهامى بن الطالب، الطالب السيد أحمد بن الطيب الفلالى الأستاذ، الطالب الأستاذ العباس بن الطالب سي ج العيسوى السقاط، الأستاذ الناسك الأجل سيدي محمَّد بن السيد العياشى القبرى، الطالب الأستاذ السيد محمَّد بن المدني الأجراوى، الأستاذ الحيى السيد إدريس بن بوعز البخاري، الطالب الأستاذ سي علال بن الطالب السيد أحمد العزوزى، الطالب المؤدب الناسك سي فضول مسامح، أخوه الفقيه الأرضى الأستاذ الأحظى السيد إدريس، الأستاذ ال أبو السيد إدريس بن المرحوم بكرم الله السيدج محمَّد المزورى". وبعده بخط القاضى: "شهدوا لدى من قدم لذلك فثبت" وبعده: "الحمد لله وحده أشهد الفقيه الأجل، العالم العلامة الأمثل، الدراكة الفهامة الأكمل، قاضى مكناسة ونواحيها وهو (أحمد ابن سودة المرى الله

стр. 2947

وليّه ومولاه) أعزه الله وحرسها بثبوت ما سطر أعلاه الثبوت التام لصحته عنده بواجبه، وهو أكرمه الله وأرشده بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر، وفي التاريخ أعلاه عبيد ربه سبحانه محمَّد بن عبد السلام الطاهرى الحسنى لطف الله به وعبد ربه فلان. الحمد لله بمثل ما شهد به الشهود أعلاه يشهد عبد ربه تعالى، فلان، وعبد ربه سبحانه جل وعلا فلان بشكلهما ودعائهما". وكان أحب شيء إليه الخلوة والعزلة عن الناس، يظل يومه في مكتب تعليمه مرتبا أوقات يومه ومقسما لها على إفادة المستفيدين على اختلاف طبقاتهم، يشتغل من الشروق إلى الزوال بتعليم صغار الصبيان، وبعد أداء فريضة الظهر يفد إليه قراء السبع فيشتغل معهم إلى العصر، ثم يقبل على التلاوة مع المتعلمين على اختلاف طبقاتهم إلى الغروب لا شغل له غير ما ذكر، ولا يروق ويحلو له سواه، حتى إنه بقى عازبا مدة تزيد على أربعين سنة بعد أن كان متزوجا وولد له. مشيخته: أخذ عن والده الحاج فضول، وجده من قبل أمه الأستاذ الحاج محمَّد السقاط، والأستاذ سيدي اليزيد وهو عمدته وبه كان يلهج، وهو عن سيدي الحاج المختار البقالى. الآخذون عنه: منهم الأستاذ السيد محمَّد بن العياشى القبرى، والأستاذ العباس السقاط، والأستاذ العلامة التهامى بن عبد القادر دعى الحداد مار الترجمة، والأستاذ أحمد بن الطيب الفيلالى، والأستاذ محمَّد بن المدني الأجراوى، والأستاذ إدريس بن بوعز البخاري، والأستاذ عبد القادر بن المعطى البخاري دعى الصبيع مصغرا، والأستاذ المولى محمَّد العلوى الإسماعيليّ دعى الخبيزى مصغرًا، والأستاذ إدريس الأجراوى دعى بابا، والأستاذ قاسم البرنوسى، والأستاذ محمَّد

стр. 2948

ابن البشير الساورى، والوافى بن هاشم العلوى، ومحمد بن أحمد الحميدى حامل راية القراء والموجود من المتقنين في عصره في مئين. وفاته: توفي في ثانى عشر قعدة الحرام عام اثنين وعشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بضريح ولى الله تعالى أبي الطيب من الحومة المعروفة بحومة سيدي قدور العلمى. ٤٩٢ - على أبو الحسن عرف بالأعرج . نجل فخر الملوك وجد سلاطين المغرب أبي النصر إسماعيل قدس سره. حاله: كان حليما عفوا، بويع له يوم الأحد ثامن وعشرى ربيع الثاني عام سبعة وأربعين ومائة وألف، باتفاق رؤساء عبيد البخاري وأهل فاس الجديد، بعد خلع صنوه الأمير أبي محمَّد عبد الله، وكان المترجم يومئذ بمحل استقراره سجلماسة، فوجه العبيد إليه، كتيبة من الخيل لإعلامه بما ذكر والإتيان به، ولما اتصل به الخبر خرج مسرعا وصار يطوى المراحل إلى أن بلغ صفرو فاستقبله هنالك أهل فاس علماء وأشراف وأعيان، وقدموا له بيعتهم فسر وقابلهم قبولا حسنًا، ثم نهض ووجهته فاس والوفد في معيته، وسار إلى أن حل العاصمة الفاسية، ثم ولى عمالتها مسعودا الروسى، وأمره أن لا يقبض زائدا على الهدية والزكوات والأعشار، ثم نهض إلى مكناس، ولما حل بها بايعه العبيد والأعيان البيعة، ووفدت عليه الوفود بالبيعات والهدايا ووصل الجيوش بأموال. ولما نفذ ما بيده ألقى القبض على الحرة المصونة ربة الدار السيدة خناثة بنت بكار أم صنوه السلطان عبد الله، وكذا على حفيدها أبي عبد الله محمَّد واستصفى أموالها، وبالغ في التضييق بها, لإخراج ما زعم أنها أخفته من المال، وشدد الوطأة على أهل مكناس، وفوض الأمر فيهم للباشا مساهل والقائد العياشى

стр. 2949

وأضرابهما من حملة راية الاستبداد والقساوة، وقد كان زمام السلطة بيد سالم الدكالي. قال أبو عبد الله الضعيف: ولما ضيق المترجم على ربة الدار خناثة بنت بكار، بعثت للعلماء تطلب منهم الوساطة بينها وبين صاحب الترجمة في تسريح حفيدها الأمير أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله من السجن؛ لأنه صبيّ لم يقترف ذنبا، وإعمال الشرع المطهر معها, لأنها امرأة أبيه، وَهَنَ العظم منها واشتعل الرأس شيبا، فإن أبي فسيحكم الله بينها وبينه، ولما كلم العلماء المترجم سرح حفيدها المذكور ونهض من مكناسة لفاس الجديد، ولما وقد عليه خرج لاستقباله أهل البلدين القديم والجديد، وقدموا إليه الهدايا وذلك عام سبعة وأربعين ومائة وألف. وفي السنة نفسها ثار بأقصى سوس أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد الكرسيفى ودخل آكدير بالسيف عنوة وأوقع بأهلها وقعة هائلة، نزل على معاطنهم في (يونت) تحت سيدي بوقناديل حتى مات الجل منهم عطشا، وكانوا يدفنون النساء والصبيان الذين هلكوا بالعطش بالمساجد والدور، وأمر الثائر بإعلان النداء في الجبال السوية وقبائلها بالحث على جهاد أهل آكدير ويقول: إن ثلثهم نصارى، وثلثهم عصاة حطب جهنم. ثم إن أهل سوس الذين وفدوا معه أنصارًا لم يكن أحد منهم رأى البحر قبل، فأخذوا يشربون منه ويلتون السويق بمائه، فمات منهم بسبب ذلك خلق كثير، ثم نهض الثائر المذكور وسار إلى تارودانت، وصمم على الإيقاع بهوارة، فتفطنوا لذلك وأجمعوا أمرهم على الغدر به فشعر بذلك وفر منهم مظهرا أنه يريد زيارة الشيخ عمرو وهارون برأس الوادى، فاقتفت أثره هوارة إلى أن لحقوا به

стр. 2950

بزاوية السيد عياد، فلحقوا به وضربوه بالرصاص فأصابته رصاصة من يد ابن همان الهوارى كان فيها حتفه. واستمرت دولة المترجم على هذا الحال، وكانت أيامه منعمة والأمطار كثيرة، وفي أول دولته وصل وسق القمح إلى ثلاثة وثلاثين مثقالًا، وفي عام ثمانية وأربعين وهو العام الثاني من ولايته رجع الزرع إلى عشرة مثاقيل للوسق هـ ملخصًا مع تقديم وتأخير. وفي البستان الظريف أن مسعودا الروسى وإلى فاس قتل الحاج أحمد بودا ريس اللمطيين، وأمر بجر جثته لباب الفتوح لسعيه من قبل في قتل أخيه أبي على الروسى، فاجتمع أهل فاس وحملوا السلاح وتوجهوا لقتل مسعود العامل المذكور، فنج بنفسه، فكسروا السجون وأطلقوا سراح من بها، وقتلوا الحرس، ولما اتصل الخبر بالمترجم أعرض عنهم ووجه لهم القائد غانم الحاجى مع أخيه المهتدى، وقال لهم فيما كتب لهم به: إنى عزلت عنكم مسعود الروسى، ووليت غانما الحاجى فلم يقبلوه. ومن الغد رجع من حيث أتى، ووجهوا مع المهتدى جماعة من العلماء والأشراف والأعيان بهدية ذات بال، ولما مثلوا بين يديه عدد عليهم ما ارتكبوه من قبيح الأفعال، وأوقع القبض عليهم وأودعهم السجن، ولما بلغ ذلك النبأ لفاس أغلقوا الأبواب وأعلنوا بالخلاف، وحكموا السيف في كل من له علاقة واتصال بالروسى المذكور، ووقع قتال مع الودايا. وفي رمضان العام قدم القائد عبد الله الحمرى أحد قواد العبيد، واجتمع بأهل فاس واعتذر لهم عما صدر من المترجم، وأمرهم بتوجيه هدية له مع وفد منتظم من العلماء والأشراف، فقبلوا ما أبداه من الأعذار وامتثلوا أمره فيما أشار به، وعينوا الوفد وجمعوا الهدية، فكتب الحمرى المذكور للسلطان معتذرا عن أهل

стр. 2951

فاس، ولما مثلوا بين يديه أغلظ عليهم في القول، ثم عفا وصفح وسرح مساجينهم، وولى عليهم عبد الله المذكور. وفي العام نفسه ولى على أهل فاس عبد الله بن الأشقر، واشتغل بتجهيز العساكر لآيت ومالوا، لأخذ ثأر العبيد منهم، وخرج إليهم في محرم عام تسعة وأربعين، فلما أحسوا بمقدمه عليهم أظهر الفرار أمامه، فصار يتتبع آثارهم ويحل منازلهم إلى أن قطعوا وادى أم الربيع وتوغلوا في الجبال، فعند ذلك انقضوا على الجيوش السلطانية من الثنايا والشعاب وأحاطوا بها من مناحية، فولت تلك الجيوش الأدبار منهزمة، وتركوا الخيول والأثقال ولم يتعرضوا للمترجم في موكبه وخاصته إلى أن قطع وادى أم الربيع ورجعوا عنه، وسار إلى أن دخل مكناسة فطالبه العبيد بالكسوة والسلاح والمرتب ولم يكن لديه ما يعطيهم هـ. قال الضعيف: وفي عشرى ذى الحجة الحرام منصرم العام خلع العبيد صاحب الترجمة، وتبعهم على ذلك أهل مكناسة وغيرهم، وبايعوا لصنوه أبي محمَّد عبد الله. وفي البستان أن المترجم لما سمع بذلك هرب لفاس، وأراد الدخول لفاس الجديد، فمنعه الودايا فنزل بقنطرة سبو، ومن الغد توجه لتازا، ومنها للأحلاف فأكرموه وصاهروه وأقام عندهم بوطنهم عدة أعوام معرضا عن الولاية وأسبابها إلى أن رجع لمكناسة بأمر أخيه السلطان عبد الله فأعطاه مالًا ووجهه لمكناسة الزيتون، وأعطاه المكس وأجنة المخزن وأرضه، ثم إن العبيد قبضوا عليه ووجهوه لصنوه السلطان المذكور وقالوا: هذا أفسد علينا بلادنا فسرحه ووجهه لسجلماسة، ولم يزل بها إلى أن لقى ربه.

стр. 2952

علائقه السياسية: وقفت له على كتاب بالمكتبة الوطنية بباريس كان بعثه لسفير فرنسا، هذا نصه بعد البسملة والحوقلة بالله العلى العظيم، ثم الطابع كالبيضة بداخله (أمير المؤمنين أبو الحسن على الشريف ابن أمير المؤمنين إسماعيل الشريف الله وليّه ومولاه) وبدائرته إلا إله إلا الله وحده، صدق الله وعده، ونصر عبده، لا إله إلا الله الأمر كله لله): "إلى الباشدور الفرنسيس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله واهتدى. أما بعد: فاعلم أن خبرك وصل لمقامنا العالى بالله، وأنك أردت أن تقدم إلى أبوابنا العلية، وتوقفت على إذننا، فمرحبا بك، وأقدم في الأمان على سبيل الفور، وما نعمل لك إلا ما يسرك ويرضيك، وما ترجع إلا على خاطرك وكما تحب وترضى، وكل ما جئت عليه نقضيه لك إن شاء الله تعالى، والسلام على من اتبع الهدى، وكتب في الخامس عشر من جمادى الأولى عام ثمانية وأربعين ومائة وألف" صح من أصله مباشرة ولم يسم فيه المكتوب له. ومن ذلك ما كتب به للملك لويس الرابع عشر ولفظه بعد الحمدلة والحوقلة والطابع كما تقدم: "إلى الرواى الويس الفرانسيسى. أما بعد: فاعلم أنا لما جلسنا على سرير ملكنا واستولى سلطاننا وأمرنا على إيالتنا السعيدة الدانية والبعيدة، وأمدنا الله تعالى بالمدد، والعدد والعدد، وجمع المولى سبحانه كلمة جيوش الإِسلام، وسائر أقطارنا الخاص منها والعام، وانعقد بذلك الإبرام، ذلك بتقدير العزيز العلام، وردت علينا الوفود، أهل الحواضر والباد على الرسم المألوف المعهود، المؤدى إلى صلاح البلاد والعباد، أقررنا كل حد على

стр. 2953

ما أقره عليه والدنا وأخونا أحمد قدس الله أرواحهم، وأبد في الفردوس نفوسهم الكريمة وأرواحهم، وأجرينا كلا ما كان عليه. ولما مثل بين أيدينا المباركة النصرانى طوماس وتصفحنا كتاب أخينا المذكور، الذي بيده البخاري على مقتضى شرعنا الكريم المطاع أعزه الله من أن الهدنة والسلم والفداء المأمور بهم معكم، وجهنا لكم مسطورنا هذا المبارك الأسمى، واقتفينا في ذلك بكتاب أخينا الأعز الأحمى، فوجه لنا باشدورك وكل ما في خاطرك وأردته لدينا، نقضوه لك بحول الله وقوته، وحتى هؤلاء النصارى الذين هنا بمقامنا العالى بالله أسارى إن أردت فديتهم والكلام معنا في شأنهم فأبعث باشادورك عليهم نبعثهم لك، والسلام على من اتبع الهدى كتب في رابع شوال" تحبيساته: من ذلك ما حبسه على قراء الحزب بالرحبة المرتفعة من باب السادات أحد أبواب المسجد الأعظم بالعاصمة، وذلك جميع الحانوتين المستندتين على فندق الرتيمى، وجميع الكوشة بجناح الأمان، وجميع حانوت ... . . وحانوتين بالصف المقابل المستندتين على الحمام فوق بابا الفرنان، وجميع الأرحى الفوقية تحت حوش العين الزرقاء المحدثة البناء على أرض الجزاء على صلوقية المضاف الهابط من وجه العروس قبالة سيدي على منصور، على أن يقتطع الناظر ربع الكراء للإصلاح، والثلاثة الأرباع منه لهم ووجه الناظر أبا القاسم المسطاسى لحيازة ما ذكر لمن ذكر على الوجه المذكور في أوائل قعدة الحرام عام ١١٤٧ حسبما بصحيفة ١٣٦ من الجزء الثاني من الحوالة الحبسية. ومن ذلك تحبيسه لغابة الزيتون المعروفة إلى اليوم بمولاى على لشراء الحصر للمسجد الأعظم، وما أضيف إليه، وقد أخبرنى من وثقت بخبره من النظار، أن

стр. 2954

[صورة] ظهير السلطان المولى علي بن إسماعيل للويس الرابع عشر ملك فرنسا

стр. 2955

ثمن غلة ذلك الزيتون لا تتجاوز ثمن ما يحتاج إليه المسجد من الحصر ولا ينقص، وأن ذلك تتبع بالاستقراء عدة أعوام فلم يتخلف. ووقفت على نصف مصحف كريم من سورة الكهف إلى من الجنة والناس، بخط رائق فائق، على أول ورقة منه تحبيس صاحب الترجمة له على أمه المصونة السيدة عائشة المتوفاة في سادس جمادى الأولى عام سبعة وعشرين ومائة وألف، حسبما هو منقوش في رخامة ضريحها الواقع خلف الجدار الشرقى من قبة شريح أبي زيد عبد الرحمن المجذوب، وتاريخ التحبيس أواسط رمضان العام رحم الله الجميع آمين، وقد تقدم قريبًا ذكر ما أنعم به على طبيبه عبد الوهاب أدرّاق في ترجمته. ٤٩٣ - على بن حمود . المكناسى الأصل الفاسى الولادة والدار المكي الوفاة. حاله: عالم زاهد، ورع محسن إلى الغرباء، كثير الخشوع، مشمع الصدر معرض عن الدنيا، مقبل على الطاعة متواضع، سريع الدمعة، مشفق على عباد الله، رحل إلى الحج عام اثنى عشر وخمسمائة، ولقى جلة الأعلام، ورجع بعد قضاء حجة سنة ثمن عشرة وخمسمائة، فأقام بمدينة فاس مدة، ثم دخل الأندلس بنية الغزو والرباط، وصحب بها جلة علمائها، ثم رجع إلى فاس وبقى بها إلى سنة ستة وعشرين، ثم رحل كرة ثانية ودخل الْمَرِيَّة، ورحل منها إلى الإسكندرية، ثم أعاد الرحلة إلى الحج وجاور بمكة، وأمّ بالحرم المكي شرفه الله. ذكره ابن الأبار في تكميل الصلة، وابن فرتون في الذيل، وابن الزبير، وصاحب الجذوة، وصاحب صلة الصلة، قالوا: أصله من مكناسة الزيتون. مشيخته: روى عن أبي بكر الطرطوشى سنن أبي داود، وصحيح مسلم عن

стр. 2956

طرخان، وجامع الترمذي عن ابن المبارك، وعن أبي الحسن سعد الخير الأندلسيّ جميع صحيح البخاري عن ابن مكتوم، وموطأ القعنبيّ عن أحمد بن عبد الله وعن غير هؤلاء. ولادته: ولد بفاس عام ستة وسبعين وأربعمائة. وفاته: توفي بمكة المشرفة ودفن بالصفا سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. ٤٩٤ - على بن عيسى بن عمران بن دافال المكناسى . حاله: فقيه علامة، مشارك نحرير، فاضل زكى ألمعى، مهذب، ولى قضاء مدينة فاس. مشيخته: أخذ عن والده وغيره من محققى الأعلام. الآخذون عنه: أخذ عنه أبو الربيع بن سالم وغيره. وفاته: توفي سنة أربع وتسعين وخمسمائة. ٤٩٥ - على بن أبي بكر بن سبع بن مزاحم المكناسى . حاله: أستاذ مقرئ راوية، رحالة محدث ناقد، مطلع خبير، مدرس نفاع، قال المقرى في النفح: ورد علينا من المشرق فأقام معنا أعوامًا، ثم رحل إلى فاس فتوفى فيها بالوباء العام. مشيخته: أخذ عن أحمد بن الشحنة الحجاز البخاري، وذلك سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان الحجاز قد سمعه على ابن الزبيدى سنة ثلاثين وستمائة. قال المقرى: وهذا ما لا يعرف له نظير في الإِسلام، وقد قال عبد الغنى الحافظ: لا نعرف في الإِسلام من وازاه إلا عبد الله بن محمَّد البغوي في قدم السماع، فإنه توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، قال ابن خلاد: سمعناه يقول: أخبرنا إسحاق بن

стр. 2957

إسماعيل الطالقانى سنة خمس وعشرين ومائتين، وسمعه ابن الزبيدى، عن أبي الوقت بسنده قال لي ابن مزاحم: هذا طريق كله سماع، وأخذ أيضًا عن بدر الدين ابن جماعة الشاطبيتين قراءة عليه لجميعهما عن أبي الفضل هبة الله بن الأزرق بقراءتهما عليه عن المؤلف كذلك وأخذ عنه تسهيل الفوائد عن مؤلفه ابن مالك وغير ذلك. الآخذون عنه: أخذ عنه جد أبي العباس المقرى وهو قاضى القضاة بفاس أبو محمَّد بن محمَّد بن أحمد القرشيّ كما قال ذلك هو على نفسه وتبعه حفيده في النفح، وأخذ عنه غيره، ولم أحفظ وفاته غير أنها كانت بفاس. ٤٩٦ - على بن عبد الرحمن بن تميم اليفرنى، شهر بالطنجي والمكناسى . حاله: فقيه حافظ، فرضى حيسوبى، فاضل زكى نبيل، وجيه كامل ألمعى، انتهت إليه رياسة الفرائض في عصره. مشيخته: أخذ عن أبي الحسن الزرويلى. الآخذون عنه: أخذ عنه الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن سليمان السطى وناهيك به، وأبو يعقوب البادسى المغراوى. مؤلفاته: منها تقييد على المدونة. وفاته: توفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. ٤٩٧ - على بن موسى بن أبي بكر بن محمَّد فتح ابن عبد الله الكتانى . حاله: قال في النبذة اليسيرة النافعة: كان ﵀ من أهل الفقه والنباهة، والظهور والوجاهة، علامة باهرًا، مشاركًا ماهرًا، وهو الذي رفع عمود نسبه صاحب عقود اللآلئ المستضيئة.

стр. 2958

وفاته: قال في النبذة أيضًا: غالب الظن أن وفاته كانت أوائل القرن الثامن بمكناسة. ٤٩٨ - على أبو الحسن بن الفقيه الأستاذ المدرس محمَّد بن على، دعى منون الحسنى المكناسى النشأة والدار والإقبار . حاله: محدث مفسر، فقيه علامة، أستاذ نبيل فاضل ماجد، ذكى زكى، فرضى موثق مقرئ مجود، ذو فكاهة ودعابة ولطف، كان ببلده مكناسة صدرا متصدرا للإقراء والتدريس، وبث العلوم على اختلاف فنونها في صدور الرجال، وكانت سكناه بحومة القورجة كما بزمام تركته، وقد تنوسى إطلاق هذا الاسم على هذه الحومة الآن. مشيخته: أدرك أبا الحسن على بن عمر، وأبا حفص الرجراجى، وأبا مهدى ابن علال، وأبا يعقوب يوسف بن منحوت، وأبا زيد الجادرى، وأبا وكيل ميمون، وأبا عبد الله الفخار السماتى. الآخذون عنه: أخذ عنه إمام مكناسة أبو عبد الله بن غازى العثمانى، وجماعة، قال تلميذه ابن غازى في فهرسته وغيرها: استفدت منه كثيرا وكانت فيه دعابة، أنشدنى لبعضهم: يا معشر الإخوان أوصيكم ... وصية الوالد والوالده لا تعملوا الإقدام إلا لمن ... كانت لكم في وصله فائده إما لعلم تستفيدونه ... أو لكريم عنده مائده ولادته: ولد سنة تسعين -بتقديم المثناة فوق- وسبعمائة. وفاته: توفي بمكناسة الزيتون في قعدة الحرام عام أربعة وخمسين وثمانمائة وضريحه مزارة شهيرة.

стр. 2959

٤٩٩ - على بن هارون الشريف الحسنى المكناسى . حاله: ذو جلالة في سائر الفنون وإجلال لدى الخواص والعموم مشارك نقاد، محرر محبر ذو ذهن وقال. مشيخته: أخذ عن أبي حفص: عمر الرجراجى، وأبى مهدى: موسى بن علال المصمودى، وأبى يعقوب الأغصاوى، وأبى زيد عبد الرحمن (١) الجاديرى، وأبى وكيل: ميمون مولى ابن الفخار وغيرهم. وفاته: توفي بمكناسة الزيتون بعد السبعين وثمانمائة. ٥٠٠ - على بن محمَّد بن عبد الرحمن المعروف بالمراكشى . الأقاوى الأصل من بني صالح بالسوس الأقصى، وسقط من قلم صاحب الدرر المرصعة اسم المترجم على، فسماه محمَّد بن عبد الرحمن، والصواب على ابن محمَّد بن عبد الرحمن. حاله: فقيه بركة جليل، فرضى نحوى ميقاتى، قال في حقه تلميذه أبو العباس أحزاى -بألف مفتوحة فحاء مضمومة فزاى مفتوحة مشبعة فياء ساكنة- في قرى العجلان، على إجازة الأحبَّة والإخوان، ما نصه: آية في الحفظ، وفهم الفقه واستحضاره، ومشاركة في غيره من الفنون، وقد تصدر للتدريس والإفتاء بالزاوية البكرية بالجامع الكبير فقها وعربية وحسابا وفرائض وتوقيتا. وقال في حقه صاحب الصفوة: الشيخ الفقيه المحصل، كان صلبا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وقع له مع خليفة السلطان بتادلا وهو أحمد المعروف بالعبد بالبربرية وكان من أعظم الوزراء ووجوه الدولة ما هو -ويعنى بالسلطان

стр. 2960

المولى الرشيد العلوى- مبسوط وكانت له فصاحة في التقرير، ولى القضاء بالقصر مدة، وولاه السلطان مولاى الرشيد قضاء تادلا، فقام به أحسن قيام وحمدت سيرته، انظر الصفوة. وفي السؤال التاسع من الأسئلة التي سأل عنها أبو العباس أحمد بن عبد القادر التستاوتى علماء وقته ما نصه: الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله، سُئِلَ كاتبه عن شخص حبس شيئًا على أن يصرف في سبيل الله وفي أنواع الخير كرفد المحتاج واستضافة غريب، وذى نسبة إلهية، على أن النظر له فيه وعلى يده يكون صرفه في الوجوه المقصودة به، وبعد موته يستمر على الحالة المقصودة من غير تغيير، ويليه من يخلف مقامه، ويتمم بذلك الأمر اهتمامه. هل الحبس نافذ وماض أو هو لصفة الضد حائز؟ فقلت مجيبًا ومن الله أستمد المعونة، وعليه أعتمد في كفاية المئونة، إن الحبس ليس بجائز ولا نافذ لما اعتراه من الشرط المذكور الذي هو تصرفه وإجالة نظره: قال ابن شاس في المختصر الكبير: لا يجوز للرجل أن يحبس ويكون هو ولى ذلك. وقال ابن المواز: لو شرط في حبسه أنه يلي ذلك لم يجزه له ابن القاسم وأشهب، وقد اعتمد ذلك صاحب المختصر مشهرًا له قائلًا: وعلى أن النظر له مما يبطل به الحبس، وأيضًا فقد قال ابن القاسم وأشهب: إذا شرط المحبس أن يأخذ من الناظر على حبسه مستفاد ويصرفه في مصارفه بعدم الجواز والبطلان فمن باب أولى وأحرى نازلتنا لانتفاء الناظر فيه وتخريج قول فيها من قول مالك بالجواز في غاية البعد والله أعلم، وكتب على بن محمَّد المراكشى لطف الله به. مشيخته: أخذ عن القاضى أبي العباس: أحمد بن سعيد المجيلدى المعقول،

стр. 2961

وحضر مجالس أبي محمَّد: عبد القادر الفاسى في التفسير والحديث وغير ذلك، وعن أبي العباس: أحمد العرفاوى القراءات كما أخذ عن أئمة زاوية الدلاء. الآخذون عنه: أخذ عنه أبو العباس أحزاى المذكور، قال عن نفسه في قرى العجلان: أخذت عنه العربية والفقه والفرائض والحساب، وخليلا غير ما مرة، والرسالة غير ما مرة، والألفية غير ما مرة، وخدمته بنية صالحة خالصة مدة تزيد على عشر سنين بالزاوية البكرية. مؤلفاته: له أجوبة حسان في الفقه، وشرح على منظومة وجيزة للقاضى أبي العباس المجيلدى في التوقيت، أجاد فيه ما شاء. وفاته: قال في النشر: توفي فجأة سقط إثر صلاة الظهر بباب المسجد الأعظم من الحضرة المكناسية عام عشرة وتسعمائة بتقديم الفوقية. ٥٠١ - على بن محمَّد بن أبي الفضل بن أحمد بن العافية . حاله: فقيه علامة نحرير، تولى قضاء مكناسة الزيتون في دولة يعقوب بن عبد الحق المرينى. قال في درة الحجال: كان حيا سنة أربع وثمانين وستمائة. قلت: وقد وقفت على رسم مسجل عليه بتاريخ سادس عشر صفر عام أربعة عشر وسبعمائة على فيه بما لفظه: الفقيه الأجل، قاضى مكناسة، يتضمن ذلك الرسم الشهادة بصحة نسبة الشرفاء الأطهار، الحيلة الأخيار، الحسينيين الأبرار، الكانونيين الأخيار، وعليه عدة خطابات من جملتها خطاب المترجم. ٥٠٢ - على بن سعيد بن محمَّد الصنهاجي المكناسى . وقفت على الجزء الأول من شرح ابن جابر الغسانى على التلمسانية بخطه، وذكر عن نفسه أنه كتبه وهو بسجن مكناس سنة سبع وعشرين وتسعمائة، نقلا عن

стр. 2962

خط المؤلف، ولم أقف على من أجرى له ذكرًا, ولا على ولادة، ولا وفاة إلى الآن ولله في خلقه شئون. ٥٠٣ - على بن يوسف . يدعى ابن يشو، التلاجدوتى، نسبة لقرية من قرى مكناسة الزيتون. حاله: أحد قادات مكناسة المقتدى بهم، علامة مشارك، نقاد خبير محنك، مطلع متفنن من فحول عصره المشار لهم بالبنان، المرجوع إليهم في تحرير العلوم العقلية والنقلية وبالأخص علوم العربية والفرائض والحساب والعروض، وأظنه هو المعروف اليوم بسيدى على والحاج خارج مكناس؛ لأن محل مدفنه يعرف بتلاجدوت والله أعلم. الآخذون عنه: أخذ عنه أبو عبد الله القورى، وأبو العباس الحباك، وأبو عبد الله بن جابر الغسانى كما صرح به في شرحه على التلمسانية، وناهيك بهم علما وجلالة، وقد غاب عني تاريخ وفاته. ٥٠٤ - على بن محمَّد الزرهونى المعروف بالدشيش بصيغة التصغير . حاله: صالح زاهد، ورع تقى نقى فاضل، وصفه سميه العلامة البطوئى بالتصوف والزهد. مشيخته: أخذ عن سيدي رضوان الجنوى وانتفع به، كما أخذ عن غيره. الآخذون عنه: أخذ عنه سيدي أحمد بن على بن يوسف الفاسى وغيره، وتوفى بفاس وضريحه بزقاق الرمان شهير، ولم أقف على تاريخ وفاته. ٥٠٥ - على بن حبق (١) المكناسى.

стр. 2963

حاله: فقيه صالح علامة أديب فاضل، بركة قدوة، قال ابن غازى: قد حدثني المعمر أبو زيد عبد الرحمن النيار مزوار المؤذنين بجامعها الأعظم، أن ابن حبق هذا رئى في المنام بعد موته فسئل عما لقى من الحق سبحانه فأنشد: حسبوا على وقيدوا ... فعل القبيح مع الحسن ورأيت أمرا هائلا ... حتى لعمرى كدت أن وعفوا وذلك شأنهم ... لله در أبى الحسن شعره: من ذلك قوله يعاتب نفسه: عبد من الحسنات أصبح مفلسا ... وبضدها ثوب الديانة دنسا يمسى ويصبح للخطايا كاسبا ... لم ينهه مر الصباح ولا المسا ولم أقف على تاريخ وفاته ولا على شيء من ترجمته غير ما في الروض الهتون. ٥٠٦ - على بن عمر . ذكره ابن غازى في الروض، ولم أقف له على ترجمة. ٥٠٧ - على أبو الحسن قاضيه ابن أحمد بن محمَّد بن حماد زغبوش . ذكره ابن غازى، ولم أقف له على ترجمة. ٥٠٨ - على أبو الحسن . دفين داره بالمنيا من طالعة فاس، ابن إبراهيم ابن العارف الكبير سيدي عبد الله الخياط الشريف الحسنى، دفين جبل زرهون، المترجم فيما مر. حاله: فقيه سنى ناسك صالح، خاضع متواضع، قال على الله ذو أحوال ومناقب وفضل ودين متين، انتقل من مسقط رأسه زاوية جده الشهيرة بجبل

стр. 2964

زرهون بعد وفاة والده لفاس بقصد الأخذ بها عن جلة أعلامها، ثم إنه غلب عليه الحال، واشتغل بالعبادة وقصد الشيخ أبا الطيب بن يحيى دفين بلاد ميسور بوصية من والده أبي إسحاق إبراهيم له، وذلك أن أبا الطيب المذكور جاء مرة زائرًا لزرهون على العادة، فاجتمع معه سيدي إبراهيم، ونادى ولده المترجم، فلما دخل عليهما قال له: يا ولدى ادن من الشيخ أبي الطيب وسلم عليه: يا ولدى هذا شيخك، فلما كبر المترجم ذهب إلى أبي الطيب ولازمه حتى كان منه ما كان، وكان المترجم هو خليفة جده بزاويته بعد وفاة والده، وكان والده قبله هو الخليفة بها بعد وفاة والده سيدي عبد الله الخياط، ثم لازم المترجم داره بالمنية الفوقية من حومة قنطرة أبي الرءوس وأقبل على عبادة ربه حتى أتاه اليقين. مشيخته: أخذ عن والده بزاوية جده من زرهون، ولازمه إلى أن توفي وذهب لفاس فأخذ عن أبي الطيب ولازمه، وعلى يده فتح له ولم ينتسب إلا إليه، ولم أقف على تاريخ وفاته، بيد أنه من أهل القرن العاشر، إذ شيخه أبو الطيب كانت وفاته في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وتسعمائة، وقد أشار إلى المترجم الشيخ المدرع في منظومته في صلحاء فاس رضوان الله عنهم بقوله: والسيد الخياط واسمه على ... ذو الجاه والهمة والقدر العلى كذاك سيدي مغيث أحيا ... ذكرهما معا دريب المنيا ٥٠٩ - على بن قاسم الوقاد المعافرى قاضيها أبو الحسن . حاله: علامة نقاد وقفت على رسم مسجل عليه بتاريخ ثالث عشرى جمادى الأولى عام اثنين وعشرين وألف، يتضمن تزوج الشاب الأمجد أبي العباس أحمد بن عبد الله الجنان الأنصاري بالبكر العذراء المصونة فاطمة بنت المرحوم أبي زيد عبد الرحمن حفيد أبي عبد الله محمَّد بن جابر الغسانى رحم الله الجميع.

стр. 2965

٥١٠ - على الزرهونى . حاله: محقق خير دين فاضل بركة قدوة، ناقد بصير، مدرس علامة، مشارك نفاع للطلبة، متضلع في النحو والتصريف والعروض مع المشاركة في غيرها من الفنون، دءوب على إقراء الألفية، تخرج به ﵀ جماعة أعلام. مشيخته: أخذ عن جماعة من أعلام عصره كأبى الحسن على بن الزبير السجلماسى المتوفى سنة خمس وثلاثين وألف وغيره. الآخذون عنه: أخذ عنه الإِمام أبو محمَّد عبد القادر الفاسى شيخ الجماعة بفاس وناهيك به وغيره. وفاته: توفي بشفشاون سنة اثنتين وسبعين وألف، ﵀ ورضى عنه. ٥١١ - على بن أحمد المكناسى . أورده أبو محمَّد عبد الله الفاسى في كتابه الإعلام. حاله: فقيه علامة له مشاركة في الحديث والفقه والأصول. مشيخته: أخذ عن أبي محمَّد عبد القادر الفاسى، ولازمه في الحديث والأصول والفروع. وفاته: توفي ببلده مكناسة سنة أربع وسبعين وألف. ٥١٢ - على بن عمر بن عبد السلام بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد ثاني ابن أحمد بن الحافظ بن أبي بكر بن العربي المعافرى . دفين خارج فاس. حاله: ميقاتى متقن قال فيه أبو عبد الله ابن غازى: فاضل دين، لم يل الأذان ببلدتنا مثله هـ.

стр. 2966

انتقل من فاس لعاصمتنا المكناسية وأسندت إليه رياسة التوقيت بمنار مسجدها الكبير حسبما الإشارة لذلك في السلوة. ٥١٣ - على أبو البركات بن محمَّد المدعو حمدوش بن عمران الشريف العلمى العروسى . كذا وقفت على نسبته هذه في عقد إراثة لوالد المترجم بتاريخ حادى عشر صفر عام تسعة عشر ومائة وألف -الوالى الشهير دفين جبل زرهون (١). حاله: كان في ابتداء أمره بفاس يجلس بباب القرويين المقابلة لباب الشماعين، دام على ذلك سنين، ثم انتقل لزرهون حيث زاويته الآن، وكان من أهل الجذب ساقط التكليف، قوى الحال، يحب السماع والأمداح ويرتاح للطرب، ويصبو لسماع آلاته، أظهر الله على يده كرامات، وخوارق عادات، وأورثت عنه أحوال ومقامات، وربما ضرب الناس في بعض الأحيان بكل ما يجد من أوانى وعصى وحجر وغير ذلك، حتى لا يقدر أحد على القرب منه وله معتقدون وأتباع كثيرون في أقطار كثيرة دانية وشاسعة، تشد الرحال للوفود لزاويته بقصد الزيارة كل سنة، وقد وقفت في بعض التقاييد بخط أحد أعلام مكناس أن للمترجم وردا وهو ثمانية عشر ألفا من الهيللة، وأن الشيخ بن قدور الزواق كان يجيز به الناس هـ. أما هؤلاء الذين يزعمون له اليوم الأتباع، ويحسبون أنهم يسيرون سير النتيجة والانتفاع، فيجلبون على رءوسهم بالمعاول والفئوس ويحاربونها بالعصى وزبر الحديد ولا كحرب البسوس، فهم عن عهد الهدى بمعزل، بل إنهم اتخذوا

стр. 2967

من مسالك الضلالة والعمى أردى منزل، ولعمر الله إنهم فيما يفعلون لفى قصوى درجة السفه في الدين، وأقبح ما يأتيه من يغسل منه انسلال الشعرة من الطين، تواطئوا على شدخ الرءوس، والسعى في هلاك النفوس، ويعدون ذلك كرامة حيث لا يقع لهم هلاك بالشدخ وسيل الدماء، بل يعتقدون أن ما يرتكبون من الخرق المصادم للإنسانية بل والدين الإسلامي يقربهم إلى الله زلفى، ويكسبهم رضا متبوعهم المتبرئ من سوء فعلهم في الواقع براءة الذئب من دم يوسف، وربما اعتقد فيهم ذلك أيضًا همج الرعاع وأخلاط الخلق سفهاء الأحلام وما ذاك إلا من عمى الجهل الطام، وكبير الخذلان العام. ولا سلف لهم في ذلك الفعل الشنيع، والعمل البشيع، غير ما يقال من أن بعض أتباعه وهو أحمد الدغوغى أحد اتباع المترجم من العوام الصرف لم يحضر وفاة متبوعه المترجم، فلما آب من سفره وعلم بوفاته صار يضرب رأسه مع الجدارات وبالأحجار أسفا على فقد شيخه، وتحسرًا على عدم حضوره لوفاته، واغتنامه صالح دعواته، فاتخذ الأخلاط من أصحابه ذلك عادة ولم يعلموا أن صاحب ذلك الفعل المحرم إجماعًا ليس محلاً للقدوة، سواء قلنا إنه صدر منه ذلك بحال اعتراه لأن صاحب الحال يسلم له حاله ولا يقتدى بفعله لأنه فاقد التكليف، أو قلنا إنه تعمد ذلك الفعل الجاهلى وألقى بنفسه للتهلكة اتباعا لهواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، فلا تحل متابعته على هذه السنة السيئة المصادمة لما قضى الله ورسوله، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم، ومعلوم أن ذلك الفعل ليس من سبيل المؤمنين، ومن يتبع غير سبيل المؤمنين قوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الكتاب والسنة، وأن يميتنا على العمل بهما آمين. أما الشيخ المترجم فالمعتقد أنه لا يصح لمميز الاقتداء به بحال، فقد أطبقت

стр. 2968

كلمة من نظمه معه الزمان على أنه كان مجذوبا معلوما بالغيبة والوله، ومن هذا سبيله سقط عنه التكليف، ولا يصح الاقتداء به في حال ولئن فرضنا سلوكه وقيامه على الأمر فهو من الشريعة تحت حكمها؛ ومؤاخذ إن أخل بشيء من نظمها، إذ الشريعة حاكمة على كل واحد وليس لأحد عليها حكم، فالرجوع إليها والوقوف عند حد تعاليمها واجب؛ لأن صاحبها معصوم من الهوى، ﴿... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ... (٧)﴾ [الحشر: ٧] , ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقد أتانا بتحريم الإلقاء بالنفس في التهلكة ونجاسة الدم المسفوح والتلطيخ به، وقضى بالاهتداء بهديه والاقتداء بالخلفاء الراشدين من بعده والعض على سنته بالنواجذ، وهؤلاء نبذوا ذلك وراءهم ظهريا، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. فإن قلت: ما يرى عليهم من تعجيل البرء بمجرد انقضاء زمن اجتماعهم فيه أعظم كرامة لهم. قلنا: الأمر الخارق غير محصور في الكرامة، ولا بد من التفصيل فيه، فإما أن يظهر على يد مبتدع أو على يد متبع للقوانين التي أسسها الإِسلام وأوجب الائتمار بأوامرها والانتهاء بنواهيها، فإن ظهرت على يد متبع وكان من دعوى النبوة فمعجزة، وبدونها مع الاستقامة فكرامة، إذ كل ما يقع للنبى معجزة جاز أن يكون للولي كرامة، وإن ظهر على يد مبتدع فلا يشك عاقل أنه مكر من الله واستدراج لمن علم الله شقاوته وضلالته، قال الله تعالى: ﴿... سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٢] ولا يغتر عاقل بذلك ولو رآه يطير في الهواء، ويمشى على الماء. قال أبو يزيد البسطامى: إذا رأيت من يطير في

стр. 2969

الهواء فلا يغرنك فعله، حتى تراه واقفا عند الأمر والنهى لأن إبليس لعنه الله يطير في الهواء ويمشى على الماء ويخترق الأرضين إلى الأرض السفلى، وأن السامرى ألقى الحلى في النار فأخرج له عجلا جسدا له خوار، والنمروذ بن كنعان حين ارتفع إلى الهواء في تابوت فكان يرمى بالنشاب إلى السماء ليقتل إله إبراهيم بزعمه، وكانت ترجع إليه السهام مخضوبة بالدم فقال: قتلته، وكل ذلك فتنة واستدراج من الله ليزيد في كفره وطغيانه. فإذا كانت هذه الخوارق العظيمة يظهر مثلها على يد هؤلاء القوم الظالمين، فكيف يغتر عاقل بما يجرى من الأوهام والحيل على يد أهل البدع والضلال؟ كأهل هذه الطوائف الزائغة الضالة التي أصبحت قذى في عين شريعة الإِسلام، ساعية جهدها وطاقتها في إفساد سمعتها عند غير أهله، فكل ما يظهر من هذا على يد غير متبع للقوانين الإِسلامية فهو فتنة وبلية يضل الله بها من خالف أمره وأمر نبيه ﵇ واتبع هواه، هذا على تسليم اطراد وقوع البرء ناجزًا، على أننا لا نسلمه، إذ قد مات غير واحد على الفور وربما كان البرء صوريا، وقد تمكن الألم باطنا فرمته الأيام بالحدثان فأقبل على الآخرة مدبرًا، وكتاب الله الحكم فقد قال تعالى: ﴿... وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... (١٩٥)﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٥] فمن لم يَنْقَد لأحكام الكتاب والسنة لَفَظَهُ الإيمان, فأصبح مخلدا في دركات النيران، فقد روينا عن خير من نطق بالضاد: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، وقد كان إمامنا مالك ﵁ كثيرًا ما ينشد: وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع فإن قلت: فعلهم هذا هو من الأمور التي مرت عليها الأجيال، وقد ظهر وانتشر واشتهر في كثير من العواصم وارتاح إليه، وعضده الجم الغفير من

стр. 2970

الدهماء، ولم نر من تصدى لإنكاره ممن يشأهد ذلك من أهل العلم والدين، ومن مكنهم الله في الأرض وجعل بيدهم الحل والعقد. قلنا: أما ظهور مثل ذلك وانتشاره في الحواضر والبوادى فلا مفر عنه، ولا يزيد أهل الرسوخ في الدين إلا إيمانا وتسليما, لأنه مصداق لما أنبأ به نبينا الصادق المصدوق صلوات الله عليه وسلامه من ظهور البدع وافتراق الأمة فيها على فرف كغيرها من الأمم، وأحاديث ذلك مشهورة في دواوين الشريعة المطهرة، واللازم حينئذ بعد تحقيق كونها بدعا منابذة للدين الإسلامي، التحذير منها وإنكارها بقدر المستطاع. أخرج الإِمام أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه وابن مردويه كلهم عن عبد الله ابن مسعود قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ... (١٥٣)﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] قال: البدع والشبهات. وقال الجنيد ﵁: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول ﷺ ، وقال: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من يتبعه. وعن عبد الرحمن بن مهدى قد سئل مالك بن أنس عن السنة قال: هي ما لا اسم له غير السنة وتلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قال بكر بن العلاء يريد إن شاء الله حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ خط له خطًّا وذكر الحديث، قال الشاطبى في الاعتصام إثره: فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع لا تختص ببدعة دون أخرى هـ.

стр. 2971

وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبه: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمَّد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. وفي رواية للنسائي: وكل محدثة بدعة وكل بدعة في النار. وقال ﵊: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ. وقد بين العلماء ﵃ أن المعنى في الحديثين المذكورين راجع لتغيير الحكم باعتقاد ما ليس بقربة قربة لا مطلق الإحداث، إذ تتناوله الشريعة بأصولها فيكون راجعًا إليها أو لفروعها، فيكون مقيسا عليها، قالوا: وبحسب هذا فلا تكون البدعة إلا محرمة لا سيما إن كانت في مقابلة منصوص عن الشارع أو مخالفة لأصل الملة، أو خارجة عن قواعد الأحكام الشرعية. وأما زعم أن ذلك وأمثاله لم ينكره أهل العلم ولا حذروا منه، فكلا ومعاذ الله أن يرضى بذلك ذو علم حقيقى أو عاقل هذبته الإنسانية فضلا عن أن يقر عليه، بل لم يأل العلماء جهدًا في بيان شرح خصال الإِسلام ويبذلون المجهود في ذلك بأساليب تقرب من الإفهام، ويوضحون في كل قول وفعل ما يوافق السنة وما يراغمها من البدعة ويتفننون في ذلك باختلاف الأحوال وما يقتضيه ما أحدث في كل زمان، وإنما الذي كاد أن يعدم إن لم نقل عدم هو الآذان الواعية، والقلوب المهتدية، وإلا فكم قرع المبتدعة أهل الدين ووبخوا وما قصروا؟ وقد نظموا في ذلك ونثروا، كما أن أمراء العدل وإن قلوا لم يزالوا يتعاهدون الضرب على أيدى أمثال هؤلاء وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولكن من يضلل الله فما له من هاد. قال الحافظ السخاوى في التبر المسبوك ما نصه: في يوم الاثنين سابع عشر ذى القعدة عام اثنين وخمسين وثمانمائة أمر السلطان راجح بن الرفاعى وجماعته

стр. 2972

بعدم فعل ما لا يجوز كالمزمار والتشبيبة والرقص في زواياهم، بمقتضى مرسوم سأل فيه أولاد الشيخ عبد القادر الكيلانى بعد أن حكم عليهم قاضى الحنابلة بذلك، ولله در القائل، من السادة الأوائل. الضرب بالطار والتشبيب بالقصب ... شيئان قد عرفا باللهو والطرب إنى لأعجب من قوم وطيشهم ... وأن أمرهم من أعجب العجب ومطرباتين (١) لا تصغى لقولهما ... فالشرع قد حرم الإصغاء للطرب إن نقروا الطار أمسوا يرقصعون له ... شبه القرود ألا سحقا لمرتكب صوفية أحدثوا في ديننا لعبا ... وخالفوا الحق دين المصطفى العربي من اقتدى بهم قد ضل مثلهم ... سحقا لمذهبهم لوكان من ذهب أهل المراقص لا تأخذ بمذهبهم ... فقد تمادوا على التمويه والكذب أنكر عليهم إذا ما كنت مقتدرا ... واضرب ظهورهم بالسوط والخشب (٢) وهذا السلطان العادل المولى سليمان قام في وجوه تلك الطوائف البدعية وسفه أحلامها وقبح أفعالها، وبين ما كان عليه سلفنا الصالح ودونك نص خطابه في ذلك: "الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة، وحفظ ملة نبيه الكريم، وصفيه الرءوف الرحيم، من الإضاعة، إلى قيام الساعة، وجعل التأسى به أنفع الوسائل النفاعة، أحمده حمدا ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه، وأشكره شكرا يقصر عنه لسان اليراعة، وأستمد معونته بلسان المذلة والضراعة، وأصلى على العموم والإشاعة، والرضا عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة".

стр. 2973

أما بعد: أيها الناس شرح الله لقبول النصيحة صدوركم، وأصلح بعنايته أموركم، وأعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم، فإن الله قد استرعانا جماعتكم، وأوجب لنا طاعتكم، وحذرنا إضاعتكم، يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم، سيما فيما أمر الله به ورسوله، أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية وإجماع الأمة المحمدية، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولهذا نرثى لغفلتكم وعدم إحساسكم، ونغار من استيلاء الشيطان على أنواعكم وأجناسكم، فالقوا لأمره آذانكم، وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم، وطهروا من دنس البدع إيمانكم، وأخلصوا لله إسراركم وإعلانكم، واعلموا أن الله بمحض فضله أوضح لكم طرق السنة لتسلوكها، وصرح بذم اللهو والشهوة لتتركوها، وكلفكم لينظر عملكم فاسمعوا في ذلك وأطيعوه، واعرفوا فضله عليكم وعوه، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون، وافترقوا أوزاعًا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا، بما هو حرام كتابا وسنة وإجماعا، وتسموا فقرا، وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا، قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وكل ذلك بدعة شنيعة، وفعلة فظيعة، ووصمة وضيعة، وسنة مخالفة لأحكام الشريعة، وتلبيس وضلال، وتدليس شيطانى وخبال، وزينة الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتًا، وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا، وتصدى له أهل البدع من عيساوة وجيلالة، وغيرهم من ذوى البدع والضلالة، والحماقة والجهالة، وصاروا يرتقبون للهوهم الساعات، ويتزاحمون على حبان الشيطان، وعصيهم منهم الجماعات.

стр. 2974

وكل ذلك حرام ممنوع، والإنفاق فيه إنفاق غير مشروع، فأنشدكم الله عباد الله هل فعل رسول الله ﷺ لحمزة عمه سيد الشهداء موسما؟ وهل فعل سيد هذه الأمة أبو بكر لسيد الأرسال صلوات الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب موسما؟ وهل فعل عمر لأبي بكر موسما؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين؟ ﵃ أجمعين. ثم أنشدكم الله هل زخرفت على عهد رسول الله ﷺ المساجد؟ أم زوقت أضرحة الصحابة والتابعين الأماجد. وكأنى بكم تقولون في نحو المواسم وزخرفة أضرحة الصالحين وغير ذلك من أنواع الابتداع، حسبنا الاقتداء والاتباع، إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، وهذه المقالة قالها الجاحدون هيهات هيهات لما توعدون. وقد رد الله مقالهم، ووبخهم وما أقالهم، فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدين. وأهل الصلاح والدين. خير القرون قرنى الحديث. وبالضرورة أنه لم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، فقد قبض رسول الله ﷺ وعقد الدين قد سجل، ووعد الله بإكماله قد عجل، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإِسلام دينا. قال عمر بن الخطاب: أيها الناس قد سنت لكم السنن, وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على العبادة، فلا تميلوا بالناس يمينا وشمالا، فليس في دين الله ولا فيما شرع نبى الله أن يتقرب إلى الله بغناء ولا شطح، والذكر الذي أمر به وحث عليه ومدح الذاكرين به هو على الوجه الذي كان يفعله ﷺ ، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد، فهذه سنة السلف، طريقة صالحى الخلف. فمن قال بغير طريقهم فلا يستمع، ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع، ومن

стр. 2975

يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين قوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا، قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين. فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع؟ أأمنا من مكر الله أم تلبيسا على عباد الله أم منابذة لمن النواصى في يده؟ أم غرور بمن الرجوع بعد إليه؟ فتوبوا واعتبروا، وغيروا المناكر واستغفروا، فقد أخذ الله بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع، ما بين العاصى والمداهن المطيع، أفيزلكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم؟ أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم؟. فتوبوا إلى رب الأرباب. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب، ومن أراد منكم التقرب بصدقة، أو وفق لمعروف إطعام أو نفقة، فعلى من ذكر الله في كتابه، ووعد فيهم بجزيل ثوابه، كذوى الضرورة الغير الخفية، والمرضى الذين لستم أولى منهم بالعافية، ففي مثل هذا تسد الذرائع، وفيه تمثل أوامر الشرائع، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: الآية ٦٠]. ولا يتقرب إلى ملك النواصى، بالبدع والمعاصى، بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون والأتقياء المفلحون، أكل الحلال، وقيام الليال، ومجاهدة النفس في حفظ الأحوال، وبالأقوال والأفعال، البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد، ورعاية السنة في المواسم والأعياد، ونصيحة تهدى، وأمانة تؤدى، وخلق على خلق القرآن يحدى، وصلاة وصيام، واجتناب مواقع الآثام، وبيع النفس والمال عن الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 2976

أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: الآية ١١١]. ﴿... وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ... (١٧٧)﴾ [البقرة: الآية ١٧٧]، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: الآية ١٥٣] صراط مستقيم كتاب الله وسنة رسول الله. وليس الصراط كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء. عني المقدام بن معد يكرب سمعت رسول الله ﷺ يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة وبيده راية يحملها وأناس يتبعونه فيسأل عنهم ويسألون عنه، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب. فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئًا من السلطان والخلائف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف, من الحضور في المساجد وغيرها, ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم، فإياكم ثم إياكم والبدع، فإنها تترك مراسم الدين خاوية، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية، فمن المتقول عن الملل، والمشهور في الأواخر والأول، أن البدع والمناكر إذا فشت في قوم أحابابهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات، وشحت السماء، وسحت النقماء، وغيض الماء واستولت الأعداء، وانتشر الداء وجفت الضروع،

стр. 2977

وانقطعت بركة الزروع؛ لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طريق الفوائد، والأدب مع الله ثلاثة: حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع، ومراعاتها في الضيق والاتساع، لا ما يفعله اليوم هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ وقال: أوصنا. قال أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة لمن وليكم وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وها نحن عباد الله أرشدناكم، وحذرناكم وأنذرناكم، فمن ذهب بعد لهذه المواسم أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" هـ. قال الزيانى في رحلته بعد نقلها: فتأملوا ما أملاه أمير المؤمنين في هذه الخطبة التي لم يسمع مثلها فيما مضى من العصور، ولا ذكرها ملك ولا عالم مشهور، فهي سادسة خطب الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز فمن تأملها علم علم يقين، أنها برزت من قلب خالص عارف بما أعد الله للمتقين هـ. وقد نص العلماء على أن العاصى أحسن حالًا من المبتدع؛ لأن العاصى

стр. 2978

يعلم أنه عاص، ويقول أتوب وأرجع إلى الله، والمبتدع يزعم أنه على الحق حتى يموت على بدعته، ومن مات مبتدعا وجد في قبره حفرة من حفر النار. أخرج الطحاوى أن النبى ﷺ قال: ستة ألعنهم لعنهم الله وكل نبى مجاب: الزائد في دين الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت يذل به من أعزه الله ويعز به من أذله الله، والتارك لسنتى، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتى ما حرم الله. وفى رواية أبى بكر بن ثابت الخطيب: ستة لعنهم الله ولعنتهم، وفيه الراغب عن سنتى إلى بدعة هـ. واللعن الإبعاد من رحمه الله تعالى، أى هلاك أعظم من ذلك عياذا بالله. وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه في بعض خطبه: أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة ألا لا تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وصفق بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، إن يقل قائل لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، الحديث. وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وقال ابن الماجشون: سمعت مالكا رضى الله عنه يقول: من أحدث شيئًا لم يكن عليه سلفنا فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان في الرسالة، لأن الله تعالى يقول: ﴿... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... (٣)﴾ [سورة المائدة آية: ٣] وسئل إمامنا مالك رضى الله عنه عن قوم يأكلون كثيرا ويرقصون كثيرا، فقال على وجه الإنكار لهم: أمجنونون هم أم صبيان؟ وقال: هذا لا يفعله أهل العقل والمروءة. وقال الإمام الطرطوشى حين وصف له حالهم: فمذهب هؤلاء جهالة وبطالة، وبدعة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة نبيه ﵇.

стр. 2979

وخرج ابن وهب عن سفيان أنه كان يقول لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا موافقا للسنة، ولما بايع الناس عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبى، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإنى لست بمبتدع، ولكنى متبع، ألا وإنى لست بقاض، ولكنى منفذ، ألا وإنى لست بخازن ولكنى أضع حيث أمرت، ألا وإنى لست بخيركم ولكنى أثقلكم حملا، ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ثم نزل. فإن قيل: هؤلاء يحبون شيخهم ونبيهم ويصلون عليه ويرجون شفاعته، ولهم نية خالصة في عبادتهم وأفعالهم في الله قلنا: كما قال الحسن: لا يغرنك قول من يقول: المرء مع من أحب، فإنك لن تلحق الأبرار إلا بعملهم وسنتهم، فإن اليهود أحبوا موسى وليسوا معه، إذ لم يتبعوه بل كذبوه ولقد أحسن من قال: ومن يدعى حب النبى ولم يكن ... بسنته مستمسكا فهو كاذب علامة صدق المرء في الحب أن يرى ... على منهج كانت عليه الحبائب والنية لا تنفع إلا مع اتباع السنة فقد كان للكفار نية خالصة في أصنامهم ولا ينفعهم ذلك، وما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله ابتعادًا. تنبيهان: الأول أسلفنا فيما نقلناه من قضية السلطان رافع التحذير من أفعال من ينتسب إلى الصوفية، وليس القصد الإرسال في ذلك فيجد من في قلبه مرض لإيقاد نار الفتنة السبيل إلى الانتقاد على أماثل أهل الدين، الذين بذلوا أرواحهم في خالص الطاعة كل حين، كالحسن البصرى والشاذلى والجنيد والسرى السقطى وابن أدهم ومن ضاهاهم من سلف الأمة وخلفها المهتدين المتقين، المنوه بهم في

стр. 2980

نص الكتاب، فإن الصوفية الحقيقييّن قوم خلص الله بواطنهم وظواهرهم، ونور بمعرفته سرائرهم، وأقامهم على درجة الاختصاص والقرب، فهم القوم لا يشقى جليسهم، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة. قال ابن عبد السلام: والله لقد قعد الصوفية على قواعد الشرع التي لا تتهدم، ومبغضهم في دركات حرابة الله، ففى الصحيح عنه ﷺ : من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب، فالمعترض لهم بالقول السيئ لا إخاله إلا استبطأ غضب الله ونقمته، ورام أن ينقض من عهد الله حرمته، والله حسيب أقوام نسبوا إليهم ما هم منه أخلياء، ورموا الحط من مقاماتهم وتلطيخهم بما هم منه أبرياء، ولا تزر وازرة وزرة أخرى، وإنما المراد المتصوفة المخلطون المدعون المتهورون. الثانى: قد عمم صاحب القطعة الشعرية في تحريم الشبابة وما شاكلها، وليس ذلك على إطلاقه، ومحمل ذلك على من يمزج الذكر بالشطح والرقص وضرب الصدور ونتف الشعور والتشبه بالحيوانات العادية وأكل الميتة والتلطيخ بالدم المسفوح المحرم بنص الكتاب ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... (٣)﴾ [سورة المائدة: آية: ٣] ﴿... إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ... . (١٤٥)﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٥] الآيتين، إلى غير هذا من أنواع المجون كالمزمار والطبل والتلحين، إذ ذكر الله ينبغى تعظيمه، وإجلاله وإقبال المتلبس به بسره وعلانيته على الله بخشوع وفراغ القلب من غير المذكور ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون، وتدبر قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... (٣٥)﴾ [سورة الحج آية: ٣٥] وضرورة أن الوجل مباين لحضور آلة اللهو ويباينها تمام المباينة، ومعلوم أن الموضوع مخصوص فكيف إذا انضم لآلة اللهو ما ذكر والتفصيل في ذلك قد علم في مسائل الفقه، وألم به العلماء في أبواب خصوصا مبحث الولائم فليراجع في
следующие страницы →