أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: الآية ١١١].
﴿... وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ... (١٧٧)﴾ [البقرة: الآية ١٧٧]، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: الآية ١٥٣] صراط مستقيم كتاب الله وسنة رسول الله.
وليس الصراط كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء.
عني المقدام بن معد يكرب سمعت رسول الله ﷺ يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة وبيده راية يحملها وأناس يتبعونه فيسأل عنهم ويسألون عنه، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب.
فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئًا من السلطان والخلائف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف, من الحضور في المساجد وغيرها, ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم، فإياكم ثم إياكم والبدع، فإنها تترك مراسم الدين خاوية، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية، فمن المتقول عن الملل، والمشهور في الأواخر والأول، أن البدع والمناكر إذا فشت في قوم أحابابهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات، وشحت السماء، وسحت النقماء، وغيض الماء واستولت الأعداء، وانتشر الداء وجفت الضروع،
стр. 2977
وانقطعت بركة الزروع؛ لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طريق الفوائد، والأدب مع الله ثلاثة: حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع، ومراعاتها في الضيق والاتساع، لا ما يفعله اليوم هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم.
عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ وقال: أوصنا. قال أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة لمن وليكم وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وها نحن عباد الله أرشدناكم، وحذرناكم وأنذرناكم، فمن ذهب بعد لهذه المواسم أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" هـ.
قال الزيانى في رحلته بعد نقلها: فتأملوا ما أملاه أمير المؤمنين في هذه الخطبة التي لم يسمع مثلها فيما مضى من العصور، ولا ذكرها ملك ولا عالم مشهور، فهي سادسة خطب الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز فمن تأملها علم علم يقين، أنها برزت من قلب خالص عارف بما أعد الله للمتقين هـ.
وقد نص العلماء على أن العاصى أحسن حالًا من المبتدع؛ لأن العاصى
стр. 2978
يعلم أنه عاص، ويقول أتوب وأرجع إلى الله، والمبتدع يزعم أنه على الحق حتى يموت على بدعته، ومن مات مبتدعا وجد في قبره حفرة من حفر النار.
أخرج الطحاوى أن النبى ﷺ قال: ستة ألعنهم لعنهم الله وكل نبى مجاب: الزائد في دين الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت يذل به من أعزه الله ويعز به من أذله الله، والتارك لسنتى، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتى ما حرم الله.
وفى رواية أبى بكر بن ثابت الخطيب: ستة لعنهم الله ولعنتهم، وفيه الراغب عن سنتى إلى بدعة هـ. واللعن الإبعاد من رحمه الله تعالى، أى هلاك أعظم من ذلك عياذا بالله.
وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه في بعض خطبه: أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة ألا لا تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وصفق بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، إن يقل قائل لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، الحديث.
وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وقال ابن الماجشون: سمعت مالكا رضى الله عنه يقول: من أحدث شيئًا لم يكن عليه سلفنا فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان في الرسالة، لأن الله تعالى يقول: ﴿... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... (٣)﴾ [سورة المائدة آية: ٣] وسئل إمامنا مالك رضى الله عنه عن قوم يأكلون كثيرا ويرقصون كثيرا، فقال على وجه الإنكار لهم: أمجنونون هم أم صبيان؟ وقال: هذا لا يفعله أهل العقل والمروءة.
وقال الإمام الطرطوشى حين وصف له حالهم: فمذهب هؤلاء جهالة وبطالة، وبدعة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة نبيه ﵇.
стр. 2979
وخرج ابن وهب عن سفيان أنه كان يقول لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا موافقا للسنة، ولما بايع الناس عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبى، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإنى لست بمبتدع، ولكنى متبع، ألا وإنى لست بقاض، ولكنى منفذ، ألا وإنى لست بخازن ولكنى أضع حيث أمرت، ألا وإنى لست بخيركم ولكنى أثقلكم حملا، ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ثم نزل.
فإن قيل: هؤلاء يحبون شيخهم ونبيهم ويصلون عليه ويرجون شفاعته، ولهم نية خالصة في عبادتهم وأفعالهم في الله قلنا: كما قال الحسن: لا يغرنك قول من يقول: المرء مع من أحب، فإنك لن تلحق الأبرار إلا بعملهم وسنتهم، فإن اليهود أحبوا موسى وليسوا معه، إذ لم يتبعوه بل كذبوه ولقد أحسن من قال:
ومن يدعى حب النبى ولم يكن ... بسنته مستمسكا فهو كاذب
علامة صدق المرء في الحب أن يرى ... على منهج كانت عليه الحبائب
والنية لا تنفع إلا مع اتباع السنة فقد كان للكفار نية خالصة في أصنامهم ولا ينفعهم ذلك، وما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله ابتعادًا.
تنبيهان: الأول أسلفنا فيما نقلناه من قضية السلطان رافع التحذير من أفعال من ينتسب إلى الصوفية، وليس القصد الإرسال في ذلك فيجد من في قلبه مرض لإيقاد نار الفتنة السبيل إلى الانتقاد على أماثل أهل الدين، الذين بذلوا أرواحهم في خالص الطاعة كل حين، كالحسن البصرى والشاذلى والجنيد والسرى السقطى وابن أدهم ومن ضاهاهم من سلف الأمة وخلفها المهتدين المتقين، المنوه بهم في
стр. 2980
نص الكتاب، فإن الصوفية الحقيقييّن قوم خلص الله بواطنهم وظواهرهم، ونور بمعرفته سرائرهم، وأقامهم على درجة الاختصاص والقرب، فهم القوم لا يشقى جليسهم، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة.
قال ابن عبد السلام: والله لقد قعد الصوفية على قواعد الشرع التي لا تتهدم، ومبغضهم في دركات حرابة الله، ففى الصحيح عنه ﷺ : من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب، فالمعترض لهم بالقول السيئ لا إخاله إلا استبطأ غضب الله ونقمته، ورام أن ينقض من عهد الله حرمته، والله حسيب أقوام نسبوا إليهم ما هم منه أخلياء، ورموا الحط من مقاماتهم وتلطيخهم بما هم منه أبرياء، ولا تزر وازرة وزرة أخرى، وإنما المراد المتصوفة المخلطون المدعون المتهورون.
الثانى: قد عمم صاحب القطعة الشعرية في تحريم الشبابة وما شاكلها، وليس ذلك على إطلاقه، ومحمل ذلك على من يمزج الذكر بالشطح والرقص وضرب الصدور ونتف الشعور والتشبه بالحيوانات العادية وأكل الميتة والتلطيخ بالدم المسفوح المحرم بنص الكتاب ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... (٣)﴾ [سورة المائدة: آية: ٣] ﴿... إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ... . (١٤٥)﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٥] الآيتين، إلى غير هذا من أنواع المجون كالمزمار والطبل والتلحين، إذ ذكر الله ينبغى تعظيمه، وإجلاله وإقبال المتلبس به بسره وعلانيته على الله بخشوع وفراغ القلب من غير المذكور ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون، وتدبر قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... (٣٥)﴾ [سورة الحج آية: ٣٥] وضرورة أن الوجل مباين لحضور آلة اللهو ويباينها تمام المباينة، ومعلوم أن الموضوع مخصوص فكيف إذا انضم لآلة اللهو ما ذكر والتفصيل في ذلك قد علم في مسائل الفقه، وألم به العلماء في أبواب خصوصا مبحث الولائم فليراجع في
стр. 2981
مظانه، فليس المحل لبيانه، وقد بسطنا القول فيه في غير هذا التقييد شرح الله صدورنا لمتابعة الكتاب والسنة في الأقوال والأفعال، وجعلنا بمنه من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه آمين.
ولم يقع ولله الحمد في عصرنا اليوسفى إهمال وإغضاء عن تلك البدع، بل النهضة اليوسفية ساهرة على اجتثاثها من أصلها تدريجا، وذلك أوقع في النفوس، فقد دمرت بعض أولئك الطوائف بثغر الدار البيضاء جملة، وأخذ في تطهير فاس ومراكش من دنسها، ونرجو من الله التوفيق والإعانة لمولانا الأمير وأنصاره، وولاة أمره على حسم مادتها تماما، من سائر إيالته الشريفة بيده سبحانه التوفيق والهداية (١).
مشيخته: أخذ عن السيد محمد المدعو الحفيان، وهو عن والده الشيخ محمد فتحا المدعو أبا عبيد الشرقى، عن والده أبى القاسم الزعرى الجابرى الرتحى، عن التباع، وأخذ أيضا أبو عبيد الشرقى أخذ إرادة وانتساب عن الشيخ عبد الله بن ساسى الغزوانى عن التباع، برد الله ثرى الجميع.
الآخذون عنه: أخذ عنه السيد محمد بن يوسف المدعو الحمدوشى نسبة لشيخه المترجم المتوفى بفاس عام أربعة وخمسين ومائة وألف، وأبو عبد الله
стр. 2982
محمد المدعو الحمدوشى الشريف الكنانى المتوفى عام أربعة عشر ومائتين وألف بمحروسة فاس، وأبو العباس الدغوغى دفين جبل زرهون، وأبو على الحسن بن مبارك دفين حومة بوعوادة من الحضرة المكناسية، والسيد قاسم أوقار ببنى مسارة من الجبل ولا زال أعقابه يفدون لضريح المترجم بقصد الزيارة والتبرك كل عام في جماعة من أهل الخير والصلاح، جلهم مجاذيب أو مشوبون بجذب، وورده الذى كان يلقنه لأتباعه ثمانية عشر ألفا من الهيللة حسبما وقفت على ذلك في بعض تقاييد لأبى العباس الأغزاوى المعروف بالجبلى المترجم فيما سلف. قال: أخبرنى تلميذه -يعنى ابن قدور سابق الترجمة- صاحبنا النجيب الصالح المهدى الورياجلى أن ابن قدور أجازه في ورد ابن حمدوش، وذكر أنه ثمانية عشر ألفا من الهيللة هـ.
وفاته: توفى بجبل زرهون حيث مشهده وزاويته الآن سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، كذا في نشر المثانى والتقاط الدرر، والذى في سلوك الطريق الوارية أنه توفى سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف.
٥١٤ - على بن سعيد العميرى .
حاله: علامة مشارك، مدرس نفاع، محرر نحرير، متقن، أحد صدور علماء الدولة الإسماعيلية المتصدرين للإرشاد والإفادة، حلاه عصريه العلامة الأقعد أبو الحسن على بن محمد بن على العكارى حسبما وقفت عليه في بعض تقاييده بخطه بما نصه: ذو اللسان الفصيح الفقيه الأديب، الحاذق اللبيب، أبو الحسن السيد على أخو السيد أبى القاسم العميرى، سمعته يقرئ الشفا للقاضى عياض بعد صلاة المغرب وبعد الصبح وهو ذو لسان، وذو عبارة مرونقة بالبيان، مولعا بالأدب والتاريخ والسير، ذو تثبت على ما يطالعه فيذكره كما قاله قائله، ورأيته يأتى بأبحاث في مجلسه بلفظ فإن قلت: كذا، قلنا: الجواب كذا، ومن طبعه كما حدثت عنه إباية المناقشة له في مجلسه، وقد شهدت له ما يدل على ذلك، قال:
стр. 2983
وهو من جملة من لقيت من أعلام مكناسة الزيتون لما قدمت إليها في أوائل جمادى الثانية عام سبعة وأربعين ومائة وألف.
وهو من أعيان الأعلام الذين شهدوا على جلالة سيدنا الجد الأعظم مولانا إسماعيل المذكور وهو على كرسى مملكته بعاصمته المكناسية في عقد المؤاخاة بين نجليه الأجلين مولانا أحمد الذهبى وجدنا مولانا زيدان، حسبما سبقت الإشارة إليه في ترجمة أخى المترجم في الأحمدين.
وقد كان متوليا له وزارة الأوقاف الحبسية بسائر الإيالة السلطانية يحاسب النظار ويسجل عليه، وقفت على محاسبتين له أصدرهما مع الناظر الفقيه العلامة السيد أبى القاسم بن الفقيه الحاج عبد الواحد المسطاسى، أولاهما بتاريخ أوائل جمادى الأولى عام خمسين ومائة وألف، وثانيتهما بتاريخ أوائل محرم عام واحد وخمسين، محلى فيهما بالفقيه الأجل، العالم العلامة الأفضل، من له النظر والتصرف التام في سائر أحباس هذه الإيالة الشريفة، وقد كان استوزره المولى المستضئ بن مولانا إسماعيل في دولته فسار سيرة حسنة، حمده عليها الأصدقاء والأعادى حسبما أوما إلى ذلك صاحب الدر المنتخب المستحسن.
مشيخته: أخذ عن والده، وأبى على الحسن بن رحال المعدانى وغيرهما.
الآخذون عنه: أخذ عنه السيد محمد بن محمد بن عبد الرحمن بصرى، سابق الترجمة وغيره.
وفاته: قال ابن عاشر الحافى في كناشتة: توفى صاحبنا الفقيه السيد على ابن سعيد العميرى في تاسع رمضان عام خمسين ومائة وألف.
٥١٥ - على بن عبد الرحمن بن عبود المكناسى النشأة والدار والإقبار .
حاله: إمام همام، فاضل علامة، نقاد مشارك، مطلع نحرير، متبحر ذو
стр. 2984
ذهن وقاد، مدرس نفاع، غزيز الاطلاع، محصل مفصل مديد الباع. قال في حقه أبو الحسن على العكارى ما نصه: الفقيه الأديب، الخاضع المنيب، أبو الحسن السيد الحاج على بن عبود وهو من أهل الخير والدين، ومن السادات المعتبرين، عليه مخايل الكمال، تميز بها عن هؤلاء الرجال، مجتهد في الدروس، مورد في تقريره ما تطيب به النفوس، سمعته يقرئ مختصر خليل بالمسجد الأعظم في وقتين، وأنصت له فرحت قرير العين، ولما عرفنى وقد كنت كتبت له قبل ملاقاته أدخلنى داره، محبة للعلم لا مداره، وأجلسنى على الفراش، وجاء بما تيسر من المعاش، وكان يومئذ صائما، ولم يزل طبق المحبة قائما، التقى بالوالد واستنجده لعهود، أعظمها أنه أن كان في الجنة ينادى أين ابن عبود.
ولما صدر منه ما صدر، أخذ عنه الوالد أن يعترف هو أيضا بمثل هذا الخبر، ليصير كلاهما عن الآخر سائلا، فكان كل منهما لذلك قابلا، وحين أراد الانصراف، خاطبنا مخاطبة إسعاف، أنه يأتى لنا كل يوم بما تيسر من الطعام، ليس إلا الحل دون شبهة حرام، من غير مشقة تلزمه في ذلك، فكان يسلك أحسن المسالك.
ولم يزل يتردد إلينا مدة الإقامة، ولم يتطرق لنا منه ولا له منا سآمة، إلى أن عزمنا على الرحيل، فتوادعنا معه موادعة الخليل. هـ من خطه.
وقد رحل المترجم لأداء فريضة الحج وزيارة النبى المختار، ولقى فحول جلة العلماء الأخيار، وأفاد واستفاد، وازدهت بوجوده البلاد، وكان متصدرا لتحمل الشهادة من أجل عدول مكناسة المبرزين، وأئمتها القادة المعتبرين، دين خير، فاضل زكى، ذكى، نبيل، أريحى لوذعى كامل.
مشيخته: أخذ عن أبى عبد الله محمد بن سالم بن أحمد الحفنى سنن أبى داود وجامع الترمذى وسنن ابن ماجه وسنن النسائى الصغرى ومسند الشافعى
стр. 2985
والشفا وتفسير البيضاوى وتفسير الجلالين والمحلى ومؤلفات ابن هشام والقاموس، وعن أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الله ... النوادر، وهو عن الخرشى، عن الأجهورى، وأخذ عن أبى على الحسن بن رحال المعدانى، وسعيد العميرى، وغير هؤلاء من الأعلام.
الآخذون عنه: أخذ عنه العلامة السيد الغازى ابن عبود، والسيد محمد بن سميه بن عبد الرحمن بصرى.
وفاته: توفى يوم الثلاثاء الثانى من ربيع الثانى عام أربعة وسبعين ومائة وألف.
٥١٦ - على بن صانبة البخارى المكناسى .
حاله: علامة أديب، أستاذ محقق، فاضل نبيل، جهبذ، نقاد، ألمعى أريب أصله من عبيد البخارى مماليك سيدنا الأعظم مولانا إسماعيل قدس ثراه، وكان من عدول سماط عاصمتنا المكناسية المبرزين المتصدرين للشهادة، وقفت على عقد بشهادته تاريخه خامس رجب عام عشرين ومائتين وألف.
مشيخته: أخذ عن أبى عبد الله محمد بن عبد السلام الفاسى وغيره.
الآخذون عنه: أخذ عنه السلطان أبو الربيع سليمان كما قال ذلك هو عن نفسه وحلاه في كتابه عناية أولى المجد: بشيخنا العلامة الأديب الأستاذ المحقق، ولم أقف على تاريخ وفاته.
٥١٧ - على جد والدنا دنية ابن محمد بن عبد المالك بن زيدان بن فخر الملوك مولانا إسماعيل .
حاله: فقيه علامة جليل، قدوة ماهر، دراكة نبيل، مبجل وقور هيوب
стр. 2986
مبرور، ذو جد واجتهاد، وجلالة ومكانة ونزاهة، وجاه ووجاهة، لدى الصغير والكبير في كل ناد، ورد من الصحراء أواخر دولة أمير المؤمنين سيدى محمد بن عبد الله فقوبل من لدنه بكل حفاوة وإكبار، وإعظام واعتبار، وأدناه وأجله، وعلى منصة التكريم والتبجيل أحله، وقلده خطة نقابة الأشراف، لما علمه وتحققه من كمال فضله ومتانة دينه وتحليه بأشرف الأوصاف، وتخليه عن كل ما يشين وتجنبه أهل الاعتساف، فقام بأعبائها أتم قيام، ولم يأل جهدًا في الدفاع عن حمى النسبة لخير الأنام في حل وإبرام، وفوق ما منه يرام، إلى أن لبى داعى مولاه، وانتقل لما اختير له ﵀، وولاه السلطان المولى سليمان الإمامة بمسجد القصبة السعيدة المولوية.
وقد وقفت على ظهير سليمانى يوجب له إعانة شهرية من الأحباس، نصه بعد الحمدلة والطابع الصغير بداخله (سليمان بن محمد غفر الله له):
"نأمر السيد سعيد بن القاضى ناظر أوقاف مكناسة الزيتون، أن يكون يدفع من الأحباس لمولاى على بن زيدان عشرين أوقية في كل شهر إعانة على قراءة العلم الشريف والسلام وفى منتصف رمضان المعظم عام ١٢٢٦".
وبعد بخط بعض القضاة:
"رفع على الخاتم الشريف صدر التنفيذ المولوى عدل فقبل".
كما عثرت على ظهير رحمانى بمعناه نصه بعد الحمدلة والطابع الصغير بداخله (عبد الرحمن بن هشام الله وليه):
"نأمر الفقيه الناظر السيد الطاهر بن عثمان أن يرد على الشريف مولاى على ابن زيدان المثقال الذى أسقط له من الثلاثة مثاقيل المنفذة له من الأحباس، بأن يقبض العدة الموصوفة كاملة عند افتتاح كل شهر، ولا ينقص له منها شئ، فإن مثله يزاد ولا ينقص، والسلام في ٢٨ من شعبان المبارك عام ١٢٤٩".
стр. 2987
ولما مات المترجم أستمر التنفيذ جاريا على أولاده من بعده حسبما يدل على ذلك ظهير محمدى شريف، نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله (محمد بن أمير المؤمنين وفقه الله):
"أقررنا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، أولاد ابن عمنا مولاى على ابن زيدان ﵀، على قبض الثلاثين أوقية التي كان نفذ والدنا المقدس بالله لوالدهم المذكور من أوقاف مكناسة الزيتون، إعانة على طلب العلم الشريف، مرتبا في كل شهر، فنأمر الناظر على الأوقاف المذكورة أن يبقى على دفعها لهم في كل شهر، صدر به أمرنا المعتز بالله في تاسع عشرى ربيع الأول عام ١٢٧٦".
ولما تولى السلطان المولى الحسن أقرهم على ذلك بظهير نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله (الحسن بن محمد الله وليه ومولاه):
"يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره أننا بعون الله وإفضاله، أقررنا ماسكيه أبناء عمنا مولاى على بن زيدان ﵀ على الثلاثين أوقية التي أقرهم سيدنا الوالد على قبضها كل شهر من أوقاف لهم على طلب العلم الشريف والسلام في ٢٦ من جمادى الأولى عام ١٢٩٣".
وفاته: توفى في ربيع النبوى الأنور عام ستين ومائتين وألف، ودفن بروضة أبى زيد عبد الرحمن المجذوب عند أصل الجدار الشرقى من قبة ضريحه خارج القبة، رحم الله الجميع بمحض الفضل.
ولما مات أنعم السلطان على أولاده بخمسين مثقالا، وقد خلف من الأولاد المولى أحمد، والمولى عبد الرحمن النقيبين من بعده، وتقدمت ترجمة ثانيهما، والمولى عبد السلام صبيا مراهقا، وأربع بنات حسبما بزمام تركته المؤرخ بأواخر ربيع الأول المذكور.
стр. 2988
٥١٨ - على بن (١) صالح.
حاله: فقيه أستاذ عشرى هين لين، قانت ذاكرا، تال فاضل، كان ﵀ مقرءا مجودا حسن الصوت حلو التلاوة، بارع الخط، يحفظ السبع والعشرين حفظا (٢) متقنا، إذا تلا أبكى وود المستمع عدم سكوته، حسن السمت، نادرة زمانه في اللطف والظرف والتؤدة ومكارم الأخلاق، آية في حسن التعليم، يؤدب الصبيان ويقرئ الأساتيذ، نفع الله به أقوامًا من حملة القرآن وقراء السبع بالحضرة المكناسية، وكان لا يخرج من داره إلا لمكتب تعليمه، أو لأداء الخمس جماعة بالأعظم، وكان الإمام الراتب بالأعظم في التراويح التي بعد العشاء، والراتب لأخذ قراء السبع عليه به عين وقتا لإفادتهم يفدون عليه بألواحهم يرمزها ويصحح الرموز منها، ولم يزل دءوبا على ذلك حتى نقله الله إليه، وقد رحل لأداء فريضة الحج وتلاقى بمن أفادهم واستفاد منهم من أهل الحرمين الشريفين وغيرهم.
مشيخته: أخذ عن سيدى محمد بن إدريس البوعنانى، والسيد الصديق الأجراوى المترجم فيما مر، والسيد اليزيد العلمى آتى الترجمة، والسيد صالح بن يوسف أخذ عنه العشرين وتقدمت ترجمته.
الآخذون عنه: أخذ عنه الأستاذ السيد عبد السلام الفشار، والأستاذ عبد القادر المدعو الصبيع، والشريف الفقيه السيد الحسن بن اليزيد العلوى، والأستاذ أحمد المجذوبى، وأبو عبد الله محمد بن سميه ابن عبود في خلق لا يكاد يعد كثرة من الأساتيذ وحملة القرآن الموجودين.
وفاته: توفى في رمضان عام أربعة وتسعين ومائتين وألف، ودفن بمسجد سيدى عمرو بوعوادة عن يسار الداخل له بمرجع دفته.
стр. 2989
٥١٩ - على بن محمد المسفيوى .
حاله: علامة مفت، ثبت محقق مدقق، شعلة ذكاء ونباهة، سريع الإدراك، جيد الفهم، متوقد القريحة، له المشاركة الكاملة في فنون العلوم عقليها ونقليها كالمنطق والبيان والمعانى، مع غزارة المادة في الفروع، والتفوق على معاصريه في علوم العربية والسير والأخبار ونوادر الزمان، لوذعى أريحى، مهذب حسن الأخلاق جميل المعاشرة، ذو مروءة وفضل ونبل وورع، وطهارة ذيل، وكرم نفس، وصدق لهجة، مقبل على شأنه مهتبل بأمور المنحاشين إليه.
حدثنى من وثقت بحديثه أن الحاج عبد السلام النساخ حدثه وهو ثقة ثبت أنه حج عام ١٢٨ في رفقة جماعة من الأعلام منهم والد المترجم السيد محمد المسفيوى، فكان من قدر الله أن مات الوالد المذكور، ولما حضرته الوفاة أوصى العلامة السيد محمد بن الفضيل المراكشى المتوفى عام ١٣٠٦ بأن يتولى أمر متروكه حتى يسلمه لأهله، فتولاه وفق ما طلبه منه، فاستسلف من برفقتهم ما خلف من المال، ولما رجعوا لمراكش وسلموا المتخلف لصاحب الترجمة ولد الهالك امتنع من قبض ذلك وسامحهم فيه، معتذرا بأن والده كان متوليا خطة القضاء ببلده مسفيوة، فربما تكون به شبهة، كذا أَخبرنى الفقيه العلامة الثبت الحاج محمد بن كبور قائلا حدثه بذلك الحاج عبد السلام المذكور رفيقا وهو من جملة من استسلف.
رحل من بلده مراكش في طلب العلم لفاس عام أربعة وستين ومائتين وألف، ولازم الأخذ عن جهابذة أعلامها بمزيد اعتناء وجد واجتهاد إلى أن برع، ومن قاموس المعارف التيار كرع، ولم يزل في رقى وإجلال، معمرا أوقاته بما يرضى ذا الجلال.
стр. 2990
وانتخبه السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام لإقراء أولاده، ثم اصطفاه السلطان سيدى محمد وزيرا لولده المولى الحسن زمن خلافته، ثم بعد مدة طلبه السلطان سيدى محمد للظعن معه، وجعله بمثابة كاتب مع وزيره الصدر الفقيه أبى عبد الله الصفار، وذلك أن بعض الولاة بمراكش كان في قلبه عليه مرض ولم يستطع حيلة للتوصل إليه والسعى في إذايته وتنحيته عن منصبه، حتى ورد السلطان سيدى محمد لمراكش وصار يبحث الولاة وذوى الحيثيات عن سيرة ولده الخليفة عنه ثمة، فأثنوا عليه ثناء عاطرًا ووصفوه بأوصاف عالية في الدهاء والسياسة، والنبل والكياسة، ثم قال شانيه إلا أَن عامة الناس تنسب ذلك لوزيره فإن رأى مولانا أن يعمل له وزيرًا دون هذا في العلم والمعرفة والرياسة لتنسب الأعمال لمولانا الخليفة، ويتضنح الأمر جليا للعامة والخاصة، فاستحسن السلطان منه ذلك واستصوبه، وبلغ صاحب الدسيسة مبتغاه.
ثم رشح المترجم لعمالة طنجة أياما، ثم أُعفى، واستكتب بالصدارة، ثم بعد جلوس السلطان مولاى الحسن على أريكة الملك قربه واستوزره، فكان في دولته وزير سماع المظالم وإبلاغها للحضرة الملوكية بعد وفاة الفقيه الصفار الذى كان مكلفا بذلك، فسار في مأموريته وفق ما منه يطلب، استوطن مكناسة مدة، وكان سكناه بها زمان وزارته بمقربة من جامع النجارين بالدرب المعروف اليوم بدرب الدلائيين بياءين.
مشيخته: أَخذ عن العلامة سيدى الوليد العراقى، وعن والده سيدى محمد المدعو حم المتوفى عام ثمانين ومائتين وألف، وعن أبى العباس المرنيسى، وأبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحجرتى الفيلالى وهو عمدته، ولقى الشيخ بدر الدين الحمومى وأجازه عامة كسابقيه وغير هؤلاء ممن هو في طبقتهم.
الآخذون عنه: أخذ عنه السلطان مولانا الحسن ولازمه زمن خلافته وقبله
стр. 2991
ظعنا وإقامة، وعمه مولانا العباس بن عبد الرحمن بن هشام المترجم قبل، وإخوانه المولى بوعزة، والمولى الرشيد، والمولى على، والسيد صالح السرغينى، والسيد الحبيب بن كيران، والسيد محمد بن المعطى السرغينى المراكشى المتوفى ثانى عشر محرم الحرام عام ستة وتسعين ومائتين وألف. قال في حديقة الأزهار: سمعت منه ألفية جمال الدين ابن مالك مع توضيح الإمام ابن هشام مع مباحثة في حواشى إرشاد السالك، ومختصر الشيخ خليل إلى البيوع، ولامية الزقاق وبعض تحفة ابن عاصم، وصغرى السنوسى والسلم.
وفاته: توفى ليلة الجمعة عاشر رجب عام ستة عشر وثلاثمائة وألف، ودفن بضريح المولى أبى إسحاق الذى جدد بناءه في حياته بمدينة مراكش.
٥٢٠ - على بن الشاد بن محمد بن العربى بن الطالب الأمرانى .
حاله: شاب نشأَ في عبادة الله، فقيه صالح فالح، نزيه عدل، رضى نبيه، خير دين، فاضل نبيل، صوام قوام، قنوع عالى الهمة شريف النفس، محافظ على الصلاة في الجماعة، كثير المطالعة، مشتغل بما يعنيه، تولى خطة العدالة بالحاضرة المكناسية، يحفظ المختصر الخليلى والتحفة وغيرهما من مهمات المتون، نشأ بتافيلالت ثم نقله السلطان المولى الحسن بعد وفاة والده إذ كان ابن عمته، وأنزله مع أصنائه بأعتابه الشريفة، وأُجريت عليه من الجرايات الملوكية ما يجرى لأمثاله، واشتعل بالتعلم مواصلا ليله بنهاره حتى حصل ما قسم له من المعلومات ففاق جل أقرانه.
مشيخته: أخذ عن السيد التهامى بن عبد القادر المدعو الحداد سابق الترجمة وهو عمدته، والسيد المفضل السوسى، والسيد محمد حمود يدعى مريود، والسيد محمد القصرى، والسيد محمد السوسى، والسيد الغالى السنتيسى، وقاضى
стр. 2992
مكناسة السيد محمد بن عبد السلام الطاهرى، والحاج المختار بن عبد الله والسيد المعطى بن عبود، وتراجم جل هؤلاء تقدمت.
وفاته: توفى ليلة الثامن والعشرين من حجة الحرام عام ثمانية وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بصحن الضريح الإسماعيلى برد الله ثراه.
٥٢١ - عمر بن عثمان الونشريسى المكناسى .
حاله: فقيه مدرس مدرك، أستاذ في العربية، قال ابن الخطيب في نفاضة الجراب: حضرت مذاكراته في مسألة أعوزت عليه وطال سؤاله عنها وهى قول الشاعر:
الناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... ما لم يروا عنده آثار (١) إحسان
وصورة السؤال: كيف يصح وقوع أفعل بين شيئين لا اشتراك بينهما في الوصف، إذ أوقع الشاعر أكيس بين الناس وبين أن يمدحوا وهو مؤول بالمصدر وهو المدح ولا يوصف بذلك هـ بنقل صاحب الروض.
قال في نفخ الطيب: عقب نقله لهذا الايراد: قلت الإشكال والجواب عنه بضرب من المجاز ظاهر، وقد أَشار إليه أبو حيان في الارتشاف، وجماعة آخرون في قول بعض المؤلفين كصاحب التلخيص: (أكثر من تحصى) ولولا السآمة لذكرت ما قيل في ذلك، وخلاصة ما قالوه أن في الكلام تقديرًا والله أعلم.
وفاته: توفى عام عشرة وثمانمائة، وإلى وفاته رمز صاحب الإعلام بوفيات الأعلام بلفظ قذى من قوله:
والونشريسى نجل عثمان عمر ... نحوينا عام (قذى) الدمع انهمر
стр. 2993
٥٢٢ - عمر الحراق أبو حفص، وزير الحضرة الإسماعيلية الشريف الحسنى .
حاله: عين أعيان الأعلام، وواسطة عقد حملة الأقلام، بذلك الأوان، إذا نظم سحر الألباب، وإذا نثر أَدهش فرسان البلاغة بما أويته من حسن الانسجام، وعجيب الإبداع، نشأَ ببلده شفشاون نشأَة حسنة في العفاف والصيانة، وغذى بألبان المعارف والعلوم والآدب، إلى أَن بلغ الأشد، ونبع وبرع في الفنون على اختلاف أنواعها. قال في حقه معاصره الأديب الماهر المقتدر أبو عبد الله محمد بن الطيب الشريف العلمى في أنيسه ما لفظه: قوى العارضة، لا يطمح الفتح أَن يعارضه، تقلد الوزارة، وشد بها إزاره، فأَلقت إليه الرياسة عصا الطوع، وأمنت بسيوف أقلامه وسهام إصابته من الروع، وجاءها من البيان بكل صنف ومن البديع بكل نوع، من رجل يهاب سطوته الحجاج، ويستفتيه في العربية الزجاج.
رحل إلى المشرق فحج واعتمر، وطلع بأدبه على ذلك الأفق طلوع القمر، فاستفاد وأَفاد، وخلد هنالك علما تدخره الأبناء للأحفاد، وله ديوان شعر يشهد له بالدراية، وينشر على رأسه في دولة الإحسان أى راية، ولقد أَثبت له ما تبصره شعرا، وتجده عند الاختبار سحرا، وعند الاستنشاق شحرا، إلى أن قال: لقيته بداره من محروسة مكناسة فأطرفنى بما شاء من الطرف، وأعطانى في أخباره من كل فن طرف، ثم دعا بولد له بعد ست سنين، فلما حضر أَدى حق الآباء على البنين، ثم قال له: قل يا بنى لا فض الله فاك، ولا سلم من جفاك، فأنشد وما وجم، حتى أتى على آخر لامية العجم، من غير أن يحدث في عروضها كسرا، أو يغفل في إعرابها ضما ولا كسرا.
ثم أتى من القصائد ما يتخذ ذخرا، وانتقل في المعانى فكان تميميا مرة وقيسيا أُخرى، فما رأيت والله من يفصح مثل لفظه، ولا من ظفر بمثل حفظه، ثم
стр. 2994
قال يا بنى أَطرفنا بشئ من الأخبار. مما عقلت من الأحبار. ونبذة من عجائب الأسفار. فحدثنا بقصص رائقة، سلك فيها منهج الإتقان ورائقه.
أَخبرنا قال حدث الخالد عن أبى بكر الصنوبرى، قال: كان بالرُّها وراق له سعد، وكان يجلس له أهل الفضل والأدب من أهل عصره وكان حسن الأدب غزير العلم، كثير الفهم، ينظم الأشعار الفائقة الرائقة، وكان جملة من الأدباء لا يفارقون دكانه، منهم أبو بكر المعوج الشامى الشاعر، وأبو بكر الصنوبرى وغيرهم من علماء الشام وديار مصر.
وكان لتاجر نصرانى هنالك ولد اسمه عيسى من أحسن الناس وجها وأعلاهم قدرا، وأظرفهم منطقا، وكان يجلس إلينا ويكتب من أشعارنا وجميعنا يحبه ويميل إليه، وهو حينئذ في المكتب، فعشقه سعد الوراق عشقا مبرحا، وكان يعمل فيه الأشعار فمن ذلك قوله فيه وقد جلس عنده يكتب شعرا:
اجعل فؤادى دواة والمداد دمى ... وهاك فاجر عظامى موضع القلم
يرى المنعم لا يدرى بمن كلفى ... وأنت أشهر في الصبيان من علم
ثم شاع بعشق الغلام، فلما كبر وبلغ الاحتلام، أحب الرهبانية وخاطب أباه وأمه في ذلك، وألح عليهما فأجاباه، وخرجا به إلى دير زكرى بنواحى الرقة وهو في نهاية الحسن، فابتاعا له قلابة فأَقاماه فيها، وضاقت الدنيا على سعد الوراق فأَغلق دكانه، وهجر إخوانه، ولزم الدير مع الغلام يعمل فيه الأشعار، ويسير خلفه حيث سار.
فأنكرت الرهبان إلمام سعد بعيسى ونهوه عنه وأَنكروا عليه، وأَغلظوا له في القول، وأَزمعوا على إخراجه إن دخل القلابة على عيسى، فلما رأى سعد امتناعه منه شق ذلك عليه وخضع للرهبان، وتملق لهم فلم يجيبوه، وقالوا: هذا عار علينا وفيه إثم فلا تمكن موافقتنا عليه، مع ما نخشى من السلطان.
стр. 2995
فكان إذا وافى الدير أَغلقوا الباب في وجهه، ولم يدعو الغلام يكلمه، فاشتد وجعه وزاد عشقه وكلفه، حتى صار إلى الجنون، فخرق ثيابه وأضرم النار في جميعها، ولزم صحراء الدير وهو عريان يهيم، ويعمل الأشعار.
قال الصنوبرى: فعبرت يوما أنا والمعوج الشامى من بستان بتنا فيه فرأيناه عريانا جالسا في ظل الدير، وقد طال شعره وتغيرت خلقته، فسلمنا عليه وعذلناه وعنفناه، فقال: دعانى من هذا الوسواس، أتريا ذلك الطير الذى على هيكل الدير؟ قلنا: نعم، قال: إنى والله أُناشده منذ الغداة أَن يسقط فأَحمله رسالة إلى عيسى، ثم التفت إلى وقال: يا صنوبرى أمعك ألواحك؟ قلت: نعم، قال اكتب عنى وأَنشد:
بدينك يا حمامة دير زكرى ... وبالإنجيل عندك والصليب
قفى وتحملى منى سلاما ... إلى قمر على غصن رطيب
حماه جماعة الرهبان عنى ... فقلبى لا يقر من الوجيب
وقالوا رابنا إلمام سعد ... ولا والله ما أنا بالمريب
وقولى سعدك المسكين يشكو ... لهيب جوى أحر من اللهيب
فصله بنظرة لك من بعيد ... إذا ما كنت تمنع من قريب
وإن أَنامت فاكتب حول قبرى ... محب مات من هجر الحبيب
رقيب واحد تنغيص عيش ... فكيف بمن له مائتا رقيب
قال: ثم تركنا وقام إلى باب الدير وهو مغلق دونه، وانصرفنا عنه، وما زال كذلك زمانا حتى وجد في بعض الأيام ميتا إلى جانب الدير فانتهى خبره إلى أمير البلد ابن كيغلغ، فعزم على ضرب رقبة الغلام وإحراقه بالنار، وضرب جميع الرهبان بالسياط حتى افتدوا منه بمائة ألف، وانتقل عيسى إلى دير سمعان مطرودا.
стр. 2996
رجع: ثم أَنبأت صاحب الترجمة بعزمى على هذا الكتاب، وطلبت منه أَن يعطينى من ديوانه ما أَثبت له في طبقة الكتاب، فماطلنى في ذلك، وكأنه رأى نفسه ليس أهلا لما هنالك، تواضعا لمولاه، ومن تواضع لله رفعه الله، ثم لما أن عدت في ذلك إليه، وأجلبت بخيلى ورجلى للتأكد عليه، اعتذر بتراكم الأكدار، ووعدنى بوصول القصائد إلى الدار؛ فودعته مصدقا لوعده، فما رأيت شيئا من بعده، سوى فقده، هـ لفظه.
شعره: من ذلك قوله يتشوق إلى شفشاون بلده ويحن لها حنين الوالد لولده:
شفشاون يا شفاء النفس من نصب ... ومن عنا وشفاء الروح من وصب
حياك من لم يزل حيا وأحيا رُبًى ... رُبِّيت فيها رهين اللهو والطراب
مسقط رأسى وأنسى مع جهابذة ... أَربوا على كل ذى علم وذى أدب
زدت جمالا على حمراء أندلس ... وفقت بيضاء غرب منتهى الأدب
أرض تجمع فيها كل مفترق ... في غيرها من أراضى العجم والعرب
ماء معين وأشجار منوعة ... تعجز عن وصفها الأقلام في الكتب
ما شعب بوان ما مرج دمشق وما ... نيل بمصر وما العاصى لدى حلب
في جنب شفشاون الغراء إن فخرت ... بتينها وبزيتون مع العنب
إلى أن قال:
أنت التي في سواد القلب مسكنها ... يا بلدة قربها يروى بلا قرب
تسر من جاءها ظمآن في تعب ... كما تسر عطاش ليلة الغرب
قومك قومى ورهطى لست أنكرهم ... وكيف أنكر أمى أو أعق أبى
стр. 2997
ومنها:
وقد تبوأَها دارا ومعتصما ... لولا رمته يد الأقدار بالنواب
ومنها:
فأعجب لقلب غريق في محاسنهم ... وقد جفونى فيا للناس للعجب
وقوله مذيلا قول القائل:
وجربت الأمور وجربتنى ... كأنى كنت في الأمم الخوالى
وذلك باقتراح من مخدومه مولانا الجد الأكبر السلطان مولانا إسماعيل، وكان كثيرا ما يتمثل بالبيت المذكور مذيلا:
ومن عجب تروم الروم حربا ... بسهل أو حزون أو جبال
وقد شهدوا العرائش يوم جاءت ... بها الأجناد تزحف للقتال
(وجربت الأمور وجربتنى ... كأنى كنت في الأمم الخوالى)
٥٢٣ - عمر الوقاش .
به شهر، ويعرف بلوقَش بفتح القاف، وأصله: لوكس، اسم لعائلة أندلسية من بقية ملوك بنى أُمية، سموا باسم حصن من حصونها، كذا في عمدة الرواين لأبى العباس أحمد بن محمد الرهونى التطوانى.
حاله: من أهل الرياسة في العلم والأدب، كاتب بارع، متفنن فصيح القلم واللسان، بديع الإنشاء، له القدم الراسخ والمشاركة الزائدة في المعلومات، من أشرف بيوتات تطوان وأهل الوجاهة بها، أصل سلفه من الأندلس، نزلوا تطوان ونواحيها في حدود السبعة عشر بعد الألف أيام خروج المهاجرين منِ الأندلس.
والد المترجم أبو محمد عبد السلام، كان ذاجاه ووجاهة، وثروة عظيمة،
стр. 2998
استنابه سيدنا الجد الأكبر السلطان مولانا إسماعيل عنه مع الدول الأجنبية، وولاه وظائف أخر، ويقال: إنه هو الذى عرف السلطان المذكور بالباشا على بن عبد الله الريفى الحمامى، كذا في تاريخ تطوان لأبى محمد عبد السلام بن محمد سكيرج.
وقد استكتب المترجم سيدنا الجد المذكور في ديوانه الملوكى، ونال لديه حظوة ومكانة عالية، وإذْ ذَاك كان مقامه بعاصمة الملك مكناسة، ثم لما كبر سنه وضعف عن الخدمة السلطانية، ولاه على بلده تطوان وأعمالها، وكانت بينه وبين أبى العباس أحمد بن على الريفى زعيم البلاد الهبطية ووجيهها، منافسة ومشاجرة أحدثها المعاصرة والمجاورة، واستبداد كلمة كل وعصبيته ونفوذ كلمته وعزته في قومه، ولم تزل الضغائن بينهما تزداد كل آونه، والعداوة تشتد إلى أن انتقل مخدومهما السلطان المذكور لسعة رحمة مولاه، وأسند الأمر إلى غير أهله، وعصفت رياح الفتن وضيع الحزم، وانحلت عرى السطوة الملوكية، وانمحت آثار هيبتها من قلوب الرعية، ونامت البزاة وصرخت الدياك، وأهمل أمر الجند.
انتهز إذ ذاك الفرصة أبو العباس المذكور، وكان مصمما على أريكة الملك، إذ قد كان أخبره بعض من ينظر في الأجفار بأنه سيدخل مدينة فاس بالطبول ويستولى عليها قهرا، فاغتر بذلك، وأخذ في جمع السلاح والأموال والأبطال وتقوية أصحابه، وبعث للروم على أن يصنعوا له سرير المملكة فصنعوه له ورصعوه وأتقنوا صنعه، وبالغوا في تنميقه وزخرفته، وأنفقوا عليه في ذلك أموالا طائلة، وبعثوا له به وفق طلبه لما كان بينه وبينهم من التوادد.
ثم جعل فاتحة أعماله الزحف على تطوان والفتك بأهلها، فزحف إليها في عرمرم جرار، ودخلها على حين غفلة من أهلها، فبرز إليه المترجم في أبطال أهلها، وأوقع به أشنع وقعة ورده على عقبه مكسور الراية، وترك أشلاء قومه طعمة للعقبان والذِيَاب.
ولما أتيح للمترجم على عدوه هذا الانتصار الباهر الذى لم يكن له في حسبان، طاش عقله واستفزه الشيطان، فسولت له نفسه الجلوس على أريكة
стр. 2999
الملك، وأنه الأحق والأولى بذلك مع كبر سنه ووهن عظمه واشتعال الرأس منه شيبا، وأعلن عن نفسه بما أفسد ديباجة علمه وأدبه ونباهته، وصيره غرضا للسهام، وقد صرح بأنه ثالث العمرين ونظم في ذلك ونثر، ثم بعد ذلك نقل إلى تارودانت واستقضى بها، ولم يزل بها إلى أن نقله الله إليه.
شعره: من ذلك قوله ينعى على أهل الريف فعلتهم، وينتقص دولتهم، ويفتخر على أهل فاس فمن دونهم ويخبر عن نفسه بما يئول إليه أمره كما في الاستقصاء وغيره:
بلغت من العلياء ما كنت أرتجى ... وأيامنا طابت وغنى بها الطير
ونادى البشير مفصحا ومصرحا ... هلم أبا حفص فأنت لها الصدر
نهضت مجيبا للندا راقصا به ... وما راعنى إذ ذاك زيد ولا عمرو
شرعت بحمد الله للملك طالبا ... وقلت وللمولى المحامد والشكر
أنا عمر المعروف إن كنت جاهلى ... فسل تجد التقديم عندى ولا فخر
أنا عمر الموصوف بالباس والندى ... أنا عمر المذكور بى ورد الجفر
ظهرتُ لأُحْيِى الدين بعد اندراسه ... فطوبى لمن أَمسى يساق له الأمر
ولم يبق ملك يستتب بغربنا ... فعندى انتهى العلم المبرح والسر
أنا عمر المشهور في كل غارة ... أنا البطل المقدام والعالم الحبر
ضبطت بلادى وانتدبت لغيرها ... وعما قليل يعظم الجاه والقدر
وجئت بعدل للإمامين تابعا ... أنا الثالث المذكور بعدهما وتر
فمن ذا يضاهينى ومالى وافر ... ومن ذا يعانينى ولى الحكم والأمر
إلى أن قال:
стр. 3000
ففرطوط والرحمون والكوط عصبتى ... وراغون كنزى والصغير به القهر
أولئك أنصارى وأرباب دولتى ... وأهلى وأنصارى هم الأنجم الزهر
إلى أن قال:
هلالى بدا لما هلالى أجابنى ... وغيلان إذ لبى به عظم الوفر
ودولة أهل الريف حتما تمزقت ... فلم يبق بالتحقيق عندى لها جبر
أذقناهم لما أتوا شر بأسنا ... فآبوا سراعا والصوارم والسمر
تطير الأكف والسواعد منهم ... هنيئا فحق للأنام بنا البشر
بخفّى حنين آب عنا كبيرهم ... وما فاته منا نكال ولاخسر
فماذا يضاهينى ومالى وافر ... وذكرى مغمور به البر والبحر
وقد أَجابه على ما فاه به وسولته له نفسه الفقيه أبو عبد الله محمد بن بجة الريفى العرائشى بقصيدة رد عليه فيها أقبح رد وأفظعه، وإن كانت ليست بشئ بالنظر للصناعة الشعرية ودونك بعض ذلك:
في صفحة الدهر قد خطت لنا عبر ... منها ادعاء الحمار أنه بشر
من مر عنه الصبا وما رأى عجبا ... خبره بعجيب دهره الكبر
لا تطمعنك الدجاجيل ببرقشة ... ليس الضلال هدى ولا العمى بصر
ولا الثرى كالثريا في ترقرقها ... وإن تكن كاسمها ولا الدُّجَى قمر
ولا الذى لم يزل في الغى منهمكا ... وإن دعى عمرا فليس ذا عمر
تنضاف للمجد والهزل البشيع به ... عرف قدرك إذ أودى به البطر
ما وجه كونك مثل العمرين وقد ... فر الحديث واهل عنك والسور
стр. 3001
ليس التشبه بالعمرين قصدك بل ... تبغى النبوءة لولا الصارم الذكر
ولو تمامى الورى عنك بأن غفلوا ... لجاءنا بالتنبى في غد خبر
وكان أولى بأن يدعى مسيلمة ... أو المسيح الكذوب لو طرا عور
هل أنت إلا كصار حوله ذهب ... فقلت عن سفه كلاهما حجر
جعلت علمك إذ تهدى به شركا ... كيما يحصل من مرغوبك الوطر
وكنت تسعى إلى العليا لتدركها ... ثم انسلخت ككلب حظه القذر
أنى لبلعام أن يرضى ببيعته ... وبادر اللوم أن يخلوه الكدر
وأى فخر وفضل ثم أى ندى ... لراح عمر ترى تقبيلها الحمر
أصبحت مثل الحما المسنون بعد هدى ... من فوق صفوانه أراقها المطر
لا غرو أن كنت في تطوان ذا أُفق ... في معشر همج من جلهم بقر
أراك مثل دخان الجو يرفعه ... رأى كذوب وفى الأبصار محتقر
أنحست قومك إذ طلعت ذا زحل ... فأمرهم مذ بزغت بينهم زبر
هلا لهاك عن الغراء أربعة ... حوت وكزبرة والثوم والخضر
لكنت نزهت فاسا إن تمضمضها ... بذكرك السوء يا ممقوت يا غدر
من أنت حتى يراك الناس مشورة ... هل أنت إلا كقدر حوله زمر
أنستشير ونهدى في مسالكنا ... بأحير من كضب رشده خطر
تعيب فاسا وما حوته من بطل ... وفضلها في الورى ما ليس ينحصر
لم نفتخر أبدا على الورى شمما ... وقد يحق لنا نعلو ونفتخر
أقر كل هزبر أننا أسد ... لسنا لغير إله الكون نفتقر
стр. 3002
من خاض بحر الوغى منكم وكافحه ... ورد جيشا أتى كالسيل ينهمر
ورد عنكم خزايا كنتم غرضا ... لسهمها لم تزل ولو مضى العمر
وصد بالبيض والسمر على رغم ... عنا جرادا من الأبطال ينتشر
جالدنا عن حضرة حتى غدت حرما ... لكل حر بها ظل ومستتر
لسنا بأنفسنا ولا بأسيفنا ... لكننا ننصر الله فننتصر
والأولياء الذين حولنا مدد ... كنز لدينا من الرحمن مدخر
فإن يمد العدا لنا حبالهم ... لذنا إلى جانب الله فتنبتر
وأنتم تبعدون عنهم جنبا ... لدى انكساركم ما ليس ينجبر
ما أنصف الناس أهل الريف وابن على ... لما عفوا عنكم حلما وقد قدروا
لولا انثنوا عنكم والحام شيمتهم ... لم يبق في الفحص عنكم منهم ضرر
فررتم حين تبغون وقد علقت ... بكم براثين أسد في الوغى صبروا
فلا يقيكم ذمام المشركين ولا ... بنيان في سبته كلا ولا وزر
أخبث بمن يتخذ أهل الصليب له ... دون الهدى أولياء النصر لا انتصروا
يا قاصدا نحو تطوان على مهل ... لا بد يرمى بها أقدامك السفر
بلغ إلى عمر الوقاش دامغة ... أدهى من السم لا تبقى ولا تذر
تلك الصناديد والأفراس داخلها ... لا ما افتريت من البهتان يا غدر
عليك منى سلام صائب أبدا ... ما لألأت فيها من إشراقها زهر
وهى وإن كانت مملوءة هجوا وشتما وتقريعا، فالبادى أظلم والظالم أحق بالحمل عليه.
стр. 3003
وفاته: توفى بتارودانت في حدود ستة وخمسين ومائة وألف، ودفن قبالة باب جامعها، ويعرف هنالك بالفقيه الغربى، قاله صاحبنا مؤرخ تطوان العلامة أبو العباس أحمد بن محمد الرهونى وزير العدلية حينه بتطوان في تاريخه عمدة الراوين في تاريخ تطاوين.
٥٢٤ - عمر الخطاب نزيل جبل زرهون ودفينه .
حاله: صدر الشيوخ، وقدوة أهل الرسوخ، ذو الكرامات التي لا تعد، والمفاخر التي لا تحد، قال في الدوحة: كان من الصلحاء الأتقياء، لقى المشايخ وأَخذ عنهم، وتواتر عنه كرامات كثيرة، ونية حسنه، ومعتقد صحيح، له الوجاهة عند الأمراء وغيرهم، وأصحابه يحكون عنه الخوارق، إلا أنه لا بضاعة معه من العلم، والله أعلم بحقيقته، على أن أحوال الديانة هى المعتبرة هـ.
وفى ترجمة فلان الفلانى من ممتع الأسماع وكان صاحب الترجمة هو سيدى عبد الله الخياط ابنى خالة، وكانا في صغرهما يقرآن على مؤدب واحد في مكتب واحد، فكان بعض أهل البصائر يأتى المكتب فيقول للمعلم: عندك ها هنا قنديلان يضيئان، فكان لا يعرفهما إلى أن كان من أمرهما ما كان، ولما كبرا وصارا وليين بعث مرة صاحب الترجمة إلى سيدى عبد الله الخياط أن اخطب لى فلانه امرأة في مدشر سيدى عبد الله الخياط، فأرسل إليه أنها ذات زوج قد عقد عليها وهو ينتظر البناء بها، فبعث إليه ثانية وهو يأمره بخطبتها فعجب منه سيدى عبد الله يقول له: إنها ذات زوج ويرسل إليه في خطبتها، فلما كانت ليلة الزفاف والمرأة قد تزينت وتهيأت، ومن عادتهم أن لا يسموا الصداق والشروط إلا ليلة الزفاف، فذهبوا يشترطون فوقع بين الزوج ووالد الزوجة نزاع واختلاف وعدم توافق، فحلف الولى لا زوجها للزوج وحلف الزوج لا تزوجها، فحملها أبوها من ليلته بتلك الزينة إلى صاحب الترجمة وذكر له كرامات.
стр. 3004
مشيخته: لقى الشيخ الإمام، علم الأعلام، سيدى محمد بن سليمان الجزولى صاحب كتاب دلائل الخيرات، وأخذ عنه وانتفع به، وأَخذ عن غيره من المشايخ المقتدى بهديهم.
وفاته: توفى في العشرة الخامسة من المائة العاشرة على الأصح، ودفن بمدشر القلعة من جبل زرهون، وضريحه هناك مشهور يزار.
٥٢٥ - عمر بن عبد العزيز بن عمر الخطاب الزرهونى .
حاله ك فقيه شهير البركة، يستظهر مختصر خليل، وله مشاركة في النحو، ترجمه في درة الحجال ونشر المثانى.
ولادته: ولد سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة.
وفاته: توفى قتيلا آخر قعدة الحرام عام اثنين وألف.
٥٢٦ - عمر بن مبارك الحصينى .
نسبة لحصين -بالتصغير- فخذ من قبيلة بنى حسن الشهيرة من عرب معقل.
حاله: شيخ فقيه زاهد، كثير التنسك والانقطاع إلى الله تعالى، وكان ورده في كل ليلة أن يختم القرآن العظيم ما بين العشاءين في ركعتين، يفتتح القراءة في أول ركعة بعد صلاة المغرب، ويختمها في الثانية، فإذا سلم علم الناس بدخول وقت العشاء الأخيرة فيسمعون أذان المؤذن في الحين، وكذلك في كل ليلة لا يزيد ولا ينقص، مع أن أذان بلدهم في غاية الإتقان من التوقيت وآلاته، وكان فصيح الصوت يرتل القرآن ترتيلا من غير هدرمة ولا عجلة، وتلك خصوصية ربانية بلا ريب، والله على كل شئ قدير، وربك يخلق ما يشاء ويختار، وليس هذا
стр. 3005
بمستحيل في جانب كرامات الأولياء الثابتة بنص الكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكرها إلا زنديق مبتدع، وقد ألممنا بأدلة ذلك ونصوصه في كتابنا إزالة الوهم والشكوك، فلا حاجة بنا لجلبه هنا، ويحكى أن إنسانا كان يبلغه ذلك عن المترجم فيكذب به فجاءه يوما فسأله عن ذلك فقال له: هات أذنك فقرأ له القرآن كله حرفا حرفا في أذنه في أقرب زمان.
وكان ﵀ ورضى عنه يزور الشيخ أبا يعزى في كل سنة مرة، يمشى إليه حافيا من مكناسة إلى قبره بتاغيا مسيرة يومين للمجد، وكان يقول: من زار هذا الشيخ وسأل الله تعالى عند قبره حاجة واحدة في كل زورة، فإنها تقضى له على القطع، ويحكى أنه أشار على بعض الطلبة الآخذين عنه بقراءة دعاء ناوله إياه لتجرية الدم، وأكد عليه في حفظه فقرأة وحفظه، ثم إن المريد امتحن بالأسر عند النصارى فلم يكن سببا لفكاكه وسراحه من ربقة الأسر غيره، عمله لبنت رئيسهم فعالجوها فأعياهم علاجها، ثم إنهم تنبهوا له فسألوه هل يعرف دواء لدائها فقال لهم: نعم، نداويها، واشترط عليهم شروطا من جملتها تسريحه فداواها بشئ أظهره لهم، وترك الدعاء فبرئت وسرح.
مشيخته: أخذ عن الشيخ سيدى محمد بن سليمان الجزولى، وسيدى عبد العزيز التباع، قال في ممتع الأسماع: ولم أدر لمن ينتسب منهما.
وفاته: توفى بمكناس عام عشرة وتسعمائة، ودفن بروضة رأس التاج والروضة إليه الآن تنسب، وضريحه من أشهر المزارات المتبرك بها بالعاصمة المكناسية.
٥٢٧ - عمر الكوش المكناسى .
حاله: فقيه علامة جليل.
стр. 3006
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالى، وله فيه مرثية ميمية كما وقفت على النص على ذلك بخط بعض الأثبات من الأعلام، ولم أَقف على المرثية ولا على شئ زائد من ترجمة الرجل.
٥٢٨ - عمر بن الفقيه المقدس أبى عبد الله محمد بن عوادة العثمانى .
دفين حومة حمام الحرة من الحضرة المكناسية.
حاله: ولى صالح، معتقد فالح، متبرك به.
مشيخته: أخذ عن أبى عثمان سعيد بن أبى بكر المَشَنْزَائى، عن أبى عثمان سعيد الداعى، عن الشيخ عبد العزيز التباع، عن السيد محمد بن سليمان الجزولى، عن سيدى محمد الشريف أمغار، عن أبى عثمان الهرتنانى، عن أبى زيد الرجاجى، عن أبى الفتح الهندى، عن عنوس البدوى، عن القرافى، عن أبى عبد الله المغربى، عن أبى الحسن الشاذلى، عن شمس الدين، عن زين العابدين القزوينى، عن أبى إسحاق البصرى، عن أبى القاسم المروانى، عن سعيد، عن سعد، عن فتح السعود، عن سعيد الغزوانى، عن سيدنا جابر، عن سيدنا الحسن بن على، عن رسول الله ﷺ وشرف وكرم وعلى آله وصحبه، مثل ذلك كذا وجدت هذه السلسلة منقوشة في لوح خشب ملصق بالجدار بقبة ضريح المترجم.
وفاته: توفى أوائل المائة الحادية عشرة، وقفت على عقد حبس معقب على ضريحه بتاريخ ستة وألف.
٥٢٩ - عمر بن أمير المؤمنين مولانا الحسن .
ابن أمير المؤمنين سيدى محمد بن أمير المؤمنين مولانا عبد الرحمن بن السلطان مولانا هشام بن واسطة عقد الدولة العلوية ومجدد فخرها أمير المؤمنين سيدى محمد بن السلطان عبد الله بن السلطان الأعدل الطائر الصيت في المشارق والمغارب، سيدنا الجد الأكبر الأعظم أمير المؤمنين مولانا إسماعيل بن الشريف.
стр. 3007
حاله: ولد بالمدرسة المولوية، أحد القصور السلطانية بعاصمة مكناس، ونشأَ في حجر الصيانة، وتغذى بلبان الأدب والعفاف، ثم بعد أن شب وقرأ ما شاء الله من القرآن ومبادئ الفنون، وجهه والده السلطان المظفر لثغر تطوان، ورشح لتعليمه المهرة من الأساتيذ والأعلام، فأكب على التعلم بحزم وعزم، ووالده وراءه أذنا وعينا، إلى أن فتحت له النجابة بابها، وأدخلته العناية حجابها، وحصل على ما قسم له مما منه يراد وبرع في الكتابة والترسيل وصار يتصرف في فنون الإنشاء، وفق ما منه يشاء، وتعاطى قرض الشعر ومالى إلى الأدب ميلة واحدة فحفظ من الأشعار، ما كان غالى الأسعار، ومن الرسائل، ما أصبح معين البلاغة منها سائل، ما أوجب توقد قريحته، وزاد في قوة عارضته وتوسيع حافظته، وكان في التوقع والنقد والذكاء آية، ثم رجع لمسقط رأسه وأقام به برهة من الزمان.
ثم عقد له والده على جيش عرمرم، ووجهه خليفة عنه لقضاء مأمورية بوجدة، وذلك في ثانى عشرى قعدة الحرام عام ثمانية وثلاثمائة وألف، فسار فيما رشح له أحسن سيرة، إلى أن تم المراد، على وفق ما كان والده أَراد، وكان وزيره إذ ذاك العلامة السيد العربى المنيعى، ورئيس مشوره وكبير محلته هو الطالب محمد بن سلم السلاوى البخارى، وكان رجوعه من هذه الوجهة ووصوله لحضرة والده بفاس في ثانى عشرى شعبان عام تسعة، ثم رشح للخلافة بفاس في حجة الحرام عام تسعة، وكان وزيره بفاس هو شيخنا العلامة السيد الحاج المختار بن عبد الله، وهذا مثال مما كان يجرى بينه وبين أبيه يومئذ من الرسائل بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله (الحسن بن محمد الله وليه ومولاه):
"ولدنا البار الأرضى، مولاى عمر، أصلحك الله، وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: وصل كتابك بأنه ورد على أعتابنا الشريفة الرجل المسمى بسليم بن
стр. 3008
عبد الله البغدادى، ذكر أنه كان على دين اليهودية، وأتى راغبا في الدخول في الإسلام ورافضا دين الكفر، فوجهته لنائب القاضى ثمة وعرض عليه أركان الإسلام فقبلها ونطق بالشهادتين كما بالموجب الذى وجهت، وأنك أنزلته عند خليفة الخديم أبا محمد حتى تؤمر بما يكون عليه العمل وصار بالبال، فقد كتبنا في شأنه لوصيفنا الحاج سعيد بن فرجى والسلام في ٣ ربيع الأول عام ١٣١١".
ولم يزل المترجم في سائر أطواره ملزما من والده بملازمة الدروس العلمية ولكن الصّبَا جُنون، وقديما قيل:
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أى مفسدة
كيف وقد انضم لذلك نفوذ الكلمة، ومقابلة الأوامر بالسمع والطاعة، ومجالسة قرناء السوء، وفقد الزاجر والرادع، ثم لما بلغ السلطان المولى الحسن ما هو عليه من الانهماك في التصابى من غير احتشام ولا مبالاة قام وقعد، وأبرق وأرعد، وكتب له مكتوبا مسهبا سب فيه وجدع، ووبخ وهدد وقرع، فاتحته: ولد نفسه عمر، السلام على من اتبع الهدى، وخالف الشيطان والهوى، ومن فصوله: أما مرافقتك مولاى على سروالو فلو كنت ذا عقل وفهم لكفاك اشتقاق لقبه واعظا عز غيره، فلم نسمع عليه ممدوحة منذ شب إلى أن شاب، وأما ولد الساورى فشهرته تغنى عن وصفه، وأما خروجك كل يوم للمشينة ولأبى الجنود، فإن أخاك مولاى بلغيث معنا بالمحلة، لم ير خارج قبته، مع أن المحلة لا سور لها، ولم يحضرنى الآن المهم من فصول ذلك الكتاب المدهش تقريعاته وزواجره.
ثم لبى والده السلطان ﵀ مولاه، واجتمعت كلمة أهل الحل والعقد على بيعة ولى عهده من بعده السلطان السابق مولاى عبد العزيز، ولما بلغ خبر ذلك لفاس، وضربت الطبول على أبواب القصور السلطانية، مزق المترجم طبول الطبالين، وطردهم وهم بالإيقاع بهم فارغا ذلك في قالب الأسف على والده
стр. 3009
الفقيد، وفى الحقيقة الداعى له لذلك هو ما لحقه من الغيظ والكمد على عدم جلوسه على أريكة الملك، لأنه كان يرى أنه الأولى بها والأحق.
ولما بلغ خبر فعلته الشنيعة لأحمد بن موسى الوزير المترجم سابقا أسرها في نفسه، وكانت النتيجة عزل المترجم عن وظيف الخلافة وترحيله لمكناس مسقط رأسه، مثقفا لا يخرج من المحل المعد لنزوله من القصور السلطانية حتى لصلاة الجمعة مدة حياة الوزير المذكور.
ثم لما انتقل لما قدمت يداه وتولى الوزارة بعده ابن عمه شيخنا الحاج المختار الذى كان وزيرا للمترجم مدة خلافته، خففت عنه وطأة الوثاق وسوعد على الخروج للاستحمام فقط، تحت مراقبة عامل البلد، ولم يزل الأمر ينحل شيئا فشيئا إلى أن حل ركاب السلطان بالحضرة الفاسية، ولم يأل المترجم جهدا في اتخاذ الوسائل للتقرب من السلطان والتودد لجنابه، ولو بالوشاية بغيره، وكان يعرف من أين تؤكل الكتف فوجه السلطان عليه لفاس وأنزله بدار من دور أقارب أحمد بن موسى المذكور، ولم يزل يتودد ويتحبب إلى أن وجه لقضاء مأمورية بأحواز مراكش والخليفة إذ ذاك بها هو صنوه السلطان السابق المولى عبد الحفيظ، ثم لما حل بمراكش آواه المذكور وأحسن إليه، والمترجم ينوى له النوايا السيئة ويتمنى كينونته مكانه، فصار يتربص به الدوائر وينصب إليه أشراك الأذى ويبالغ في الوشاية به، والحال أن للخليفة المذكور بالبساط السلطانى عيونا تطير له الإعلام بكل شاذة وفاذة، حتى إنه ربما وجهوا له مكاتيب المترجم بالوشاية به للسلطان، فلما تيقن ذلك قام على ساق في التضييق به وسد دونه سائر الأبواب التي يظن وصول النفع منها إليه، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت وباع جل أمتعته فيما يقتات به، ورجع لفاس صفر الكفين لا يملك درهما ولا دينارا، ولم يزل من ذلك الوقت في كمد ونكد إلى أن ختمت أنفاسه.
стр. 3010
مشيخته: أخذ عن العلامة السيد محمد بن التهامى الوزانى، والفقيه الغمارى، وسيدى جعفر الكتانى، والحاج المختار بن عبد الله والسيد العربى المنيعى، والشريف مولاى أحمد العلمى، والحاج أحمد السلاوى شيخ الجماعة بتطوان، وأبى عبد الله محمد البقالى، وأبى عبد الله محمد النجار، والأستاذ أبى محمد عبد السلام الدهرى وغيرهم.
رسائله: من ذلك ما كتب به لابن عمه المولى إدريس بن عبد السلام الأمرانى ونصه بعد الحمدلة والصلاة.
"حيا الله بأزكى التحيات وأنماها، وأَتحف بوافر البركات وأسماها، مقام ابن عمنا، وخلاصة ودنا، الشريف المنيف، الطود العفيف، الأديب الألمعى الأريب اللوذعى، الذى أعتقد أنه بعين القلب يرانى، مولاى إدريس بن عبد السلام الأمرانى، وسلام عليك أتم سلام، بوجود سيدنا ومولانا الإمام، أدام الله عزه للأنام.
وبعد: وصل كتابك الرائق المعنى، المتناسق اللفظ والمبنى، منبئا عن صدق الوداد، المتجدد على طول البعاد؛ هذا ونحن والحمد لله بخير وعلى خير، في نعم شاملة متوالية وعلى ما تعهد من الود، ومنذ فارقناكم لم نزل سائلين عن أحوالكم، متشوفين لأخباركم، نسأل الله تعالى أن يجمعنا بكم في ساعة حسنة، وأيام مستحسنة، في ظل سعادة مولانا المؤيد، أدام الله سعوده تتجدد.
وسلم منا بأتم سلام وأطيبه على عمتنا طالبا لك منها صالح الأدعية، لأنها بظهر الغيب مستجابة مرعية، والله بمنه يبقيكم محفوظين، وبعين العناية ملحوظين، ويسمعنا عنكم ما يسر البال في الحال والمآل.
стр. 3011
والمؤمل من سيادتك أن توجه لنا كتاب التخليص وعلى المحبة والسلام في ١٧ رجب الفرد الحرام عام ١٣١٠.
عمر بن أمير المؤمنين وفقه الله".
وفاته: توفى بفاس عام أربعة وعشرين وثلاثمائة وألف إثر عملية جراحية باشرها طبيب بريطانى، ولم يتم عمله حتى انفلتت نفسه ﵀، ودفن بمقبرة أسلافه بمولاى عبد الله.
٥٣٠ - عمران أبو موسى بصرى الولهاصى الولى الشهير .
حاله: إمام كامل، عارف واصل، متبرك به حيا وميتا، هو قعدد البيت البصرى، وفيه يجتمعون.
قال في منحة الجبار: اعلم أنه مما شاع عند هذا الحى من البصريين وذاع، وملأ الأفواه منهم والأسماع، ولهج به منهم الصغير، تابعًا في ذلك أخبار الكبير، أن السيد أبا موسى عمران البصرى كان من كبار الأولياء العظام الشان، موثر للخفاء مكتفيا بعلم الملك الديان، نابذ الشهرة خشية الوقوع في شئ من آفات الزمان، وأنه لما دفن خارج مكناسة برأس التاج بين باب عيسى وباب القورجة خفى قبره، فأخذوا يطلبونه فأخبروا عن الشيخ أن من فحص عن قبره تصيبه عاهة أظنها العمى، ومن المجرب عندهم أن من صعبت عليه حاجة فليأت محل القبر في يوم الاثنين وسأل الله حاجته، فإنها تقضى بإذن الله تعالى، يفعل ذلك ثلاث مرات في كل يوم اثنين مرة انتهى.
فائدة: ولهاصة التي ينسب إليها هذا الفريق بطون شتى منهم بنو الزَّجَّالى (١) بقرطبة من بلاد الأندلس، قاله ابن حزم في الجمهرة. وذكر فيها أيضا أن بنى الخَليع (٢) الذين كانوا بتاكُرُنَّا من الأندلس منهم أيضا، وذكر فيها أيضا أن الإمام
стр. 3012
الأعظم، الطود الشامخ الأفخم، محيى الدين القاضى مُنْذر بن سعيد منهم (١). فلينظر ذلك فيها.
ومن أراد الإطلاع على مناقب هذا القاضى فليطالع ترجمته من المراقبة العليا، فيمن يستحق القضاء والفتيا (٢).
٥٣١ - عمران بن موسى الجاناتى المكناسى .
حاله: راوية أبى عمران موسى العبدوسى، كان رحمة الله فقيها حافظا، ضابطا متقنا، علامة مجيدا، مدرسا نافعا، صدرا معتمدا.
مشيخته: أخذ عن أبى عمران موسى بن محمد بن معطى العبدوسى وهو عمدته ومعتمده في المدونة.
الآخذون عنه: أخذ عنه الإمام القورى ومن في طبقته.
مؤلفاته: منها تقييده على المدونة في عشر مجلدات، قال صاحب النيل: وقفت على بعضها.
فائدة: الجاناتى ويقال بالشين بدل الجيم، نسبة إلى جانا بن يحيى والد زناتة، وصيغته هذه هى أصل زناتة على ما صححه ابن خلدون، لأنهم إذا أرادوا الجنس في التعميم ألحقوا بالاسم المفرد تاء فقالوا جانات، وإذا أَرادوا التعميم زادوا مع التاء نونا فصار نجانات، قال: ونطقهم بهذا الجيم ليس من مخرج الجيم عند العرب فينطقون بها بين الجيم والشين، وأميل إلى الشين ويقرع السمع منها بعض الصفير، فأبدلوها زايا محضة لاتصال مخرجهما، فصار زاناه لفظا مفردا دالا على
стр. 3013
الجنس، ثم أَلحقوا به هاء النسب، وحذفوا الألف الأولى التي بعد الزاى تخفيفا لكثرة دورانه، وربما تكلف بعضهم فزاد في النسب ما ليس فيه فقال: زاناجانا، وبعضهم تكلف له غير ذلك مما ليس معروفا للعرب، وقد قدمنا أن الصحيح في نسب زناتة هو ما درج عليه ابن خلدون، من أنهم ولد حام بن نوح، وكل قيل خالف هذا فهو باطل.
وفاته: توفى سنة ثلاثين وثمانمائة بمكناسة الزيتون، ودفن خارج باب عيسى إذ ذاك، وهو صاحب الضريح المجاور لضريح أبى زيد عبد الرحمن بن عياد المجذوب من الجهة الشرقية، رحم الله الجميع بمنه آمين، وألحقنا بهم مسلمين.
٥٣٢ - عياد السوسى .
دفين سهب الرمان من الحضرة المكناسية، ابن الولى الصالح سيدى عبد الله، المدعو عبد النور، دفين خارج باب الشريعة بفاس.
حاله: ولى صالح، قطب واضح، قدم من تمصت بسوس واشتهرت بركته وأقبلت عليه الوفود حسبما جاء في شهادة شرعية لبعض أحفاده، وقفت عليها بخطاب قاضى المغرب سنة ١٢١٢، وفيها رفع نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب ونسختها بعد الحمدلة والصلاة:
"وبعد: فإن شهداء هذا الرسم يعرفون المرابط الخير البركة سيدى أحمد بن يعقوب، وشقيقة المرابط الخير التهامى بن يعقوب، نجلى سيدى عياد السوسى الضعيفى معرفة تامة، كافية شرعا، ويشهدون مع ذلك بأنهم لا زالوا يسمعون سماعا فاشيا مستفيضا من الآباء والأجداد المتواترة على السنة أهل العدل وغيرهم، وأَنهما ابنى سيدى يعقوب بن محمد بن سيدى الحسن بن سيدى على بن سيدى محمد بن سيدى الحسن بن سيدى محمد الملقب بمولاى الأخضر بن الولى الصالح، القطب الواضح، سيدى محمد الصغير المدفون بالحريشة بن سيدى أحمد ابن سيدى يعقوب بن الولى الصالح، القطب الواضح، سيدى عياد السوسى المدفون بمكناسة الزيتون القادم من بلاد تمصت بسوس.
стр. 3014
واشتهرت بركته وانتشرت، وأقبلت عليه الوفود مما أَفاض الله عليه، أَعاد الله علينا بركته، وهو ابن الولى الصالح سيدى عبد الله المدعو عبد النور، المدفون خارج باب الشريعة بفاس، وقبره مزارة هناك، ابن سيدى موسى بن سيدى عبد الرحمن بن محمد فتحا بن خوف الله بن عقبة بن وقدان بن زيد بن عفان بن عبد الله بن سهل بن الوليد بن جابر بن عدنان بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
زوجه السيدة أم كلثوم بنت مولانا على ومولاتنا فاطمة الزهراء رضوان الله عليهما، وأنهما لا زالا في عين العناية والاحترام، عند الخاص والعام، المعظمين المبجلين ينتسبان لهذا النسب الكريم، ويتسمان بوسمه الصميم، يكتبان ذلك في عقود أنكحتهما وبياعتهما، كما يوجد في ظواهرهم الكائنة بأيديهم للأسلاف الكرام، وفى عقود من قبلهما من أسلافهما رضوان الله على جميعهم من غير منازع لهما فيه ولا مدافع، بل لا زالا على عهد أسلافهما في التعظيم والتوقير والاحترام عند الصادر والوارد أهل قبيلتهم وغيرهم، وأنهما يتصرفان فيما تأتى به الوفود لجدهما سيدى عياد المذكور أدركنا الله رضاه يحقون ذلك ولا يشكون فيه، كل ذلك علموه بالمخالطة والمجاورة وشدة الاطلاع على الأحوال، وبمضمنه قيدت شهادتهم مسئولة منهم في ثالث عشر رجب الفرد عام اثنى عشر ومائتين وألف" بلفظه وعليه إشكال ثلاثة عشر عدلا، وخطاب القاضى الحاج أبو سلهام بن التهامى الزيزونى المالكى بقبيلته من الغرب، والتعرف به بعده مؤدى لدى القاضى سيدى محمد بن أحمد القرشى الحسنى بالغرب.
وقد ذكره الوزير ابن ادريس في أرجوزته الآتية أواخر الكتاب بقوله:
وسيدى عياد السوسى الرضا ... وأحمد المليانى سيف منتضى
وضريحه بسهب الرمان قرب جامع الأزهر المعروف بجامع الأروى، عليه قبة، ولا أعلم له ترجمة سوى ما ذكرناه أخذا مما أوردناه.
стр. 3015
٥٣٣ - عائشة العَدَويَّة دفينة مكناسة الزيتون .
حالها: صالحة بهلولة ملاميتية، ذات أحوال ومكاشفات وَوَلَه، وهيمان واستغراق في ذات الله، وانهماك وغيبة في محبة رسول الله، شاعت بذلك أخبارها في الحواضر والبوادى، وأوثرت عنها رضى الله عنها كرامات وخوارق عادت ونفع الله بها أقواما.
مشيختها: أَخذت عن أبى العباس أحمد بن خضراء.
وفاتها: توفيت ليلة الجمعة تاسع ربيع الثانى على ما في الصفوة، والذى في النشر أنها توفيت في شهر ربيع الأول عام ثمانين وألف، وقبرها من أشهر المزارات المقصودة للتبرك بها بالعاصمة المكناسية.
٥٣٤ - عيسى بن دافال أبو موسى المكناسى .
حاله: راسخ القدم في العلوم، قائم على الأصول والفروع، أديب شاعر، خطيب مفوه، من رجال الكمال، ولى قضاء مراكش فحمد، صحب أبا القاسم ابن ورد، واختص به، وكان يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبى القاسم، ولا أخشى من القوم من أحد.
مشيخته: أَخذ عن أبى القاسم ابن ورد، ولقى بأغمات سنة ثلاثين وخمسمائة أبا محمد اللخمى، فسمع منه وأخذ عن غيرهما.
ولادته: ولد سنة اثنتى عشرة وخمسمائة.
وفاته: توفى في شعبان سنة ثمان وتسعين بتقديم المثناة وخمسمائة.