← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الآخذون عنه: أخذ عنه أبو القاسم بن سمجون، وحدث عنه بموطأ مالك وأجاز له روايته قال ابن الأبار: ولا أدري أين لقيه. ١٣ - أبو العباس أحمد: هو الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد البكري . من أهل شريش حاله: كان فقيها جليلا استوطن سلا وولي بها القضاء، ثم بمدينة مكناسة. مشيخته: روي عن أبي إسحاق بن قرقول. وفاته: توفي سنة إحدى عشرة وستمائة. ١٤ - الولي الصالح المولي أحمد الشبلي الشريف الحسني . لم أقف على من تعرض لترجمته ولا على من له أدني معرفة بشيء من حاله غير ما في بعض الرسوم من تحليته بالشريف الحسني، وما هو منقوش في جبص دائرة باب مسجد ضريحه ولفظه: ها روضة الشبلي كالمسراج ... وبهاؤها للزائرين يناجي نزه لحاظك فيهاء محاسني ... واغنم كرائم نوري الوهاج واعكف على عين الكرامة والهدي ... ذخر الأنام وواضح المنهاج فإذا دخلت ضريحه فاسأل به ... تحظ بأنوار نوره المسراج وابسط أكفك للمهيمن ضارعا ... متوسلا بسلالة الإنتاج السيد الحسني الهمام المرتضي ... كهف الآمال وبغية المحتاج واسأل تنل فوق الأنام جميع ما ... ترجو وتلق مواهب الفراج

стр. 352

انتهي. يقال: إن هذه القطعة لبعض الأدباء المكناسيين من أولاد القنسود، وقصيدة في مدحه أيضًا تأتى فيما بعد. ويقال إن السيدة حبيبة بنت الحاج الطاهر بن العربي بادو، هي التي بنت ضريح هذا السيد ومسجده من مالها الخاص بها والخالص لها, لرؤيا رأتها وقد كانت كفيفة البصر فرد الله عليها بصرها فبنت الضريح ومسجده، وهذا إن صح يحمل على مزيد التنميق أو التجديد، وإلا فقد أسلفنا لك ما هو نص في أن باني الضريح المذكور هو سيدنا الجد السلطان الأعظم المولي إسماعيل عليه صيب الرحمات، والله أعلم بحقيقة الحال. ١٥ - أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن تميم اليَفَرتِي الشهير بالمكناسي . أخو أبي الحسن الطنجي، شيخ أبي عبد الله محمَّد بن سليمان السطي. حاله: فقيه عدل أستاذ نبيل فاضل زكي نزيه. مشيخته: منهم ابن هاني تلميذ ابن الشاط، وابن رشيد، وأبو يعقوب البادسي، وابن الزبير، وابن سليمان الوادياشي، وأبو عبد الله محمَّد بن قاسم ابن محمَّد الأنصاري المالقي الضرير الشهير بابن قاسم نزيل مكناسة الزيتون، رحل إليه من مدينة فاس إلى مكناسة، ورحل إليه الناس للأخذ عنه، ولما قفل إلى بلاده مدينة فاس صار يدعي بالمكناسي لذلك. وفاته: توفي بمدينة فاس سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة برد الله ثراه آمين. ١٦ - أبو العباس أحمد بن العربي الغُمَاري الكَومي، قاضي مكناس . حاله: فقيه علامة واعية موثق، وقفت على رسم تحبيس حلي فيه بالعلم

стр. 353

والجلالة، ولم أعرف شيئًا من أحواله ولا من الولادة والوفاة، إلا أنه كان متوليا خطبة القضاء بمكناس سنة ٩٥٩ تسع وخمسين وتسعمائة (١). ١٧ - أبو العباس أحمد بن عمر بن محمَّد بن عاشر الأندلسي الأنصاري الجزيري . نزيل سلا، ودفينها، أصله من شمينة وبها نشأ. حاله: أفضل أهل زمانه علمًا وعملاً، وقال ابن سعد في "النجم الثاقب" في حقه ما ملخصه: كان أحد الأولياء الأبدال، معدودا في كبار العلماء ممن جمع له العلم والعمل وألقي عليه القبول من الخلق، شديد الهيبة، عظيم الوقار, كثير الخشية، طويل التفكر والاعتبار، قصده السلطان أبو عنان وارتحل عام سبعة وخمسين فوقف ببابه طويلاً فلم يأذن له وكرر ذلك مرارًا فلم يأذن له، وتبعه يوم الجمعة على رجله والناس ينظرونه وهو لا ينظر فقال: منعنا من هذا الولي، ثم أرسل إليه ولده مستعطفا فأجابه بما قطع رجاءه منه. اهـ (٢). ودونك نص ما أجابه به: "الحمد لله من العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن عمر بن محمَّد بن عاشر وفقه الله تعالى بمنه وكرمه، إلى أمير المؤمنين أبي عنان أيده الله تعالى بتقواه ورد حاله إلى ما كان عليه الخلفاء الراشدون ومن تعرض لنصيحة المسلمين آمين، وصلى الله تعالى على مولانا سيدنا محمَّد وآله وسلم تسليما، أما بعد:

стр. 354

فقد ورد على كتابكم المشرف بذكر الله تعالى وولدكم المكرم جعله الله تعالى من المتقين، وأنبته نباتا حسنا وعلمه علماً نافعا ولا يجعله من المبعدين، من رحمة رب العالمين، وصلي الله على سيدنا ومولانا محمَّد الكريم، ولتعلم أني ما شككت فيكم وقد أيقنت أنكم ما أرسلتموه إلا من أجل الله وطلب مرضاته، وبعد: فإني لم أكن للزيارة أهلا, ولا للقربة محلا، وإنما سترني الكريم بفضله، ولطف بي بحلمه، ولله الحمد على نعمته الظاهرة والباطنة، ولتعلم أنى قصدت بنصيحتى لك وجه الله العظيم خاصة فإني لا أطمع في مخلوق أن يكسبني مالا ولا جاها لاكتفائي بمولاي ﷻ وتقدست أسماؤه. ولتعلم يا أمير المؤمنين وفقك الله للخير أن الله ناظر إليك في كل حين وفي كل ساعة وكل نفس وكل طرفة، ولابد لك من لقائه، ويسألك عما دق وجل، وينشر عليك عدله، ويسألك عن أمر خلقه وما صنعت، هذا إِن طالبك ﷻ . وأما إِن عفا عنك ونشر عليك رحمته وفسح لك فلا راد لفضله ولا لحكمه ﷻ وتقدست أسماؤه. وليكن أمير المؤمنين مشفقا على نفسه، وليعمل في يومه لما فرط في أمسه، ومن كان يومه شرا من أمسه فيا حسرته ويا وحشته ويا فجعته, وأعظم المصائب إعراضه عن ربه ، وقد أشفق الصالحون والأولياء والمتقون على أنفسهم، كان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقرأ قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ وقال الله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من يأخذها بما فيها يعني من الأجر الذي يعطي الإمام العادل إشفاقا على نفسه. وقد وقف الفضيل بن عياض بعرفة فقال: ظننت أن هذا الخلق غفر لهم حتى رأيت نفسي فيهم. وكان عطاء يقول: لو مات عطاء استراح الناس. وكسفت الشمس يوما فصاح عتبة الغلام بذنوبي كسفت الشمس. وعرك عثمان بن عفان أذن غلام له لأدب فقال: آه أوجعتني. فقال: عثمان خذ أذني فاعركها، فأبي الغلام فقال عثمان: لا بد من ذلك لأن تقتص مني في الدنيا خير من أن يقتص مني في الآخرة فعرك الغلام أذن عثمان فقال له: اشدد وزد، فقال: أمير المؤمنين

стр. 355

إن كنت تخاف القصاص فإني أخاف أيضًا، فهذا يدلك كله على شفقة الأولياء والأصفياء على نفوسهم لما علموا عدل الله في خلقه، ولك عبرة في آبائك وأجدادك فقد صاروا إلى الله ولا تدري ما قال لهم ولا ما قالوا له. وروي عن عيسى ﵇ أنه مر بجمجمة فضربها برجله وقال تكلمي بإذن الله تعالى، قال: يا روح الله، أنا ملك زمان كذا وكذا فبينما أنا جالس في ملكي على تاجي على سرير ملكي وحولي جندي وحشمي إذ بدا لي ملك الموت، فزال عني كل عضو على حاله، ثم خرجت نفسي إليه، فيا ليت ما كان من الاجتماع كان فرقة، ويا ليت ما كان ذلك إلا حسرة ووحشة. وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال في خطبته: أين الوضأَة وجوههم، أين الصباح الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم، أصبحوا تحت الثرى. وروي عنه أيضًا أنه قال في خطبته: أين الذين بنوا المدائن، وحصنوا الحصون والحوائط، أين الذين كانوا يعطون من الغلبة في مواطن الحرب قد تضعضع بهم الحرب فأصبحوا تحت التراب والآكام. وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال لابن مسعود وبه ألم من آخر الليل: قم وانظر لي أي ساعة هذه، قال قد طلعت الجمرة يعني الزهرة، فقال حذيفة أعوذ بالله من صباح إلى النار. وقال معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة لجاريته: ويحك انظرى هل أصبحنا؟ فنظرت فقالت: لا. ثم تركها ساعة فقال لها: انظري فقالت: نعم، فقال أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار. وقيل لعامر بن عبد الله بن قيس عند الموت وقد بكي: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي فرارا من الموت ولا حرصا على الدنيا, ولكني أصبحت في صعود مهبطة ثم لا أدري أين أهبط هل إلى الجنة أو إلى النار أو يعفو الله تعالى.

стр. 356

وقال محمَّد بن واسع عند الموت: يا إخواني، عليكم السلام إلى النار، أو يعفو الله تعالى. وروي جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ في بعض الأحاديث أن نفرا من بني إسرائيل مروا بمقبرة فقال بعضهم لبعض: لو دعوتم الله أن يخرج لكم من هذه المقبرة ميتا فنسأله، فدعوا الله فإذا هم برجل جلس بين عينيه أثر السجود قد خرج من قبر من تلك القبور فقال: ما أردتم مني؟ لقد ذقت الموت منذ خمسين عاما فما سكنت من قلبي مرارته. وروي عن كعب الأحبار أنه قال لسيدنا عمر بن الخطاب ﵁: لو لقيت الله بعمل سبعين نبيا لخشيت لك أن لا تنجو من هول ذلك اليوم. فعليك عافاك الله بالشفقة على نفسك فإن الدنيا لا تدوم لك، فقد كان في زمن من الأزمان على ما حكي: ملك من الملوك كان عادلا في رعيته فقد سمعه، فقالوا برحوا في الناس من كان مظلوما فليلبس ثوبا أحمر، فإني إن فقدت سمعي فما فقدت بصري، فهذا عافاك الله قد نصح لرعيته ولا أدري هل كان مؤمنا أو كان كافرا، وإن رجع أمير المؤمنين وأشفق على نفسه ورعيته رجوت أن يقبله الله تعالى وأن يمن عليه بفضله إنه جواد كريم. وقد قال بعض المشايخ: إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا يقصيك عن الاستقامة مع ربك، فقد يكون ذنبك ذلك آخر ذنب قدر عليك وليطالع أمير المؤمنين الرعاية للمحاسبي، أو كتاب النصائح للمحاسبي فلعل ببركة الشيخ يكسبك الله خوفا ورحمة فيكون سبب نجاتك، وإن سمعت بأمير المؤمنين أنه اجتهد في نصيحة رعيته وكف يد ظالمهم ونصر مظلومهم اجتهد له في السؤال لله في الأسحار، وأطراف النهار، وليعلم أمير المؤمنين أنه لا يخلصه أحد من خدامه ولا من حشمه بل يفرون منه يوم القيامة ويفر منهم، ولا عليك في هذا الأمر إلا أن تراقب الله تعالى وتعمل بما أمرك ونهاك يسهل الله عليك الخير فعساك

стр. 357

تموت وأنت مقبل على الله وهو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وفقك الله لما يحبه ويرضاه وسخرك لخلقه ولا أدار عليك رحي المحنة، على قطب الفتنة، وصلي الله على سيدنا محمَّد وعلى آله فرحم الله امرءا نظر لنفسه وعمل ما يخلصه عند ربه. فلما وصل كتابه هذا للسلطان أبي عنان ﵀ أيس من لقائه واشتد حزنه وقال: هذا ولي من أولياء الله حجبه الله عنا. وقد أجابه أبو عنان عن هذا الكتاب بما لفظه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم، من عبد الله المعترف بذنبه، الراجي رحمة ربه، فارس أمير المؤمنين بن على بن عثمان ابن يعقوب بن عبد الحق وفقه الله لطاعته، وجعله بفضله من أهل جنته، إلى وليي في الله وناصحي في ذات الله الولي العالم الزاهد الخاشع أبي العباس أحمد بن عمر بن محمَّد بن عاشر، أمتع الله بحياته أولياءه، ونفع بصالح دعواته أصفياءه، وأبقاه ذخرا للمسلمين ونوراً يهدي إلى سبيل المتقين، وبعد حمد الله بارئي النسم، على تتابع النعم، والسلام على سيدنا محمَّد خاتم أنبيائه ورسله إلى خيرة الأمم، وعلى آله وأصحابه ليوث الهيجاء ونجوم الظلم، فإنه وصلني كتابكم الذي ذكرتني بموعظته، وعرفتني مصالح نفسي بنصيحته، أعرب بلسان الصدق، ودعا إلى سبيل الحق، وأيقظ من النومة، ونبه من الغفلة، فجزاك الله خيرا يا أيها القاصد وجه الله العظيم في سره وجهره، الواقف عند حدوده في أمره ونهيه، لقد نصحتني وما غششتني، وندبتني لسعادتي وما كذبتني، فالله أسأل أن ينور بصيرتي، ويأخذ للخير بناصيتي، ويسلك بي فيما قلدني سبيل أوليائه المتقين. ويعينني على القيام بأمور عباده المسلمين. وهأنا إن شاء الله تعالى أجتهد في كف أيدي الظالمين، وأبذل جهدي في

стр. 358

إنصاف المظلومين، وأبتهل إلى الله تعالى بالضراعة في إعانتي بتوفيقه، وهدايتي لنهج طريقه، وهو سبحانه يعلم -وإن كنت مسرفا على نفسي مقصرا في عملي- أني لا اضمر إهمال مظلوم ولا إعانة ظالم، وكفي بالله شهيدا, وقد قل أعوان الحق، وكاد أن نعدم منقبة الصدق، فلا رجل ولي عملا إلا ظلم وتجبر، ولا مؤتمن يركن إليه إلا خان وفجر، ولا جليس يستعان بنهاه إلا آثر دنياه، واتبع هواه، لكن بالله أستعين في جميع الأمور، وعليه سبحانه أَتوكل وإن لم أُوف بحق التوكل في الورود والصدور، ونسأله جل وعلا أن يلهمنا ما يقربنا منه، ولا يجعلنا من المبعدين عنه. وأسألك أنت بمن كانت هذه المكاتبة ابتغاء وجهه الكريم إلا ما اجتهدت لي في الدعاء في غلس الأسحار، وأطراف النهار، أن يمكنني الله نفسي ويلهمني رشدي، ويجعلني من الناطقين بالحق، الفاصلين بالعدل، ويبلغني تعالى أملي في جهاد الكافرين، وينيلني قصدي في حج بيت الله الكريم، وزيارة قبره عليه أفضل الصلاة وأذكي التسليم، وأن يجعل ذريتي من عباده الصالحين ومن أهل القرآن العظيم وزوار قبر نبيه، وأن يختم لي ولهم بالحسنى، ويبلغنا في طاعته جميع المنى، بفضله وجوده. وأنا قد انتفعت بكتابك، وأنتفع إن شاء الله بنصيحتك وأجد بركة موعظتك، التي أردت بها وجه الله العظيم علام الغيوب فلا تخلني بعد من إشارتك. ولا من صالح دعواتك، ولا توحشنا من أنس جوارك، ولا تفقدنا من صالح إيثارك. وإن كنت قد استغنيت عنا فإني لا أستغنى عن مشاورتك الصالحة، ومكاتبتك الرابحة. إن شاء الله تعالى وهو يجزيكم أفضل الجزاء ويهدينا إلى الطريقة المثلي والسلام عليكم ورحمة الله". وذكر المترجم ابن الخطيب في نفاضة الجراب وابن الخطيب القسمطيني في رحلته ووصفه بأوصاف عالية منها: كثرة النفور من أصحاب الولاية في الأعمال

стр. 359

قال: وخرجت على يده تلاميذ نجباء أخيار وطريقه أنه جعل إحياء علوم الدين نصب عينيه واتبع ما فيه بجد واجتهاد، وصدق وانقياد. قال هو غيره: ولم يكن قوته إلا من نسخ "عمدة الأحكام" في الحديث وكان معجبا بهذا التأليف مؤثرا لحفظه وفهمه كثيرا ما يندب إخوانه لذلك، وكان يقوم على حفظه وربما أقرأه تفهما لكثير من أصحابه ينسخ منه ثلاث نسخ في السنة غالبا ويسفرها بيده، وربما صنع لها أغشية من جلد بيده ويبيعها ممن يعرف طيب كسبه بدينار من الذهب العين للنسخة ولا يأخذ إلا قيمتها. ولم تزل حالته وبركته في زيادة إلى أن توفي قال ابن عرفة: ما في زماننا مبرر إلا هو وأبو الحسن المنتصر. قال ابن عاشر الحافي في "تحفة الزائر": رحل يعني المترجم له وحج ثم آب للمغرب فقدم فاسا المحروسة وأقام بها مدة ثم ارتحل إلى مكناسة. اهـ. وفي "درة الحجال" رحل إلى مكناسة واستوطنها مدة وكانت بها إحدى أختيه والثانية بشمينة، وكان أبو عنان يجري على التي كانت بمكناسة جراية تعيش بها، ثم انتقل إلى سلا وقرأ القرآن والعلم ببلده شمينة، ثم انتقل منها إلى الجزيرة الخضراء وأقام بها زمانا مشتغلاً بتعليم كتاب الله ولقي الأكابر من أهل المقامات كمسعود الأبله -الرجل الصالح- قال وبإشارته خرج من الخضراء. وفي تحفة الزائر أنه نزل برباط الفتح بعد انتقاله من مكناسة دهرا طويلاً بزاوية الشيخ العظيم الشأن سيدي عبد الله اليابوري، ثم انتقل للعدوة الأخرى من سلا فنزل بها بزاوية الشيخ أبي زكرياء الكائنة بقرب الجامع الأعظم وبدار المقدم عليها إذ ذاك أبي عبد الله محمَّد بن عيسى تلميذ أبي زكرياء المذكور، وكل ذلك بعد وفاة الشيخ اليابوري. اهـ.

стр. 360

الآخذون عنه: منهم العارف الكبير أبو عبد الله بن عباد شارح الحكم العطائية، وناهيك به وهو من أكابر أصحابه وخيارهم أقام معه سنين عديدة قال في رسائله: "كنت خرجت يوم مولده ﷺ صائما إلى ساحل البحر فوجدت هنالك السيد الحاج ابن عاشر ﵀ وجماعة من أصحابه معهم طعام يأكلون فأرادوا مني الأكل، فقلت: إني صائم، فنظر إلى السيد الحاج نظرة منكرة وقال لي هذا يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصوم كالعيد، فتأملت مقالته فوجدتها حقا وكأنه أيقظني من النوم". وفاته: توفي سنة خمس وستين وسبعمائة وضريحه بسلا مزارة مشهورة يقصدها الزوار ويفد إليها ذوو العاهات فيكشف الله أوصابهم والأعمال بالنيات. ١٨ - أحمد بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن أحمد بن عبد المنان أبو العباس الخزرجي . أجرى ذكره تلميذه العلامة ابن جابر الغساني في شرحه على التلمسانية في الفرائض. حاله: وصفه تلميذه المذكور بالشيخ الفقيه العلم رافع راية الشعر والأدب في عصره القدوة الأحفل، المتفنن الأكمل، كاتب الخلافة العلية، المخصوص لديها بالمزايا السنية، وأنشده لبعض المشارقة: مفتاح رزقك تقوي الله فاتقه ... وليس مفتاحه حرصا ولا طلبا والعلم أفضل ثوب أنت لابسه ... فاجعل له علمين الدين والأدبا وكان إنشاده إياه البيتين المذكورين برباط الفتح من مدينة سلا أوائل عام ثلاثة وثمانين وسبعمائة. اهـ.

стр. 361

وحكي أنه قدم مكناسة مع أبي العباس أحمد المريني بن أبي سالم ونزل في مرستان مكناسة لكونه كان خاليا فكتب له السلطان المذكور هذه الأبيات: يا شاعرا قد خبرناه ففاض لنا ... بالشعر والكُتْب من تلقاء نجران نبئت أنك قد بدلت دارك في ... مكناسة فشجا من (١) عندك ابنان ما زال يتبعك الغاوون مذ زمن ... حتى لقد همت في وادي المرستان (٢) وأجابه أبو العباس المذكور بقوله: لما بدا لي في حمي مكناسة ... مثوى الذين مضوا من الأتراب أيقنت أني لست ذا عقل بها ... أتبعت نفسي من هوي وتصابي فتركت داري لم أعرج نحوها ... ورأيت مارستانها أولي بي (٣) و [قد] (٤) تنسب له حكايته، وهي أنه كان ذات يوم في طريق مكناسة فبينما هو في أثنائها إذ سمع هاتفا ولم ير شخصه وهو يقول: أسرتم (٥) السابح في لجة ... ولم تفلتوا ذوات الجناح هذا وقد عرضتم للفنا ... فكيف لو خلدتم يا وقاح (٦) فأجابه ابن عبد المنان بقوله:

стр. 362

بالعقل قد فضلَنا ربُّنا ... وسخر الفلك لنا والرياح فالحوت والطير متاع لنا ... وما علينا فيهما من جَنَاحْ وإن غدونا عرضة للفنا ... فنقلتنا إلى دار الفلاح فإنه يُفْضي إلى دعوة ... لدار خلد ليس عنها براح (١) قال في "درة الحجال" وهذه الحكاية حدثني بها أبو راشد عن شيخه ابن إقمار (٢) وعن شيخه ابن غازي وأوردها في فهرسته هكذا منسوبة (٣) له. وأوردها الصفدي ونسبها لغيره فانظره. قال وذكري عن ولد الكاتب المذكور وهو يحيى بن أحمد أنه دخل على مخدومه أحمد المريني بمساء فقال له: مولانا نعم صباحك، فأنكر السلطان ذلك منه وتوهمه ثَمِلاً فتفطن الكاتب لما صدر منه فأنشأ يقول: صبحته عند المساء فقال لي ... ماذا الكلام وظن ذاك مزاحا فأجبته إشراق وجهك غرني ... حتى توهمت المساء صباحا (٤) وعطس السلطان المذكور يوما وكان ابن عبد المنان حاضرا فقال: يرحمك الرحمن من عاطس ... وليهنك الحمد على عطستك ويغفر الله لنا كلنا ... وليسبل الستر على حوبتك الآخذون عنه: منهم أبو عبد الله محمَّد بن جابر الغساني حسبما ذكره عن نفسه في شرحه على المنظومة التلمسانية وجماعة.

стр. 363

وفاته: توفي سنة اثنين وتسعين -بتقديم المثناة- وسبعمائة- بتأخير الموحدة عن السين. ١٩ - أبو العباس أحمد بن سعيد القيجميسي - بفتح القاف والجيم بينهما ياء ساكنة مثناة تحتية فميم مكسورة فياء ساكنة فسين بعدها ياء النسبة- المكناسي الورزيغي شهر بالحباك. حاله: كان فقيها علامة متصوفا شاعرا فصيحا ظريفا آية من آيات الله في النيل والإدراك مع حظ وافر من الأدب (١)، وله ذوق في التصوف تولي الخطابة في المسجد الأعظم من بلده مكناسة الزيتون مدة، ثم خطب بجامع القرويين بعد العبدوسي، ثم عاد لمكناسة فخطب بها، ثم عاد إلى فاس وعزل هو عن الخطابة، والفقيه القوري عن الفتوي، والقاضي الجنياري عن خطته في يوم واحد، ثم طلب للإمامة بجامع الأندلس فأبي، وقال: إن كان عزلي لجرحة فلا يحل تقديمي، وإن كان عن غير جرحة فقبولي من قلة الهمة، أي لأن منصب الخطابة في القرويين أشرف من منصب الإمامة في الأندلس، وقبول الانتقال من الأعلى للأدون انحطاط في الهمة والله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها وهذا ظاهر. وكان يدرس بالمدرسة المتوكلية المعروفة بأبي عنان، كان يسكن بورزيغة من مكناسة الزيتون ومنها ارتحل لفاس. مشيخته: كان تلمذ وهو صغير لسيدي سليمان الذي قال فيه ابن عباد: ما أعلم أحدًا في هذا الوقت أعلم منه بمواجيد القلوب، ولم يفارقه حتى توفي. وأخذ عن العلامة سيدي على بن يشو التلاجدوتي المكناسي، وعن الشيخ الأستاذ

стр. 364

ابن جابر الغساني المكناسي، والحافظ أبي القاسم التازغدوري، والحافظ المحدث أبي محمَّد العبدوسي وغيرهم. تآليفه: منها نظم مسائل ابن جماعة في البيوع محررة بما وضع عليه الإِمام القباب في رجز عذب بليغ أجاد فيه غاية قال ابن غازي: قرأْته عليه وأصلح فيه بقراءتي أشياء وأجازنيه، وإنشاءاته وإفادته كثيرة. الآخذون عنه: أخذ عنه الإمام ابن غاري حسبما أفصح بذلك عن نفسه في روضه، وحلاه بشيخنا الخطيب البليغ أبي العباس أحمد بن سعيد الغيجميسي هـ من خطه. وفيه الغيجميسي (١) -بالغين المعجمة بعدها ياء ثم جيم فميم مكسورة مشبعة ثم سين فياء نسب- فانظر مع ما نقلناه صدر ترجمته في النسبة وفق ما صرح به السوداني في تكميليه وغيره، وكذا أخذ عنه من في طبقته. شعره: من ذلك قوله: حضرة (٢) آس وجمع ناس ... وصفوا راح فمن عذيري راح لها في القلوب قدْمًا ... محض سرور وفيض نور من يد ساق وأي ساق ... قدس في الحسن عن نظير فأسكر القوم دون كاس ... وكان سكري من المدير (٣) وقوله: بُلِّغتَ آمالا ونلت مقاصدًا ... وغدوت ترجي في الأنام وترهب بهرتْ محاسنك الأنام فأصبحتْ ... أخبار جودك عن سعود تُعرب

стр. 365

برغت علاك وَحُزْتَ كل فضيلة (١) ... وَطِفقت من ذلك المعالي تَقْربُ بَرَقَت عيون الحاسدين ونالهم ... من رَوع عزك ذِلة وتغلبُ (٢) ولادته: ولد بمكناسة أوائل القرن التاسع أَعني سنة أربع وثمانمائة. وفاته: توفي سنة سبعين وثمانمائة بفاس على ما في "جذوة الاقتباس" عن نيف وستين سنة كما في "كناشة" سيدي أحمد زروق وفي "درة الحجال" توفي بعد السبعين وثمانمائة (٣). ٢٠ - أحمد بن سعيد المكناسي يكني أبا العباس . حاله: فقيه خطيب. مصقع وجيه لبيب. أريحي أريب. ذكره في "درة الحجال". وفاته: توفي في المحرم الذي هو من شهور سنة اثنين وسبعين وثمانمائة. ٢١ - أحمد بن محمَّد الحباك المكناسي . ذكره في الدرة. حاله: فقيه أستاذ نحوي كان قوالا بالحق، وكان آيه من آيات الله تعالى، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. مشيخته: أخذ عن سليمان الشهير ببوبغربين (٤) اليزَناسْنِي.

стр. 366

وفاته: قال في درة الحجال: توفي مسموما فيما حدثني به شيخنا أبو راشد بعد رجوعه من حركة الصلح مع المريني. اهـ. وذلك سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة. ٢٢ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد بن بن محمَّد بن محمَّد بن على بن غازي العثماني المكناسي . حاله: إمام علامة واعية مشارك، حلاه العلامة ابن فهد في إجازة له بالشيخ الإِمام العلم الأوحد. العلامة الأمجد. مشيخته: منهم أبو فارس عبد العزيز بن عمر بن محمد بن فهد وأجازه عامة كما رأيته بخطه. وأخذ عن والده الأمام ابن غاري وأجاره أيضًا عامة ودونك نص إجازته له نقلا عن خطه: "أجزت لولدي أحمد ومحمد وللفقيه أبي محمَّد عبد الواحد نجدٍ العالم المطلق أبي جعفر أحمد بن يحيى الونشريسي، وللفقيه أبي الحسن على بن موسى ابن هارون المطغري، وللفقهاء الإخوة الجلة أبي عبد الله محمَّد، وأبي زيد عبد الرحمن، وأبي العباس أحمد أولاد الفقيه المحصل أبي عبد الله محمَّد بن إبراهيم الدكالي، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن عبد الواحد الغزال جميع ما اشتملت عليه فهرستي هذه وذيلها إجارة تامة، مطلقة عامة، بشروطها. قاله وكتبه العبد الفقير المستغفر محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن غاري العثماني، سمح الله تعالى له بمنه والحمد لله وكفي، وسلام على عباده الذين اصطفى". كما أجاره عامة أيضًا العلامة أبو عمرو عثمان بن محمَّد بن عثمان الديمي المصري، وأبو عبد الله محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن مرروق العجيسي، حسبما أفصح بذلك والده في فهرسته وذيلها.

стр. 367

فرع الشجرة الزكية الولي الكبير، العلم الشهير، البركة. ٢٣ - سيدي أحمد الشبيه بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن أبي غالب بن عبد الواحد بن محمَّد بن على بن عبد الواحد بن محمَّد بن عبد الرحمن بن محمَّد بن على بن حمود بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن محمَّد بن يحيى بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل بن حسن بن الحسن بن على بن أبي طالب ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت سيد المرسلين. وحبيب رب العالمين، وآله الطيبين. حاله: علامة نبيل، قدوة جليل، إمام حفيل، شريف أصيل، صاحب قدم راسخ، وقدر شامخ، عارف ناسك، جهبذ مشارك، لقب بالشبيه لما بدا من علامة جده فيه، وهي الخاتم بين كتفيه، ويا لها من مزية عظيمة، ومنقبة جسيمة، وقد أثنى عليه صاحب "الدرة الفاخرة" قائلا: ثم الإِمام أحمد الشبيه ... وهو الإمام العارف النبيه كان به الشبه بالرسول ... بخاتم في وضعها المنقول وجده يحيى الشريف الجوطي ... بنسب أفق العلا منوط آخر تاسع المئين ولدا ... عن ابن يجبش الطريق أخذ وهي تبلغ إلى الجيلاني ... كان له بها علو الشان مضي ثلاثة وأربعون ... من بعد تسعمائة تعيينا قبره في مكناسة الزيتون ... من باب عيسى جل في العيون مشيخته: أخذ عن ولي الله تعالى سيدي محمَّد بن عبد الرحيم التازي المولود سنة أربعين وثمانمائة، وسيدي عبد الله الغزواني، والشيخ أبي عبد الله

стр. 368

محمَّد الزيتوني دفين المسيلة من بلاد الجريد المتوفي سنة إحدي عشرة وتسعمائة، وعن الشيخ أبي محمَّد عبد العزيز القسمطيني المتوفي سنة ثلاث عشرة وتسعمائة وغيرهم. الآخذون عنه: منهم الولي المحبوب، أبو زيد عبد الرحمن المجذوب وجماعة كثيرة وطريقته ﵁ جيلانية. ولادته: ولد ﵁ وعنا به آخر المائة التاسعة. وفاته: توفي سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة ودفن بروضة سيدي عمرو الحصيني وقبره غير معروف لدينا اليوم قالوا إنما كان يعرفه الولي الشهير مولانا عبد القادر العلمي ويقال إن الدعاء عند قبره مستجاب. ٢٤ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بن ميمون المسطاسي المكناسي . حاله: كان فقيها، فاضلا نبيها، وجيها نزيها، قاضيا بالحضرة الهاشيمية المكناسية وقفت على رسم مسجل عليه بتاريخ خمس وتسعمائة محلي فيه بالفقيه القاضي بمدينة مكناسة ولم أَدر وقت وفاته. ٢٥ - قاضيها أبو العباس أحمد بن أحمد بن على بن عبد الرحمن بن القاضي الأعدل الخير الدين أبي العز بن أبي العافية المكناسي . حاله: فقيه علامة نزيه أعدل قضاة زمانه له معرفة بالفقيه المالكي. قال في ابتهاج القلوب "وبسبب قضاء أبي العز -يعني جد المترجم- جري عليهم لقب ابن القاضي فيما نظن". والمترجم هو جد أبي العباس ابن القاضي مؤلف "الجذوة" و "الدرة" وغيرهما من التآليف المفيدة تولي خطة القضاء بمحروسة مكناسة الزيتون.

стр. 369

مشيخته: أخذ عن الإمام ابن غازي وغيره. وفاته: توفي بفاس المحروسة سنة خمس وخمسين وتسعمائة ودفن بإزاء قبر الولي الصالح أبي عبد الله محمَّد بن غازي رحم الله الجميع بمنه. ٢٦ - أبو العباس أحمد بن على بن عبد الرحمن بن عبد الله المنجور . المكناسي النجار، الفاسي الدار والقرار، كذا نسبه غير واحد ممن ترجمه. حاله: إمام فقيه معقولي، محدث أُصولي، آية من آيات الله في المعقول والمنقول وسعة العارضة والاطلاع والمهارة الكاملة في سائر الفنون، كان أحفظ أهل زمانه وأعرفهم بالتاريخ والبيان والمنطق وغير ذلك وكانت له معرفة برجال الحديث شديد العناية بالتحصيل قوي التحقيق حسن الإلقاء والتقرير، معتنيا بالمطالعة والتقييد والإقراء، لا يكل ولا يمل، شعاره الإنصاف في البحث والمذاكرة، يميل مع الحق حيث كان، صافي الذهن حاد الإدراك، مصيب الفهم، ذا خط رائق، وأدب فائق، خدم العلم حتى ألقت إليه العويصات زمامها، وبرر على الأقران، وصار شيخ جماعة الأعلام في وقته، وكان يحض على تعلم سائر العلوم ويقول: إن العلوم كلها نافعة، وكان يبحث عنها ويتعلمها حتى إنه تعلم لعب الشطرنج فأتقنه ومهر فيه وصار المشار إليه بالبنان في معرفة دقائقه وتعلم تلاحين العود فكان يحرك بجسه أوتاره أفئدة العاشقين، جمال حضرة رب العالمين، أما العقائد فهو ابن بجدتها، وانفرد عن أهل زمانه بمعرفة تاريخ الملوك والسير والعلماء على طبقاتهم ومعرفة أيامهم وكانت معه حدة في بعض الأوقات تمنع المتعلم من مراجعته، والإكثار من مباحثته. وكان مولعا بأمثلة العامة خصوصا عامة الأندلس يستحسن لغتهم ولكنتهم

стр. 370

ويثني عليهم وعلى بلادهم ويتشوق إليها وكان يقال فيه إن فهمه لا يقبل الخطأ وله صناعة في التدريس يجيد ترتيب النقول ويتأنق في كيفية الإلقاء، وكان من عباد الله الصالحين لا يفتر عن قراءة القرآن إلا في زمن المطالعة أو الإقراء أو ضروريات الإنسان، وكان أورع الناس في النقل، كاد أن لا يفارق لسانه لا أدري أو حتى انظر أو كلام يقرب من هذا. وكان دمث الأخلاق رقيق الحاشية متقشفا في الدنيا قانعا بما تيسر من المأكول والملبس لا يحسن تدبير الدنيا قال "في درة الحجال" صارت الدنيا تصغر بين عيني كما ذكرت أكل التراب للسانه والدود لبنانه. وفي "كفاية المحتاج" هو آخر فقهاء فاس لم يخلف بعده مثله، وأصله من مكناسة الزيتون كما صرح بذلك غير واحد ممن ترجمه. مشيخته: أخذ عن اليسيتني وهو عمدته، وسقين، وابن هارون، وعبد الواحد الونشريسي، والزقاق وغيرهم ممن اشتملت عليه فهرسته. الآخذون عنه: أخذ عنه الإمام المولي عبد الله بن على بن طاهر الحسني العلوي، وأبو المحاسن الفاسي، وأخوه العارف بالله، وولده أبو العباس أحمد، وأبو العباس ابن القاضي صاحب "درة الحجال" وغيرها. وأجاره عامة قال في درته لازمته كثيرا من سنة خمس وسبعين إلى وفاته وما فارقته إلا زمن رحلتي للمشرق أو زمن أسري فقط أو مرة أقمتها بمراكش في حياته رحمة الله عليه وأخذ عنه خلق عظيم. مؤلفاته: منها شرح المنهج المنتخب على قواعد المذهب، وحاشية على كبري السنوسي في العقائد، وأخري صغيرة عليها أيضًا، وشرحان على قصيدة ابن زكري في الكلام مطول ومختصر، وفهرستان كبري وصغري، ومراقي المجد في

стр. 371

آيات السعد، والمختصر المذهب، من شرح المنهج المنتخب، وشرح المختصر. من ملتقط الدرر. شعره: من ذلك قوله جوابا عن سؤال بعض السنوسيين سأل عنها قاضي الجماعة بفاس عبد الواحد الحميدي (١): جوابك في الأولى إباحة أكلها ... ومستقذر كل يباح وَصدِّقِ وأنكر في التنبيه نجل بشيرهم ... إضافة ذا للمذهب افهم ودقق وقد قيل في الأوزاغ يحرم أكلها ... وذلك في الكافي ليوسف فارتق وميت مجنون جري خلف حكمه ... بِعِلم كلام لا تكن غير متق وتحقيقه أن الجنون الذي طَرَا ... يصير كموتٍ فَصل الحَقَّ تَعْبَقِ فآونة بعد البلوغ طُرُوَّه ... وحينا يُرى قبل البلوغ فطبق وآونة إثر الصلاح وقوعه ... وحينا لِعصيان (٢) الكبير يلتقي وحينا يدوم للممات وتارة ... يُفيق فخذ حكم الجميع ووثق ويندب للمسبوق دعوى تشهّدٍ ... وِفاق إمامٍ في الثلاثة فارْتَقِ وليس له فعل بحال واصله ... بكسر لياء فاكسرِ العين ترتقي وجمعك صاعا في القليل بأصْوعُ ... وسوغ لضم (٣) الواو نهجا ونمق وإن شئت فاقلبه فيرجع آصُعا ... بضابط (٤) تصريفٍ فللعلم شَوِّق

стр. 372

وصاع كعام عينه فرع ضمة ... وتحريكه فتح فزِنْهُ وحقق ومقصود مِنْ في العود بدء لغاية ... فإبليسُ مبدا العود عند الموقف وجمع سواء فالذي منه جامد ... بأفعلة فاعلم يقاس ففرق ومشتقه وزن الخطايا قياسه ... سوايا به نقل في المدح فانطق يعني أن المشتق جمعه مسموع، وأما الجامد فلم يسمع له جمع لكن قياسه أفعلة كأقبية، قال في نيل الابتهاج إثر نقله لهذا الأبيات ما نصه: "وهذه الأبيات أرويها عن صاحبنا قاضي تامسنا إبراهيم الشاوي عنه" (١). ولادته: ولد عام ستة وعشرين وتسعمائة. وفاته: توفي يوم الاثنين سادس عشر القعدة الحرام سنة خمس وتسعين وتسعمائة كذا في "الدرة" والذي في نيل الابتهاج أنه توفي نصف ذي القعدة ليلة الاثنين والخطب سهل. ٢٧ - أبو العباس أحمد بن عمر الحارثي السفياني . نسبة لفخذ من قبيلة الغرب المشهور. حاله: كان من أكابر الصالحين عارفا بالله تعالى رطب اللسان بذكره تعالى لا يفتر لسانه عن ذكره وكان دأبه أن يخبط أطباق العزف والقفاف فلا يدخل الخيط ويخرجه في كل مرة إلا بكلمة الهيللة شأنه مراقبة مولاه، في سره ونجواه، والدلالة عليه. مشيخته: أخذ عن الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن سليمان الجزولي صاحب دلائل الخيرات.

стр. 373

الآخذون عنه: منهم الشيخ الكامل أبو عبد الله محمَّد بن عيسى السفياني الأصل ثم المختاري شيخ الطائفة العيساوية، ومنهم السيد عمر بن مبارك الحصيني من قبيلة حصين -بالتصغير- دفين مكناسة الزيتون والسيد سعيد بن السايح المالكي من عرب بني مالك، وغيرهم. وفاته: توفي في العشرة الأولى من القرن العاشر وقبره مشهور ببلدتنا المكناسية عليه مزارة جليلة خارج باب السيبة أحد أبواب المدينة. ٢٨ - أحمد بن إبراهيم الأوسي الجنان أبو جعفر . من جملة شيوخ مكناسة الذين لقيهم ابن الخطيب عام إحدي وستين وسبعمائة حسبما ذكره في رحلته المسماة "بنفاضة الجراب". حاله: كان فقيها عدلا إخباريا مشاركا من أهل الظرف والانطباع والفضيلة عاقدا ناظما ناثرا مشاركا في فنون من العلم. مصنفاته: منها المنهل المورود في شرح المقصد المحمود، في ثلاثة أسفار شرح فيه وثائق ابن القاسم الجزيري فأربي على الإجادة، بيانا وإفادة، قال ابن الخطيب ناولني إياه وأذن في حمله عنه وأنشدني كثيرا من شعره. شعره قال في صدر رسالة يهني بها ناقها من مرض (١): البس الصحة بُردا قشيبا ... وارشف النعمة ثغرا شنيبا واقطف الآمال زهرا نضيرا ... واعطف الإقبال غصنا وطيبا (٢) إن يكن ساءك وعكٌّ تُقضي ... تجد الأجر عظيما رحيبا فانتعش دهرك ذا في سرور ... يصبح الحاصد منه كئيبا

стр. 374

ومنه أيضًا ما رقم في الدور الخشبي الذي بالدار التي كان نزل بها ابن الخطيب عند حلوله بالديار المكناسية وهو قوله (١): انظر إلى منزل إذا نَظَرَت ... عيناك يعجبك كل ما فيه ينبيء عن رفعة لمالكه ... وعن ذكاءَ الحجا لبانيه يناسب الوشي في أسافله ... ما برقم النقش في أعاليه كأنه روضة مُدبَّجَة (٢) ... جاد لها وابل بما فيه فأظهرت للعيون زخرفها ... وأوقفتها على تحليه فهو على بهجته تلوح به ... ورونق للجمال يبديه يشهد للساكنين أن لهم ... من جنة الخلد ما يحاكيه في أبيات أخر. قال ابن الطيب: وفاتحته محركا قريحته ومستثيرا ما عنده بقولي: إن كانت الآداب أضحت جنة ... فلقد غدا جنانها الجنان (٣) أقلامه القضب اللدَان بدوحها ... والزهر ما رقَمته منه بنان قال فراجعني الجنان بما نصه: يا خاطب الآداب مهلا فقد ... ردك عن خطبتها ابن الخطيب (٤) هل غيره في الأرض كفؤ لها ... وشرطها الكفاة قول مصيب

стр. 375

أصبح للشرط بها معرسا ... فاستفت في الفسخ فهل من مجيب؟ نثره: قال يخاطب ابن الخطيب: "أيها السيد الذي يتنافس في لقائه ويتغالي. ويصادم بولائه صرف الزمان ويتعالى (١)، وتستنتج نتائج الشرف بمقدمات عرفانه، وتقتنص شوارد العلوم برواية كلامه، فكيف بمداناة عيانه، جلوت على من بنات فكرك عقائل نواهد، وأقمت بها على معارفك الجمة دلائل وشواهد، واقتنصت بِشَرَك (٢) بديهتك من المعاني (٣) أوابد شوارد، وفَجَّرْتَ من بلاغتك وبراعتك حياضا عذبة الموارد، ثم كلفتني من إجراء ظالعي (٤) في ميدان ضليعها، مقابلة الشمس النيرة بسراج عند طلوعها، فأخلدت إخلاء مهيض (٥) الجناح، وفررت فرار الأعزل عن شاكي السلاح، وعلمت أنني إن أخذت نفسي بالمقابلة، وأدليت دلو قريحتى للمساجلة، كنت كمن كلف الأيام رجوع أمسها، أو طلب ممن علته السماء محاولة لمسها، وإن رضيت من القريحة بسجيتها (٦) وأظهرت القَدْر الذي كنت امتحْتُ (٧) من ركبتها. أصبحت مسخرة للراوين (٨) والسامعين، ونبت عن أسمي دواوينهم كما تنبو عن الأشيب عيون العين ثم إن أمرك يا سيدي لا يَحُلُّ وثيق مبرمه، ولا يحل نسخ محكمه، فامتثلته (٩) امتثال من لم يجد في

стр. 376

نفسه حرجا من قضائك، ورجوت حسن تجاوزك وإغضائك، أبقاك الله قطبا لفلك المكارم والمآثر، وفصا لخاتم المحامد والمفاخر والسلام (١) ". ٢٩ - أبو العباس أحمد بن سعيد المِجْلَدِى (٢). حاله: شيخ الجماعة في إقراء المختصر الخلَيلي محصل لمنطوقه ومفهومه، كثير الممارسة له، يختمه كل سنة، مستحضر للنوازل، عارف بإدراج الجزئيات تحت الكليات، ماهر في ذلك، حسن الأخلاق، لين العريكة، منصف متواضع، له إشراف تام على السير، ومشاركة وافرة في فنون عديدة نفع الله بعلمه جما غفيرًا من الأعيان. ولي قضاء فاس الجديد أزيد من أربعين سنة، فحمدت سيرته، ولم يحفظ عنه ما يشين عرضه ولا ما يغض من جلالة منصبه. وولي قضاء مكناسة الزيتون بعد عزل القاضي أبي مدين عنها، وذلك أواسط شوال عام ثمانية وثمانين وألف كما أفصح بذلك الضعيف في "تاريخه" وقد وقفت على عدة خطابات له تدل على ذلك. مصنفاته: منها اختصار المعيار في مجلد ضخم، وشرح على المختصر الخليلي سماه أم الحواشي يبين فيه الصورة أو لا بما فهمه ثم ينقل ما يناسبه من كلام الأئمة، ثم ينقل سائر لفظ الحواشي السابقة عليه، ومؤلف في الحسبة سماه "التيسير في أحكام التسعير" وقفت عليه في نحو الكراسة. مشيخته: أخذ عن أبي محمَّد عبد القادر الفاسي، وأبي سالم العياشي وأجازه الأخير عامة كما أخذ عن غيرهما.

стр. 377

الآخذون عنه: منهم أبو على الحسن بن مسعود اليوسي كما في "نشر المثاني" وناهيك به. قال اليوسي في "فهرسته" أخذت عنه رسالة الأسطرلاب، وشيئا من الحباكية وشيئا من القلصادي، وحضرت عنده خليلا وأثني عليه رحم الله الجميع. وفاته: قبضه الله إليه مغرب يوم الاثنين خامس عشري صفر عام أربعة وتسعين وألف ودفن ظهر الغد خارج باب محروق أحد أبواب فاس. ٣٠ - أبو العباس أحمد الغماز أستاذها . حاله: كان شديد الحفظ للقرآن العزيز يسأل عما قبل الآية فيجيب مسرعا وكان أستاذ الإقراء، وأستاذ الغناء، وكان له تلامذة يحسنون الصنعتين. ٣١ - الشاب أبو العباس أحمد بن عمر بن مبارك الحصيني المكناسي . حاله: فقيه من أعيان أهل مكناسة ذكره الغزال في تأليفه الذي تعرض فيه لترجمة الشيخ الكامل السيد محمَّد بن عيسى دفين خارج بَابَيْ السيبة والبراذعيين من مكناسة الزيتون قائلا فيما حكاه عن السيد محمَّد بن عمر بن داود المختاري أحد تلاميذ الشيخ المذكور، من أنه كان يوما بين يدي شيخه ابن عيسى إذ جاء الشيخ شاب فقيه من أهل مكناسة ومن أعيانها وعليه أثر الغيار، فجلس أمام الشيخ وصار يبكي بكاءً شديدا، فقال له الشيخ: ما يبكيك يا فقيه؟ فأخبره عن والده أنه سار إلى رحمة الله وله مدة يسيرة وأنه رآه الليلة في النوم وذكر له أنه يعذب في قبره، وأنه أمره بالتوجه إليه لعله أن يدعو الله له أَن يخفف عنه العذاب، فقال له الشيخ: نعم، وبسط كفيه وقال: اللهم بجاه سيدنا ومولانا محمَّد صاحب الجاه العظيم عندك خفف عن والده العذاب، وأمنا نحن على دعائه، ثم إن الشاب قبل يد الشيخ وقام وهو مسرور وأيقن بالفرج لما يتحقق من إجابة دعائه ﵁.

стр. 378

ثم بعد ثلاثة أيام أقبل المترجم على الشيخ عند صلاة الصبح فصلاها خلفه وعليه آثار الفرح والسرور، ثم بعد الفراغ قام وجلس أمام الشيخ وقبل يده وقال: يا سيدي، رأيت البارحة والدى وهو في غاية السرور، وعليه عباءة خضرا، وقال: يا ولدى قد رفع الله عني العذاب ببركة دعاء الشيخ، فعليك با بني باتباعه وصحبته، ثم دخل الشاب المترجم في عهده وصحبته وصار من المفتوح عليهم. قال: وهذا الشاب الفقيه هو الشيخ سيدي أحمد بن عمر بن المبارك الحصيني ﵁. مشيخته: أخذ عن الشيخ ابن عيسى وغيره. ٣٢ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بن محمَّد المكناسي الزناتي الشهير بابن القاضي . من نسل موسى بن أبي العافية. صرح هو بذلك في كتابه جذوة الاقتباس. ورفع نسبه فيه إليه، ثم إلى مكناس بن وصطيف، ثم تبرأ من فعل جده ابن أبي العافية مع أهل البيت وهو ممن شمله عموم قول ابن غاري في "روضه" لدي تعداده علماء مدينة مكناسة الزيتون، إذ قال: ومنهم بنو العافية. حاله: كان فقيها مشاركا مؤرخا ضابطا نقادا مطلعا ثبتا وجيها متقنا حيسوبيا فرضيا له معرفه بالتاريخ والفقه والفرائض والحساب والهندسة وتولي القضاء بسلا فحسنت سيرته وحمدت. مشيخته: أخذ عن عدة شيوخ في المغرب، منهم: أبو القاسم المنجور، ومفتي مراكش أبو محمَّد عبد الواحد السجلماسي الحسني العلوي، وأبو زكرياء يحيى السراج، وأبو عبد الله بن جلال، وابن مجبر المساري، والشيخ القصار، والشيخ أحمد بابا السوداني. ثم رحل إلى المشرق فأخذ به عن عدة شيوخ أيضًا، وكان يتردد إلى الشيخ أبي المحاسن الفاسي ويحضر مجالسه.

стр. 379

تآليفه: منها جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام مدينة فاس، ومنها درة الحجال في أسماء الرجال. والمنتقي المقصور على مآثر الخليفة أبي العباس المنصور، ولفظ الفرائد من لفاظة حلو الفوائد، وله نظم ذيل به رقم الحلل لابن الخطيب، وغنية الفرائض في طبقات أهل الحساب والفرائض، والمدخل في الهندسة، ونظم تلخيص ابن البنا، وكتاب نيل الأمل فيما بين المالكية جري العمل، وفهرسته المسماة بزائد الصلاح، وله كلام على جداول الحوفي وتقاييد. محنته: كان في رحلته إلى الحج ركب البحر فأسر بيد النصاري وأذاقوه النكال الأليم والبلاء العظيم، من الجوع والضرب والتكليف بما لا يطاق، وقد كان المنصور ﵀ كتب في شأنه لقواد الثغور بالبحث عن مستقره في أي موضع من بلاد النصاري لتعلق همته العلية بإخراجه من ربقة الأسر تعظيما لقدره حسبما أخبر بذلك عن نفسه في كتابه المنتقي. وكان أسره في يوم الخميس رابع عشري شعبان عام أربعة وتسعين، فتكون مدة أسره نحو أحد عشر شهرا، افتداه المنصور بما يعدل عشرين ألف أوقية من الذهب، بعد أن كان النصاري إنما طلبوا فداءه بكلب تعنتا. شعره: من ذلك قوله مستعطفا ومستصرخا المنصور الذهبي لفدائه من الأسر: تجلت عن المعاني الأسير المكبل ... همومُ سرت في الجسم في كل مفصل (١) بذكر الإمام الهاشمي الذي سما ... بسيمة خير الخلق في كل محفل إمام العلا المنصور فخر أئمة ... به قد تحلي كل جيد معطل به راق وجه الأرض وافتر ثغره ... وحُلي جيد منه بالدر والحلي إمام همام همه طول همة ... ظبي ماله (٢) عين المعالي بصيقل

стр. 380

فكم تضحك الخيرات في بطن كفه ... ويبكى (١) دماء كل رمح ومنصل وكم جاوز الغايات حتى لو أنه ... أراد الثريا أمها في التنزل فَغُر (٢) الليالي من سناه توقدت ... ضياءً بنور بالخلافة مشعل زكي زهيّ للسماح سماؤه ... جناح لنسر النصر في كل محفل إمام الهدى بحر الندي قسور الردى ... إلى المعتفي والفاجر المتضلل بحق الذي ولاك (٣) ملكا فنجني ... من الهلك يا قصد السبيل المكبل وكن يا إمام العدل في عون حائر ... أسير كسير ذي جناح مذلل لقد مزقت أيدي الزمان وريده ... ودارت عليه الدائرات كجلجل وأخني عليه الدهر من كل وجهة ... وداست عليه النائبات بأرجل فعافاك رب العرش يا ملك العلا ... ودمت أماما في علاء مزمل ولا زلت حج المعتفين وكعبة ... مطافا لأهل الفضل في كل محفل ولادته: ولد عام ستين وتسعمائة. وفاته: توفي عام ألف وخمسين وعشرين وقدر المكلاتي لوفاته بحروف (وهو شهاب) في قوله: وخر شهاب الدين أحمد من به ... (وهو شهاب) ظلمة الليل تنجلي

стр. 381

٣٣ - الولي الشهير. المجذوب الكبير. سيدي أحمد بن بلعيد المدعو ابن خضراء . من بهاليل مكناسة الزيتون. حاله: كانت حالته حالة الغائبين المحبوبين له كرامات كثيرة. وأخبار بالمغيبات شهيرة. قال في "نشر المثاني" يتحققون ذلك أهل باده ويتحدثون عنه بعجائب. مشيخته: أخذ عن سيدي محمَّد الشرقي، قال في النشر: والتاريخ يقبله، إذ كان لصاحب الترجمة علو في سنّه؛ لأنه تقدم أن وفاة سيدي محمَّد الشرقي في العام العاشر بعد الألف وتوفي صاحب الترجمة عام خمسة وسبعين بموحدة وألف، فبين وفاتيهما نحو خمس وستين [سنة، وعمر صاحب الترجمة قرب المائة] (٢). والذي في لوح خشب منقوش مبني عليه صدر جدار المباح يمين الداخل لضريح المترجم أنه أخذ عن سيدي عبد السلام الشرقي، وهو أخذ عن والده سيدي محمَّد فيكون أخذ عن سيدي محمَّد بواسطة والده سيدي عبد السلام، وقد رفع سنده في ذلك اللوح إلى النبي ﷺ وعلى آله وصحبه. وفاته: توفي عن سن عالية في منتصف رجب الفرد عام خمسة وسبعين بموحدة وألف، وضريحه بمكناسة شهير من المشاهد المتبرك بها ﵀ ورضي عنه. ٣٤ - أحمد بن عبد القادر بن عبد الوهاب بن موسى بن الشيخ سيدي محمَّد بن مبارك التاستاوتي (٣).

стр. 382

الولي الصالح العارف الشهير من حفدة الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن مبارك الزعري. حاله": كان عالمًا عاملا، عارفا كاملا، ممتع المجالسة آية في نيل الفضائل. ومعرفة حقوق الأفاضل، فمن ذلك أنه كانت وقعت وحشة بينه وبين الشيخ الكامل، العارف الواصل، سيدي أحمد بن ناصر، فبقي مرة يترضاه، ويستنزل بمحاسن أدبه رضاه. إلى أن لبي مناديه، فدعا لتلقي تلك المنة ناديه، واستدعي الناس لحضور ذلك المهرجان الدعاء العام، وذبح كل ما ملكت يمينه من الأنعام، وأوقد لقراءة كتاب الشيخ الشموع بالنهار، وكاد أن يجري لكثرة ما ذبح من الدماء الأنهار، وأخرج من الفرش المرفوعة ما قدر عليه، وقام عاري الرأس حافي القدمين لقبض الكتاب الكريم الذي ألقي إليه. وإذا لم يكن من الذل بد ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا ليس إجلالك الكبار بذل ... إنما الذل أن قبل الصغارا ومن ذلك أنه وفد على صاحب الترجمة فتية من أولاد الشيخ أبي يعزي في خروجهم لصيد فأكرمهم وطعموا وشربوا وحين خرج ليشيعهم وجد كلابا بالباب أعدوها لصيدهم، فقال: لمن هذه؟ فقالوا: لنا، فعاتبهم حيث، لم يخبروه بها، قائلا: أليس بعار أن تكون هذه الكلاب تصطاد لكم وتنزهكم ثم تدخلون وتتركونها ولا تخبرونني بمكانها! ما هذا شأن صحبة الكرام، ثم أقسم أن لا ينصرفوا حتى يصنع للكلاب طعاما وأخذ في مداعبتهم ومحادثتهم ومؤانستهم حتى حضر طعام الكلاب، فوضعه بين يديها ووقف عليها بنفسه حتى أكلت فودعهم وانصرفوا شاكرين.

стр. 383

قال أبو القاسم العميري: دخلت عليه في يوم الذي توفي ليه فوجدته جالسا على صندوق مرتفع عن الأرض، فقال: لي: إنما جلست هنا لأني صليت عليه هذه الصلاة يعني الظهر ويشق على إن نزلت أن أصعد لصلاة العصر فمات قبل العصر أو بعده. ذكر لي يوما باءته وأن من قوته فيها أنه إذا كان في داره لا يصلي صلاة من الصلوات إلا بغسل من جنابة، وكان إذ ذاك متسع الحال في المناكح والسراري، وتأتي له من ذلك ما لم يَتَأتّ لمثله، وكان له حسن بداهة في النظم حتى إنه قد يكتب الكتاب وحامله حاضر ينتظره له كأنه يحفظه. مؤلفاته: منها نظم ممتع الأسماع وشرحه، ونظم رجال التشوف وشرحه، ونظم رجال القشيرية وشرحه، وله كتاب النزهة ضمنه رسائله في جزءين، وله ديوان شعر في ثلاثة أجزاء ضخام وقفت على جزء منها في القالب الكبير، وله أسئلة فقهية لعلماء وقته، وتقاييد مفيدة تدل على تضلعه واقتداره وشفوف مكانته وعلو همته وتفوقه على أترابه. شعره: من ذلك قصيدته الدالية في مدح خير البرية، عارض بها دالية الشيخ اليوسي في مدح شيخ السنة وإمام الحقيقة سيدي محمَّد بن ناصر الدرعي ومطلعها. عرج بأطلال الأحبة واقصد ... آثارهم يوما لعلك تهتدي وأجز إذا جئت الديار بمنزل ... قد ضم أجداث العشير الهمد ولهيب قلبك إن أردت شفاءه ... فأت الربوع تريح قلب الأكمد

стр. 384

إلى أن قال: لولا النوى ما أقبلت من مغرب ... فوق المطايا عاشقون لأحمد صلى عليه الله ما هبت صبا ... وبكي لرؤية وجهه ذو أكمد بادر لزورته إذا ما اشتقته ... واذهب على الوجنات غير منكد ودع المطي بأرجل تشم الحصي ... وسمن بالأخفاف خد الأجلد وسمن كل مخيل من بارق ... وسمن بالركبات كل مبلد يعطش بالفلوات مثل ضبابها ... ولهن سبح في سراب صيهد وهي طويلة تنيف على الستمائة بيت وكان إنشاؤه لهذه القصيدة سنة خمس وعشرين ومائة وألف. ومن ذلك قوله في ثاني ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وألف: عظمت نعمة الإله علينا ... واستزادت فما لها من نفاد كل يوم نري من الله فضلا ... وامتنانا ورحمة في أيادي لو نجازي على ذنوب جنينا ... ها نزلنا منازل الإبعاد فعفا رحمة ومنًّا علينا ... واهتدينا بنور أشرف هادي أحمد المصطفي الذي من سناه ... زان ما في الأغوار والأنجاد واهتدي كل سألك طرق الإر ... شاد من حاضر الأنام وباد وارتدي كل رائد منها التو ... فيق من رائح إليه وغاد إلى أن قال: عجبا كيف يدرك المرء هون ... والنبي الكريم رجب النادي

стр. 385

لذ به متوسلا تبلغ المأ ... مول في القرب من رحيم جواد وقوله في سنة ست ومائة وألف: أراعك أن شمت الطلول الدوارسا ... كأن لم تري فيها البدور الأوانسا وهل هاج منك الدمع لما رأيتها ... تذكر ظبي كان قبل مؤانسا نعم رحل الأحباب منها وأودعوا ... جوي للحشا في كل وقت ملابسا بكيت فلم تطف المدامع لوعتي ... وأصبحت من شوق من الصبر آيسا وما كنت أدري البين حتى تحملوا ... ولا كنت من قبل التفرق عابسا ولما استقلوا ظاعنين وخيموا ... بسلع أراني بعد ذلك ناكسا كأني من شجو فقدت ابن ناصر ... ولم أر شيخا شامخ المجد رائسا وقوله من قصيدة: إذا أنا باينت البلاد وأهلها ... وفارقت أهلي وابنعدت عن الولد ومت على دين النبي محمَّد ... فقد نلت آمالي وما خفت من كمد نثره: من ذلك قوله في طالعة الجزء الثالث من ديوانه الشعري ولفظه: "الباب الرابع من أبواب هذا الكتاب الشامخ المقدار، في ذكر ما فتح الله به علينا من مستملحات الأشعار، وهو باب اتسعت دائرته، وقويت عارضته، وجمع من رقيق المعاني، ودقيق البيان اللساني ما فيه مستراح للألباب، وارتاح للأحباب، فما شئت من جد مفروغ في قالب الهزل منسوج على منوال الجد الرفيع، فروضته الغناء لا تنفد أزهارها, ولا تفرغ من الثمار أشجارها، دانية المرام، غير مستصعبة على الأفهام، وقد رأيت أن أبتدئه بقصائد نبويات وأخري بذكرى الصالحين مشرفات، ثم أسكبه سكبا، وأذكره فاكهة وأبا، متاعا لكم ولأنعامكم، ونزهة لأرواحكم وأجسامكم، والله المستعان، وعليه التكلان.

стр. 386

مشيخته: منهم السيد عبد الكريم الجزيري أخذ عنه سند المصافحة، وهو عن سعيد قدورة، عن سعيد المقري، عن أحمد حجي، عن محمَّد الوهراني، عن إبراهيم التازي، عن صالح الزواوي، عن محمَّد الشريف الفاسي نزيل الجزيرة، عن والده عبد الرحمن وعاش أربعين ومائة سنة، عن أحمد بن عبد القادر القوصي، عن أبي العباس الملثم وهو صافح المعمر وهو صافح رسول الله ﷺ . وله سند في المصافحة عن سيدي عبد القادر الفاسي وأجاره، وقال له: صافحتك بما صافحني به الأشياخ إلى أنس بن مالك قال: صافحني رسول الله ﷺ فلم أر خزا ولا قزا كان ألين من كف رسول الله ﷺ الحديث، فيه روايات. قال صاحب الترجمة في كتابه "نزهة الناظر" وصافحني أيضًا سيدي محمَّد ابن ناصر الدرعي، وأجازني عن أشياخه الذين صافحوه إلى النبي ﷺ . اهـ. بنقل صاحب الأزهار النادية ومن معتمد إمام السنة، وأعظمهم عليه منة، شيخ الشريعة والحقيقة سيدي محمَّد بن ناصر الدرعي وعلى يديه فتح به. الأخذون عنه: أخذ عنه العلامة الطيب السيد عبد القادر بن العربي بن شقرون المكناسي، وأحمد بن أبي عسرية بن أحمد بن أحمد بن يوسف الفاسي في خلق. محنته: سجن سنة أربع ومائة وألف بحبس فاس الجديد، لوشاية بعض أقاربه به للسلطان الأعظم سيدنا الجد الأكبر مولانا إسماعيل ثم سرحه وحمله ذلك على استيطان مكناسة الزيتون فرحل إليها, ولم يزل بها إلى أن توفي بها. وفاته: توفي ﵀ ليلة الأربعاء فاتح رجب سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ودفن قرب روضة الشيخ عبد الله بن حمد خارج باب البراذعيين، وقبره هنالك مزارة شهيرة عليه بناء لا بأس به، وله عقب ببلاد زعير يقال لهم القادريون.

стр. 387

٣٥ - أبو العباس أحمد الخضر بن أبي عبد الله محمَّد بن أبي محمد عبد القادر زغبوش المكناسي النشأة والدار . حاله: فقيه عدل ثقة مبرز وقور، صالح فالح بار مشكور، محمود الغريزة والطبع، معدود فيمن يترقب به للمعضلات الدفع، نبيه العقل وجيه في عهد الفضل، نجدة في الفهم، عمدة فيما يلم، منظور إليه من الجلالة السلطانية الإسماعيلية بعين الإكبار، مسبول عليه من لدنها رداء الوقار والفخار، وناهيك بمن يبجله ذلك الإمام، وأعظم بمن كان له منه ذمام. فقد وقفت على ظهير إسماعيلي يبرهن عما للمترجم من شفوف المكانة لدي سيدنا الجد المذكور ودونك نصه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمَّد وآله وسلم تسليما، من الآمر العلى الإمامي المؤيد المنصور الإسماعيلي أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، الشريف الحسني، وبداخل طابعه إسماعيل بن الشريف الحسني الله له صدر هذا الظهير الزعيم، والأمر المطاع الجسيم، وهو الذي أعلن لماسكه بالرتبة المخصوصة بالتنويه، وشيد للمعتمد على الله وعليه مباني الاجتباء والتنويه، من الاعتناء الإمامي السلطاني الإسماعيلي الشريفين أبرم الله معاقده، وأجمل من إحسانه الجميل مساعيه ومقاصده، آمين يا رب العالمين. يستقر بحول الله وقوته بيد الأرضي الأحظي المرضي الأبر الأحفل الأنبل خديم الجناب الأسمى، والملاذ الأحمي، أبي العباس أحمد الخضر نجل الفقيه العدل أبي عبد الله محمَّد نجل الفقيه العدل أحمد بن عبد القادر دعي بزغبوش، حفيد الولي الصالح الزاهد الناسك قطب المشايخ الأعلام، وتاج الأولياء الصالحين الكرام، سيدي مغيث نفعنا الله ببركاته، وأفاض علينا وعلي بنيه من أسراره ونفحاته، اقتضى له ما يتوخي به الولاء الصريح، والصفاء الصحيح، من تكريم واضح الرسوم والإيثار، وتتميم لمواهب الاستصفاء الآمنة من الإبتار، اعتناء بقدره الذي سمت به رياسة أسلافه في أعلى المظاهر، ومتت بطرق العلم والعمل والمحبة

стр. 388

في جانب الخلافة المؤيدة بالود الباطن والظاهر، فاتخذ حفظه الله هذا الأمر الكريم راية يتناولها باليمين، لا يعتريها بحول الله ومنه الانفصام إلى يوم الدين، إنعاما عليه بالعناية والتوقير الذي لا ينسخ حكمه، ولا يبيد بحول الله وقوته على تعاقب الأيام رسمه، رعيا لما له من الخدمة والسبقية والنصيحة التي لاحت غررا في وجه الزمان البهيم، والأمور التي توسل بها أدام الله عليه نعمته في الحديث والقديم، ومن كثرة الاعتناء بشأنه والتنويه بمقدار حكمه. وقع له أيده الله بعد صلاة الجمعة من تاريخه بمحضر العلماء الجلة وفقهاء الملة والأشراف والكتاب والحجاب وأعيان القواد، المتصرفين تصرف الحق في البلاد، أن لا حكم عليه لأحد مدة حياته، فبينه وبين مولانا الإِمام فيما ذا عسي أن يكون من تصرفاته، ولا كلام له مع أحد من القواد ولا من العمال والولاة بوجه من الوجوه، اللهم إلا إذا كانت بينه وبين أحد من الناس دعوي شرعية فأحكام الشرع العزيز تجري على كل مسلم بمقتضاها, ولا سبيل لمؤمن موحد أن يتعداها أو يتخطاها، بهذا قضي وأمر صاحب الأمر المطاع وألزم أن يخط هذا في الدواوين والرقاع حكمًا التزمه أيده الله برورًا بخديمه المذكور، فلا سبيل لمن يتعقبه على مر الليالي والدهور، والواقف يعمل به والسلام وكتب في العشر من رمضان عام ثلاثة ومائة وألف. ومن عظيم منزلة المترجم لدى السلطان المذكور، وكمال رفعه على ألوية البرور، أن كتب له كتابا بخط يمناه أعرب له فيه، عما له من شرف المكانة لديه، مما هو فوق مناه حسبما وقفت على ذلك فتدبر تدبر الخبير، وأنقد نقد الذكي البصير، لما لهذا الإِمام العظيم الشأن من إنزال الناس منازلهم وإعطاء كل مستحق ما استحق مما هو الأولى به والأحق. وعلى نهجه وطريقه في اعتبار المترجم والتنويه بقدره، وإشادة منار فخره، نهج ولده وخليفته سيدنا الجد مولانا زيدان فقد وقفت على كتاب حافل له أصدره بتقرير ظهير والده والأمر بالوقوف عند حد أوامره المطاعة بالله بتاريخ عشري قعدة

стр. 389

الحرام، عام أربعة ومائة وألف، تركت نصه اختصارا ووقفت على تحليته في بعض العقود الحبسية بأوصاف عالية غالية. ٣٦ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بصري . حاله: فاضل محلي بالأحظي الأجل، الأنوه الفقيه النبيه الأمثل، كان بقيد الحياة في العصر الإسماعيلي حسبما يظهر من ظهير إسماعيلي منوه فيه بقدر بيتهم الفخيم بتاريخ ربيع النبوي عام اثني عشر ومائة وألف، محلي فيه المترجم بالأوصاف المذكورة وسيأتي نص الظهير في ترجمة محمَّد بن عبد الرحمن بصري خاتمة الحفاظ والقراء من حرف الميم بحول الله. ٣٧ - القاضي أبو العباس أحمد بن ناجي السجلماسي الأصل المكناسي الوفاة والإقبار . حاله: فقيه علامة محقق مشاور، معظم للعلم وذويه، ذو جاء ووجاهة، وعلو مكانة، ونفوذ كلمة عند سائر الطبقات, ولي قضاء فاس وعزل عنه وكان يتعاقبه مع القاضي أبي عبد الله بردلة، وقد كان أواخر القرن الحادي عشر تولي قضاء الرباط، وسلا، ثم قضاء فاس، ثم قضاء مكناسة. وقفت على عدة رسوم بخطاباته والتسجيل عليه محلي فيها بأوصاف عاليه. ووقع في أيام قضائه أن اليهود جاءوا إليه بنسخة رسم وأدلوا بها لديه، ينتهزون الفرصة فيه بخطابه عليه. ويتعزرون بما وصلوا منه إليه، وحين صدروا عنه ثار في أثرهم بالطلب، فأخذوا واستخرج منهم الرسم المجتلب، وانتهى الخبر لمولانا إسماعيل فنالت عقوبته جميع من بإيالته من اليهود. وأغرمهم عليه أموالا بوظيف غير معهود، ونص ما في تلك النسخة بعد البسملة والصلاة: "هذا ما عهد به مولانا محمَّد رسول الله ﷺ لموسى بن حيي بن أخطب وأهل بيت صفية زوج النبي ﷺ ، لهم أمن الله وأمن رسوله لشاهدهم

стр. 390

وغائبهم وذامهم لا يحصرون ولا يغزون، ولا يطأ أرضهم جيش، ليس عليهم نزل ولا ربط ولا كسح، وعلى من أحب رسول الله أن يؤمنهم لذمة الله وذمة رسوله، ولهم ربط العمائم وأمر على اليهود، ثم لهم بعد هذا ما افترض رسول الله ﷺ أربعة دراهم في الشهر إن كان عليهم مقدرة فمن خالف كتابنا هذا الذي كتبناه لهم، وعهدنا الذي عاهدناهم، فذمتي منه بريئة وأنا بريء منهم، وأنا خصيمهم يوم القيامة فمن خاصمني خاصمته، ومن خاصمته كان في النار وكتب على بن أبي طالب ورسول الله ﷺ "في جلد أحمر طوله ثلاثون إصبعا وعرضه عشرون وعدد أسطره عشرون. ومما فيه "شهد الله على ذلك وعتيق ابن أبي قحافة وعبد الرحمن بن عوف والأقرع بن حابس، وكتب معاوية بن أبي سفيان شهادتهم في ذي قعدة سنة تسع من الهجرة والسلام على من اتبع الهدى" وبعده مقابلات بأصولها على اختلاف الأزمنة المارة بشهادة من باشر ذلك وخطابات من أئمة أعلام باستقلالات إلى سنة اثنتين وأربعين وألف. وقد أبطل أعيان علماء الوقت هذا الرسم منهم الإِمام سيدي محمَّد بن عبد القادر الفاسي قائلا إنه مخالف لأسلوب السلف وفصاحتهم، ولنهج ذوي التوثيق من المتأخرين وصناعتهم، ومصادم للإجماع، ولما عليه العمل في سائر الأزمنة والبقاع، فإنه ﷺ أوصى بإخراج اليهود من جزيرة العرب من غير استثناء فأجلاهم الفاروق من غير تخصيص، وضربت الجزية عليهم زمن الخلفاء الراشدين كذلك، ولا يجوز اتفاقهم على تضييع حق ولا تهاونهم بتنفيذ عهد عهده رسول الله ﷺ ، خصوصا وقد أشهد عليهم الخليفتين أبا بكر وعليا ومن معهما ولاتفاق أئمة الأعصار، وعلماء الأمصار، بعدهم على عهد ذلك وعدم نقله حتى ينقله إلينا بعد ما نيف على ألف ومائة سنة اليهود، إخوان القرود، وأيضًا أحكام أهل الذمة معروفة ملحوظة، والشروط التي عليهم محفوظة منها أن لا يتشبهوا بلباس المسلمين في العمائم ونحوها، وأن يشدوا الزنانير كما ذلك مبسوط في شروط الفاروق ﵁ على نصارى الشام حين صالحهم.
следующие страницы →