مشيخته: منهم السيد عبد الكريم الجزيري أخذ عنه سند المصافحة، وهو عن سعيد قدورة، عن سعيد المقري، عن أحمد حجي، عن محمَّد الوهراني، عن إبراهيم التازي، عن صالح الزواوي، عن محمَّد الشريف الفاسي نزيل الجزيرة، عن والده عبد الرحمن وعاش أربعين ومائة سنة، عن أحمد بن عبد القادر القوصي، عن أبي العباس الملثم وهو صافح المعمر وهو صافح رسول الله ﷺ .
وله سند في المصافحة عن سيدي عبد القادر الفاسي وأجاره، وقال له: صافحتك بما صافحني به الأشياخ إلى أنس بن مالك قال: صافحني رسول الله ﷺ فلم أر خزا ولا قزا كان ألين من كف رسول الله ﷺ الحديث، فيه روايات.
قال صاحب الترجمة في كتابه "نزهة الناظر" وصافحني أيضًا سيدي محمَّد ابن ناصر الدرعي، وأجازني عن أشياخه الذين صافحوه إلى النبي ﷺ . اهـ. بنقل صاحب الأزهار النادية ومن معتمد إمام السنة، وأعظمهم عليه منة، شيخ الشريعة والحقيقة سيدي محمَّد بن ناصر الدرعي وعلى يديه فتح به.
الأخذون عنه: أخذ عنه العلامة الطيب السيد عبد القادر بن العربي بن شقرون المكناسي، وأحمد بن أبي عسرية بن أحمد بن أحمد بن يوسف الفاسي في خلق.
محنته: سجن سنة أربع ومائة وألف بحبس فاس الجديد، لوشاية بعض أقاربه به للسلطان الأعظم سيدنا الجد الأكبر مولانا إسماعيل ثم سرحه وحمله ذلك على استيطان مكناسة الزيتون فرحل إليها, ولم يزل بها إلى أن توفي بها.
وفاته: توفي ﵀ ليلة الأربعاء فاتح رجب سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ودفن قرب روضة الشيخ عبد الله بن حمد خارج باب البراذعيين، وقبره هنالك مزارة شهيرة عليه بناء لا بأس به، وله عقب ببلاد زعير يقال لهم القادريون.
стр. 387
٣٥ - أبو العباس أحمد الخضر بن أبي عبد الله محمَّد بن أبي محمد عبد القادر زغبوش المكناسي النشأة والدار .
حاله: فقيه عدل ثقة مبرز وقور، صالح فالح بار مشكور، محمود الغريزة والطبع، معدود فيمن يترقب به للمعضلات الدفع، نبيه العقل وجيه في عهد الفضل، نجدة في الفهم، عمدة فيما يلم، منظور إليه من الجلالة السلطانية الإسماعيلية بعين الإكبار، مسبول عليه من لدنها رداء الوقار والفخار، وناهيك بمن يبجله ذلك الإمام، وأعظم بمن كان له منه ذمام.
فقد وقفت على ظهير إسماعيلي يبرهن عما للمترجم من شفوف المكانة لدي سيدنا الجد المذكور ودونك نصه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمَّد وآله وسلم تسليما، من الآمر العلى الإمامي المؤيد المنصور الإسماعيلي أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، الشريف الحسني، وبداخل طابعه إسماعيل بن الشريف الحسني الله له صدر هذا الظهير الزعيم، والأمر المطاع الجسيم، وهو الذي أعلن لماسكه بالرتبة المخصوصة بالتنويه، وشيد للمعتمد على الله وعليه مباني الاجتباء والتنويه، من الاعتناء الإمامي السلطاني الإسماعيلي الشريفين أبرم الله معاقده، وأجمل من إحسانه الجميل مساعيه ومقاصده، آمين يا رب العالمين.
يستقر بحول الله وقوته بيد الأرضي الأحظي المرضي الأبر الأحفل الأنبل خديم الجناب الأسمى، والملاذ الأحمي، أبي العباس أحمد الخضر نجل الفقيه العدل أبي عبد الله محمَّد نجل الفقيه العدل أحمد بن عبد القادر دعي بزغبوش، حفيد الولي الصالح الزاهد الناسك قطب المشايخ الأعلام، وتاج الأولياء الصالحين الكرام، سيدي مغيث نفعنا الله ببركاته، وأفاض علينا وعلي بنيه من أسراره ونفحاته، اقتضى له ما يتوخي به الولاء الصريح، والصفاء الصحيح، من تكريم واضح الرسوم والإيثار، وتتميم لمواهب الاستصفاء الآمنة من الإبتار، اعتناء بقدره الذي سمت به رياسة أسلافه في أعلى المظاهر، ومتت بطرق العلم والعمل والمحبة
стр. 388
في جانب الخلافة المؤيدة بالود الباطن والظاهر، فاتخذ حفظه الله هذا الأمر الكريم راية يتناولها باليمين، لا يعتريها بحول الله ومنه الانفصام إلى يوم الدين، إنعاما عليه بالعناية والتوقير الذي لا ينسخ حكمه، ولا يبيد بحول الله وقوته على تعاقب الأيام رسمه، رعيا لما له من الخدمة والسبقية والنصيحة التي لاحت غررا في وجه الزمان البهيم، والأمور التي توسل بها أدام الله عليه نعمته في الحديث والقديم، ومن كثرة الاعتناء بشأنه والتنويه بمقدار حكمه.
وقع له أيده الله بعد صلاة الجمعة من تاريخه بمحضر العلماء الجلة وفقهاء الملة والأشراف والكتاب والحجاب وأعيان القواد، المتصرفين تصرف الحق في البلاد، أن لا حكم عليه لأحد مدة حياته، فبينه وبين مولانا الإِمام فيما ذا عسي أن يكون من تصرفاته، ولا كلام له مع أحد من القواد ولا من العمال والولاة بوجه من الوجوه، اللهم إلا إذا كانت بينه وبين أحد من الناس دعوي شرعية فأحكام الشرع العزيز تجري على كل مسلم بمقتضاها, ولا سبيل لمؤمن موحد أن يتعداها أو يتخطاها، بهذا قضي وأمر صاحب الأمر المطاع وألزم أن يخط هذا في الدواوين والرقاع حكمًا التزمه أيده الله برورًا بخديمه المذكور، فلا سبيل لمن يتعقبه على مر الليالي والدهور، والواقف يعمل به والسلام وكتب في العشر من رمضان عام ثلاثة ومائة وألف.
ومن عظيم منزلة المترجم لدى السلطان المذكور، وكمال رفعه على ألوية البرور، أن كتب له كتابا بخط يمناه أعرب له فيه، عما له من شرف المكانة لديه، مما هو فوق مناه حسبما وقفت على ذلك فتدبر تدبر الخبير، وأنقد نقد الذكي البصير، لما لهذا الإِمام العظيم الشأن من إنزال الناس منازلهم وإعطاء كل مستحق ما استحق مما هو الأولى به والأحق.
وعلى نهجه وطريقه في اعتبار المترجم والتنويه بقدره، وإشادة منار فخره، نهج ولده وخليفته سيدنا الجد مولانا زيدان فقد وقفت على كتاب حافل له أصدره بتقرير ظهير والده والأمر بالوقوف عند حد أوامره المطاعة بالله بتاريخ عشري قعدة
стр. 389
الحرام، عام أربعة ومائة وألف، تركت نصه اختصارا ووقفت على تحليته في بعض العقود الحبسية بأوصاف عالية غالية.
٣٦ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بصري .
حاله: فاضل محلي بالأحظي الأجل، الأنوه الفقيه النبيه الأمثل، كان بقيد الحياة في العصر الإسماعيلي حسبما يظهر من ظهير إسماعيلي منوه فيه بقدر بيتهم الفخيم بتاريخ ربيع النبوي عام اثني عشر ومائة وألف، محلي فيه المترجم بالأوصاف المذكورة وسيأتي نص الظهير في ترجمة محمَّد بن عبد الرحمن بصري خاتمة الحفاظ والقراء من حرف الميم بحول الله.
٣٧ - القاضي أبو العباس أحمد بن ناجي السجلماسي الأصل المكناسي الوفاة والإقبار .
حاله: فقيه علامة محقق مشاور، معظم للعلم وذويه، ذو جاء ووجاهة، وعلو مكانة، ونفوذ كلمة عند سائر الطبقات, ولي قضاء فاس وعزل عنه وكان يتعاقبه مع القاضي أبي عبد الله بردلة، وقد كان أواخر القرن الحادي عشر تولي قضاء الرباط، وسلا، ثم قضاء فاس، ثم قضاء مكناسة. وقفت على عدة رسوم بخطاباته والتسجيل عليه محلي فيها بأوصاف عاليه.
ووقع في أيام قضائه أن اليهود جاءوا إليه بنسخة رسم وأدلوا بها لديه، ينتهزون الفرصة فيه بخطابه عليه. ويتعزرون بما وصلوا منه إليه، وحين صدروا عنه ثار في أثرهم بالطلب، فأخذوا واستخرج منهم الرسم المجتلب، وانتهى الخبر لمولانا إسماعيل فنالت عقوبته جميع من بإيالته من اليهود. وأغرمهم عليه أموالا بوظيف غير معهود، ونص ما في تلك النسخة بعد البسملة والصلاة:
"هذا ما عهد به مولانا محمَّد رسول الله ﷺ لموسى بن حيي بن أخطب وأهل بيت صفية زوج النبي ﷺ ، لهم أمن الله وأمن رسوله لشاهدهم
стр. 390
وغائبهم وذامهم لا يحصرون ولا يغزون، ولا يطأ أرضهم جيش، ليس عليهم نزل ولا ربط ولا كسح، وعلى من أحب رسول الله أن يؤمنهم لذمة الله وذمة رسوله، ولهم ربط العمائم وأمر على اليهود، ثم لهم بعد هذا ما افترض رسول الله ﷺ أربعة دراهم في الشهر إن كان عليهم مقدرة فمن خالف كتابنا هذا الذي كتبناه لهم، وعهدنا الذي عاهدناهم، فذمتي منه بريئة وأنا بريء منهم، وأنا خصيمهم يوم القيامة فمن خاصمني خاصمته، ومن خاصمته كان في النار وكتب على بن أبي طالب ورسول الله ﷺ "في جلد أحمر طوله ثلاثون إصبعا وعرضه عشرون وعدد أسطره عشرون.
ومما فيه "شهد الله على ذلك وعتيق ابن أبي قحافة وعبد الرحمن بن عوف والأقرع بن حابس، وكتب معاوية بن أبي سفيان شهادتهم في ذي قعدة سنة تسع من الهجرة والسلام على من اتبع الهدى"
وبعده مقابلات بأصولها على اختلاف الأزمنة المارة بشهادة من باشر ذلك وخطابات من أئمة أعلام باستقلالات إلى سنة اثنتين وأربعين وألف.
وقد أبطل أعيان علماء الوقت هذا الرسم منهم الإِمام سيدي محمَّد بن عبد القادر الفاسي قائلا إنه مخالف لأسلوب السلف وفصاحتهم، ولنهج ذوي التوثيق من المتأخرين وصناعتهم، ومصادم للإجماع، ولما عليه العمل في سائر الأزمنة والبقاع، فإنه ﷺ أوصى بإخراج اليهود من جزيرة العرب من غير استثناء فأجلاهم الفاروق من غير تخصيص، وضربت الجزية عليهم زمن الخلفاء الراشدين كذلك، ولا يجوز اتفاقهم على تضييع حق ولا تهاونهم بتنفيذ عهد عهده رسول الله ﷺ ، خصوصا وقد أشهد عليهم الخليفتين أبا بكر وعليا ومن معهما ولاتفاق أئمة الأعصار، وعلماء الأمصار، بعدهم على عهد ذلك وعدم نقله حتى ينقله إلينا بعد ما نيف على ألف ومائة سنة اليهود، إخوان القرود، وأيضًا أحكام أهل الذمة معروفة ملحوظة، والشروط التي عليهم محفوظة منها أن لا يتشبهوا بلباس المسلمين في العمائم ونحوها، وأن يشدوا الزنانير كما ذلك مبسوط في شروط الفاروق ﵁ على نصارى الشام حين صالحهم.
стр. 391
روى ذلك ابن حبان وغيره، وعليها اعتمد سائر أئمة المذاهب الإِسلامية في أحكام أهل الذمة وأجمعوا على ذلك، نقله ابن حزم الذي إجماعاته أصح الإجماعات، وكذا نقل الماوردي الإجماع على أن يهود خيبر كغيرهم في الجزية وأيضًا تاريخ ذلك الرسم بتسع من الهجرة مخالف للمعروف من أن التاريخ بها إنما حدث في خلافة الفاروق وسائر كتبه ﷺ المنقولة في السير فإنها خالية عن التاريخ إلى غير هذا من دلائل الكذب التي احتفت بالرسم المذكور ويطول تتبعها ملخصا. اهـ. وقد عضد هذا الجواب وصححه سيدي محمَّد القسمطيني وغيره من أهل تلك الطبقة، انظر فهرسة أبي القاسم العميري ونوازل الشريف العلمي.
الأخذون عنه: منهم أبو العباس أحمد الحافي السلوي.
وفاته: مات بمكناسة الزيتون عام اثنين وعشرين ومائة وألف ودفن بضريح السيدة عائشة العدوية المتبرك بها حية وميتة
٣٨ - أبو العباس أحمد بن محمَّد العربي بن محمَّد الكَومى عرف بالغماري .
أورد ذكره أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي في مؤلفه الموسوم بالإعلام بمن مضى وغبر في القرن الحادي عشر من الأعلام.
حاله: حلاه أبو محمَّد عبد الله في كتابه المذكور بالفقيه الأصولي وقال: كان فقيها مدرسا ولي قضاء مكناسة فحمدت سيرته.
مشيخته: أخذ عن أبي عبد الله الهواري، وأبي عبد الله بن عبد الحليم وغيرهما
الآخذون عنه: منهم أبو عبد الله محمَّد المهدي الفاسي حسبما أفصح بذلك صاحب الإعلام المنقول عنه قائلا: قال خال الوالد الشيخ أبو عبد الله محمد المهدي الفاسي: قرأت على صاحب الترجمة الرسالة ومختصر خليل، فكان ينقل
стр. 392
على الرسالة شرح ابن عمر، وابن ناجي، وعلى المختصر شرح بهرام الأوسط, وشفاء العليل لابن غازي كل ذلك باللفظ هـ.
وفاته: توفي سنة ثلاث وستين وألف كما قاله في الإعلام
٣٩ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن يعقوب الوَلَّالي -بفتح الواو وتشديد اللام دفين مكناس .
حاله ونسبه: فقيه نبيه، علامة وجيه نزيه، قدوة مشارك، دراكة فهامة ناسك، أحد الأعلام علما وعملا ومتانة دين، واتباعا لسنة سيد المرسلين، كان يدرس بقصبة الحضرة السلطانية الإسماعيلية من مكناسة الزيتون، وكان يجيد التعبير عن كل ما يريد متبحرا في العلوم عقليها ونقليها محققا لها.
نسب نفسه في كتابه "مباحث الأنوار" فقال "قبيلة بني وَلاَّل هم قومنا الذين نشأ أجدادنا منهم، وأسلهم من بني عطَاء، قبيلة كبيرة معروفة بأقصى جبال ملوية، وفيهم إخوة قبيلتنا يسمون لديهم ببني ولال أيضًا، وبنو عطاء مشددا بوزن فَعّال -أصلهم من العرب كما تقرر ذلك في كتاب أنساب القبائل الموجودة بأيدي الفقراء أهل الصومعة، بل أخبرني بعضهم أن بني عَطاء أصلهم من أخص العرب وهم قريش، وكل ذلك لا بعد فيه لتبدل أحوال القبائل العربية وتنقلها من أرض إلى أرض، ومن رفع إلى خفض، فتتبدل الألسن بتبدل البلد" انتهى بنصه (١).
مشيخته: تفقه بالزاوية البكرية واتصل بالولي العارف سيدي محمَّد بن عبد الله السوسي وانتفع به، وصحب العارفين سيدي أحمد اليماني وسيدي أحمد بن عبد الله معن وتردد إليهما، وأخذ عن الإمام اليوسي الحسن بن مسعود المنطق ومنظومة الأخضري في البيان
стр. 393
الآخذون عنه: منهم أبو القاسم بن سعيد العميري، والعلامة الطبيب السيد عبد القادر بن العربي بن شقرون المكناسي، وناهيك بهما أخذ الأول عنه منظومته في علم الكلام وغيرها.
مؤلفاته: منها شرحه العجيب على مختصر المنطق للشيخ السنوسي، ومنها شرحه المعروف على منظومة الأخضري المعروفة بالسلم، وشرحه على جمل الخونجي، وشرح رسالة السيد الجرجاني، وشرح تلخيص المفتاح صدره بشرح خطبة مختصر السعد، وشرح على لامية الأفعال، وحاشية على المحلي، وشرح على روضة الأزهار للجادري في التوقيت، ومباحث الأنوار في سلسلة الأخيار.
وفاته: توفي ثاني رجب عام ثمانية وعشرين ومائة وألف ودفن بمكناسة الزيتون ﵀ وفسح له في عدنه.
٤٠ - أبو العباس أحمد بن أبي يَعْزَى الأودي قاضيها .
حاله: فقيه جليل كان متوليا خطبة القضاء بهذه الحضرة المولوية الإمامية بتاريخ ثامن شعبان عام تسعة وثلاثين ومائة وألف، وقفت على ظهير شريف، مولوي منيف، يتضمن الأمر لناظر الوقت الحاج الطيب المسطاسي بتنفيذ إعانة له على القضاء من أحباس المسجد الأعظم قدرها ثلاثون أوقية بالتاريخ المذكور.
٤١ - أبو العباس أحمد الصيقال المكناسي
حاله: قال في حقه عصريه أبو العباس أحمد المنجور لدى تعرضه لذكره في ترجمة شيخه ابن هارون من فهرسته: الشيخ المسند أحد عدول مكناسة.
٤٢ - أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمَّد الشدادي الشريف الحسني الإدريسي العمراني .
حاله: كان مفتي الأنام، وأعدل قضاة الزمان، ووحيد عصره وأوانه
стр. 394
وأفضلهم وأزكاهم، وأجلهم وأسماهم، علامة متبحرًا في الفقه والنحو والحديث والتفسير صدر المحافل، في جمع الفضائل، مرجوعا له في النوازل، محتجا بما يقوله إذا خفيت الدلائل, له نظر في الفقه لا يجارى، ولإدراكه في حقائق مشكلاته الشأو الذي لا يدرك فلا يبارى، مجالسه العلمية نزهة الأفكار، لا يقع من أهل النجابة إلا عليها الاختيار، تصدى للتدريس بفاس وغيرها من حواضر المغرب وبواديه، وأسدى من وافر تحقيقه على الطالبين ففازوا بسابغ أياديه، تولى أولًا الفتوى بمكناسة وأقام فيها مدة، ثم نقل منها إلى قضاء الجماعة بفاس الإدريسية وفاس المرينية مع الإمامة والخطابة بالقرويين، ثم أخر عن قضاء فاس خاصة، ثم عن قضاء فاس الجديد لغير ريبة، ثم بعد مدة ولي القضاء والإمامة والخطابة بزاوية زرهون إلى أن توفي.
مشيخته: أخذ عن سيدي محمَّد بن عبد القادر الفاسي، وأبي على اليوسي، وأبي عبد الله المسناوي، وأبي العباس ابن الحاج، وأبي عبد الله محمَّد العربي بردلة، وأبي عبد الله القسمطيني وغيرهم.
الآخذون عنه: جماعة منهم القاضي أبو القاسم العميري لازمه مدة إقامته بمكناسة الزيتون، ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمَّد التاودي بن سودة المري قرأ عليه المختصر من البيوع إلى الوديعة والعارية، وسمع عليه بعض التفسير من أوله إلى سورة النساء، وغيرهما من فحول أئمة العلم.
مؤلفاته: له فتاوى لم تجمع ولو جمعت لأفادت ولاة الأحكام، وغاظت متعصبة الحكام، وشرح على لامية الزقاق، وتقييد على ابن عاصم، وتقييد على -العمل الفاسي- قال في نشر المثاني: فمن تلك الأبحاث استفاد أهل عصرنا وشرحوا الأنظام التي ذكرنا فهو بسبق حائز تفضيلا.
стр. 395
قلت: المعروف له والموجود بأيدي الناس هو حاشية شرح ميارة على الزقاق ولا يعرف له شرح مستقل لها أعني الزقاقية.
وفاته: توفي على ما في "فهرسة القاضي العميري" و"الروضة المقصودة في الزاوية الزرهونية الإدريسية". قال في الروضة خامس عشر جمادى الثانية سنة ست وأربعين ومائة وألف. والذي في نشر المثاني أنه توفي بفاس ودفن خارج باب المحروق بين المدينتين، وبني أهله عليه قبة وبلغنا أن له عقبا بطنجة. انتهى.
قال شيخنا الكتاني في "سلوة الأنفاس" ويشكل عليه ما تقدم من أنه توفي بالزاوية الزرهونية إلا أن يقال بنقله بعد الموت منها إلى هذه الحضرة ودفنه بها، ويكون قوله في النشر: توفي بفاس غلطا نشأ له من عدم التحقيق لوفاته، بدليل أنه لم يعينها بسنة والله أعلم. اهـ.
قلت. ولا يعرف له قبر بالزاوية المذكورة وذلك مما يؤكد كونه مدفونا بفاس.
٤٣ - الفقيه سيدي أحمد بن عزو .
٤٤ - الفقيه سيدي أحمد الحزميري .
٤٥ - الفقيه سيدي أحمد بن سعيد السوسي .
٤٦ - الفقيه السيد أحمد بن مومو .
٤٧ - الفقيه السيد أحمد بن مسطار .
كل هؤلاء الشيوخ الأعلام الخمسة كانوا بقيد الحياة في حدود الخمسين ومائة وألف بحاضرتنا المكناسية حسبما وقفت على ذلك في زمام مرتب، العلماء الشهري وأسماؤهم مسطرة فيه بالتاريخ المذكور، ولم أقف لواحد منهم على ترجمة بعد البحث الشديد.
٤٨ - السيد أحمد بن عبد الرحمن زغبوش الفقيه النبيه العدل الرضي الثقة .
стр. 396
٤٩ - أبو العباس أحمد بن العباس النسب السيد الأتقى، الزكي الأنقى .
٥٠ - أبو العباس أحمد بن عبد القادر النسب الفقيه المعظم. المرتضى المحترم . المتقي الأصعد، الزكي الأسعد.
٥١ - أبو العباس أحمد بن الولي الصالح سيدي مغيث زغبوش القرشي الفقيه المرتضى الزكي الأحظى .
أما أحمد بن عبد الرحمن زغبوش أول الأربعة فهو من أهل النصف الثاني من القرن الثاني عشر.
وأما الثلاثة بعده ففيما بين ذلك وبين الألف فيما يظهر من ذكرهم في عمود نسب بصداق مؤرخ بأواخر رجب عام تسعة وثمانين ومائة وألف وتحليتهم فيه بما ذكر.
٥٢ - أبو العباس أحمد بن سعيد العميري .
حاله: من أعيان علماء الدولة الإسماعيلية، وحاملي لواء التدريس وبث العلم في صدور الرجال بها، وهو أحد الأعلام الذين شهدوا في عقد توثيق عرى الإخاء المصادر بين الأخوين الأكملين مولانا أحمد المدعو الذهبي وسيدنا الجد مولانا زيدان ابني الأمير الذي طار صيته في بقاع المعمور سيدنا الجد الأكبر، مولانا إسماعيل بندب والدهما لهما لذلك، وهذا العقد بعينه تحت يدي تاريخه منتصف رمضان عام سبعة وثلاثين ومائة وألف شهد فيه على إشهاد سيدنا الجد الأكبر بذلك وهو على كرسي مملكته بمكناس جمع وافر من العدول والفقهاء والقضاة منهم المترجم.
مشيخته: منهم والده، وأبو على بن رحال، ومن في طبقتهما من المعاصرين لهما.
стр. 397
الآخذون عنه: أخذ عنه العلامة أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد بن عبد الرحمن بصري المكناسي المتوفي يوم السبت خامس شعبان عام ستة وثمانين ومائة وألف كما بثبت ولده "إتحاف أهل الهداية".
وفاته: لم أقف على تاريخ وفاته بيد أنه كان بقيد الحياة سنة سبع وثلاثين ومائة وألف.
٥٣ - أحمد بن عبد الرحمن المجاصي الشهير بالمكناسي الشيخ الأستاذ المقرئ الصالح .
حاله: كان أستاذًا صالحا مقرئا فقهيا أديبا نحويا.
الآخذون عنه: أخذ عنه ابن عباد القرآن العظيم بحرف نافع، وتفقه عليه في كثير من الجمل لأبي القاسم الزجاج وفي كتاب التسهيل لابن مالك وغير ذلك ذكره مسند فاس أبو زكريا يحيى بن أحمد السراج في ترجمة ابن عباد من "فهرسته" ولم يذكر له وفاتا.
٥٤ - أبو العباس أحمد بن عبد الملك (١) البوعصامي.
حاله: مجذوب غائب غيبة اتصال من صغره ساكت لا يتكلم مع أحد إلا ما قل، وكان بعد موت أبيه تارة يكون بمكناسة التي هي مقر والده وتارة يذهب لفاس ثم في آخر عمره بنحو العامين استقر بفاس بحومة السياج منها حتى توفي هنالك.
وفاته: توفي ليلة الخميس حادي وعشري ربيع الأول عام تسعة ومائتين وألف.
стр. 398
٥٥ - الشريف أبو العباس أحمد بن على بن الحسن بن محمَّد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن على بن طاهر بن مولانا الحسن الحسني العلوي.
حاله: له معرفة بالعلوم وبالأخص الفقه والنحو نشأ بالصحراء ببلد أسلافه الكرام، ورحل لحج بيت الله الحرام، وزيارة جده عليه من ربه أزكى الصلاة والسلام، ثم ارتحل لمكناسة الزيتون واستوطنها وصاهره السلطان ببنت السلطان مولانا سليمان تعرض لذكره صاحب "الشجرة الزكية" وقال إنّه حي بمكناسة في عصر تأليفه المذكور وهو من علماء الدولة العبد الرحمانية.
٥٦ - أبو العباس أحمد بن أحمد الحَكمِي الأول الرباطي النشأة والدار المكناسي الوظيفة.
حاله: حامل لواء التحقيق في زمانه، جهينة المعقول والمنقول، المرجوع إليه في الأدب والفروع والأصول، حلو النسيب بديع الترسيل إذا نظم سحر الألباب، وإذا نشر استولى على الأرواح بخالص اللباب، بديع الإنشاء سيال القريحة بارع في الإملاء، مع شجاعة وإقدام. وتقدم في الرماية والسباحة والمسابقة، يشهد له بذلك الخاص والعام، كثير العبادة والتلاوة والتهجد بالأسحار، معمر أوقاته بالدروس العلمية مع كثرة الأذكار، والصلاة على النبي المختار، واثق بربه محسن ظنه فيه لا يهتم لنائبة ولا يضجر لها، يتلقى ما تبرزه الأقدار بقلب سليم.
رحل لفاس، وأخذ عن جلة أئمتها الأكياس، ثم رجع لبلده فأكب على التدريس، وأفادة الناس بإبراز كل نفيس، ثم أسند له قضاء العدوتين: سلا، والرباط، وذلك عام أربعة عشر ومائتين وألف ومكث في ولايته هذه نحو الخمس سنين، ثم أعفي عشية يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الثانية عام تسعة
стр. 399
عشر ومائتين وألف وولي مكانه العلامة سيدي الطيب بسير -آتي الترجمة في حرف الطاء- بحول الله ثم خوطب بالقضاء مرة ثانية فامتنع من القبول فألزمه الكبراء أن يقبل فامتنع واعتذر عن ذلك بأنه كان يفاوض في القضاء الأول الفقيهين: الغربي والمير، وقد ماتا معا رحمهما الله كذا في "تعطير البساط".
ووقفت في بعض مقيدات مؤرخ سلا السيد محمَّد بن على الدكالي الأصل السلاوي النشأة والدار نقلا عن أحد نبغاء تلاميذه السيد محمَّد بن التهامي بن عَمْرو الرباطي، أن المترجم ولي قضاء مكناس ولفظه لدى تعرضه لترجمة القاضي يسير: وقال معاصره الأديب ابن عَمْرو الرباطي إنه أخذ عن قاضي العدوتين ومكناسة الفقيه المشارك السيد أحمد الحكمِي الرباطي ﵀ وانتفع به نفعا بيناه. انتهى. من خطه وانظر إن صح ذلك هل كان قبل ولايته بالعدوتين أو بعدها أجرى ذكره العلامة أبو إسحاق التادلي في تأليفه "أغاني السقا في علم الموسيقى" وأفاد أنه كانت له مشاركة حتى في علم الأغاني والألحان ونوبات الموسيقى وذكر له فوائد علمية، في خلال. مؤلفاته الأدبية وذكره الزياني في فهرسة أبي الربيع السلطان مولانا سليمان وغيرها.
مشيخته: أخذ عن الشيخ بناني مُحَشِّي الزرقاني وأجازه عامة، وعن الشيخ محمَّد الشيظمي ومن في طبقتهما.
الآخذون عنه: منهم نجله السيد صالح والسيد الطيب يسير، والسيد محمَّد ابن عَمْرو، والسيد محمَّد بن عبد الرحمن الشرشالي، والقاضي ابن جلون وغيرهم من عيون أعيان العلماء.
شعره: من ذلك قوله يمدح العلامة أبا حفص سيدي عمر بن محمَّد المكي بن الشيخ المعطي الشرقي:
للبين ما بين أفلاذ الحشا أثر ... وللمشوق إلى نحو الحمي نظر
стр. 400
وآية الصدق في دعوى المحبة أن ... يرى المشوق وفي عبراته عبر
ومن يكن يرتجي يوما يسر به ... فوصلكم منتهي الآمال يا عمر
ومن ذلك ما رآه صديقنا ابن على السلاوي منسوبا إلى المترجم يمدح النبي ﷺ :
دعتني فتاة الحي بادية نحرا ... هلم إلى نحو السعادة في الأخرى
فلبيتها والدمع يهمي وأضلعي ... يفتتها بعد المزار بمن أحرى
فقالت وقد ماطت عن الوجه برقعا ... على حسننا إن شئت (١) ...
ألا تقدم يا أخا العشق إنني ... أنا كعبة العشاق مرضية الذكرى
فإن شئت أن تهوى جمالي فلا تعد ... بعيدي إلى ليلى ولا تذكر الزهرا
وكن خاليا عما سواي وعندما ... توفي بشرط الحسن أمنحك البشرى
ومنها في التخلص لمدح رسول الله ﷺ .
فقالت وقدَ حان الرضا وتبسمت ... عليك بمن أسرى إلى مانح الاسرى
ومن ذلك قوله في المنام حسبما رأيت ذلك بخط بلديه تلميذه العلامة السيد محمَّد بن التهامي ابن عمرو في كناشة له منها نقلت:
شم بارقا سحرا بالجو قد لاحا ... واشرب عليه من الأفراح أقداحا
وقد أمر تلميذه المذكور بالزيادة عليه فخمسه بقوله:
نفديك أهلا وأموالا وأرواحا ... يا من بسر علوم الشرع قد باحا
بشراك قدرن طير السعد إفصاحا
стр. 401
"شم بارقا سحرًا بالجو قد لاحا ... واشرب عليه من الأفراح أقداحا"
وعش بريا من الأكدار في سعة ... لدى رياض عن الأسوا ممنعة
ترى الأعادى بأشلاء ممزعة
"واهنأ بأمن مع الإقبال في دعة ... وارقب لما أثلث الأيام إصلاحا"
وقوله مخاطبا العلامة الأديب سيدي سليمان بن محمَّد الحوات وطالبا منه قراءة الخزرجية معه كما وجد ذلك بخط المطلوب منه ومن خطه نقلت:
كم ذا نعاني وفرط الشوق أفنانا ... وطالما بت أرعى النجم يقظانا
أكفكف الدمع حينا ثم أُرسله ... جمرا على الخد يصلي القلب أحيانا
ذا لوعة برماح الحب طاعنة ... أسى ولم أر مثل الحب مطعانا
وفكرة بسهام الحب راشقة ... وحيرة وزفير ليس ينسانا
ولي إذا ما أُناجي الربع عن شحط ... أنين صب يواري الحب كتمانا
تلك الديار وما شوقي لساحتها ... إلا لألقي مني قلبي سليمانا
بدر المعالي رياض الإنس لا برحت ... أخلاقه تشتهي حسنًا وإحسانا
بحر طما فصفا للفكر مشربه ... وعاد بالعلم فياضا وملآنا
يزري بنظم اللآلي نظمه وكذا ... نثاره لم يزل بالحسن فتانا
ليهن مولاي ما أولاه خالقه ... من الفتوحات ما لم يعط إنسانا
طابت بمدحك يا ابن المجد أنفسنا ... وإن نواف قبولا منك أغنانا
ومنتهى السول أن تسمح لناظمها ... ببث علم غدا للشعر ميزانا
أزكى السلام على علياك ما سجعت ... ورق تردد فوق الغصن ألحانا
وما ترنم حادي العيس ينشدها ... كم ذا نعاني وفرط الشوق أفنانا
стр. 402
وفاته: توفي بعد طلوع الفجر من يوم الثلاثاء تاسع عشر رمضان عام ستة وعشرين ومائتين وألف ورثاه ولده القاضي صالح بقصيدة مطولة لكنها دون الأولى، كما رثاه تلميذه ابن عمرو، ومطلع الأولى:
عز المصاب وسله وانهض إلى ... ما أحتاج للتأنيس والإكرام
ومطلع الثانية لابن عمرو:
كفى الرزء خطبا أن يحل عرى الصبر ... ويرخص من دمع الوري غالي التبر
٥٧ - أبو العباس أحمد العمراني الفقيه الشريف .
حاله: فقيه جليل وجيه تولى الخطابة بالمسجد الجامع الإدريسي بعد وفاة خطيبه سيدي الفاطمي بن عبد القادر، وتولى نيابة القضاء بالزاوية الإدريسية.
٥٨ - أبو العباس أحمد المكناسي .
الشيخ الصالح الشهير شيخ الغماري الذي أخذ عنه والد صاحب "أنس الفقير وعز الحقير" رواية نافع في القراءة وحدثه برجز ابن بري عن مؤلفه ووالد صاحب الأنس المذكور هو القاضي أبو العباس أحمد بن الخطيب القسمطيني.
٥٩ - مولاي أحمد بن عبد المالك العلوي .
قاضي الجماعة بالحضرتين فاس ومكناس.
حاله: له مشاركة في الفقه والتصريف واللغة والتاريخ والأدب والتوثيق والمعرفة الكاملة بصناعة الأحكام، حلاه ابن عبد السلام الناصري: بسيدنا الشريف الأجل، العلامة الأفضل، نور النبراس، سيدنا ومولانا أبي العباس، وقال في حقه تلميذه العلامة المثبت صاحب الإشراف على بعض من بفاس من مشاهير
стр. 403
الأشراف، ما لفظه: قاضي الجماعة بالحضرتين الإدريسية والمولوية شيخنا أبو العباس مولانا أحمد بن عبد المالك، له مشاركة في الفقه والتصريف واللغة مع المعرفة التامة بصناعة القضاء والوثائق واستحضار نصوص المختصر وقضايا التاريخ والأدب. انتهى.
وكان متوليا خطبة العدالة بهذه الحضرة المكناسية، ثم ولاه السلطان أبو الربيع مولانا سليمان عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف ورشحه لخطبة جامع قصبته المولوية أوائل محرم فاتح سبعة -بموحدة- وثلاثين ومائتين وألف، حسبما وقفت على تاريخ التوليتين بخط يده ومنه نقلت، وقد كان قبل ذلك من عدول مكناسة المبرزين، متصدرا للشهادة وقفت على عدة رسوم بخطه وشهادته وكثير من خطاباته والتسجيل عليه.
وكانت توليته لقضاء فاس البالي وتأخيره عن قضاء مكناس فاتح شعبان عام سبعة وثلاثين ومائتين وألف حسبما ذلك بظهير السلطان أبي الربيع مولانا سليمان الصادر لولده خليفته مولاي الحسن، ودونك لفظه بعد الحمدلة والصلاة.
"ولدنا مولاي الحسن السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنأمرك أن توجه لحضرتنا العالية بالله قاضي مكناسة ولد عمنا مولاي أحمد بن عبد المالك بمجرد وصول كتابنا هذا إليك فورا فورا ليلاً أو نَهارا مع جروان أو مجاط، ومن أتى معه من البربر فقد سامحناه وأمناه وأهل مكناسة يجتمعون ويتفقون على رجل يرضونه لأنفسهم منهم أو من غيرهم، ويولونه عليهم، وأما مولاي أحمد فقد وليناه أمر القضاء بفاس البالي، وفي ثالث شعبان عام سبع وثلاثين ومائتين وألف".
ولم يزل على خطته بفاس إلى أن بويع المولى عبد الرحمن بن هشام ثم رجع لمكناس ناجي بنفسه من أذى غوغاء أهل فاس كذا في بعض التقاييد الموثوق بصحتها.
стр. 404
مشيخته: أخذ عن عمه المولى عبد القادر بن محمَّد بن عبد المالك "شارح الهمزية" و"العاصمية" وأجاز له ابن عبد السلام الناصري في الطريقة الناصرية في رابع رمضان عام تسعة ومائتين وألف، وأخذ عن سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي، وعن غيرهم من شيوخ فاس.
الآخذون عنه: منهم المؤرخ النسابة القاضي أبو عبد الله محمد الطالب بن حمدون بن الحاج السلمي الفاسي صاحب "حواشي المرشد المعين" وغيرها من التآليف المتوفى بعد عصر يوم الجمعة سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف بفاس، وشيخ الجماعة بمكناس الحاج مبارك بن عبد الله الفيضي.
مؤلفاته: له "تأليف في تحريم السكر" ويقال: إنه كان لا يقبل شهادة من يشربه لأن ما جهل حكمه يجب التوقف عنه حتى يعلم حكم الله فيه وقد حكي الغزالي في "الإحياء" والشافعي في "رسالته" الإجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه هذا ملحظ المترجم، وإن كان التعويل على خلافه، وله أيضًا "مجموعة خطب" و "تقييد على الخطبة" التي أملاها السلطان العادل مولانا سليمان لما كان بهذه الحضرة المكناسية عام خمسة وثلاثين ومائتين وألف لما طلب منه أولاد الشيخ الكامل محمَّد بن عيسى دفين خارج باب السيبة من مكناس إقامة الموسم على المألوف عندهم حسبما وقفت، على هذا التعليق مع مجموعة الخطب بخط يده في مبيضته وسنورد الإملاء المقيد عليه بحول الله في محله.
نثره: من ذلك قوله في بعض خطبه التي أنشأها "الحمد لله الجزيل الفضل، العظيم البذل، الحكم العدل، الذي لا يسأل عما يفعل، ومن سواه عن أفعاله يسأل، نحمده تعالى على ما أولانا من النعم، ونشكره جل وعز على ما زوى عنا من النقم، ونستعينه ونستغفره من جميع الذنوب، التي أورثتنا الأحزان والكروب،
стр. 405
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده بالهدي ودين الحق أرسله، صلى الله عليه وعلى جميع الصحابة والآل، ومن لهم بإحسان قال، صلاة تقينا جميع البلايا، وتكفر عنا جميع الخطايا، من يطع الله ورسوله فقد سعد وفاز، ومن يعص الله ورسوله فما له في عرسات القيامة من مفاز ... إلخ".
ومن خطبة أخرى قال: "الحمد لله المجيب من دعاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن احتمى به حماه، ومن التجأ إليه آواه، نحمده حمدا من غير عدو لا تناه، ونشكره على ما أنعم به وأولاه، ونستعينه ونستغفره من كل ما جنيناه، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ذوي الثناء والجاه، وعلى كل منيب أواه، صلاة تملأ أرجاء العرش وما حواه، وتحول بها بيننا وبين الشر ومن نواه، من يطع الله ورسوله فيا سعداه، ومن يعص الله ورسوله فيا ويلاه، نسأله تعلى أن يجعلنا ممن لطاعته اجتباه ... إلخ ".
ومن صدر خطبة أخرى "الحمد لله الملك المعبود، المقر بوحدانيته أهل الإيمان والجحود، نحمده تعلى ونثني عليه بما أثنى عليه أحب خلقه إليه، اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ونشكره شُكرا نستوجب من فضله المزيد، ونستعينه ونستغفره من كل ذنب به الكاتب علينا شهيد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الفعال لما يريد، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الحميد المجيد. صلى الله عليه وعلى من تبعه فيما أوحي إليه صلاة نستوجب بها من الله تعالى رضاه، ويلطف بنا بها فيما قدره وقضاه، من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما، ومن يعص الله ورسوله فقد ساق إلى نفسه عذابا أليما" ... إلخ.
وفاته: مات بمكناس لعشر ليال خلت من رجب سنة ألف ومائتين وإحدى وأربعين ودفن بروضة سيدي عبد الله القصري الولي الشهير.
стр. 406
تم أرادت زوجته أن تدفن بنتها معه فوقع بينها وبين أرباب الروضة شيء فأخذته ودفنته في دارها ودفنت البنت في محله، ثم بلغ الخبر لأمير الوقت جدنا من قبل الأم المولى عبد الرحمن بن هشام فقال: القبر حبس على صاحبه وأمر برده لمحله المذكور وإخراج البنت منه، أخبر من حضر من أهل الروضة أن البنت لما أخرجت من القبر كان الناس يسدون أنوفهم من شدة النتن، وأما هو فلم يوجد له شيء من ذلك لا أولا ولا ثانيا، وجسده لم يتغير ووضع يده على الكفن فوجده كالعنكبوت. وقبره في الروضة المذكورة معروف أخبرني بذلك شيخنا العرائشي.
٦٠ - أبو العباس أحمد بن الرضي بن عثمان المكناسي .
حاله: نابغة زمانه، علامة مشارك محدث نقاد فصيح بليغ، ذو ملكة واقتدار، ناظم ناثر، محاضر محبر نحرير، وجيه نزيه، استكتبه السلطان الأعظم سيدي محمَّد ابن عبد الله في بساط ملكه وقَدَّره قَدْرَه وأسبل عليه أردية الإجلال والإكبار.
ذكره أبو القاسم الزياني في خاتمة في "يستانه" من جملة كتاب الحضرة السلطانية المحمدية ووصفه بالمشاركة، وحلاه النسابة الثبت المطلع سيدي سليمان الحوات: بالأديب البليغ الهمام فيما وقفت عليه بخط يده وذكر له أشعارا رائقة فائقة تدل على مهارة الرجل ومكانته في العلم والأدب والتفنن في أفانين البلاغة وحسن الصياغة.
وهو من جملة العلماء المحدثين الذين نقلهم السلطان المذكور لمراكش وفرقهم على مساجدها بقصد تدريس العلم بها، وبثه في صدور رجالها، والذين يحضرون مجالس دروسه الحديثية وغيرها كما في "الترجمانة الكبرى" وناهيك بمن رشحه ذلك السلطان الطائر الصيت في المشارق والمغارب المتضلع في سائر الفنون المقتدر الريان.
стр. 407
مشيخته: أخذ عن أبي حفص الفاسي المتوفي منسلخ رجب عام ثمان وثمانين ومائة وألف المدفون بزاويته بالمخفية من مدينة فاس، والشيخ أبي عبد الله محمَّد التاودي ابن سودة، وأبي عبد الله محمَّد بن الحسن بناني، المتوفي سنة أربع وتسعين ومائة وألف وغيرهم، ممن هو في طبقتهم من أعلام عصره.
شعره: من ذلك قوله مخاطبا شيخه أبا عبد الله محمَّد بن الحسن بناني:
أبدرا لاح بين الشهب بدرا ... فنارت منه نيرة الشموس
وروضا فاح مندله سحيرا ... فأحيا نشره ميت النفوس
وبحرا خاض بحر العلم حتى ... انثني بالجوهر الصدفي النفيس
بمالك من طريق الفخر شنف ... مسامعنا بمختصر السنوسي
وألبس عاري الطلاب مما ... به حشيته أسنى لبوس
وبرد غلة الصادي بأحلى ... مذاقا من معتقة الكئوس
ولا تردد يد الأبيات صفرا ... وجد بمني ولو يوم الخميس
بقيت لفك مشكل كل فن ... ففتحك في المجالس والطروس
ولا تنفك بين الناس تاجا ... أبا عبد الإله على الرءُوس
وقوله:
وأشنب أبدى الحسن فيه بدائعا ... أزاهرها تجلى على غصن القد
ترى العود إن جسته منه أنامل ... كغيداء قد تاهت فرنت من الوجد
على أنه مهما ترنم منشدا ... أراك حلول الروح في الحجر الصلد
فديتك بدرا في سما الحسن كاملا ... به بين أرباب النهي وريت زندي
стр. 408
وقوله مخاطبا بعض بطارقة الملك وخاصته، وواسطة عقد جهابذ الوزراء من دولته، على لسان بعض من لا يصل لمحتاجه من الأمير، إلا بواسطة هذا الوزير، وقد بلغ به الاحتياج الغاية، والإملاق فوق النهاية:
عماد الملك ما أعلى منارك ... وما أجرى من الجدوى بحارك
بك القلم استطال على رماح ... فلا لسن يشق له غبارك
وصرت من المكارم في مقام ... تخذت به ذرى الجوزا وجارك
فكم طوقت من در الأماني ... مخانق عاطل أضحى جوارك
وإني مزقت ثوبي الليالي ... وأودت في نوائبها تدارك
فلا زالت تخاطبك المعالي ... هلم معظما يا بن المبارك
وقوله يرثي شيخه أبا حفص الفاسي:
الدمع يروي عن فؤاد الأكمد ... بمسلسل وبمرسل وبمسند
فاجعل حديث الدمع عندك حجة ... واطرح مقالة جاهل لم يرشد
وابك العلوم أصولها وفروعها ... وابك الدروس ولا تكن كالجلمد
وابك السماحة والصباحة والفصاحة ... والبراعة واليراعة تهتدي
وابك المجادة والجلالة والمكانة ... والمهابة والنزاهة تسعد
وابك المآثر والمفاخر والعلا ... وابك المواهب والمناقب تحمد
أو ما فقدت الدين والدنيا معا ... لما فقدت حياة أفضل سيد
عظم المصاب بفقد من ساد الألى ... قد أحْرَزوا رُتَب العلا والسودد
بحر المعارف والعوارف والهدى ... كهف المريد السالك المسترشد
стр. 409
نور العلوم وتاجها وبهاؤها ... وضياؤها قطب الشيوخ الرشد
العالم العلامة الفهامة ... النسابة الأسمى الولي المهتدي
عمر أخو التحقيق والتدقيق ... والتحرير سبي العارفين الزهد
من معشر فوق السماك منارهم ... شم الأنوف من الطراز الجيد
ورث التقى والعلم ليس كلالة ... بل سيدًا عن سيد عن سيد
لله يوم فيه غابت شمسه ... يوم يشيب الطفل قبل الموعد
المسلمون جميعهم بنفوسهم ... وبمالهم يفدونه أن لو فدي
ما شاءه الرحمن كان وإن ما ... لم يقضه في خلقه لم يوجد
ياليت شعري من أرجي بعده ... أم من به أجلو ظلما قلبي الصدي
أم من يزيح جهالتي وضلالتي ... وكآبتي عند اشتباه المقصد
أم من يفرج كربتي أم من يؤ ... نس وحشتي في غربتي وتفردي
أم من يزيل تولهي وتلهفي ... وتفجعي وتوجعي وتنهدي
بخل الزمان بمثله هيهات لا ... يسخو به طول المدى والمسند
أسفا لأيام مضت في سلوة ... ومسرة أوصافها لم تنفد
ولألفة ومودة ومواصلات ... عذبة في كل وقت مسعد
ومجالس قد أشرقت أنوارها ... وتلألأت فيها وفي كم مشهد
يا جملة الإخوان صبرا إنه ... من لم يذق ما ذاقه فكأن قد
والله يسقيه سحائب رحمة ... ويتيحه الفردوس دار الخلد
وينيلنا ذاك المقر تفضلا ... معه وينعم بالنعيم السرمدي
стр. 410
فالمرء مع محبوبه هذا الذي ... يروي حديثا للنبي محمَّد
صلى عليه الله خير صلاته ... والحمد للباقي العلي الأوحد
وقوله:
شعر نظامك أم رياض الآس ... متهذب الأخلاق والأنفاس
فكأنما ألفاظه نشر الصبا ... أم كالمدامة طرسه كالكاس
لولاك ما حي القريض لثامه ... عن ثغره متبسما للناس
لازلت موفور المجادة والسنا ... طودا على من المكارم راس
وقوله مادحا مخدومه السلطان العظيم المقدار سيدي محمَّد بن عبد الله برد الله ضريحه:
غرام لا يحيط به بيان ... وشوق ليس يشرحه لسان
وقلب لا يزايله اضطراب ... عظي كيف يمسكه العنان
لحي الله المتيم لا يبالي ... بما يلقى وإن عظم الهوان
أطارحه الهوى آثار قوم ... عليها الحصر يقصر والبيان
تقروا مسلكا صعبا تساوى ... به البطل المسود والجبان
ولكن لو لناظرهم تبدى ... سنا الملك المؤيد ما استكانوا
مليك في بساط الحسن شدت ... مناطقها لخدمته الحسان
بطاعته قضوا لما رأوها ... سبيلا فيه رشدهم استبانوا
وقلبهم رأينا الشمس تعنو ... له وبذا لعمرك ما تهان
تقبل أخْمَصَيْهِ لَدَى شروق ... وإن غربت كما شهد العيان
стр. 411
بديع الحسن من لحظيك هل لي ... إذا سددت أسهمها أمان
أعارت أعينا حورا وثارت ... بصارمها يحدده سنان
فكم مثلي صريع هوى لديها ... طريحا لا يطاوعه بنان
أخدك ما أرى أم غض ورد ... وثغرك ما تنظم أم جمان
كان سناه بالآجال يقضي ... لبارق مبسميك به اقتران
تعالى الله حتى البرق يهدي ... لمكر لاَ تُمَاكِره القيان
يؤمل أن يخادعه عسى أن ... بضوء من ثناياه يعان
ولو أبدى قوامك بعض لين ... لسارع بالسجود إليه بأن
بلى في كل عضو منك معنى ... تنزه أن يكفيه لسان
وما ظني (وبعض الظن إثم) ... على الدنيا تجود بك الجنان
متى يأمن أنال البدر حسنًا ... بقرب منك يسعدني الزمان
رعاك الله من زمن تقضى ... وغصن الوصل وجه افتنان
بربع كنت آلفه رياضا ... وبعدك ما به قمري يزان
فلا صحبت رياح اليمن ركبا ... بنور سناك عن عيني ران
أما علموا بأن الدهر حق ... عليه كما يدين فتى يدان
مطايا الشوق أتبعهم كأني ... أسايرهم بذاتي حيث كانوا
لمن أشكو ضني يعتاد جسمي ... ولا أشكو إذا ناب امتحان
معاذ الله أن أسلو بشيء ... سواك ولا تنسيه دنان
فكم أودعته صدرا فسيحا ... عسى أن لا يبين له عيان
стр. 412
قسمت العمر أجزاء لعلي ... على حمل الغرام به أُعان
أرجي الوصل أحيانا وحينا ... أُشخصه فيعروني افتنان
ولو أهل الصليب رأوه يوما ... على قدر بدين هداه دانوا
وقوله مخاطبا بعض الأدباء وهو مريض:
أحبتنا حتى الحروف تحرفت ... وحتى يراع المسلم قد حارب الحيرا
فأصبح معمور الرسائل منكم ... مهامه لا تنفك موحشة قفرا
وعذبتمونا بالجفا دون زلة ... كأنا جنينا الود في دينكم وزرا
وقوله:
ذوو الذوق إذ كانوا بروضهم مكثا ... بأجمعهم قالوا فجئت به بثا
إذا موهت أقلام ذي أدب فمن ... خشونة طبع المرء يستعمل البحثا
وليس كلام الشاعرين بعمدة ... يحث على تحقيقه ذو النهي حثا
مغالطة حينا وحينا خطابة ... وحينا وحينا فهو لم يستدم مكثا
وقد عده أهل اللطافة وردة ... تشم فإن تضمم تكسبها رثا
فكن ناهقا إن لم تذق ذوقهم ولا ... تحثث علينا من فويهك الروثا
وقوله مخاطبا شيخه أبا عبد الله التاودي ابن سودة:
إن كان في العلوم روضا نضيرا ... فلقد كنت ثم لازلت مائي
أو أكن هاديا فعلمك نور ... أو أكن نَجْمًا (١) فأنت سمائي
стр. 413
وقوله:
ملئت بجهل جاهل قد جهلته ... ومن ظن فيك العلم في الناس جهلًا
وهب عندك العلم الذي أنت تدعي ... ولا خير في علم من أسفل أُدخلا
وقوله وقد أبدع:
أهذي سطور أم بحور تدفقت ... فأكسبت البحر المحيط وجوما
أهذي معان أم غوان ترقرقت ... فأطلعها ليل الحداد نجوما
فتشرق نوراً يهتدي بسنائه ... وتحرق سراق القريض رجوما
وقوله:
رويدا فما قول الوشاة يضير ... وأنت على رغم الأنوف أمير
ولا يوجب الهجران والعذر بين ... وأنت بما في الحالتين خبير
فما لك يا بدر الجمال تركتنا ... وقد نميت في جنح السقام يسير
وقوله متغزلا:
لهفي على تلك العشايا التي ... قضيتها تحت وريف الظلال
ما بين أزهار زهت بالرذا ... ذ أو بين أنهار جرت بالزلال
والورق في الأوراق راقصة ... وجامات الراح براح الغزال
قد اودعت في خده لونها ... وأثرت رقتها في الشمال
وأكسبت ألحاظه فعلها ... وطعمها المرشف عند النوال
لازلت في سكر لواحظه ... فكيف أقوي سكر بنت الدوال
وكلما رمت اقتطاف جنى ... من وجنتيه رشقتني النبال
стр. 414
فإن رجعت القَهْقَرَى لدغت ... عقارب الصدغين مني القذال
وإن أحم حول حمى ثغره ... تلسعني النحل فضاق المجال
من منقذي من أسر طلعته ... من عاذري في حب بدر الكمال
ولم أقف على تاريخ وفاته.
٦١ - أبو العباس أحمد بن على العلوي .
نزيل زَرْهُون.
حاله: فقيه معدل موقت فاضل جليل نزيه.
مشيخته: أخذ عن السلطان الأعدل مولانا سليمان كما للزياني في "جمهرة التيجان".
٦٢ - أبو العباس أحمد بن المجذوب ابن عزوز المكناسي .
قاضيها الأعدل.
حاله: فقيه جليل عالم فاضل تولى الأحكام الشرعية، بهذه الحضرة المرعية، المولوية السلطانية مدينة مكناس، وقفت على رسم مسجل عليه بتاريخ متم سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف، وغالب الظن أنه هو الذي تولى الخطة بعد المترجم قبل الذي يليه؛ لأن آخر تسجيل وقفت عليه للمتقدم في أول سنة سبع وثلاثين وأول تسجيل للمترجم متم السنة المذكورة.
٦٣ - أبو العباس الحاج أحمد بن محمَّد المعروف بالمزيان .
ابن عامل سَلاَ، والرباط القائد بناصر الصفار الفاسي الأصل المكناسي الولادة والمدفن.
حاله: فقيه بركة ذاكر معمر صالح متبرك به رحالة مشغول الوقت بالذكر
стр. 415
والعبادة، حج ثلاث حجج، الأولى عام ثلاثة عشر ومائتين وألف، ودخل مصر وبغداد، ولقي أهل الفضل واستفاد وأفاد، ورجع لمسقط رأسه وأقبل على عبادة ربه وإفادة خلقه، اعتقده عوام الناس وخواصهم وكان السلطان المولى عبد الرحمن ابن هشام يحبه ويحله ويذهب لزيارته في منزله.
مشيخته: أخذ بالمشرق عن الشيخ إبراهيم شهاب الدين العباسي الإسكندري عن الشيخ مرتضى، وبالمغرب عن سيدي العربي بن المعطي الشرقي، وسيدي محمَّد بن أحمد المنوني من ذرية سيدي على بن منون، وعن مولاي عبد الرحمن الإمام عن أبي العباس أحمد الحبيب، عن شمهروش الجني، وعن أبي محمَّد ابن عبد الله بن بوبكر عن التونسي العوني الفرجي، عن شمهروش وعن غير هؤلاء من فحول النقاد، وسراة المشايخ الأمجاد.
الآخذون عنه: منهم السلطان الأعظم مولانا عبد الرحمن بن هشام وأفاده وأجازه بقراءة ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم إلى العالمين﴾ [الآيتان ٥١، ٥٢ من سورة القلم] وقال له: انو بها إصلاح أولادك ورعيتك وانضمام ملكك وانقياد العالم لك، يذكرها دبر كل صلاة سبع مرات كما وجد ذلك بخط نجل السلطان المذكور مولاي العباس ومن خطه نقلت، ومنهم قاضي مكناسة السيد العباس ابن كيران، ومولاي المهدي بن عبد المالك، والسيد عبد الكبير بن المجذوب الفاسي دفين شالة، والشيخ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الواحد المدعو الكبير الكتاني، ومولانا العباس بن عبد الرحمن بن هشام وغيرهم.
وفاته: توفي عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف ودفن بداره بأقصى درب قبالة ضريح سيدي عبد الواحد الأشقر بالحومة المعروفة قديما بالقطانين بالبيت المقابل للمداخل بالركن الأيمن منه.
стр. 416
٦٤ - السيد أحمد بن عبد الرحمن بن محمَّد بن الطيب بصري .
المكناسي النشأة والدار، الولهاصي الأصل شيخ أشياخ شيوخنا.
حاله: بيته بيت علم وإجلال وإكبار، وحسب ومروءة ووقار، ملحوظة بعين الاعتبار، كان ذا حظ وافر من النحو والفقه، بارع الخط له همة عالية، ورهد وورع يعلم الصبيان، وتخرج على يده عدة من حملة القرآن، ومنه فشا بارع الخط بالحضرة المكناسية حتى كان يضرب بجودته المثل واستكتب آخر عمره مع بعض قواد مجاط.
وفاته: توفي في بلاد زعير بالوباء العام عام خمسة وثمانين ومائتين وألف ولم يعقب ﵀.
٦٥ - أبو العباس أحمد بن على السوسي .
العلامة المشارك النفاعة.
حاله: علامة مشارك نقاد مدرس نفاعة، أخبرني ابن حفيده شيخنا محمَّد السوسي أنه حدثه غير واحد من ذويه وقرابته أن المترجم كانت له يد طولى في علم الأوفاق وسر الحرف، وأنه رحل إلى الحج، وأن قدومه من بلاده الساقية الحمراء كان في دولة السلطان أبي الربيع مولانا سليمان، وأن السلطان المذكور هو الراغب في مقدمه عليه، وأنه وجه من طرفه من يأتيه به من مسقطٍ رأسه، ولما ورد وجد السلطان بالحضرة المكناسية فكرم مثواه وَنُزُلَه وأنزله بمدرسة الجامع الأزهر المعروف اليوم بجامع الأروى بطلب من المترجم، وأنه لما سمع بمقدمه العارف بالله مولاي عبد القادر العلمي توجه إليه بقصد زيارته على عادته ﵁ مع فضلاء وقته المشار إليهم بالخير والصلاح، فلما اجتمعا سأل كل منهما صاحبه عن اسمه ونسبه عملا بسنة خير الأنام في ذلك.
стр. 417
وأخذ سيدي عبد القادر العلمي عن المترجم سر أسماء الله الحسنى كما أخذ هو عن العارف العلمي المذكور، قال حفيد المترجم العلامة السيد المفضل بن المكي ابن أحمد المترجم: ولم أقدر أن أسأله يعني العارف العلمي عما أخذه الجد المذكور عنه أهابك إجلالا ... إلخ.
وبعدما طالت مدة إقامته طلب من الأمير المذكور أن يرده لمحله ومسقط رأسه فامتنع من ذلك كليا، وزوجه بشريفة توفيت في الحين ثم بأخرى رجراجية.
الآخذون عنه: منهم ولده العلامة المشارك السيد المكي أما وفاته فلم تحفظ.
قلت: ولا يعرف له خبر ولا أثر من غير هذه الطريق بعد البحث الشديد وقرب العهد وبقاء غير واحد ممن عاصر المولى عبد القادر العلمي وضبط من أخذ عنهم ومن أخذوا عنه ومن تدبج معهم، وأغرب من هذا وأعجب كون المترجم بهذه المثابة القعساء وما مات حتى خلف ولده من أعيان علماء وقته وعدولهم المبرزين وهو لا يضبط زمن وفاة والده ولا تعيين قبره بل ولا في أي روضة دفن.
٦٦ - الأستاذ السيد أحمد بن عبد الله بن محمَّد بن يوسف بن محمَّد الكبير ابن الشيخ محمَّد -فتحا- الناصري .
حاله: كان فقيها علامة مشاركا متفننا ذا سمت حسن، وهدى مستحسن، لسانه رطب بذكر الله.
وفاته: توفي سنة أربع وثمانين ومائتين وألف.
٦٧ - السيد أحمد بن عبد الله الناصري: المقرئ من ذرية سيدي محمَّد الصغير ابن الشيخ سيدي محمَّد .
حاله: كان أستاذا مقرئا فقيها متضلعا خيرا دينا مشاورا في علم القراءات يقصده الناس للأخذ عنه والاستفادة منه كثير التلاوة والأذكار، لم يتخلف عن
стр. 418
دروس مشايخه العلمية، إلى أن اخترمته المنية، وكان متخذا دكانا بالصباغين يجلس فيه لإفادة الناس، وكانوا ينسلون إليه من كل حدب لأخذ علم القراءة وغيره عليه، وكان مقتصرا في إقرائه على المنطوق والمفهوم وتقييد ما يحتاج للتقييد انتفع به خلق كثير من المقرئين وغيرهم.
مشيخته: أخذ القراءات عن الأستاذ الزموري، والأستاذ عياد البخاري والعلوم النقلية والعقلية عن ابن الجيلاني السقاط، وهو عمدته وعمن في طبقته من الأعلام.
٦٨ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد بن الطاهر بن محمَّد فتحا ابن أحمد الكنكسي الشهير بالجبلي .
الأغزاوي أصلًا المكناسي منشأ واستيطانا كذا قال عن نفسه.
حاله: فقيه وجيه ميقاتي ماهر له معرفة بالفقه والنحو والتوقيت والتعديل وما يرجع لذلك، وأسند إليه ذلك في غير محل حسبما صرح بذلك في عدة تقاييد له وقفت عليها بخطه، ولي التوقيت بمنار أبي عثمان سعيد بن أبي بكر المَشْنَزَائى (١) دفين خارج باب وجه عروس من مكناسة، كما ولي توقيت منار مولانا إدريس الأكبر بزاوية زرهون.
ومما وقفت عليه من فوائده صدر مؤلف له في المولد النبوي قوله:
لما أن من الله علينا وألهمنا إلى الاشتغال بجمع ما قد قيل وصنف في المولد الشريف وذلك من أفضل الأعمال، والاشتغال به من أنجح الأفعال، وقد ورد في فضله ما يفوق أوقار الجمال، وقد وجب على كل مسلم أن يعرف نسب رسول الله ﷺ ويعلمه لأهله وأولاده ويحفظه عن ظهر قلبه إن أمكنه ذلك، وإلا نظراً أو
стр. 419
كيفما أمكن، ولا يهمله إلا من لا خير فيه أو ممن حجب عن الله فكما يجب على المسلم معرفة الله بحفظ الستة والستين عقيدة فكذلك يجب عليه أن يعرف مولد رسول الله ﷺ ورضاعه وبعثه للناس وجهاده وما وقع من يوم مولده إلى يوم موته باختصار من القول، هذا لِلأُمِّى، وأما القاري فيتعين عليه البحث على ذلك والإطناب فيه فليس بعد قراءة كتاب الله شيء أفضل من قراءة شمائله وأيام مولده ورضاعه. انتهى الغرض، ومن خطه نقلت.
مشيخته: أخذ عن أبي عبد الله بن حلام إمام مسجد أبي العباس أحمد الشبلي المترجم فيما مر، والحمادي، وخميش، والشيخ أبي الفتح حمدون ابن الحاج السلمي، كذا قال عن نفسه فيما نقلته من خط يده.
مؤلفاته: منها "النفحات الوردية والمطيبات الطبيعية في تاريخ مكناسة الزيتون المولوية" لكنه لم يكمل، وقفت على الموجود منه في ورقات بكناش لبعض أصدقائي الأعلام. "وروض الورد والزهريّ مولد المصطفى خير البشر" وقفت على بعضه بخطه. وغير ذلك.
وفاته: توفي أواسط القرن الثالث عشر وقد كان حيا تاريخ ثمانية وأربعين ومائتين وألف.
٦٩ - أبو العباس أحمد بن على بن أحمد بن على بن عبد الكريم بن على: ابن طاهر بن مولانا الحسن الحسيني العلوي .
قاضي مكناسة الشريف الأصيل.
حاله: كان إماما عادلا له همة عليه، ونفس أبية، حسن السيرة صلبا في أحكامه محدثا مسنداً راوية ممتازا بين أئمة التحرير، بالإتقان والنقد بدون نكير، خطيب بليغ مصقع، رحل إلى الحج وزيارة جده خير الأنام وكان متصدرا لخطة
стр. 420
الشهادة بسماط عدول هذه العاصمة العلوية، ثم رشح لخطة القضاء، وقفت على تحليته في رسم مسجل عليه بتاريخ أربعة عشر ومائتين وألف بما لفظه:
الفقيه الأجل، العلامة الأفضل، الحافظ الحجة الأكمل, المدرس القدوة البركة الأمثل، الشريف المنيف العلوي المبجل، قاضي الجماعة بالحضرة الهاشمية الإمامية مدينة مكناسة الزيتون وهو أحمد بن على الحسني. انتهى.
وآخر مسجل عليه أيضًا بتاريخ واحد ومائتين وألف وآخر بتاريخ ستة عشر ومائتين وألف، وآخر بتاريخ ثمانية عشر ذكره في "الشجرة الزكية" وغيرها.
شعره: من ذلك قوله مرتجزا:
يا ربنا مبلغ الآمال ... ودافع الكروب والأهوال
يا ذا العطا والجود والإحسان ... يا واسع الفضل والامتنان
إنا فقيرون إلى رحماك ... وأنت أولى من حبا بذاكا
ونحن في غم شديد وحزن ... مما أصابنا بهذه الفتن
قد عمنا جزع من قد نزلا ... من الطغاة فوقنا وأسفلا
وبلغت قلوبنا الحناجرا ... كما ترى يا ربنا كن ناصرا
كادت قلوب ضعفا النساء ... تذوب مما حل من بلاء
يرق من حالتهن الحجر ... ودمعهن لؤلؤ منتثر
وبلغ السيل الزبي والوادي طم ... على قَرِيِّه وذا الخطب أدلهم
وقد علمنا أن ما حل بنا ... فإنما أصابنا من كسبنا
لكن عفوك الجميل أوسع ... والرحمة العظمى لكل تسع
فلا تؤاخذنا بذنب إِنّا ... عليك يا رب قد اعتمدنا
стр. 421
ليس لنا مال ولا من نلجأ ... إليه غيرك فأنت الملجأ
فبدلن ما نخاف أمنا ... وكف كف الظالمين عنا
وشتتن شملهم تشتيتا ... ولتكفناهم بما قد شئتا
بجاه مولانا رسول الله ... محمَّد كهف الوري الأواه
صل عليه ربنا وسلم ... وآله مع الصحاب الأنجم
والتابعين لهم بإحسان ... ومن على نهجهم من إنسان
وفاته: توفي ليلة الأربعاء ثالث ربيع النبوي عام أربعة وعشرين ومائتين وألف بالحضرة، ودفن بضريح سيدي بو كتيب برد الله ثرى الجميع بفضله آمين.
٧٠ - أبو العباس أحمد بن مبارك .
وزير السلطان الأعدل مولانا سليمان واحد مواليه الذين نشئوا في خدمته من نعومة الأظافر إلى زمن المشيب.
حاله: رجل صالح، تقي نقي فالح، لا يعرف لهوًا ولا لعبا، كان أوحد زمانه صدقا وأمانة ونصحا وإخلاصا لمخدومه، مع متانة دين ولين جانب، وتواضع للقوي والضعيف، ورفق وحنان على الضعاف والأيتام والأرامل، محافظ على الصلوات جماعة في أوقاتها لا تستفزه الدنيا بزهرتها, ولا يكبر في عينه شيء من زخرفها الفاني مقبل على شأنه قائم بأعباء مأموريته أحسن قيام، مواظب على قراءة دلائل الخيرات في سائر أوقات فراغه عالي المكانة تام النفوذ مسموع الكلمة مطاعها في سائر المملكة المغربية.
ومع ذلك خرج من الدنيا كيوم ولدته أمه قال في "الجيش العرمرم": حدثنا السلطان العادل يعني المولى سليمان وقد ذكره يعني المترجم يوما وأكثر من الثناء
стр. 422
عليه حتى قال: والله لولا أنني كفنته وجهزته ما وجد ما يكفن به فإننا وجدنا في صندوقه الذي وجدنا مفتاحه معلقا عليه ستمائة مثقال، ووجدنا زماما بخطه عليه من الدين ستمائة مثقال فقضينا ذلك الدين بتلك الدراهم فخرج من الدنيا كيوم وضعته أمه مع ما ظفر به من الشهادة. انتهى.
قال فمن سمع هذا وتحققه فليعلم أن من سبقت له السعادة لا يضره شيء، فهذا رجل قد خاض في غمرات الدنيا وقام في مقام مجموع الفتن وقرعة المظالم والسيئات التي تستفز الرجال، وتهد الجبال، ووقف مع الذين قيل إنهم دعاة على أبواب جهنم، فلم يتعلق به من تلك الأدناس شيء وأدرك الفور الذي وقف دونه أطماع السابقين فسبحان المتفضل الكريم، الواسع العلم، ومن تشوق إلى البرهان، على ما ذكرناه يقال له طلبك البرهان على مثل هذا مما لا تقول به أولو العقول والأذهان، فهل رأيت هذا الرجل شيد القصور أو غرس البساتين أو تأصل الأصول أو ادخر الذخائر أو استعد للنوائب كما يفعله من عمر دنياه.
ولم يبال بما تخرب من أخراه، عافانا الله بفضله آمين. انتهى.
وقال: ما نقلت عنه قط مظلمة ارتكبها ولا موبقة تعمدها ولا مسألة خان فيها مخدومه أو لبس عليه فيها أو مضرة كتمها عنه اتباعا ورواه أو موبقة لغيره، كان سلطانه العادل يذكر ذلك عنه ويمدحه به في كثير من المقامات وكانت وزارته ممتدة بطول ولاية سيده نحوا من ثلاثين سنة ولا أظنه فاتته صلاة في جماعة حضرًا وسفرًا ولا يفارقه دلائل الخيرات في قبة كلما وجد فسحة من الأشغال أخرجه وقرأ ما تيسر منه مع ملازمة أوراده وإقامة الرواتب المشروعة هكذا رأيناه.
وأما مباشرته للناس وملاقاة الضعفاء وذوي الحاجات والضرورات فكان أرحم وأرفق بهم من الوالدة بولدها ولا يخاطبهم إلا بالسيادة والتبجيل، وأما أن يقهر أحدا أو يسبه فإنه في البعد الأبعد عن ذلك.
стр. 423
وكان هو ووالده وإخوته مماليك لمولانا السلطان العادل ﵀ أعطاهم له والده سيدنا محمَّد ﵀ فنشأ الوزير المترجم في كفالته، وتخلق بأخلاقه من زمن الصبا إلى مماته، وكانت حياته مقرونة بسعادة السلطان العادل، فإنه من يوم قتل ﵀ انتثر نظام مملكته واختلت أسبابها فلم تزل في اضمحلال حتى انطفأ سراجها.
وكان قتله عبيد البخاري ظلما وعدوانا بعد رجوع السلطان من وقعة زيان. وكان السلطان بعد قتله يقول في كثير من الأمور: لو كان أحمد حيا ما وقع هذا ولكان هذا. انتهى الغرض. وبالجملة فترجمة الرجل طويلة الذيل، ومحامده بعيده النيل.
وفاته: توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف ضربه عبيد البخاري برصاصة بغابة حمرية ودفن يمين الخارج على باب أبي العمائر، ولا زال على قبره إلى الآن بناء كان أحدثه بعض حفدته ﵀.
٧١ - أبو العباس أحمد بن الطاهر بادو .
المكناسي النشأة والدار والوفاة.
حاله: صالح فاضل صوفي سني ناسك ذاكر متبتل منحاش لأهل الله محب في الصالحين، معتقد في أهل الفضل والدين، لا تأخذه في الله لومة لائم، كانت له وجاهة ومكانة قعساء عند سيدنا الجد السلطان أبي زيد بن هشام محمول لديه على الصدق والأمانة، يرشحه للمهمات ويفوض له في الأمور ذات البال وبالأخص فيما يرجع للأحباس.
وقفت في الحوالة الحبسية على عدة ظهائر من السلطان المذكور بالموافقة على ما وافق عليه المترجم وإمضاء ما أمضاه، وإيجاب العمل بمقتضاه، من ذلك ظهير
стр. 424
مثبت أصله بصحيفتي ٧٦ و ٧٧ من حوالة الزاوية العلمية بتاريخ ٢٢ حجة عام ١٢٨٦.
ولي ببلده خطبة الحسبة وقام بوظيفها فوق ما يطلب منه جهده وطاقته، وقفت على جواب عن مكتوب له لقاضي مكناس أبي عيسى المهدي ابن سودة بخطه حلاه فيه: بالفقيه الفاضل الصوفي بتاريخ فاتح جمادى الأولى عام سبعة وسبعين ومائتين وألف، وقد كان له جاه واحترام عند الخاصة والعامة من أهل بلده وغيرهم وينتمي نسب قبيلهم للعارف بالله أبي عبد الله محمَّد بن مبارك التستاوتي على ما في بعض العقود الحبسية القديمة.
٧٢ - أبو العباس أحمد بن عمر بن العربي بن عمر .
أصله من أولاد غدو، فرقة من صنهاجة، قدم جده الأعلى عمر المذكور من الجبل واستوطن قصبة هدراش وتولى إمامه وخطبة مسجدها، وكان معتقدا عند أهلها معظما ملحوظا بعين الإجلال والاعتبار.
حاله: كان فقيها زاهدا ناسكا ذا جد واجتهاد، وكانت، فيه دعابة، وله مكاشفات، وأحوال خارقات، ظهرت على يديه كرامات، حدثني بها غير واحد من مشايخي الجلة الذين وقعت لهم معه وشاهدوها منه المرة بعد المرة، وكان حسن الصوت مجوداً لكتاب الله حلو التلاوة. أخبرني صاحبنا الفقيه أبو العباس الناصري قاضي الأحواز المكناسية أنه حدثه أن من جملة أوراده اللازمة كل يوم ذكر ثلاثين ألفا من اسمه تعالى الحي القيوم، واسمه تعالى اللطيف أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم خمسمائة مرة وعلى رأس كل مائة يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين وربما كرر الاسم اللطيف العدد المذكور سبع أو ثمانى مرات في بعض الأيام.
стр. 425
ولادته: ولد بمكناسة ولازم ضريح الشيخ محمَّد بن عب مني شيخ الطريقة العيساوية حتى أسند إليه التقديم عليه وقام بخدمته أتم قيام وأحسنه، ثم لما تفاحشت البدع من أهل النسبة العيساوية وتكرر نهيه لهم وهم يستعيرون له أذناه صماء، وعينا عمياء، وبالأخص في تماديهم على اللحن الفاحش في حزبهم المعروف لديهم بـ "سبحان الدايم" تنازل عن ذلك التقديم ولازم داره وصار لا يخرج إلا للجمعة، وأقبل على عبادة ربه حتى أتاه اليقين، وكان يشار إليه بالمهارة الكاملة في علم الأسماء والأوفاق واستخدام الجان تقصده الزوار من الجهات القريبة والبعيدة.
مشيخته: أخذ الكتاب العزيز عن الفقيه البوسدراوي، والشريف سيدي محمَّد ابن إدريس البوعناني، والفقه عن العلامة الشيخ الحاج مبارك الفيلالي، وحصل ما قسم له من المعلومات وأخذ الطريقة العيساوية عمن تصدر لتلقينها إذ ذاك من مشاهير مقدميها.
الآخذون عنه: أخذ عنه ابن عمنا العلامة النقاد، المتأني الذي له كل صعب انقاد، سيدي محمَّد بن أحمد العلوي قاضيْ زَرْهُون سابقا قراءة آية الكرسي عند النوم إحدى عشرة مرة حسبما أخبرني بذلك مشافهة ومكاتبة، وشيخنا العلامة المشارك المطلع أبو العباس أحمد بن المأمون البلغيثي قاضي مكناسة الحالي أخذ عنه الصلاة المشهورة وهي: اللهم صل على سيدنا محمَّد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وصحبه وسلم حسبما شافهني بذلك وبما وقع له معه من المكاشفات مرارا، وحدثني عنه أنه نعي له نفسه وذلك أنه ودعه ذات يوم عام ١٣٠٩ فأنشده المترجم:
يا مزمعا بالرحيل عنا ... كان لك الله خير واق
أسعدك الله في ارتحالك ... أمنك الله في المهالك