← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ليس لنا مال ولا من نلجأ ... إليه غيرك فأنت الملجأ فبدلن ما نخاف أمنا ... وكف كف الظالمين عنا وشتتن شملهم تشتيتا ... ولتكفناهم بما قد شئتا بجاه مولانا رسول الله ... محمَّد كهف الوري الأواه صل عليه ربنا وسلم ... وآله مع الصحاب الأنجم والتابعين لهم بإحسان ... ومن على نهجهم من إنسان وفاته: توفي ليلة الأربعاء ثالث ربيع النبوي عام أربعة وعشرين ومائتين وألف بالحضرة، ودفن بضريح سيدي بو كتيب برد الله ثرى الجميع بفضله آمين. ٧٠ - أبو العباس أحمد بن مبارك . وزير السلطان الأعدل مولانا سليمان واحد مواليه الذين نشئوا في خدمته من نعومة الأظافر إلى زمن المشيب. حاله: رجل صالح، تقي نقي فالح، لا يعرف لهوًا ولا لعبا، كان أوحد زمانه صدقا وأمانة ونصحا وإخلاصا لمخدومه، مع متانة دين ولين جانب، وتواضع للقوي والضعيف، ورفق وحنان على الضعاف والأيتام والأرامل، محافظ على الصلوات جماعة في أوقاتها لا تستفزه الدنيا بزهرتها, ولا يكبر في عينه شيء من زخرفها الفاني مقبل على شأنه قائم بأعباء مأموريته أحسن قيام، مواظب على قراءة دلائل الخيرات في سائر أوقات فراغه عالي المكانة تام النفوذ مسموع الكلمة مطاعها في سائر المملكة المغربية. ومع ذلك خرج من الدنيا كيوم ولدته أمه قال في "الجيش العرمرم": حدثنا السلطان العادل يعني المولى سليمان وقد ذكره يعني المترجم يوما وأكثر من الثناء

стр. 422

عليه حتى قال: والله لولا أنني كفنته وجهزته ما وجد ما يكفن به فإننا وجدنا في صندوقه الذي وجدنا مفتاحه معلقا عليه ستمائة مثقال، ووجدنا زماما بخطه عليه من الدين ستمائة مثقال فقضينا ذلك الدين بتلك الدراهم فخرج من الدنيا كيوم وضعته أمه مع ما ظفر به من الشهادة. انتهى. قال فمن سمع هذا وتحققه فليعلم أن من سبقت له السعادة لا يضره شيء، فهذا رجل قد خاض في غمرات الدنيا وقام في مقام مجموع الفتن وقرعة المظالم والسيئات التي تستفز الرجال، وتهد الجبال، ووقف مع الذين قيل إنهم دعاة على أبواب جهنم، فلم يتعلق به من تلك الأدناس شيء وأدرك الفور الذي وقف دونه أطماع السابقين فسبحان المتفضل الكريم، الواسع العلم، ومن تشوق إلى البرهان، على ما ذكرناه يقال له طلبك البرهان على مثل هذا مما لا تقول به أولو العقول والأذهان، فهل رأيت هذا الرجل شيد القصور أو غرس البساتين أو تأصل الأصول أو ادخر الذخائر أو استعد للنوائب كما يفعله من عمر دنياه. ولم يبال بما تخرب من أخراه، عافانا الله بفضله آمين. انتهى. وقال: ما نقلت عنه قط مظلمة ارتكبها ولا موبقة تعمدها ولا مسألة خان فيها مخدومه أو لبس عليه فيها أو مضرة كتمها عنه اتباعا ورواه أو موبقة لغيره، كان سلطانه العادل يذكر ذلك عنه ويمدحه به في كثير من المقامات وكانت وزارته ممتدة بطول ولاية سيده نحوا من ثلاثين سنة ولا أظنه فاتته صلاة في جماعة حضرًا وسفرًا ولا يفارقه دلائل الخيرات في قبة كلما وجد فسحة من الأشغال أخرجه وقرأ ما تيسر منه مع ملازمة أوراده وإقامة الرواتب المشروعة هكذا رأيناه. وأما مباشرته للناس وملاقاة الضعفاء وذوي الحاجات والضرورات فكان أرحم وأرفق بهم من الوالدة بولدها ولا يخاطبهم إلا بالسيادة والتبجيل، وأما أن يقهر أحدا أو يسبه فإنه في البعد الأبعد عن ذلك.

стр. 423

وكان هو ووالده وإخوته مماليك لمولانا السلطان العادل ﵀ أعطاهم له والده سيدنا محمَّد ﵀ فنشأ الوزير المترجم في كفالته، وتخلق بأخلاقه من زمن الصبا إلى مماته، وكانت حياته مقرونة بسعادة السلطان العادل، فإنه من يوم قتل ﵀ انتثر نظام مملكته واختلت أسبابها فلم تزل في اضمحلال حتى انطفأ سراجها. وكان قتله عبيد البخاري ظلما وعدوانا بعد رجوع السلطان من وقعة زيان. وكان السلطان بعد قتله يقول في كثير من الأمور: لو كان أحمد حيا ما وقع هذا ولكان هذا. انتهى الغرض. وبالجملة فترجمة الرجل طويلة الذيل، ومحامده بعيده النيل. وفاته: توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف ضربه عبيد البخاري برصاصة بغابة حمرية ودفن يمين الخارج على باب أبي العمائر، ولا زال على قبره إلى الآن بناء كان أحدثه بعض حفدته ﵀. ٧١ - أبو العباس أحمد بن الطاهر بادو . المكناسي النشأة والدار والوفاة. حاله: صالح فاضل صوفي سني ناسك ذاكر متبتل منحاش لأهل الله محب في الصالحين، معتقد في أهل الفضل والدين، لا تأخذه في الله لومة لائم، كانت له وجاهة ومكانة قعساء عند سيدنا الجد السلطان أبي زيد بن هشام محمول لديه على الصدق والأمانة، يرشحه للمهمات ويفوض له في الأمور ذات البال وبالأخص فيما يرجع للأحباس. وقفت في الحوالة الحبسية على عدة ظهائر من السلطان المذكور بالموافقة على ما وافق عليه المترجم وإمضاء ما أمضاه، وإيجاب العمل بمقتضاه، من ذلك ظهير

стр. 424

مثبت أصله بصحيفتي ٧٦ و ٧٧ من حوالة الزاوية العلمية بتاريخ ٢٢ حجة عام ١٢٨٦. ولي ببلده خطبة الحسبة وقام بوظيفها فوق ما يطلب منه جهده وطاقته، وقفت على جواب عن مكتوب له لقاضي مكناس أبي عيسى المهدي ابن سودة بخطه حلاه فيه: بالفقيه الفاضل الصوفي بتاريخ فاتح جمادى الأولى عام سبعة وسبعين ومائتين وألف، وقد كان له جاه واحترام عند الخاصة والعامة من أهل بلده وغيرهم وينتمي نسب قبيلهم للعارف بالله أبي عبد الله محمَّد بن مبارك التستاوتي على ما في بعض العقود الحبسية القديمة. ٧٢ - أبو العباس أحمد بن عمر بن العربي بن عمر . أصله من أولاد غدو، فرقة من صنهاجة، قدم جده الأعلى عمر المذكور من الجبل واستوطن قصبة هدراش وتولى إمامه وخطبة مسجدها، وكان معتقدا عند أهلها معظما ملحوظا بعين الإجلال والاعتبار. حاله: كان فقيها زاهدا ناسكا ذا جد واجتهاد، وكانت، فيه دعابة، وله مكاشفات، وأحوال خارقات، ظهرت على يديه كرامات، حدثني بها غير واحد من مشايخي الجلة الذين وقعت لهم معه وشاهدوها منه المرة بعد المرة، وكان حسن الصوت مجوداً لكتاب الله حلو التلاوة. أخبرني صاحبنا الفقيه أبو العباس الناصري قاضي الأحواز المكناسية أنه حدثه أن من جملة أوراده اللازمة كل يوم ذكر ثلاثين ألفا من اسمه تعالى الحي القيوم، واسمه تعالى اللطيف أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم خمسمائة مرة وعلى رأس كل مائة يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين وربما كرر الاسم اللطيف العدد المذكور سبع أو ثمانى مرات في بعض الأيام.

стр. 425

ولادته: ولد بمكناسة ولازم ضريح الشيخ محمَّد بن عب مني شيخ الطريقة العيساوية حتى أسند إليه التقديم عليه وقام بخدمته أتم قيام وأحسنه، ثم لما تفاحشت البدع من أهل النسبة العيساوية وتكرر نهيه لهم وهم يستعيرون له أذناه صماء، وعينا عمياء، وبالأخص في تماديهم على اللحن الفاحش في حزبهم المعروف لديهم بـ "سبحان الدايم" تنازل عن ذلك التقديم ولازم داره وصار لا يخرج إلا للجمعة، وأقبل على عبادة ربه حتى أتاه اليقين، وكان يشار إليه بالمهارة الكاملة في علم الأسماء والأوفاق واستخدام الجان تقصده الزوار من الجهات القريبة والبعيدة. مشيخته: أخذ الكتاب العزيز عن الفقيه البوسدراوي، والشريف سيدي محمَّد ابن إدريس البوعناني، والفقه عن العلامة الشيخ الحاج مبارك الفيلالي، وحصل ما قسم له من المعلومات وأخذ الطريقة العيساوية عمن تصدر لتلقينها إذ ذاك من مشاهير مقدميها. الآخذون عنه: أخذ عنه ابن عمنا العلامة النقاد، المتأني الذي له كل صعب انقاد، سيدي محمَّد بن أحمد العلوي قاضيْ زَرْهُون سابقا قراءة آية الكرسي عند النوم إحدى عشرة مرة حسبما أخبرني بذلك مشافهة ومكاتبة، وشيخنا العلامة المشارك المطلع أبو العباس أحمد بن المأمون البلغيثي قاضي مكناسة الحالي أخذ عنه الصلاة المشهورة وهي: اللهم صل على سيدنا محمَّد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وصحبه وسلم حسبما شافهني بذلك وبما وقع له معه من المكاشفات مرارا، وحدثني عنه أنه نعي له نفسه وذلك أنه ودعه ذات يوم عام ١٣٠٩ فأنشده المترجم: يا مزمعا بالرحيل عنا ... كان لك الله خير واق أسعدك الله في ارتحالك ... أمنك الله في المهالك

стр. 426

فائدة: من خط بعض العلماء ما صورته: وحكي عن بعض التابعين أنه كان إذا ودع مسافرا أنشده هذين البيتين. انتهى. وقال بعض العلماء هذان البيتان ما أُنشدا قط على أحد يريد سفرًا إلا رأى في سفره نجاحا. انتهى. وحدثني شيخنا البلغيثي أيضًا أنه زار هو وشريف من سكان فاس المترجم يوما من الأيام، وكان ذلك الشريف من خاصة أصحاب البركة الأشهر سيدي محمَّد الغياثي وبمجرد ما وقع بصر المترجم عليه سأله عن حال شيخه الغياثي قائلا في سؤاله له هل لازال سيدي محمَّد الغياثي منفردا في داره لا يقبل دخول أحد عليه فيها؟ فأجابه بنعم وَلَوْ هِرَّة، فقال المترجم: الله الله يهديه أنا والله لا أحب إلا أن تكون الخودات معي واحدة تعضني وواحدة تنشدني وقلبي مع الله، ثم اتفق اجتماع شيخنا البلغيثي بعد ذلك بمدة مع الغياثي فجرى ذكر المترجم فأثنى الغياثي خيرا، ثم سأله شيخنا المذكور هل له به معرفة؟ فقال: أعرفه في عالم الأرواح. وفاته: توفي في الساعة الحادية عشرة من صبيحة يوم الاثنين فاتح جمادى الثانية عام أحد عشر وثلاثمائة وألف ودفن بزاوية المولى التهامي بالبيت المقابل للداخل بإزاء قبر الشريف المتبرك به حيا وميتا سيدي محمَّد العربي الوراني ﵁. ٧٣ - الوزير الأعظم أحمد بن موسى بن أحمد بن مبارك . الوزير ابن الوزير ابن الوزير. ولادته: ولد سنة سبع وخمسين ومائتين وألف. مشيخته: أخذ عن السيد فضول السوسي، والحاج محمَّد جنون وغيرهما

стр. 427

من فحول أهل العلم بفاس ومكناس وغيرهما من البلاد، وكان جل أخذه على طريق المذاكرة والمباحثة. حاله: كان شعلة ذكاء ونباهة فقيها حازما ضابطا عفيف الأزار، طاهر الذيل، سياسيا آية في الدهاء وحسن التدبير كثير الصمت، محافظا على الطهارة والصلاة في أوقاتها مع الجماعة، صلبا في دينه، كثير الأذكار، حريصا على التعرف بالأخيار، طلق الوجه ظاهر البشر متواضعا بشوشا، ذا مكايد وحيل، مستبدا بالأمور، لا يشاور إلا فيما تتوقف الأنظار فيه على الأخذ برأْي غيره ذا حزم وعزم وثبات، مَجَالِسُه لا تخلو من العلماء ومذاكرتهم. حجابته: تولي الحجابة عن الخليفة السلطاني بفاس المولى إسماعيل أخ السلطان المولى الحسن، ثم الحجابة لدى الجلالة الملوكية الحسنية، وفيها تدرب على الخدمة الملوكية وحنكته التجاريب وعلم من أين تُؤكل الكتف. إسقاطه وزارة الجامعيين وسبب ذلك: ثم صار وزيراً صدرًا في الدولة العزيزية وفيها علا كعبه وارتفع صيته، وأوقع بأعدائه أولاد الجامعي واستنزلهم من وظائفهم، وذلك بعد أن قاسى أهو إلا وشدائد قيد حياة مخدومه الأعظم السلطان مولانا الحسن، كان اتهمهما بأنهما اللذان سعيا في إفساد ذات البين بينه وبين السلطان المذكور حتى انحرف عنه، وهمّ بالإيقاع به لولا أن المنية حالت بينه وبين ذلك والواقع خلاف ذلك كله. وحقيقة الأمر أن السلطان مولاي الحسن لما ولى الحاج المعطي منصب الوزارة العظمى أنف المترجم من ذلك، إذ كان يرى أنه ليس بكفء لذلك المنصب وقد تحقق السلطان باستياء المترجم وإطلاقه لسانه بالطعن والتنقيص، وأنه قال: إن هذا الرجل فقد عقله يعني السلطان فأسرها في نفسه ولم يبدها له، وصار يحض الحاج

стр. 428

المعطي ويوصيه بمخالفة المترجم والغض منه والتضييق به وعدم المبالاة فأظهر له من الغلظة والجفاء امتثالا لما أمر به ما زاده حنقا، وأخذ لنفسه بالأحوط، فكان كما ازداد الوزير غلظة وجفاء للمترجم زاد في إظهار اللين وخفض الجناح والخضوع والانحياش له ولأخيه السيد محمَّد الصغير وزير الحربية وهو يتربص بهم الدوائر وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن زمام الأمر بيدهما وأن الجو خلا لهما حتى صمم السيد محمَّد الصغير المذكور على القبض عليه بالرباط فمنعه من ذلك أخوه الصدر الحاج المعطي، وقال لا يسمع علينا أننا عقب موت السلطان فتحنا باب الشهوات والتوصل إلى الأغراض الشخصية، على أنه لا شيء بيننا وبين هذا الرجل والسلطان الذي كان يأمرنا بمضادته وعدم اعتباره قد لبى داعي مولاه. هذا والمترجم يدبر لهما الحيل ونصب شبك المكايد القاضية عليهما بالقاضية، فنسب لهما الخوض فيما لا تحمده عقباه. من ذلك أنه لما لبي السلطان مولانا الحسن داعي مولاه وبويع لولده المولى عبد العزيز بالمحل المعروف بالبروج من قبيلة بني مسكين استبد بالرأي دونهم، وصار يتداخل فيما هو خارج عن خطته اعتمادا على ما يعلمه من اختصاصه بالسلطان المولى عبد العزيز وتيقنه بعدم خروجه عن أمره، وأنه لا يركن لأحد سواه، وكان يعلم ذلك كل من له أدنى مسكة من بقية الوزراء، ولذلك تسارعوا لمحالفته، وتعاهدوا على تعزيزه ونصرته، والتزم هو لهم ببقاء كل واحد منهم بمحله وعلى وظيفه ما عدا الحاج المعطي الصدر ومحمَّد الصغير وزير الحربية، فإنهما كانا على خط مستقيم في مخالفته ومضادته، فأشاع عليهما أنهما يرغبان الناس في نقض بيعة السلطان المولى عبد العزيز المذكور وهما في سكرتهم يعمهون، لا يعلمان أن المترجم لهما بالمرصاد يترقب انتهار الفرصة في المكر بهما ولا يصده عن ذلك إذ ذاك إلا خوف انتشار الفتنة لقوة حزبهما من جيش شراكة وأولاد جامع والقوة الحربية كلها تحت سيطرتهما.

стр. 429

ولما فشا ما رماهما به من خلع السلطان استفتى العلماء في شأنهما وقرر لهم أن مرادهما شق العصار وافتراق كلمة الجماعة، فأفتى البعض بالقتل والبعض بالتخليد في السجن وأسر ذلك في نفسه ولم يبده لهما ورأى أنه لا يتم له مراده فيهما إلا بعد حلول السلطان عاصمة سلفه المكناسية. ولما نهض السلطان من الرباط صمم أولاد الجامعي على التوجه لفاس وقالا: إنها قاعدة المغرب، وصمم المترجم على التوجه لمكناس، وقال: إن العادة قاضية بالمرور بها لكونها دار الملك ومقر الجيوش ووسيلة لزيارة مولانا إدريس الأكبر، فجنح السلطان لما صمم عليه صاحب الترجمة وزيف قول غيره. ثم لما حل السلطان بعاصمة سلفه المكناسية، دخل عليه وهو على أريكة ملكه الوزير الصدر الحاج المعطي المذكور بصكوك الأوامر السلطانية على عادة الوزراء في تقديم المكاتب للتوقيع عليها، فأمره السلطان بدفعها للمترجم فامتنع وأبى، وطلب الأمير بالتمشي معه على العرف المألوف الذي كان يتمشى معه عليه والده السلطان المقدس، فقال السلطان مجيبا له: افعل ما آمرك به فغضب وترك الصكوك مطروحة بإزائه وخرج، فعند ذلك تم للمترجم ما أراد فأمر الأمير قائد مشوره وهو إذ ذاك إدريس بن العلام البخاري بأن يأمر الوزير الجامعي بالانسلاخ عن كل ما يرجع لوظيفه ولزوم داره هو وأخوه، وذلك أمر دُبِّر بليْلٍ. وكان من جملة ما خاطبهم به رئيس المشور المذكور، على لسان السلطان المنصور، قوله: لقد طغيتم في البلاد وكَفَرْتم نِعَمَ ما أسْدَاه لكم مولانا المقدس من النعم، وارتكبتم بدل المجازاة بالإحسان العقوق، وقد بلغ سيدنا أيده الله ما صممتم عليه من شق عصا الطاعة وإيقاد نار الفتن، ولولا رعاية محبة سيدنا المقدس فيكم وقرابتكم منه لأذاقكم سيدنا شديد النكال وأليم العذاب، قوما اذهبا لحال سبيلكما، فلم يسعهما إلا الانصراف ولزوم محلهما، واتفق أن كان يوم طردهما عن شريف الأعتاب يوم الثلاثاء.

стр. 430

[صورة] السلطان السابق مولانا عبد العزيز

стр. 431

[صورة] بيعة أهل فاس للسلطان مولاي عبد العزيز

стр. 432

ثم بعد ذلك أمر باشا مكناس حم بن الجيلاني بن حم البخاري به بإلقاء القبض عليهما، وذلك صبيحة يوم الجمعة ثم على صهرهما العربي الزبدي واستئصال أموالهما وأثاثهما، وبيعت تركتهما في العواصم المغربية، وبعد إلقاء القبض عليهم بذل المترجم العطاء للوفود وأسدى للضعفاء والمساكين بكل ناحية ولا سيما مكناسة وفاس ووجه بالمقبوضين مقيدين لسجن ثغر تطاوين، إلَّا الأخير فنقل لآسفي سجينا. وبسجن تطاوين مات الحاج المعطي وكانت مدة اعتقاله ثلاثة وثلاثين شهرا، ومن عجيب الاتفاق أن مدة وزارته كانت كذلك ثلاثة وثلاثين شهرا. وبقي به أخوه محمَّد الصغير إلى أن سرح أواخر الدولة العزيزية، ونقل لطنجة وبقي في حكم الثقاف بها في أتعس عيش، إلى أن اخترمته المنية. وأما الزبدي فقد سرح بعد وفاة المترجم بأيام قلائل ولحق بالسلطان المولي عبد العزيز بمراكش، فكرم وفادته ورده لوظيفه السابق، وأنزله بعرصة مولا يعلي الشهيرة بحومة الكتبية ولم يزل على وظيفه إلى أن بارح السلطان مراكش ووجهته محروسة فاس، وذلك في شعبان عام تسعة عشر وثلاثمائة وألف فكلف بإتمام حساب ما بيع من متخلف المترجم وحساب بناءاته التي كان السيد محمَّد بن عبد الهادي زنيبر مكلفا بها وتصفية ذلك أمر كله، فلم يزل في مأموريته هذه إلى متم عام ١٣٢٠، فأصدر له الأمر السلطاني بالقدوم لفاس، ولما لحق بالجلالة طلب الخدمة بوطنه رباط الفتح فأسعفت رغبته وعين أمينا على الديوانة والمستفاد وخليفة مستقلا عن عامل الثغر الرباطي، وبقي على وظائفه المذكورة إلى أن حل الركاب السلطاني بالثغر المذكور عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف، فأمر عندئذ بالطلوع لمحل خدمته بالبساط الملوكي، وأُقر زيادة على ذلك على أمانة المستفاد وأُذن له في جعل ولده نائبا عنه.

стр. 433

ولما جاءت الدولة الحفيظية عينته لوظيف الحسبة ببلده الرباط والخلافة الباشوية وأمانة الديوانة بها، ثم أعفي في عام ١٣٣١، ثم عين للأمانة بديوانة آسفي عام ١٣٣٢. ثم طلب الانتقال فنقل لديوانة القنيطرة إلى سنة ١٣٤٢، ولم يزل على وظيفه هذا إلى أن لقي ربه عام ستة وأربعين. وزارته وصدارته العظمى: هذا وبالقبض على أولاد الجامعي استقام أمر الملك لصاحب الترجمة وصفا له الجو وطأطأت له الرءوس ولم يبق له منازع في الوزارة العظمى، واستبد بأمر الملك كله وجعل أخاه السعيد وزيرا للحربية وأخاه إدريس حاجا, ولم يترك معه وزيرا أجنبيا إلا الفقيه السيد محمَّد المفضل غريط كان أبقاه على وزارة الخارجية، وأبا الحسن على المسفيوي أبقاه على وظيفه وزارة المظالم, وقد كان يجامله ويحترمه. ولم يزل على وظيفه إلى أن لبى داعي مولاه، وإلا صديقه الحميم المخلص السيد عبد السلام بن محمَّد التازي الرباطي فإنه بقي في وظيفه أمانة الأمناء (وزارة المالية) كما كان قلده مولاي الحسن إياه بفاس في رمضان عام ١٣٠٧ إثر وفاة أخيه السيد محمَّد التازي الرباطي الشهير المترجم في الاستقصا [٤: ٢٥٦] , وقد كان المترجم يركن له ركونا خاصا مشهورا سيما في الخارجية إلى وفاة المترجم التي صادفته مريضا بمراكش فاستعفى بعده. وذهب للحج وأكرمه السلطان وأعانه على رحلته الحجازية، ثم ألقى عصا تسياره بالرباط إلى أن استدعاه السلطان مولاي عبد العزيز إلى فاس في العشرة الأخيرة من جمادى الأولى سنة ١٣٢٢ وقلده أمر النيابة بطنجة عوض النائب

стр. 434

[صورة] وزير خارجية الدولة الحسنية والصدر الأعظم سابقا السيد محمَّد المفضل بن محمَّد غريط

стр. 435

الحاج محمَّد الطريس، على أن خليفته قائد سلا الشهير السيد عبد الله بن سعيد ورجع للرباط لتهيئة الأسباب ومعه المكاتب السلطانية لعمال المغرب وولاته باعتماد أوامره في مأموريته، فدخله يوم الأحد ٢٧ شعبان عامه في يوم مشهود، وجمع محشود، حيته فيه أبراج العدوتين وحُصُونهما بالمدافع الرسمية. ثم توالت الأحداث التي اقتضت تأخير ذاك وتتابعت تترى، فاستدعي السيد عبد الله ابن سعيد المذكور إلى طنجة آخر رمضان منه، وصعدت السفارة الفرنسية لفاس في شوال منه ثم استدعيت وفود مدن المغرب ومراسيه إلى فاس أواخر القعدة منه للمذاكرة في مطالب السفارة، ثم قدم غليوم إمبراطور الألمان إلى طنجة يوم الجمعة ٢٤ محرم ١٣٢٣ لمعاضدة السلطان ومعارضة السفارة الفرنسية، فقابله ابن سعيد المذكور إذ كان الطريس بفاس، ثم عقد المؤتمر الدولي بالجزيرة الخضراء في شوال منه ورئيس الوفد المغربي الطريس، وما يتبع ذلك من الحوادث فبقي التازي المذكور بالرباط إلى أن لقي ربه ليلة الخميس ٢٧ صفر عام ١٣٢٥ محمود المساعي مشكور الأعمال "والذكر للإنسان عمر ثاني". ولما نهض السلطان من مكناس لفاس أعفى الوزير غريط وولى مكانه عبد الكريم بن سليمان وكان كغيره لا يقطع أمرًا دونه قلّ أو جل، وأضاف عمالة فاس لإدريس بن العلام قائد المشور السلطاني، حيث إنه كان عونا له على الإيقاع بأولاد الجامعي زيادة على وظيفة. بعثة السفارة لأسبانيا وما حصل لها: وفي تاسع عشري رجب عام ١٣١٢ موافق ٢٦ يناير سنة ١٨٩٥ وجه الوجيه الحاج عبد الكريم بن محمَّد المدعور بريشة التطواني سفيرًا لدولة الإسبان لإدخال إصلاحات وتعديلات على الوفق الممضي بمراكش بين جلالة السلطان المقدس مولانا الحسن والجنرال (مرطنيس كبو) النائب عن دولته المذكورة فيما يتعلق

стр. 436

[صورة] سفارة الحاج عبد الكريم بريشة وابن سليمان لدى دولة اصبانيا

стр. 437

بحرب مليلية، وعزره بالسيد عبد الكريم بن سليمان، ولما وصلا لمدريد اقتبلتهما الدوائر الرسمية أحسن مقابلة وأكرمت وفادتهما واعتنت بشأنهما غاية الاعتناء رغما عن كون الشعب ينظر لهم شزرا، وأفكاره لا ترضى بمطالبهم. ولما حل وقت الملاقاة الرسمية مع الملكة وخرج السفير من محل نزوله للركوب في العربة المعدة له بقصد ما ذكر، اعترضه رجل إسباني بلباس مدني ولطمه على جيده على حين غفلة لطمة كانت تذهب ببصره فرجع السفير من طريقه وامتنع من الملاقاة مع الملكة التي كانت في انتظاره، ووقع القبض على المتعدي وبعد البحث عنه ألفي جنرالا متقاعدًا مختل العقل اسمه (يكل فونتينس) وفي الحين حكم عليه من المحكمة ببقائه طول حياته محجرا في المارستان. ثم قدم على السفير كثير من المستعطفين ما بين وزراء وكبراء وألح عليه في الاستعطاف غاية طبيب السلطان المقدس مولانا الحسن (روبيلو) والترجمان بسفارة إسبانيا بطنجة (منويل سيبدرا) واعتذروا له وأظهروا تحسرهم على ذلك الواقع الفظيع، ولم يزالوا معه حتى لأن وتوجه معهم للقصر الملوكي. ولما وصله أبي أن يدخل لملاقاة الملكة حالة كون شرفه ممسوسا فخرج إليه صديق وداده رئيس الوزارة الصنيور (ساقاسطا) والجنرال (مارتينس) وأقنعوه بما يرضي دولته ويحفظ شرفه فساعدهم إذ ذاك على ذلك، وتقدم لغرفة استقبال الملكة ولما دخلها أجملت الملكة استقباله فوق العادة جبرًا لخاطره، ومن غريب ما يذكر في ملاقاته هذه أن الملكة نزلت عن كرسيها وصافحته وهي قائلة: (يا سعادة السفير أتأسف من صميم فؤادي على التعدي الذي وقع عليك وإني أشعر بألم تلك اللطمة داخل قلبي). ولما تم الاقتبال على أحسن حال ورجع السفير لمحل نزوله تواردت عليه الوفود من المجامع وإدارات الجرائد وزاره كل الوزراء مطيبين لخاطره ورجع الذين

стр. 438

كانوا ينظرونه شزرًا من أخص المتأسفين، وقامت جملة الجرائد وأندية الشعب والأحزاب الساسية ومجلس الأمة ضد ما وقع من التعدي الشنيِع فلم يسع السفير المذكور إلا أن أبْرَقَ إلى جلالة السلطان مرسله بواسطة النائب أبي عبد الله محمَّد الطريس بما لفظه: إن ما يصلكم من التعدي على هو شيء لا أهمية له ولا يمس عاطفة الوداد الإسباني المغربي، ولا يرى جنابكم العالي إلا ما يسره فتقرر بمجلس النواب وشُورَى الوزراء أنه من شرف إسبانيا واللائق بنخوتها جبر خاطر السفير والاحتفال به كما يجب، وهكذا انقلبت لهجة الأمة كلها فكان لهذه الحادثة أثر عظيم في تعديل العقد المراكشي الممضي من الدولتين في ٢٤ أفريل ومن أهم تعديلاته إسقاط ١,٤٠٠,٠٠٠ ريال (دوروس) من ٢,٣٠٠,٠٠٠ التي كانت مقررة به، وبعد أن كان سيدفع بكيفية خاصة تعدل دفع المقدار في ستة أشهر الموالية للتعديل وعلى ما قرره مؤرخو الإسبان وصرحوا به في عدة مواضع أن دولة المغرب نجحت في هذه السفارة نجاحا لم يتقدم له مثيل. ثم بعد هذا عينت له بأَخَرَةِ خصوصية تحمله لطنجة زيادة في إرضائه وتكرمته، ولما وصل طنجة ورجعت الباخرة غرقت بما فيها على مقربة من طنجة. ولما رجع من مدريد رفع نتائج أعماله للمترجم فاستحسنها واستعظمها وأجازه باسم السلطان بخمسين ألف ريال (خمسمائة ألف فرنك) وسماه نائبا في جمعية السفراء بطنجة لسن قوانين إدخال الإصلاحات للمملكة، ولم يزل على وظيفه هذا إلى أن ختمت أنفاسه يوم الجمعة عاشر محرم عام ١٣١٥ موافق يوليو سنة ١٨٧٨. استخلاصه طرفاية من الإِنجليز: وفي ثاني وعشري قعدة العام أوفد عن إذن السلطان لطرفاية صاحبنا الفقيه الميقاتي الحيسوبي السيد العلمي بن أحمد بن رحال بصفة كونه ميقاتيا والحسين بن خلوق الأودي بصفة كونه مهندسا، وإدريس بن

стр. 439

عبد الجليل خليفة باشا فاس إذ ذاك بصفة كونه أمينا، والعدل السيد العباس التطواني آل أبي عبد الله ابن مرزوق دفين أصيلا، والنجار الطالب الحسين المباركي، والبناء الحاج موسى مارسيل الرباطي، والحاج محمَّد زنيبر السلوي الطبجي، والرئيس البحري وخمسة وعشرين عسكريا بقصد حيازة المرسى التي كان أحدثها الإِنجليز بطرفاية افتياتا وتمكينه مما كان صرفه على بناء ذلك المحل. وذلك دار بوسط البحر محمولة على الأزهرية وهي على هيئة فندق بالفوقي والسفلي وبها هريان عظيمان لخزن البارود والقرطوس، وبسطح الدارستة مدافع وقصبة مربعة بها دور ثلاث إحداها كبيرة شبيهة بالمرسى المذكورة معدة لسكني رئيس تلك المرسى، والثانية صغيرة كان يسكنها البشير بن بيروك الودنوني، والثالثة يعمرها العسكر على هيئة قشلة إلا أنها بدون فوقي وبوسط القصبة خيام بعض العرب يدعون الأفيكات. والسبب الوحيد في مد أعناق الأجانب للبناء بذلك الشاطئ هو بيروك الودنوني التكني والد البشير المذكور, وكان ذلك في دولة سيدنا الجد السلطان أبي زيد عبد الرحمن بن هشام حسبما وقفت على التصريح بذلك في ظهير أصدره السلطان سيدي محمَّد لصنوه المولى العباس ودونك لفظه: الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليما ثم الطابع الفخم بداخله محمَّد بن عبد الرحمن الله وليّه. "أخانا الأعز الأرضى مولاي العباس حفظك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فإن بيروك التكني كان على عهد سيدنا ومولانا قدسه الله تواطأ مع بعض النصارى على البناء بشاطئ أرضهم، فبلغ خبره لمولانا فوجه له نور الله ضريحه من ذكره وحلفه في المصحف الكريم على أن لا يعود لذلك. ولا يسلك مع الكفار تلك المسالك، وظهر منه من التوبة ما أوجب اعتباره ومراعاته

стр. 440

عند سيدنا ونفذ له دارا بالصويرة، وكان محررا من الإعطاء على سلعه التي ترد على الثغر الصويري تأليفا له، وبقي على ذلك إلى أن لقي الله تعالى. ثم خلفه من أولاده خلف أضاعوا تلك الوصايا، وأرادوا أن يعرضوا بلاد المسلمين للرزايا، ويبيعوا دينهم بدنياهم، فتواطئوا مع النصارى جنس الصبليون على البناء هنالك، فسمعت تلك القبائل المجاورة لهم بذلك واتفقت على قتالهم إن لم يرجعوا عن غيهم. ولا يخفى ما يترتب على ذلك من الفتن والأهوال واتساع دائرة القتال، وعليه فيتعين الكلام مع الصبليول في هذا الأمر الذي يجر إلى ما لا يليق ليرجعوا عنه إن بدءوك بالكلام فيه وإلا فلا، ومن المعلوم أن أهل تلك البلاد من جملة رعيتنا وإيالتنا، فليس لأحد منهمَ أن يفعل في شبر منها ما شاء ولا تسلمها تلك القبائل ولو أفناهم القتال عن آخرهم، ومرادنا أن تبقي هذا الأمر مكتوما حتى يبدأك به الصبليول، فإن بدءوك به فتجد عندك ما تقول لهم وتردهم به، وها كتاب المرابط السيد الحسين الأليغي يصلك فطالعه لتعلم ما ذكر فيه، وإن ذكروا لك أن أهل تلك الجهة هم الطالبون لذلك والراغبون فيه فأجبهم بأن الأمر بخلاف ذلك وبأن قبائل تلك النواحي رمت ولد بيروك عن قوس واحدة، وليس معه أحد فيما رام فعله، واذكر لهم في ذلك ما يليق أن يذكر، وإن لم يذكروا لك شيئًا فلا تذكر لهم شيئًا، ونسأل الله أن يرد كيده في نحره وقد أخبر خديمنا الطالب عبد الله أبهي بمثل ما أخبر به المرابط المذكور، ونسأل الله أن يعجل بهلاكه آمين والسلام في ١١ من ربيع الأول عام ١١٢٧٨ هـ. من أصله بلفظه. وأدى السلطان في استرجاع ذلك ابرات ٥٠٠٠٠ خمسين ألف حيزت من طنجة بعد أن كانوا طلبوا ريال ١٠٠٠٠ عشرة آلاف وقديما قيل إن للتأخير آفة ووقع الاتفاق على ذلك بشروط نصها:

стр. 441

"الحمد لله وقع الاتفاق بين الواضعين اسمهما عقب تاريخه وهما الفقيه الوزير الأعظم الأجل المبجل السيد أحمد بن الفقيه الوزير المنعم السيد موسى بن أحمد والكبلير المنيسطر (ارنيط ماسن ساطوا) على الشروط الخمسة التي ستذكر أسفله في شأن شراء المخزن لزينة البناء الذي للكبانية النجلزية المسماه (نرف وست افرك) بالمحل المعروف بالطرفايا الكائن ببلاد قبيلة تكنة. (الشرط الأول) إذا اشترى المخزن زينة المحل المذكور من الكبانية المذكورة لا يبقى كلام لأحد في الأراضي التي من وادي درعة إلى رأس بوخادورا المعروف بالطرفايا المذكورة، وكذلك فيما فوق هذا المحل من الأراضي لكون ذلك كله من حساب أرض المغرب. (الشرط الثاني) المخزن يعطي الكلمة لمخزن النجليز أنه لا يعطي شيئًا من الأراضي المذكورة أعلاه لأجنبي إلا بموافقة مخزن النجليز. (الشرط الثالث) إذا اشترى المخزن زينة البناء الذي بالمحل المذكور أعلاه من الكبانية المذكورة أعلاه يكون شراؤه لذلك عاما شاملا لزينة البناء حجراً أو خشبا الذي بالبحر والذي بالبر، كما يكون شاملا أيضًا شراء المخزن لذلك لجميع ما اشتمل عليه جميع البناء المذكور الذي في البر والذي في البحر من مدافع وغيرها، ولا يبقى كلام لأحد في ذلك ولا في قلب الأراضي، والثمن الذي يعطيه المخزن في ذلك للكبانية المذكورة قدره خمسون ألف ابره نصفها معجلا عند عقد هذه الشروط، والنصف الآخر مؤجلا عند حيازة المخزن للمحل المذكور من الكبانية المذكورة. (الشرط الرابع) مخزن المغرب إذا حاز المحل المذكور من الكبانية المذكورة بالشراء يبقيه مفتوحا للبيع والشراء والمخزن لا يبني فيه من بيت ماله دورا ولا خزائن للتجار لسكناهم ولوضع سلعهم، ولا يجعل فيه فلائك للوسق والوضع إلا

стр. 442

إذا اقتضى نظره الشريف جعل ذلك وقت ما شاء، وتكون أعشار السلع الداخلة له والخارجة منه مثل أعشارها بمراسي الكوشطة. (الشرط الخامس) من أراد من التجار الإتيان بسلعته للمحل المذكور وأتي بكتاب من باشدور جنسه يعطيه المخزن طرفا من الأرض بذلك المحل بالكراء عن مدة من عشرين عاما وحيث تنصرم يصير للمخزن". وكتب وزير الخارجية قبل ذلك لباشدور النجليز بما لفظه: "الحمد لله: لمحل العاقل الناصح الساعي في الخير بين الدولتين المحبتين منيسطر دولة (كريت ابريطن وانبريز) الهند الفخيمة الكبلير فلان، بعد مزيد السلام فقد انهينا لحضرة سيدنا العالية بالله ما تطلبه الكبانية الإِنجليزية من أداء خمسين ألف ابرة في الخسارة الواقعة لها في تعاطيها التجارة بالطرفايا بسبب تعرض ولاة المخزن لها في تجارتها، ووقوع التعطيل لها فأمرتني الحضرة الشريفة أن نجيبك بأنها قبلت أداء الخمسين ألف ابرة المذكورة للكبانية من قبل ذلك مقسطة على خمس سنين، بحيث تدفع للكبانية خمس العدد المذكور كل سنة وهو عشرة آلاف ابرة وتبقى قصبة نزول الكبانية بالطرفايا موقوفة كما كانت قبل وختم في ١٠ رجب عام ١٣٠٨ محمَّد بن محمَّد غريط لطف الله به. ثم كتب تحت الشروط المذكورة يطلب من الباشدور المذكور ما لفظه: "وبعد فقد أطلعت شريف علم مولانا نصره الله بالشروط الخمسة المرقومة أعلاه الواقع الاتفاق بيننا وبينك عليها في شأن حضرته الشريفة زينة المحل المذكور أعلاه، فسلمها أيده الله وأمضاها كما سلم أيضًا شراء تلك الزينة لحضرته العالية بالله من الكبانية المذكورة أعلاه، بالخمسين ألف ابرة نصفها معجلا ونصفها عند حيازة المخزن للمحل المذكور، وذلك بعد مضي ستة أشهر ولها شهر شوال

стр. 443

وآخرها شهر ربيع الأول الآتيان، وأمرني نصره الله بالكتابة لك بهذا وبأن المخزن له أن يوجه للمحل المذكور من الآن قبل أن يحوزه أناسا من قبله وحيث يريد توجيههم يعلمك لتمكنهم من كتابك لمن هناك من النجليزيين بقبولهم وختم في ١٦ من رمضان عام ١٣١٢". وكان ذهاب هذا الوفد المذكورة أفراده في البابور المسمى بـ "التريكني" الذي كان اشتراه السلطان مولاي عبد العزيز ونفذت للوفد الكساوي بالصويرة. وكان وصولهم لطرفاية زوال يوم ١٠ محرم فاتح ١٣١٣ فوجدوا الباخرة الإِنجليزية في انتظارهم حاملة سائر ما كان لهم من القوة بتلك المرسى، وبمجرد ما أرسى البابور في المرسى جاءتهم الساندة حاملة كبراء تلك المرسى الذين بيدهم الحل والربط من الدولة الإنجليزية فيما يرجع لذلك ثم توجهوا بالمكلفين الذين جاءوا من قبل السلطان للمرسى المذكورة بقصد تسليم البناء المحدث جميعه ودفع مفاتيحه، ولم يتركوا لهم من الشئون الحربية عدا المدافع والبارود والقرطوس ومركبا دقاوء، أي كبيرا وبعض المؤن وسافروا حينا لبلادهم. وبقي الوفد المخزني بتلك المرسى ومكثوا هنالك نحو السنة وكانت المئونة تأتيهم من الصويرة على رأس كل ثلاثة أشهر. ولما استقر بهم النوى وجه لهم الشيخ ماء العينين ولده أبا عبد الله السيادة وهو أكبر أولاده إذ ذاك وفي معيته صهره على ابنته الشيخ الأمجد وحفيده السيد المحفوظ في لفيف من الأتباع يهنيهم بسلامة القدوم ويستقدمهم عليه ووجه إبلا تحملهم إليه. وكان وصول هذا الوفد إليهم صبيحة الاثنين ٢٢ محرم وأقام مع الوفد السلطاني أياما خمسة ثم لبوا دعوته، وكان نهوضهم يوم السبت ٢٧ محرم، ووصلوا لخيام الشيخ المذكور يوم الجمعة ثالث صفر وكانت المسافة التي قطعوها في

стр. 444

الوصول إليه ستة أيام كاملة، ومحل نزوله يسمى ذي النبط من ناحية الساقية الحمراء، فأكرم وفادتهم ونحر لهم ناقة هائلة على عادة الكرام، وكان جل ما يقدمه إليهم من الطعام النوع المعروف بالشعرية، وحضروا صلاة العصر مع الشيخ، ولما فرغوا من الصلاة قام بعض تلامذة الشيخ وهو العلامة الأديب السيد إبراهيم بن محمَّد البواري حول زرب المسجد وأنشد: أهلا بهم من خمسة أعلام ... بل خمسة كقواعد الإِسلام رسل الأمير ابن الأمير إمامنا ... عبد العزيز ابن العزيز الإمام من خصه المولى بأعلى رتبة ... تلك الخلافة رحمة الأنام لازال مخصوصا بكل فضيلة ... إذ خصنا بأئمة الأقوام هم خنصر مع بنصر وسطاهم ... سبابة كبراهم الإبهام يده إلينا مدها مبسوطة ... بمواهب مشكورة الإنعام لا تنس أن تذكرهم وسراتهم ... أعني ثلاثة سادة خدام ولأنتم من عند شيخ فاضل ... ماء العيون المصطفى بمقام ساقي الورى ساقية الحمرا متى ... عز الوري أسقاء ضيف ظام وكانت مبارحتهم لمحل الشيخ يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر المذكور على غير الطريق الذي ذهبوا عليها، حيث إن الشيخ أخبرهم أنه مأذون من قبل الأمير بذلك والبلاد كلها رمال تجد اليوم جبالا منها فإذا هبت الريح نسفتها نسفا ونقلتها لموضع آخر. وطرفاية هذه هي آخر حجرة المغرب، وسميت طرفاية بذلك لوجود أشجار ثلاثة من الطرفاء بها وهي بلسان الروم (دكاب جوبي) عرضها ٢٨ وطولها ١٢

стр. 445

ودقائق ٥٢ على ما حرره رئيس تلك المرسى، وطرفاية معتدلة في سائر الفصول ومهما بعد الإنسان عنها بنحو نصف ساعة يجد حرارة عظيمة. أخبرني صاحبنا ابن رحال أنه كان مسافرا في بعض الأيام وهو راكب جملًا فصارت تنزل عليه نقط في غاية الحر فإذا هي دموع الإبل تحملها الرياح وتلقيها عليهم. وليس بها ماء عَدَا بِئر ملح تأتي للسقي منه القوافل ليلاً، وتسافر به لخيامها، أما الوفد السلطاني فإنه كان يأتيه الماء الكافي من الصويرة، وأهل طرفاية يتخذون أحجارا مثل القصع يملأونها من ذلك الماء الملح فوق آنية أخرى فينزل الماء من تلك الأحجار للآنية فيستحيل عذبا. وكان في نية السلطان أن تبقي تلك المرسى مفتوحة يعمرها التجار وغيرهم وفق ما اقترح الإنجليز، ولذلك وجه النجار والبناء والمهندس ولكن أمر ذلك لم يتم. ثورة الرحمانة بزعامة مبارك ابن سليمان: وفي أواخر ربيع الأول من السنة المذكورة، نهض من فاس لتمهيد نواحي مراكش الذي أضرم نيرانها فساد تلك القبائل على ما يأتي بيانه، ورتب قواد قبائل الحوز بعد أن نظم جيشا عرمرما رأس عليه الشريف سيدي محمَّد الأمراني المترجم فيما يأتي بحول الله، ومعه عمال دكالة وباقي عمال الحوز، وخيموا على الرحامنة وندبوهم للصلح وحذروهم وأنذروهم عقوبة المخزن واشتداد شوكته وخوفوهم سطوته، فلم تنفع تلك المساعي ولم يرفعوا لمقامهم رأْسا واستعظموا عصبيتهم وتمادوا على عيثهم وتمردهم، ولما قربت الجنود المولوية من مراكش اختل أمر تلك المجموع الزائغة وانهزمت، وقد كان السلطان حشد الجيوش والقبائل المغربية برابر وأعرابا بخيلهم ورجلهم وأصحبهم معه.

стр. 446

ولما خيم على الرحامنة بوادي أم الربيع وأحاطت بهم الجيوش السلطانية المشار لها، بعد أن قسمها سبعة ملاحم، عقد عليها للشرفاء وكبراء الجيش كأعمام والد الجلالة العزيزية المولى الأمين، والمولى عبد القادر، والمولى عبد المالك فأوقعوا بالخارجين وقعة شنيعة وجاسوا خلال ديارهم ولم يسعهم غير الرضوخ للطاعة، والدخول فيما دخلت فيه الجماعة، وأدوا المغارم ذات البال، وأَسلموا عددا كثيرا من رؤسائهم أسرى وجه بهم في السلاسل والأغلال للحضرة المكناسية، ورجع عليهم العمال الذين نزعتهم الغوغاء عصبية مبارك بن الطاهر بن سليمان الرحماني -وكان عاملا للسلطان مولاي الحسن على درعة وأعمالها- الذي سعي في الأرض الفساد وخرب مدينة دمنات وغيرها، وشن الغارات على مدينة مراكش وهم غير مرة باقتحامها عنوة، ولولا قيام عاملها القائد (ودة) قيام الأبطال المخلصين ومبالغته في الدفاع عنها جهده وطاقته لخربت وديست سراتها وذوو الحيثيات فيها بالأقدام. وأتي بركن الفساد الزعيم المذكور من زاوية سيدي على بن إبراهيم بتادلا وذلك في رمضان عام ١٣١٣ ثلاثة عشر وثلاثمائة وألف وفي معيته ولده الفاطمي وأخوه سليمان فجعل في قفص من حديد وأُحدق به مع حزبه وكاهنهم مَهِيمَر -بفتح الميم وكسر الهاء مشبعة بعدها ميم مفتوحة فراء ساكنة- الحرس المخزني المسمى بالمسخرين، وبسبب ذلك انطفأت نيران البغي والفساد، وانكسرت شوكة أهل العتو والإلحاد، ووظفت عليهم أموال طائلة وعدد عديد من الخيل والسلاح، ودفعوا ذلك عن يد وهم صاغرون، وكان الرجل منهم يأتي بفرسه ومكحلته ويسلم كلا للمكلف بحوزه من قبل المخزن، ويأتي الرجل بنفسه ويسلمها للسجان فيدخله السجن إلى أن ضاق بهم، ففرقوا في سائر السجون المغربية وأكثر ما كانوا بسجن الصويرة. وقد كتب المترجم بنبأ هذا الفتح الباهر لسائر الأمصار والأقطار وكان من

стр. 447

[صورة] الخليفة مولاي الأمين في قضية غوغاء الرحامنة

стр. 448

جملة من كتب له بذلك ابن عمنا النقيب قبلي مولاي زيدان ودونك لفظ الكتاب بعد الحمدلة والصلاة: محبنا الأعز الأرضي نقيب الشرقاء، مولاي زيدان، أمنك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله، وبعد: فموجبه إعلامكم بأن سيدنا المنصور بالله لما نهض من الرباط، في عز وظفر وانبساط، مر بمحلته المنصورة السعيدة في جيوشه وعساكره الموفرة ذات الأعداد العديدة، على قبيلة الشاوية فوجدهم بفضل الله على غاية من الاستقامة مبتهجين بطلعته السعيدة ومن ببلادهم في عز كامل، وحفظ شامل، إلى أن خيم بعين كيسر من بلاد أولاد ابن داود وأقام هنالك مدة في استنشاق أخبار فساد الرحامنة ورئيسهم النحيس بن النجس, فلم تكن إلا مدة يسيرة حتى صار قوادهم القدماء يأتون للحضرة الشريفة ويتلاحق بهم أهل الصلاح الباطني منهم متبرئين من سعيهم في الفساد ومصرحين بأنهم كانوا مجبورين عليه من الفاسد الكبير وشيعته، ومعلنين بالتوبة والإنابة. وهنالك كانت الأخبار تتوارد بأن المرجفين لا زالوا يستحلون قدوم الجناب الشريف للحور وينكرون ذلك ويحسبونه عظيما وهو عند الله هين، وبإثر ذلك نهض أعزه الله في جيوشه السعيدة ونزل بمحلته المنصورة على ضفة وادي أُم الربيع، في زي بديع، ومكث هنالك أياما قلائل وأذن للمحلة في العبور وبقي هو دام علاه في الساقة إلى أن تكامل العبور، وعبر هو بعدهم في جنده الداخلي وخيم على الضفة الأخرى بتراب الرحامنة، فغشيهم من اليم ما غشيهم, وسقط في يدهم ما كانوا يدبرونه، ولم يسعهم إلا إعطاء يد الانقياد والقدوم للمحلة السعيدة خاضعين متذللين تائبين مصحوبين بالمشايخ والمتجالات والذبائح والعارات، ملتزمين بكل ما يؤمرون به ويشترط عليهم، ولا غرض لهم إلا في الإبقاء على أنفسهم، فوظف عليهم نصره الله أربعمائة ألف ريال وعشرين ألف

стр. 449

ريال وألفا من الخيل بسروجها وعدتها وألفين من العسكر، فالتزموا ذلك وشرعوا حينا في الدفع، ولم تكن إلا مدة يسيرة حتى أكملوا الخيل والعسكر وجل المال، ولم يبق منه إلا البعض ولا زالوا يدفعون، وفي أثناء هذه الإقامة أمكن الله من الفاسد الغوات الدمناتي الذي كان حامل راية فساد النحيس بن النجس وأتي به فطيف به في المحلة السعيدة على حمار وصفد وسجن. وبعده أُتي بسالم الرحماني كاتب الفاسد المذكور فألحق بالغوات في السجن، وكانا كالبشيرين بحصول رفيقهما الفاسد الكبير، فلم تكن إلا مدة يسيرة حتى أمكن الله منه كذلك، وأتي به للمحلة السعيدة مصفدا ذليلا حقيرا، فعاينه سيدنا المنصور بالله، وجمع عليه كبراء الجيوش والعساكر السعيدة وأعيان الحضرة وقواد القبائل، فعاينوه على هذه الحالة المقررة، ثم أُركب على جمل أعرج وطيف به في المحلة السعيدة عاري الرأس والصفع في قفاه وسخط الله ينزل عليه من كل ناحية حتى كاد أن يموت من العذاب، ثم صفد من يده ورجله وعنقه وسجن في قفص من حديد كالخنزير أو الكلب العقور. ولا زال أيده الله ينظر في أمره بعد أن جمع القضاة والعلماء على نازلته وحكموا عليه بما حكم به الشرع في المحاربين، وسجلوا الحكم ولم يبق من فضل الله وسعادة مولانا المنصور بالله من يشار إليه بفساد في الحور أصلًا فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، وحتى رفيقهم دحان الصنهاجي السرغيني الذي كان معهم على الضلال ساقته العناية قبلهم في خفارة ولد سيدي ابن داود تائبا خاضعا متذللا، فاقتضت المصلحة تأمينه لظهور أدلة صدق توبته، وولاه سيدنا نصره الله على إخوانه، وهو الآن على غاية من الاستقامة، وأعلمناكم بهذا على سبيل الإجمال والتعجيل، ريثما ترد المكاتب الشريفة بتفصيله لما نعلمه من تشوفكم لأخبار ذلك، ولتسروا بحقيقة الواقع، ولم يبق إن شاء الله

стр. 450

إلا دخول سيدنا أعزه الله لحضرته الشريفة المراكشية رافلا في حلل العز والسعادة والإقبال، بمنة الله الكبير المتعال، وهو المسئول سبحانه أن يحسن في الباقي كالماضي ويجزي الأحوال على ما يراد ويرضى، وعلي المحبة والسلام في ١٨ شعبان الأبرك عام ١٣١٣ أحمد بن موسى بن أحمد لطف الله به. ثم بعد استئصال شأفه العتاة المفسدين دخل المترجم بالمحلة المظفرة للحضرة المراكشية منتصف العشر الأواخر من رمضان عام ١٣١٣. ثورة الأعشاش: ثم في فاتح ربيع الثاني عام أربعة عشر نهض لناحية الشاوية لفرقة الأعشاش منها فنزل بساحتهم إلى أن قضى وطره منهم، وألقي القبض على أركان بغيهم واستصفى أموالهم واستولى على ذخائرهم وحز منهم نحو ثلاثمائة رأْس وقبض على خمس عشرة مائة رجل منهم وأودعهم السجون، وبقيت شرذمة متحصنة بالكهوف من أولاد محمَّد فتحا إلى أن هلك أكثرهم جوعا: ثم ارتحلت المحال عنهم فرجع أهل الغرب لبلادهم يرأسهم سيدي محمَّد الأمراني وأهل الحوز رجعوا في معية المولى الأمين بن عبد الرحمن بن هشام، وصاحب الترجمة إلى مراكش، وكان نزول هذه المحال بالمحل المعروف بصخرة الدجاجة وأودع الثائر الفتان المذكور سجن مصباح، ولم يزل به إلى أن لقي ربه. قصوره وجنّاته: ثم لما خلا الجو للمترجم وطأطأت له الرءوس العتاة وتمهدت له البلاد، واستبعد سراة العباد، وجبيت له الأموال الطائلة وامتص العمال دام الرعية صرف همته لتشييد القصور وغرس الجنات بفاس ومكناس ومراكش، وأنشأ بمراكش جنانا متسع الأكناف سماه (أجدال) وغرسه بأنواع الأشجار والأزهار، وأنبع له عينا

стр. 451

خاصة به وعمل صهريجا يجتمع فيه الماء للسقي منه، ولا زال قائم العين إلى الحين الحالي، ومن قصوره المدهشة بمراكش (قصر الباهية) المعد اليوم اسكني المقيم العام بالديار المغربية. عبقريته السياسية: وبالجملة فقد كان المترجم في الدهاء آية، وفي السياسة بحرًا ليس له من غاية، علم الخاص والعام رسوخ قدمه في التثبت والمهارة في تدبير الشئون الملوكية، ولا غرابة في ذلك إذ ليس لغيره من معاصريه ما له من الاطلاع على النواميس الملوكية والخبرة بسرائرهها وسرها تغذي بلبان ذلك من ثدي أبويه وجده، وشب في ذلك وشاب، وقد ساعده السعد فاشرأبت له الأعناق، وطأطأت له الرءوس، وخضع لسطوته المشروف والشريف، وامتلأت قلوب الحواضر والبوادي مهابة منه ورعيا, ولم يبق ناه ولا آمر سواه، واستولى بسبب ذلك على نفيس الذخائر الملوكية ولكنه صانها أي صون. أمانته: أخبرني صديقنا العدل الرضي السيد العلمي بن أحمد بن رحال وقد كان من جملة خاصة الملازمين لبابه المطلعين على حركاته وسكناته البيتية العالمين بتفاصيل خزائنه وذخائره أن المترجم لما حانت وفاته أمر صاحبه الخصوصي الطالب حمان بن عبد العزيز المكناسي أحد أصحاب الفراش السلطاني، أن يحمل بعد موته جميع ما بداره من الأموال السلطانية والذخائر الملوكية ويذهب به للقصور المولوية، ويحضر معه الوصيف ابن يدر أحد أصحاب الوضوء، إذ كان هو الواسطة في نقل تلك الأموال والذخائر من القصور السلطانية إلى القصور الوزيرية. وأن مفاتيح الصناديق الحاوية لتلك الذخائر النفيسة الغالية كان المترجم سلمها للسلطان مولاي عبد العزيز لما أحس بعضال دائه وأيقن بمبارحة دار الفناء.

стр. 452

كما أخبرني بعض العدول بأن الطالب حمان المذكور أظلعه على كناش إحصاء الأموال السلطانية التي كانت مصونة بدار المترجم وطلعت للدار السلطانية مختوم ذلك الكناش بخط صاحب الترجمة وأن ذلك القدر هو الذي دخل عليه للجناب السلطاني العالي من العمال وغيرهم. وقد تفرقت تلك الأموال شذر مذر، ولم ينفع حذر من قدر، انتهبها الخائنون وبذروها في شهواتهم وحرم منها المستحقون، وكان ما كان مما لست أذكره وما مكث السلطان بفاس، حتى أصيبت المالية بداء الإفلاس، قضت الظروف، بالافتراض من الدول للوازم المصروف، وما قدر على الجبين، يستوفى ولو بعد حين. وابن عبد العزيز المذكور هو الذي صار خليفة لحاجب الدولة العزيزية أبي العباس أحمد الركينة ثم صار في الدولة الحفيظية أمين الصائر على الدار السلطانية بالحضرة المكناسية وأمين مستفادات أسواقها، ثم انفرد بأمانة الصائر فقط أوائل المخزنية الدولة اليوسفية. ثم إن المترجم لما صفا له الجو وتم له الاستبداد رشح سائر إخوته للوظائف المخزنية الهامة كالحجابة لإدريس، ووزارة الحرب لسعيد، واستأثر بالسلطة الاستبدادية التي كانت عاقبتها خراب بيته وبيوت عائلته والمغرب أجمع. وفاته: توفي بمراكش سابع عشر المحرم عام ثمانية عشر وثلاثمائة وألف، وحضر السلطان فمن دونه جنازته، ودفن داخل قبة ضريح جد العائلة الملوكية المولى على الشريف حذاء ضريح القاضي عياض رحم الله الجميع ورضي عنهم وعنا بهم آمين.

стр. 453

وقد رمز لتاريخ وفاته الأديب الشهير أبو العباس أحمد بن المواز رئيس الاستئناف العالي أخيرا بقوله: قضى ابن موسى وزير الملك أحمد من ... تبقي مآثره في السن الزمن وسط المحرم من عام يؤرخه ... فالخير زف له من واهب المنن متخلفه وما وقع فيه: ولما لبي داعي مولاه أمر السلطان بحيازة جميع متخلفه عقارا وغيره لبيت مال المسلمين، وقفت على عدة ظهائر سلطانية أصدرت لأمناء الصائر بكل مدينة من مدن الإيالة ببيع أصوله، منها ظهيران لأمناء دار عديل بفاس دونك نص أولهما بعد الحمدلة والصلاة والطابع الشريف: خدامنا الأرضين أمناء الصائر السعيد بدار عديل المعفيين والجدد والمكلفين معهم ببيع الأملاك المتخلفة عن كاتبنا الطالب أحمد بن موسى وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد وصل كتابكم صحبة تقييد بيان أملاك المذكور التي بخارج المدينة وعلى من وقفت عليه بالسمسرة والثمن الذي وقفت به وصار بالبال، فنأمركم ببيع جميعها لمن وقفت عليه على الضابط في ذلك بعد حيازة جميع الثمن ممن نزلت عليه من غير تأخير شيء منه، ومن عجز عن أداء شيء منها حالا أمضوها لغيره الذي يعجل جميعه، وأشهدوا البيع للمشترين لها نيابة عن جنابنا العالي بالله والسلام، في ٧ محرم الحرام فاتح عام ١٣٢٠. ونص الثاني بعد الحمدلة والصلاة والطابع: نأمر خدامنا الأرضين أُمناء صائرنا السعيد بدار عديل أن يمضوا البيع في أملاك كاتبنا الطالب أحمد بن موسى لمن وقفت عليه في السمسرة بالثمن الذي بينتم، كما نأمركم أن تشهدوا البيع في كل منها لمشتريه على الوجه الشرعي بعد

стр. 454

حيازتكم ثمنه منه نيابة عن جانبنا العالي بالله والسلام في ١٦ صفر الخير عام ١٣٢٠ هـ. ومع الأسف فقد مدت في ذلك أيدي الخائنين، وتفرق شَذَرَ مَذَرَ، ولم يصل للمخزن من أمتعته المبيعة بأسواق المدن بعد سمسرتها إلا النزر اليسير، كما مدت أيدي النهب والاختلاس في أموال وأمتعة غيره ممن صدر الأمر بحيارة أموالهم لبيت المال كابن العلام قائد المشور السابق الذكر والفشار، ولم يقع الاقتصار على أخذ أموال من ذكر من المستخدمين وضمها لبيت المال، بل مدت اليد العادية في كل من له أدنى علقة واتصال بهما من الأقارب والأباعد، وكل من لباشا ذلك الوقت فيه شهوة وغرض بدعوى أن المذكورين أمنا عندهم من أموالهما وأمتعتهما فأخفوها، وبسبب ذلك توصل لغصب أموال كثير من الناس، ولم يقدر أحد من المنهوبين على النطق ببنت شفة فيما أصابه خوفا على نفسه من بطش ذلك الباشا المستبد المظلوم. ولما تفاحش ذلك وبلغ للجلالة العزيزية أمر الأمين السيد الحاج محمَّد بن عبد السلام المقري الذي هو الصدر الأعظم الآن بالبحث عنه والإعلام بحقيقة الواقع فيه، فأجاب بعد البحث بأن جميع ما بلغ لشريف العلم صحيح، وأن دخوله على تلك الدور يكون أولًا من غير الأمناء المكلفين معه ليستبد بما شاء من مال ومتمول، ثم يدخل ثانيا مع الأمناء والعدول أو يوجه من ينوب عنه وأن ضرره قد عم أهل البلَد ولم يقدر أحد منهم على رفع الشكاية به للحضرة السلطانية، وأن الفشار له الاطلاع التام على ما كان بدار ابن العلام وبسؤاله يظهر ما استبد به ذلك المستبد لنفسه وخان فيه السلطان، ثم تبرع المسئول المذكور بطلب إراحة أهل البلد من جوره وتفاحش ضرره بعزله عنهم حسبما ذلك مبسوط في جوابه بخط يده وهو بتاريخ ١٢ ربيع الثاني عام ١٣١٩.

стр. 455

اختلال الأحوال بعده: وبموت صاحب الترجمة حدثت حوادث وفظائع يشيب لها الرضيع ووقع الدخيل في الدولة واختل النظام وفسدت الأحوال، وتراكمت الأهوال، وتنمرت الذئاب، وفرزنت البيادق، واتسع الخرق على الراتق. ولما استحكمت الفوضى وأشرفت الأمور على الانحلال وانتشرت الحمايات بالإيالة المغربية أي انتشار، وكثر تشكي الدولة الفرنسية من مسألة الحدود الجزائرية، وجدت الدول ذات المصالح بالمغرب السبيل للإلحاح في طلب الإصلاح، واقترحت على الدولة المغربية بفارغ صبر النظام ونصب ميزان العدل وفتح الطرقات بين العواصم لتسهيل المواصلات، وكانت الحكومة بينة العجز عن تنفيذ ذلك كله مع عدم إمكان تأجيله لوقت آخر. فعند ذلك ظهر للسلطان أن دعا لفاس جماعة من أعيان مدن المغرب الكبرى كمكناس ومراكش ورباط الفتح وسلا وطنجة وتطوان فأقاموا بحضرته بفاس كنواب الأمة يترددون كل صباح ومساء على أبواب القصور السلطانية حيث مجلس الوزراء، لأجل المفاوضة في الشئون الكبرى التي أحاطت بالبلاد، فكانت هذه الجماعة لا يحسن أعضاؤها سؤالا ولا يفقهون جوابا وإذا استشيروا أجابوا بقولهم الخير فيما اختاره سيدنا السلطان، فكان وجودهم وعدمهم على حد السواء، وقد أنفقت عليهم الخزينة أموالا طائلة. بعث السفارات لأوروبا ونتائج ذلك: ولما وقف تداخل الدول عند هذا الحد، وكانت قضية الاستيلاء على قصور توات قريبة العهد قرر رجال الدولة توجيه سفراء مندوبين لعواصم أوروبا لطلب النصير من الدول العظام مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا عن كيفية بث النظام.

стр. 456

[صورة] سفارة وزير الحربية سابقا السيد المهدي المنبهي لإنجلترا -الجلوس من اليمين المنبهي المذكور وعن يمينه قائد بعثة الحرابة الإنجليز القائد مكلين الواق من اليمين مستشار السفارة باشا الرباط الحالي السيد عبد الرحمن بركاش

стр. 457

فانتدب زعيم الدولة إذ ذاك ووزير حربيتها المهدي بن العربي المنبهي للذهاب إلى إنكلترا، وعين خليفة له ومستشارا لديه السيد عبد الرحمن بركاش باشا الرباط الآن، والسيد الزبير سكيرج ترجمانا، والسيد محمَّد بوستة كاتبا. ولما وصلت هذه السفارة للوندرة أقامت بها نحو شهر وفي تلك المدة عقدت شروطا رسمية تحتوي على أربعة فصول: الأول: بناء القناطر وإصلاح ما تلاشى منها بسائر الإيالة المغربية. الثاني: تشييد المنارات بالمراسي المغربية لعموم النفع بها. الثالث: تسريح وسن الحبوب بحرًا من مرسى إلى مرسى. الرابع: وسن البطاطا والخضر بأسرها من مرسى طنجة إلى مراسي الأجانب من حيث هي. وهذه هي الشروط الرسمية، وهناك شروط ومعاهدات سرية التزم رئيس السفارة للدولة البريطانية بالوفاء بها على ما قيل. وانتدب السيد عبد الكريم بن سليمان وزير الخارجية سفيرا لفرنسا وروسيا وألمانيا وبمعيته أبو عبد الله محمَّد فتحا الجباص الوزير الصدر سابقا، والأمين بناصر غنام كاهية النائب السلطاني بطنجة الحاج محمَّد الطريس التطواني. ولما اجتمع السفير بأعيان الدولة الفرنسية وعرض رغائب الدولة المغربية أجيب عن ذلك بما حقق لديه أن ما ألصقه بعض الدول بجانبها وقرره في شأنها محض افتراء وزور، وأنه لا داعي إليه سوى إرادة إيقاد نار الفتن بين الدولتين وتحقق لديه أنه لا تعلق لقضية قصور توات بالسياسة الفرنسية وإنما سبب الاستيلاء عليها ما عولوا عليه من اتصال قطر الإيالة الجزائرية بوطن السودان بالسكك الحديدية، وبعد استيفاء الغرض المقصود من الدولة الفرنسية توجهت السفارة للدولتين المذكورتين.

стр. 458

ثم بعد قضاء الوطر وفق المراد انقلب السفراء بما لديهم من المعلومات وقرروا للسلطان ورجال الدولة ما كان من سفارتهم وما رجعوا به من المقاصد المطلوبة. ثم بإثر ذلك زار إمبراطور ألمانيا (غليوم الثاني) مدينة طنجة فأوفد السلطان لمقابلته وتهنئته نيابة عنه سمو عم والده مولاي عبد المالك بن عبد الرحمن بن هشام وبعض الأعيان فاستاء لذلك الإمبراطور المذكور إذ كان اعتقاده أن السلطان يقابله بنفسه، وذلك ما كانت تقتضيه المجاملات السياسية وتوجبه مصلحة المغرب الوطنية، وكان نزوله بطنجة يوم الجمعة الرابع والعشرين من محرم ١٣٢٣. كما زار قبله ملك الإِنجليز (ادوارد السابع) جبل طارق وذلك بعد زوال يوم الأربعاء تاسع محرم فاتح عام ١٣٢١، فأوفد السلطان لمقابلته وتهنئته نيابة عنه باشا فاس القائد عبد الرحمن بن عبد الصادق الريفي، وكانت مقابلة النائب الريفي الملك في عشية اليوم نفسه بدار حاكم مدينة جبل طارق، حيث كان نزول الملك. ومن نتائج سفارة ابن سليمان لفرنسا تعديل مسألة الحدود الجزائرية المغربية، وكان الذي رشح للوقوف على تصفيتها الجباص المذكور بصفة كونه رئيسا والسيد أحمد السعيدي باشا مكناس الحالي معينا أول والسيد محمَّد نجل الجباص المذكور معينا ثانيا، والسيد محمَّد بن عبد الواحد المندوب المخزني بوجدة وباشا الدار البيضاء سابقا كاتبا أول والفقيه السيد محمَّد الهواري قاضي طنجة والعضو الأول بالاستئناف الأعلى سابقا كاتبا ثانيا، والسيد لزبير سكيرج مهندسا واستمر مكثهم في هذه المأمورية من آخر سنة ١٣١٨ إلى آخر سنة ١٣٢١. وفي الوقت نفسه تخلت الحكومة المغربية عن القبائل الثلاثة: أولاد جرير، وذوي منيع، والقنادسة لعمالة الجزائر لما كانوا يحدثونه ويتسببون فيه من القلاقل والمشاكل مع الرعايا الجزائريين.

стр. 459

[صورة] استقبال الإمبراطور غليوم الثاني بطنجة (١) الخليفة السلطان مولاى عبد المالك بن عبد الرحمن, (٢) السيد أحمد بن المواز خليفة الوزير الصدر, (٣) مولاى إدريس البوكلي خليفة وزير الخارجية, (٤) باشا طنجة حمزة بن هيمة الآسفي, (٥) السيد عبد الله بن سعيد السلاوي, (٦) السيد الحاج أحمد الطريس خليفتا النائب بطنجة, (٧) الباشا عبد الكريم الشركي, (٨) سيدي العربي الناصري, (٩) السيد الطالب معنين, (١٠) سيدي محمود القادري, (١١) السيد أحمد جفالف, (١٢) الحاج عبد السلام بن عبد الصادق, (١٣) السيد محمد غنام, (١٤) السيد اللبادي, (١٥) السيد العربي ملين, (١٦) السيد المهدي التازي ووراءه مولاي أحمد الصابونجي أعضاء دار النيابة وأمناء الديوانة وعدولها.

стр. 460

[صورة] زيارة الإمبراطور غليوم الثاني لطنجة
следующие страницы →