← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

[صورة] سفارة وزير الحربية سابقا السيد المهدي المنبهي لإنجلترا -الجلوس من اليمين المنبهي المذكور وعن يمينه قائد بعثة الحرابة الإنجليز القائد مكلين الواق من اليمين مستشار السفارة باشا الرباط الحالي السيد عبد الرحمن بركاش

стр. 457

فانتدب زعيم الدولة إذ ذاك ووزير حربيتها المهدي بن العربي المنبهي للذهاب إلى إنكلترا، وعين خليفة له ومستشارا لديه السيد عبد الرحمن بركاش باشا الرباط الآن، والسيد الزبير سكيرج ترجمانا، والسيد محمَّد بوستة كاتبا. ولما وصلت هذه السفارة للوندرة أقامت بها نحو شهر وفي تلك المدة عقدت شروطا رسمية تحتوي على أربعة فصول: الأول: بناء القناطر وإصلاح ما تلاشى منها بسائر الإيالة المغربية. الثاني: تشييد المنارات بالمراسي المغربية لعموم النفع بها. الثالث: تسريح وسن الحبوب بحرًا من مرسى إلى مرسى. الرابع: وسن البطاطا والخضر بأسرها من مرسى طنجة إلى مراسي الأجانب من حيث هي. وهذه هي الشروط الرسمية، وهناك شروط ومعاهدات سرية التزم رئيس السفارة للدولة البريطانية بالوفاء بها على ما قيل. وانتدب السيد عبد الكريم بن سليمان وزير الخارجية سفيرا لفرنسا وروسيا وألمانيا وبمعيته أبو عبد الله محمَّد فتحا الجباص الوزير الصدر سابقا، والأمين بناصر غنام كاهية النائب السلطاني بطنجة الحاج محمَّد الطريس التطواني. ولما اجتمع السفير بأعيان الدولة الفرنسية وعرض رغائب الدولة المغربية أجيب عن ذلك بما حقق لديه أن ما ألصقه بعض الدول بجانبها وقرره في شأنها محض افتراء وزور، وأنه لا داعي إليه سوى إرادة إيقاد نار الفتن بين الدولتين وتحقق لديه أنه لا تعلق لقضية قصور توات بالسياسة الفرنسية وإنما سبب الاستيلاء عليها ما عولوا عليه من اتصال قطر الإيالة الجزائرية بوطن السودان بالسكك الحديدية، وبعد استيفاء الغرض المقصود من الدولة الفرنسية توجهت السفارة للدولتين المذكورتين.

стр. 458

ثم بعد قضاء الوطر وفق المراد انقلب السفراء بما لديهم من المعلومات وقرروا للسلطان ورجال الدولة ما كان من سفارتهم وما رجعوا به من المقاصد المطلوبة. ثم بإثر ذلك زار إمبراطور ألمانيا (غليوم الثاني) مدينة طنجة فأوفد السلطان لمقابلته وتهنئته نيابة عنه سمو عم والده مولاي عبد المالك بن عبد الرحمن بن هشام وبعض الأعيان فاستاء لذلك الإمبراطور المذكور إذ كان اعتقاده أن السلطان يقابله بنفسه، وذلك ما كانت تقتضيه المجاملات السياسية وتوجبه مصلحة المغرب الوطنية، وكان نزوله بطنجة يوم الجمعة الرابع والعشرين من محرم ١٣٢٣. كما زار قبله ملك الإِنجليز (ادوارد السابع) جبل طارق وذلك بعد زوال يوم الأربعاء تاسع محرم فاتح عام ١٣٢١، فأوفد السلطان لمقابلته وتهنئته نيابة عنه باشا فاس القائد عبد الرحمن بن عبد الصادق الريفي، وكانت مقابلة النائب الريفي الملك في عشية اليوم نفسه بدار حاكم مدينة جبل طارق، حيث كان نزول الملك. ومن نتائج سفارة ابن سليمان لفرنسا تعديل مسألة الحدود الجزائرية المغربية، وكان الذي رشح للوقوف على تصفيتها الجباص المذكور بصفة كونه رئيسا والسيد أحمد السعيدي باشا مكناس الحالي معينا أول والسيد محمَّد نجل الجباص المذكور معينا ثانيا، والسيد محمَّد بن عبد الواحد المندوب المخزني بوجدة وباشا الدار البيضاء سابقا كاتبا أول والفقيه السيد محمَّد الهواري قاضي طنجة والعضو الأول بالاستئناف الأعلى سابقا كاتبا ثانيا، والسيد لزبير سكيرج مهندسا واستمر مكثهم في هذه المأمورية من آخر سنة ١٣١٨ إلى آخر سنة ١٣٢١. وفي الوقت نفسه تخلت الحكومة المغربية عن القبائل الثلاثة: أولاد جرير، وذوي منيع، والقنادسة لعمالة الجزائر لما كانوا يحدثونه ويتسببون فيه من القلاقل والمشاكل مع الرعايا الجزائريين.

стр. 459

[صورة] استقبال الإمبراطور غليوم الثاني بطنجة (١) الخليفة السلطان مولاى عبد المالك بن عبد الرحمن, (٢) السيد أحمد بن المواز خليفة الوزير الصدر, (٣) مولاى إدريس البوكلي خليفة وزير الخارجية, (٤) باشا طنجة حمزة بن هيمة الآسفي, (٥) السيد عبد الله بن سعيد السلاوي, (٦) السيد الحاج أحمد الطريس خليفتا النائب بطنجة, (٧) الباشا عبد الكريم الشركي, (٨) سيدي العربي الناصري, (٩) السيد الطالب معنين, (١٠) سيدي محمود القادري, (١١) السيد أحمد جفالف, (١٢) الحاج عبد السلام بن عبد الصادق, (١٣) السيد محمد غنام, (١٤) السيد اللبادي, (١٥) السيد العربي ملين, (١٦) السيد المهدي التازي ووراءه مولاي أحمد الصابونجي أعضاء دار النيابة وأمناء الديوانة وعدولها.

стр. 460

[صورة] زيارة الإمبراطور غليوم الثاني لطنجة

стр. 461

[صورة] الفتان أبو حمارة الجيلاني الزرهوني

стр. 462

ثم بإثر هذا وقع اتفاق الوزراء على أنه لا يختص واحد منهم بإبرام شيء أو نقضه من كل ما يتعلق بالأمور السياسية والأحكام المخزنية إلا بعد اجتماعهم على ذلك واتفاقهم عليه، وكل من وقع منه استبداد بنقض أو إبرام. تجري عليه العقوبة الصارمة ويطرد من البساط الملوكي، وتعاهدوا على ذلك وتحالفوا، وكل من تولى أمر شيء يحلف يمينا مغلظة بالمصحف الكريم أنه لا يخون فيما أُسند إليه، ومن كان متوليا كذلك يحلف هذه اليمين حتى حلف سائر الموظفين. كما اتفق رأْيهم على إنشاء الترتيب الجاري به العمل الآن فلم يتم أمر ذلك، إذ لم يكن وقع عليه اتفاق جميع الدول الأجنبية. وظهر في قبيلة بني مسارة اختلال وانحراف عن الطاعة، وكذلك قبيلة بني عروس وغيرهما من القبائل الجبلية التي أفضى بها الحال والاشتغال بالمحال إلى أخذ صبي وصبية من أبناء الإسبان بنواحي أصيلا على وجه التعدي، فجهز السلطان جيشا لإرغامهم على الرجوع إلى الطاعة، ورأس عليه الشريف المولى عبد السلام الأمراني وعزره بالآغا (١) الحاج على السوسي بمن معه من العساكر، وما بلغوا أمنيتهم من الانتقام من جميعهم حتى طلع طالع نحس الفتان أبي حمارة بتازا. ثورة أبي حمارة: ومن الأحداث العظيمة بعد وفاة المترجم الوزير أحمد بن موسى حادثة قيام الجيلاني الزرهوني المدعو أبا حمارة التي كانت أعظم حادث وأقوى سبب في فاس الدولة ووهن قوتها المادية والأدبية بل فشل ووهن المغرب كله. أصل هذا الفتان المارق من مدشر أولاد يوسف أحد المداشر الشهيرة بجبل زرْهُون، قدم في أول أمره فاسا وانتظم في سلك أعوان القائد عبد الكريم ولد أب

стр. 463

محمَّد الشركي، ثم انتقل للخدمة مع الخليفة اللسلطاني بفاس رفيقنا في الطلب أبي حفص عمر بن السلطان مولانا الحسن، وكان أيا خدمته مع الخليفة المذكور يرافق السيد المهدي بن العربي المنبهي. ولما تولى المنبهي المذكور الخدمة مع صاحب الترجمة لم يزل يتقرب إليه حتى صار من أخص الناس به وأقرب أعوانه إليه لنباهته وحزمه وشدة ملازمته حتى حصل بعد وفاة المترجم على رتبة الوزارة، جاء الفتان المذكور إلى المنبهي زمن وزارته يمت إليه بسابقية التعرف والصحبة فلم يصادف منه قبولا حسنًا، فأقسم إذ ذاك الجيلاني الثائر يمينا ليرجعن أميرا، حيث صار رفيقه المنبهي وزيرا. وخرج من حينه يجوب البلاد في صفة ناسك متقشف يدعو إلى الله ودخل الجزائر وجاب أكنافها وأكثر التردد بين وهران ومعسكر ولقي أبا محمَّد عبد القادر ابن عدة أحد شيوخ الطريق ثَمَّةَ، وذلك بمدينة غيلزان قرب مستغانم، ولازمه مدة فبث له هذا الشيخ من التعاليم ما صيره متأهلا لإيقاد نيران الفتن بالأرض المغربية وذلك عام تسعة عشر وثلاثمائة وألف. وفي عام عشرين دخل وجدة على الصفة المذكورة، وتردد بين قبائل آنكاد وقرر لمن اتبعه ودخل في شبكة تدجيله مقاصده، ثم حل بثغر طنجة متخذا حلية المتصوفة شعارا، والتصنيع بزيهم دثارا، فتظاهر بين بعض بسطاء العقول بالنسك والخشوع، وربما قطع أمامهم ليله بالسجود والركوع، ومتر، قام للرقص معهم اعتراه ذبول وقوله، واصفرار وتدله، وأسمعهم من رقيق الأرجال، ما يطرب سامعه في الحال، وربما نطق بعبارات، كأنه من ذوي الإشارات. ولما عزم على مبارحة طنجة راود من كان يجالس فيها من الخياطين على مصاحبته، ليكون من أعوانه وبطانته، فلم ينخدع الخياط لدعوته، ولم يتابعه في غوايته، فغادرها إلى الموضع الذي اختاره لنشر دعوته، وأظهر النأفف من الحكومة

стр. 464

المخزنية، وأنها ذات خضوع للتمدن الأوربي، واختلق أشياء من هذا القبيل توجب النفرة من الحكومة ورؤسائها فوجد من أولئك الرعاع الساذج آذانا صاغية وقلوبا قابلة لما يبذر فيها من البغض والعداوة للسلطان ورجال دولته. وفي عام واحد وعشرين دخل مدينة فاس يتجسس الأخبار ويتطلع على الأحوال، ولقي بعض من له به معرفة وصداقة فعرفه بأن الملأ يأتمرون به وأن في ظهوره بالمدينة خطرًا، فخرج لقبيلة الحياينة حاملًا على أتان كتبا وأوراقا متلاشية، فصادف بالقبيلة المذكورة موسم أبي عبد الله محمَّد -فتحا- ابن الحسن الجاناتي معمورا بمجموع أعيان القبائل الزناتية من غياثة والتسول والبرانيس وغيرهم، فأخذ ينشر بينهم معايب الدولة ورؤسائها ويحبب لهم الخروج عليها، ورفض طاعة المخزن والسلطان ويرمي الجميع بالعار والشنار ويلصق بهم ما هم برآء منه. فوجد من بسطائهم من اتبعه ونقل أقواله الكاذبة، ونشرها في الآفاق الشاسعة، فصادفت قلوبا خاوية، فتمكنت فيها العداوة والبغضاء للمخزن ورجاله وأصبحوا يسعون جهدهم وطاقتهم في الانتقام من السلطان وأرباب دولته، ويرون أن الخروج عليه وخلع ربقة طاعته من أعناقهم قربة وطاعة لله تعالى وخدمة للدين والوطن، ثم بعد الموسم انتقل لجبل غياثة ونزل على أهل الطاهر منهم. وكان لهذا المعتدي الأثيم معرفة بفنون من السحر أضل بها كثيرا من الغوغاء، وصار يدعي أنه هو المولى محمَّد نجل السلطان المقدس مولانا الحسن وصنو السلطان المولى عبد العزيز، وأنه إنما يتستر باسم غيره خوفا على نفسه ممن استولى على ملك والده واستبد به واستعبد الرعية التي أمر الله السلطان بحمايتها ورعايتها والذب عنها والسعي وراء مصالحها، واشتغل ببيع دينه بدنياه، ومال كل الميل لشهواته ولذاته وتتبع أغراضه الشخصية، وفتح باب كنز زوره وبهتانه، وزعم

стр. 465

أن قسطاس العدل لا يقوم إلا على يده، وأنه قام يطلب ملك أبيه إذ هو أحق به من غيره. وبذلك ازداد مكانة في قلوب الرعاع والذين لا يعلمون، وقوي استيلاؤه على بعض سخفة العقول ومن في قلبه مرض من طاعة المخزن، فالتفت عليه أولا سفهاء تلك القبيلة وبايعوه على نصرة الدين، ولما فشا أمره أهداه بعض أشراف تلك القبائل فرسا من عتاق الخيل وخباء وصار يكثر في كل مجتمع الثناء عليه فاعتز الأعيان بذلك، وتهافتوا عليه، وإذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه. ولما رأى الزنيم إقبال الناس عليه وحصولهم في شبكة تدجيله وشعوذته وتيقن أن أفئدتهم هواء، أخذ عليهم المواثيق والعهود على تعزيزه ونصره وحمايته من كل من يرومه بسوء، فحالفوه على أن لا يخالفوه وأن يضحوا أنفسهم وأموالهم وأولادهم دونه شأن ضعفاء الأحلام سخفة لعقول المتمسكين بأذيال كل دجال أفاك. ولما حصل على ضالته المنشودة من الاستيلاء على عقولهم وتيقن بصلاح ما بذر في قلوب أولئك الأغبياء الأغمار من التمرد عن طاعة المخزن والعداوة والبغضاء له ولسائر أتباعه والمنتمين إليه، وكان من جملة من ركن إليه وقام بدعوته وتسابق إلى الإعلان بنصرته قبيلة غياثة، ولما تمت له البيعة بها تهافت عليه زعماء تلك النواحي من التسول والبرانيس وصنهاجة ومن جاورهم، فطير الإعلام بذلك عاملها وهو إذ ذاك الحاج عبد السلام الزمراني للحضرة السلطانية، وطلب إمداده بقوة عسكرية يبادره بها قبل اضطرام نار فتنته وتفاحش ضرره، فقوبل طلبه بالرفض ولم يرفع لمقاله رأْس، وأُهمل الثائر حتى استفحل أمره ونسلت إليه سماسرة الفتن والمتمردون من كل حدب وصوب.

стр. 466

[صورة] مولاي الكبير نجل السلطان مولانا الحسن رحمه الله

стр. 467

فعند ذلك جهز له السلطان جيشا عرمرما يرأسه صنوه مولاي الكبير ووجه له به، فنزلت المحلة بإزاء عين القدح من بلاد الهبارجة، وما استقر بهم الثوى حتى هجمت عليهم محال الزنيم الفتان صبيحة يوم الثلاثاء وكان من دعاته في سائر حروبه استقبال المحلة التي يروم قتالها يوم الاثنين وابتداءها بالقتال يوم الثلاثاء، كذا أخبرني من حضر جميع معاركه فانهزمت جيوشه أمام الجنود المخزنية هزيمة شنيعة، وأسر منه خمسة أنفار وقطعت سبعة رءوس ووجه بالكل للحضرة السلطانية بفاس. ولما اتصل الخبر بذلك لفاس فرح الناس واستبشروا، وظنوا أن الأمر قد تم، فأصدرت الأوامر لمولاي عبد السلام الأمراني الذي كان نازلا بجيش كثيف ببني مسارة بالإتيان بما معه من الجيوش والتخييم بها مع مولاي الكبير المذكور باوطى بوعبان ونهض السلطان لمراكش. ثم في يوم السبت من رمضان ساقت المحلة لهم مقتفية إثر الفتان بجبل غياثة من ناحية قصبة بني مطير فانهزمت المحال المخزنية هزيمة لم تعهد قبل، ولما علم السلطان بذلك رجع من وجهته ودخل فاسا وعقد لسيدي محمد الأمراني على جيش جرار من العساكر الأبطال، وأمره باللحوق بالمحلة التي هزمت، ثم عقد لعامله عيسى بن عمر العبدي على جيش من المحال الحوزية له بال وألحقه بهم أيضًا، ولما لحقت المحلتان الأخيرتان بالمحلة الأولى اتفق رأْيهم على النهوض من أوطى بوعبان والتخييم على قبيلة التسول، حيث لم يتمحض للمحال المخزنية منهم صداقة ولا عداوة قالوا: إذا نزلنا عليهم نقدمهم أمامنا لقتال الفتان، وبذلك يظهر ما تكن صدورهم فإن قاتلوه ضممناهم إلينا، وإلا ابتدأناهم بالقتال، فنهضوا ونزلوا بمحل يسمي قعدة الأرانيب على رأس وادي اللبن، وكان ذالك يوم الأربعاء، ثم وجهوا للتسول يأتون إليهم مرارا فلم تقع منهم إجابة، فعند ذلك

стр. 468

صممت المحال المخزنية على محاربتهم، ونهضت إليهم يوم السبت، وكانت الحرب بينهم سجالا في ذلك اليوم ثم رجعت المحال لمحل نزولها. وفي عشية يوم الأحد ورد الفتان على التسول وقابل الجند المخزني، ثم أصدر أوامره لقبية الحايينة بمناوشتها القتال مع المحال السلطانية، فإذا ساقت إليه يأتون هم من خلفهم ويحولون بينها وبين الأخبية والأمتعة فيهجم عليهم هو وجنوده، فإذا انهزموا يجدون الحياينة من خلفهم فلا يجدون خلاصا، وإذا كان العكس وتقدموا يقع الطعن والضرب فيهم من ورائهم فيفشلوا وتذهب ريحهم على كلا الأمرين. وفي يوم الاثنين مر المارق الفتان أمام المحال المخزنية كالمتفرج تقاد خلفه تسعة من عتاق الخيل مسرجة فرمتة المحال المخزنية ببعض قنابلها فلم يلتفت لذلك. وفي يوم الثلاثاء بدأت المناوشة بين الجيشين مع الزوال، ثم اشتبك القتال وارتبك ودام إلى غروب الشمس، وكانت الكرة على المحال المخزنية وتشتتت شذر مذر، ودخلت فاسا مهزومة شر هزيمة، جلها حفاة عراة، واستولى الثائر على الأسلحة والخيام والمئونة والدواب، وكان هذا الحادث المحزن في رمضان، ولما دخلوا فاسا على الصفة المذكورة عظم المصاب ووقع أهل الديوان الملوكي في حيص بيص، ثم جهزوا محلة أخرى وأمروها بالتخييم بالمحل المعروف بالمطافي قرب وادي سبو، من قبيلة أولاد جامع، وخيمت أحزاب الفتان على ضفة وادي ايناون بثلاثاء النخيلة، وفي يوم الخميس ساقت إليه المحال المخزنية فانكسرت جموعه وترك جل ما كان أخذ من الحال المخزنية في الهزيمة قبل، وفر نحو عين مديونة، وهجم على المحلة المخزنية التي كانت منتظمة من الشراردة وشراكة فأوقعت به فهرب وترك موتى أحزابه صرعى فريسة للذئاب والغربان

стр. 469

ومن الغد اقتفت المحال أثره بعين مديونة فمزقت جموعه الباغية كل ممزق، وبعد ثلاثة أيام أعادت المحلة السلطانية السوقة لهوارة الحجر فأوقعت بهم وأزاقتهم أليم النكال والنكاد. ثم بعد هذا حشد وزير الحربية المهدي المنبهى جنودًا جرارة تنتظم من القبائل المغربية من أقصى بلاد السوس وتافيلات إلى حضرة فاس وترأسها هو ورئيس المشور القائد إدريس بن يعيش، وتوجها بها لمدينة تازا التي اتخذها الفتان محل كرسي إمارتة، وخطب به على منابرها باسم مولاي محمَّد الحسن، ولما خيمت تلك الجنود المجندة التي تربو على السبعين ألف مقاتل بوادي الحضر هجمت عليها التسول والبرانيس شيعة الفتان ليلاً فردتهم المحال الخزنية ناكصين على الأعقاب، ولما أصبح الصباح اقتفت آثارهم وأخذت منهم المساجين وطردتهم طرد الرعاء للذئاب. ودخل الجنود المخزنية مدينة تازا عنوة وفعلت بالمستضعفين من أهل البلد الأفعال التي تخجل منها المروءة ولا ترضاها الإنسانية، فقد افتضت الأبكار. وهدمت الديار، وذلك في شهر صفر الخير سنة ١٣٢١. وكان دخول المنبهي المذكور بجنودة تازا بمساعدة الشيخ أبي هاشم المدني الوركيني السملالي الحسني المعتمد عند أولئك القبائل النافذ الكلمة فيها ولكنه لم يتخذ الاحتياطات اللازمة للخروج بعد الدخول، وفاته أن يسلك، مع المستضعفين من أهل تازا مسلك اللين والمجاملة فكان ما سيمر بك بعضه. ثم بعد دخول تازا رجع المنبهي الذي كان يرأس هذه المحال مع ابن يعيش لفاس والفتان إذ ذاك بوجدة كان قد احتلها بدون قتال في ربيع النبوي عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف حيث إن عاملها كان ملتجئا بمغنية. وذلك أنه لما ظهر أمر أبي حصيرة عبد القادر العتيكي اليزناسني الذي ثار بالمقام -محل بالظهراء- وزعم أنه الولي عبد العزيز السلطان هرب من لوندرة

стр. 470

وحج وجاء يعين أخاه مولاي محمَّد (أبا حمارة) عقد السلطان المزكور لعمه مولاي عرفة على شرذمة وأعطاه مالا ووجهه لتجهيز جيش من العرب وبربر بني يزنانس محافظة على وجدة من أبي حصيرة المذكور. ولما اجتمع الجيش توجه عامل وجدة أحمد بن كروم المكناسي الجبوري به إلى برديل قرب دار البشير ومسعود، وبمجرد ما أقبل عليه أبو حصيرة انهزم ورجع إلى وجدة فحمل منها ما يعز عليه والتجأ إلى مغنية هو ومولاي عرفة فأقبل أبو حمارة من الريف بعد طرده لسيدي محمَّد الأمراني من جنادة وسلوان واحتل وجدة وبويع له بها وخطب به على منابرها باسم مولاي محمَّد وهيأ بها لوازم الإمارة من صيوان ومظلة وأتباع وأرباب الخدمات الخصوصية، وبينما هو يهيئ هذه التراتيب إذ بلغه خبر دخول عسكر المخزن مدينة تازا فسقط في يده. وبينما هو يهيئي أسباب الانقلاب إلى المغرب إذ وصلت لحدود وجدة من طريق الجزائر هيئة من حكومة المخزن مؤلفة من الحاجب أحمد الركينة بصفة كونه رئيسا على تلك المحال المخزنية والقائد عبد الرحمن بن عبد الصادق الريفي بصفة كونه معينا ومستشارا، فنزلوا بمغنية وجعلوا يخابرون رؤساء القبائل وأعيانها ويحبذون إليهم الرجوع عن غيهم، وبسب ما نثروه من الدرهم والدينار أمكنهم استجلاب رؤساء قبائل آنكاد وترجيعهم لطاعة السلطان والبراءة من الدعي الثائر واسترجعوا مدينة وجدة وطردوا عنها حمية الثائر وجعلوها مركز أعمالهم. ثم إن ابن عبد الله الصادق المزكور دس للركينة عند السلطان ما أوجب عزله عن رياسة الحال واسترجاعه لفاس وإسناد الأمر في ذلك للداس. ولما بقي الثائر مع من بقي معضدا له من اللقطاء السقطاء بين نارين أكد العزم إلى الجهة الغربية وقصدت تازا، فبينما هو في الطريق إذ وافاه الطيب بن أبي عمامة في جماعة من ذويه وفي معيته عبد المالك بن عبد القادر بن محيي الدين

стр. 471

الذي جاء لتلك النواحي من فجيج يقصد ترويض النفس والسياحة ونزل على أبي عمامة. فلما ظهر هذا الثائر اشتاقت نفسه أن يطلع على كهنه على عادة رجال الحرب فتقوي بهم ونزل ماوية ولما قرب من قصبة مسون من أرض هوارة لقيتة مقدمة جيش تازا التي كان يرأسها القائد المدني ابن محمَّد الأجلاوي، وكان قد أنزل بالقصبة المزكورة حامية من الجيش تحت رياسة القائد عبد الملك المتوكي فوقع بين الفريقين معارك أصيب فيها الزنيم برصاصة أعجزته عن القيام والقعود ففر به أنصاره جريحا لقبيلة البرانيس، وعسكروا بوادي الأربعاء من بني فراسن من التسول في أوعار وحصن حصين، ودام القتال بين أشياعه والمحلة المخزنية بتازا وانقطع خط الرجعة بين من بتازا وأوطي بو عبان إلى أن دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف واندمل جرح المارق الفتان ودخل تازا من غير مقاوم ولا معارض. ثم إنه لما كان خرج الفتان من وجدة عمرها الجيش السلطاني الذي كان بمغنية مع فرقة عسكرية وجهت مددا من فاس على طريق طنجة ومنها نزلت بالغزوات ثم سعيدة عجرد ثم وجدة من غير قتال أيضًا وذلك في ربيع الثاني عام ١٣٢ واحد وعشرين. ولما ضاق المتسع بمن بتازا من الجنود المخزنية وذاقوا بسبب ذلك من العذاب ألوانا وكابدوا من الأهوال والخصاصة، وعدم القوت ما تحدثت به الركبان، وتيقنوا أن الفئة الباغية أجمعوا أمرهم وصمموا على الأخذ بثأرهم منهم فيما فعلوه بتازا من الأعمال الوحشية، طيروا الإعلام للسلطان بما وقعوا فيه وطلبوا منه أن يمدهم بمدد يخلصهم من الورطة التي ورطوا أنفسهم فيها، فرأى أنه لا بد له من التوجه لانقاذهم بنفسه فحشد الجنود من الأغوار والنجود، وأفاض فيها العدة والمال، وعزر تلك الجنود بعساكره الوافرة وسار إلى أن خيم ببلاد الحياينة وهناك انضم إليه الجيش السابق الذي كان بأوطى بوعبان.

стр. 472

ثم نهض إلى قبيلة التسول فتفرقت أتباع المتمرد الزنيم في وعر تلك الجبال ورموا بالقنابل المحرقة وشدد عليهم في الحصار، ولكن لم يمكن اجتثاث أصل عيثهم بالكلية حيث حان إبان (١) البرد والمطر، ورأى الأمير أن تمادى جيوشه على الحصار فيه أعظم خطر، انقلب إلى فاس وكتب لإيالته بشرح أسباب أوبته ودونك لفظ ما كتب به بعد الحمدلة والصلاة. وبعد، فقد كان الغرض من نهوض ركابنا الشريف هو القيام بما أوجبه الله من إخماد فتنة المفسدين، وتربية قبيلة التسول وأشكالهم المعتدين، وقد خيمت جيوشنا السعيدة على أوديتهم وهضابهم، وخفقت بنودنا المنصورة على جبالهم وشعابهم، ونحن نحاول استرجاعهم من الغى إلى الرشاد، ونسترعى عليهم قبل أن يعمهم من الهلاك ما لا يمكنهم معه استنجاد، وكررنا عليهما زحف الصوكات من جهات متعددة، وأشهدناهم أثر سطوة الله المتجددة، وضيقنا عليهم المذاهب، حتى أوهنهم الحصار في كهوف الشواهق ومغارات المسارب، وفي كل صوكة يقع فيهم عدد من الجرحى والقتلى، وتبلغ فيهم العقوبة مبلغا يزيدهم محنة وهولا ولما كان سبب تماديهم على ما هم فيه من الضيق والمحنة هو استعظامهم لما فرط منهم من الشقاق والفتنة، حتى عدوا ذلك من الذنوب التي لا تسلم من عاقبتها عواقبهم، ولم يعتبروا أن المقصود عندنا هو استرشادهم لما تصلح به أحوالهم، وتتطهر به عقائدهم. ورأينا استمرار الحرب عليهم يفضى بهم إلى عموم الهلاك والتدمير، مع أن المراد هو إنقاذهم من مصارع الضلال بتربية واسترشاد وتحذير، وتحققنا ببقاء الفاسد الفتان في حكم العدم، من الجرح الذي لم يطق معه من تحريك يد ولا قدم. وحل مع هذا إبان الشتاء الذي أشفقنا منه على المسلمين لاضطرارهم إلى

стр. 473

حراثة أقواتهم واقتناء معيشتهم وضرورياتهم، أمرنا محلتنا السعيدة التي كانت مخيمة بتازا للتوجه إلى نواحى وجدة وآنكاد، وتكميل الغرض بها هنالك في حسم مواد، ورددنا وجهتنا السعيدة لمحروسة فاس، مصحوبين بعناية الله التي هي عمدة التدبير وجنة الاحترس. ريثما نجدد تقويم الحركة والاستعداد، ونترقب ما يظهر من أحوال هؤلاء الأوغاد، فإن أراد الله بهم خيرا وتابوا وأنابوا فذاك، وإلا فننهض لهم في الإبان الذي يقتضيه بما لا قبل لهم بحول الله، وأعلمناكم لتعرفوا حقيقة الواقع وتأخذوا حظكم من فرح الأوبة في عناية الله التي ليس لها من دافع، ونسأله سبحانه أن يحتسب اجتهادنا في حياطة دائرة النظام والدين، إنه ولى التدبير والمستعين والمعين، والسلام في فاتح شعبان عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف. أما المحال التي كانت بتازا فقد أصدر السلطان أمره إليها بعد رجوعه لفاس بالذهاب لوجدة، وبعد رجوع السلطان لفاس ردت أحزاب الفتان، وجهتها للمحال الحالة بوجدة وذلك عام اثنين وعشرين. ولما وصلها نزل بلاد بني بوزكو فرقة من زناتة، وبعث إليه رئيسهم حمادة البوزكاوى بالطاعة، فطلب منه مصاهرته على ابنته، فأجابه لذلك واقترح عليه أن يوجه أعيان القواد والوزراء لمصاحبة العروس، فوجه الثائر من أعيان حزبه الخاسر نحو السبعين. ولما دخلوا دار الرئيس المذكور هش وبش وبالغ في الإكرام وبسط الموائد وعدد الأطعمة فأكلوا وشربوا وانبسطوا، ثم عرض عليهم دخول الحمام وأنه أحماه وهيأه لهم فتجردوا من سلاحهم ودخلوا الحمام زرافات فاستحال حماما، فكانوا طعمه لحد سيفه، ثم لحق الرئيس حمادة من ليلته في أهله وأولاده بمدينة وجدة ودخل في عموم المحلة المخزنية بها.

стр. 474

ثم فارق الطيب البوشيخى أبا حمارة واستأذن معتمد الدولة بوجدة ابن الصادق المذكور في اللحوق به، فأذن له، وتوجه إليه وفي معيته رفيقه الأمير عبد المالك في طائفة من فرسانه، وكان منهم في خدمة السلطان وحاربه طائفة الفتان، ما سارت به الركبان، رغما عن كون أبي عمامة والد الطيب لم يرض عن صنع ولده وظل مواليا للفتان بسائر قبيله وأتباعه فكان عمدته في حروبه، ومساعده فيما ظهر بعد ذلك من الخطوب وقسيمه في ذنوبه، ثم وقع الخلاف والنكران، بين أبي عمامة والفتان، ففارقه أبو عمامة وأبعد النجعة بقومه ونزل بأطرف، الظهرة. هذا ولما اتصل خبر مذبحة دار البوزكاوى بالثائر قصد محل وقوعها وضربه وعاث فيه، ثم نزل على وجدة وشب القتال بينه وبين المحلة التي بها، وكان الحرب سجالا ودام متواصلا بقية السنة وجزءا من سنة ثلاث وعشرين، ثم رجع الثائر لقصبة سلوان وخرجت المحال من وجدة وذهبت للمحل المعروف بالجزيرة قرب مليلة. ثم رجع ركن الفساد أبو حمارة لبلاد الريف مكسور الجناح، في عناء وجناح، ثم رجع لنواحى فاس وتازا تارة في انطفاء وأخرى في انضرام والأموال الباهظة تصرفها الدولة في سبيله، حتى نضب ما في خزائن الدولة وفرغت أفئدة بيوت أموالها واضطرت للاستقراض من دول أوروبا بعد ثرواتها الضافية، واقترضت منهم فعلا مرات متعددة والرؤساء النهاب يملئون جيوبهم وأوعيتهم من الآلاف المؤلفة من الدراهم والدنانير إلى زمن الدولة الحفيظية. ثم أفاق من نومته، وتوهم أنه آن زمان بلوغ أمنيته فنهض إلى بلاد الحياينة، وصار يشن الغارة المرة بعد الأخرى على القبائل المجاورة لفاس إلى أن بلغ لأولاد الحاج، فنظم السلطان المولى عبد الحفيظ جنودا مجندة من أبطال ذوى حزم وعزم ووجهها إليه، فلما التقى الجمعان كانت النتيجة بتبديد جموعه

стр. 475

[صورة] الفتان أبو حمارة الجيلاني الزرهوني في قفصه

стр. 476

والاستيلاء على أمواله وذخائرة وغنيمة عياله وعبيده ثم القبض عليه والإتيان به حقيرًا مهانا. وكان الظفر به بمدشر أولاد كنون من قبيلة بني مسارة في زريبة السيد عمران عشية يوم الأحد خامس من شعبان عام سبعة وعشرين وثلاثمائة وألف، موافق ثانى عشرى غشت سنة تسع وتسعمائة وألف، ودخل لفاس في قفص من حديد على جمل ضحى يوم الثلاثاء المتصل الولاء بيوم القبض عليه. وكان الذي تولى القبض عليه عسكرى من قبيلة الشاوية من طابور بوعودة يسمى العشى، ولما ظفر به نزع له المفاتيح التي كانت بطوقه والخاتم الذي كان بإصبعه ثم تسلط عليه النهاب والأوباش وسلبوه من كل ما يطلق عليه شيء وتركوه مكشوف العورة وأذاقوه أليم النكال، ولولا أن القائد الناجم كفهم عنه لأتلفوا مهجته، هكذا أخبرنى من حضر الواقعة وعاين ما ذكر من الثقات الأثبات. ولما مثل بين يدي السلطان مولاى عبد الحفيظ أظهر من التجلد والوقاحة ما لا مزيد عليه، ثم بنيت له دكة بمشور باب البوجات، ووضع عليه قفصه وشُهِرَ أيامًا حتى رآه الحاضر والباد، وأقيمت عليه الفرجات والأفراح في سائر البلاد، ثم بعد ذلك أدخل للقصور السلطانية بفاس، وكان ذلك آخر العهد به، وبها قتل تنفيذا للحكم الشرعى المتعين في شأنه الذي كان التخيير في كيفيته للإمام، فأعدم رميا بالرصاص في أصح الروايات خلافًا لما يشيعه بعض ذوى الأغراض من الأوروبيين وغيرهم، من أنه طرح للأسود التي كانت بالقصر السلطانى فمزقتْ شلوه. ولما لم يشهر قتله أمام الجمهور صار بعض الحمقى يعتقدون عدم موته، ولا سيما خاصته كصهره محمَّد بن شلال الريفى القلعى، فإنه كان يجزم بعدم موته ورجوعه يوما ما لسطوته، فحمله اعتقاده الفاسد على منع أخته التي كانت تحت

стр. 477

الثائر المذكور من التزوج بغيره لئلا يرجع ويجدها متزوجة فنعوذ بالله من الجهل والغباوة. ثورة الريسولى: ومن ذلك ثورة أبي العباس أحمد الريسولى الذي كان في أول أمره من اللصوص النهاب قطاع الطريق بالعقبة الحمراء وما والاها. وقد اتفق أن كان بين النائب السلطانى بطنجة الحاج محمَّد الطريس التطوانى، وبين عامل طنجة الحاج عبد الرحمن بن عبد الصادق منافسة وشحناء، فوشى الطريس بالعامل المذكور للسلطان زاعما أنه المغرى للريسولى على العيث في الطرقات وأنه يشاطره جميع ما سلب ونهب، وذلك محض زور وافتراء فأصدر السلطان عند ذلك بالعامل أمرا باتا بالقبض على اللص المذكور وإلا فيكون مسئولا ولما بلغه هذا الكتاب ضاق به المتسع وصار يضرب أخماسا في أسداس، ولما رأى أن لا ملجأ ولا منجى له إلا بنصب حبال المكر والخديعة، أوعز لبعض الخاصة من أصحاب الريسولى بأنه يريد أن يرشح المذكور شيخا ولكن لا بد من أن يدفع عن تسنم ذلك المنصب مبلغا من الدراهم لا يقل عن ثلاثين ألف بسيطة حسنية، فنشط الخدن لتولية صاحبه واستعظم العدة وصار يطلب من العامل الحط من ذلك القدر وهو يشدد ويظهر الإباية من أن يضع ولو شيئًا ما، ثم ذهب الصديق لصديقه وأخبره بما راج بينه وبين العامل في شأنه فارتاح لذلك، وأجاب لأداء العدة المذكورة، وإنما يطلب دفعها مقسطة، ثم تأبط ثلاثة آلاف بسيطة حسنية ليقدمها بين يدي نجواه للعامل، وتوجه مع الواسطة. فلما أخبر العامل بما ذكر أمر بإنزال الريسولى بمحل معدل الضيوف الأعيان، وكلف من يذهب إليه بالطعام والشراب وأظهر الاعتناء الزائد ودخل هو لداره مع الواسطة.

стр. 478

ثم نادى بعد الأبطال من خاصة أنواعه يسمى عبد السلام الأشخر وقال له: إنى أريد القبض على الريسولى، وأنه لا في قوم بهذه المأمورية غيرك، وإننى لم أفضى بهذا السر لبشر من خلق الله سواك، ولا يقبل منك عذر فيه بحال، فإن فهت بهذا أو توانيت فيه فإنك تقبض مكانه وتذوق ألم طويل المحن، فأجاب الشرطى بالسمع والطاعة، واختار من أصحابه من يعتمد على إخلاصه وشجاعته وأفضى إليه بما شافهه به العامل، وقال له: إنى إذا حضر الطعام وناولته الطست ومد يده للغسل أسقط عليه وأضمه إلى فإذا رأيتنى فعلت ذلك أدركنى وأعنى فيه فتوافقا على ذلك. ولما مد الشرطى يده في المسجون قال له: إنه مسجون السلطان فمد يده لجنبه يريد سل سكين كان متأبطا له فنزعه العون الآخر منه وأوثقوا يديه خلف ظهره، وذهبوا به للسجن، وجعلوا عليه السلاسل والأغلال ثم أعلموا العامل بالواقع، فارتاح بذلك وسر به، ثم وجه به سجينا لثغر الصويرة. وبعد مدة جاء أقاربه وبنو عمه وتطارحوا على الطريس في الشفاعة فيه فأسعف رغبتهم وتشفع فيه للسطان فسرح، ولما رجع لمحله ضاق المتسع بالعامل وشيعته فطلب الانتقال فنقل لعمالة فاس. وعاث الريسولى وزاد عتوا وفسادا وصار لا يرقب في إنسان إلا ولا ذمة، كم أباد من عائلات وأراق من دماء في سبيل شهواته وأغراضه الشخصية! وأوقد من فتن حبا في الرياسة حتى أهلك البلاد والعباد وأسر (القرونيل مكليل) الحراب الشهير في الدولتين الحسينة والعزيزية ودعا بالملك لنفسه وخطب به على منابر تازروت وما والاها، والتفت حوله الصعاليك وسخفاء العقول وسماسرة الفتن اللذين حبب إليهم تقدير الراحة والسلم العام وصار آونة يجنح للإسبان وأخرى يكون عليهم، وقد تفننت الجرائد والمجلات في نشر تفاصيل أخباره داخل الإيالة المغربية وخارجها فلا حاجة بنا لجلب ذلك وتتبع وقائعه.

стр. 479

ولم يزل على طيشه وتمرد إلى أن ابتلى بداء الاسستقاء واستفحل فيه، وأعيا الأطباء علاجه وصار كالزق يمج منه الماء المنتن مجا حتى كان يضطر إلى تغيير ثيابه وفراسة في اليوم مرات، ولا يمكن تحويله من محل إلى آخر إلا بجعله في إزار يحمل فيه ودام على ذلك ستة عشر شهرا وهو مع ذلك مسموع الكلمة نافذ الأمر صحيح اللسان بذاء، لا يقيم لأحد وزنا. ثم في أوائل رجب عام ١٣٤٢ أحدق لفيف من الريفيين أشباه محمَّد بن عبد الكريم الريفى بداره بتازروت، ودخل عليه قوادهم وأشياخهم بعد أن دام البارود بينهم يوما وليلة، هلك فيه عدد عديد من الأنفس واتخذوا له محملا حملوه فيهم على عواتقهم إلى مرسى وادى (لو) ببنى سعيد على حد غمارة وركبوا به البحر وذهبوا به إلى آجدير، ثم أخرجوا عائلته وسائر نسائه من تازروت بكل احترام ووقار ووجهوا بهن لشفشاون. وفي تاسع رمضان العام لبى داعى مولاه، وبعد ذلك نقلت عائلته من شفشاون إلى (سنادة) وبقيت هنالك إلى أن قامت قيامة ابن عبد الكريم فنقلت لتطوان، ولاذت به إلى الآن ولله في خلقه شئون. مقتل الدكتور موشان واحتلال وجدة: ومن ذلك أيضًا ثورة قتل الدكتور موشان الفرنسى بمراكش، وذلك كما قدمنا أن بموت المترجم وتسنم المناصب العليا غير مستحقيها ظهرت الأوابد واختلفت العقائد، وتطلعت رءوس كأنها رءوس الشياطين، وتغير نظام الحكومة بالمرة، ووقع الانقلاب الفجائى في هيئتها, ولم يجد السلطان في دائرته رجلًا يعتمد عليه ولا بطلا يكل الأمر إليه، فجرت الأمور على غير المراد، وإذا أبرمت الأقدار الإلهية أمرا فليس له من راد، وعادت الفتنة الحوزية لشبابها، وكثر القتل والنهب والسلب بالطرقات، واذداد ذلك فشوا ونموا بمبارحة سلطان المولى عبد

стр. 480

العزيز للديار المراكشية ومقامه بالعاصمة الفاسية وذلك عام تسعة عشر وثلاثمائة وألف ١٣١٩. وتعدد رفع الشكايات للحضرة السلطانية بما لحق الناس من الأضرار وتورطوا فيه من الأخطار، بسبب سلب الأمن وتكاثف العيث في الطرقات، وقتل القوى للضعيف، فألقيت شكايتهم في روايا الإهمال وكتمها أولو الأمر من الديوان المخزنى عن السلطان واشتغلوا بلذاتهم وشهواتهم ولم يرفعوا لما يرفع إليهم ويقرر لديهم رأسا, ولا قرأوا لعاقبته الوخيمة حسبانا فكانت النتيجة فراغ الأفئدة من خوف سطوة السلطان وشديد بأسه ومهابة صولته وبطشه وتلاشى نفوذ ولاة أمره من قواد وعمال وخصوصا بمراكش، وبقى الناس كالفوضى لا سراة لهم. فاتفق أن ركب الطبيب المذكور علم دولته بباب محله بعرصة موسى، وذلك يوم السبت رابع صفر عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف على ما حقق لي بعض الأعلام من عدول مراكش، والذي قرأته في بعض التقاييد أن ذلك يوم الثلاثاء خامس صفر المذكور في الساعة الواحدة بعد الزوال، وفي العين تسارع إليه همج الرعاع وقتلوه بالضرب والحجارة والعصى وتركوا جثته ملقاة على الأرض بباب داره، وانتشروا في أزقة المدينة يسرقون ويخطفون، واغتنم اللصوص النهابون تلك الفرصة لما علموا من أن من فرص اللص ضجة السوق والمجانين من الأوباش، وكثيرا ما هم يضحكون ويمرحون، ومن علم أن الفتنة أشد من القتل وتيقن المثال وذلك أول شرر لا ينطفئ وقع في المغرب بكى واستبكى وتكلم وتألم. ثم لما اتصل بالعامل هذا الخبر المحزن والحادث الجلل وهو إذ ذاك الحاج عبد السلام الورزازى قام من حينه يبكى بكاء الثكلى، ووجه قوة كافية من أعوانه لتسكين روعة البلد، وذهب هو بنفسه في لفيف من أعوانه لمحل القتيل، ووقف

стр. 481

عليه حتى جهز ووضع في تابوته وحمل لمضجعه، وحضر في معية العامل المذكور من كان بمراكش من الأوروبيين. ثم في يوم الجمعة الرابع عشر من صفر المذكور بقى احتلال وجدة من غير مقابلة ولا مشاغبة أخذا بثأر اقتيل وطلبا للإنصاف من الفعلة والفصال فيما لها من الحقوق والدعاوى غير ما ذكر مما هو مسطور في ظهير سلطانى خوطب به القائد عبد الرحمن بركاش وأعيان الصويرة ودونك لفظه: الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله ثم الطابع الشريف بداخله عبد العزيز بن الحسن الله وليّه وبدائرته: ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الاسد في آجامها تجم من يعتصم بك يا خير الورى شرفا ... الله حافظه من كل منتقم "خديمنا الأرضى القائد عبد الرحمن بركاش وأعيان أهل الصويرة المحروسة بالله وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد فإن طبيبا فرنسويا كان مقيما بمراكش فركب علماً بالمحل الذي هو به فتسارع الرعاع إليه وقتلوه، ومن قبله كان جرح فرنسويا آخر ببلاد تكنة، وكذلك في طنجة كان قتل آخر من كبراء فرنسا، وكذلك بفاس جرح آخر". ولما بلغ ذلك الدولة الفرنسوية حصل لها انزعاج واغتاظت لذلك وها لها ما وقع من هذه الحوادث التي يؤدى إليها طيش الرعاع الذين لا يعرفون مزية الهدنة والسكينة، ولا يتدبرون عواقب النزاع، ولا ينظرون لما نكابده من حسن المهادنة وسياسة الدفاع، مع أن ذلك لا حق له فيه من جهة الشروط، وأن المخزن قادر على رفع ما تشوشوا منه من غير ضرر منهم لصاحبة بطريق الإنصاف، وحملها الغيظ على احتلال عسكرها بوجدة طالبة الإنصاف، وقبض الحق في هذه القضايا

стр. 482

والفصال فيما لها من الحقوق والدعاوى وعلقت خروجها من وجدة على إيقاع الفصال في ذلك. إذ حلولها مؤقت لأجل ما تطلبه من المعوضات لأجل ذلك وها نحن جادون في مباشرة وجوه الفصائل معها بما يقتضيه الحق لها في ذلك, ومجتهدون في ارتكاب العلاج المخلص من ذلك، حتى يخرج عسكرها من وجدة بحول الله ولأجل هذا كنا نحذركم ونحذر غيركم من رعيتنا السعيدة ونبالغ في الاسترعاء والإنذار خشية التورط في مثل هذا، ونؤكد عليهم في إعلام جانبنا الشريف بكل ما تشوشوا منه، ورفع أمره إلينا ليتدارك على الوجه الأسلم من غير افتيات ولا مديد في أحد، وعلى كل حال فلا يأخذكم قوله ولا يروعكم تشويش، فإننا بحول الله مهتمون بهذا الأمر، ومبالغون في معالجتة حتى يخرج بسلام، فليسكن جأشكم ويطمئن بالكم؛ لأننا لا نألو جهدا في صيانتكم والدفاع عنكم بأموالنا ورجالنا بحول الله حالًا واستقبالا، كمل الله المراد، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخذنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، والسلام في ١٨ صفر عام ١٣٢٥ ". انتهى. من أصله. ثم بعد مدة قدمت على مراكش لجنة أوروبية بقصد البحث في السبب الداعى لقتل ذلك الطبيب ومن تولى قتله والحامل عليه، فهيأ لهم عامل البلد المذكور مأدبة فاخرة، ولما أحضر لهم الطعام امتنعوا من الأكل، وقالوا إنما أتينا للمباحثة لا للمواكلة، فلم يزل يلين لهم القول ويلاطفهم ويستعطفهم حتى أكلوا وزال ما بهم، ثم بعد الفراغ من الأكل بحثوا العامل عما ذكر بحثا مدققا، فحقق لهم أنه لا علم له بشيء ما أصلًا حتى وقعت الواقعة. وقد كشف الغيب بعد ذلك أن الذي أغرى على قتله هو رجل من الألمان كان قاطنا بمراكش، له إلمام ببعض العلوم الإِسلامية، وكان كثيرا ما يتذاكر في

стр. 483

تفسير القرآن ويتردد على العلماء ويحبب للمغفلين سيرة دولته، أوعز هذا الألمانى لبعض الأغبياء الساقطين أن الطبيب المذكور عازم على نصب الراية الفرنسية بمحله، وتلك دسيسة يدسها لهم، وحضهم على منعه من ذلك والتعرض له والقيام في وجهه ولو أدى الحال إلى قتله فإنه لا ينتطح عليه عنزان. ثم بعد مدة أمر السلطان بتوجيه ولد العامل المذكور صديقنا الفقيه البركة السيد محمَّد للمحاكمة بطنجة، ثم بعد أخذ ورد وبحث وتنقير اتضحت براءة العامل من كل تهمة ألصقت بجنبه في قضية القتل، وأنه لا مسئولية عليه ولا على أحد من أولاده وعشيرته. وبعد ذلك صدر الأمر بإلقاء القبض على المتهمين بالقتل فوقع القبض على خمسة عشر رجلًا، وأودعوا سجن مراكش، ثم نقلوا لسجن الصويرة وذلك في يوم السبت الخامس عشر من ربيع الثاني ثم نقلوا لسجن طنجة، ثم ردوا لسجن الصويرة بطلب من النائب الفرنسى بها حسبما وقع التصريح بذلك في ظهير سلطانى، ودونك لفظه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكريم: "خديمنا الأرضى القائد عبد الرحمن بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فبعدما كان ورد لطنجة على يديك مساجين أهل مراكش المقبوضون في قضية الطبيب موشان القتيل بمراكش، جاء نائب الفرنسيس في ردهم للصويرة ليكون بحثهم بها على يد القنصل المكلف بالقضية، وقد اقتضت المصلحة المساعدة على ما ذكر، وأمرنا خديمنا النائب الحاج محمَّد الطريس بتوجيه المساجين المذكورين بحرا إليك صحبة من يعينهم لمصاحبتهم، ونأمرك أن تقبلهم وتختلى بهم بنفسك حتى تستوعب كلامهم وتستخرج ما في بواطنهم لتكون على بصيرة ثم تدعهم السجن، وإذا كتب لك خديمنا المذكور بالتنبيه على ما تسلكه في شأنهم بما يثبت أقدامهم عند مباحثاتهم، فنأمرك أن تجرى في ذلك على ما تقتضيه المصلحة

стр. 484

مع الأخذ بالحزم والاحتياط، وإذا طلب القنصل المذكور إحضارهم للبحث، فإن أمكن أن يكون بحثهم بمحضرك فهو أولى، وإلا فيكون بمحضر من يمكن حضوره من نوابك النبهاء ولا تحتاج لزيادة إيضاح في بيان المقصود مما ذكر، والسلام في ٨ رجب عام ١٣٢٥". احتلال الدار البيضاء: ومن ذلك واقعة الدار البيضاء التي هي من أعظم الوقائع الشنيعة المفتتة للكبد القاضية على قوى المغرب المادية والأدبية بالوهن والانقضاء، تلك الواقعة التي تنفس بها صبح الخطوب في أعماق القلوب، قام بحمل أعباء طامتها الكبرى جهال رعاع الرعية وأخلاط الأوباش وسفهاء الأحلام، من سخفاء عقول قبيلة الشاوية الذين لا يتدبرون العواقب، ولا يعلمون أن الإنسان لا يحصد إلا ما بذر. وذلك أن الدولة المخزنية المغربية لما انهد ركن سياستها المتين بموت صاحب الترجمة، فرزنت فيها البيادق ووسد الأمر لغير أهله، وصارت الرءوس أذنابا والأذناب رءوسا، وانفجرت براكين الاستبداد التي هي ثمرة الإفراط في الضغط، وفشا ذلك في الحواضر والبوادى وعم جميع البلاد، ونامت الصقور، وصرخت الديكة، وادعى الصعلوك أنه ابن جلا، وأينعت أغصان التشاجر والتنافس في أفخاذ من قبيلة الشاوية المذكورة، وارتأت أن الخروج عن طاعة السلطان متجر ربيح، وتمكن في قلبها حب البغى والعدوان، وجار القوى على الضعيف، وغدا الفساد في كل آونة يزداد، ورؤساء الدولة لا يستطيعون لرتق ذلك الفتق حيلة ولا يهتدون سبيلا بل هم في غمرة ساهون، وعن الأخذ الأحوط لاهون، إلى أن مدّ يد العداء بعض الرعاع من سماسرة الفتن الموقدين لنارها من جوار الدار البيضاء وبالأخص مديونة وأولاد زيان، كما عينهم ظهير سلطانى شريف دونك لفظه:

стр. 485

"خدامنا الأرضين أمناء الوضع بمرسى الدار البيضاء المحروسة بالله، وفقكم الله وسلاما عليكم ورحمة الله وبعد وصل كتابكم بشرح الواقع هنا كم من رعاع مديونة وأولاد زيان وأنكم قائمون على ساق في ترتيب العسة لحراسة الديونات وخزائنها وصار بالبال، فقد بلغ ذلك لشريف علمنا وأمرنا فيه بالمتعين، ولتردوا البال لصيانة الديوانات والخزائن، والسلام في ٢٧ جمادى الثانية عام ١٣٢٥". وقد عاث المذكورون بأطرافها وقتلوا عددا من النصارى خارجها بسبب جلوس مراقب فرنسى مع أمناء مرسى الثغر المذكور للمراقبة على المداخيل المعينة لهم التي هي ستون في المائة من مَدْخول المراسى كما ينبئ عن ذلك ظهير شريف عزيزى دونك نصه بعد الافتتاح. "خدامنا الأرضين أمناء الموضوع بمرسى الدار البيضاء، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فنأمركم أن تكونوا تدفعون للأمين الطالب العربي بن كيران ما يتحصل لجلب المخزن في مدخول الأربعين في المائة السالمة له كل يوم بيومه، وأن تكونوا تعلمون جنابنا العالى بالله في كل أسبوع بقدر ما حازه فيه وأن يكون ابتداء إجرائكم هذا العمل من يوم التاريخ الذي هو الثامن والعشرون من رمضان هذا، والسلام في ٢٨ رمضان عام ١٣٢٦". وهذا القدر عليه كانت وقعت المصادقة من الجناب العزيزى والدولة المقرضة له دولة فرنسا, ولم يزل عتو أولئك الغوغاء يتفاحش حتى أوجس القنصل الفرنسى بالثغر المذكور في نفسه خيفة اضطر بسببها إلى إنزال بعض عسكرهم من مركب حربى كان لهم هناك، فلما نزلوا تعرض لهم بعض أهل الطيش بالضرب، وجرحوا منهم كبيرا وخمسة أنفار من العسكر، على ما سيمر بك إيضاحه. وكانت المدة التي وقع الاتفاق بين السلطان مولاى عبد العزيز وبين الدولة الفرنسية على جلوس أحد الفرنسيين مع أمناء الديوانة بصفة كونه مراقبا خمسة أعوام حسبما وقع التصريح بذلك في ظهير عزيزى شريف دونك لفظه:

стр. 486

بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكريم: "خديمنا الأرضى القائد عبد الرحمن بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله، وبعد فلأجل مصلحة تحسين خدمة المرسى وزيادة الضبط في عملها اقتضى نظرنا الشريف على وجه الاختيار تنفيذ إجراء عمل المراقبة بالفعل على يد أرباب القرض الفرنسوى البخاري بجلوس أحد الأعضاء منهم بالديوانة السعيدة مع أمنائها لمدة خمس سنين من تاريخ الشروع في العمل، وقد أصدرت شريف أمرنا للأمناء المذكورين بقبوله للجلوس معهم وتمكينه من التصرف على مقتضى ضابط خدمته وعليه فنأمرك بقبوله لذلك والكون منه على بال وشد عضه فيما يتوقف عليه من أمور تكليفه الراجعة لخدمة المرسى، وضبط جميع أعمالها، والسلام في ١٠ جمادى الأولى عام ١٣٢٥". ثم ثار كمين الفتن ولم يزل شرر شره يتطاير إلى أن عمد ذات يوم لفيف من تلك القبيلة الباغية المتمردة لشاطئ البحر، حيث يبنى المرفأ لمرسى ثغر الدار البيضاء الذي كان وقع الاتفاق على بنائه بين السلطان أبي فارس عبد العزيز وإحدى الشركات الفرنسية، وذلك لما رأى السلطان أن من المصلحة العائدة على بلاده وتوسيع نطاق تجارة رعيته وغيرها ممن يتجر بها من الدول الأجنبية الأوربية النازلين بإيالته، بناء المرفأ لتلك المرسى بناء نظاميا على الطراز العصرى، وبكل أسف فإن القابض على زمام إدارة الحكومة لم يتخذ فيما رامته الاحتياطات اللازمة لردع المفسدين وكسر شوكتهم بترشيح رجال حنكتهم التجارب للوقوف على تنفيذ ذلك الأمر المهم كما يجب، بل عزلت باشا ذلك الثغر الذي كان يعرف من أين تؤكل الكتف، وعينت خلفا عنه أبا بكر بن بوزيد السلوى، فحقد المنزوع وتجرد لإغراء إخوانه على إيقاد نيران الفتن وتشويش راحة البلد فأجابوه لذلك، والباشا الجديد أخلد إلى العجز، وأظهر غاية الجبن، وأبان عن عدم لياقته وكفاءته لما رشح له.

стр. 487

ولما تم الاتفاق على الوجه المذكور شرعت الشركة المذكورة في مد السكك الحديدية لسير القطار المعد لحمل الأنقاض اللازمة للبناء رفقا بالعملة وتسهيلا عليهم فاتخذ أولئك الرعاع الأخساء مكايد توصلهم لتكسير ذلك القطار شأن العتاة الأغبياء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، المقرون تديرهم بتدميرهم وأعانهم على سوء فعلهم قرينهم اللعين. ولما وقع القطار في شبكة مكرهم بجعلهم أحجارا وأعوادا في ممره انقلب وتكسر ومات بسبب ذلك تسعة من العملة الفرنسيين وأسبانيين وإيطاليين، فمن الفرنسيين سائق القطار وهو المسمى (ربات) ورئيس الخدمة بمعدن الحجر ثم ذهبوا للمعدن وقتلوا من وجدوا به من العملة وذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الثانية عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف موافق ٣٠ من يوليو سنة ١٩٠٧. ثم إن أولئك الهمج لم يقفوا بخبثهم عند ذلك الحد بل دخلوا البلد ومدوا يد النهب والقتل وجاسوا خلال الديار والأسواق، وعززهم من استهوته الشياطين ممن هو على شاكلتهم من العسكر المخزنى المنظم الذي كان هنالك وأخلاط أهل البلد، فلم يتركوا بابا من أبواب الفحش إلا وطرقوه، ولا نهجا من مناهج الفسوق إلا سلكوه، نهبوا الديار والدكاكين والأبناك والملاح وأوقدوا النار في جميع تلك الأمكنة، وبالأخص جهة باب الرخى، وذلك بعد نهب ما بها من أموال ومتمول، ودام القتل والهرج والمرج بالبلد ثلاثة أيام بلياليها فعظم الخطب، واشتد الكرب، والولاة الذين بيدهم السلطة المخزنية أغلقوا عليهم أبواب بيوتهم وناموا وتركوا عيون العدا ساهرة. ولما تلاطمت أمواج الفساد، واضطرمت نيران الفتن وماج الناس بعضهم في بعض وبلغت القلوب الحناجر، واختلط الحابل بالنابل، وجهت الدولة الفرنسية إحدى بوارجها المعدة للمياه المغربية المسماة (كليلى عدد ٦٦) حاملة لفرقة حربية

стр. 488

لحراسة قنصليتها طبق ما أشرنا إليه تنتظم تلك الفرقة من ستة وستين جنديا، فأخبر القنصل الذي كان تم عامل البلد إذ ذاك وهو بوبكر بن زيد السلاوى المذكور بنزول الفرقة المذكورة للصدد الذكور وحذره من التعرض لها بسوء وأعلمه أنها إذا مست بسوء، فإن البارجة الفرنسية لا بد من أن تضرب البلد فتكون العاقبة وخيمة. فاستشار العامل المذكور في ذلك مولاى الأمين بن الأمير مولانا عبد الرحمن بن هشام الخليفة السلطانى في ذلك العين هنالك، فأجابه بأنه لا دخل له في صعود ولا هبوط، وإنما هو مكلف بحماية البلد من عيث فساد الشاوية، ثم جمع العامل المذكور بعض أعيان البلد وفاوضهم في الأمر فأشاروا عليه بغض الطرف عنهم تحرزا من وقوعه في ورطة المسئولية التي لا تحمد عقباها مع السلطان. فاستحسن رأيهم الفاسد، ونظرهم الكليل الكاسد، فأمر أحد أعوانه المدعو البدوى بأن يأذن للمكلف بفتح باب مرسى الثغر قبل الوقت المعتاد لفتحه، والمكلف إذ ذاك المدعو محمَّد -فتحا- ابن القلوبى، فامتثل ما أمر به، ولما فتح الباب وجد الفارب الحامل لتك الفرقة على الشاطئ والعسكر شاكى السلاح فرام سد الباب في وجهه ثم التفت أحد البوابين الذين كانوا هناك قيل لم يعرف وقيل هو محمَّد الحيانى المسفيوى لمن حوله من حرس وقال قوموا اضربوا على أنفسكم وأولادكم يا كلاب، فإن النصارى جاءت لأخذ بلادكم فقام بعض من لا يبصر رشده من الحمقى وأطلق بندقة، في وجهه تلك الفرقة. ثم عزر فعلة المشئوم أحد المكلفين بحراسة الصقالة من رماة المدافع وهن محمَّد وشت -بفتح الواو وسكون الشين المعجمة والتاء المثناة- الحداد حرفة بكورة إذ كان العامل المذكور أوعز لهم ضرب تلك الدارعة، إذا هي ابتدأت الضرب. فعند ذلك تراصت تلك الفرقة على صف واحد وأطلقت بنادقها على من

стр. 489

رام مقاومتها واقتحمت باب المرسى ودخلت البلد عنوة بعد أن تركت المبتدئين لها بالضرب صرعى، وجرح بعض الضباط منهم وهو الفسيان (بلاند) المسمى باسمه الشارع الممتد من شريح أبي الليوث إلى الباب المجاور للسقالة القديمة المقابل الآن للبستان العمومى الكائن بحومة أبي الحسن علال القروانى صاحب المزارة الشهيرة إلى الآن بذلك الثغر، واثنان من البحارة، ثم إن الفرقة المذكورة توجهت لدار قنصليتها شاهرة سلاحها تطلق بنادقها على كل من صادفته في طريقها. ولما وصلت دار القنصلية وجدت الحرس المخزنى المعد لحراستها على الباب فقام وأدى التحية العسكرية، فأطلقت فيه تلك الفرقة مكاحلها وارتقت على سطوح الدار وصارت تتابع طلقاتها النارية على سائر المارة من جميع الجهات حيث كانت تعتقد عداء الكل، كما أن الدارعة المذكورة صات تمطر البلاد بوابل كور مدافعها المدمرة وذلك قبيل بزوغ شمس يوم الاثنين خامس عشرى جمادى الثانية من العام المذكور، موافق خامس غشت سنة سبع وتسعمائة وألف. وفي زوال اليوم نفسه وردت على الثغر المذكور دارعة أخرى تسمى (دوشيلة) حاملة لفرقة عسكرية أخرى أنزلتها تعزيزا للأولى تنتظم من ماتة وعشرين جندى يرأسها الكمندان (مانجان)، وشاركت الدارعة كليلى في إطلاق القنابل على المدينة، وفرق الكمندان المذكور العس على دور القناصل الأجنبية كالسويد والإِنجليز والبرتغال وأسندت إليه قيادة الجيش النازل ونظم البوليس فأحسن التنظيم والإدارة. هذا والمخزن باذل جهده في تطمين قلوب الرعية ونشر المكاتب لعمالة وولاة أمره بتحقيق الحقيقة وتقريرها لأولى العصبة من القبائل. قرأت في ظهير سلطانى عزيز بالتاريخ المذكور مخاطب به باشا الرباط في وقتنا الحاضر، حبنا السيد عبد الرحمن بركاش باشا الصويرة إذ ذاك بعض ما يتعلق

стр. 490

بما شرحناه جلبنا نصه هنا تتميما للفائدة ودونك لفظه بعد الحمدلة والصلاة والطابع المنيف: "خديمنا الأرضى القائد عبد الرحمن بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله، وبعد فإن بعض الرعاع من القبائل المجاورين لثغر الدار البيضاء مدوا يد العداء بخارجه بسبب جلوس المراقب الأجنبى مع أمناء الثغر المذكور، وصاروا يتحدثون في ذلك بأقوال غير مقبولة ولا معقولة لجهلهم بحقيقة الأمر وعدم معرفتهم إياه؛ لأن جلوس هذا المراقب مع من ذكر تقدمت له نظائر عديدة في عهد سيدنا الجد ﵀، وفي حياة سيدنا المقدس بالله للمراقبة على مال السلف الذي كان بحوزته من المراسى في السلف الذي اقترض منهم وقتئذ، ولما توصلوا به انصرفوا لحالهم وهكذا هؤلاء المراقبون الذين جلسوا الآن بالمراسى فإنهم فإنما جلسوا للمراقبة على مال سلفهم الذي اقترضه منهم المخزن على القاعدة الجارية في ذلك من قديم الأعصار، وبمجرد ما يتوصلون به ينهضون لشأنهم كذلك ولا ضرر على المسلمين. ولو كنا نعلم حصول أدنى ضرر لهم من ذلك ونحوه لدفعناه عنهم بأى وجه أمكن، نعم إن حدث عندهم ما فهموا فيه ضررا فليرفعوه لحضرتنا الشريفة على يد عاملهم لننظر فيه، فإن ظهر وجه لكلامهم ينفذ الأمر فيه بما يتعين، وإلا يجابون بما يرفع عنهم الإيهام والإشكال، وعليه فنأمرك أن تكون على بال من القبائل الذين بناحية ذلك الثغر إن حركوا معك كلاما في ذلك لتجيبهم بما قرر لك على الوجه الذي يفهمون منه المقصود ولا يبقى عندهم إشكال في حقيقة الأمر بحول الله، وها نحن كتبنا لهم بذلك أيضًا حسبما يصلك لتتركه تحت يدك احتياطا إن حدث ما يوجب دفعه لهم تجده تحت يديك، وإلا فاتركه عندك حتى تنكشف تلك العوارض ورده لحضرتنا الشريفة والسلام في ٢٥ جمادى الثانية عام ١٣٢٥ ".

стр. 491

ثم في اليوم نفسه في الثانية بعد الزوال وردت بارجة إصبانية صغيرة من جزر كنارية على الثغر المذكور حاملة لفرقة عسكرية لحماية قنصليتها أيضًا، وعززت الدارعتين الفرنسيتين في صب هاطل الكور على البلد، وكان الضرب بالغا حده فضج الناس وافتتنوا ولم يجدوا ملجأ ولا منجى وظل بعضهم يموج في بعض كأنهم سكارى يعربدون ونار الفتن تتوقد وشرر زفيرها يتطاير في قلوب العجزة من الرجال والنساء والصبيان. ولما جل الخطب وطم أمرهم الخليفة المولى الأمين المذكور بعد الموافقة مع القنصلية الفرنسية بالخروج للمحل المعروف بالسور الجديد الذي كان محل تخييمه بالقوة التي كانت إلى نظره من عساكر وخيل ورماة، وصرح لهم بأن كل من حل به فهو آمن على نفسه وماله فانقسم الناس قسمين: قسم ائتمر بما أمر به الخليفة المذكور فخرج مسرعا إلى السور الجديد حيث القوة المخزنية ومثوى الخليفة السلطانى الذي جاء لحياطة البلد وذويها. وقد كان هو دخل المدينة يوم الجمعة بقصد إطفاء نار الفتن وإجلاء البادية عن البلد ونزل بدار المخزن هناك وأقام بها يوم السبت والأحد وفي صبيحة يوم الاثنين وقعت الواقعة. ولما خرج من خرج للسور الجديد حيل بين مولاى الأمير، الخليفة المذكور وبين ما أراد من اللحوق بعائلتة والقوة التي كانت معه لتفاحش عيث المفسدين في الطريق ولم يبق معه بالمدينة غير وصيف وطباخ. وفي عشية يوم الأربعاء سابع عشر موافق سابع عشرى جمادى المذكور أطلقت الدارعتان الفرنسيتان قنابلهما على الملتجئين بالسور الجديد حيث رأت أحزاب العتاة المسدين تجمهرت حولة ورامت الهجوم على من به وقصدهما تبديد

стр. 492

جموعهم وتشتيتهم حتى لا يلحق من بالسور منهم أدنى أذى وعززتهما الدارعة الإصبانية فسار الكور ينزل على المفسد والمصلح وعم البلاء واشتبك وارتبك لعدم إمكان التحرز ولأن الخبث إذا أكثر هلك الصالح والطالح فهلك عدد عديد من أولئك البؤساء المرعوبين الجياع العطاش المسلوبين المنهوبين الذين كانوا بالسور الجديد، وولى الثوار ناكصين على الأعقاب ولم يبقى واحد منهم يروج بالمدينة ولا يحوم حول السور. وفي عشية ذلك اليوم نزل بالبلدة المذكورة القائد الجنرال (درود) واحتل البلد بخيله ورجله، وتم الأمر على يده وانتشر الهدوء والسكون. ثم بعد ذلك نزلت فرقة من العسكر الإصبانى للاحتلال أيضًا واتخذت المساجد أروية لربط بهائمها وألواح الصبيان الذين يقرءون القرآن حطبا وبالغت في الإفساد والتدمير داخل المدينة وخارجها. أما القسم الآخر فإنه انقسم إلى قسمين: قسم خرج ناجيا بنفسه إلى البادية للاستيجار بمن له به صداقة وسابقية مودة عساه أن يؤمن روعته، ويرحم لوعته، وقسم التجأ بدور بعض القناصل فانقلب على الحضرى الناجى بنفسه البدوى الأجلف الذي كان صديقا حميما عدوا مبينا فكان الحضرى يلقى صفيه البدوى فيحن له ويرتاح لرؤيته فيبادره بجفائه الغريزى المركوز في طبعه الخشن ويقابله بكل شدة وقساوة ويجرده من كل ما عسى أن يكون عليه من الثياب أو بيده من المتاع قل أو جل، ويتركه مكشوف العورة صفر اليدين ويقول له أنا أولى بسلبك من غيرى بلغ بهم الإفراط في الخبث والدناءة إلى أن شقوا بطن امرأة حامل وأخرجوا جنينها منها ظنا منهم أنها ابتلعت نقودا، ومخضوا شريفا مخضا ذريعا لاتهامهم إياه ببلع نقود كذلك. وكم افتضوا من أبكار واسترقوا من أحرار، فمن جملة من استرق وبيع

стр. 493

[صورة] الخليفة مولاي الأمين رئيس لجنة التعويضات ببزته الرسمية بالوسط وعن يمينه الأمين الصديق احرضان الطنجي وعن يسره الأمين بناصر غنام الرباطي مع نواب الدول والتراجمة والكتاب.

стр. 494

عبد الكريم نجل صديقنا ناظر الأحباس في ذلك الحين بذلك الثغر السيد إدريس الفيلالى، ثم بعد أخذ ورد أدى والده لمن كان اشتراه قبل مائة ريال سكة حسنية. ثم بعد انجلاء غياهب هذا الحادث المدلهم جمعت أكداس تلك الجثث المنتنة وذلك ثامن غشت وألقيت في أخدود وصب عليها الكاز وأطلقت النار وردم رمادها ورفاتها بالمحل الذي صار الآن جنانا عموميا مقاومة لتلك الروائح الكريهة المؤذية، وتحفظا عما ينشأ عنها من الأضرار الفتاكة المعدية المعدمة، وكان المكلف بجمع تلك الجثث والأشلاء المعين (بريط) الفرنسى الولوع بجمع الآثار العتيقة والنقود الثمينة الشهير إلى الوقت الحاضر بالدار البيضاء. أخبرنى أنه مات من اليهود نيف وأربعون، وجرح منهم خمسون، واختطف من فتياتهم مائه وخمسون كما اختطف من المسلمات عدد عديد. وبعد إطفاء نيران الفتن بالدار البيضاء قام أهل الحمايات بطلب تعويض ما ضاع لهم في الواقعة ومن نهبت له عشرة ادعى بالآلاف وشددوا في ذلك وأفرطوا، فاصدر السلطان ظهيرا بتشكيل لجنة تنظر في الخسائر وعين أعضاء من الوطنيين والأجانب وإليك نص الظهير. بعد الحمدلة والصلاة. "يعلم من كتابنا هذا أعلى الله مقداره، وثبت على الهدى مزاره، أننا أذنا بتشكيل جمعية بثغر الدار البيضاء للنظر في الخسائر الحاصلة بالثغر المذكور وقت حادثته للأهالى والأجانب وتحقيق الحق عنها وإبطال الباطل وتقدير التعويضات اللازمة في ذلك بموجباتها، وعيّنا من قبل جانبنا الشريف عمنا الأرضى مولاى الأمين للرياسة عليها وخديمنا الطالب بناصر غنام معتمدا أولا والطالب الصديق احرضان معتمدا ثانيا والطالب الحسن كاتبا ليقوموا بالمتعين في ذلك مع الأعضاء

стр. 495

المعينين من قبل الدول المحترمين ذوى العلاقة بالموضوع ويجروا في تحريرهم كذلك على طريق العدل والإنصاف ويعينوا المختبرين والمفتشين المحليين لأعمال الأبحاث الابتدائية، وأضفنا لأعضاء المخزن المحامى والمستشار إبراهيم بمنت والترجمان كرم والسلام، صدر به أمرنا الشريف في ٢٧ ربيع الثاني عام ١٣٢٦. والأعضاء الأجانب المشار إليهم في الظهير هم: معتمدوا ألمانيا وإصبانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتقال وهؤلاء مع نواب المخزن هم الذين لهم الحق في النظر في كل دعوى تعرض على بساط اللجنة، بخلاف النواب الخصوصيين، وهم نواب أميريكا والنمسا وبلجيكا والسويد والدانمرك وهولندا، فلم يكن لهم حق في سن ضابط ولا إبداء رأى في غير دعاوى تابعيهم، وقد ناب عن السويد معتمد دولة الألمان وعن الدانمرك المعتمد البريطانى. أما الدولة العلية العثمانية فكان ابتدأ بمباشرة دعاوى تابعيها وهي أربعة دعاوى معتمد فرنسا بصفة نائب الرئيس ثم بعد أن أعلنت قنصلية إنجلترا بالثغر أنها كلفت رسميا بحماية رعايا تركيا رجع إلى مباشرة الدعاوى، المذكورة معتمد إنجلترا (المستر تورون). فكان عدد الدعاوى التي عرضت على البحث ٣٥٠٦، والقيمة المدعى بها فرنكات ٢٦، ٤٧٨، ٣٦٦، ١٧ والقيمة التي حكمت بها اللجنة فرنكات ١٣, ٦٩، ٦٤٢، ٥٧. ثم أضيف لذلك دعاوى تقدمت على المواضع والأملاك التي احتلتها الجنود الفرنسية الإصبانية وعدد دعاويها ٦١ والقيمة التي حكمت بها اللجنة الدولية فرنكات ١٩٥، ٧١٠، ٨٥.
следующие страницы →