ثم في اليوم نفسه في الثانية بعد الزوال وردت بارجة إصبانية صغيرة من جزر كنارية على الثغر المذكور حاملة لفرقة عسكرية لحماية قنصليتها أيضًا، وعززت الدارعتين الفرنسيتين في صب هاطل الكور على البلد، وكان الضرب بالغا حده فضج الناس وافتتنوا ولم يجدوا ملجأ ولا منجى وظل بعضهم يموج في بعض كأنهم سكارى يعربدون ونار الفتن تتوقد وشرر زفيرها يتطاير في قلوب العجزة من الرجال والنساء والصبيان.
ولما جل الخطب وطم أمرهم الخليفة المولى الأمين المذكور بعد الموافقة مع القنصلية الفرنسية بالخروج للمحل المعروف بالسور الجديد الذي كان محل تخييمه بالقوة التي كانت إلى نظره من عساكر وخيل ورماة، وصرح لهم بأن كل من حل به فهو آمن على نفسه وماله فانقسم الناس قسمين:
قسم ائتمر بما أمر به الخليفة المذكور فخرج مسرعا إلى السور الجديد حيث القوة المخزنية ومثوى الخليفة السلطانى الذي جاء لحياطة البلد وذويها.
وقد كان هو دخل المدينة يوم الجمعة بقصد إطفاء نار الفتن وإجلاء البادية عن البلد ونزل بدار المخزن هناك وأقام بها يوم السبت والأحد وفي صبيحة يوم الاثنين وقعت الواقعة.
ولما خرج من خرج للسور الجديد حيل بين مولاى الأمير، الخليفة المذكور وبين ما أراد من اللحوق بعائلتة والقوة التي كانت معه لتفاحش عيث المفسدين في الطريق ولم يبق معه بالمدينة غير وصيف وطباخ.
وفي عشية يوم الأربعاء سابع عشر موافق سابع عشرى جمادى المذكور أطلقت الدارعتان الفرنسيتان قنابلهما على الملتجئين بالسور الجديد حيث رأت أحزاب العتاة المسدين تجمهرت حولة ورامت الهجوم على من به وقصدهما تبديد
стр. 492
جموعهم وتشتيتهم حتى لا يلحق من بالسور منهم أدنى أذى وعززتهما الدارعة الإصبانية فسار الكور ينزل على المفسد والمصلح وعم البلاء واشتبك وارتبك لعدم إمكان التحرز ولأن الخبث إذا أكثر هلك الصالح والطالح فهلك عدد عديد من أولئك البؤساء المرعوبين الجياع العطاش المسلوبين المنهوبين الذين كانوا بالسور الجديد، وولى الثوار ناكصين على الأعقاب ولم يبقى واحد منهم يروج بالمدينة ولا يحوم حول السور.
وفي عشية ذلك اليوم نزل بالبلدة المذكورة القائد الجنرال (درود) واحتل البلد بخيله ورجله، وتم الأمر على يده وانتشر الهدوء والسكون.
ثم بعد ذلك نزلت فرقة من العسكر الإصبانى للاحتلال أيضًا واتخذت المساجد أروية لربط بهائمها وألواح الصبيان الذين يقرءون القرآن حطبا وبالغت في الإفساد والتدمير داخل المدينة وخارجها.
أما القسم الآخر فإنه انقسم إلى قسمين: قسم خرج ناجيا بنفسه إلى البادية للاستيجار بمن له به صداقة وسابقية مودة عساه أن يؤمن روعته، ويرحم لوعته، وقسم التجأ بدور بعض القناصل فانقلب على الحضرى الناجى بنفسه البدوى الأجلف الذي كان صديقا حميما عدوا مبينا فكان الحضرى يلقى صفيه البدوى فيحن له ويرتاح لرؤيته فيبادره بجفائه الغريزى المركوز في طبعه الخشن ويقابله بكل شدة وقساوة ويجرده من كل ما عسى أن يكون عليه من الثياب أو بيده من المتاع قل أو جل، ويتركه مكشوف العورة صفر اليدين ويقول له أنا أولى بسلبك من غيرى بلغ بهم الإفراط في الخبث والدناءة إلى أن شقوا بطن امرأة حامل وأخرجوا جنينها منها ظنا منهم أنها ابتلعت نقودا، ومخضوا شريفا مخضا ذريعا لاتهامهم إياه ببلع نقود كذلك.
وكم افتضوا من أبكار واسترقوا من أحرار، فمن جملة من استرق وبيع
стр. 493
[صورة]
الخليفة مولاي الأمين رئيس لجنة التعويضات ببزته الرسمية بالوسط وعن
يمينه الأمين الصديق احرضان الطنجي وعن يسره الأمين بناصر غنام
الرباطي مع نواب الدول والتراجمة والكتاب.
стр. 494
عبد الكريم نجل صديقنا ناظر الأحباس في ذلك الحين بذلك الثغر السيد إدريس الفيلالى، ثم بعد أخذ ورد أدى والده لمن كان اشتراه قبل مائة ريال سكة حسنية.
ثم بعد انجلاء غياهب هذا الحادث المدلهم جمعت أكداس تلك الجثث المنتنة وذلك ثامن غشت وألقيت في أخدود وصب عليها الكاز وأطلقت النار وردم رمادها ورفاتها بالمحل الذي صار الآن جنانا عموميا مقاومة لتلك الروائح الكريهة المؤذية، وتحفظا عما ينشأ عنها من الأضرار الفتاكة المعدية المعدمة، وكان المكلف بجمع تلك الجثث والأشلاء المعين (بريط) الفرنسى الولوع بجمع الآثار العتيقة والنقود الثمينة الشهير إلى الوقت الحاضر بالدار البيضاء.
أخبرنى أنه مات من اليهود نيف وأربعون، وجرح منهم خمسون، واختطف من فتياتهم مائه وخمسون كما اختطف من المسلمات عدد عديد.
وبعد إطفاء نيران الفتن بالدار البيضاء قام أهل الحمايات بطلب تعويض ما ضاع لهم في الواقعة ومن نهبت له عشرة ادعى بالآلاف وشددوا في ذلك وأفرطوا، فاصدر السلطان ظهيرا بتشكيل لجنة تنظر في الخسائر وعين أعضاء من الوطنيين والأجانب وإليك نص الظهير.
بعد الحمدلة والصلاة.
"يعلم من كتابنا هذا أعلى الله مقداره، وثبت على الهدى مزاره، أننا أذنا بتشكيل جمعية بثغر الدار البيضاء للنظر في الخسائر الحاصلة بالثغر المذكور وقت حادثته للأهالى والأجانب وتحقيق الحق عنها وإبطال الباطل وتقدير التعويضات اللازمة في ذلك بموجباتها، وعيّنا من قبل جانبنا الشريف عمنا الأرضى مولاى الأمين للرياسة عليها وخديمنا الطالب بناصر غنام معتمدا أولا والطالب الصديق احرضان معتمدا ثانيا والطالب الحسن كاتبا ليقوموا بالمتعين في ذلك مع الأعضاء
стр. 495
المعينين من قبل الدول المحترمين ذوى العلاقة بالموضوع ويجروا في تحريرهم كذلك على طريق العدل والإنصاف ويعينوا المختبرين والمفتشين المحليين لأعمال الأبحاث الابتدائية، وأضفنا لأعضاء المخزن المحامى والمستشار إبراهيم بمنت والترجمان كرم والسلام، صدر به أمرنا الشريف في ٢٧ ربيع الثاني عام ١٣٢٦.
والأعضاء الأجانب المشار إليهم في الظهير هم: معتمدوا ألمانيا وإصبانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتقال وهؤلاء مع نواب المخزن هم الذين لهم الحق في النظر في كل دعوى تعرض على بساط اللجنة، بخلاف النواب الخصوصيين، وهم نواب أميريكا والنمسا وبلجيكا والسويد والدانمرك وهولندا، فلم يكن لهم حق في سن ضابط ولا إبداء رأى في غير دعاوى تابعيهم، وقد ناب عن السويد معتمد دولة الألمان وعن الدانمرك المعتمد البريطانى.
أما الدولة العلية العثمانية فكان ابتدأ بمباشرة دعاوى تابعيها وهي أربعة دعاوى معتمد فرنسا بصفة نائب الرئيس ثم بعد أن أعلنت قنصلية إنجلترا بالثغر أنها كلفت رسميا بحماية رعايا تركيا رجع إلى مباشرة الدعاوى، المذكورة معتمد إنجلترا (المستر تورون).
فكان عدد الدعاوى التي عرضت على البحث ٣٥٠٦، والقيمة المدعى بها فرنكات ٢٦، ٤٧٨، ٣٦٦، ١٧ والقيمة التي حكمت بها اللجنة فرنكات ١٣, ٦٩، ٦٤٢، ٥٧.
ثم أضيف لذلك دعاوى تقدمت على المواضع والأملاك التي احتلتها الجنود الفرنسية الإصبانية وعدد دعاويها ٦١ والقيمة التي حكمت بها اللجنة الدولية فرنكات ١٩٥، ٧١٠، ٨٥.
стр. 496
[صورة]
رئيس اللجنة التنجيزية لأداء غرامة الدار البيضاء الخليفة السلطاني سيدي محمَّد الأمراني عن يساره الحاج عبد الرحمن لحلو وعن يمينه الأمين السيد العربي بن كيران هؤلاء الثلاثة مغاربة وعن يسار الحاج عبد الرحمن لحلو طيطوتي نائب إيطاليا وبينه ويين الخليفة السلطاني ثورن الإنجليزي ورريو الفرنسي ولابليخا الإصباني وبين الخليفة السلطاني وابن كيران شامبير ذونفرو ومكى الفرنسي كاتب اللجنة.
стр. 497
ولم يتم أمر ذلك حتى جاءت الدولة الحفيظية، وتخلى الخليفة المولى الأمين عن وظيف الخلافة، وولى مكانه أبو عبد الله محمَّد الأمرانى آتى الترجمة، وفي مدة توليته تمت المسألة ووقع الأداء بطنجة.
هذا وأما أبو زيد عامل البلد المذكور فقد ألقى عليه القبض وثقف على ظهر الدارعة "كليلى" عقوبة له على ما أجرم ثم سرح بعد.
ووقع القبض على بعض النهاب، وأعدم البعض منهم حينا ودفن ما يزيد على ثلاثمائة من المسلمين، ووجد بين الأسوار وتحت أطلال الهدم والردم والجهة التي خرقت عدد عديد من الجثث.
ثم بعد التطهير بالحريق ابتدئ في تنظيم أمور الديوانة، وكان المتولى للأمر إذ ذاك (الكمندان منجان) وعلال بن عب الطنجى خليفة الخليفة السلطانى المذكور.
وأما السور الجديد -الذي ذكرنا أن الناس التجأوا إليه لما دهاهم من ضرب الدوارع الحربية ما دهاهم- فهو عبارة عن فسيح يحتوى على عدة هكتارات محاط بالسور من جهاته الأربع، بها أبراج محكمة البناء كان بناه السلطان المقدس مولاى الحسن وقصده أن يتخذ قصبة تختط بها دور الأجانب الأوروبيين النازلين بذلك الثغر من قناصل وتجار وغيرهم سعيا وراء جلب الراحة إليهم، وإبعادا لهم عمن يخالفهم في العوائد ويباينهم في الذوق، إذ لا تتم الراحة للإنسان إلا بجعله مع مجانسه وملائمه وتمكنه مما اعتاد على الطراز الذي ألف من غير منتقد ولا مشغب وكان بناؤه إياه على يد الأمينين محمَّد بن سعيد المعروف بالكدر، ثم الحاج عبد الخالق فرج محتسب الرباط الشهير بالمواقف والمناقب والغيرة الوطنية والصدق والإخلاص والأمانة، ثم لما مات السلطان البانى ولم يتم ما كان أراد بقى المحل معدا لتخييم الجيوش المخزنية وقتما مرت بذلك الثغر، وقد تتفسح فيه أهل
стр. 498
البلد عند فراغه من الجيوش وبالأخص في زمن الربيع، وتقام به نزهة سلطان الطلبة، ثم بعد الواقعة أحدث فيه شارع عمومى.
واتخذ بجانب منه مستشفى عسكرى لا زال قائم العين إلى الآن.
ولقد كان لهذه الحادثة الحالكة دوى ورنة في العالم تناقلتها السنة الجرائد الرائجة في ذلك العصر عربية وعجمية وذهب الكتاب في أسبابها كل مذهب كل على حسب أغراضه الشخصية ومغامزه السياسية والحقيقة وراء جل ما حبروا وخبروا.
ومدينة الدار البيضاء هذه هى المعروفة في كتب التاريخ قديما باسم آنفا، وهى واسطة بلاد تامسنا وإحدى عواصم برغواطة، قد كان بعد تقلص ظلمهم أنزل بها يعقوب المنصور الموحدى عرب جشم بن معاوية وسليم وبنى هلال بن عامر، وقد هلك أكثر هؤلاء بالأندلس في واقعة الناصر الموحدى في قضيه العقاب، فقل عددهم ووقع الفراغ المحسوس في وطنهم، فلما كانت دولة بنى مرين عمد يعقوب ابن عبد الخالق لنقل طوائف من أهل المغرب الأوسط لما غلب على بنى زيان واستولى على جنوب بلادهم إلى جنوب الزاب، فكان ممن نقلهم لضواحى آنفا قبيلة المذاكرة من عرب سويد الهلاليين إخوة رباح، ومن المذاكرة قبيلة صبيح كان منهم في دولة بنى مرين الوزراء وأرباب الدولة، ونقل معهم أوزاعا من توجين ومزاب من زناتة ومغراوة من رنانة أيضا، وأشغلهم بالقيام على إبل الدولة وشائها، فأطلق عليهم اسم الشاوية وذلك سنة ست وسبعين وستمائة وجعلوا مقر رياستهم مدينة آنفا، فلم يلبسوا أن خالفوا على الدولة وقطعوا السابلة وأساءوا الجوار مع غيرهم، فزحف إليهم أبو ثابت بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المرينى سنة سبع وسبعمائة فأرغمهم على الطاعة وقبض على ستين رجلا من شيوخهم وأودعهم سجن قصبة آنفا، وقطع رءوس عشرين من عتاتهم قاطمى السبيل وصلبهم على أسوار آنفا.
стр. 499
[صورة]
باشا الدار البيضاء بو بكر ابن بو زيد على ظهر الباخرة أسيرا
стр. 500
وفى سنة ست وسبعين وستمائة نزل عليها أسطول البرتغاليين فهد أسوارها وخرب أبنيتها وصيرها أثرًا بعد عين وذهب لحال سبيله، ثم نزل إليها سنة عشرين وتسعمائة فأسس بناءها وسماها بلغته الدار البيضاء، وكان اسمها في القديم البيضاء كما ذكره أبو عبيد.
ولم يزالوا بها إلى أن أخرجهم منها السلطان سيدى محمد بن عبد الله سنة أربع وخمسين ومائة وألف، وعمرها بقبائل الشاوية أهل الناحية، ولم يزل لملوك دولتنا من حفدته وبنيه اهتمام بها وبنظائرها من الثغور المغربية وحياطتها شرعا وسياسة إلى الدولة العزيزية.
ولنذكر لك جزيئات على سبيل التمثيل ليقاس عليها.
فمن اهتمامها أى الدولة العزيزية بحياطتها لو وجدت على ذلك أعوانا وأكفاء ما وقفت عليه في ظهائر عديدة دونك لفظ أولها بعد الحمدلة والصلاة والطالع العزيزى الشريف.
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد أخبر الأمين الطالب عبد السلام والزهراش الرباطى بأن المهراسين الذين بالبرج اليزيدى أحدهما ملقى على الأرض والآخر بمحل الإشارة خارج البرج على سرير مكسر، وكانت له طبلتان تلاشى فراشهما واندثر بناؤهما بإهمالهما وتراكم الأزبال حولهما من النوائل والبناءات، وعليه فنأمركم بالوقوف على عين المحل الذى به مهراز الإشارة وتنظيفه وتصوينه ورده لحالته القديمة وتجديد سرير المهراسين كما كانا بما يحتاج إليه ورد البال لذلك في المستقبل، وقد أمرنا العامل بالوقوف معكم وشد العضد في ذلك والسلام في ١٧ جمادى الثانية عام ١٣٢٥".
стр. 501
ونص ثانيها:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء حرسها الله، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد بلغ لعلمنا الشريف أن محل ترسية الفلائك بتلك المرسى مفتقر للتحسين والإصلاح، وأن صائر حصول المقصود من ذلك قوم بنحو سبعة آلاف فرنك وعليه فنأمركم أن تشرعوا في إصلاح ذلك بما تحسن به هيئته من الصفات المرادة والسلام في ٣٢ شوال الأبرك عام ١٣٢٥".
وينضاف إلى ما ذكر من حياطتها اهتمامها بحياطة الطرق والأطراف، ويكفى في التنبية فيه ظهيران شريفان وقفت عليهما دونك لفظهما بعد الحمدلة والصلاة والطابع الشريف:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة بانله، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد أخبر القائد قاسم الأودى أن المئونة مقطوعة عن إدالة إخوانه الذين بقصبة الصخيرات من وقوع الحادثة هناكم، وعليه فنأمركم أن تبينوا ما توفر لهم من المئونة في المدة التي لم يتوصلوا بها وتكونوا تؤدونها لهم على العادة والسلام في ٥ قعدة عام ١٣٢٥".
"خدامنا الأرضيين أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة بالله وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد أخبرنا القائد قاسم الأودى إدالة إخوانه الذين بقصبة الصخيرات يسألون للأمناء قبلكم من قبل مئونتهم واجب أربعة أشهر كما يسألون لكم واجب ستة أشهر دفعتم لهم منها واجب شهر واحد وعليه فنأمركم أن تدفعوا لهم ما يسألونه لكم وللأمناء قبلكم من قبل ذلك والسلام في ٢٢ حجة الحرام عام ١٣٢٥".
стр. 502
ونص آخر بعد الحمدلة والصلاة:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة بالله، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد أخبر القائد إدريس بن العربى الأودى أن إدالة إخوانه الذين بقصبة الصخيرات يسألون من قبل مئونتهم المنفذة لهم بالمرسى هنا كم واجب عشرة شهور وقد لحقهم الضرر من ذلك وعليه فنأمركم أن تبينوا الواقع في ذلك وذمة من توفرت لهم هذه المدة وقدر ما توفر لهم فيها والسبب في عدم تمكينهم منها لنرى في ذلك السلام في ٣٢ جمادى الأولى عام ١٣٢٦".
وكذا اهتمامها بضبط الصادر والوارد الذى يكفى في التنبيه عليه ظهيرانِ شريفان وقفت عليهما ودونك لفظهما بعد الحمدلة والصلاة والطابع السلطانى:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد طلب من على جنابنا الفريلية الصبنيوليون إتمام الإنعام عليهم بعد بحث حوائجهم الخاصة بهم المسرح لهم دخولها بدون أعشار واستظهروا بظهائر شريفة لأسلافنا الكرام مصرحة بعدم فتح صناديقهم التي ترد لهم، وقد ساعدناهم على طلبهم ونأمركم أن تجروا حوائجهم مجرى حوائج القناصل في دخولها من غير فتح ولا تفتيش والسلام في ٢١ حجة عام ١٣٢٥".
لفظ الثانى:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فالسلاح الذى تسرحون إدخاله للمرسى على مقتضى ضابطه نأمركم بأن تكونوا تقبضون من صاحبة ما يلزمه في أعشاره بحسب عشرة في المائة، لأن مضمن ما يأتى به إليكم من طنجة هو التسريح فقط لا إسقاط الأعشار، والسلام في ٢٢ ربيع الثانى عام ١٣٢٦".
стр. 503
ومن اهتمامها بالملاجئ الخيرية فيها وأمر المسجونين ما وقفت عليه في ظهائر شريفة عزيزة نص أولها:
نأمر خديمنا الأرضى ناظر أحباس الولى الصالح سيدى أبى الليوث بمحروس ثغر الدار البيضاء أن يكون يدفع الأجرة المتعارفة للمعلمين الذين يختانون الصبيان اليتامى وأولاد الضعفاء بالزاوية القادرية هنالك، وأن يكسوهم بما يناسب حالهم كل عام وقت الاختتان من فتوحات الولى المذكور والسلام في ٨ ربيع الثانى عام ١٣١٦.
ونص الثانى:
"خديمنا الأرضى ناظر الشيخ أبى الليوث بمحروسة ثغر الدار البيضاء، وفقك الله، وسلام عليك ورحة الله، وبعد: فقد بلغ علمنا الشريف أن المرضى. من الأفاقيين وأهل البلد الذين لا مأوى لهم يمرضون في الطرقات وينقلون لبيوت خارج المدينة ويبقون هنالك حتى يموتوا جوعا وعطشا، وقد اقتضى نظرنا الشريف جمعهم بالبيوت التي قرب ضريح الشيخ المذكور، فنأمرك أن تجمعهم فيها وتخص الرجال ببيوت منها والنساء ببيوت منها كذلك بعد أن تصلح ما لا بد من إصلاحه منها وتزيد ما يتوقفون عليه من البيوت وتكون تدفع لكل مريض خبزتين أو ثمنهما في كل يوم، ومن توفى منهم يقوم بتجهيزه ناظر المواريث، ومن حصلت له العافية بتوجه لحاله وتسقط مئونته، ومن زاد تزاد له مئونة أمثاله، وهكذا وقد أمرنا الخديم أحمد المديونى بالوقوف في ذلك وشد العضد فيه حتى ينفذ شريف أمرنا على مقتضاه، والسلام في ٦ قعدة عام ١٣١٨".
ونص الثالث: "خديمنا الأرضى ناظر أبى الليوث وأحباس الدار البيضاء الطالب إدريس
стр. 504
الفيلالى وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فقد وصل جوابك عما أمرت به من تنفيذ الخبز للمرضى والأفاقيين وجعل البيوت لهم، بأنك نفذت ترتيب الخبز لهم من مستفاد الضريح المذكور غير أن العامل أطلعك على كتاب شريف بأن الصائر يكون من ربيعة الشيخ مع أن الربيعة تفتح على يد أمناء المرسى والقاضى ويفرق ما يوجد فيها، فالثلث على الضعفاء القاطنين بجوار الشيخ، والباقى يصير في ختان اليتامى وأبناء الضعفاء، وتعين عليك أن تصير على المرضى مما تحت يدك من المستفاد مبادرة لامتثال ما أمرناك به والعمل على ما يصدر لك في المستقبل، وعليه فإن الذى يكون عليه عملك هو أن الصائر يكون ثلثاه من وفر الأحباس الكبرى، والثلث الواحد هو الذى يكمل من فتوحات الولى المذكور، وما عداه من بقية الفتوحات ينفذ في مصالحه ووظائفه المعهودة فيه، فليجر عملك عليه، وقد كتبنا للقاضى والأمناء والعامل بمثله، والسلام في ١٥ قعدة عام ١٣١٩".
ونص الرابع:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله ثم الطابع الشريف بداخله عبد الحفيظ بن الحسن وفقه الله.
"خديمنا الأرضى ناظر أحباس الدار البيضاء وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فنأمرك بتنفيذ عدد الخبز الذى كان يدفعه أمين المستفاد كل يوم. للأفاقيين الذين بسجن البلد بعد تسرادهم مرتين في كل شهر, وصير ذلك من جملة صوائر الأحباس، وقد كتب لعامل البلد بذلك، والسلام في ٢٨ محرم عام ١٣٢٩ استقل".
стр. 505
ونص الخامس:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد:
فقد أخبرنا باشادور الفرنسيس أن المقبرة المعدة لدفن الأجانب هنالك ضاقت عليهم وطلب زيادة بقعة أخرى بجوار المقبرة المذكورة وبمحل آخر يكون طولها خمسين مترا وعرضها كذلك ليجعلوه مقبرة لذلك، وقد ساعدنا ونأمركم أن تجتمعوا مع عمنا مولاى الأمين وأمين المستفاد والناظر وتتفاوضوا في تعيين بقعة هنالك تصلح لما ذكر في مجاورة المقبرة القديمة أو بمحل آخر وتبينوا قدرها وتوجهوا لشريف حضرتنا صورتها ليظهر، وقد كتبنا لعمنا المذكور والخدام المذكورين بمثله، والسلام في ١١ قعدة ١٣٢٥".
ونص السادس:
"خديمنا الأرضى ناظر أحباس ثغر الدار البيضاء المحروسة، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فقد أخبر باشادور الفرنسيس أن المقبرة المعدة لدفن الأجانب هنالك ضاقت عليهم وطلب زيادة بقعة أخرى بجوار المقبرة المذكورة أو بمحل آخر، يكون طولها خمسين مترا وعرضها كذلك ليجعلوها مقبرة كذلك، وقد ساعدنا ونأمرك أن تجتمع مع عمنا الأرضى مولاى الأمين والخديم المديونى وأمناء المرسى وأمين المستفاد وتتفاوضوا في تعيين بقعة هنالك تصلح لما ذكر في مجاورة المقبرة القديمة أو بمحل آخر، وتبينوا قدرها وتوجهوا لشريف حضرتنا صورتها ليظهر، وقد كتبنا لعمنا المذكور والخدام المذكورين بمثله، والسلام في ١١ قعدة عام ١٣٢٥".
стр. 506
ونص السابع:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة بالله، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: وصل جوابكم عن أمرنا الشريف الصادر لكم بالاجتماع مع عمنا الأمين والخديم المديونى وأمين المستفاد والناظر للمفاوضة في تعيين البقعة التي طلب باشادور الفرنسيس زيادتها لدفن موتى الأجانب بها بجوار مقبرتهم القديمة ثمة، بأنكم اجتمعتم لذلك وبعد المفاوضة خرجتم لتعيينها صحبة القبطان نائب الفرنسيس ثمة وترجمان قنصلهم، فاختاروا البقعة التي سميتم ونفذ لهم القدر المطلوب منها وميزوه وشرعوا في الدفن فيه وصار بالبال، والسلام في ٢٦ صفر عام ١٣٢٦".
ومن اهتمامها بالتعليم ونشر العلم ما وقفت عليه في ظهائر تتعلق بنصب المدرسين وتنفيذ الرواتب لهم وللخطباء دونك نص أحدها:
"خديمنا الأرضى ناظر أحباس الدار البيضاء حرسها الله، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فنأمرك أن تنفذ للطالبين المدرسين الواردين لهناك من فاس بقصد التدريس وبث العلم دارا من دور الأحباس لنزولهما وعشرين ريالا للواحد من مدخول الأحباس في كل شهر حتى تكمل مدتهما وهى سنة واحدة ليعين بدلهما عند انقضائها بحول الله على يد قاضى فاس والسلام في ١٦ جمادى الأولى عام ١٣٢٦".
ونص الثانى:
"خديمنا الأرضى ناظر أحباس الدار البيضاء المحروسة بالله الطالب إدريس الفيلالى وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فقد أصدرنا أمرنا الشريف لقاضى فاس بتعيين فقيهين مدرسين وتوجيههما على يد خليفة العامل ثمة واصلين
стр. 507
للثغر المذكور بقصد بث العلم ونشره وتدريسه به والتمشى على الضابط المبين بطرته، وأمرنا أمناء دار عديل لتوجهه لهم من وفر الأحباس المذكورة بعد بيانه، وعليه فنأمرك أن توجه لهم ما يدفعونه لهما في ذلك عند تبيينهم ذلك لك بفور وصوله إليك على يد العامل ثمة ليوجهه لهم بواسطة خليفة عامل فاس، فقد أمرناهما به كما نأمرك أن تعين لهما محلا مناسبا لهما للنزول وتنفذ لهما المئونة التي تحصل لهما للكفاية بها من الأحباس بعد إعلام جانبنا العالى بالله بقدرها والسلام في ١٣ صفر عام ١٣١٦".
والضابط المشار له هو ما لفظه في أول النهار نصاب في المختصر بما يناسب المبتدئين، ومن الساعة العاشرة إلى الزوال نصاب في التحفة كذلك، ومن الظهر إلى العصر نصاب في النحو بالألفية، وبين العشاءين نصاب في الرسالة أو المرشد، وفى بكرة الخميس أو الجمعة نصاب بالجرومية لصغار المتعلمين. انتهى.
ونص الثالث:
"نأمر ناظر الأحباس بالدار البيضاء حرسها الله أن يكون يدفع من مستفادها آخر كل شهر لكل واحد من الفقيهين السيد محمد بن الطاهر بنانى، والسيد محمد بن محمد الصنهاجى ثلاثين ريالا في مرتبه الشهرى إعانة له على تدريس العلم الشريف بها والسلام، صدر به أمرنا المعتز بالله في عشرى رجب الفرد الحرام عام ١٣١٦".
ونص الرابع:
"خديمنا الأرضى ناظر الأحباس بمحروس ثغر الدار البيضاء، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فقد أمرنا بإبدال الفقيهين المدرسين هنالك السيد محمد بنانى، والسيد محمد الصنهاجى، ونأمرك أن تدفع لكل منهما خمسين ريالا من وفر الأحباس صلة، والسلام في ٢٥ رجب عام ١٣١٨".
стр. 508
ومن اهتمامها بضبط أحباسها ما وقفت علية في عدة ظهائر تتعلق بضبط أملاك أحباسها والإسراع لتدارك إصلاح ما يفتقر للإصلاح من رباعها وضبط المتصرفين فيها ورفع حساباتها دونك لفظ أولها:
"خديمنا الأرضى ناظر الأحباس بالدار البيضاء حرسها الله، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فنأمرك أن تجعل تقييدًا لجمع رباع الحبس الذى على يدك هنالك كل محل على حدته، وتقييد ما بإزائه اسم مكتريه وإن كان رعية فنبه عليه، وإن كان حماية فكذلك واذكر اسم حاميه، وإن كان أجنبيا فبين اسمه وجنسه، وقيد أمام اسم المكترى الكراء الذى يدفعه في ضلع وما يساويه اليوم كراء في ضلع آخر، ومن كان متقاعدا عن الأداء نبه عليه وبين سبب تقاعده، ثم قيد عقب ذلك المنفذ منها بدون كراء وبيد من هو، وهل يعتمره المنفذ له أو يكريه على يده، وهكذا إلى أن تأتى على جميعها على الوجه المذكور، ووجه التقييد بها واصلا لحضرتنا الشريفة والسلام في ٢٨ جمادى الأولى عام ١٣١٥".
ونص الخامس:
بإمضاء النائب أبى عبد الله محمد بن العربى الطريس:
"الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله، محبنا الأرضى ناظر أحباس الدار البيضاء: أمنكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله، وبعد: فقد دعت الحاجة لمعرفة الأجانب وأهل الحمايات المتقاعدين على أملاك الأحباس هنا كم الممتنعين من إعطاء الواجب عليهم فيها، وعليه فبوصول هذا إليكم بينوا لنا كل من بيده ملك لجانب الحبس وهو متقاعد عليه ممتنع من أداء كرائه مع بيان قدر الكراء الذى يساويه كراؤه الآن، وعجلوا بذلك وعلى المحبة والسلام في ١٠ رمضان المعظم عام ١٣٢٤ محمد بن العربى الطريس لطف الله به".
стр. 509
ونص السادس:
بعد الحمدلة وما يتبعها من السلام والطابع السلطانى العزيزى الكريم:
"خديمنا الأرضى ناظر الأحباس بالدار البيضاء حرسها الله، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فنأمرك أن تشرع في إصلاح ما لا بد منه من رباع الأحباس المتهدمة والمتخربة لما تقدم وقوعه هنالك وتتمشى على الضابط الممهد في إصلاحها بعد تقديم الأهم فالأهم منها، ومراعاة المصلحة في كل شيء، وقد أمرنا العامل بشد عضدك فيه والسلام في ١٣ قعدة الحرام عام ١٣٢٥".
ونص السابع:
"خديمنا الأرضى ناظر أحباس الدار البيضاء، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فنأمرك أن توجه لشريف حضرتنا العالية بالله حساب مدة خدمتك بالأحباس المذكورة داخلا وخارجا مبنيا على آخر محاسبة صدر بها أمرنا الشريف إن كانت، وإلا فمن يوم تصرفك إلى تاريخه مع بيان القدر الموفر الذى تحت يدك، كما نأمرك بأن تكون توجه لشريف أعتابنا عند استهلال المحرم من كل سنة نسخة من الحساب داخلا وخارجا مفصلا بكناش خاص والسلام في ١٧ صفر عام ١٣٢٣".
ومن اهتمامها بالتجارة والعدل فيها من غير مراعاة الجنسية ما وقفت عليه من ظهائر تعيين بقعة لنشر التجار الأجنبيين ما يشترونه من الجلود فيها، وظهير إنشاء بنك مغربى، وظهيرى إنشاء البوسطة، وظهير إنشاء المعاملة بالواردين ودونك نصوصها على التتابع، فلفظ الأول:
"خدامنا الأرضين، أمناء مرسى الدار البيضاء المحروسة، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد كان طلب تجار الأجناس بذلك
стр. 510
الثغر البيضاوى المحوط تعين بقعة لغسل الجلود ونشرها هنالك، وكنا أصدرنا شريف أمرنا لكم وللعامل والناظر للمفاوضة في تعيين محل يصلح لذلك من محلات المخزن أو الأحباس، ويكون التجار يؤدون كراءه، ثم جدد الآن باشادور الألمان طلب تجاره ذلك، وعليه فنأمركم أن تجتمعوا مع خدامنا العامل وأمين المستفاد وناظر الأحباس وتتفاوضوا في تعيين بقعة لما ذكر مما لا ضرر فيه على المخزن ولا على أهل البلد بعد اتفاقكم مع التجار عليها وعلى قدر الكراء الذى يؤديه التجار فيه، وتعلمونا بذلك وقد أمرنا الخدام المذكورين بمثله والسلام في ٢٨ قعدة عام ١٣٢٥".
ولفظ الثانى:
"خديمنا الأرضى ناظر الأحباس بالدار البيضاء المحروسة، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فقد أخبر نائب الألمان بأن التجار هنالك لما طولبوا بعدم نشر الجلود في المحل الذى ينشرونها به حرصا على تنظيف البلد احتاجوا لمحل آخر ينشرونها به وطلبوا تعيين محل بحومة السور الجديد هنالك لذلك، وقد أجيب بكون بقعة السور الجديد حوطها المخزن لغرض مهم ولا يمكن استعمالها فيما طلبوه، وأن أمرنا الشريف صدر بتعيين محل يصاح لما طلبوه وعند اختياره يحوطه ناظر الحبس ويكون التجار الذين ينشرون فيه يؤدون كراءه للحبس، وعليه فنأمرك أن تجتمع مع خديمنا القائد بو بكر بن بو زيد وأمناء المرسى والمستفاد وتتفاوضوا في تعيين محل مناسب لما طلبوه كالمحل الذى لجانب الحبس قبالة باب الرخى الفاصل عن محل الخزائن التي ستبنى للتاجر لام أو غيره، وإن يكن خارج البلد فهو أولى، ثم بعد اختياركم للمحل اللائق تشرع في تحويطه ويمكن التجار منه ويطالبون بأداء الكراء عنه للحبس، وقد كتبنا للعامل والأمناء بمثله، ولتعلم بالمآل في ذلك، والسلام في ١٨ رجب عام ١٣٢٤".
стр. 511
ولفظ الثالث:
"خديمنا الأرضى ناظر أحباس الدار البيضاء المحروسة، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فقد كان طلب تجار الأجناس بذالك، الثغر البيضاوى المحوط تعيين بقعة لغسل الجلود ونشرها هنالك، وكنا أصدرنا شريف أمرنا لك وللعامل وأمناء المرسى بالمفاوضة في تعيين محل يصلح لذلك من محلات المخزن أو الأحباس، ويكون التجار يؤدون كراءه، ثم جدد الآن باشادور الألمان طلب تجارهم ذلك، وعليه فنأمرك أن تجتمع مع خدامنا العامل وأمناء المرسى وأمين المستفاد، وتتفاوضوا في تعيين بقعة لما ذكر مما لا ضرر فيه على المخزن ولا على أهل البلد بعد اتفاقكم مع التجار عليها وعلى قدر الكراء الذى يؤديه التجار فيها وتعلمنا بذلك، وقد أمرنا الخدام المذكورين بمثله والسلام في ٢٨ قعدة عام ١٣٢٥".
ولفظ الرابع:
"محبنا الأعز الأرضى الأمين السيد إدريس الفيلالى، أمنك الله، وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله، وبعد: فلا يخفر، أن من جملة ما تضمنه وفق المؤتمر الدولى تأسيس بنك بالمغرب يسمى بالبنك المخزنى مؤلفا رأس ماله من بانكات الدول الذين حضر أعضاؤهم لجمع المؤتمر المذكور، وحيث لم يكن بهذه الدولة الشريفة بنك حالى يتولى دفع ما نابه في رأس مال البنك المخزنى من السهم المغربى، أنعم سيدنا أيده الله على بعض أعيان تجار رعيته السعيدة ليتولوا دفعه ويكون لهم السهم بالبنك المخزنى، ويستمدون نفعه على قاعدة أرباب السهام بالأبناك وليس من مقتضيات السياسة الوقتية والمصلحة الراجعة لجانب المخزن والرعية تسليم السهم المغربى لبقية الدول والإعراض عنه بالكلية، وقد رشح أيده الله للنيابة عن أرباب السهم المغربى بالبنك المذكور الأمين الحاج إدريس بن
стр. 512
جلون، وتوجه لما هو بصدده من ذلك العمل بطنجة ملتزما بواجب السهم المغربى ودفع ربعه حالا، وحيث كنت من جملة المقسط عليهم السهم المذكور فيأمرك مولانا أيده الله بمجرد وصول هذا إليك أن توجه للأمين المذكور واجبك في ربع السهم وقدره خمسون ابرة سكة الفرنك يجب فرنك ١٢٥٠ وبنفس ما يعلمك بتوجيه الربع الثانى وجهه له من غير تأخير، وهكذا إلى أن تكمل له واجبك في ذلك وقدره مائتا ابرة، وما توجهه له من ذلك يكون يجيبك عنه بالتوصل وحلوله محله ليكون جوابه حجة لديك كما تكون مصارفتك معه فيما ينوبك من الربح في ذلك وعلى المحبة، والسلام في ١٢ حجة الحرام عام ١٣٢٤ محمد التازى".
ولفظ الخامس:
"خديمنا الأرضى ناظر أحباس ثغر الدار البيضاء المحروس بالله، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فإن سفير الفرنسيس بشريف أعتابنا أخير بأنهم توقفوا على محل متسع لترتيب بوسطاهم هناكم به وطلب جعل تأويل معهم في محل المخزن المعروف بأروى الأمناء ثمة إما بالكراء أو غيره ليجعلوه محلا للبوسطة، وعليه فنأمرك أن تقف مع خدامنا أمناء المرسى وأمين المستفاد ثمة على عين المحل المذكور، وتخطوا صورته على حالته الآن وتوجهوها لشريف حضرتنا وتبينوا قدر مساحته وقدر كرائه الآن وما يساويه من الكراء بعد أن يبنى على كيفية البوسطى وقدر ما يصير على بنائه ليظهر، وقد كتبنا لخديمينا المذكورين بمثله والسلام، في شوال عام ١٣٢٥".
ولفظ السابع:
"الفقيه الأرضى السيد أحمد بن سودة سددك الله، وسلام عليك ورحمة الله، وبعد: فقد اقتضى نظرنا الشريف تأسيس ضابط لعقد المعاملات التي تكون بين تجار الأجناس وبين المشترين منهم بالواردين على وجه يرتفع به الضرر عن
стр. 513
الجانبين، وهو أن لا يبيعوا لأحد شيئا بـ (الوردن) إلا بشهادة عدول ثقات يعينهم القاضى لذلك بكل بلد، بحيث لا يشهدون إلا بإذنه مع إذن العامل لذلك على شرط أن يكون المشترى مليا وأن يضمنه أربعة من أهل خطته، ومن لم تكن بيده هذه الشهادة العدلية بإذنه وإذن العامل وبهذين الشرطين وادعى على أحد بشيء فلا تقبل دعواه ولا شيء له، نعم من أراد أن يبيع لأحد شيئا بدون هذين الشرطين بعد تقريرهما له وطلب من القاضى والعامل الإشهاد فقط من غير ضمان ولا ثبوت ملاء فيشهد عليه أولئك العدول أنه رضى ذمة ذلك المشترى بعد أن علم أنه ليس بملى وليس له ضامن وأنه منه إليه ولا يدعى بدعوى فيه إن تعذر له شيء عنده بخسارة أو عدم أو نحو ذلك، وكذلك يكون هذا الضابط بعينه في المخالطات التي تكون بغير الواردين من سائر المعاملات، وعليه فنأمرك أن تحضر مع الباشا حين يستدعيك لتأسيس هذا الضابط المذكور عند ظهور أحد من تجار الأجناس هناك بقصد إرادة المعاملة مع الناس بالواردين أو بغيرهما، وتحضروا تجار مكناس حرسها الله من مسلمين ويهود وعراف الحرف وتقرروا لهم أمره، وتعين أربعة من ثقات العدول وصدورهم وتبين أسماءهم لوصيفنا الباشا المذكور، وتقصر عليهم الإشهاد بما ذكر بعد أن تشترط عليهم أن يستأذنوك في كل شهادة، وكذلك الباشا لتكون على الشرط المذكور والضابط المحصور وتحذر من عداهم من الإقدام على الإشهاد لشيء من ذلك ومن خالف منهم تلزمه العقوبة الشديدة، وخذ في ذاك بالجزم ورد البال والتيقظ وعدم التساهل، لأن العدول في عهدتك وقد كتبنا للباشا بهذا وأكدنا عليه في الوقوف عنده والاحتياط فيه والمضى معك على مقتضاه، والسلام في ٢٣ صفر عام ١٣١٣".
ومن اهتمامها بضبط ماليتها ما تقدم من ضبط أمنائها والمراقبين عليها ما وقفت عليه في ظهيرى تعيين أجور الأمينين والعدلين وظهير توجيه حسابات مستفادات المرسى كل أسبوع، ودونك لفظ الأول بعد الحمدلة والصلاة والطابع. السلطانى:
стр. 514
"خديمينا الأرضين أمينى الموضوع بمرسى الدار البيضاء المحروسة بالله وفقكما الله، سلام عليكما ورحمة الله، وبعد: فنأمركما أن تكونا تقتصران في أجرتكما على مائتى ريال تثنية مشاهرة لكل منكما وفى أجرة العاملين معكما على مائة ريال مفردة مشاهرة لكل واحد منهما وذلك من شهر تاريخه، والسلام في ٧ صفر عام ١٣٢٦".
ونص الثانى:
بعد الحمد له والصلاة والطابع المنيف:
"خدامنا الأرضين أمناء مرسى الدار البيضاء، وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فلأجل مصلحة تخفيف صوائر المرسى من حيث هى: اقتضى نظرنا الشريف أن يكون قدر راتبكم الشهرى وراتب العدول معكم مائتى ريال بالتثنية وعشرين ريالا للأمين الأفاقى معكم، ونصفها وهو مائة ريال وعشرة ريال للعدل الأفاقى معكم، ومائة وخمسون ريالا للأمين البلدى منكم، ونصفها وهو خمسة وسبعون ريالا للعدل البلدى معكم، وعليه فنأمركم بأن يكون عملكم في تصيير الرواتب المذكورة على مقتضى ما ذكر ولتثبتوا نسخة من كتابنا هذا بمحله من كناش ضابط خدمة المرسى ليتمشى عليه الأمناء بعدكم، والسلام في ١٧ صفر الخير عام ١٣٢٦".
ولفظ الثالث:
بعد الحمدلة والسلامة والطابع السلطانى:
"خدامنا الأرضين أمناء موضوع مرسى الدار البيضاء المحروسة بالله وفقكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد: وصل كتابكم بمحصل الأسبوع المغيا بسابع شهره وصار بالبال زكاه الله ونماه والسلام في ٢٣ جمادى الثانية عام ١٣٢٦".
стр. 515
فهذه جملة يعتبر بها غيرها استطردناها تنبيها على أن أمراءنا كان لهم الشغف بضبط ما ولوا عليه لو أسعدهم الدهر بولاة أهل كفاءة واقتدار مثل صاحب الترجمة.
البيعة الحفيظية:
ولم يزل أمر الدولة ينحل، ونظامها يختل، إلى أن قام بعض رؤساء من أعيان القبائل الحوزية يدبر في رتق ذلك الفتق عسى أن ترجع المياه لمجاريها، فأداه اجتهاده إلى أن ذلك لا يتم إلا بجمع الكلمة على مبايعة الخليفة السلطانى الذى كان بين أظهرهم بالحضرة المراكشية في ذلك الحين وهو المولى عبد الحفيظ لحزمه ونجدته ونباهته وتيقظه وعلمه، فأعلنوا بنصره وخلع أخيه المولى عبد العزيز بمراكش صبيحة يوم الجمعة سادس رجب عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف، وفى ذلك قال الأديب السيد عبد الله التادلى الرباطى مؤرخا:
قد بدا عبد الحفيظ المرتضى ... ملكا ما مثله قبل ملك
سأل الإقبال ما تاريخه ... قلت يا إقبال (بشر بالملك)
وأسباب الخلع والبيعة مبنية في صك بيعتهم التي وقعت بعد أخذ فتوى العلماء في المخلوع وكفاءته وتلت بيعة مراكش بيعة الجديدة وآسفى، إلا أنهما أعيدتا بعد لطاعة المخلوع.
ولما قدم المخلوع للرباط بنية استرجاع طاعة مراكش إليه أعلن بخلعه أيضا بفاس يوم الجمعة ثانى وعشرى قعدة الحرام عام خمسة وعشرين المذكور بعد استفتاء العلماء في شأنه وإفتائهم بوجوب عزله ليقضى الله أمرا كان مفعولا، ومن
стр. 516
[صورة]
السلطان السابق مولانا عبد الحفيظ
стр. 517
الغد بويع بها للمولى عبد الحفيظ بعد هرج ومرج تركت لغيرى تفصيله، وكان ذلك على شروط مندمجة في عقد البيعة وهى من إنشاء أبى العباس أحمد بن عبد الواحد بن المواز صدر الكتاب وواسطة عقدهم ودونك لفظها:
الحمد لله الذى جعل كلمة الحق هى العليا، وأرشد المؤمنين من عباده لاتباع مقتضياتها أمرا ونهيا، وفضل الأمة المحمدية على سائر الملل والأجناس كما فضل آل بيته الكريم على الناس، وشرف هذا الوجود بمن يرقيه الله من خيارهم منصب الخلافة، فيتبع في الشريعة والعدل والسياسة سنة جده، ويقتفى في ذلك الكرام أسلافه، تصديقها لقوله ﷺ ولاية أهل بيتى، أمان لأمتى.
نحمده سبحانه أن تفضل على المسلمين بالهداية لقبلة الرشاد، والتمسك بحبل التوفيق والإسعاد، والعدول عن مواضع الزيغ والتفريط والعناد، ونشكره أن هدى خاصة الأمة وعامتها لتقليد من يوفى بالعهود الشرعية، ويقوم بحفظ الدين ومصالح الرعية.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذى يؤتى الحكمة من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء.
ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الشفيع في أمته يوم يتميز القاسطون من المقسطين، والحافظون للأمانة من المفرطين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين اجتهدوا في كشف غياهب الضلال، وكانوا يميلون مع الحق حيث مال، ولا يحابون من يتساهل في أحكام الشريعة بحال.
أما بعد: فإنه لما أراد الله تعالى أن يزيح ليل الجهالة عن عباده، وأن يجدد الدين بمن يطلعه شمسا في أرضه وبلاده، ليعود عز الإسلام لشبابه، ويبقى استناد الإمارة العلية إلى سنته وكتابه، وتعلقها من الشرع بأسبابه، تدارك سبحانه
стр. 518
الوجود، وأعز العالم الموجود، واستطارت الأنوار المضيئة للأغوار. والنجود، بمبايعة من يُعيد الله به شمس الخلافة إلى برج شرفها، ويرد به نقطة العدل والحلم إلى مركزها، ويحيى به أثر الخلفاء الراشدين، ومكارم الأسلاف الكرام المهتدين، وهو من حاز من الأوصاف الكاملة غايتها، وبلغ من المزايا الجسيمة نهايتها، فاكتسى العلم لباسا، والشجاعة أتراسا، واتخذ العلم أساسا، والحلم شعارا، والكرم دثارا، والدين قواما، والسياسة الشرعية نظاما، مولانا أمير المؤمنين ابن مولانا أمير المؤمنين الذى جعله الله خير آية ناسخة، وأثبت له في الكمالات قدما راسخة، نخبة الخلافة العلوية، وجوهرة عقد المملكة الإسلامية، المتفاءل باسمه، في حفظ الإسلام ورسمه، أبو المعالى مولانا عبد الحفيظ بن مولانا الامام المقدس بالله سيدنا الحسن ابن ساداتنا الملوك الكرام، المقدسين في دار السلام، لما ألقى الله له في قلوب الخلائق من الحب الجميل، والاعتقاد الذى هو بنصرة الدين كفيل فحبذا من إمام تهتز لذكره أعطاف المنابر، وتتقلد من شريف دعوته بأبهى من نفيس الجواهر، وتستضئ البلاد بإكليل شرفه الزاهر، وتسكن العابد تحت ظله المؤيد الوافر، أبقى الله أيامه، بقاء يستصحب النصر دوامه وخلد له ولأعقابه هذا الأمر الكريم إلى يوم القيامة، فانتدب من وقفت بهم مطية التوفيق، على حضرة الإخلاص والتصديق، وأخذت بهم أزمة السعادة إلى حيث الفوز برضا الله ورسوله حقيق، من جميع أهل فاس الإدريسية، لا زالت مصونة محمية، وسائر أشرافهم ورماتهم وعلمائهم وقضاتهم وكبرائهم ونقبائهم ومرابطيهم وصلحائهم وأعيانهم وخاصتهم وعامتهم وكذلك أهل فاس الجديد، لشمول التوفيق لهم والتسديد، على تقليد الجمع بيعة مولانا أمير المؤمنين المذكور، المختص بالسعد الباهر واللواء المنصور بيعة تؤسس على تقوى من الله ورضوان، ويشهد عقدها الكريم ملائكة الرحمان.
فبايعوه كلهم على الأمن والأمانة، والعفاف والديانة والعدل الذى يشيد
стр. 519
للمجدار كانه، مبايعة شائعة على عقدها الكريم بحكم الوفاق، وعموم الاتفاق، والمواثيق الشديدة الوثاق، وبجميع الأيمان، الصادقة الإيمان، أعطوا بها صفقة أيديهم، ورفع العقيرة بها مناديهم.
وندبوا إليها سائر القبائل التي بنواحيهم، عارفين أن يد الله فوق أيديهم وأمضاها الكل المجموعى والجميعى على السمع والطاعة، والانتظام في سلك الجماعة إمضاء يدينون به في الجهر والسر، والعسر واليسر، والتزموها رغبة منهم وطوعا، واستوعبوا شروطها أصلا وفرعا، وجنسا ونوعا، خالصة صادقة وعدة من الله بالخير لهم سابقة، وسعادة بالحسنى لاحقة، أبرءوا عقدها، وأحكموا عهدها، وعرضوا عليها أفرادا وأزواجا، وزمرا وأفواجا، وناداهم داعى السعادة إعلانا، لقوله تعالى ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
وكيف لا وهو المتصف بالكفاية الشرعية التي بينت في كتب الفقه بأن يكون مهتديا إلى مصالح الأمور وضبطا، ذا نجدة في تجهيز الجيوش وسد الثغور، وذا رأى مصيب في النصر للمسلمين، لا تروعه هوادة النفس عن التنكيل لمستوجبى الحدود. انتهى.
فقد جعله الله زمام الأمور ونظام الحقوق والقطب الذى عليه مدار الدنيا وهو حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده، به يمتنع حريمهم وينصر مظلومهم وينقمع ظالمهم ويأْمَنُ خائفهم قال تعالى:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾. الآية، وقال أبو هريرة رضى الله عنه: "لما نزلت آية أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم قد أمرنا بطاعة الأئمة وطاعتهم من طاعة الله"، وفى الحديث عن مولانا على كرم الله وجهه: "إمام عادل خير من مطر وابل" وفى الحديث السلطان ظل الله في الأرض ورمحه، وفى الحديث من أجل سلطان الله أجله الله
стр. 520
وفى الحديث المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وفى الحديث: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" وسئل سهل أى الناس خير؟ فقال: السلطان، لأن لله في كل يوم نظرتين نظرة إلى سلامة أموال الناس، ونظرة إلى سلامة أبكارهم فيطلع في صحيفته فيغفر له ذنوبه
وفى السراج ليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نَبِىٌّ مرسل أو ملك مقرب.
وقالت الحكماء: أسوس الناس برعيته من قاد أبدانها بقلوبها وقلوبها بخواطرها وخواطرها بأسبابها ولا غرو أن مولانا أمير المؤمنين، الذى انتظمت بيعته في أعناق المسلمين، أجل من صدقت فيه ظنونهم ونياتهم، وتوجهت إليه آمالهم وأمنياتهم، ومدت له الرعية أرمتها، وقدمت إليه الوفود أعنتها، راجين من شريف همته، وكريم عنايته، أن يلبسهم رداء نعمته. وينزلهم ظل كرامته، ويعمهم بسيرة المعدلة، ويشملهم بالحلم والفضل والرحمة المكملة، ويسعى جهده في رفع ما أضر بهم من الشروط الحادثة في الخزيرات، حيث لم توافق الأمة عليها ولا سلمتها ولا رضيت بأمانة من كان يباشرها ولا علم لها بتسليم شئ منها وأن بعمل وسعه في استرجاع الجهات المأخوذة من الحدود المغربية وأن يباشر إخراج الجنس المحتل من المدينتين اللتين احتل بهما ويزين صحيفته الطاهرة بحسنة استخلاصهما، وأن يستخير الله في تطهير رعيته من دنس الحمايات والتنزيه من اتباع إشارة الأجانب في أمور الأمة، لمحاشاة همته الشريفة عن كل ما يخل بالحرمة.
وإن دعت الضرورة إلى اتحاد أو تعاضد فليكن مع إخواننا المسلمين كآل عثمان وأمثالهم من بقية الممالك الإسلامية المستقلة، وإذا عرض ما يوجب مفاوضة مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية فلا يبرم أمرا منها، إلا بعد الصدع به للأمة، كما كان يفعله سيدنا المقدس الحافظ للذمة، حتى يقع الرضا منا بما لا يقدح في دينها ولا عقائدها ولا في استقلال سلطانها.
стр. 521
وأن يوجه أيده الله وجهته الشريفة لاتخاذ وسائل الاستعداد، للمدافعة عن البلاد والعباد، لأنها أهم ما تصرف فيه الدخائر والجبايات، وأوجب ما يقدم في البدايات والنهايات، وأن يقرّ بفضله العيون والنفوس، برفع ضرر المكوس، ويحقق رجاء خدامه وكافة رعاياه بالذب عن حرماتهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم وصيانة دينهم وحياطة حقوقهم، وتجديد معالم الإسلام وشعائره بزيادة نشر العلم، وتقويم الوظائف والمساجد، وإجراء الأحباس على عملها القديم، وانتخاب أهل الصلاح والمروءة والورع للمناصب الدينية.
وكف العمال عن الدخول في الخطط الشرعية، وترك ما أحدث من الجمع المستلزم لاستبداد الرؤساء بتنفيذ مراداتهم في القضايا والأغراض لما تحقق والحمد لله من كمال أوصاف مولانا الإمام، واعتماد المسلمين على كفايته في الأمر الخاص والعام.
فهو أيده الله العضب الكافى، ورأيه العلاج الشافى، ومما يقتضيه حسن سيرته وكمال وفائه جميل الصنع بشريف القرابة وتقريب الصالحين، واعتبار مقادير الأشراف وأهل العلم والدين وإقرار ذوى الحرمة على ما عهد لهم من المبرات والاحترام، وظهائر الملوك الكرام، وإبعاد الطالحين، وإخساء المفترين والواشين، ومعاملة المؤمنين، بما تعودوه منه من أسلافه المقدسين، من إيثار العفو والحلم والأناة. وتجديد مآثر الخير في حالة العز والثبات وحسن الظن بسيدنا أيده الله حمل أهل مملكته الشريفة المتيمنين بكريم بيعته المنيفة على أن صدعوا لجلالته بما أثرت فيه مضرته، عالمين أنهم لا يكشف ما بهم إلا عناية مولانا المنصور وهمته، ومستسلمين مع ذلك إلى الله بالقلوب الخاشعة، ومبتهلين بالأدعية النافعة، أن يعرفهم الله خير هذا العقد الكريم بدءا وختاما ويمنحهم بركته التي تصحبهم حالا ودواما، لا رب غيره ولا خير إلا خيره، أشهدوا على أنفسهم بما فيه عنهم عموما
стр. 522
والواضعون أشكالهم عقبه خصوصا وهم عارفون قدره وأكمله وفى فاتح ذى الحجة الحرام عام خمسة وعشرون وثلاثمائة وألف.
ولما خرج المولى عبد العزيز المخلوع إلى إرجاع مراكش لطاعته انكسر ورجع إلى الدار البيضاء، فبايعت طنجة أخاه المذكور يوم الأحد ٢٤ رجب ١٣٢٦ ثم العرائش والعدوتان سلا، وَالرباط -وكانت بيعتهما في يوم الثلاثاء ٢٦ رجب المذكور- ثم الجديدة وآزمور يوم ٢٨ منه ثم الصويرة يوم الأربعاء ١٢ شعبان عامه وهكذا.
وكانت هذه البيعات مبعث ارتياح واستبشار من الناس بسلطانهم الجديد العالم فطفقوا يتفاءلون باسمه ويرجون أن يكون له من اسمه نسبة فتحفظ البلاد من أرزاء التفكك والانحلال، ويعود لها ما انتقص من أطرافها، وقال الشعراء في ذلك مظهرين شعور الأمة فكان من جملة ما قيل قول الأديب الكبير السيد أحمد ابن قاسم جسوس:
بشرى الخلائق لا تزال تزيد ... هذا زمان كل أنه عيد
ذهب العناء جميعه وتتابعت ... زمر الهناء بسيطها ومديد
والبشر باد والسرور موفر ... والأنس يبدى ما يشا ويعيد
وهى قصيدة من غرر منشآته.
وقد حققت الأيام بعض ما كانوا يرجون على يديه، فقبض على أبى حمارة كما تقدم تفصيل ذلك قريبا، ولجسوس المذكور قطعة في ذلك يقول منها:
لله من نبأ كدت أفراحه ... تترى لدينا بالنعيم الطيب
نبأ الشقى المارق الفدم الذى ... كم شب من نار بقطر المغرب
стр. 523
نبأ الخبيث أبى حمارة والذى ... هو في المنابت لم يكن بالطيب
أشقى الورى في عصره وقداره ... وغروره بتمرد وتوثب
ولكن الفتق كان فوق قدرة الراتق فرغما عن هذا كله لم يزل الأمر ينحل، والرعية تتجرأ وتتمرد، إلى أن كان مما لست أذكره.
هذا بعض مما حدث بموت المترجم أحمد بن موسى.
ولو تتبعنا الأحداث التي وقعت بموته وتفاصيلها لاحتجنا لمجلدات، وبالجملة فترجمة هذا الرجل طويلة الذيل، بعيدة النيل، ما أجدرها بأن تفرد بالتأليف ولبعض الشاميين نزلاء المغرب فيه تصنيف سماه "الثغر البسام" في مآثر الوزير "أحمد بن موسى الهمام" في مجلد وسط أتى على تفاصيل من أحوله وسياسته ومزاياه وترجم لعدة من علماء المغرب بفاس والرباط.
٧٤ - أحمد أبو العباس ابن الحاج عبد القادر بن علال العرائشى المكناسى النشأة والدار والإقبار .
حاله: له معرفة بالفقه والنحو والفرائض، ومهارة تامة في الحساب والتوقيت والتعديل، ومعرفة الطوالع وأحكام النجوم والأوفاق والرمل، تولى خطة الكتابة مع شيخه العلامة الحاج المختار بن عبد الله، ثم الأمانة على أمراس خزن الحبوب والزيوت المولوية التي تجبى من أعشار الإيالة المغربية ثم الكتابة مع محتسب مكناس الحاج محمد بن العربى أجانا، ثم انسلخ عن ذلك كله وأقبل على تدريس الحساب والتوقيت والتعديل، ودرس القلصادى، ومنية ابن غازى، والمقنع وروضة الأزهار، وعمل الربع المجيب، والرسالة الستينية في الضرب، والقسمة، وتسهيل المطالب، ومنهاج ابن البنا، وابن العاشر، والجرومية، والألفية وغير ذلك فنفع الله به أقواما.
стр. 524
مشيخته: أخذ عن العلامة الحاج المختار مختصر خليل والألفية، وعلى غيره ممن هو في طبقته من أعلام وقته، وأحذ التعديل والحساب والتوقيت وغير ذلك عن موقت مكناس السيد الجيلالى (١) الرَّحالى، وعن ميقاتى فاس السيد إدريس الحبابى، وبه كان كامل انتفاعه.
الآخذون عنه: أحذ عنه الأستاذ المعدل أبو محمد عبد القادر بن المعطى دعى الصبيع بالتصغير، والوجيه الميقاتى الطالب العلمى بن رحال والعدل الفقيه ابو على الحسن المنونى، والطالب مصطفى بن موسى وخلق.
وفاته: توفى ﵀ في ذى الحجة عام ثمانية عشر وثلاثمائة وألف ودفن بالزاوية الناصرية من الحضرة المكناسية.
٧٥ - أحمد بن الطالب بن سودة المَرِّى .
قاضيها أبو العباس، وسودة بفتح السين وسكون الواو كما في شرح القاموس، وضم السين هو الجارى على الألسنة.
حاله: كان أعجوبة الدهر، وفريد العصر، فقيها مشاركا بحرا لا يدرك له ساحل، جبلا راسخا في العلم والإتقان والتحرير والتحبير، عزيز المماثل، فارس مقدمة الفنون، محيط بعنوان تراجمها وأبواب وأسرار سرها المصون، عارفا بمعانيها وبديع محاسنها مع بيان ما انطوت عليه من فصيح الكلام وبليغة، من غير تنافر ولا مخالفة قياس في تأديته وتبليغه، حسن الإلقاء والتعبير، لا تكدر قاموس إملاءاته دلاء الباحثين، جهبذ حلاحل، بعيد الشأو في تحرير عويص المسائل.
تولى نيابة قضاء مكناسة الزيتون بطلب من أخيه قاضيها أبى عيسى المهدى حسبما وقفت على جواب الوزير إذ ذاك للقاضى المذكور بإسعاف رغبته ونصه بعد الحمدلة:
стр. 525
"محبنا الأرضى، العلامة الأحظى، السيد المهدى بن سودة، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير مولانا نصره الله، وبعد: فقد أنهينا لمولانا أيده الله ما ذكرت لنا في شأن ما أردت من استنابة أخيك الفقيه السيد أحمد فيما يكون من الدعاوى الصغار، فأذن لك في ذلك أثمر الله غرسه والسلام، في رابع رجب الفرد عام خمسة وسبعين ومائتين وألف محمد الصفار وفقه الله".
ثم تولى خطة القضاء بآزمور مؤقتا عام خسة وثمانين ومائتين وألف على عهد السلطان سيدى محمد، ودونك نص ظهير توليته بعد الحَمْدَلة والصلاة والطابع السلطانى المحمدى:
"أحباؤنا أهل آزمور كافة أعانكم الله وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فإننا قلدنا الفقيه السيد أحمد بن سودة خطة القضاء بذلك الثغر السعيد على سبيل قضاء الحاجة مدة محدودة، وأياما معدودة، وأمرناه بفصل الخصوم، ومطالعة الرسوم، والحكم بمشهور مذهب الإمام مالك، أو بما به العمل سالكا في ذلك أوضح المسالك، فعليه بتقوى الله العظيم ومراقبته، في سره وعلانية، وعليكم بالسمع والطاعة، وتنفيذ جهده قدر الاستطاعة، والله ولى التوفيق، والهادى إلى سواء الطريق، والسلام في متمم رجب الفرد عام خمسة وثمانين ومائتين وألف".
ثم طلب الإعفاء بواسطة الحاجب السلطاني إذ ذاك موسى بن أحمد فأسعف السلطان رغبته، وقفت على جواب الحاجب المذكور له عن طلبه ولفظه بعد الحمدلة والصلاة:
"محبنا الفقيه العلامة القاضى أبا العباس سيدى أحمد بن الطالب بن سودة سلام عليكم ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله، وبعد: فقد وصلنا كتابك مجددا العهد بنا وسائلا عن أحوالنا، فأنا سائل عنك كذلك ونطلب الله أن يسلك
стр. 526
بنا وبكم أحسن المسالك، وعلمنا أنك تتشفع لنا بمولانا نصره الله في نقذك مما كلفت به لأنك أتيت على الأمر المحدود وطالبا أن تكون من العلماء الناشرين للعلم بالقرويين إذ هو الأسلم لدينك والأزكى لدنياك، ومستغيثا أن تحشر في زمرة ورثة الأنبياء لا زمرة القضاة، فقد أنهينا ذلك لمولانا نصرة الله ويسر الله في قضاء الغرض، وكتب مولانا أيده الله لنجله وخليفته الأسعد مولانا الحسن حفظه الله بأن ينظر من مراكش فقيها يصلح للغرض المذكور، وقد توجه له كتاب سيدنا أعزه الله بذلك وعلى محبتكم وطالب صالح دعائكم، والسلام في رابع قعدة عام ١٢٨٥، موسى بن أحمد لطف الله به".
ثم عين في جملة من عين من الأعلام للتوجه لطنجة بقصد فصل قضايا الأجانب مع الأهالى.
ثم في سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف ولى قضاء ثغر طنجة في ثانى ربيع الثانى حسبما يظهر توليته ودونك لفظه:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ثم الطابع السلطانى الشريف بداخله الحسن بن محمد وليه ومولاه: يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وجعل فيما يرضيه سبحانه لفه ونشره، أننا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، ولينا خطة القضاء بثغر طنجة المحروس بعناية الله الفقيه الأجل الأرضى السيد أحمد بن سودة لما علمناه فيه من الجد والتحرى والوقوف في حقوق العباد، واتباع طريق الرشاد، وأسندنا له النظر في فصل الخصوم، وتصفح الرسوم والحكم بمشهور مذهب الإمام مالك، رضى الله عنه أو ما به العمل، فنعهد إليه أن يراقب الله تعالى في ذلك، وأن يسلك فيه أحسن لمسالك، وأن يقوم بأمره في حق المشروف والشريف، والقوى والضعيف،
стр. 527
فنسأل الله أن يسدده ويوفقه لما فيه رضاه أمين، والسلام في ثانى ربيع الثانى عام ١٢٩٢".
ثم في ثالث قعدة الحرام عام ثلاثة وتسعين -بتقديم المثناة على السين- ومائتين وألف أسند إليه النظر في جميع القبائل المضافة لطنجة وفوض له في قضاة باديتها بالتولية والعزل، ودونك نص الظهير الصادر له بذلك:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه، ثم الطابع الشريف بداخله الحسن بن محمد بن عبد الرحمن، الله وليه وبدائرته:
ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الأسد في آجامها تجم
من يعتصم بك يا خير الورى شرفا ... الله حافظه من كل منتقم
يتعرف من كتابنا هذا أسمى الله قدره، وأعز أمره، وجعل فيما يرضيه سبحانه لفه ونشره، أننا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته.
ولينا الفقيه السيد أحمد بن الطالب ابن سودة خطة القضاء بطنجة حرسها الله وبجميع القبائل المضافة إليها المحسوبة من عمالتها، وأذنا له في تصفح الرسوم، والفصل بنى الخصوم، والحكم من مذهب الإمام مالك بالمشهور أو ما به العمل عند الجمهور.
وفى تفقد أحوال قضاة بادية العمالة المذكورة، وعزل من لم يصلح منهم، وتولية من يصلح فعليه بتقوى الله ومراقبته، والتحرى جهد استطاعته، وليتذكر ما ورد في حق أهل العدل من الوعد بالثواب والجنة، وفى حق أهل الجور من الوعيد بالعقاب والمحنة، وقوله ﵊ قاضيان في النار وقاض في الجنة، ويعلم أن الله تعالى يراه، وأن جميع أحكامه تعرض عليه في أخراه، ونطلب الله أن يسدده ويوفقه لما يحبه ويرضاه.
стр. 528
والسلام في ٣ ثالث قعدة الحرام عام ١٢٩٣.
ثم ولى ضاء مكناسة الزيتون والخطابة بجامع قصبتها السلطانية عام أربعة وتسعين ومائتين وألف، وفق ما بظهير توليته ونصه بعد الحَمْدَلة (١) والصلاة والطابع السلطانى الحسنى:
يعلم من كتابنا هذا الراقى في أوج اليمن والسعادة قدره، النافذ بعزة الله في البسيطة نهيه وأمره، أننا بقوة الله وحوله، ومنته وطوله، ولينا الفقيه الأرضى السيد أحمد بن الطالب ابن سودة خطة القضاء بمكناسة الزيتون وزهون، وأذنا له في تصفح الرسوم، وفصل الخصوم، والحكم بينهم من مذهب الإمام مالك بالمشهور، أو بما جرى به العمل عند الجمهور فعليه بتقوى الله ومراقبته، والتحرى جهد استطاعته، وليتذكر وعدا منجزا ووعيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويعلم أن الله تعالى سائله عما حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه، يوم لا تملك تفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله، ونطلب الله تعالى أن يوفقه لما يحبه ويرضاه.
والسلام في عاشر رمضان عام أربعة وتسعين ومائتين وألف.
وأسند له تولية النظر في محاسبة نظار جبل زرهون ومكناس وقفت على إقرار السلطان المولى عبد العزيز له على ذلك، ودونك لفظه بعد الحَمْدَلة والصلاة والطابع السلطانى:
أقررنا بحول الله وقوته ماسكه الفقيه الأرضى القاضى السيد أحمد ابن سودة على ما تضمنه كتاب سيدنا المقدس الذى بيده من الإذن له في محاسبة كافة نظار مساجد مداشر زرهون على نسق محاسبته مساجد مكناس ومسطرتها عندهم إقرارا تاما، وفى خامس عشرى صفر الخير عام اثنى عشرة وثلاثمائة وألف.
стр. 529
كما كان تولى قبل ذلك الخطابة بضريح الإمام الأشهر، مولانا إدريس الأزهر، وبقيت بيده إلى أن لبى داعى مولاه ثم صارت لولده من بعده إلى الحين الحالى.
ورحل المترجم إلى الحج عام سبعة وستين ومائتين وألف على عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام في رفقة أنجاله المذكورين في ترجمة أخيه القاضى أبى عيسى المهدى ﵀ فحج وزار، ولقى فطاحل مشايخ تلك الديار، ودخل مصر والإسكندرية وتونس وأفاد واستفاد.
مشيخته: أخذ بفاس عن أخويه الحاج المهدى، والحاج عمر، وعن الشيخ الطالب ابن الحاج، والقاضى ابن كيران، والشيخ بدر الدين الحَمُّومى والفقيه الكردودى، والفقيه ابن عبد الرحمن، وسيدى عبد السلام بو غالب وغيرهم.
وبمكة عن الحافظ العارف أبى عبد الله محمد بن على السنوسى الجغبوبى الطرابلسى.
وبالإسكندرية عن الشيخ مصطفى ابن محمد الكبابطى الجزائرى المتوفى بالإسكندرية سنة ثمان وستين ومائتين وألف.
وبتونس الشيخ محمد بن أحمد النيفر وأجازه الثلاثة الأخيرون عامة وغيرهم.
الآخذون عنه: أخذ عنه جل بل كل شيوخ العلم بمحروسة فاس ومكناس وغيرهما من بلاد المغرب كشيخنا أبى عيسى المهدى الوزانى العمرانى مفتى الديار الفاسية، وشيخنا العلامة أبى العباس أحمد بن المأمون الشريف البلغيثى قاضى مكناسة الحالى، وشيخنا الناقد الخبير أبى العباس أحمد بن الجعلالى (١) الفيلالى الأمغارى ومن في طبقاتهم، وشيخنا العلامة أبى عبد الله محمد بن عبد السلام
стр. 530
الشريف الطاهرى المكناسى قاضى مكناسة سابقا انتفع به كثيرا، وكان يخصه بدروس بداره كما أخبرنى لذاك قدس الله ثراه شفاهيا، وشيخنا الفقيه العلامة السيد الحاج المختار بن عبد الله، وحبنا المعقولى الناظم الناثر الغالى بن المكى السنتيسى، وشيخنا ابى عبد الله محمد بن الحسين العرائشى، ووالدنا روح الله روحه، وخلق.
تآليفه: منها حاشية على صحيح البخارى حكى لى غير واحد من شيوخى أنها في أعلى طبقة من النفاسة والتحرير، وتحرير المقال، وشرح على الشمائل، وحاشية على المنطق لم تكمل، وشرح على الهمزية إلى قوله ليته خصنى برؤية وجه، وختمته لصحيح البخارى وغير ذلك.
ومن بديع ما وقفت عليه من استنباطاته ما نقلته من خطه على هامش رحلة العياشى لما تكلم على تاريخ أخذ السلطان سليم مصر: قد رام بعض الناس استخراج دولة سيدنا ومولانا وإمامنا المنعم علينا بكل طارف وتليد مولانا الحسن أبقى الله فخره وعلاه، من حديث: "لا تزال طائفة من أمتى" ... إلخ فاستخرج من ذلك ما تمجه الأسماع، ففكرت في ذلك فألفيت على طائفة من أمتى هو عدد دولة الحسن ابنى وبنيه بعد فانتظم الحديث هكذا: لا تزال دولة الحسن ابنى وبنيه بعد ظاهرين على الحق ... إلخ، ولما أطلعته أعزه الله ونصره على ذلك أثابنى عليه بعطية سنية لها بال، كثر الله خيره وأدام عزه ونصره ومتعنى والمسلمين بطول حياته آمين، وذلك في شوال عام ١٣٠٥.
ومن مفاداته أيضا الدالة على عنايته بالتقييد ما لفظه ومن خطة نقلت:
الحمد لله الذى استقر عليه عمل سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، مدة تنيف على العشر سنين، في سرده لصحيح الإمام البخارى في الثلاثة الأشهر أنه يقرأه في ستة وثلاثين نصابا، وبيان أول كل نصاب هكذا، ١ بدء الوحى ٢ الوضوء ٣