بنا وبكم أحسن المسالك، وعلمنا أنك تتشفع لنا بمولانا نصره الله في نقذك مما كلفت به لأنك أتيت على الأمر المحدود وطالبا أن تكون من العلماء الناشرين للعلم بالقرويين إذ هو الأسلم لدينك والأزكى لدنياك، ومستغيثا أن تحشر في زمرة ورثة الأنبياء لا زمرة القضاة، فقد أنهينا ذلك لمولانا نصرة الله ويسر الله في قضاء الغرض، وكتب مولانا أيده الله لنجله وخليفته الأسعد مولانا الحسن حفظه الله بأن ينظر من مراكش فقيها يصلح للغرض المذكور، وقد توجه له كتاب سيدنا أعزه الله بذلك وعلى محبتكم وطالب صالح دعائكم، والسلام في رابع قعدة عام ١٢٨٥، موسى بن أحمد لطف الله به".
ثم عين في جملة من عين من الأعلام للتوجه لطنجة بقصد فصل قضايا الأجانب مع الأهالى.
ثم في سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف ولى قضاء ثغر طنجة في ثانى ربيع الثانى حسبما يظهر توليته ودونك لفظه:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ثم الطابع السلطانى الشريف بداخله الحسن بن محمد وليه ومولاه: يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، وجعل فيما يرضيه سبحانه لفه ونشره، أننا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، ولينا خطة القضاء بثغر طنجة المحروس بعناية الله الفقيه الأجل الأرضى السيد أحمد بن سودة لما علمناه فيه من الجد والتحرى والوقوف في حقوق العباد، واتباع طريق الرشاد، وأسندنا له النظر في فصل الخصوم، وتصفح الرسوم والحكم بمشهور مذهب الإمام مالك، رضى الله عنه أو ما به العمل، فنعهد إليه أن يراقب الله تعالى في ذلك، وأن يسلك فيه أحسن لمسالك، وأن يقوم بأمره في حق المشروف والشريف، والقوى والضعيف،
стр. 527
فنسأل الله أن يسدده ويوفقه لما فيه رضاه أمين، والسلام في ثانى ربيع الثانى عام ١٢٩٢".
ثم في ثالث قعدة الحرام عام ثلاثة وتسعين -بتقديم المثناة على السين- ومائتين وألف أسند إليه النظر في جميع القبائل المضافة لطنجة وفوض له في قضاة باديتها بالتولية والعزل، ودونك نص الظهير الصادر له بذلك:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه، ثم الطابع الشريف بداخله الحسن بن محمد بن عبد الرحمن، الله وليه وبدائرته:
ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الأسد في آجامها تجم
من يعتصم بك يا خير الورى شرفا ... الله حافظه من كل منتقم
يتعرف من كتابنا هذا أسمى الله قدره، وأعز أمره، وجعل فيما يرضيه سبحانه لفه ونشره، أننا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته.
ولينا الفقيه السيد أحمد بن الطالب ابن سودة خطة القضاء بطنجة حرسها الله وبجميع القبائل المضافة إليها المحسوبة من عمالتها، وأذنا له في تصفح الرسوم، والفصل بنى الخصوم، والحكم من مذهب الإمام مالك بالمشهور أو ما به العمل عند الجمهور.
وفى تفقد أحوال قضاة بادية العمالة المذكورة، وعزل من لم يصلح منهم، وتولية من يصلح فعليه بتقوى الله ومراقبته، والتحرى جهد استطاعته، وليتذكر ما ورد في حق أهل العدل من الوعد بالثواب والجنة، وفى حق أهل الجور من الوعيد بالعقاب والمحنة، وقوله ﵊ قاضيان في النار وقاض في الجنة، ويعلم أن الله تعالى يراه، وأن جميع أحكامه تعرض عليه في أخراه، ونطلب الله أن يسدده ويوفقه لما يحبه ويرضاه.
стр. 528
والسلام في ٣ ثالث قعدة الحرام عام ١٢٩٣.
ثم ولى ضاء مكناسة الزيتون والخطابة بجامع قصبتها السلطانية عام أربعة وتسعين ومائتين وألف، وفق ما بظهير توليته ونصه بعد الحَمْدَلة (١) والصلاة والطابع السلطانى الحسنى:
يعلم من كتابنا هذا الراقى في أوج اليمن والسعادة قدره، النافذ بعزة الله في البسيطة نهيه وأمره، أننا بقوة الله وحوله، ومنته وطوله، ولينا الفقيه الأرضى السيد أحمد بن الطالب ابن سودة خطة القضاء بمكناسة الزيتون وزهون، وأذنا له في تصفح الرسوم، وفصل الخصوم، والحكم بينهم من مذهب الإمام مالك بالمشهور، أو بما جرى به العمل عند الجمهور فعليه بتقوى الله ومراقبته، والتحرى جهد استطاعته، وليتذكر وعدا منجزا ووعيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويعلم أن الله تعالى سائله عما حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه، يوم لا تملك تفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله، ونطلب الله تعالى أن يوفقه لما يحبه ويرضاه.
والسلام في عاشر رمضان عام أربعة وتسعين ومائتين وألف.
وأسند له تولية النظر في محاسبة نظار جبل زرهون ومكناس وقفت على إقرار السلطان المولى عبد العزيز له على ذلك، ودونك لفظه بعد الحَمْدَلة والصلاة والطابع السلطانى:
أقررنا بحول الله وقوته ماسكه الفقيه الأرضى القاضى السيد أحمد ابن سودة على ما تضمنه كتاب سيدنا المقدس الذى بيده من الإذن له في محاسبة كافة نظار مساجد مداشر زرهون على نسق محاسبته مساجد مكناس ومسطرتها عندهم إقرارا تاما، وفى خامس عشرى صفر الخير عام اثنى عشرة وثلاثمائة وألف.
стр. 529
كما كان تولى قبل ذلك الخطابة بضريح الإمام الأشهر، مولانا إدريس الأزهر، وبقيت بيده إلى أن لبى داعى مولاه ثم صارت لولده من بعده إلى الحين الحالى.
ورحل المترجم إلى الحج عام سبعة وستين ومائتين وألف على عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام في رفقة أنجاله المذكورين في ترجمة أخيه القاضى أبى عيسى المهدى ﵀ فحج وزار، ولقى فطاحل مشايخ تلك الديار، ودخل مصر والإسكندرية وتونس وأفاد واستفاد.
مشيخته: أخذ بفاس عن أخويه الحاج المهدى، والحاج عمر، وعن الشيخ الطالب ابن الحاج، والقاضى ابن كيران، والشيخ بدر الدين الحَمُّومى والفقيه الكردودى، والفقيه ابن عبد الرحمن، وسيدى عبد السلام بو غالب وغيرهم.
وبمكة عن الحافظ العارف أبى عبد الله محمد بن على السنوسى الجغبوبى الطرابلسى.
وبالإسكندرية عن الشيخ مصطفى ابن محمد الكبابطى الجزائرى المتوفى بالإسكندرية سنة ثمان وستين ومائتين وألف.
وبتونس الشيخ محمد بن أحمد النيفر وأجازه الثلاثة الأخيرون عامة وغيرهم.
الآخذون عنه: أخذ عنه جل بل كل شيوخ العلم بمحروسة فاس ومكناس وغيرهما من بلاد المغرب كشيخنا أبى عيسى المهدى الوزانى العمرانى مفتى الديار الفاسية، وشيخنا العلامة أبى العباس أحمد بن المأمون الشريف البلغيثى قاضى مكناسة الحالى، وشيخنا الناقد الخبير أبى العباس أحمد بن الجعلالى (١) الفيلالى الأمغارى ومن في طبقاتهم، وشيخنا العلامة أبى عبد الله محمد بن عبد السلام
стр. 530
الشريف الطاهرى المكناسى قاضى مكناسة سابقا انتفع به كثيرا، وكان يخصه بدروس بداره كما أخبرنى لذاك قدس الله ثراه شفاهيا، وشيخنا الفقيه العلامة السيد الحاج المختار بن عبد الله، وحبنا المعقولى الناظم الناثر الغالى بن المكى السنتيسى، وشيخنا ابى عبد الله محمد بن الحسين العرائشى، ووالدنا روح الله روحه، وخلق.
تآليفه: منها حاشية على صحيح البخارى حكى لى غير واحد من شيوخى أنها في أعلى طبقة من النفاسة والتحرير، وتحرير المقال، وشرح على الشمائل، وحاشية على المنطق لم تكمل، وشرح على الهمزية إلى قوله ليته خصنى برؤية وجه، وختمته لصحيح البخارى وغير ذلك.
ومن بديع ما وقفت عليه من استنباطاته ما نقلته من خطه على هامش رحلة العياشى لما تكلم على تاريخ أخذ السلطان سليم مصر: قد رام بعض الناس استخراج دولة سيدنا ومولانا وإمامنا المنعم علينا بكل طارف وتليد مولانا الحسن أبقى الله فخره وعلاه، من حديث: "لا تزال طائفة من أمتى" ... إلخ فاستخرج من ذلك ما تمجه الأسماع، ففكرت في ذلك فألفيت على طائفة من أمتى هو عدد دولة الحسن ابنى وبنيه بعد فانتظم الحديث هكذا: لا تزال دولة الحسن ابنى وبنيه بعد ظاهرين على الحق ... إلخ، ولما أطلعته أعزه الله ونصره على ذلك أثابنى عليه بعطية سنية لها بال، كثر الله خيره وأدام عزه ونصره ومتعنى والمسلمين بطول حياته آمين، وذلك في شوال عام ١٣٠٥.
ومن مفاداته أيضا الدالة على عنايته بالتقييد ما لفظه ومن خطة نقلت:
الحمد لله الذى استقر عليه عمل سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، مدة تنيف على العشر سنين، في سرده لصحيح الإمام البخارى في الثلاثة الأشهر أنه يقرأه في ستة وثلاثين نصابا، وبيان أول كل نصاب هكذا، ١ بدء الوحى ٢ الوضوء ٣
стр. 531
التيمم ٤ المواقيت ٥ الصف الأول ٦ أبواب العيدين ٧ فضل الصلاة بمسجد مكة ٨ الزكاة ٩ سقاية الحاج ١٠ فضائل المدينة ١١ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا ١٢ كتاب الشرك ١٣ الهبة للولد ١٤ وابتلوا اليتامى ١٥ الجهاد بإذن الأبوين ١٦ بدء الخلق ١٧ ولقد آتينا لقمان الحكمة ١٨ مناقب عثمان ١٩ هجرة النبى ﷺ ٢٠ غزوة الحديبية ٢١ حديث كعب بن مالك ٢٢ سورة الأنعام ٢٣ سورة لقمان ٢٤ سورة والشمس وضحاها ٢٥ قوا أنفسكم وأهليكم نارا ٢٦ وهزى اليك بجذع النخلة ٢٧ الرقى بالقرآن ٢٨ الأدب ٢٩ أحب الأسماء إلى الله ٣٠ الوضوء عند الدعاء ٣١ الأيمان والنذور ٣٢ فمن لم يستطع منكم طولا ٣٣ تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ٣٤ كتاب التمنى ٣٥ عالم الغيب والشهادة ٣٦ والله خلقكم وما تعلمون.
ولادته: وجدت بخطة أنه ولد ليلة الثلاثاء تاسع عشرى رجب عام واحد وأربعين ومائتين وألف:
وفاته: في بفاس عن خطته اثر شروق شمس صبيحة يوم الجمعة في الساعة السابعة عاشر رجب عام واحد وعشرون وثلاثمائة وألف، ودفن بعد العصر من يومه بزاوية الشرادى قبالة درب الدرج (١) من فاس.
٧٦ - أحمد بن إدريس الخطابى أبو العباس المرابط الزرهونى .
من راوية مولانا إدريس.
حاله: فقيه ماجد، تولى نيابة القضاء بزاوية زرهون عن أبى عباس بن سودة المترجم قبله يليه واستمر على نيابته إلى أن توفى عنها.
مشيخته: أخذ عن جمع من شيوخ فاس، وسمع البخارى على العلامة سيدى الفضل الحسنى الشبيهى بزرهون.
стр. 532
وفاته توفى ببلدة ليلة يوم الأربعاء الخامس أو السادس من جمادى الثانية عام ثلاثة وعشرين وثلاثمائة وألف.
٧٧ - أحمد بن الفاطمى بن محمد بن محمد بن النقيب مولاى عبد القادر الشريف الإدريسى الشبيهى .
من زاوية زرهون.
حاله: نشأ في عفاف وصيانة، ومهر في علم الحساب، وله معرفة بالهيئة والتعديل والتنجيم والجدول والأسماء حسبما ذلك بخط ولده المولى محمد، تولى رياسة فن الحساب في وقته، وأكب في آخر عمره على العبادة، التلاوة والأذكار، والتهجد في الأسحار، والاعتكاف وملازمة الزاوية الدرقاوية والمسجد الجامع ولم يزل على ذلك إلى أن لبى داعى مولاه.
مشيخته: أخذ عن الشيخ عبد الله ابن الخياط العطار شهر بـ "اسى الخياط" وعن الإمام النظار شيخ الجماعة بفاس سيدى محمد بن عبد الرحمن الفيلالى الحجرتى، وأبى العباس أحمد بن محمد المرنيسى، وسيدى أحمد بنانى، وسيدى عبد السلام بو غالب، وسيدى محمد بن حمدون بن الحاج السلمى المرداسى ومن في طبقتهم من شيوخ فاس وقاداته، وكان يحضر دروس أخيه العلامة مولاى الفضيل، وأخذ الطريقة الدرقاوية عن سيدى مالك بن خدة دفين الزاوية.
الآخذون عنه: أخذ عنه علم الحساب ولده سيدى محمد، وجماعة من طلبة الزاوية الإدريسية
ولادته: كانت ولادته قبل ولادة أخيه سيدى الفضيل بثلاثة أعوام، وذلك أواسط العشرة الخامسة من المائة الثالثة بعد الألف.
وفاته: توفى ﵀ بفاس القرويين سادس عشرى قعدة الحرام عام أربعة
стр. 533
وعشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بروضة بنونة بسيدى على بو غالب، رضى الله عنه وأرضاه
٧٨ - أحمد بن محمد بن عزوز أبو العباس .
حاله: كان فقيها وجيها عدلا مبرزا موثقا فرضيا حيسوبيا ماهرا، له معرفة حسنة بالنوازل، ويحفظ التحفة ولامية الزقاق حفظا متقنا، من أجل الناس وأتقاهم، يقصده وجهاء بلده وغيرهم في مهمات إشهاداتهم.
مشيخته: أخذ عن السيد الحاج المهدى بن سودة، وأخيه الحاج احمد، والحاج مبارك، وابن الجيلالى (١) السقاط، والمفضل ابن عزوز، والسيد المختار الأجراوى ومن في طبقتهم من جلة الشيوخ.
وفاته: توفى في ربيع الثانى عام ثلاثة وعشرون وثلاثمائة وألف ودفن بالزاوية الجيلالية من بلدة مكناسة الزيتون.
٧٩ - أحمد بن شيخ الجماعة في وقته بمكناس السيد مبارك بن عبد الله السلجلماسى .
حاله: كان فقيها عالما نحريرا أستاذا، رحل إلى درعة واستوطنها واستفاد فيها وأفاد.
مشيخته: أخذ عن والده وغيره ممن في طبقته من الشيوخ، يروى عن والده دلائل الخيرات، وهو يرويه عن أبى حفص عمر بن المكى الشرقاوى عن شمهروش الجنى، عن مؤلفه ابن سليمان وبالسند إلى شمهروش عن النبى ﷺ يروى: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبى الأمى وعلى آله وصحبه وسلم تسليما بقدر عظمة ذاتك في كل وقت وحين، وأن مرة واحدة منها تعدل بستمائة فدية من النار. انتهى. أجاز له والده عامة.
стр. 534
الآخذون عنه: منهم صديقنا المؤرخ الناقد السيد عبد الحفيظ بن الطاهر الفاسى أنه أجازه عامة.
وفاته توفى بدرعة عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف.
٨٠ - أحمد بن الحاج رحال البخارى .
حاله: لين العريكة رقيق الطبع حسن الخلق والخلق مزحه جد مشتغل بما يعنيه عدل رضى وجيه نزيه، حمص نبيه فقيه، مجود تال ذاكر خاشع ناسك، محب في آل بيت الرسول، لا يفارق نبهاء أعيانهم حتى كان يعتقد من لا يعرفه أنه شريف النسبة، تولى خطة العدالة عام سبعين ومائتين وألف وكان يقرئ الصبيان، وينوب عن أمين أمناء الحضرة المولوية المكناسية السيد بوعزة بن العربى الفشار في خطة أبى المواريث وغيرها، نسخ بخط يده كتابا عديدة، وكان له إلمام بالحساب والتوقيت، أخبرنى ولده العدل الرضى السيد العلمى أنه أخبره أنهم من ذرية ولى الله سيدى عبد القادر المدعو بوالكرينات -بالكاف المعقودة دفين دار ام السلطان وأحاله في رفع نسبهم إليه على عمه شقيق المترجم الأستاذ السيد عياد، ومع الأسف فإنه لم يلق بالا للسؤال عن ذلك، وفات استدراك تحقيق ذلك بموت الوالد وشقيقه.
مشيخته: أخذ عن شيخ جماعة القراء في وقته بالحضرة المكناسية الأستاذ السيد اليزيد والعدل البركه السيد ابن يشو البخارى وغيرهم.
الآخذون عنه: منهم ابن عمنا العلامة الأصيل مولاى إدريس ابن السلطان مولانا سليمان المترجم فيما يأتى كان يكتب له كل يوم نصف حزب من القرآن في لوحه ويكرر معه كذلك خمسة أحزاب مياومة بضريح سيدى محمد الغمارى المترجم في المحمدين.
стр. 535
وفاته: توفى أواخر شوال الأبرك سنة تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف ودفن بوسعة ضريح سيدى عمرو الحصينى رضى الله عنه.
٨١ - أحمد بن محمد بن المأمون بن هشام بن محمد بن عبد الله بن فخر الملوك وجد سلاطين المغرب المولى إسماعيل .
حاله: كان وجيه نبيها حييا أريحيا تاليا لكتاب الله ذا تؤدة وصوت حسن مائلا إلى الأدب ماهرا في الحساب ومعرفة أحكام الزناتى والرمل والجدول ومخالطة فن التنجيم.
مشيخته: أخذ عن شيوخنا الجلة منهم السيد محمد القصرى، والسيد محمد ابن الهادى الفيلالى، وسيدى حسن بن اليزيد وشيخنا العرائشى، وعن السيد فضول العرائشى موقت مسجد الضريح العلمى وغيرهم.
وفاته: توفى ﵀ عام ثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بالضريح الإسماعيلى.
٨٢ - أحمد بن الجيلالى (١) الطَّهَارى.
من أهل الزاوية الإدريسية.
حاله: كان فقيها عدلا تولى نيابة القضاء ببلده مرتين ثم أعفى ومات فجأة وذلك أنه صبيحة يوم وفاته خرج للتفسح مع عياله في بستان له بضواحى الزاوية وظل به مع أهله في أنس ونشاط وبعد أن تناول الغذاء معهم تقدمهم في الرجوع لمنزله فأدركته منيته في الطريق فمات من حينه قبل وصوله لمنزله.
وفاته: توفى عشية يوم الخميس سادس عشرى رجب عام ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة وألف.
стр. 536
٨٣ - أحمد بن القائد محمد الشاذلى البخارى .
حاله: كان فقيها حيسوبيا ماهرا متضلعا في جميع أنواعه وله المام تام بمهمات فن الهندسة وجهه السلطان سيدى محمد لقراءة الفنون المذكورة بحاضرة فاس.
مشيخته: أخذ عن الولى أحمد الصويرى المتوفى بمراكش عام ثمانية عشر وثلاثمائة وألف وعمن في طبقته من المتضلعين المشار لهم في الفن.
الآخذون عنه: منهم السيد محمد بن المدنى المكلف في دور الدولة العزيزية بخزائن العدة والسيد محمد الرجراجى وغيرهما.
وفاته: توفى عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة وألف بالحضرة المكناسية.
٨٤ - أحمد بن العالم -اسما- ابن عبد الله الشريف القادرى .
الرباطى النشأة والدار والوفاة.
حاله: كان علامة نقادا أديبا نزيها وقورا حييا متواضعا ذا سكينة وتؤدة بساما في وجوه الطلبة، صدر لخطة الشهادة أواخر المائة الثالثة عشرة، ولم يزل على ذلك إلى أن توفى، وكان من ذوى الوجاهة التامة مبجلا عند سائر قضاة بلده وحكامها وكافة أهاليها واستخدم خدمات سلطانية في بعض البلدان كطنجة والعرائش والحديدية ومراكش ومكناسة الزيتون وكانت خدمته بمكناسة أواخر الدولة العزيزية ورحل لحج بيت الله الحرام، وزيارة روضة الحبيب الأعظم عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، أواخر هذه المائة.
مشيخته: أخذ عن شيخ الجماعة برباط الفتح أبى إسحاق السيد إبراهيم التادلى المتوفى بعد غروب يوم الخميس لسبع عشرة خلت من ذى الحجة عام أحد عشر وثلاثمائة وألف، ودفن بمحل درسه من دار سكناه رحمه الله تعالى ورضى عنه لازمه في كثير من دروسه الفقهية والحديثية والعربية، وأخذ عن الفقيه المفتى
стр. 537
السيد الجيلالى (١) ابن إبراهيم الرباطى المتوفى في أواسط جمادى الأولى عام ستة وثلاثين وثلاثمائة وألف، وعن الفقيه الصوفى العلامة الشهير السيد الحاج عمر عاشور المتوفى في ذى الحجة عام أريعة عشر وثلاثمائة وألف، وعن العلامة الأجل القاضى السيد على دنية الرباطى المتوفى عام ستة وعشرين وثلاثمائة وألف.
تآليفه: منها شرح على المرشد المعين من مطولات الشروح أكثر فيه من النقول.
وفاته: توفى ﵀ أواخر عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بزاويتهم القادرية من رباط الفتح، أفادنى بجميع ما ذكر عنه بلديه العلامة النظار أبو حامد المكى البطاورى مكاتبه.
٨٥ - أحمد بن الصديق المعروف بالتواتى .
نسبه لتوات البلدة الشهيرة الشريف الحسنى العلوى.
حاله: شاب نشأ في عبادة الله عالى الهمة ذو نفس أبية، وأخلاق نبوية مصطفية، فقيه نبيه، علامة مشارك وجيه نزيه، ذو مروءة وديانة، وعفة وصيانة، رحل إلى الحج عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف، وهاجر لمدينة جده عليه الصلاة وأزكى التسليم، وطاب له بها المثوى، ودرس بمسجدها النبوى وأفاد واستفاد، لقيته أيام رحلتى لتلك الديار المشرفة وكان لى خير رفيق، وأجل صديق، مدة مقامى بالمدينة المنورة على مشرفها أفضل صلاة وأزكى سلام ما فارقنى ولا فارقته مدة من ثلاثة أشهر كملا.
مشيخته: أخذ بمكناسة عن علمائها الجلة كشيخنا العرائشى، وشيخنا السوسى، وصيدى محمد الشبيهى وغيرهم.
стр. 538
وبفاس عن شيخنا العلامة الناسك السيد الفاطمى الشرادى حفظه الله وغيره.
وبالمدينة المنورة عن عالمها ومسندها شيخنا السيد أحمد البرزنجى، وعن شيخنا البركة القدوة سيدى محمد بن جعفر الكتانى أبقى الله وجوده، والعلامة المحدث المفسر شيخنا الشيخ توفيق الأيوبى الأنصارى الشامى، وعن صديقنا العلامة المفضال الشيخ عمر حمدان المحيرثى التونسى، وخلنا الشيخ الزاهد الناسك المعقولى عبد الباقى الهندى وغيرهم من فطاحل أهل العلم الجلة.
الآخذون عنه: منهم الفقيه النجيب حسن الأخلاق محبنا في ذات الله حمزة التكريتى وجماعة.
وفاته: توفى بالأرض المقدسة دمشق الشام بعد خروج المجاورين بالمدينة وغيرهم من أهاليها في الحادثة الشهيرة التي تتفطر لها الأكباد.
٨٦ - أحمد بن العربى بن الحنفى بن الطالب بن العربى بن الطالب الشريف الحسنى العلوى الأمْرانى يدعى صميم .
حاله: مجذوب مصطلم ساقط التكليف، ورد من بلدة تافيلات وهو بأتمه وكان يتعاطى حرفة الدباغة في أول أمره مشتغلا بما يعنيه تاركا لما لا يعنيه إلى أنْ حل به ما حل فسار لا يكلم أحدا ولا يأوى إلى أحد، يسكن دكانا خربا متهدما، حدثنى غير واحد أنه كان يأتى لمن يبيع الخبز ويأخذ منه ما شاء من غير أن يؤدى له ثمنا ولا يجد ذلك البائع نقصا في مدخوله، دام معه على ذلك أعواما، وأنه جاءه يوما بعض أوباش الأخلاط وسار يهزأ به ويسخر منه وهو يطلب البعد منه فلما لم يرعو رفع يده يهدده وأومأ لبطنه كانه يريد أن يطعنه من غير أن يمسه، فصاح ذلك المستهزئ وخر مغشيا فحمل لمحله فمات من حينه.
стр. 539
وفاته: توفى عشية يوم الخميس عاشر ربيع الثانى عام واحد وأربعين وثلاثمائة وألف، ودفن من الغد بالضريح الإسماعيلى بعد أن صلى عليه بالجامع الأعظم بعد خطبة الجمعة، ولم يتخلف أحد من أهل الفضل والدين عن تشييع جنازته ﵀ رحمة واسعة.
تم الجزء الأول
стр. 540
إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس
تأليف
ابن زيدان: عبد الرحمن بن محمد السجلماسي
(١٢٩٠ هـ - ١٣٦٥ هـ)
تحقيق
الدكتور علي عمر
بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية
بجامعة المنيا والإمام بالرياض
ومن الباحثين بمركز تحقيق التراث «سابقا»
[الجزء الثاني]
стр. 541
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر
الناشر
مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة
٥٢٦ شَارِع بورسعيد - الْقَاهِرَة
ت: ٢٥٩٢٢٦٢٠ - ٢٥٩٣٨٤١١ - فاكس: ٢٥٩٣٦٢٧٧
E-mail: alsakafa_aldinay@hotmail.com
بطاقة الفهرسة
إعداد الْهَيْئَة المصرية الْعَامَّة لدار الْكتب والوثائق القومية
إدارة الشئون الفنية
إتحاف أَعْلَام النَّاس بِجَمَال أَخْبَار حَاضِرَة مكناس ج ٢
تأليف: ابْن زَيْدَانَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المكناسي, تَحْقِيق: عَليّ عمر، ط ١، الْقَاهِرَة: مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة ٢٠٠٨ م
٥ مج: ٢٤ سم
تدمك: × - ٣٩٠ - ٣٤١ - ٩٧١
١ - الْفُقَهَاء - معاجم
أ - عمر، عَليّ (مُحَقّق)
ب - العنوان
ديوى: ٩٢٢.٥٨
رقم الْإِيدَاع: ٧٦٦٧/ ٢٠٠٨
стр. 542
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 543
حول ظهور الجزء الأول (١) (من هذا التاريخ)
* * *
لقد كان لظهور الجزء الأول من هذا التاريخ الحفيل في عالم المطبوعات رنة استحسان وصدى تقدير ودوى قوى في سائر النوادى العلمية والأدبية والتاريخية، وما بزغت شمسه حتى تخلل صيته الآفاق، واشرأبت إليه الأعناق، وأحدقت به الأحداق، وتناقل صحيح حديثه الرفاق، وتصفحه نقاد العلماء والكتاب والأدباء من أقطار المغرب الثلاث إلى مصر والشام وأوروبا على اختلاف الملل والنحل وكتبت في شأنه المجلات العلمية والصحف الأدبية شرقية وغربية عربية وعجمية وتهاطل على سماحة مؤلفه من رسائل التقريظ والثناء والتحبيذ من سائر المقامات ما سينشر عند انتهاء الكتاب إن شاء الله تعالى.
أما الآن فسيتوج هذا الجزء الثانى بالظهير الشريف الذى أصدرته جلالة مولانا السلطان أعزه الله تقريظا للكتاب وجوابا للمؤلف عن إهدائه إياه لجنابه الكريم.
وإن المؤلف ليشكر المحتفلين بكتابه على اعتنائهم والناقدين على ملاحظاتهم التي أبدوها عن إخلاص وصفاء. كما أنه يلتمس الأعذار للذين قدم لهم الجزء الأول هدية ودية، لمكانتهم العلمية وسمعتهم الأدبية فلم يتنازلوا -وقليل ما هم- حتى لرد السلام.
وإليك رسم الظهير السلطانى الشريف متلوًا بالجواب المقيمى اللطيف.
стр. 544
[صورة]
ظهير جلالة السلطان سيدى محمد بن يوسف للمؤلف
стр. 545
[صورة]
كتاب من المقيم العام الحالى مسيو لوسيان للمؤلف
стр. 546
إتحاف أعلام الناس
بجمال أخبار حاضرة مكناس
لابن زيدان
стр. 547
٨٧ - إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل (١)
أحد رجال صحيح البخارى ذكره في سنده مرة واحدة في أواخره -ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على بن أبى طالب، ومولاتنا فاطمة الزهراء البتول. بنت أجل نبى وأفضل رسول صلى الله عليه وعلى آله وحزبه.
حاله: ماذا عسى أن أقول فيمن كان جبريل لجده خديما، والله صلى عليه وملائكته، وأمرنا أن نصلى عليه ونسلم تسليما، واختاره على وحيه أمينا، وقرن طاعته بطاعته وجعل حبه ذخرا ثمينا. وماذا عسى يحبر اليراع. في محامد من طبقت مفاخره البقاع. ولو حاول المثنى عليه أقصى ما يحاول. فأين الثريا من يد المتناول. وبأى لسان أعرب. عن فضائل من محا آية الشرك من لوح المغرب. وأزاح ظلام الكفر والطغيان. بنور الهدى والإيمان. . ورضع عباب العلم غضا طريا. وجعل إمامه الكتاب والسنة ولم يأت شيئا فريا. وجاهد في الله حق جهاده. وصير كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله العليا وذلك أقصى مراده.
وأبوه دنية ديباجة بنى هاشم ورءوس قريش على سيادته فيهم شدت منهم الحيازم. وجده الحسن روى عنه إمامنا مالك. طائر الصيت في سائر المسالك. وقال: إنه ممن يقتدى بفعله. اعترافا منه بورعه وفضله. وأخرج له البخارى في الصحيح. ووثقه الأئمة المرجوع إليهم في التعديل والتجريح. ورث ولده المترجم المجد لا عن كلالة. وتردى برداء الوقار والجلالة. تهيأت له الخلافة العظمى. إذ رأت مكانته أفخم وأسمى. فأمهرها القبول. ونهج فيها نهج جده خير رسول.
كان في علم الكتاب والسنة من البحور الزواخر. لا تكدره المواخر بلغ مرتبة أهل الاجتهاد. وعلم جلالته ومكانته في العلم كل من ساد في أقطار البلاد.
стр. 548
حاضرها والباد. كان لا يتقيد بمذهب شأن السلف الصالح ذوى السعى الرابح. عاصر مالكا وغيره من صدور الأمة. المهتدى بهديهم في كل مدلهمة.
فر بنفسه في وقعة فَخّ التي كانت في أيام موسى الهادى بن محمد المهدى العباسى على ما قاله غير واحد من أعلام هذا الشأن، وصححه الحلبى في دره. وفَخّ بفتح الفاء وتشديد الخاء-وقد وهم من أبدل الخاء جيما، وكانت هذه الوقعة الشنعاء يوم السبت وصادفت يوم التروية سنة تسع وستين ومائة، وكان هذا الإمام العظيم المقدار ممن حضرها هو وشقيقاه سليمان ويحيى في جملة أبناء عمه وغيرهم.
ولما قتل فيها من قتل منهم ومن جملتهم شقيقه سليمان كما في "تاريخ ابن جرير" و"مروج الذهب" للمسعودى و"الدر السنى" للقادرى وفر من فر، كان صاحب الترجمة ممن فر ناجيا بنفسه وفى معيته مولاه راشد فتوجها من مكة شرفها الله إلى مصر ثم إلى إفريقية فأقاما بالقيروان مدة ثم سارا إلى تلمسان واستراحا بها أياما، ثم ارتحلا عنها قاصدين طنجة فعبرا في طريقهما وادى ملوية، ودخلا بلاد السوس الأدنى والسوس الأقصى وتجولا في جبل درن إلى أن وصلا مدينة طنجة، ثم رحلا عنها إلى مدينة وَلِيلى، ونزلا على أميرها الأوْرَبِى إسحاق بن محمد بن عبد المجيد، وذلك غرة ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين ومائة باتفاق. قال علامة الآفاق ابن غازى في رجزه الذى ذكره في "تكميله":
وعقدت راياته في القصب ... وجاءنا إدريس عام [قعب]
إلى وليلى المغرب القصى ... إذ قام صنوه على المهدى
وبعد ما سم سما النجل الأبى ... واختلط فاسنا لعام [قضب]
وما وقع في "الدرر البهية" من أن ذلك كان سنة سبعين وهم.
стр. 549
وقد كان الأوْربى على مذهب الاعتزال، فرغب عنه رغبة في التمذهب بمذهب هذا الإمام العظيم الشأن الذى هو مذهب أهل السنة والجماعة، فتمذهب به، قال الحلبى: صرح بذلك جمع من المؤرخين.
ثم جمع إخوانه وقبائل البربر فعرفهم بحسب ونسب هذا البضعة النبوية الطرية وما حوته من الأوصاف الحميدة وقرابتها من رسول الله، وأشار عليهم ببيعته فأجابوا بالسمع والطاعة، وكان ممن أسرع لبيعته غمارة وزواغة ولواتة وصدراتة ومكناسة ونفزة وغياثة وفى مقدمتهم قبائل أوْرَبَة أهل القوة والشوكة لذلك العهد، وكافة البرابر المخالفين لبرغواطة، فبايعوه على السمع والطاعة ولم يتخلف أحد منهم عن بيعته.
وقد اتفقوا على أن بيعته كانت سنة قدومه وهى سنة اثنتين وسبعين ومائة، واختلفوا في شهر ويوم بيعته منها.
فقيل فاتح ربيع الأول، وعليه جرى ابن أبى زرع في "الأنيس" وابن القاضى في "الجذوة" كلاهما في ترجمة الحسن ابن قاسم آخر ملوك الأدراسة.
وقيل عند دخول رمضان وعليه اقتصر البكرى، والجزنائى، والحلبى.
وقيل رابع عشر منه، وعليه جرى أولا ابن أبى زرع، وابن القاضى.
ثم بعد مبايعة الناس له قام خطيبا فقال: أيها الناس، لا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإن الذى تجدون من الحق عندنا لا تجدونه عند غيرنا (١).
ثم بعد ذلك أتته قبائل زناتة وأصناف قبائل البربر وبايعوه على المنشط والمكره، فتمكن سلطانه وقوى أمره، ووفدت عليه الوفود من سائر الجهات وقصد إليه الناس من كل صوب وصقع.
ثم حشد الجيوش وخرج غازيا إلى بلاد تامسنا، ففتح أولا مدينة شالة ثم بعد سائر بلاد تامسنا، ثم سار إلى بلاد تادلا، وقد كان أكثر أهلها على دين
стр. 550
النصرانية واليهودية والمجوسية، وكان قد بقى منهم بقية متحصنون بالمعاقل والجبال والحصون المنيعة، فلم يزل يستنزلهم ويقفو أثرهم حتى اعتنقوا الإسلام بالطوع والكره، وأباد من بقى منهم متعصبا بعد أن فتح مدائنهم ومعاقلهم.
ولما امتد نفوذه بتلك الأصقاع رجع لمدينة وليلى فدخلها في النصف الآخر من جمادى الثانية سنة ثلاث وسبعين ومائة، فأقام بقية الشهر بها، والنصف الأول من رجب.
ثم ظعن برسم غزو تلمسان، ولما وصل إليها أقام بظاهرها حتى أتاه أميرها محمد بن خزر بن صولات المغراوى الخزرى وطلب منه الأمان فأمنه وبايعه هو ومن معه بتلمسان من قبائل زناتة وغيرهم، فدخل المدينة صلحا، وأمن أهلها وبنى مسجدها وأتقنه وصنع فيه منبرًا، وكتب عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أمر به إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم وعنا به.
فتم له الأمر ودانت له رقاب أهل المغرب، ونشر الإسلام فيه على يده، ولم يتفق هذا الفتح الباهر الباهض قبله لأحد حتى لعظماء القياصرة ذوى العدة والعدد والقوة والبأس الشديد، ورجع إلى وليلى وقد امتدت إمارته ما بين نهر شلف إلى وادى نفيس. وقد وفد هذا الإمام للقطر الإفريقى الوافر العمران المتعدد الشعوب والقبائل واختلاف ألسنتها وأديانها وأهوائها وآرائها وتمنعها وعصبيتها، وهم أكثر من أن يحصوا، قال ابن خلدون: وكلهم بادية وأهل عصائب وعشائر، وكلما هلكت قبيلة عادت الأخرى مكانها وإلى دينها من الخلاف والردة.
والحال أن مولانا إدريس في هذا الوطن غريب (ناء عن الأهل صفر الكف منفردا) لا زاد ولا مال، ولا استعداد ولا عشيرة، ولا تقدم له معرفة بأحوال البلاد ولا يعلم لهم لسانا، ولا يعرف منهم إنسانا، ودولة بنى العباس في عنفوان شبابها ذات سطوة قاهرة، وأساطيل متكاثرة وجيوش ذات قوة وبأس شديد، وكلمة نافذة
стр. 551
مسموعة، سوت بين الأحرار والعبيد، ولم تأل جهدا في اقتفاء أثره والرغبة في إلقاء القبض عليه، والبطش به حيثما وجد، وبالغت طاقتها في الإغراء حتى سموه في مشموم مسموم كما هو معلوم، فلم تقدر عليه، حماية وعناية من الله له، وأتاح له سبحانه من النصر والتمكين ما لم يعهد نظيره لأحد في غابر الأزمان، فاستولى على كثير من بقاع المغرب، وبدّل لغة أهلها من البربرية إلى العربية ودياناتهم العديدة إلى التوحيد الحق، فأشرقت أنوار الإيمان بأرجاء قلوبهم، وفتح به في أقرب مدة أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وهدى به الملايين من الخلق وأنقذهم من ظلام الإلحاد والإشراك، إلى ضياء الحق، وآثروه على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشائرهم.
وقد غزاهم قبله من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا فلم يأخذهم رواؤه، ولا نجح فبهم دواؤه، إذ قد عاد وأبعده للثورة والردة حتى قال ابن خلدون نقلا عن ابن أبى زيد: ارتدت البرابر بالمغرب اثنتى عشر مرة ولم تستقر كلمة الإسلام فيهم إلا لعهد ولاية موسى بن نصير فما بعده.
ويعجبنى هنا قول صديقنا العلامة الحافظ الشريف السيد المدنى بن الحسنى الرباطى من قصيدة (١) في عظماء المغرب مما أملى في حفلة مدرسية عام ١٣٤١ هـ.
стр. 552
وفاز (الغرب) بالقدح المعلى ... إذا استبق الجميع إلى السهام
فـ (طارق) قد بدا علما تسامى ... بحد سنانه وظبا الحسام
قد اعترفت شعوب الأرض طرا ... بفضل من مآثره الجسام
وحاز لسان صدق في البرايا ... تضوع نشره بعد الرجام
ألست تراه يعرض كل حين ... أساطيل العباد على الدوام.
و (موسى) قد تسامى في سماء ... بنشر العدل فينا والسلام
وأحيا دارسا (إدريس) لما ... بدا فينا كتاج فوق هام
له فضل عظيم ليس يحصى ... على أبناء مغربنا العظام
به الإسلام قر في قراه ... وأعطته البرابر بالزمام
وأتباع الهداة على هداهم ... بميزان لهم بعد الحمام
وسل سليله (إدريس) سيفا ... لإرغام العداة على الرغام
بنى (فاسا) فكان العلم فيها ... ينير لنا دياجير الظلام
فكم حبر وكم بحر تسامى ... ومد عبابه كالبحر طام
وإن (الجامع القروى) فينا ... كنبراس يضئ لذى اعتصام
به للمغربى على سواه ... فخار لا كفخر بالوسام
جميع مدارس الدنيا تبدت ... متابعة كتلو للإمام
وقد ضربت له آباط إبل ... لشيخ أو لكهل أو غلام
ومن آفاق (أوروبا) خصوصا ... بنى التاميز من فرط الغرام
وراهب (رومة) قد رام فيه ... علوم الكون من دون انتقام
стр. 553
أقر بذا الجحود وليس يخفى ... (هلال) (١) الأفق من تحت القتام
وإن الحق ما شهدت عداه ... أقر الخصم من بعد الخصام (٢)
انتهى الغرض.
стр. 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 555
ولا يعزب عن علمك أن مولانا إدريس ممن جاء بعد ابن نصير وأنه وجد قبائله أى المغرب ذات عقائد زائغة، وبدع فاشية، وأن استقرار الإسلام فيهم إلى الحين الحالى إنما هو على يد هذا الفاتح الأعظم، الذى هو أول قادم من آل البيت المطهرين من الرجس تطهيرا لقطرنا المغربى، وذلك فضل عظيم يعظم به مجده، ويطول به باعه، والمرء في ميزانه اتباعه.
وهو من تابعى التابعين على الصحيح وقيل من التابعين وعليه جرى بعض قدماء العلماء الذين مدحوه حيث قال:
زرهون أشرف ما في الأرض من بقع ... إذ فيه قبر عظيم من ذوى الكرم
وذاك قبر الإمام التابعى الذى ... من آل بيت الرسول سيد الأمم
إدريس أفضل خلق الله فيه إذا ... وهو الإمام لهم في الحشر والعلم
وضرب السكة بتدغة عام أربعة وسبعين ومائة نقش في وسط وجه منها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وبدائرته باسم الله ضرب هذا الدرهم بتدغة سنة
стр. 556
١٧٤، ونقش في وجه صورة هلال، ثم محمد رسول الله ﷺ ، وتحت ذلك على ثم مما أمر به إدريس بن عبد الله: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا انتهى.
رأيت هذه السكة من فضة وزنها أكرمان اثنان وتسع وستون ٢، ٦٩ - وعلى ذكر هذه السكة الإدريسية أذكر كلاما لصاحب "الدوحة المستكة في أحكام دار السكة" ونص الغرض منه:
الفصل الأول في أول من ضرب الدينار والدرهم قبل الإسلام وبعده وأول خليفة كتب اسم الله ﵎ وعين الأماكن لضربها وشدد في تخليصها. قال القاضى أبو الحسن بن لبال في شرحه "لمقامات الحريرى": إن الناس في أول الزمان كانوا يتبايعون بالعروض فيما بينهم كالحنطة والشعير والحبوب والفواكه وما أشبه ذلك، فشكوا إلى ملكهم ما ساءهم من ذلك وما يخافون من إتلاف أموالهم إن بقوا على هذه الحالة، فأمرهم أن يختاروا ما لا يفسد على مكث الزمان، فاختاروا حجر الذهب الذى هو أبقى جواهر الأرض، وكلما بقى تحت الأرض صلح وطاب، وكلما دخل النار تخلص وحسن، وأمر بضرب الدنانير وطبعها بطابع الملك، ونهى أن تفسد وأن يكسر طابعها، وأن من فعل ذلك تقطع. يده يريد على سنّتهم، وأخبروه أيضا أنهم يحتاجون إلى ما لا يفى ثمنه بقيمة الدينار بأقل منه أو من أجزائه مما لا بد لهم من مصلحة أنفسهم من شراء الحوائج، فأمرهم باختيار حجر آخر دون الذهب يكون قيمة الدينار منه عشرة دراهم، فاختاروا الفضة وضرب منها الدرهم، وطبعه بطابع الملك فكانت قيمة العشرين دينارا مائتى درهم.
ولم تزل الروم تستعمل الدنانير والفرس تستعمل الدراهم حتى جاء الإسلام فكان الناس يستعملون ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فضرب الدنانير والدراهم وكتب على الدنانير: الله أحد، وكانت قبل ذلك لا كتب عليها، وكتب على الدراهم كذلك.
стр. 557
وكانت الدراهم في أيام الفرس مختلفة على ثلاثة أوزان، منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا، ودرهم على وزن عشرة قراريط، فلما جاء الإسلام واحتيج إلى تقدير الزكاة أخذ الأوسط من جميع الأوزان الثلاثة وهى اثنان وأربعون قيراطا، فاتفقوا على أن يكون الدرهم على وزن أربعة عشر قيراطا من قراريط المثقال، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا كل قيراط من ثلاث حبات، وأربعة وعشرون في ثلاثة، اثنان وسبعون فهو من اثنين وسبعين حبة.
ومن البرى لوتيمة بسنده عن ابن عباس، قال: إن أول سكة وضعت في الأرض الدنانير والدراهم وضعها ثمود بن كنعان، وكان الناس يتبايعون قبل ذلك بالتبر من الذهب والفضة، فلما ضربت الدراهم والدنانير نخر إبليس نخرة وقبض عليها في يده وقبلها، وقال: استمسكت من بنى آدم، بكما يقطعون الأرحام ويسفكون الدماء ويظلم بعضهم بعضا.
وقيل: إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما رأى اختلاف الدراهم نظر إلى أغلب ما يتعامل الناس فيه من أعلاها وأدناها، فجعل منها اثنى عشر دانقا، وأخذ نصفها فكانت ستة دوانق، فمتى زدت على الدرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالا، ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أسباعه كان درهمًا.
وكان الفرس عند فساد أمورهم قد فسدت نقودهم، والنقد هو الخالص من الذهب والفضة، فاتسع فيه حين جعل المعجل من كل مدفوع نقدًا من كل شئ فميز المغشوش من الخالص.
وقد اختلف في أول من ضربها في الإسلام، فقيل: عبد الملك بن مروان وكانت حينئذ الدنانير من ضرب الروم، والدراهم من ضرب الفرس كسرى وحمير، وكانت قليلة فأمر عبدُ الملك بن مروان الحَجَّاجَ بضربها سنة أربع وسبعين من الهجرة، وقيل خمس وسبعين، وكتب عليها: الله أحد الله الصمد.
стр. 558
ثم ولى ابن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك فضربها أجود مما كانت، وشدد في تجويدها، ثم ضربها بعده يوسف بن عمر فأفرط في تجويدها فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود دراهم بنى أمية، وكان المنصور لا يأخذ في الخراج غيرها.
وقيل: إن أول من ضربها مصعب بن الزبير عن أمر عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، وعليها بركة من جانب والله من جانب، ثم غيرها الحَجّاج وكتب عليها بسم الله في وجه، وفى وجه الحَجّاج. انتهى.
وقال: أول من ضرب السكة المركنة أبو عبد الله المهدى القائم بأمر الموحدين، وكانت الدراهم قبل ظهور الدولة الموحدية كلها مدورة، فأمر المهدى وعهد إلى خليفته عبد المؤمن أن تكون دراهمه مركنة فكانت كذلك إلى أن قال: وكان بمدينتى فاس القرويين والأندلسيين دار سكة فنقلهما الخليفة أبو عبد الله الناصر بن المنصور الموحدى إلى دار أعدها بقصبتها حين بناها سنة ستمائة، وأعد بها مودعا للأموال المندفعة بها ولطوابع سكتها وغالبا ما كان يسبك به الذهب.
تنبيه: ما قدمته من أن مولانا إدريس هو أول آل البيت دخولا للمغرب به صرح غير واحد وأطلق، ولا إشكال في كونه كذلك بالنسبة للمغرب الأقصى، وأما غيره فقد وقع في "حجة المنذرين" أنه سبقه إلى دخول المغرب الأدنى أخوه سليمان هـ.
أقول: ويرده قول ابن خلدون: وأما سليمان أخو إدريس الأكبر فإنه فر إلى المغرب أيام العباسيين فلحق بجهات تاهرت بعد مهلك أخيه إدريس. انتهى.
وقال قبل هذا ولحق به -يعنى الإمام إدريس الأكبر- من إخوته سليمان، ونزل بأرض زناتة من تلمسان ونواحيها، ونذكر خبره فيما بعد. انتهى.
стр. 559
يشير إلى ما قدمنا بعضه عنه آنفا ونحوه لابن أبى زرع، وهو صريح في أن دخول مولاى سليمان للمغرب متأخر عن دخول شقيقه المترجم، لكن ينافى ذلك ما أسلفناه عن ابن جرير والمسعودى وغيرهما من كون المولى سليمان كان من جملة قتلى فَخّ، ومثله نقله الحلبى عن سبط ابن الجوزى، ويوافقه ما نقله الحلبى أيضا عن ابن حزم ومصعب، من أن الذى أتى تلمسان هو ابن سليمان محمد لا أبوه سليمان، وكذا ما نقله عن "بحر الأنساب" من أن محمد بن سليمان هو الذى خرج مع عمه المترجم إلى تلمسان. فدخول سليمان إلى المغرب مختلف فيه، قال الحلبى: والصحيح دخوله إياه لاتفاق مؤرخى المغرب عليه كالتنسى، وابن خلدون، وابن أبى زرع، وصاحب المسالك، ونقل عن النوفلى ذلك أيضا وهو محقق في التاريخ. انتهى.
قلت: أما ابن خلدون وابن أبى زرع فكلاهما صريح في أن دخول سليمان للمغرب متأخر عن دخول أخيه الإمام إدريس، فلا شاهد فيه لمن ادعى الأولية لسليمان وإن كان شاهدًا لأصل الدخول، وأما كلام المسالك فقد وقفنا عليه في أصله فوجدناه صريحا فيما قصده الحلبى من أصل الدخول محتملا للتأخر والتقدم، وهو في الأول أظهر واعتماده في ذلك على كلام النوفلى لنفله له واقتصاره عليه في ترجمة مدينة فاس، ومن جملة ما اقتصر عليه في هذه الترجمة أن سليمان نزل مدينة تلمسان مع أنه فيما قدمه في ترجمة تلمسان اقتصر على قوله: نزلها محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن. انتهى. فاقتصر على أن النازل بها هو ولده محمد وبه يسقط احتجاج "الدر النفيس" بما في المسالك.
وفى "العرف العاطر" لأبى محمد عبد السلام القادرى جد صاحب "النشر" ما نصه: بويع له -أى لسليمان- بتلمسان فيما قيل، ثم قال: وقال مصعب: إن سليمان المذكور قتل بفخّ، قال: وكان ولده محمد خرج إلى المغرب، ومصعب أعرف بهذا الشأن من غيره إذ كان معاصرًا له ومن أهل أرضه وبلاده ونحوه لابن حزم والأزورقانى. انتهى.
стр. 560
وبطرته بخط صاحب النشر ما صورته ما حكاه بقيل من أن سليمان بن عبد الله دخل المغرب ونزل بتلمسان هو الذى عند التنسى في نظم الدر والعقيان، وابن خلدون في كتاب العبر، وابن أبى زرع في الأنيس وأبى عبيد البكرى في المسالك.
قلت: التنسى تابع لابن خلدون، فإن كل ما في كتابه مأخوذ منه إلا أنه لا يسميه، وابن خلدون تابع لصاحب الأنيس فكثيرا ما ينقل عنه ويصرح به ويعتْمده، وصاحب الأنيس تابع لصاحب المسالك فكثيرًا أيضا ما يعتمده وينقل عنه، وصاحب المسالك نقله عن النوفلى عن عيسى بن حيون قاضى أرشقول ولم نعثر على من قال إن هذا كان من الحفاظ فالصحيح المعتمد أن الداخل للمغرب هو محمد بن سليمان كما قاله الحفاظ الثلاثة النسابون: مصعب الزبيرى، وابن حزم، والأزورقانى. انتهى، من خط عم والدنا. انتهى، ما وجدته بخط صاحب النشر طرة المحل المذكور من كتابه المذكور.
وقد رام في "حجة المنذرين" الجمع بين الخلاف في هذا المقام فقال: إن دخول مولاى سليمان المغرب كان صدر القرن الثانى فرارًا من أبى جعفر المنصور، ثم استخلف ولده في عين الحوت ورجع للحجار لأخذ الثأر زمن الهادى العباسى فاستشهد في وقعة فخ، ومن قال: إن مولانا إدريس أول داخل للمغرب يعنى المغرب الداخلى الأوسط فلا ينافى تقدم دخول عمه إلى المغرب الأدنى. انتهى.
وعليه ملاحظات:
الأولى: أن هذا الجمع لا يتأتى على قول ابن خلدون ومن وافقه إن دخوله للمغرب متأخر عن دخول شقيقه الإمام إدريس، ولا على قول مصعب وابن حزم، وابن جرير، والمسعودى ومن وافقهم أنه لم يدخله أصلا.
الثانية: أن قوله تقدم دخول عمه سهو وصوابه أخيه.
стр. 561
الثالثة: أن جعله تلمسان وما حوله من المغرب الأدنى خطأ بل ذلك عندهم من المغرب الأوسط، بل تلمسان هى قاعدته كما في "جنى زهر الآس" و" الدر النفيس" وأصله لابن خلدون وغيره، وقد قدمنا ما بين ابن خلدون وغيره من الخلاف في تفسير المغارب.
وفاته: اختلفوا في سنة وفاته، فقيل: سنة خمس وسبعين ومائة، وعليه جرى النوفلى، وابن خلدون، والبكرى، والتنسى، والجزنائى، وابن قنفذ وهو المرقوم في المشهد الإدريسى، وقيل: سنة ست وسبعين ومَائة وبه صدر في "الجذوة" ولم نره لغيره، وقيل سنة سبع وسبعين ومائة وعليه اقتصر ابن أبى زرع والحلبى وغيرهما.
واختلفوا أيضا في شهر ويوم وفاته فقيل: فاتح ربيع الأول وعليه اقتصر في "الدر النفيس" ولم نره لغيره، وقيل: منسلخه وعليه اقتصر في "الجذوة" وقيل مفتتح ربيع الثانى وعليه اقتصر ابن أبى زرع ونحوه للكلبى في "الأنور" وقيل منسلخه وعليه اقتصر البكرى والجزنائى.
وعلى ذلك انبنى قدر مدة الخلافة لهذا الإمام فعلى أن البيعة في سابع ربيع الأول والوفاة في منسلخ ربيع الثانى من عام سبعة وسبعين، وهذا أقصى الأقاويل المتقدمة تكون مدة الخلافة خمس سنين وأربعا وخمسين يوما.
وعلى أن البيعة في أول رمضان، والوفاة في منسلخ ربيع الثانى سنة سبع وسبعين، تكون المدة أربع سنين وثمانية أشهر.
وعلى أن البيعة رابع عشر رمضان والوفاة منسلخ ربيع الثانى سنة سبع وسبعين، تكون المدة أربع سنين وسبعة أشهر وسبعة أو ستة عشر يوما، فالأول على كمال شهر البيعة، والثانى على نقصانه.
стр. 562
وعلى أن البيعة سابع ربيع الأول والوفاة منسلخ ربيع الثانى سنة خمس وسبعين تكون المدة ثلاث سنين وشهرين اثنين عدا ستة أيام.
وعلى أن الوفاة في متم ربيع الأول من سنة خمس وسبعين والبيعة سابع ربيع الأول، تكون المدة ثلاث سنين عدا خمسة أو ستة أيام.
وعلى أن البيعة فاتح رمضان والوفاة منسلخ ربيع الثانى عام خمسة وسبعين، تكون المدة سنتين اثنين وثمانية أشهر.
وعلى أن البيعة فيما ذكر والوفاة فاتح ربيع الثانى سنة خمس وسبعين، تكون المدة سنتين اثنتين وسبعة أشهر ويوما واحدًا، وإن كانت البيعة فاتح رمضان والوفاة منسلخ ربيع الأول سنة خمس وسبعين، تكون المدة سنتين اثنتين وسبعة أشهر لا غير.
وعلى أن البيعة فيما ذكر والوفاة فاتح ربيع الأول سنة خمس وسبعين، تكون المدة سنتين اثنتين وستة أشهر ويوما واحدا.
وعلى أن البيعة في رابع عشر رمضان والوفاة في منسلخ ربيع الثانى سنة خمس وسبعين، تكون المدة سنتين وسبعة أشهر، وستة أو سبعة عشر يوما.
فإن كانت الوفاة فاتح ربيع الثانى والموضوع بحاله كانت المدة سنتين اثنتين وستة أشهر وسبعة أو وثمانية عشر يوما.
فإن كانت الوفاة في منسلخ ربيع الأول والموضوع بحاله، كانت المدة سنتين اثنتين وستة أشهر وستة أو سبعة عشر يوما.
فإن كانت الوفاة فاتح ربيع الأول والموضوع بحاله، كانت المدة سنتين اثنتين وخمسة أشهر وثمانية أو سبعة عشر يوما.
فهذه تفاصيل المدة التي انبنت على الخلاف في تاريخى البيعة والوفاة وقد علمت أن أقصاها خمس سنين وأربعة وخمسون يوما، ومنه يعلم أن ما وقع في "الجذوة" و"الدر النفيس" من أن المدة خمس سنين وسبعة أشهر، إنما هو غلط
стр. 563
محض مخالف للأقوال كلها، وقد نبه على غلطهما في "سلوة الأنفاس" وإن لم يستوعب ما فصلناه.
٨٨ - إدريس المعروف بإدريس الأنور والأزهر والتاج والمثنى .
بانى فاس ودفينها رضى الله عنه وأرضاه.
حاله: كان إماما راوية عارفا بأحكام السنة والكتاب، واقفا عند حدهما مؤتمرًا بأوامرها، منزجرًا بزواجرها، قائما بحدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم، غضبه في الله ولله ورضاه كذلك، أمَّارًا بالمعروف نهَّاءً عن المنكر، ورعا جوادا كريما شهما صنديدا، سياسيا ماهرا مقتدرا، فصيحا بليغا، ناظما ناثرا ذا عقل راجح وحلم واسع، وإقدام في مهمات الأمور وحزم وصرامة، يباشر الحروب بنفسه، ويبلى البلاء الحسن، مع ثبات جنان ورسوخ قدم، وطلاقة وجه وبشر وارتياح عند لقاء العدو وفى ميادين القتال وخصوصا إذا حمى الوطيس.
بويع له وهو ابن إحدى عشرة سنة، وذلك يوم الجمعة غرة ربيع الأول سنة ثمانية وثمانين ومائة، وقيل سابع ربيع الأول. قيل الذى أخذ له البيعة هو راشد مولى والده وكافله ومربيه، وقيل: مات راشد قبل أخذ البيعة له، والذى أخذ له البيعة هو أبو خالد يزيد بن إلياس العبدى.
ولما بويع له صعد المنبر وخطب الناس، فقال: الحمد لله، أحمده وأستعين به وأستغفره وأتوكل عليه وأعوذ بالله من شر نفسى ومن شر كل ذى شر، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ﷺ وعلى آل بيته الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا.
أيها الناس، إنا قد ولينا هذا الأمر الذى يضاعف للمحسنين فيه الأجر وللمسئ الوزر ونحن والحمد لله على قصد جميل، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا،
стр. 564
فإن ما تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدوه عندنا، ثم دعا الناس إلى بيعته وحضهم على التمسك بطاعته، فتعجب الناس من فصاحته ونبله وقوة جأشه وثبوت جنانه على صغر سنه، ثم نزل فسارع الناس إلى بيعته وازدحموا عليه يقبلون يديه فبايعه كافة قبائل المغرب، من زناتة وأوروبة وصنهاجة وغمارة وسائر قبائل البربر فتمت له البيعة وتوطد له الملك وقويت جنوده وعظم سلطانه وأشياعه، وصارت الوفود تنسل إليه من كل حدب، وقصد الناس إليه من كل مكان من بلاد إفريقية والأندلس، فسر بذلك سرورا زائدًا وأكرم وفادتهم واصطفاهم وقربهم إليه، وركن إليهم.
فمن الوافدين عليه: عمير بن مصعب، وعامر بن محمد بن سعيد القيسى الفقيه الورع وأبو الحسن عبد الله بن مالك الخزرجى، وداود بن القاسم بن إسحاق ابن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب استوزر الأول واستقضى الثانى واستكتب الثالث وقرب الرابع من دسته وخالطه بنفسه واصطفاه لأنسه.
ثم لما تبحر استعمار الوافدين عليه من المشارق والمغارب وضاقت بهم مدينة وليلى اشترى مواضع أرض فاس من ملاكها بستة آلاف درهم ودفع لهم الثمن وأشهد عليهم بذلك، وشرع في بناء المدينة يوم الخميس غرة ربيع الأول عام اثنين وتسعين ومائة، قيل: كان يعمل فيها بيديه مع الصناع والفعلة والبنائين تواضعا منه لله تعالى ورجاء الأجر والثواب. أسس أولا عدوة الأندلس وسورها، وبعدها بسنة أسست عدوة القرويين، ولما فرغ من بناء المدينة انتقل إليها واستوطنها واتخذها دار ملكه ومقر كرسى إمارته.
وفى سنة سبع وتسعين ومائة خرج لتمهيد البلاد ومحو آثار دعوة الخوارج من الصفرية ومذهب الواصلية الذى كان سائدا ومنتشرا، فوصل إلى سوس واحتل مدينة نفيس ودخل في حزبه قبائل المصامدة وحارب قبائل برغواطة أهل تامسنا، ثم عقد معهم الصلح ورجع لفاس.
стр. 565
وفى سنة تسع وتسعين ومائة خرج لتمهيد البلاد الشرقية فدخل تلمسان، وخضع لإمامته ملوك بنى خزرج من مغراوة واعترفوا بإمامته، وأقام بتلمسان ثلاثة أعوام فنظر في أحوالها وأصلح أسوارها وجامعها وصنع فيها منبرًا، ثم رجع إلى مدينة فاس فلم يزل بها إلى أن توفى.
مشيخته: أخذ عن مولاه راشد، وعامر بن محمد بن سعيد القيسى الفقيه الصالح الورع، سمع من مالك، وسفيان الثورى، وروى عنهما كثيرا أخذ عنه موطأ مالك وأخذ عن غيرهما.
شعره: من ذلك قوله رضى الله عنه فيما رواه عنه أبو هاشم داود بن قاسم الجعفرى:
لو مد صبرى بصبر الناس كلهم ... لكل في روعتى أو ضل في جزعى
بَانَ الأحبة فاستبدلت بعدهم ... همًّا مقيما وشملا غير مجتمع
كأننى حين يجرى الهم ذكرهم ... على ضميرى مجبول على الفزع
تأوى همومى إذا حركت ذكرهم ... إلى جوانح جسم دائم الهلع
وقوله:
أبهلول (١) قد شممت نفسك خطة ... تبدلت منها عولة (٢) برشاد
أضلك إبراهيم من بعد داره ... فأصبحت منقادا بغير قياد
كأنك لم تسمع بكيد ابن أغلب ... غدا آخذا بالسيف كل بلاد
ومن دون ما منتك نفسك خاليا ... ومناك إبراهيم شوك قتاد