سمسروا سلبهم أمامهم وهموا بإحراقهم وجمعوا الحطب لذلك فعلا، ولكن الله سلم، وباتوا شر مبيت لم يلتق واحد منهم بصاحبه ولم يدر ما فعل به.
ومن الغد اجتمعوا ودخلوا فاسا في حالة تعساء، يقف لسان القلم عن وصفها والتعبير عن شرحها، ولما حل المترجم بفاس ومثل مولاى سعيد بين يدى السلطان، رق لحاله وأعطاه كسوة من ملبوسه.
وأما العتاة فقد ازداد عيثهم وتكلبهم على النهب والقتل، وتمادوا على الهجوم على المحال المخزنية في كل بكرة وعشى، وأجلبت بخيلها ورجلها وضيقت بالعاصمة الفاسية، وقطعت عنها السبل وحاصرتها ونازلتها بين أسوارها، حتى فنيت صناديد رجال المخزن، وعدمت أمواله، وأصبحت المدينة وأهلها في خطر عظيم، وصار الكور والرصاص ينزل أمام السلطان بقعو داره، وأحزاب العتو والفساد في هيجان حتى صارت تشترط على السلطان الشروط وتهدده وتأمره بالرجوع للجادة في زعمهم وإبعاد بطانة السوء عنه، وحصروها في أفراد من حاشية بساطه وعظماء دولته، سموهم له وإعطائه كفيلا لهم يرضونه يلتزم بالوفاء بجميع ما شرطوه.
فعند ذلك اضطر السلطان إلى الإرسال لدولة فرنسا يستنجد بها، فلبت طلبته ووصلت جنودها لفاس، ومزقت جموح أحزاب الفئة الباغية كل ممزق وانتشرت أعلام المسلم.
ثم بعد ذلك قام العسكر المنظم ضد البعثة العسكرية المكلفة بتنظيم الجندية المغربية، وامتنع من قبول النظام والقوانين حتى وقعت مذبحة إبريل المشئومة على البلاد والعباد فلقد هم الجنرال موانى قائد الجيش الفرنسى بإطلاق أفواه المدافع على فاس، وتقويض أركانه، ولولا وجود سفير الدولة الفرنسية المعروف بالرزانة والثبات والعقل والسياسة رينو، ووقوفه أمام تيار غضب الجنرال المذكور وإقناعه
стр. 597
بالحجة بأن أهل فاس برآء مضروب على أيديهم لا دخل لهم في الواقعة لهدت صوامع ومساجد.
ومع هذا فقد كانت النتيجة إعلان الأحكام العرفية بالبلاد، وانتزعت الأسلحة من الأهالى وقبض على كل من وقع الاشتباه فيه بمداخلة في القضية، وقتل كثير منهم صبرًا وخلد بعضهم في السجون، ولا زال البعض إلى الحين الحالى.
وقد تقدمت له خدمات مخزنية، منها الترشيح لعمالة الدار البيضاء بعد وفاة عمه الذى كان خليفة بها سيدى محمد، وذلك عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف، ثم أعفى بطلب منه، ودونك نص ظهير إعفائه بعد الحمدلة والصلاة والطابع السلطانى الفخيم: "يعلم من كتابنا هذا أعلى الله قدره، وأطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، أنه لما كان ابن عمنا ونخبة أصهار أسلافنا الكرام، مولاى إدريس بن المرحوم مولانا عبد السلام الأمرانى مطوقا ولاية عمالة الدار البيضاء بكمال واستحقاق، وقام بالواجب في تلك الولاية قياما يشهد له بحسن السيرة على الإطلاق، وتمشى فيما أنِيط به من أمورها على النهج القويم، والصراط المستقيم، ثم حدث له الآن من شئون عائلته وعائلة والده وعميه المتفرقات بفاس ومكناس، مع عدم من يعتمد فيها عليه، ما خشى معه صدور إخلال منه بالقيام بوظيفه المذكور، ومن أجل ذلك طلب من جانبنا الشريف كفاية مشقة تلك العائلات أو إعفاءه من ذلك الوظيف، فاخترنا له الوجه الثانى وهو الإعفاء من الوظيف المذكور نظرًا لمصلحة العائلات التي هى في نفس الأمر عائلاتنا، ليتفرغ لمقابلة ضرورياتهم كالنائب في ذلك عن شريف جانبنا، وقد أعفيناه من الولاية المذكورة ملاحظة لما ذكر، راضين عنه رضاء يتكفل له بزيادة الحرمة والوقار، والتمييز والاعتبار، وينيله
стр. 598
في سائر المحافل الرسمية والهيآت المخزنية كمال العز والافتخار، فهو عند جنابنا العالى بالله اليوم كما كان بالأمس سواء بسواء، إذ على قدر العمل يكون الجزاء، ونأمر الواقف عليه من خدامنا وولاة شريف أمرنا أن يعلمه ويعمل بما فيه ولا ينافيه، والسلام، في ثالث عشر محرم الحرام عام ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة وألف.
قد سجل هذا الظهير بالوزارة الكبرى بتاريخ يوم كتبه صح به محمد الجباص وفقه الله" ومحمد الجباص هو الصدر الأعظم إذ ذاك.
مشيخته: أخذ عن عمه المولى الكامل، وعن المفضلين ابن عزوز، والسوسى، والتهامى بن عبد القادر المدعو الحداد، وقاضى مكناسة أبى العباس بن سودة وشيخنا أبى عبد الله محمد القصرى، وأبى مروان عبد المالك الضرير، وأبى عبد الله محمد بن التهامى الوزانى، وشيخنا أبى عبد الله محمد القادرى، وأبى العباس أحمد بن الخياط الزكارى وغيرهم.
ولادته: ولد أواخر ربيع الأول عام ثمانية وثمانين ومائتين وألف على ما كتب لى بخطه.
وفاته: توفى ﵀ في الساعة الحادية عشرة وثلث قبل زوال يوم الخميس رابع عشرى حجة الحرام عام ثلاثة وأربعين وثلاثمائة وألف ودفن من يومه بالضريح الإسماعيلى أمام المحراب بالمباح الشرقى من الصحن الكبير لصق الجدار الشرقى منه ﵀ وبرد ثراه.
١٠٣ - الأمين: العطار دفين جبل زرهون .
حاله: ولى كامل صالح فالح واصل، ظهرت له كرامات وخوارق عادات، وله مكاشفات صحيحة، وهو من الرجال الذين عدهم الشيخ زروق فيمن لقى.
стр. 599
مشيخته: ينتسب لسيدى عبد القادر الجيلانى، وأبى يعزى صاحب تاغيا، يقال إنه رآهما في المنام فأمداه، وكان عقد مع الله أن كل نافلة يعملها فثوابها لهما، فرآهما بعد ذلك وهو عند قبر أبى يعزى فأعطياه.
الآخذون عنه: منهم العارف العالم العامل السيد أحمد بن عيسى البرنوصى الفاسى المعروف بزروق المتوفى ليلة الأحد ثامن عشرى صفر عام تسعة وتسعين بتقديم التاء فيهما وثمانمائة وناهيك به.
وفاته: توفى سنة ستين وثمانمائة.
١٠٤ - إسماعيل: أبو النصر بن الشريف بن على الينبوعى السجلماسى الحسنى السلطان .
الذائع الصيت في المشارق والمغارب، فخر ملوك المغرب الأقصى.
حاله: رجل السيف والثبات، له في اجتثاث ما يسخط الله تعالى وَثَبَاتٌ، وطنى غيور، حر الضمير، صلب في دينه، متمسك بحبله المتين، يعاقب العقوبة الصارمة، كل من ظهرت منه مخالفة في الشعائر الإسلامية، أو مروق من الدين.
قال مؤرخ فرنسا (سان الون) سفير لويز الرابع عشر ملك فرنسا للمترجم في رسالة وجهها لملكه المذكور يصف له أخلاق صاحب الترجمة:
"أما أخص أوصافه فهو الاعتقاد الراسخ في الدين، لا تأخذه في الدين لومة لائم، مستحضر لآى القرآن في كثير من أحواله، ومضحيا نفسه في سبيل نشر الدين وعلو كلمته، وبالجملة فإنه لم يظهر ملك ذو قوة وثبات على أصول الدين مثل مولاى إسماعيل منذ قرون، مطلع على العلوم الدينية، متفقه مستحضر لمسائلها الأصلية، يتمذهب بمذهب مالك، يصوم زيادة على رمضان شهرين في
стр. 600
[صورة]
فخر الملوك وأعظم السلاطين
مولانا إسماعيل بن الشريف بن على الحَسَنى
دفين مكناسة الزيتون -رحمه الله
стр. 601
العام، وما شرب قط مسكرًا في عمره، ويعتمد على الله في سائر أحواله، وإذا دخل في صلاة توجه بكليته إلى ربه، ويتجرد من نخوة الملك وحلته، ويطلب من الصلحاء والحجاج والعلماء الإكثار من الدعاء له بظهر الغيب.
وقد أقام سنة صلاة الاستسقاء في سنة الجدب التي كانت سنة ١٦٨٠ فخرج بنفسه في اليوم السابع عشر من مارس حاسر الرأس حافى القدمين في بذلة خلقة مصحوبا بسائر حاشية ملكه، والجم الغفير من رعيته.
وبعد إقامة الصلاة بذلك الجمع زار سائر مساجد المدينة واستغرق ذلك يوما كاملا، ولما رجع إلى قصره أصدر أمره لسائر المسيحيين الذين بإيالته بتنكيس سائر الأصنام التي بكنائسهم ومحال عبادتهم، ويعظم أرباب الزوايا وأهل الصلاح المشهورين بالاستقامة، ويدعو المسيحيين للدخول في دين الإسلام.
صدرت منه مكاتب بذلك لجل دول أوروبا، أشهرها كتابه للويز ١٤ يذكره بكتاب النبى إلى هرقل عظيم الروم، ويدعوه إلى الإسلام، ويدعو الرهبان الموجودين بإيالته لحضرته، ويناظرهم في الدين ويأمرهم بإحضار ما لديهم من الكتب والحجج والدلائل على معتقداتهم، ويتناول ذلك بالنقد والبحث، معتمدا على التآليف الإسلامية التي كان يحضرها في المجلس.
وله اهتمام كبير ببناء مكناس -عاصمة ملكه- وتعميرها وزخرفتها وتزيينها، كأنه يريد أن يحدث لأمته آية من آيات ملكه تكون عجبا لقومه، وآية لمن يأتى من بعده".
قال: "وكان من مزيد اهتمامه تجاوز حد المهندسين الفنانين في أعماله، يهتم في هذا الأمر بجليله وحقيره، فيصدر الأوامر للبنائين بنفسه، ويراقب أعمال العملة بشخصه، ولا يترفع عن تناول المسحاة -الفاس- أو أى آلة من آلات البناء
стр. 602
بيده، ويختبر الجير والتراب وغيره خشية أن يكون فيه غش، كما يختبر أيضا استقامة الجدرات حتى لا يكون فيها ميل أو عيب من العيوب، ويهتم أيضا بنقل الأشجار وغيرها من الأمور اللطيفة حتى لا يقع فيها كسر، وبالجملة فإنه لا يفوته شئ ولو كان لا أهمية له.
وقال: "إن سائر ما في مكناس من العظمة والضخامة راجع فضله للمولى إسماعيل، وكان يحبها حبه لأحدى بناته، وكان يفاضل بينها وبين فاس، ويفضلها عليها، والظروف السياسية والاقتصادية تطابق فكره في انتخابه لها عاصمة". انتهى.
الغرض من الرسالة.
وقال في حقه صاحبا الكلتاب الموسوم بأهم مراحل تاريخ المغرب المطبوع بباريز سنة ١٩٢١ صحيفة ٦٧:
"إن مولاى إسماعيل قام بأمر عظيم يمكن أن يشبه بأعاظم ملوك تاريخ فرنسا".
وقال في حقه مؤرخ فرنسا الشهير الكنت دوكاسترى في الصحائف ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٦ من كتابه المعنون بـ"مولاى إسماعيل وجاك الثانى": بعد أن سرد ما وصفه به بعض مؤرخى أوروبا وبالأخص رؤساء الدين منهم من الشدة والقساوة ما ترجمته:
"إننا نجد أشياء خالية عن كل حجة تتناقلها الأفكار بأوروبا مما كان يقاسيه الأسارى من النصارى عند مولاى إسماعيل من الشدة، مع أنه لم يكن يعاملهم بأكثر مما يعامل به غيرهم من الجناة، وإننا لم نجد ما يعتمد فيما نسبوه إليه إلا ما نقله الأوروبيون في تواريخهم وخصوصا رجال الدين منهم، وذلك بعيد جدا عن الصحة، فإنهم كتبوا ذلك بدون تروٍّ، إنما قصدهم إغراء القراء وإيغار صدورهم
стр. 603
وتهييج الأفكار لمقاومة هذا الملك لأن مؤرخى العرب لم يتعرض واحد منهم لشرح هذه القساوة".
ثم قال: "فممن وصف مولاى إسماعيل بالإفراط في القساوة (بوسنو) و (الأب فرانسيسكو) فتلقى منهم ذلك المسيو (بلانطى) و (كاستيلانوس) بدون تروٍّ.
وممن رفض ذلك واعتبره من باب الخرافات المسيو (الامارتنينلان) وأقربهم إلى الحقيقة المسيو (بودجيت ميكين) حيث قال: إن قساوة مولاى إسماعيل هى نتيجة أحوال زمانه الذى يعيش فيه، ولئن فاق الملوك قساوة فلقد فاقهم قوة، وبسبب جهل المؤلفين للزمان والمكان فإنهم أغفلوا التحفظ عند تتبعهم الأعمال الدموية التي قام بها مولاى إسماعيل، ومن أجل ذلك حكموا عليه بصرامة خالية عن كل إنصاف.
ثم بعد أن وصف مولاى إسماعيل بالقوة الكاملة في الباءة التي أوجبت له تعدد الأزواج المباح له في شريعته السمحة وما علقه الأوروبيون على ذلك، قال: فإننا نرى مولاى -إسماعيل يطوف في مماليكه وتمر عليه الأربعة والعشرون سنة وهو على رأس جيوشه يحارب ويقطع الرءوس ويأخذ الجبايات ويستقبل سفراء دول النصارى ويناظر (الآباء دولا مرسى) مناظرة علامة موحد، ويخطب في المساجد، ويدير أمور مملكته، ويقابل بنفسه بناء قصوره العظيمة، وينظم حرسه الأسود الشهيرة، ويكتب لجاك الثانى، ويحاجج في دين المسيح.
وحياة مملوءة بأعمال كهذه لا تترك وقتا للشهوات، وذلك قاض بالاعتراف بأنه لم يكن منهمكا فيها".
ومن أكبر البراهين وأوضح الأدلة على ما كان بينه ويين عظماء ملوك أوروبا
стр. 604
من العلائق السياسية ما وقفت عليه في عدة مكاتب ومخابرات صدرت بينه وبينهم، ألم بكثير منها مؤرخ فرنسا الماهر الشهير الرحالة الفيلسوف الخبير الكنت دو كاسترى في عدة من كتبه، وإليك نصوص بعضها وصورها الفوتوغرافية، وقد خاطب فيها لويس الرابع عشر ملك فرنسا وجامس ملك الإنجليز ودرنكرلوس ملك إصبانيا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، من عبد الله تعلى الإمام المظفر بالله أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العالمين الشريف الحسنى، أيده الله ونصره، ثم الطابع بداخله إسماعيل بن الشريف الحسنى، والله وليه وبدائرته العز والإقبال.
"إلى عظيم الروم بفرانصيص لوشى الرابع عشر من هذا الاسم، السلام على من اتبع الهدى، وباعد طريق الغى والردى.
أما بعد: فاعلم أن الذى ظهر لنا أنك ليس عندك قول صحيح، ولا كلام رجيح، ولا أظنك إلا غلب عليك أهل ديوانك، وصاروا يلعبون بك كيف شاءوا ولا بقى لك معهم ضرب ولا لقب، ودليل ذلك أننا ما زلنا ما قبضنا منك صحة قول ولا أبرمت معنا شيئا، ففلا منك الذين ليس لهم رئيس وما عندهم إلا الديوان تكلموا معنا كلمة وقبضناها عليهم، وثبتوا فيها ووفوا بها، والإنجليز تكلموا معنا كلمة وقبضناها عليهم ووفوا بها، فحين ذهب خديمنا لبلادهم لما أن طلبوا منا ذلك فرحوا به وأكرموه وبروا به، وأتى من عندهم بعشر مائة مكحلة، وستة عشر مائة قنطارا من البارود ومائة وسبعة من المسلمين، أطلقوهم من الأسر لوجوهنا، وعملوا من الخير ما عملوا مراعاة لنا، وثبتوا في قولهم ووفوا بكلامهم، وأنت لا زال لم يصح منك قول ولا وفاء وأولئك الذين كانوا قدموا إليك من هذه البلاد، ليس هم من خدامنا ولا من أصحابنا ولا ممن له معرفة
стр. 605
[صورة]
ظهير مولاى إسماعيل للويز الرابع عشر ملك فرنسا
стр. 606
معنا، فالحاج على معنين حيث أسر له ولده لاذ بالبعض من خدامنا واستحرم به، وقدم إليكم على شأن أولئك المسلمين، وجار على دار السباع ودار النعام، وأتى إليكم بما أتى ولا شعرنا به ولا عرفناه كم أخذ، وقلنا: إنه إن وصلكم ولا بد تعملون له غرضه في أولئك المسلمين، وتسرحونهم، فإذا به هو تحيل على ولده إلى أن جاء به وأنتم ما عملتم صوابا في غيره، ولا صدر منكم ما تراعون لأجله.
ثم بعد ذلك قدم لعلى مقامنا صاحبكم انبشدور واتانا بشئ من الخرق مع فالصوا الحرير وهل نحن ممن يعجبه ذلك ويسره؟ فنحن معشر العرب لا نعرف إلا الصحيح، ولا يسرنا إلا ما فيه مصلحة المسلمين كلهم، ومع ذلك أعطينا لصاحبك عشرين نصرانيا سيفطناه بها، وظننا أنك ولا بد تراعى الخير وتبعث لنا ولو عشرين مسلما تجبر بها خواطرنا، وتكون هى الطريق للكلام الذى تريده منا، فإذا بك ما عملت شيئا من هذا، ولا جازيت بإحسان.
وثانيا قبضنا لك سفينة قبل أن يقع الكلام بيننا وبينك بثلاثة أيام أو أربعة على التحقق، وهى موسوقة بالسكر وتبغة وثقفناها نحوًا من ثلاث سنين بقصدك، ولا تركنا أحدًا يمد يده فيها، وقلنا إنك تراعى خيرنا، وتعمل لأولئك المسلمين طريقا وتسرحهم، وإن كانوا ليس فيهم من هو خديمنا ولا من هو محسوب من جيشنا، ولا من هو معرفتنا، فما هم إلا من لا خلاق لهم، ولا يركب البحر عندنا إلا أهل التمرين، ولو أطلقتهم وإن كانوا ليسوا بشئ فتكون عملت الخير بذلك، وتقول إنك عملت مسألة تراعى عليها، وأعظم من ذلك كله هو أن رئيسا من بلادنا اسمه التاج كان أعطاه صاحبك الذى أتانا خط يده على أنه يشترى سفينة من الجزائر يسافر بها قرصان وما عليه فيمن لقيه من فرانصيص، فلما أن اشتراها وسافر بها وغنم قطارمة موسوقة بالرخام والريال مع ما فيها من الحرير وغيره وبعثها مع أصحابه ستة وعشرين مسلما، وتعرضوا لها سفنكم وأخذوها وثقفتها أنت أيامًا، ثم بعد ذلك مزقتها والمسلمون الذين كانوا معها خدمتهم في الغراب، فلماذا لم تردها وثقفتها ثلاث سنين كما ثقفنا نحن.
стр. 607
سفينتكم؟ وهل هذه هى صحة القول؟ فهذا مما يدل على عدم صحة كلامك ومما يثبت الإخلال بقولك، وقلة وفائك.
فحتى الآن، فالذى ظهر لنا أنه ما يليق بنا معك إلا الشر، وإذا أردت تثبيت المهادنة وإبرام الكلام فيها وإمضاء حجتها، فابعث لنا من عندك قونصو بالتفويض على الأمر، ويجلس هنا في إحدى مراسينا ويكون الأمناء معه في هذا كله، ونبرم معه هذا الأمر ويكون من أهل الحل والربط عندكم، وإلا فإن ظهر لكم خلاف ذلك فأعلمنا، وعرفنا بما عليه عملك، وما أضمرته طويتك والسلام على من اتبع الهدى وفى التاسع من شعبان المبارك سنة خمس وتسعين وألف.
وذكر المؤرخ الكنت المذكور في كتاب له طبع بباريز سنة ١٩٠٣: أن المترجم كتب لسلطان الإنجليز بما نصه: الحمد لله وحده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، لا رب غيره، ولا معبود سواه، ثم الطابع السلطانى بداخله إسماعيل بن الشريف الحسنى، وبدائرته إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، أيده الله بعزيز نصره وأمده بمعونته وشره وخلد في الصالحات شريف مناقبه، وجميل ذكره، آمين يارب العالمين:
"إلى طاغية الإنجليز القاطن ببلاد الفرانصيص يعقوب المسمى بلسانهم جامس، سلام على من اتبع الهدى، وتجنب سبيل الغى والردى، وآمن بالله ورسوله ثم اهتدى.
أما بعد: فإنا كتبناه إليك وأوردناه عليك وأوصلناك بهذا الكتاب. واعتنينا لك بهذا الخطاب لمسألتين اثنتين إحداهما دينية والأخرى سياسية دنيوية، وموجب إيرادهما عليك التنبيه لك والإيقاظ والنصح والإرشاد، وذلك أن أخاك الذى كان مملكا على الإنجليز من قبلك كان عرف لنا من الحق ما عرف، وتقرر عنده من لدنا ما لهذا الدين الشريف على غيره من الشفوف والشرف، فكان من أجل ذلك يطلب منها المهادنة على طنجة، فبعث لمقامنا العلى بالله من أصحابه وخدامه المرة
стр. 608
[صورة]
ظهير مولاى إسماعيل لجيمس الخاس ملك الإنجليز
стр. 609
الأولى والثانية من بعث إنافة بمحلنا وتنويها بشريف مكاننا وكانت المواصلة بين الملوك والمراسلة مستنة ومشروعة وان اختلف اللسان وتباينت الأديان.
فجاريناه على فعله. وكافيناه على شغله. ووجهنا له من خدامنا أنباشا دورا وصل إليه. وقدم عليه. كما شاهدته ورأيته ففرح بسفيرنا وأكرمه إكراما كثيرًا، وسر به وبمقدمه سرورًا كبيرًا. ورجع من عنده مغبوطا مسرورا.
فلم نزل نراعى لهم ذلك، ووفينا له في جميع ما كنا عملنا معه في طنجة ولم نرد البال إلى شئ مما كان يعمله بها حين أراد الرحيل عنها، وكان ينقل خزائنها ومدافعها وسكانها، وأهل جوارها من المسلمين يرون ذلك وينهونه إلينا ويقصون ما يشاهدونه علينا وما ألقينا إليه في ذلك البال. ولا التفتنا إليه بحال من الأحوال. وما ذلك إلا مكافأة له على صنيعه مع سفيرنا، ووفاء بالقول الذى كان طلبه منا، ووددنا أن لو كان أخوك بقى حيا إلى أن يشاهد صنع الله الذى صنعه لنا في فتح العرايش من يد لصبنيول، ويرى محاصرة سبتة اليوم وما كان أهلها يصرفونه عليها من الأموال، وما كان يلزمهم في مؤنتها من ملايين الريال، لتحقق وفاؤنا له، وغضضنا الطرف عنه وعلم أن القول والعهد الذى أعطيناه لم ننقص شيئا منه، فالصواب الذى كان من أخيك والحق الذى كان يعرفه لنا هو سبب الكتب إليك مكافأة على صنيعه، وهو الذى أوجب مكاتبتك بهذه المراسلة لنعرض عليك فيها الأمرين المذكورين أول الكتاب، فأما الدينية منهما ففيها خير الدنيا والآخرة لما فيها من رشادك ونصحك إن وفقك الله تعالى.
وذلك أن تعلم أن الله سبحانه ﷻ ، وتقدمت صفاته وأسماؤه، إنما خلق هذا الخلق ليعبدوه ويوحدوه ولا يشركوا به شيئا، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [سورة الذاريات].
стр. 610
وهذه العبادة التي أوجب الله على خلقه لا بد لها من وسائط يبلغون عن الله لخلقه ما أمرهم به، ومن رحمته بخلقه ورأفته بهم أن جعل لهم وسائط بينهم وبينه من جنسهم، أرسلهم إليهم من أنفسهم واختارهم من أنفسهم، فبعث لهم رسلا يبلغونهم عن الله ما جاءوا به من عنده، فآمن بهم من أراد الله سعادته، وكفر بهم من كتب شقاوته.
وختمهم بخاتم أنبيائه سيدنا محمد ﷺ ، وجعله خاتم النبيئين وسيد المرسلين، وجعل دينه خير الأديان، وشريعته أفضل الشرائع، وملته خير الملل.
ولقد بشر به وبمبعثه عيسى، كما بشر بعيسى موسى بن عمران على نبينا وعليهما وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام، ونبينا ﵇ وإن كان آخر الأنبياء بعثا فهو أولهم خلقا.
ومما يجب اعتقاده أن الأنبياء كلهم يجب الإيمان بهم فلا نفرق بين أحد منهم، وأن المسيح بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام هو أحد الرسل الذين جاءوا عن الله من غير ادعاء مما تدعون، ولا إطراء مما تطرون، قال الله تعالى في حق أمه الصديقة: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢﴾ [سورة التحريم]: وقال تعالى في حقه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩﴾ [سورة آل عمران]: وقال تعالى: ﴿... إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [سورة النساء].
ومن المعتقد أن المسيح رفعه الله إليه، وأن اليهود لعنهم الله ما قتلوه وما
стр. 611
صلبوه ولكن شبه لهم، وأنه ينزل بين يدى الساعة فيجد المهدى من هذه الأمة من ولد فاطمة ابنة النبى ﷺ يقاتل الدجال، ويجده قد أقيمت عليه الصلاة فيقول له تقدم يا نبى الله أو يا روح الله، فيقول له ﵇ عليك أقيمت فيصلى خلف رجل من أمة نبينا ﷺ ويحكم بشريعته، ويقتل الدجال فينكره النصارى، ويقتلهم ويقتل اليهود حتى يكلمه الحجر، ويقول يا بنى الله هذا يهودى ورائى فاقتله.
وقد أخبرنا بهذا كله نبينا ﷺ بقوله والذى نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم المسيح بن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ولا يقبل إلا الإسلام.
وهو معدود في أصحاب نبينا ﷺ وقد عرف هذا جماعة من أعلام النصارى وملوكهم الذين هداهم الله ومن عليهم باتباعه كالنجاشى ملك الحبشة حتى عد من الصحابة وصلى عليه نبينا ﷺ يوم مات وهو بأرض الحبشة، وهو أحد من خاطبه النبى ﷺ ودعاه إلى الإسلام، كما خاطب قيصر ملك الروم جد هذا الملك الذى لجأت إليه وأنت مقيم لديه، ولقد كتب إليه يدعوه إلى الإسلام، فلما قرأ كتابه ووعاه وكان عنده من العلم المكنون ما عنده، سأل من حضره من العرب عن صفاته وأحواله وسيرته وما يدعو إليه وما يأمر به وما ينهى عنه فقال إنه النبى المنتظر الذى بشر به عيسى، وسيملك موضع قدمى هاتين وشاور أرباب دولته وأهل ملته في اتباعه فضجوا وحاصوا حيصة الحمر الوحشية فساعفهم وساعدهم بخلا بملكه وحين بلغ خبره نبينا ﷺ قال: ضن اللئيم بملكه فلقد رسخت في قلبه معرفة هذا الدين وفضله على سائر الأديان لكنه لم يسمح بملكه.
وبكل حال من الأحوال فهذا الدين الحنيفى هو الذى اختاره الله دينا، وارتضى له نبيا أمينا، وجعله أفضل الأديان، قال الله سبحانه في محكم القرآن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... (١٩)﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ
стр. 612
﴿يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [سورة آل عمران]. فمن أمعن النظر واستعمل الفكر ووزن الأديان بميزان الحق والعقل عرف أن دين الإسلام هو الدين، وأن غيره كله لعب وعبث من لدن بعث الله نبينا الذى ختم به الأنبياء، وتقرر لديه أنها كلها باطلة وأهلها للنار.
وقد وقع اختبار الأديان وأيهم أفضل لبعض عقلاء النصارى، وقد نظر فيما عليه المسلمون وفيما عليه النصارى وفيما عليه اليهود فأراد أن يختبرهم من جهة المعقول، فأتى نصرانيا وقال له أى الأديان أفضل؟ دين النصارى أو دين اليهود أو دين المسلمين؟ فقال له النصرانى دين النصارى أفضل، فقال له وأى الدينين أفضل دين اليهود أو دين المسلمين؟ فقال له النصرانى: دين المسلمين.
فأتى اليهودى وقال له أى الأديان أفضل دين المسلمين أو دين النصارى أو دين اليهود؟ فقال له: دين اليهود، فقال له: وأيهما أحسن أدين النصارى أم دين المسلمين؟ فقال له: دين المسلمين.
فأتى المسلم وقال له: أى الأديان أفضل؟ فقال له دين المسلمين فقال له: وأى الدينين أفضل دين اليهود أو دين النصارى؟ فقال له: لا خير فيهما معا.
فالدين القويم هو دين المسلمين، فعرف هذا النصرانى المذكور بعقله أن الدين هو دين الإسلام وأن ما سواه محض ضلال، وأن اليهود والنصارى ليسوا على شئ وقد وقع معنى هذا في كتابنا قال الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ... (١١٣)﴾. [سورة البقرة].
وها نحن قد أملينا عليك نبذة من الآى القرآنية والأحاديث النبوية والدلائل المعقولية المطبقة على أفضلية هذا الدين القويم، وغيره كله إنما هو في سواء
стр. 613
الجحيم، وأنت إن خممت مع رأسك وفكرت في نفسك واخترت الدار الآخرة على الدنيا ودخول الجنة على النار، فأنت عرفت سبيلهما، فاتبع هذا الدين الحنيفى وانطق بالشهادتين فإن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة ولو قالها مرة في عمره، ويدخلها بشفاعة النبى ﷺ فإن له في أهل الكبائر والجرائم والذين نفذ الوعيد فيهم شفاعة عظمى خصه بها ربه في الموقف العظيم، والله إن أنت اعتقدت هذا الاعتقاد ووفقك الله إليه وعلمت ما عمله قيصر من اعتقاده بقلبه وتيقنه به في نفسه حتى تحمد ذلك حالا ومآلا إن شاء الله.
فهذه المسألة الدينية التي نصحناك بها والمسألة الدنيوية هى إذا أنت أحببت الإبقاء على دين الكفر فدين قومك الإنجليز أخف وأيسر عليك من عبادة الصليب، ومتابعة الذين يجعلون لله الولد وينزهون عنه رهبانهم، وأى شئ رأيت في تغريبك عن وطنك وبعدك عن بلدك وخروجك عن ملة أبيك وجدك وتدينك بدين غير دين قومك، وإن كان الجميع على ضلال فدينكم أنتم معشر الريكس أيسر من أولئكم المتوغلين في الكفر، وحتى امرأتك الفرنسيسة التي كانت تحوزك على التعبد بدينها، هأنت الآن افترقت معها، فعلى ماذا أنت باق في جوار الفرنسيس تارك ملتك وادع ملك أبيك وأخيك لغيرك بالفلامك يتملك على جنسك وأنت بالحياة، فوالله ما أحببنا لداركم ولا لمملكتكم يتولى رياستها الفلامك أو غيره، فالغ عنك ما تقدم بينك وبين قومك فإن الصواب معهم في الإنكار عليك بسبب الدين الذى اختلفت معهم فيه، واعتذر لهم وعاودهم وراجعهم، والله لولا أنا أناس عرب لا معرفة لنا بالبحر، أو كان عندنا من يحسن معرفته، أو نستوثق به في الجيش ونطلقه في يده حتى نكاتب الإنجليز ونبعث لك من الجيش ما تدخل به عليهم وتتولى به ملكك.
ولكن مسألة واحدة نعرفك إياها فحاول حتى تنتصل من بلاد الفرنسيس،
стр. 614
واقصد لجوبة بلاد البرتقال وها زوجة أخيك البرتقالية اليوم هنالك، ولقد كان لها عند أهل ديوانكم وجه وكلام ومن هنالك تقرب المسافة بينك وبين قومك، وتسهل عليك مناولة الكلام معهم، لكن بحيث لا يكون للافرنسيس بك شعور، وأما إذا عرفوا منك فلا يتركونك ولا يطلقونك لمسألتين: إحداهما لا يريدونك تترك دينهم وترجع إلى دين قومك، والثانية يخافون أنك إذا راجعت قومك ربما تعاديهم وتحاربهم لا سيما حيث عرفتهم وعرفت عزة بلادهم، والملوك دائما تحذر من مثل هذا، وقد نصحناك وأريناك ما يليق بك في دينك ودنياك ووالله ما نكره لك الهداية والرشاد.
وقد بلغنا أنك تروم الوصول إلى رومة، فإياك وأن تحدث نفسك بشئ من ذلك، فإنك إذا دخلتها تحتل بها ولا تطمع في الخروج منها ولا في ملك بعدها أبدا، فعلى كل حال إن أنت راجعت قومك ودينك نجدد معك ما كان بيننا وبين أخيك، ووالله ما زال خديمنا الذى كان عنده يذكر لنا من صوابه وخيره ما أوجب مكاتبتنا لك بنصحنا، وقد أحببنا أن تكون المودة والمراسلة بيننا وبينك فتنتفع بها على كل حال إن شاء الله، والسلام على من اتبع الهدى.
وكتب في النصف من شعبان المبارك عام تسعة ومائة وألف".
ومن ذلك ما وقفت عليه خطابا لملك الإصبان وإليك لفظه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، من عبد الله إسماعيل المتوكل على الله المفوض أموره إلى الله، أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العالمين الشريف الحسنى أيده الله آمين، ثم الطابع الملوكى بداخله إسماعيل بن الشريف الحسنى أيده الله ونصره وبدائرته: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا:
стр. 615
[صورة]
ظهير مولاى إسماعيل لملك الإسبان في افتكاك بعض الأسارى
وانتقاء بعض الكتب
стр. 616
"إلى عظيم الروم وملك أقاليم إصبانية وبلاد الهند والمتولى أمورها والمتصرف في أقطارها (دون كراوس) السلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فقد بلغنا كتابكم صحبة خديمكم (دون منويل بيردلون) وخديمكم (دون ابيل مسيح) وهو الكتاب الذى وجهتم لنا جوابا عن كتابنا الذى أصدرناه إليكم ووصلكم صحبة الفرايلى قبل هذا وبعد أن قرأناه وفهمنا لفظه ومعناه وألقى إلينا خديمكم (دون ابيل مسيح) ما في خاطركم وما طلبتموه منا من فك هذه المائة من النصارى الذين وقع الكلام قبل هذا، رددنا إليكم جواب كتابكم، ووجهناه مع خدم دارنا العلية بالله كاتبنا ومتولى الخط الأقرب من بساطنا السيد محمد بن عبد الوهاب الوزير، ولولا مزيتكم عندنا ومعرفتنا بمنصبكم ما سمحنا بفراق كاتبنا عن بساطنا لمهمات أمورنا، وأذنا لخديمنا الأكبر الأعز الأشهر أبى الحسن القائد على بن عبد الله أن يبعث معه رجلا من أصحابه، فوجه خديمنا عبد السلام بن أحمد جسوس معاشرا له ومرافقا، وعند الكاتب المذكور قضية دخول جند الإسلام المظفر بالله على نصارى العرايش وفى علمه وعلى باله كان ما كان في ذلك من الكلام والأسباب، وكيفية الخبر في ذلك.
فثقوا به وتعرفوا منه فإنه حفظه ووعاه من أوله إلى آخره لملازمته لبساطنا العلى بالله في سائر أوقاته، ونحن بلا شك كنا أعطينا القول لهذه المائة من النصارى بالسراح، ولكن وقع من النصارى ما اختل به منهم من الأنساب ما يوجب عدم الوفاء لهم بذلك، فمنهم من كان ينادى بلفظ مينا على رءوسهم، ومنهم من لم يرض بخروجهم على ذلك لذلك القول وكاد يفتك بمن دخل إليهم من خدامنا الذين أوفدناهم عليهم، وبعضهم ركب لجج البحر فارا بنفسه حتى أدرك وقتل على الموج، وحاجنا مع هذا كله كبار ملتنا وعلماء شريعتنا وأئمة ديننا بأن قالوا لنا: إن المسلمين كانوا أشرفوا على الغنيمة ساعتئذ ووقع الغلب والظفر،
стр. 617
ولم يبق للنصارى إلا الموت بالسيف أو بالغرق فلا وجه لسراحهم في الشريعة رأسا.
وكنا في أثناء هذه المدة كلها نتراد الكلام مع هؤلاء العلماء حفظهم الله، وقالوا لنا: هؤلاء المائة يكونون أسارى ويسترقون من كل وجه، كيف وقد أخذوا العرايش من أول وهلة بلا موجب، بل أضغطوا الشيخ ابن السلطان الذهبى وقبضوا عليه حتى أنفقوا عليه أموالا عديدة ومسكوا أولاده بسببها حتى أعطاهم العرايش على ضغط منه وعلى غير تأويل حقيقى في ذلك.
وذكرونا في مسألة غدر أسلافكم بأهل غرناطة وغيرهم بما يزيد على الأربعين ألفا بعد تعدد الشروط على ستين شرطا، ولم يوفوا لهم بواحد منها إلى غير ذلك من الغدر والمكر بأهل غرناطة وغيرهم من أهل الأندلس في كل بلد وقرية بعد بلد وقرية، فألفيناهم ما تكلموا إلا بالحق، وبقينا في حيرة من أجل هذه المسألة من وجهين: الأول لا نقدر نخالف شريعتنا التي هى أساس ديننا، والوجه الثانى ذلك القول الذى سمعه في تلك المائة أحببنا الوفاء به، وأنفت نفوسنا أن يسمع عنا الناس قلنا كلمة ولا نوفى بها، ولولا معاوضة العلماء لنا بهذا الاحتجاج القوى لكنا شرحنا هذه المائة مع الفرائلى وأصحابه الذين أتوكم قبل هذا مسرحين، فلأجل هذا أبصرنا كلام علمائنا في هذه النازلة لابد منه ولا محيد عنه، وأحببنا أن تسمع الناس أنا وفينا في قولنا ولم يلزم فيه حرج ولا معارضة ولا كثرة اعتراض ولم يلزم فيه من حجة الشرع إثم، فأردنا كم تعملون لنا وجه خلاص هذه المائة بالوجه الذى عملناه لكم وأعطيناكم فسحة فيه، وإلا فالمائة المذكورة أرقاء أسارى من جملة إخوانهم.
وذلك أن تعطونا في الخمسين نصرانيا من هذه المائة خمسة آلاف كتاب مائة كتاب عن كل نصرانى من كتب الإسلام الصحيحة المختارة المثقفة في خزائنهم
стр. 618
بإشبيلية وقرطبة وغرناطة وما والاها من المدن والقرى حسبما يختارها خديمنا المذكور من المصاحف وغيرها وتعطون خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى عشرة أسارى لكل نصرانى، وإن لم توجد الكتب التي هى مرادنا فاجعلوا عوضها من أسارى المسلميين وأعطوهم لنا من الأسارى الذين في الأغرية وغيرهم، وقبلنا منكم في العدد المذكور الرجل والمرأة والصبى والصغير أو الكبير والشيخ المسن من إيالتنا وغيرها، إذ ما لنا قصد إلا في الأجر والثواب في فكاك أسرى المسلمين كيفما كانوا، ومن أى بلاد كانوا.
وإلا فالاعتناء الكلى إنما يكون بأهل الدواوين من الجند أو العلماء حملة الشريعة وعامة المسلمين إنما نقصد بفكاكهم وجه الله تعالى، فإن أنتم سارعتم لهذه المسألة فما عملكم إلا الخير في أرواحكم وفى إخوانكم، وإن ثقل عليكم هذا الأمر ولم تقدروا عليه فأرجعوا خديمنا الكاتب الذى وجهناه إليكم في أمان الله كما أتاكم والمائة من النصارى نصيرهم من جملة الأسارى إخوانهم يخدمون مثلهم.
وإذا نحن أبصرنا منكم المسارعة لأغراضنا والجد في ابتغاء مرضاتنا وأنجزتم بأرواحكم في هذه المسألة فلا ترون منا إلا ما يعجبكم وحتى باقى نصاراكم الذين هم عندنا من أصحاب العرايش وغيرها من غير هذه المائة نعمل لكم الكلام في سراحهم بما يرضينا فيهم عندكم إن عملتم الواجب الذى لنا عليكم، وتعرفهم الصواب الذى تعين عليكم كما ذكرتم في كتابكم، وبرجوع خديمنا حامله بما ذكرناه في هذه المسألة نتلقاه هذه المائة نصرانى لسبتة ويكون ملتقى الجميع فيها ولا عندنا معكم في هذا إلا الجد الصحيح والعمل الصريح بحول الله تعالى.
وكتب لسادس عشر ذى الحجة الحرام خاتم عام واحد ومائة وألف".
وهداياهم للمترجم من الشائع الذائع الذى لا نحتاج معه لإقامة دليل ولا
стр. 619
برهان لوروده في غير ما تاريخ من التواريخ الأروبية المهمة كتواريخ الكنت المذكور وكتب مويت الأسير وغير ذلك.
ومن الآثار الباقية من تلك الهدايا الملكية لحد الآن المشاهدة بالعيان البقية الباقية من آثار العربة التي وجه بها للمترجم الأمير العظيم الطائر الصيت لويز الرابع عشر.
ومن ذلك هدية ملك الإسبان التي بعثها لمولاى إسماعيل وهى تشتمل على مائة وخمسين ألف (أبياسطر) عينا وفتاة تركية معها عدد من الفتيات الجميلات، ودبين، وأربعة كلاب من أرفع جنس، وأربعة من الغزلان الجبلية كما نقلت ذلك مجلة (سبريس) عن تاريخ دوكاسترى.
ومما ذكرته المجلة المذكورة سنة ١٩٢٨: أن الجزء الثالث في تاريخ العلويين من عيون التاريخ للمستعرب الكونت دوكاسترى الفرنسى الذى هو الجزء ١٥ من المجموعة كلها يحتوى على السنين الست التي ابتداؤها من ثانى شتنبر ١٦٨٦ وآخرها ١٢ إبريل ١٦٩٣.
وأن هناك مخابرة كانت بين المغرب وفرنسا وقد تسببت هذه المخابرة بين دولة المغرب ودولة فرنسا على نقض الصلح المنعقد بينهما سنة ١٦٨٢.
وسبب نقض هذا الصلح هو استفحال أمر القرصنة بسلا -أو لا فقد كان عدد الأسرى من الفرنسيين وحدهم في ذلك الحين بالمغرب ما ينيف على ٤٠٠ - وثانيا ما حدث من سوء التفاهم في المخابرة بين على بن عبد الله باشا طنجة وبين الدولة الفرنسية، لأن قنصل فرنسا وبعض قناصل الدول الأخرى لم يستطيعوا أن يخابروا المولى إسماعيل رأسا سنة ١٦٨٦ لأنه كان غازيا بالسوس الأقصى إلى أن نشأ عن سوء التفاهم المذكور توجيه أسطول صغير لشواطئ المغرب تحت رياسة
стр. 620
[صورة]
العربة التي أهداها لويز الرابع عشر لمولاى إسماعيل
стр. 621
(مونت مار) ينتظم الأسطول من قطع ٧ فهبت عليه عاصفة فرقت شمله ولم ينجح، وأخفق سعيه في الكرة ثانيا لمصادفة الحال اشتغال ملك فرنسا في حروب داخلية مع فئة (أو كسبور).
ثم أصدر لويز ١٤ أمره سنة ٨٧ بقطع الوصلة التجارية بينه وبين المغرب لأنه كان لا يمكنه أن يحمل التجار الفرنسيين المتعاطين للتجارة بالمغرب على مبارحته وإخلائه لقضاء مصالحهم عليهم بالبقاء به، ورغما عن ذلك فإن التجارة بقيت مستمرة مع ضعف، ونجح تجار الإسبان والإنجليز في ذلك الوقت، وفى عام ٨٨ ألزمهم مولاى إسماعيل بأداء غرامات باهضة اضطر بسببها لويز ١٤ للإرجاع في منع التجارة التي كان حجز بينه وبين الدولة المغربية، وذلك إثر رجوع مولاى إسماعيل من حركة السوس وعادت المواصلة لما كانت عليه، وأصدر مولاى إسماعيل أمره بجمع الأسرى الذين بالمغرب وتوجيههم لمكناس وجعلهم تحت نظره، وهذا أول حجارة وضعت في بناء أساس المودة بين لويز ١٤ وبين السلطان.
ولما حل الأسارى بمكناس بالغ السلطان في إكرامهم وأجزل لهم العطاء وغمرهم في البر، وأسقط عنهم كل كلفة كان يتحملها أسارى غيرهم من الأجناس.
ومع ذلك تأخر عقد المعاهدة في تلك السنة لاشتغال مولاى إسماعيل بمحاصرة العرايش وحرب باى الجزائر.
ثم لم يلبث مولاى إسماعيل أن تكدر جو السياسة بينه وبين فرنسا بسبب حادثة غريبة، وهى أن أحد أشراف المسلمين كان قد أسر ولبث زمنا طويلا بفرنسا إلى أن افتداه مولاى إسماعيل مع جمع من الأسرى، فلما ورد مكناس وردها مجذوم الأنف أصلم الأذنين، فاستاء مولاى إسماعيل مما عومل به ذلك الشريف
стр. 622
ولم يسكن غضبه حتى قرر له سفير فرنسا أن الأسير المذكور استوجب ذلك عقابا لاغتياله بعض الناس بفرنسا.
ثم اشتغل مولاى إسماعيل بقضية العرايش وافتداء أسراها مع الإصبان وأذعن الإصبان لأن يفتدى كل أسير من أسراها بعشرة من المسلمين، مع أن المفادات مع فرنسا كانت رأسا برأس، وأشار في هذا الجزء لقضية فتح العرايش بأمتع بيان، فليرجع إليه من أراد الاستقصاء.
وبعد افتتاح العرايش تفرغ مولاى إسماعيل لإبرام المعاهدة مع سفير فرنسا فتمت في ١٢ إبريل عام ١٦٩٣.
وتجد أيضا في الجزء نفسه من الحوادث الداخلية التي وقعت في المغرب في السنين المذكورة كأخذة لترودانت من يد مولاى الحسن وغزوه للسوس واستيلائه ومحاصرته للعرايش إلى أن وقعت في يده ومحاربة باى الجزائر.
قال: ولا ننس فضل دوكاسترى على تاريخ المغرب في تحقيقه لهذه المسائل ومن أراد مزيد البيان بمراجعة وصف هذه الحروب فليراجع ما كتبه الأتراك في التأليف المسمى دفتر التشريفات الذى نشره (ديفل) سنة ١٦٥٢ وقد أعاد الكنت دوكاسترى طبعه باللسان التركى الذى كتب به مع الترجمة الفرنسية بقلم ديفل المذكور الناشر الأول، وترجمة أخرى بقلم دوكاستر الناشر الثانى مصححة معلقا عليها.
هذا وقد وصف مولاى إسماعيل غير واحد ممن درس حياته بأنه آية في الدهاء والسياسة والنباهة وصدق اللهجة، نشأ في حرر وصون وعفاف، وكان ذا جد واجتهاد وحزم وعزم ونجدة وشهامة وشجاعة ومروءة وقناعة ومتانة دين.
قال في تاريخ انقلاب دول الغرب (لابريط ويت) الانجليزى صحيفة ٥:
стр. 623
[صورة]
مولاى إسماعيل خارجا وسط جيشه من مكناس
стр. 624
"إن مولاى إسماعيل كان غير أكول قنوعا من كل شئ غير النساء محافظا على أمور ديانته محافظة تامة".
وقد كان عارفا بفلسفة التاريخ وأيام العرب وأنسابها وأحوال الأمم ووقائعها، إماما مرجوعا إليه في السيرة النبوية وضبطها.
استخلفه أخوه المولى الرشيد بفاس ومكناس فحسنت سيرته، ثم بويع له بالخلافة العامة بعد وفاة أخيه المذكور سنة اثنتين وثمانين وألف وهو إذ ذاك بمكناسة الزيتون كما في الترجمان المعرب، فوفد عليه علماء فاس وأعيانها وأهل القوة والبأس منها ببيعتهم، ثم تتابعت وفود القبائل المغربية على أعتابه ببيعتهم.
فنهض بأعباء الخلافة وأقام للعدل قسطاسا، ورتب أمور المملكة ودوخ البلاد سهلها والجبل، واستنزل العصاة من صياصيهم وقام في وجه الثوار الأقارب من إخوانه وبنى عمه وأولاده وغيرهم من الأباعد، وكان النصر حليفه.
وفتح من الثغور: المهدية والعرايش وأصيلة وطنجة، وضبط الأمور وبنى الدور والقصور والمساجد والرباطات والقلع في الغور والنجد من وجدة إلى وادى نون، وعمرها بالجنود السود لحراسة السبل وتأمينها ونزع السلاح والخيل من القبائل، ولم يترك شيئا من ذلك إلا لأهل الريف وآيت يمور من البربر والودايا وعرب المعقل وجيش العبيد، ومن نتج له فرس يكون للحكومة، وأمرهم بالاشتغال بالفلاحة والقيام على الماشية والاشتغال بما يعنيهم من صناعة وتجارة، فعظمت ثروة البلاد وكثر الروجان الذى لم يتقدم له نظير، وجمع أهل الذعائر من كل قبيلة وأودعهم سجونه فكانوا يخدمون في البناء مع أسارى الكفار ويبيتون في الدهاليس، فساد الأمن في دولته حتى كانت المرأة والذمى يسافران، المدة لطويلة في البلاد القفرة فلا يتعرض لهما أحد بسوء، بل ولا يسألهما من أين ولا إلى أين إلا ما كان من الحرس المكلف بتأمين السبل وحياطة المارة.
стр. 625
ونفقت في أيامه الزاهرة سلع العلم والأدب، وتوالى الخصب وعم الرخاء، وإلى ذلك أشار أبو القاسم الزيانى في ألفية السلوك بقوله:
في عام جفش تم بدره وصال ... ومهد المغرب سهلا وجبال (١)
وقال للسلاح والخيل اغربى ... من كل حى عجمى أو عربى
وجمع الذعار في الدهالس ... وغيرهم من أرباب المناحس
وجمع العبيد من كل بلد ... جند كل السود لم يترك أحد
وصارت الغنم والذياب ... ترعى بسرح ما لها أنياب
أيامه غزيرة الأمطار ... كثيرة الخيرات والثمار
الزرع والإدام والمواشى ... رخيصة وكل شئ فاش
وطهر الثغور من أهل الصليب ... وعمر الحصون وفق ما يجب
حتى أتاه القدر المحتوم ... في شقطل فحلت الهموم
ولا يخفى ما في هذا النظم من الكسر والركاكة (٢) وإنما سقناه لفائدته التاريخية وشهرة صاحبه.
وكان المترجم يرشح مهرة الطلبة العارفين بنسخ الكتب وضبطها وإتقانها أصحاب الخط البارع من فاس ومكناس وغيرهما من العواصم المغربية لنسخ كتب الأحاجى والروايات كألف ليلة وليلة، والعنترية سيرة عنترة بن شداد وغير ذلك، ويعدد النسخ منه ويفرقها في جيشه وكبراء عسكره ويلزمهم مطالعتها ومزاولتها
стр. 626
حتى تصير لديهم من الضروريات، وقصده بذلك صيروتهم على بال مما جمعته من مكايد الحروب والكر والفر وتدبير نزول الجيوش والأخذ بالأحوط في ذلك، وكيفية الهجوم وافتتاح المحاربة، وعقد الصلح والمهادنة، وترتيب الشروط، وتعلم الإقدام والمخاطرة، وإدراك المراتب بالمزايا زيادة على ما في ذلك من إعانة العسكر على السهر للحراسة وغير ذلك.
ومن المقرر المعلوم أن المحاجات والأسئلة والأجوبة تحد الذهن وتذكى العقل وتعلم الصغار التحيل في الكلام واختيار ما يأتى وما يذر. وحكايات مجالس الحكام والوزراء لها أثر كبير في ردع رؤساء الدولة واحتياطهم في أحكامهم وتأنيهم في قضاياهم خشية أن ينقل عنهم ما يشين فيفتضح غرضهم، وهذا أمر محسوس في الأدب والتربية، ومن لم يكن يحفظ فصولا عدة من تلك الأحاجى والروايات لا يعد من عبيد البخارى الأحرار.
استطراد: أما مدينة المهدية فهى من جملة مدائن يفرن في القديم، انتزعها من يدهم أمراء برغواطة وعَمّروا ساحتها ببنى حسن الذين هم بها لهذا العهد بالضفة اليسرى من وادى سبو، وخربوها فيما خربوه من المدائن.
وفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة جدد بناءها جوهر الصقلى، ولما أنزل يعقوب المنصور الموحدى العرب من رباح الهلاليين ببلاد الهبط أنزل بنى مالك منهم على الضفة اليمنى من النهر المذكور، وجدد بناءها وجعلها مركزًا لرياسة العرب الهلاليين، فأعاروها جانبا من البداوة وبقيت على حالها إلى أن هدمها أسطول صاحب برشلونة سنة ثلاث وستين وستمائة، وبقيت على خرابها إلى أن نزل بها البرتقاليون سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة فشرعوا في تحصينها، وبعد ثلاث سنين أخرجهم منها أبو عبد الله الوطاسى.
ثم في سنة ثلاث وثلاثين وألف استولى عليها الإصبان وحصنوها وعمروها
стр. 627
إلى أن أخرجهم منها صاحب الترجمة سنة ثنتين وتسعين وألف، وأنزل بها جيش العبيد وأوزاعا من عرب الناحية وهى على ذلك لهذا العهد.
وأما مدينة العرايش: فهى مدينة قديمة تعرف بـ"سفدد" بباء فسين ففاء فدالين، كان صاحبها من بقية الأدراسة أحمد بن القاسم جنون تحت طاعة محمد الناصر صاحب قرطبة سنة ٣٣٧، ثم أخرجه منها جوهر قائد جيش الفاطميين، ثم صارت تابعة لعمال المروانيين ومن أتى بعدهم إلى أن أنزل بها يعقوب المنصور الموحدى العرب الهلاليين فجعلوها قاعدة رياستهم وأطلقوا عليها اسم العرايش، فصارت إلى البداوة أقرب، سيما وقد هدمها أسطول الإفرنج سنة ٦٦٨ وبقيت على خرابها إلى سنة ٩١٠، فنزلها البرتقاليون وبنوها وعمروها إلى أن أخرجهم منها المنصور السعدى سنة ٩٨٦، فاعتنى بها وحصنها وبنى قصبتها، ثم في سنة ١٠١٩ ساعد محمد الشيخ الإصبان بتسليمها لهم وبقوا بها إلى أن أخرجهم منها المترجم سنة ١١٠١ وهى على ذلك إلى الحين الحالى.
وأما أصيلة: فكانت ساحتها تقام بها سوق أوائل القرن الثالث يقصدها الناس من الأمصار بأنواع المتاجر وتكاثر البناء بها إلى أن صارت قرية آهلة، ثم قدم إليها القاسم بن إدريس عندما أخرجه أخوه محمد من البصرة فنزلها وزهد في الملك، وبنى مسجدها على ضفة البحر وسورها وبنى قصرها، ثم تولاها ابنه إبراهيم ولم تزل بِيَدِ بنيه إلى أن صارت للحسن الحجام، ثم لموسى بن العافية سنة ٣١١ الى أن نزل عليها أسطول بنى العزفى وأهل سبتة سنة ٦٦٣، فهدَّ أبو القاسم منهم قصبتها وخربها، وفى عام ٨٧٦ قام بها أبو عبد الله محمد الشيخ ابن أبى زكرياء الوطاسى مؤسس دولة بنى وطاس واتخذها عاصمة.
وفى السنة نفسها نزل عليها أسطول البرتقال واحتلها في غيبة أبى عبد الله، وظفر ببيت ماله وأسر ولده محمد فبقى في أسره سبع سنين ورجع، فكان يدعى بمحمد البرتقالى.
стр. 628
وحصنها البرتقاليون وجددوا بناءها وأقاموا بها إلى أن فتحها صاحب الترجمة سنة ثنتين ومائة وألف، وعمرها أهل الناحية فهى على ذلك لهذا العهد.
وأما مدينة طَنجة -بفتح فسكون- فهى بشاطئ البحر المحيط بمدخل الزقاق الفاصل بين قارتى إفريقية وأوروبا مقابلة للجزيرة الخضراء، أسس بناءها القرطاجنيون وكانت من أعظم مدائنهم بإفريقية، حازت من الضخامة وعلو الشأن ما لا يدرك شأوه، ثم طغى عليها البحر وبقى طرف منها لهذا العهد يعرف بطنجة القديمة جاء الفتح الإسلامى وخرائب هذه المدينة العتيقة قائمة للعيان.
قال أبو عبيد البكرى في المسالك عند ذكر طنجة وليلى الحادثة وطنجة البيضاء القديمة المذكورة في التاريخ فيها آثار للأول كثيرة من قصور وأفناء وغيران وماء مجلوب في قناو رخام كثير وصخر منجور وتحتفر خزائنها فيوجد فيها أصناف الجواهر في قبور أولية وغيرها من المواضع وقد غلب على مدينة طنجة القديمة الرمل والعمارة اليوم فوقها انظر تمام كلامه فيه (١).
ثم عندما دخل المسلمون قارة إفريقية فتحت طنجة على يد عقبة بن نافع الفهرى سنة ثنتين وستين من الهجرة، وولى عليها من قبله وعقد الصلح من يوليان صاحب سبتة، وأعمال غمارة على الجزية وبقيت طنجة تعلو وتسفل مع الزمان إلى أن استولى عليها البرتقاليون سنة تسع وستين وثمانمائة، فأقاموا بها إلى أن اندمج البرتقاليون تحت حكم دولة الإصبان، ثم تنازلت عنها لدولة انكلترا وبقيت تحت ولايتهم الى أن كانت سنة خمسى وتسعين وألف، فحاصرها أبو الحسن على بن عبد الله الريفى في جيوش أهل الريف بإذن سيدنا الجد السلطان صاحب الترجمة، ولما اشتد الحصار عليها عمد من بها من الانجليز إلى تخريبها وهدم حصونها وركبوا سفنهم وتركوها، فدخلتها الجنود الإسماعيلية من
стр. 629
غير قتال، وجدد ما تهدم منها، وأسس مسجد قصبتها وغيره وهى على ذلك لهذا العهد.
هذا وقد أفردت ترجمة هذا الإمام المترجم بمؤلف وسميته بـ"المنزع اللطيف، في التلميح لمفاخر مولاى إسماعيل بن الشريف" ورتبته على أربعة وعشرين بابا:
- الباب الأول في التعريف به.
- الثانى في سيرته.
- الثالث في شفقته على الرعية وحضانه.
- الرابع في شغفه بالعلم ورفعه منار أهله.
- الخامس في صدق فراسته.
- السادس في سيره في جيوشه.
- السابع في فتوحاته.
- الثامن في علائقه السياسية مع الدول الإسلامية والأوروبية.
- التاسع في اهتمامه بتحقيق أحساب وأنساب سكان عاصمة ملكه مكناسة الزيتون وأمره بتدوين ذلك.
- العاشر في قضاته.
- الحادى عشر في خلفائه من أولاده.
- الثانى عشر في وزرائه.
- الثالث عشر في نسائه.
- الرابع عشر في عماله وولاة أمره من أمناء ونظار وحجاب.
стр. 630
- الخامس عشر في سفرائه إلى الدول.
- السادس عشر في أطبائه.
- السابع عشر في شعراء دولته.
- الثامن عشر في بناءاته.
- التاسع عشر فيما غرسه من الجنات والبساتين.
- العشرون في عدد ما خلفه من الأولاد.
- الواحد والعشرون فيما خلفه في سجونه من الأسارى وأرباب الجرائم.
- الثانى والعشرون في إخلاص رعيته في محبته.
- الثالث والعشرون فيما قيل فيه من الأمداح.
- الرابع والجشرون في وفاته، وكل باب يحتوى على فصول وفوائد تاريخية مهمة تسر الناظرين.
مشيخته: أخذ عن وزيره اليحمدى حسبما صرح بذلك عن نفسه كما أخذ عن غيره من الأعلام.
ولادته: ولد بالسوس عام ستة وخمسين وألف هكذا في بعض التواريخ والشائع عند جميع أشراف تافيلالت على ما شافهنى به الشريف العدل البركة الضابط مولاى عبد السلام بن محمد بن الشريف بن على بن عبد الرحمن بن الحران بن محمد بن على الصغير دفين باب إِيلان من مراكش قائلا: إنه تلقى من أعيان كبراء الأشراف وأعلامهم الأثبات أن المترجم ولد بتافيلالت بالقصر المعروف بامجار، وأن القبة التي ولد بها لا زالت معروفة محترمة، عند الخاصة والعامة إلى الآن وحتى الآن لا يلحقهم في ذلك أدنى شك ولا تردد وعند الله علم الحقيقة.
стр. 631
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون عام تسعة وثلاثين ومائة وألف وقبره مزارة شهيرة عليه صيب الرحمات.
١٠٥ - أيويس: بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح الواو وسكون الياء والسين المهملة كذا ضبطه في الأزهار الندية قال وهذا من الأسماء التي يتعذر بيان معناها.
حاله: فقيه علامة مفتى نوازلى ورد على فاس بعد العشرة السادسة ولازم الأخذ عن الشيوخ حتى برع في الفقه المالكى، ولازم أبا على بن رحال بمكناسة الزيتون مدة، ثم رحل لفاس وكان يذهب لباديتها ويحضر أسواقهم ويستفتونه ويأتونه بالهدايا، وربما أفتى بغير المشهور.
مشيخته: أخذ عن أبى على بن رحال ومن في طبقته.
وفاته: توفى بفاس عام سبعين ومائة وألف.
...
стр. 632
(حرف الباء)
* * *
١٠٦ - بوسلهام بن على بن المؤذن الخلطى البوجنونى الأصل المكناسى النشأة والدار والأقبار، من أولاد المؤذن، إحدى فرق قبيلة الخلط المشهورة.
حاله: فقيه أستاذ حيسوبى ميقاتى كانت له وجاهة وحظوة ومكانة ورياسة على علماء الميقات في زمنه عند السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، وكان من الملازمين لحضرته السلطانية ظعنا وإقامة، وكان يحضره ويأمره بالقراءة بحرف حمزة وهو منصت له، وكلما ختم ختمة بالحرف المذكور أفاض عليه سجال عطاياه الملوكية وغمره ببره وإحسانه، فيجمع الأساتذة ويهيئ لهم أنواع الأطعمة الفاخرة ويبسط لهم موائد البر والإكرام إظهارًا لما هو مغمور فيه من النعم السلطانية، ولم يزل على ذلك إلى أن لقى ربه.
وكان السبب في تصديه للقراءة هو أن السلطان المولى عبد الرحمن لما وقع بينه وبين الأوداية ما وقع من المخالفة والشقاق، والحال أن سائر الوظائف المخزنية الداخلية والخارجية بأيديهم لا يشاركهم فيها غيرهم إلا نادرًا، أمر عند مقدمه لمكناسة الزيتون باشاها القائد محمد بن العواد الخلطى البوجنونى بانتخاب عشرة من طلبة الجيش البخارى لتعلم التوقيت والحساب، فكان المترجم من جملة المنتخبين وكلف السلطان بإقرائهم العلامة المتضلع النقاد السيد عبد الرحمن بن محمد بصرى فبذل المجهود في التعليم، وأكب المرشحون على ما رشحوا له بجد واجتهاد حتى نبغ منهم أربعة وأحرزوا قصب السبق في التبريز في فنون شتى منها ما ذكر، وكان المترجم أنجب الأربعة وأمهرهم واستخدم الكل بالحضرة السلطانية ولازم الباب العالى حضرًا وسفرًا.
стр. 633
وفاته: توفى عام خمسة وستين ومائتين وألف ودفن بروضة الشيخ الكامل السيد محمد بن عيسى من ناحية باب البراذعيين أحد أبواب مدينة مكناسة الزيتون، وقبره ثَمَّ معروف.
١٠٧ - بو عزة بن العربى بن بوعزة المدعو الفشار، السفيانى الأصل، المكناسى النشأة والدار والقرار والإقبار .
حاله: فقيه أستاذ حيسوبى ماهر خاشع ناسك متواضع، شديد الحب في آل بيت الرسول، منعزل عن الناس لا يحضر الولائم، ولا يأكل طعام أحد، ما شرب الأَتاى قط، ذاكر تال لكتاب الله مواظب على قراءة دلائل الخيرات، يقوم الليل ويصوم الدهر، لا يفطر في غير الجمع والأعياد، ولا يركب دابة إلا نادرًا في المواكب الرسمية، يركب فرسا سرجه مغشى بكتان ولا يلبس من الثياب إلا ما خشن.
استخدمه السلطان المولى عبد الرحمن في حنطة فراشه وكان ملازما لصلاة الخمس مع السلطان المذكور، وقراءة الحزب في كل بكرة وعشى، ولما آنس السلطان رشده كلف به من يقرئه الحساب، ولما حصل على الغاية القصوى فيما أريد منه وظهرت نجابته وصلاحه رشحه للأمانة فجعله أمينًا كبيرًا على جيوشه المظفرة في حركته للقطر السوسى.
ثم في عام ثمانية وأربعين ومائتين وألف استخدمه أمينًا كبيرًا على رواتب الجيوش بالحضرة المكناسية، وأمينا على داره الكريمة ورئيسا على أمناء صائرها يأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه، مفوضا إليه في تنفيذ كل ما يحدث من زيادة أو نقص في المؤن والرواتب الشهرية بالدار السلطانية بالحضرة المكناسية، وتقييد ضحية النحر الموجهة لها، والوقوف عليها حتى تحل محلها والخليع اللازم لها، ودفعه في وقته بجميع ما يلزم من ضرورياته مع تنفيذ ما عهد لها من عوائد المواسم والليالى
стр. 634
الفاضلة، ولمن في حسابها من الشرفاء والشريفات خارج الدار وغير ذلك من كل ما هو من متعلقات داره وما هو منضاف إليها.
ولا يقبل زمام صائر الأمناء على الدار العلية إلا بعد اطلاعه عليه وتسليمه له لإمضائه عليه بخط يده.
وأنابه السلطان عنه في تولى قبض مفتاحه على بيت مال المسلمين وفتحه عند إرادة الإدخال إليه أو الإخراج منه في ظعن السلطان وإقامته، وذلك زيادة على المفتاح الذى بيده بصفة كونه أمينا، إذ لبيت المال هذا مفاتيح أربعة، والعادة فيها أن يكون أحدها بيد الجلالة السلطانية، وثانيها عند عامل البلد، وثالثها عند أمناء الصائر، ورابعها عند أمين الدار السلطانية الذى هو أكبر الأمناء لا يمكن فتحه إلا بالمفاتيح الأربع، وذلك كله أخذًا بالحزم والأحوط.
وأقره على جميع ما ذكر السلطان سيدى محمد ونجله المولى الحسن، ولم يزل على تلك الوظائف العالية محبوبا مبجلا عند أولئك السلاطين العظام إلى أن توفى.
وكان الوصى على سائر أبناء العائلة الملوكية، وكذا أبناء الجيش البخارى، ومن عجيب أمره في ذلك أنه كان لا يضيف مال أحد لمال آخر قل أو جل، يبقى كلا على انفراده، ولا يضيف سكة إلى أخرى مع كثرة الموصى عليهم ووفور أموالهم ومستفاداتهم وتنوع السكك، ومن ورعه أنه لا يأخذ على ذلك أجرًا.
مشيخته: أخذ عن الفقيه البركة السيد محمد بن عبد الله من نسب المترجم وعمن عاصره من الشيوخ.
وفاته: توفى ﵀ يوم الأحد الثانى عشر من ذى الحجة عام ثلاثمائة وألف، ودفن بجامع الأقواس المعروف اليوم بالزاوية الدرقاوية بحومة بين العراصى من الحضرة المكناسية.
стр. 635
١٠٨ - بلقاسم بصرى وهو ابن محمد بن بلقاسم بن محمد الطيب بن الصغير بن مسعود المكنى بأبى سرحان بن محمد بن محمد فتحا بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عمران الولهاصى.
حاله: فقيه نبيه من بيت علم وفضل وصلاح ووجاهة، حسبما بيدهم من ظهائر عظماء ملوكنا العلويين، كمولانا الجد الأكبر المولى إسماعيل، برد الله ثراه مما سيمر بك بعضه في تراجم بعض أسَلاف المترجم فترقب.
عدل رضى مبرز موثق ذاكر عابد متهجد ناسك خطيب مصقع، مبجل عند العامة والخاصة، محبوب عند الكبير والصغير يلقن الورد التجانى بل إمام الطريقة ومقدمها شديد المحافظة على صلاة الجماعة.
رحل في طلب العلم للحضرة الفاسية بعد أن حصل ما قسم له من المعلومات بمسقط رأسه الحضرة المكناسية، وتصدر للخطبة بالمسجد الأعظم بعد وفاة والده، وولى خطة العدالة بالأحباس الكبرى من الحضرة المكناسية في رابع عشرى حجة الحرام عام ثلاثة وثلاثين وتسعين ومائتين وألف.
مشيخته: منهم العلامة العامل السيد العربى بن السائح العمرى، والسيد العباس بن كيران، والسيد الحاج مبارك السجلماسى، والسيد المهدى ابن الحاج السلمى، والحاج محمد جنون مختصر الرهونى، والسيد أحمد بنانى المدعو كلًّا، ومن في طبقة هؤلاء الأئمة الجلة.
ولادته: وجد بخط ولده أن والدته أخبرته أنها كانت تسمع من والده أنه سمع من والدته أن جده السيد بلقاسم توفى ليلة سابع ولادة المترجم، وذلك يوم