وفاته: توفى بمكناسة الزيتون عام تسعة وثلاثين ومائة وألف وقبره مزارة شهيرة عليه صيب الرحمات.
١٠٥ - أيويس: بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح الواو وسكون الياء والسين المهملة كذا ضبطه في الأزهار الندية قال وهذا من الأسماء التي يتعذر بيان معناها.
حاله: فقيه علامة مفتى نوازلى ورد على فاس بعد العشرة السادسة ولازم الأخذ عن الشيوخ حتى برع في الفقه المالكى، ولازم أبا على بن رحال بمكناسة الزيتون مدة، ثم رحل لفاس وكان يذهب لباديتها ويحضر أسواقهم ويستفتونه ويأتونه بالهدايا، وربما أفتى بغير المشهور.
مشيخته: أخذ عن أبى على بن رحال ومن في طبقته.
وفاته: توفى بفاس عام سبعين ومائة وألف.
...
стр. 632
(حرف الباء)
* * *
١٠٦ - بوسلهام بن على بن المؤذن الخلطى البوجنونى الأصل المكناسى النشأة والدار والأقبار، من أولاد المؤذن، إحدى فرق قبيلة الخلط المشهورة.
حاله: فقيه أستاذ حيسوبى ميقاتى كانت له وجاهة وحظوة ومكانة ورياسة على علماء الميقات في زمنه عند السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، وكان من الملازمين لحضرته السلطانية ظعنا وإقامة، وكان يحضره ويأمره بالقراءة بحرف حمزة وهو منصت له، وكلما ختم ختمة بالحرف المذكور أفاض عليه سجال عطاياه الملوكية وغمره ببره وإحسانه، فيجمع الأساتذة ويهيئ لهم أنواع الأطعمة الفاخرة ويبسط لهم موائد البر والإكرام إظهارًا لما هو مغمور فيه من النعم السلطانية، ولم يزل على ذلك إلى أن لقى ربه.
وكان السبب في تصديه للقراءة هو أن السلطان المولى عبد الرحمن لما وقع بينه وبين الأوداية ما وقع من المخالفة والشقاق، والحال أن سائر الوظائف المخزنية الداخلية والخارجية بأيديهم لا يشاركهم فيها غيرهم إلا نادرًا، أمر عند مقدمه لمكناسة الزيتون باشاها القائد محمد بن العواد الخلطى البوجنونى بانتخاب عشرة من طلبة الجيش البخارى لتعلم التوقيت والحساب، فكان المترجم من جملة المنتخبين وكلف السلطان بإقرائهم العلامة المتضلع النقاد السيد عبد الرحمن بن محمد بصرى فبذل المجهود في التعليم، وأكب المرشحون على ما رشحوا له بجد واجتهاد حتى نبغ منهم أربعة وأحرزوا قصب السبق في التبريز في فنون شتى منها ما ذكر، وكان المترجم أنجب الأربعة وأمهرهم واستخدم الكل بالحضرة السلطانية ولازم الباب العالى حضرًا وسفرًا.
стр. 633
وفاته: توفى عام خمسة وستين ومائتين وألف ودفن بروضة الشيخ الكامل السيد محمد بن عيسى من ناحية باب البراذعيين أحد أبواب مدينة مكناسة الزيتون، وقبره ثَمَّ معروف.
١٠٧ - بو عزة بن العربى بن بوعزة المدعو الفشار، السفيانى الأصل، المكناسى النشأة والدار والقرار والإقبار .
حاله: فقيه أستاذ حيسوبى ماهر خاشع ناسك متواضع، شديد الحب في آل بيت الرسول، منعزل عن الناس لا يحضر الولائم، ولا يأكل طعام أحد، ما شرب الأَتاى قط، ذاكر تال لكتاب الله مواظب على قراءة دلائل الخيرات، يقوم الليل ويصوم الدهر، لا يفطر في غير الجمع والأعياد، ولا يركب دابة إلا نادرًا في المواكب الرسمية، يركب فرسا سرجه مغشى بكتان ولا يلبس من الثياب إلا ما خشن.
استخدمه السلطان المولى عبد الرحمن في حنطة فراشه وكان ملازما لصلاة الخمس مع السلطان المذكور، وقراءة الحزب في كل بكرة وعشى، ولما آنس السلطان رشده كلف به من يقرئه الحساب، ولما حصل على الغاية القصوى فيما أريد منه وظهرت نجابته وصلاحه رشحه للأمانة فجعله أمينًا كبيرًا على جيوشه المظفرة في حركته للقطر السوسى.
ثم في عام ثمانية وأربعين ومائتين وألف استخدمه أمينًا كبيرًا على رواتب الجيوش بالحضرة المكناسية، وأمينا على داره الكريمة ورئيسا على أمناء صائرها يأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه، مفوضا إليه في تنفيذ كل ما يحدث من زيادة أو نقص في المؤن والرواتب الشهرية بالدار السلطانية بالحضرة المكناسية، وتقييد ضحية النحر الموجهة لها، والوقوف عليها حتى تحل محلها والخليع اللازم لها، ودفعه في وقته بجميع ما يلزم من ضرورياته مع تنفيذ ما عهد لها من عوائد المواسم والليالى
стр. 634
الفاضلة، ولمن في حسابها من الشرفاء والشريفات خارج الدار وغير ذلك من كل ما هو من متعلقات داره وما هو منضاف إليها.
ولا يقبل زمام صائر الأمناء على الدار العلية إلا بعد اطلاعه عليه وتسليمه له لإمضائه عليه بخط يده.
وأنابه السلطان عنه في تولى قبض مفتاحه على بيت مال المسلمين وفتحه عند إرادة الإدخال إليه أو الإخراج منه في ظعن السلطان وإقامته، وذلك زيادة على المفتاح الذى بيده بصفة كونه أمينا، إذ لبيت المال هذا مفاتيح أربعة، والعادة فيها أن يكون أحدها بيد الجلالة السلطانية، وثانيها عند عامل البلد، وثالثها عند أمناء الصائر، ورابعها عند أمين الدار السلطانية الذى هو أكبر الأمناء لا يمكن فتحه إلا بالمفاتيح الأربع، وذلك كله أخذًا بالحزم والأحوط.
وأقره على جميع ما ذكر السلطان سيدى محمد ونجله المولى الحسن، ولم يزل على تلك الوظائف العالية محبوبا مبجلا عند أولئك السلاطين العظام إلى أن توفى.
وكان الوصى على سائر أبناء العائلة الملوكية، وكذا أبناء الجيش البخارى، ومن عجيب أمره في ذلك أنه كان لا يضيف مال أحد لمال آخر قل أو جل، يبقى كلا على انفراده، ولا يضيف سكة إلى أخرى مع كثرة الموصى عليهم ووفور أموالهم ومستفاداتهم وتنوع السكك، ومن ورعه أنه لا يأخذ على ذلك أجرًا.
مشيخته: أخذ عن الفقيه البركة السيد محمد بن عبد الله من نسب المترجم وعمن عاصره من الشيوخ.
وفاته: توفى ﵀ يوم الأحد الثانى عشر من ذى الحجة عام ثلاثمائة وألف، ودفن بجامع الأقواس المعروف اليوم بالزاوية الدرقاوية بحومة بين العراصى من الحضرة المكناسية.
стр. 635
١٠٨ - بلقاسم بصرى وهو ابن محمد بن بلقاسم بن محمد الطيب بن الصغير بن مسعود المكنى بأبى سرحان بن محمد بن محمد فتحا بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عمران الولهاصى.
حاله: فقيه نبيه من بيت علم وفضل وصلاح ووجاهة، حسبما بيدهم من ظهائر عظماء ملوكنا العلويين، كمولانا الجد الأكبر المولى إسماعيل، برد الله ثراه مما سيمر بك بعضه في تراجم بعض أسَلاف المترجم فترقب.
عدل رضى مبرز موثق ذاكر عابد متهجد ناسك خطيب مصقع، مبجل عند العامة والخاصة، محبوب عند الكبير والصغير يلقن الورد التجانى بل إمام الطريقة ومقدمها شديد المحافظة على صلاة الجماعة.
رحل في طلب العلم للحضرة الفاسية بعد أن حصل ما قسم له من المعلومات بمسقط رأسه الحضرة المكناسية، وتصدر للخطبة بالمسجد الأعظم بعد وفاة والده، وولى خطة العدالة بالأحباس الكبرى من الحضرة المكناسية في رابع عشرى حجة الحرام عام ثلاثة وثلاثين وتسعين ومائتين وألف.
مشيخته: منهم العلامة العامل السيد العربى بن السائح العمرى، والسيد العباس بن كيران، والسيد الحاج مبارك السجلماسى، والسيد المهدى ابن الحاج السلمى، والحاج محمد جنون مختصر الرهونى، والسيد أحمد بنانى المدعو كلًّا، ومن في طبقة هؤلاء الأئمة الجلة.
ولادته: وجد بخط ولده أن والدته أخبرته أنها كانت تسمع من والده أنه سمع من والدته أن جده السيد بلقاسم توفى ليلة سابع ولادة المترجم، وذلك يوم
стр. 636
الجمعة تاسع عشرى جمادى الأولى عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف، فتكون ولادة صاحب الترجمة يوم الأحد ثالث عشرى جمادى الأولى عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف.
وفاته: توفى بعد غروب يوم الأربعاء تاسع عشرى محرم الحرام فاتح سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بروضة جده الشهيرة بالحضرة المكناسية سيدى بصرى رضى الله عنه، ورحم الجميع بمنه.
١٠٩ - بو بكر المراكشى الأصل .
حاله: فقيه جليل نبيه كامل متفتن مدرس نوازلى مفت تولى رياسة الفتوى بحضرة مكناسة حسبما وقفت على ذلك برسم يتضمن الإشهاد على جملة من فحول الأعلام بصحة نسب فرقة من الأشراف الحسنيين الإدريسيين من أولئك الأعلام المترجم محلى فيه بالأوصاف المذكورة وذلك بتاريخ ثالث عشرى ربيع الأول عام عشرين ومائة وألف مكتوب ذلك العقد في رق غزال مزخرف الجوانب الأربع بالخطوط الذهبية الغريبة الصنع العجيبة الشكل.
...
стр. 637
(حرف التاء)
* * *
١١٠ - التهامى بن عبد العزيز المرى .
حاله: فقيه جليل عالم فاضل مبجل، تولى النيابة عن قاضى مكناسة السيد محمد الطيب بن محمد بصرى ووقفت على رسم مسجل عليه محلى فيه بالشريف وبالأوصاف المذكورة بتاريخ منتصف شوال عام مائتين وألف.
١١١ - التهامى الغياثى .
حاله: علامة مدرس نفاع، لم أقف له على ترجمة غير أنه كان بقيد الحياة في جمادى الأولى عام تسعة وأربعين ومائة وألف من جملة مدرسى الأعظم كما بقائمة المرتب الشهرى للعلماء المدرسين في ذلك العصر.
١١٢ - التهامى أبو الفتح بن المرابط البركة السيد حمادى بن عبد الواحد المطيرى الحمادى المكناسى .
حاله: علامة مشارك مطلع نحرير، أديب أريب، نقاد محدث متقن متضلع، تولى خطة القضاء أو لا بمكناس ثم مراكش، وقفت على رسم مسجل عليه مدة توليته بمكناس بتاريخ ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، محلى فيه بالعالم الناسك البركة الخطيب البليغ القدوة المدرس المحقق الحجة، ونص شكله التهامى ابن محمد المطيرى الحمادى.
وكان شيخ الحديث في مجلس السلطان المولى عبد الرحمن، ثم اصطفاه للقراءة معه سفرًا وحضرًا يظعن بظعنه ويقيم بإقامته، ثم وجهه بين يديه لفاس فعاجلته المنية.
стр. 638
وأصله من بنى مطير القبيلة البربرية المشهورة من فخذ يقال لهم آيت حمادى، منازلهم الآن قرب فاس.
مشيخته: أخذ عن العلامة إدريس بن زين العابدين العراقى، والشيخ الطيب ابن كيران وأجازاه عامة ودونك نصوص إجازتيهما له ومن خطوطهما نقلت:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله. الحمد لله الذى جعل حبل الإسناد. من أوثق الصلة بين الله والعباد. والصلاة والسلام على أجل واسطة. وأتم رابطة. مولانا محمد المختار. وعلى آله وأصحابه الأخيار.
أما بعد: فإن المتمسك بهذا الاستدعاء الفقيه الألمعى النبيه. الأديب الأريب النزيه. السالك الإدراك المتثبت أبا عبد الله السيد محمد التهامى بن المرابط البركة السيد حمادى ألهمه الله رشده، ممن لزم الجثو بين أيدينا في مجالس العلوم. واقتنص في إشراك فهمه من إملائنا شوارد الفهوم. برهة واسعة من الزمان. كان فيها المجلى عن الأقران. حتى حصل بحمد الله على علم وافر. ويمن في حسن الملكة ظاهر.
ثم لما أراد الرجوع إلى مسقط رأسه. الذى هو مناط لمثمر غرسه. وكان الإسناد من الدين ولولاه لقال من شاء ما شاء، طلب من هذا العبيد المظلوم لنفسه أن يجيزه. وينصف بعامل الانتساب إبريزه. وإنى وإن لم أكن لذلك بأهل. ولا ممن أحرز في مجاله الخصل. لكن مقابلة الرغبة بالإسعاف. كما قيل من شيم الأشراف.
فأقول: قد أجزت السيد المذكور. وفقنا الله وإياه للسعى المشكور. فيما قرأه على وفى غيره من كل ما تصح لى روايته عن أشياخى المعتبرين من منقول ومعقول ومنظوم ومنثور إجازة تامة. مطلقة عامة. بالشرط المعتبر. عند أئمة
стр. 639
الحديث والأثر. وعليه بشكر الله على ما أولاه من العلم، لأن الشكر مناط الزيادة وليتق الله في السر والعلانية، لأن العمل ثمرة العلم والله ولى الهداية. في المبدأ والنهاية.
وكتب أفقر العبيد لرحمة رب العالمين. إدريس بن على زين العابدين. حلاه الله بصفات اليقين. العراقى الحسينى أحسن الله حاله. وجعل إلى الفردوس مآله".
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. حمدًا لمن رفع الذين أُتوا العلم درجات. وجعل نفوسهم تسرح من رياضه في حدائق نضرات. وأذاقهم حلاوة التحقيق فهاموا طربًا بما حصرت فيه اللذة الدنيوية من العلوم والإدراكات. وصلاة وسلاما تامين على سيدنا محمد أعلم من أسند عنه الحكماء والرواة. وعلى آله الأمجاد السراة. وصحابته الأنجاد الهداة.
وبعد: فإنه لما تقرر لدى أولى الحجَا. واشتهر اشتهار الزبرقان في الدُّجَى. أن أنفس ما تنفق فيه نفائس الأعمار. وأبهج ما تلهج فيه الألسنة وتعمل فيه عوامل الأفكار هو إنشاء حقائق العلوم. والارتقاء إلى دقائق الفهوم.
العلم نورِ مبين ... به اللبيب تحلى ... فقل لمن في سواه
غلا وعنه تخلى ... شتان ما بين ليل ... داج وصبح تجلى
العلم نور مبين يستضاء به ... وخطة ما لها في الحسن من مثل
فاملأ جرابك منه غير مكترث ... بما يراه أخو كبر وذو خجل
ولما مَن المولى الكريم. من فضله العميم. على كاتبه العبد الضعيف بصرف آونة من عنفوان الشباب الوريق الوريف. اقتطاف نبذة من أزهاره. واستطلاع
стр. 640
شئ من أنواره. وورود مورد عذب من موارده. واقتناص بعض من شواذه وشوارده. جرتنى الأقدار إلى إملاء بعض الدروس. إسعافا لطلاب عطشى الأكباد غرثى النفوس. فتصديت لا عن أهلية منى لذلك المنصب الوسيم. ولكن إذا اقشعرت البلاد وصوح نبتها رعى الهشيم.
ثم إن المستدعى في الأوراق قبله الطالب الأرشد. الأنجب الأسعد. أبا عبد الله السيد محمد التهامى بن محمد الحمادى. بلغه الله أمله وأسبغ عليه جلائل الأيادى. كان ممن لزمنى مدة. وأعد للأخذ عنى عدة. فحضرنى في مجالس منقول ومعقول. وفروع وأصول. وآلات ومقاصد. ومباحث وفوائد. وحصل بتوفيق الله على ما يسر له من فهم وعلم. وظفر بما أتيح له من حفظ وقسم. وبدت آثار رشده وهدايته ولاحت معالم تحصيله ونجابته. ولذلك أسعفته فيما التمس من الإجازة تبركا بطريق السلف وإيثارًا للاتباع. وإن كنت أقول المدار اليوم على إظهار ما وصل إليه الباع. فهو الشاهد لك أو عليك. والحجة القاطعة لديك فأقول: قد أجزت الطالب المذكور فيما رويت أو دريت إجازة تامة. مطلقة شاملة عامة. بشرط التثبت والتحرى. وأن يقول فيما لا يدريه لا أدرى. فإنها مما يكمل وليست مما يزرى. ولقد أجاد من قال:
ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ... ويكره لا أدرى أُصيبت مقاتله
وذكر ابن عبد البر في مقدمة التمهيد أن الإمام مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين لا أدرى، واشتهر عنه في كتب الأصول أنه سئل عن أربعين فقال في ست وثلاثين لا أدرى والله يرشدنا وإياه إلى سواء السبيل. وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى الكريم. وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات وأزكى التسليم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
стр. 641
وكتب عبيد ربه محمد الطيب بن عبد المجيد شهر بابن كيران. لطف الله به وعامله في الدارين بجزيل الإحسان".
وقد أخبرنى من وثقت بخبره من أهل العلم أنه أخذ عن السيد أحمد بن التاودى بن سودة ومن في طبقته والله أعلم.
الآخذون عنه: منهم أبو المواهب عبد الكبير بن المجذوب الفاسى الفهرى المتوفى بالطاعون ثامن عشرى رمضان عام خمسة وتسعين ومائتين وألف، والقاضى أبو زيد عبد الرحمن البريبرى الكبير الرباطى المتوفى عاشر شوال عام ثلاثة وتسعين ومائتين وألف، والأخوان القاضى الأعدل أبو عيسى المهدى بن سودة المرى وأبو حفص عمر المتوفى في متم ربيع الأول سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، والمحدث الأشهر سيدى الوليد العراقى المولود سنة تسع بتقديم المثناة ومائتين وألف كما وجد بخط يده المتوفى في ربيع الثانى عام خمسة وستين ومئتين وألف، والعلامة السيد محمد بن عبد القادر الكردودى، وأخو المترجم السيد محمد، ومحشى ميارة السيد الطالب بن حمدون بن الحاج، وأجاز عامة للثلاثة الأخيرين باستدعاء منهم له وقفت على نص ذلك الاستدعاء ودونك لفظه:
"حمدا لمن أطلع في سماء العلم للرواية والدراية شموسا وأقمارا، وعينهم لافتضاض الأبكار من غوانى الأفكار حتى أجرى من ينابيع حكمهم بحورًا وأنهارًا، وأهلنا للارتشاف من خلاصة رضابهم المغنى عن أحلى الضرب، حتى أسعدوه بالإرشاد نحو لمحة من فنون علمهم المزرية بشذور الذهب، وصلاة وسلاما على يتيمة الدهر، الجامع لأشتات الفضائل والفخر، المصطفى المختار، المجيز من استجازه دون إنكار، وعلى آله الأتقياء الأبرار، وأصحابه الأجلة الأخيار، وبعد: فالمطلوب من إحسان شيخنا قاضى القضاة ومن إليه المرجع في حل المشكلات الثقة الحجة، السالك من مناهج الدين أوضح محجة، الحافظ الضابط الثبت، الحسن
стр. 642
النعت والسمت، العلامة الدراكة المشارك، الذى لم يعقبه عن دائرة التحقيق متدارك، الإمام الذى به في كل فن يقتدى، النجم الذى هو ضياء في مشكلات العلوم وهدى، العلم الفرد الذى قصرت عن إدراك شأوه الجموع. العالم الذى انتصبت له في الخافقين أعلام الثناء المرفوع. إمام الفصحاء، وحامل راية البلغاء.
هو البحر لا بل دون ما علم البحر ... هو البدر لا بل دون طلعته البدر
هو النجم لا بل دونه النجم رتبة ... هو الدر لا بل دون منطقه الدر
هو الكامل الأوصاف في العلم والتقى ... فطاب به في كل ما قطر الذكر
ذى الخلال التي تكل عن الحصر. والخصال التي يعترف له بها نبهاء العصر. الجامع لأوصاف الجمال وجمال الأوصاف. الحائز لأصناف المحاسن ومحاسن الأصناف. ذى السر الواضح السامى. أبى الفتح سيدى محمد التهامى بن العارف الأكبر. الولى الأشهر. الذى يحدو بمحاسنه الحاضر والبادى أبى المواهب سيدى حمادى الحمادى.
مذ أبصرت عينى محاسنه ... وشاهدت منه الجمال الجميل
حملت قلبى من محبته ... ما لم يكن يحمل قبل جميل
كيف لا وهو الفصيح الذى إن تكلم أجزل وأوجز، وأسكت ابن السكيت وابن العميد ببلاغته وأعجز، وأخمد نباهة قتيبة وابن قتيبة في علم اللغة والغريب.
وأما السنة والكتاب، فقد أبدى فيهما ملكة مالك وابن شهاب. ولم يشك سامع أنه ابن القاسم أو ابن إدريس. إن توجه لعلوم الفقه بالفتوى والتدريس. بيد أنه هذب بتنبيهاته الحسان كل مختلطة من مقدمات المهرة الأعيان، وإذا تعرض للتصريف. أو انتحى للنحو الجليل. خلته معاذا الهَّراء العفيف. وابن أحمد الخليل. يتصرف في بديع الإنشاء. بما يشاء.
стр. 643
إن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمى هز عامله
غير أن كلامه في الألباء يسرى مسرى كئوس الصهباء لو قرطت بيواقيته آذان ابن عبد الحميد أصبح في صناعته غير حميد، والحريرى وابن خاقان لما اهتديا إلى جمع المقامات وقلائد العقيان، ما برز في موطن بحث إلَّا برز على الأقران، ولا أجرى جياد علومه إلى غاية إلا كانت مطلقة العنان. إيه وفيه جرى. كل الصيد في جوف الفرا. ضم إلى علمه العمل ووصل مما أراد إلى أقصى أمل، فهو الرئيس الذى به المفاخر تحمد كعبة المجد والوفا والسخا والدين والحلم والفخار المؤيد جرت في بحر محاسنه سفن الأذهان، فلم تدرك قراره، وعجز النظراء والبلغاء أن يخوضوا آثاره.
سما في أهله طفلا وكهلا ... وأحرز كل مكرمة حقيقة
فبالإكرام وإلا كبار حقا ... ترى أبدا سيادته حقيقة
ولكن لا يستغرب من التبر الذهب، ومن معادنها الدرر، والسبط لا بد أن يقفو الأثر.
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
أن يمن بالإجازة على المتمسكين بأذيالكم والمترددين صباحا ومساء على مجالسكم والمقبلين ثرى نعلكم وأقدامكم المسندين لحماكم المنيع واللائذين بجنابكم الأعز الرفيع محمد بن عبد القادر بن أحمد الكلالى الحسنى الشهير بالكردودى، والفقيهين الأجلين أخيكم سيدى محمد وسيدى محمد الطالب بن العلامة سيدى حمدون بن عبد الرحمن بن الحاج السلمى المرداسى، ونحن وإن لم نكن لذلك أهلا فاقبلوا ذلك منًّا منكم وفضلا، عسى أن يهب علينا من نفحاتكم العظمى ما نستوجب به من الله مزيد الرحمى.
стр. 644
ولسنا لذا أهلا ولكن فضلكم ... به نرتقى والمرء يسمو بكم قدرا
وتكون تلك الأجازة من سيدنا محققة مصرحة القرينة مطلقة على الشرط المعتبر في الأداء عند أهل الأثر، شاملة للمعقول والمنقول في كل حكم محصل أو معدول، جامعة للأصول والفروع في نوع المفردات والجموع، ليحصل لنا الدخول في حماكم العظيم، والتشبث بجانبكم الأعز الكريم، ونظفر بالمنى والنجاح ونتشبه وإن لم نكن مثلهم فالتشبه بالكرام رباح، دران رشحت ذلك بذكر من تحملت عنه العلم من الأئمة الأكابر الذين افتخرت بهم على الأوائل والأواخر، كان ذلك تمام الأمنية وإنما الأعمال بالنية، وحاشاك أن تمد إليك الأيدى فتردها خلوًا، وأنت الحائز لكل الفضائل والفواضل، أخا صنوا أو يقرع فضلك فلا تفتح بابك، ولا تسدل على المعتقين أطنابك وغير مستغرب إقبالكم على أمثالنا وإعطاء من لاذ بكم البغية والمنى:
ولا غرو أن يعطى المنى لائذ بكم ... ويلقاه وجه السعد متضح البشر
وفضلكم يغشى المطيع وغيره ... كما تمطر الأمطار بالترب والصخر
ويعلم الله أن النفس لا تسمح بهذا الأمر لسواكم ولا تبوح بمرامها إلا لعلاكم:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل
وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه ومبلغ أنبائه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما".
شعره: من ذلك قوله مادحا شيخه سيدى إدريس بن زين العابدين العراقى كما بنص استدعائه الإجازة منه:
стр. 645
ما كل ربة ملك جل بلقيسا ... ولا الذى يخرق العادات تأسيسا
لا تحسبن الهدى بحسن بادية ... فكم ترى من وضى فاق إبليسا
وكم حكيم ولكن ليس ذا حكم ... ويدعى أنه بجهله عيسى
وكم أجوب بشوق كاد ينشرنى ... على أحظى بمن ما حام تدليسا
فما ظفرت وهب أنى سمعت به ... فذاك أشبه بالعنقاء إن قيسا
حتى تبسمت الآمال عن شنب ... كسا الليالى ترصيعا وتجنيسا
فإذ أنا بابن زيان الذى شرفت ... به المعالى العراقى الحبر إدريسا
دامت لنا طلعة النحرير في وهج ... وزاده الله تأييدا وتقديسا
وقوله مادحا شيخه ابن كيران وموريا باسمه في استدعائه الإجازة منه:
أكرم به لوذعيا عز تمثيلا ... ومفردا فاق إجمالا وتفصيلا
لا عيب فيه سوى من قد ألم به ... ينال فخرا وتأييدا وتبجيلا
قد طيب الدهر من طيب اسمه كرما ... فدام في مفرق الأيام إكليلا
وقوله مادحا العلامة أبا العباس أحمد بن التاودى بن سودى بمناسبة ختمه المختصر الخليلى عام ثمانية عشر ومائتين وألف بفاس القرويين:
حنانيك نبه غائبا يرقب السعدا ... بطلعة سلمى أو بجارتها سعدى
وما زال يستشفى الغرام بطيفها ... فما منحت إلا التأرق والصدا
فها عرفها ناجى الفؤاد ولم يبن ... يصافحنا مما به أخجل الوردا
وكنت أخال الحلم حتى تبينت ... فأبدت ذكاء في دجى جمعت ضدا
وحورا وريعا والقواضب والقنا ... بناعم خوط يغضب السمر والأسدا
стр. 646
وجيد منصى لا لتزداد بهجة ... ولكن ليبدى حسنه أيما وردا
وطرف كحيل فاتر دون حاجب ... أزج فحيم يرهب العادى الوردا
ومن عجب طعن الجفون وهل سرى ... طعان جفون دون أسيافها قدا
وفرع أثيث حالك بذوائب ... ثلاث يغشى متنها رائقا جعدا
عجبت له يغرى مسامع قرطها ... حديث خدام في خداه لها رأدا
وبالغرة الغرا تردى تولهى ... بوجنته حتى انثنت خلتى رشدا
فقلت لها رحماك يا روح مهجتى ... بصب رهين في جمالك لم يفدا
وكم جاب من فرط الجوى ولواعج ... من الشوق صحصاح الفلا الغور والنجدا
وكم لعجت منه الحوائج والحشا ... ولولا صبيب الغور أنضجت الجلدا
وكم طلق الغمض الثلاث جفونه ... طلاق الحسام العضب يوم الوغى غمدا
وكاد الهوى العذرى ينحو بعطفه ... إلى نحو عرف العطف منك فهل أبدا
فقالت فأبدت منه أنفس جوهر ... فما خلت إلا أنها نثرت عقدا
هنيئا وطب نفسا بدانى احتفالنا ... ودونك بعد البين من وصلنا ودا
رشفنا كئوسا من معين رضابها ... فآونة صهبا وآونة شهدا
ولا عيب فيها غير أن إزارها ... وثير كما بالخير قد وشحت بردا
ومما أثار للفؤاد أنينه ... رنين جمال أو سوار علت زندا
وقد خضبت رخص البنان بعندم ... تمثل دمعى رأد بينونة الغيدا
وأعجب منه ظنها فتبسمت ... بأى نظام خلته الجوهر الفردا
بذات أقاح كان طى لنشرها ... ورثنا الذى أبدى الشر ود له فقدا
стр. 647
فأعزز بها من منحه بين بضة ... رداح وبين جنة قد حوت خلدا
ولا عاذل واش ينم بولينا ... عدا الأعطرين المسك إذ ذاك والندا
كأنا وأفنان الرياض وزهرها ... همام يحلى جنده الدر والنقدا
كان الربى إذ خدد النهر خدها ... بعذب فرات ناضر طيب الوردا
أكف علاها الوشم أو طرس بارع ... يسجله أو أرقم رائد بيدا
كأن الغضا والبان في حركاتها ... بأيدى الصبا صب يميس بها وجدا
ولما تلت أوتارنا آية الهنا ... وباحت بتحليل العناق ولا حدا
وشى بالذى نلنا بالبلابل غبطة ... فصاحت على الأدواح تلتمس الرصدا
فسل لذاك الصبح صلت جبينه ... وأفضت إليها الشمش من رمضها جندا
كأن سناه طلعة الحبر أحمد بـ ... ـن سودة في أفق العلا صافحت سعدا
ولاحت على وجه الخوافق فانثنى ... صقيل الردى من بعد عمته السودا
كما بدت الغراء للدين غرة ... فبان ذكاء لا كنار علت طودا
فأعشى عيون الملحدين شعاعها ... وأمست ممضاة الجفون به رمدا
وأصبح هذا الدهر يزهو مطاولا ... على صدره إذ حله فاقد ندا
وحق له بالجهبذ المرى الذى ... أشاد سنام المجد من بعد ما هدا
ومن بان في أفق المكارم مذ نشا ... هلالا ولكن لا أفول ولا أردا
ومن لم يزل متن الثريا نعاله ... وما فوقها الجوزاء من تحته مهدا
ومن عز بعض من حسان خلاله ... فعز فأضحى في براعته فردا
ولا عجب من نقطة اليم والحيا ... ولا سيما إن كان صيبه جودا
стр. 648
وما ذاك إلا من عذول معنف ... يرى حصر أوصاف السميذع والحدا
ولم يدر إن أربت على المزن والحصا ... ومن لى برد المزن أو حصرها عدا
وهب حصرها ما كان ضرك لو سرى ... بك الفكر في آياته الألف والأحدا
وهل يجحد الشمس المنيرة نورها ... سوى مائن أو من يرى الطعن واللحدا
رويدك هل ما قد كفاك فإنه ابـ ... ـن فخر سرى أسس الفخر والمجدا
وكعبة سؤدد وذروة عزة ... وبحر يموج بالعلوم وبالأسدا
وبدر سبيل الدين والحق والتقى ... وطود الهدى ما أنفك رائده يهدا
وأفضل ذى حلم وصفح ورأفة ... وكان بأمر الله منصلتا جلدا
وخير إمام قلد العدل في الورى ... ومن قد تولى فيهم الحل والعقدا
حلاحل من بالأرض شرقا ومغربا ... ومصقعهم من فاخر الفخر والسعدا
له ضِئضِئٌ (١) قد طاب فرعا ومحتدا ... ولا زال يسمو ما سما ووفى جدا
بدور سماء كلما انقض واحد ... بدا مثله أو فائق أثره سردا
فدمتم سراة الناس يا آل مرة ... ولا زلتم فيهم مثقفة ملدا
ولا زال نجل التاودى محمد ... سماء سحاب تمطر العلم والأجدا
لعمرك قد أحيا موات قلوبنا ... حيا علمه الوبل الذى لم يزل رغدا
فعاد غشاها من صداء جهالة ... نضيرا وغض العطف يحكى لنا الجدا
وقلد أجياد العقول فرائدا ... منضدة في سلك لفظ له أندى
فما الغانيات ما الرحيق معتقا ... وما الطير في أفنانه ينشد الرصدا
стр. 649
إلى أن قال:
عشيرتنا قد تمم الدهر ودنا ... بيوم وصال من خليل وفى وعدا
فظلنا وهذا اليمن والسعد خادم ... وهذى سرادق الْهَنَا خيمت جدا
فمن منح ما أسلف الدهر مثلها ... فلله ربى أُدمن الشكر والحمدا
جزى بجزيل الجود والطول والولا ... أئمتنا من منهم بان أو أودى
حماة حريم الدين من جنف الهوى ... ومن بذلوا في حمل أعبائه الجهدا
أراحهم في رحب خير جنانه ... بخير جوار الخاتم الرسل والأهدا
عليه صلاة الله ما قال منشد ... حنانيك نبه غائبا يرقب السعدا
وقوله:
هم بالذى سكن الوجود بسره ... ودع السوى في حبه وتجرد
وأقم على النفس الحدود فإن أبت ... فجزاؤها من سجنها لا تفتدى
وقوله:
أتطمع في الحياة بغير موت ... ويعجبك الثناء وفيه داء
وأقبح ما ترى من ذا وذاك ... غرام ليس يتبعه سخاء
إذا ما البخل أصبح عند قوم ... فقد أمسى بأرضهم البلاء (١)
نثره: من ذلك قوله في استدعائه الإجارة من شيخه سيدى إدريس بن زين العابدين العراقى المذكور:
"الحمد لله الذى زان نوع البشر بإجازة أفراس فكره في مجال المعانى.
стр. 650
وأكمل مزاياه من بين سائر جنسه بترجمان البيان وعنوان المبانى. فلم ينفك مقتنصا ظباء الفرائد. ومعربا عن عرب العين الخرائد. إلى أن بدت رافلة في حلل الطروس وحلى السطور. شاهدة ببراعة القدرة وبداعة المقدور.
وأشهد أنه الله الذى جل ثناؤه. وكمل سناه وسناؤه، وعمت رحمته وآلاؤه. وعذب لأوليائه لأواؤه.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده المحلى بحلى الفضائل والفواضل. والموشح بوسيم الوسائل. وسرى المسائل. الصادع بأحكام الأحكام المعنوية والحسية. والمفسر حديث أسرار الحضرة القدسية. أعظم الحائزين قصبات السبق في ميادين الكمالات. وأفخم الفائزين بروائع الخلال وجوامع المقالات ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين حملوا لنا راية الفروع والأصول. وظفروا بقصارى الأدب ونهاية الوصول. صلاة وسلاما دائمين صادقين بلا مين.
وبعد: فإن أنفس ما تنافست فيه نفائس الأفكار. واصطفته على حسان حور الأبكار. وماست به طربا. وهويته منى واربا. واستطابته شذى وريا، وفاخرت به طلعة الثريا، وفيه عذب رشف كئوس المنية. وبه تمت الخلال السنية. وتحققت الحقائق. وكشفت البراقع عن وجوه الدقائق. وشيدت أركان المراقى. وميز بين السافل والراقى. وفى فضله تقاعست الألسنة. واستحوذ عليها فتور وسنة. فنون العلم التي ناهيك في علو شأنها. وعزة تدرها وسلطانها. أن منها ما عرف إيحاء. وما كان أنحاء. وما تفق عن ذى الأصول الجليلة وما هو إلى الكل وسيلة. بيد أن بعض القلوب جبل على الغبطة. وذلك أفلح مطلوب وأنجح خطة. وكيف لا وقد قرن الله تعالى شهادته بشهادة أهله. وجعل سبحانه البينونة بين إدراكه وجهله. كما جاء أنهما في غاية المباينة. وليس الخير كالمعاينة. وبعض الأفئدة طبع عليه بطابع الحسد. وأفصح بذلك عنوان الجسد. فعمل بموجبه ومقتضاه. وآثر
стр. 651
للشيطان هواه ومرتضاه. غير مكترث بأنه من أعظم السيئات. وإن ما قدره سبحانه لا بُد آت. فما أخسر متجره ونصيبه. وما أعظمها عليه من مصيبة. ولقد ابتليت بقوم عميت عليهم الأنباء. وحملوا من الأضغان والإحن الأعباء. فهم عن غرر المحاسن لا يتساءلون. ولا بطلعتها يتفاءلون. وإنما يبحثون عن الأدون والمساوئ. دون الأرجح والمساوى. ومهما عاينوا تحبيرى في فن من الفنون. خاب رجاؤهم وساءت الظنون. وكادت تعاجلهم المنون. يودون حينى. واندثار رسمى وأينى. ومع هذا فهم كما قيل:
لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب
ألج لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
إلى أن قال إثر شعره المتقدم:
"ثم هأنا أقترح من أنامل قرائح الجنان. وأستوهب من سحائب البنان. أن تسمح بإجازة رافلة في معرض الإتقان. على بهجة تخر لها الأذقان. ما نسج بارع على منوالها، ولا ظفر طامع بأحوالها. تزرى بكل أنيس مطرب، ويغبط في روائجها المشرق والمغرب" وهو أطول من هذا وأطنب فيه وأطاب وأباع ما شاء.
وفاته: توفى فجأة برباط الفتح يوم الأربعاء حادى عشر صفر الخير سنة تسع وأربعين ومائتين وألف، ودفن بدويرة بالزاوية الناصرية بحومة أبى القرون.
١١٣ - التهامى: ابن المهدى المزوار المكناسى النشأة والدار .
حاله: نابغة أديب أريب، وجيه لبيب، ناظم ناثر، واعظ فصيح اللسان عدل رضى مبرز.
تولى الوعظ بالضريح العلمى وبكرسى عنزة المسجد الأعظم وخطة العدالة بالحضرة المكناسية وتصدر للشهادة وكان يتعاطاها لتاريخ شعبان عام اثنين وتسعين
стр. 652
ومائتين وألف وقبل ذلك وبعده ثم استكتب بالديوان السلطانى مدة ثم أخر عنه مدة ثم أعيد إليه فصار يظعن بظعن الجناب الملوكى ويقيم بإقامته.
له شعر رقيق يفرغه في قالب رشيق حلاه عصريه السيد أحمد بن الحاج الفاسى في بعض مؤلفاته بما لفظه: الفقيه الأديب الماهر الحائز قصبة السبق في الفصاحة والبلاغة الناظم الناثر الهمام الذى لا يقاوم والماجد الذى لا يزاحم، من سما في سماء التوثيق بدرا، وارتفع في سلم العلوم سرا وجهرا العدل سيدى التهامى المزوار المكناسى. انتهى. وكان معدودا من شعراء الدولة الحسنية وأعيان كتابها لو جمع شعره لجاء في مجلد ضخم لكن مع الأسف ضاع جله إن لم نقل كله.
مشيخته: أخذ عن خاتمة المحققين الفقيه القاضى سيدى الحاج المهدى بن سودة والعلامة القاضى سيدى العباس بن كيران ووالده سيدى محمد المهدى وغيرهم.
شعره: من ذلك قوله وهى قصيدة تسمى بالسحر الحلال في الذب عن أهل الكمال أو تشنيف المسامع بتوبيخ البذئ بأفظع المقارع أو نصرة الأماجد بقمع الأباعد:
دع عنك أهل الجحد والأهواء ... وانبذ بشيع كلامهم بورا
لاموك من حيث ارتضيت أخاهم ... لجناب عزك حارسا بفناء
إيلام من لأخيه أصبح حاسدا ... في فعله ومقوله لسواء
ما ذاك إلا من اليم العجز عن ... إدراك هذا الشأو دون مراء
مع أن ذا شرف لهم بأخيهم ... إذ صار يحرس منزل العظماء
لكنه قد فاقهم بالقرب من ... حبر شريف من بنى الصلحاء
ذاك الشريف المرتضى مثواه من ... مثواه طال كواكب الجوزاء
стр. 653
من معشر أهل السيادة والسعادة ... والندا والفضل والآلاء
من معشر حظى الزمان بعلمهم ... ووجودهم بسعادة شماء
من معشر لهم المآثر والمفاخر ... قد سمت من قوق كل سماء
سل عنهم الحطاب في كم موضع ... من شرحه لأبى الضياء ضياء
وسل ابن رحال مع الفاسى في ... تثبيته في الليلة الليلاء
وسل التتائى والمحشى تلق ما ... يشفيك في الأنقال والأنباء
وسل الزمان وأهله عما حووا ... من رتبة ومزية ودهاء
ومجادة وزهادة ونزاهة ... وكرامة مصحوبة ببقاء
ناهيك من شرف فخيم قد غدا ... في الدهر مثل الغرة الغراء
ناهيك من مجد تأثل واعتلى ... في عزة مسموكة علياء
من ذا يطاول سادة قد خلدت ... آثارهم بدفاتر العلماء
من ذا يطاول شبلهم علامة الـ ... أعلام في فهم وحسن وذكاء
من ذا يضاهى مجده وكماله ... في حلة التقريب والإقصاء
يا سيدا أهدى لنا من يمه ... دررا تبدت عن سنى سناء
لا تنزعج مما عراك فمن عوى ... يرمى بها ذى الصخرة الصماء
هذا وعن قرب ترى ما تشتهى ... في سائر الأعداء والرقباء
فلأنتم من نسبة مبرورة ... جلت مفاخرها عن الإحصاء
لا شك أن الله يحمى جاهكم ... ويغار في الإصباح والإمساء
أوما درى القالى بأنك من سلا ... لة سيد الإرسال والأنباء
стр. 654
وبأن بدرك في حمى مولاى إدريس ... الرضى الحامى من الأسواء
وبأن مولانا أمين الله قد ... غطاك منه بعطفه الوضاء
أو ما درى ببنى الشهيد المرتضى ... السادة الحجاب والوزراء
أن قد أحلوكم حمى أكنافهم ... بعناية ومبرة وولاء
وحموك من أهل العناد فكل من ... قد رامكم يرمى بسهم بلاء
أعظم بهم من ماجدين وسادة ... وأهلة وأئمة كبراء
سادوا وأسدوا للأنام معاليا ... محفوفة بسوابغ النعماء
عمت مكارمهم فأصبح جودهم ... في سائر الأقطار كالأنواء
أحيوا مآثر قد تلافاها بهم ... رب العباد بسيرة حسناء
أيلوم مثلك في اتخاذ الكلب من ... لم يعرفن أحكامه بوفاء
لو كان مطلعا لما أبدى الذى ... أبدى من العذل الشديد الداء
فالشرع نص على اتخاذ الكلبين ... حيث القياس على كلاب الشاء
ومن الغباوة نكر ما هو ظاهر ... ومقرر في الشرع دون خفاء
في كلب أهل الكهف منه كفاية ... في صحبة الأخيار والنبلاء
بالقرب منهم نال فضلا شامخا ... ومزية عظمى وحسن ثناء
فلأجل ذا نال المزايا كلها ... كلب الرضى مثواه دون خفاء
فلم التمشدق بالأباطيل التي ... قد زخرفت بالحجة العمياء
لا سيما في جنب بحر زاخر ... أسراره كالشمس دون غطاء
هلا ارتدى برداء تسليم ولم ... يتعرضن لعداوة الفضلاء
стр. 655
يا ليته غطى بصمت جهله ... فالصمت منجاة من الأدواء
ماذا من الأسواء جر لنفسه ... بإذاية الأشراف والفقهاء
ولحوم أهل العلم يعلم أنها ... مسمومة تدعو لكل عناء
فالكاملون يرون كلا كاملا ... من غير تنقيص ولا إزراء
والناقصون يرون بالنقصان من ... لاقوا من الكمال والنبهاء
وجميع أهل النقص ليس لهم شعور ... بالذى فيهم من البلواء
فتراهم أبدا على طول المَدَى ... متلونين تلون الحرباء
فكذا يكون الناقصون من الورى ... وكذا يكون معاشر اللؤماء
ملئت بواطنهم بحقد كامن ... وعداوة في غاية الإخفاء
يلقون من لاقاهم ببشاشة ... وطلاقة وتودد وحباء
وقلوبهم من أجله محشوة ... مملوءة بمكايد البغضاء
فالله يكفينا ويكفيكم أذى ... الجهال والأوغاد والبخلاء
والله يكفينا جميعا كل ما ... نخشى مع الأحباب والأبناء
بالمصطفى والآل والأصحاب والـ ... أقطاب والأبدال والنقباء
صلى الإله وسلمن عليه ما ... مثواه راح بنصرة الشعراء
ومن ذلك قوله في ختم السلطان الأفخم أبى على مولانا الحسن صحيح البخارى:
حياك ما أملت من أوطار ... فاهنأ بعز شامخ المقدار
وبشير سعدى قد أتاك مبشرا ... بسعادة الإيراد والإصدار
стр. 656
فلذكرها فيه ارتياح القلب والـ ... أرواح والأشباح والأفكار
ما ذاك إلا أنها قد أحرزت ... شرفا بحب المصطفى المختار
خير الوجود وحصنه وأمانه ... من سائر الأسواء والأغيار
فهو الشفيع المرتضى يوم القضا ... في المذنبين لدى التهاب النار
فبجاهه لله كن متوسلا ... تبلغ جميع السول والأوطار
وكن المتيم دائما بحديثه ... في حالة الإقصار والإمرار
واحضر مجالسه الشريفة تدركن ... ما شئت من فضل الإله البارى
أو ما رأينا الحاضرين لها غدوا ... بالروح والخير العميم الجارى
وانظر إلى الدنيا تلألأ نورها ... فرحا به وبختمه المعطار
وانظر إلى الرحمات بين قبابه ... تسعى لدا الآصال والأبكار
وتجر من طرب ذيول دلالها ... فكأنها ثملت بصرف عقار
وتقول ياللأكرمين تمتعوا ... بحضوركم لمحافل الأخيار
وردوا حياض علومه وتنعموا ... برياضه المتنوع الأزهار
هذى نجوم الأرض دائرة به ... فكأنها الهالات بالأقمار
بسكينة وتواضع وتخشع ... وتأدب وتنسك ووقار
ختم شريف قد تحلى عصرنا ... بوروده وعلا على الأعصار
في حضرة الملك الهمام المرتدى ... بردا النَّدَى والجود والإيثار
المالك البر الذى حاشاه أن ... يلفى له في المعلوات مجار
المالك المولى الشريف السيد الـ ... ـحسن الشمائل طيب الآثار
стр. 657
فرد المفاخر من ذؤابه هاشم ... فذ التقى في الجهر والإسرار
مأوى الديانة والسماحة والدها ... والصفح والإغضا عن الأوزار
رحمى الإله ومن بغرة مجده ... سعد الوجود ونال كل فخار
النعمة العظمى التي عم الورى ... إحسانها كالوابل المدرار
لله نهضته وفيه سكونه ... وقيامه في ليله ونهار
ما همه إلا اكتساب محامد ... ومحبة العلماء والأبرار
همم لعزته الشريفة تجمع الـ ... أعدا وتسكنهم بدار بوار
قل للذين عن الطريق تحرفوا ... كفوا عن الطغيان والإصرار
هذا خليفة ربنا المنصور قد ... وافى ليقطع هامة الفجار
بشر عداه بأخذة سموية ... تردى جميع كبارهم وصغار
هيهات لا وزر يقيهم لا ولا ... وطن ولا مصر من الأمصار
هذى أسود الغاب تخشى بأسه ... وعزيز سطوته بلا إنكار
فلم التحصن بعد هذا إنه ... لسفاهة الأوغاد والأشرار
لكن عذاب الله حق عليهم ... فعموا وصموا عن نِدا الإنذار
فليهن سيدنا ومولانا الرِّضا ... هذا الختام المشرق الأنوار
أديت حقا للبخارى وافيا ... ورفعت ذكر صحيحه بمنار
وجعلت يا نجل الرسول ختامه ... عيدا سعيدا نيط بالأسرار
وأفضت فيه من المواهب أبحرا ... أزرت بجود البحر والأمطار
ناهيك ما أوليت من نعم ومن ... بر سجيل فضة ونضار
стр. 658
فالله يبقى نصرك الممدود في ... عز وعافية مع استمرار
والله يبقى الملك فيك مخلدا ... ما هبت الأرواح في الأسحار
والفتح والتمكين والتأييد لا ... ينفك طوع يمينكم ويسار
وبقيت منصورا بقاء الدهر يا ... كهف الأنام وقرة الإبصار
بالمصطفى وبآله وصحابه ... والتابعين وسائر الأنصار
أزكى الصلاة مع السلام عليه ما ... حياك ما أمنت من أوطار
وقوله في ميلادية أنشأها عام ثمانية وتسعين ومائتين وألف وأنشدت بين يدى الجلالة السلطانية الحسنية بحضرته الفاسية:
هذى السعادة قد مدت إليك يدا ... والوصل أنجز عزما ما به وعدا
أم هذه نفحة الأحباب قد وفدت ... من نحو ليلى وهذا عطفها وفدا
أهدت لنا طربا أهدت لنا إربا ... أهدت لنا قربا لا تنتهى أبدا
قد طال ما كنت أرعاها وأرقبها ... قدما وأطلب منها الوصل والرغدا
حتى غدوت بها في كل آونة ... أهفو وألهج لا أخشى بها أحدا
هيهات لى كيف أسلو عن هواها وهل ... أقوى وهل أستطيع الصبر والجلدا
لا يسلينى أبدا عنها سوى شغفى ... بمولد المصطفى أجل من ولدا
خير الورى وشفيع الخلق قاطبة ... يوم الزحام إذ الإحجام عنها بدا
أعلى الخلائق جاها عند خالقه ... وخير من يرتجى يوم القيام غدا
أصل الوجود ومن لولاه ما خلقت ... أرض ولا كان كون لا ولا وجدا
فهو البشير النذير المستغاث به ... وهو الذى رحم المولى به وهدى
стр. 659
كم آية ظهرت في آن مولده ... كم نعمة بهرت من دان أو بعدا
يا سيد الرسل داركنا بمرحمة ... تكسو الجميع على مر المدى بردا
وأسدل على نجلك الميمون سيدنا ... عطفا وهيء له من أمره رشدا
هذا الإمام الذى جلت مآثره ... عن أن يحيط بها من رامها عددا
هذا الإمام الشريف الطيب الحسن الـ ... ـبر الذى صهوة الإحسان قد صعدا
هذا ابن فاطمة الزهراء من شرفت ... أخلاقه وعلت في المعلوات يدا
هذا هو ابن رسول الله كعبتنا ... هذا الذى قد غدا في الحلم منفردا
هذا الذى هو مأوى الخير أجمعه ... هذا الغنى للذى أبوابه قصدا
هذا الذى أسعد الله الوجود به ... فضلا ومنا فلم يترك به أودا
هذا الذى أصبحت فينا سيادته ... كهفا منيفا وحصنا لم يزل سندا
هذا المؤيد والميمون طالعه ... هذا الذى بعلاه الخلق قد سعدا
فجر الملوك ومن صارت مناقبه الـ ... ـغراء حرزا بها نستدفع الكمدا
فليهن علياك يا تاج الملوك ويا ابـ ... ـن المصطفى ليلة خصت بكل ندى
خصت بمكرمة خصت بمرحمة ... خصت بمرتبة قعسا وكل هدى
نلنا بها من بها علياك كل منى ... نلنا بها الربح والأوطار والرشدا
دم سيدى لابسا ثوب السرور على ... مر الدهور فما ترضاه قد وجدا
لا زال نصر وفتح يخدمان معا ... هذا الجناب الذى أروى الورى مددا
واليمن والسعد والأسعاد يتبعه ... مع السلامة إصدارا وإن وردا
ما أم ركب أمين الله رحمته ... فراح والعطف قد أولى إليه يدا
стр. 660
وقوله في ميلادية عام واحد وثلاثما وألف ومن خطه نقلت:
نور السعود بدا أم نور تجديد ... عم البلاد بعز منه ممدود
أم هذه نفحة جاء البشير بها ... من نحو ليلى بوصل غير محدود
سقيا لها أذكرتنا جيرة رحلوا ... يقفون بالعزم مغناها بتجريد
قد غادروا الصب في شوق وفى قلق ... لا يستطيع حراكا حلف تسهيد
يا ليتهم رحلوا بالقلب إذ رحلوا ... في حين يضرب بطن البيد بالبيد
حتى إذا ما رأوا تلقاء كاظمة ... أنوار طيبة مأوى الخير والجود
ألقوه فيها ففيها كل منيته ... فيها أجل شفيع خير مولود
من خصه الله بالقرآن معجزة ... تبقى فلا تنقضى بقاء تخليد
فهو الشفيع الرضا والمستغاث به ... إن أحجم الشفعاء يوم موعود
أعلى البرية عند الله منزلة ... ومن أتانا بإيمان وتوحيد
كم آية ظهرت في حين مولده ... ميمون من غير تكييف وتحديد
في ليلة أكرم الله الوجود بها ... علت على القدر قدرا دون تفنيد
من أجل ذلك مولانا وسيدنا ... يجدد الخير فيها أى تجديد
يحيى سوائعها في كل ما سنة ... تبدو بمدح وتحميد وتمجيد
سنت سيادته عيدا لمقدمها ... ناهيك من شيم ناهيك من عيد
يحيى مواهبها يعلى دعائمها ... يشيد أعلامها وأى تشييد
يأتى حجيج الورى بادى الضجيج إلى ... نادى نداه بوفد غير معدود
فينظرون جمالا جل عن مثل ... ويشهدون بعلم لا بتقليد
стр. 661
وينظرون بحار الفضل فائضة ... على الوجود عطاء غير محدود
وينظرون رياح النصر واقفة ... بالسباب خادمة من غير ترديد
في حضرة الملك الأسْمَى الهمام ومن ... إِفضاله الجم عم كل موجود
خليفة الله رحماه ونعمته المـ ... ـهداة للخلق من بيض ومن سود
روح الوجود وبضعة الرسول ومن ... ساس العباد بتوفيق وتسديد
ذاك ابن فاطمة الزهرا الشريف ومن ... أعد للبر بابًا غير مسدود
المالك الحسن الأخلاق والحسن الـ ... أنباء والحسن الأسما إذا نودى
ماضى العزائم موفور المكارم غفـ ... ـار العظائم مصدوق المواعيد
مولاى يهنيك ما أولاك ربك من ... عز وفتح ومن نصر وتعضيد
وليهن عزك غراء الليالى التي ... حيت يسعد وإسعاد ومقصود
فيها أفضت أدام الله نصرك إحـ ... ـسانا غدا يمه محمود مورود
شيدت للدين أعلاما أقمت له ... دعائما ترتضى من بعد تأويد
مع نفحة نفحت من عطف عزك أر ... واحا بأذكى من النسرين والعود
دامت مفاخرك العليا الشريفة في ... حفظ وعافية تكسى بتأييد
بالمصطفى وبآل والصحاب وما ... في الأرض من صالح من غير تقييد
دامت عليه صلاة الله ما طلعت ... أنوار سعد لمولانا بتمهيد
وقوله مادحا الشريف الأصيل المولى المهدى بن عبد المالك الإسماعيلى:
أمن البدور الغر نير حالك ... فتهللى بدرى برؤية حالك
وتمنطقت أيد بدر خطابها ... ناهيك من در نضيد سالك
стр. 662
لما شممت نسيمها أحيا بنا ... ما كان ميتا من رميم حاسك
يا عاذلى في حبها لو حمتها ... كنت السمير بها فهل من تارك
أو لو نظرت أخى لطيف خيالها ... ما لمت حبى في هواها الفاتك
جاءت تزور فقلت ها نفسى فدا ... أما القليب فإنه في عارك
قالت فإنى لا أبقى لحظة ... حتى تصير لنا وحيد ممالك
واها عليها ليتها جاءت على ... صب لها لو باللسان الماسك
إذ من لسان أطرب الأحشا بها ... قولى فهل من عودة لهلالك
حتى إذا استشعرت قطع وصالها ... أسعى أقول وكيف لى بخيالك
لا يطلع البدر المنير بليله ... حتى يقول ليس ذا بالتارك
كلا ولا شرقت شموس في الهوى ... إلا وقد ظفرت بلثم نعالك
والصبح ما أهدى وحار ضياءه ... إلا بذوق من سنا إعطائك
حل السقام بمهجتى فأتى لها ... شوقى يسألها بقوله مالك
قالت له هذا اللهيب أضر بى ... فأجابها إذ قال إنى نارك
لا تسدلى هجرا بزائر منظر ... حاشاك تبديه لصب جارك
منك استمد العاشقون فأصبحوا ... سكرى فلا يدرون ذا من ذلك
حتى غدت أجفانهم مَلأَى بما ... دمع من الشوق المذيب الضانك
أبدانهم ممزوجة بسقامها ... لا تستريح سوى بوصل المالك
الناسك بن الناسك بن الناسك بـ ... ـن الناسك بن الناسك بن الناسك
أعنى الشريف اللوذعى المنتقى ... بدر الهنا نجل بن عبد المالك
стр. 663
شمسا عيون تقشعر بنورها ... أو مثل بدر في كمال ضاحك
إن رمت ساحته يخاطب جهرة ... أهلا أنا المهدى فهل من دارك
مجدا أصيلا حازه بوراثة ... عن قاسم عن نافع عن مالك
مكناسة بعلائه ونواله ... وكماله في رخو عيش سامك
منه ازدهت منه اقتنت كل الولا ... منه اقتنت عليا كمال بارك
وافى كصبح ناسخ بضيائه ... ما هم من شر شديد شائك
وافى بآداب بحر ذيوله ... حتى محا بالحلم سفك السافك
هد المظالم أسس التقوى بما ... يرضى الإله فيا له من سالك
من طيبه الأذكى كذاك بخلقه ... أسدى الهدى للهائم المتمالك
فالله يحفظه ويكلاه بما ... يسلبه الدارين سلو تدارك
ما أعذو ذبت شمس العشى بلونها ... الأبهى المجدد ذكر عهدها لك
ما سبح الأطيار فوق غصونها ... سحرا وصبحا للكريم المالك
إلا وتهدينى شميم نداكم ... يسمو سمو النور فوق الحالك
وقوله مادحا الباشا عبد الله بن أحمد:
ما ترتجيه من الإقبال والإرب ... وافاك مرتقيا في أبهج الرتب
والوصل دان وشمل الود مجتمع ... والسعد ينبئنا بأنفس القرب
هذا أوان اللقا هذا أوان الرضا ... هذا أوان الهنا فانهض إلى الطرب
وهذه نفحات الخير لائحة ... فقر عينا وطب نفسا وطب وطب
واعلم بأنك قد حللت ساحة من ... سادت مآثره بالعلم والأدب
стр. 664
وقد أنخت بباب من مناقبه ... قد طرزت بحلاها سائر الكتب
وقد أتيت إلى من نور طلعته ... فيه الهدى والندى يصب كالسحب
عبد الإله الذى تنجى محبته ... من حادث الدهر والأسواء والنوب
إلى أن قال:
بالأنجم الزهر قد حفت مجالسه ... والخيرين وأهل العلم والنسب
ناهيك من شرف حازت ومن ظرف ... ضمت ومن كرم ضخم ومن حسب
فليهن فاس حلول الألمعى بها ... فالآن قد أمنت حقا من العطب
كما به أمنت مكناسة وسمت ... وبلغت كل ما ترجوه من طلب
يا سيدًا شرفت أخلاقه وزكت ... أفعاله من بالإقبال واستجب
ها وفد مكانسة قد جاء مرتجيا ... منك الرضا ولذاك خير مرتقب
فامنحهم منك ما شاءوا وما طلبوا ... وجد بعطف سريع منك منسكب
لا زلت في عزة تسمو وعافية ... في النفس والأهل والإخوان والعقب
وقوله فيه أيضا:
بدرية سلبت حشى وقلوبا ... ببديعها وأنالت المرغوبا
جاءت تميس من الدلال فصاحة ... من حسنها راح الفؤاد سليبا
إلى أن قال:
شمس الأئمة والذى آلاؤه ... قد عمرت للقاصدين جيوبا
عبد الإله وحجة الله الذى ... شرفت مآثره وفاحت طيبا
بدر البدور وجنة الدنيا التي ... عمت بخير قاصيا وقريبا
стр. 665
والنعمة العظمى التي قد حببت ... في المكرمات وأهلها تحبيبا
ما من أديب قد تأثل مجده ... إلا ومن نعماه كان أديبا
فإذا أردت مديحه لاقاك إسـ ... ـعاد يكون ملبيا ومجيبا
وإذا أتاه الطالبون لحاجة ... نظروا الغنا والسعد والترحيبا
كل القلوب تحبه وتحب أن ... تلقى محياه الرضى المحبوبا
يا من بعزته وعطفة مجده ... نلنا الأمانى مشهدًا ومغيبا
وصلت هديتك السنية بالذى ... سلا وطيب نفسنا تطييبا
نلنا بها آمالنا في محفل ... قد رتبت أقماره ترتيبا
جمع المكارم والدهاء فلا ترى ... إلا إمامًا فاضلا وأريبا
جمع الأئمة والنجوم وكلهم ... يحلو بأسرار العلوم كروبا
وسراجنا من بيننا العلامة الـ ... ـمختار إكليل ينير قلوبا
فتراه في أحيانه متفرغا ... للمكرمات مبادرا منسوبا
وترى مجالسه على طول المدى ... مثل الثريا صوبت تصويبا
أرواح سيرته الحميدة كل آ ... ن بالوداد لنا تهب هبوبا
لا زال مجدكم ومجد علاكم ... بسلامة وسعادة مصحوبا
في النفس والأولاد والإخوا ... ن والأزواج مع من أحرر التقريبا
وقوله مادحا قاضى الحضرة المكناسية أبا العباس بن سودة المترجم آنفا:
جاء وصل الرضى ووفى وعوده ... في ابتهاج أبقى الإله وجوده
واستبانت فواتح من سعود ... عمت الكون غوره ونجوده
стр. 666
ألبستنا من السرور برودا ... يا هناء الذى كسته بروده
مثل ما قد كسا حبور قدوم ... للهمام الرضى الأجل ابن سوده
بحر علم يموج فهما وحفظا ... وذكاء يبدى الفنون المفيده
في غير هذا:
وفاته: توفى في محرم الحرام فاتح عام عشرة وثلاثمائة وألف بمحروسة فاس.
١١٤ - التهامى بن الطيب أمغار المكناسى الأصل والإقبار .
حاله: فقيه علامة مدرس متقن أديب فاضل شاعر بليغ، نفاع لوذعى، لبيب ضابط، ملازم للصمت، كثير الحياء.
مشيخته: أخذ عن السيد الغارى بن الحاج العربى بن عبود، وسيدى محمد ابن الحسن الوكيلى الشريف وغيرهما.
الأخذون عنه: منهم السيد محمد -فتحا- بن محمد بصرى صاحب الثبت المعنون بإتحاف أهل الهداية والتوفيق والسداد، وناهيك به وغيره.
شعره: من ذلك قوله من مقصورة تقصر عن الإتيان بمثلها نبغاء فحول الأقران وقد قدمناها بتمامها فيما نقلناه فيما قيل في مدح مكناسة:
لله ما أبهى عمائر الحمى ... معالم الأنس مطالع المنى
معاهد ما برحت محفوفة ... بظل أمن من فردايس الهنا
وفاته: توفى صبيحة عيد الأضحى من عام ... (١) ومائة وألف.
стр. 667
١١٥ - التهامى أجانا المكناسى الأصل والدار .
حاله: فقيه وجيه علامة مدرس نبيه.
وفاته: كانت وفاته أواسط المائة الثالثة بعد الألف.
١١٦ - التهامى البورى نسبا الدرعى منشأ .
حاله: علامة مشارك متضلع نحرير فاضل ناسك مدرس نفاع محرر ضابط، حجة محقق خطيب مصقع بليغ.
تولى القضاء بمكناسة الزيتون فحمدت سيرته، وقفت على رسم مسجل عليه بتاريخ سابع عشرى ربيع الثانى علم ثلاثة وثلاثين ومائتين وألف وآخر بمهل ربيع الأول عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف، وآخر بتاريخ سادس عشر رجب عام ثمانية وعشرين ومائتين وألف، محلى بالفقيه الأجل، العالم العلامة الأفضل، الصدر النحرير الأكمل، القدوة والبركة الأحفل، الحافظ الحجة الأعدل قاضى هذه الحضرة السلطانية الهاشمية مدينة مكناسة الزيتون وخطيب مسجدها الأعظم وهو التهامى بن حم البورى وتولى أيضا قضاء مدينة صفرو.
مشيخته: أخذ عن الشيخ الطيب بن كيران والشيخ حمدون بن الحاج والشيخ أبى عبد الله الزروالى والشيخ أبى عبد الله بن منصور وغيرهم.
مؤلفاته: منها شرح أرجوزة شيخه ابن كيران في الاستعارات وعليه إقبال الطلبة الآن وبه يقرءون النظم المذكور.
وفاته: توفى بمحروسة فاس سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف، ودفن بروضة العلماء شيوخه متصلا قبره بقبر شيخه ابن منصور عند رجل شيخهما معا سيدى الطيب رحم الله الجميع.
стр. 668
١١٧ - التهامى بن عبد القادر المركشى المدعو بابن الحداد المكناسى النشأة والدار والإقبار .
حاله فقيه أستاذ مجود علام بقراءة السبع انتخبه السلطان المولى الحسن لتأديب إخوته بالحضرة المكناسية ثم رشحه لتأديب أولاده ووجهه معهم لبلاد أحمر بالقصبة الإسماعلية، ثم عينه السلطان المولى عبد العزيز لتعليم شقيقه الخليفة السلطانى الحالى بفاس سيدى محمد المهدى، فاستوطن فاسا لذلك مدة أعوام ثم رشحه السلطان المولى عبد الحفيظ لقضاء فاس الجديد إلى أن أعفى منه بطلب منه، وقلما باشر الأحكام بنفسه، وإنما كان له نائب وهو العلامة السيد محمد بن عبد القادر بن سودة يباشر الأحكام غالبا ويخاطب على الرسوم، ورحل إلى حج بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام وذلك عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف، ودخل مصر وجرت له من ابن عمنا وشيخنا قاضى مكناسة الحالى العلامة ابن العباس بن المأمون البلغيثى قضايا عجيبة في هذه الرحلة، منها أنه أى المترجم ندبه إلى زيارة أبى طالب وأكثر الإلحاح في ذلك فقال له إنى لا أزور كافرًا فأجابه بأن الإجماع منعقد على إيمان أبى طالب، وإنما الخلاف في أبى لهب.
ومنها أنه ذهب لدار أبى سفيان فلما دخلها ابتهج ابتهاجا زائدًا وصار يقول اللهم لك الحمد اللهم لك الحمد فقيل له في ذلك فقال لأنا آمنا لأن النبى ﷺ قال من دخل دار أبى سفيان فهو آمن وقد هجاه شيخنا المذكور بقصائد وقطع من ذلك قوله:
رمانى ابن حداد بجهل ديانتى ... بمحفل علم بين قوم أفاضل
فلما استبين الفدم عن وجه جهلها ... بدا أنه غمر وأجهل جاهل
عجبت ولكن لا تعجب من فتى ... يرى العلم جهلا والبذا في الأفاضل
стр. 669
إلى أن قال:
فإن عدت نحوى يا قمامة كانس ... بفرية كذاب على جنب كامل
نعد عودة أخرى بنعل عددتها ... لقمعك تبقى نشدة في القبائل
وإن تبت من إيذاء جانب أحمد ... نزلت بربع آهل غير ماحل
فود ذوى القربى سعادة مهتد ... وبغض ذوى القربى شقاوة خامل
ثم بعد تاب المترجم وأناب وشد الرحلة لشيخنا بالدار البيضاء مدة توليته خطة القضاء بها وقبل قدميه وطلب منه السماح فيما صدر منه في جانبه وذلك شأن الكرام المهتدين فعفا وصفح ثم في صدر دولة سلطاننا الأعظم المولى يوسف أبد الله نصره وزين بمزيد الترقيات عصره رجع المترجم لمسقط رأسه مكناسة الزيتون ولم يزل بها إلى أن ختمت فيها أنفاسه ﵀.
مشيخته: أخذ عن المفضلين ابن عزور والسوسى، ومولانا عبد الله الكامل الأمرانى، وربما كان السارد بين يديه والشيخ ماء العينين، والفقيه الحاج محمد جنون مختصر الرهونى، وسيدى محمد بن التهامى الورانى، وشيخنا سيدى محمد القادرى، وغيرهم من عظماء شيوخ فاس ومكناس.
وسمع من أبى عبد الله محمد الوادنونى المسلسل بالأولية عام ثلاثة وعشرين وثلاثمائة وألف ومن أبى جيدة الفاسى المسلسل بالقراء بوضع اليد على الرأس عند قراءة آخر سورة الحشر عام سبعة عشر وثلاثمائة وألف.
الآخذون عنه: أخذ عنه السلطان السابق المولى عبد الحفيظ وقد ذكره في نظم مغنى اللبيب بقوله:
كشيخنا طود العلوم الراسى ... بحر الهدى التهامى المكناسى
стр. 670
والعلامة السيد محمد السوسى، وسيدى مشيش بن المختار الشبيهى نقيب الأشراف والفقيه الأستاذ السيد محمد -فتحا- بن العربى بن شمسى، والفقيه العدل مولاى على بن الشاد الأمرانى وعم مولانا المنصور مولاى بو بكر بن السلطان سيدى محمد، ومولاى الكبير صنو مولانا المؤيد المنصور وغيرهم.
مؤلفاته: له شرح على نظم المولى عبد الحفيظ السلطان السابق في علم القضاء الموسوم بالياقوتة في جزأين وكان يستعين في تأليفه ببعض نجباء الطلبة المكناسيين وغيرهم، وعهدى بهذا الشرح في الخزانة الحفيظية، وشرح على مولد شيخنا ابن جعفر الكتانى إلا أنه لم يكمل، وقد لعبت به بعد موته أيدى التلف والتأليف في الجهاد إلا أنه أصبح في خبر كان.
وفاته: توفى ﵀ يوم الاثنين في آخر يوم من شعبان عام ستة وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بضريح سيدى بوطيب.
لطيفة: من عجيب الاتفاق أنه في ذلك اليوم عزل قاض وولى قاض ومات قاض والكل بمدينة مكناس فالمعزول هو شيخنا ابن عبد السلام الطاهرى، والمتولى هو القاضى أبو العباس عواد السلاوى نظرًا لكونه أسلم مباشرة الأعمال في ذلك اليوم وإن كان حلوله بمكناسة كان يوم الأحد، والمتوفى هو المترجم باعتبار تقدم قضائه بفاس.
* * *