← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ألبستنا من السرور برودا ... يا هناء الذى كسته بروده مثل ما قد كسا حبور قدوم ... للهمام الرضى الأجل ابن سوده بحر علم يموج فهما وحفظا ... وذكاء يبدى الفنون المفيده في غير هذا: وفاته: توفى في محرم الحرام فاتح عام عشرة وثلاثمائة وألف بمحروسة فاس. ١١٤ - التهامى بن الطيب أمغار المكناسى الأصل والإقبار . حاله: فقيه علامة مدرس متقن أديب فاضل شاعر بليغ، نفاع لوذعى، لبيب ضابط، ملازم للصمت، كثير الحياء. مشيخته: أخذ عن السيد الغارى بن الحاج العربى بن عبود، وسيدى محمد ابن الحسن الوكيلى الشريف وغيرهما. الأخذون عنه: منهم السيد محمد -فتحا- بن محمد بصرى صاحب الثبت المعنون بإتحاف أهل الهداية والتوفيق والسداد، وناهيك به وغيره. شعره: من ذلك قوله من مقصورة تقصر عن الإتيان بمثلها نبغاء فحول الأقران وقد قدمناها بتمامها فيما نقلناه فيما قيل في مدح مكناسة: لله ما أبهى عمائر الحمى ... معالم الأنس مطالع المنى معاهد ما برحت محفوفة ... بظل أمن من فردايس الهنا وفاته: توفى صبيحة عيد الأضحى من عام ... (١) ومائة وألف.

стр. 667

١١٥ - التهامى أجانا المكناسى الأصل والدار . حاله: فقيه وجيه علامة مدرس نبيه. وفاته: كانت وفاته أواسط المائة الثالثة بعد الألف. ١١٦ - التهامى البورى نسبا الدرعى منشأ . حاله: علامة مشارك متضلع نحرير فاضل ناسك مدرس نفاع محرر ضابط، حجة محقق خطيب مصقع بليغ. تولى القضاء بمكناسة الزيتون فحمدت سيرته، وقفت على رسم مسجل عليه بتاريخ سابع عشرى ربيع الثانى علم ثلاثة وثلاثين ومائتين وألف وآخر بمهل ربيع الأول عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف، وآخر بتاريخ سادس عشر رجب عام ثمانية وعشرين ومائتين وألف، محلى بالفقيه الأجل، العالم العلامة الأفضل، الصدر النحرير الأكمل، القدوة والبركة الأحفل، الحافظ الحجة الأعدل قاضى هذه الحضرة السلطانية الهاشمية مدينة مكناسة الزيتون وخطيب مسجدها الأعظم وهو التهامى بن حم البورى وتولى أيضا قضاء مدينة صفرو. مشيخته: أخذ عن الشيخ الطيب بن كيران والشيخ حمدون بن الحاج والشيخ أبى عبد الله الزروالى والشيخ أبى عبد الله بن منصور وغيرهم. مؤلفاته: منها شرح أرجوزة شيخه ابن كيران في الاستعارات وعليه إقبال الطلبة الآن وبه يقرءون النظم المذكور. وفاته: توفى بمحروسة فاس سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف، ودفن بروضة العلماء شيوخه متصلا قبره بقبر شيخه ابن منصور عند رجل شيخهما معا سيدى الطيب رحم الله الجميع.

стр. 668

١١٧ - التهامى بن عبد القادر المركشى المدعو بابن الحداد المكناسى النشأة والدار والإقبار . حاله فقيه أستاذ مجود علام بقراءة السبع انتخبه السلطان المولى الحسن لتأديب إخوته بالحضرة المكناسية ثم رشحه لتأديب أولاده ووجهه معهم لبلاد أحمر بالقصبة الإسماعلية، ثم عينه السلطان المولى عبد العزيز لتعليم شقيقه الخليفة السلطانى الحالى بفاس سيدى محمد المهدى، فاستوطن فاسا لذلك مدة أعوام ثم رشحه السلطان المولى عبد الحفيظ لقضاء فاس الجديد إلى أن أعفى منه بطلب منه، وقلما باشر الأحكام بنفسه، وإنما كان له نائب وهو العلامة السيد محمد بن عبد القادر بن سودة يباشر الأحكام غالبا ويخاطب على الرسوم، ورحل إلى حج بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام وذلك عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف، ودخل مصر وجرت له من ابن عمنا وشيخنا قاضى مكناسة الحالى العلامة ابن العباس بن المأمون البلغيثى قضايا عجيبة في هذه الرحلة، منها أنه أى المترجم ندبه إلى زيارة أبى طالب وأكثر الإلحاح في ذلك فقال له إنى لا أزور كافرًا فأجابه بأن الإجماع منعقد على إيمان أبى طالب، وإنما الخلاف في أبى لهب. ومنها أنه ذهب لدار أبى سفيان فلما دخلها ابتهج ابتهاجا زائدًا وصار يقول اللهم لك الحمد اللهم لك الحمد فقيل له في ذلك فقال لأنا آمنا لأن النبى ﷺ قال من دخل دار أبى سفيان فهو آمن وقد هجاه شيخنا المذكور بقصائد وقطع من ذلك قوله: رمانى ابن حداد بجهل ديانتى ... بمحفل علم بين قوم أفاضل فلما استبين الفدم عن وجه جهلها ... بدا أنه غمر وأجهل جاهل عجبت ولكن لا تعجب من فتى ... يرى العلم جهلا والبذا في الأفاضل

стр. 669

إلى أن قال: فإن عدت نحوى يا قمامة كانس ... بفرية كذاب على جنب كامل نعد عودة أخرى بنعل عددتها ... لقمعك تبقى نشدة في القبائل وإن تبت من إيذاء جانب أحمد ... نزلت بربع آهل غير ماحل فود ذوى القربى سعادة مهتد ... وبغض ذوى القربى شقاوة خامل ثم بعد تاب المترجم وأناب وشد الرحلة لشيخنا بالدار البيضاء مدة توليته خطة القضاء بها وقبل قدميه وطلب منه السماح فيما صدر منه في جانبه وذلك شأن الكرام المهتدين فعفا وصفح ثم في صدر دولة سلطاننا الأعظم المولى يوسف أبد الله نصره وزين بمزيد الترقيات عصره رجع المترجم لمسقط رأسه مكناسة الزيتون ولم يزل بها إلى أن ختمت فيها أنفاسه ﵀. مشيخته: أخذ عن المفضلين ابن عزور والسوسى، ومولانا عبد الله الكامل الأمرانى، وربما كان السارد بين يديه والشيخ ماء العينين، والفقيه الحاج محمد جنون مختصر الرهونى، وسيدى محمد بن التهامى الورانى، وشيخنا سيدى محمد القادرى، وغيرهم من عظماء شيوخ فاس ومكناس. وسمع من أبى عبد الله محمد الوادنونى المسلسل بالأولية عام ثلاثة وعشرين وثلاثمائة وألف ومن أبى جيدة الفاسى المسلسل بالقراء بوضع اليد على الرأس عند قراءة آخر سورة الحشر عام سبعة عشر وثلاثمائة وألف. الآخذون عنه: أخذ عنه السلطان السابق المولى عبد الحفيظ وقد ذكره في نظم مغنى اللبيب بقوله: كشيخنا طود العلوم الراسى ... بحر الهدى التهامى المكناسى

стр. 670

والعلامة السيد محمد السوسى، وسيدى مشيش بن المختار الشبيهى نقيب الأشراف والفقيه الأستاذ السيد محمد -فتحا- بن العربى بن شمسى، والفقيه العدل مولاى على بن الشاد الأمرانى وعم مولانا المنصور مولاى بو بكر بن السلطان سيدى محمد، ومولاى الكبير صنو مولانا المؤيد المنصور وغيرهم. مؤلفاته: له شرح على نظم المولى عبد الحفيظ السلطان السابق في علم القضاء الموسوم بالياقوتة في جزأين وكان يستعين في تأليفه ببعض نجباء الطلبة المكناسيين وغيرهم، وعهدى بهذا الشرح في الخزانة الحفيظية، وشرح على مولد شيخنا ابن جعفر الكتانى إلا أنه لم يكمل، وقد لعبت به بعد موته أيدى التلف والتأليف في الجهاد إلا أنه أصبح في خبر كان. وفاته: توفى ﵀ يوم الاثنين في آخر يوم من شعبان عام ستة وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن بضريح سيدى بوطيب. لطيفة: من عجيب الاتفاق أنه في ذلك اليوم عزل قاض وولى قاض ومات قاض والكل بمدينة مكناس فالمعزول هو شيخنا ابن عبد السلام الطاهرى، والمتولى هو القاضى أبو العباس عواد السلاوى نظرًا لكونه أسلم مباشرة الأعمال في ذلك اليوم وإن كان حلوله بمكناسة كان يوم الأحد، والمتوفى هو المترجم باعتبار تقدم قضائه بفاس. * * *

стр. 671

(حرف الجيم) * * * ١١٨ - الجيلانى بن الهاشمى بن محمد بن الجيلانى بن محمد -فتحا - بن محمد بن الشيخ سيدى عبد الله الخياط دفين جبل زرهون. حاله: فقيه أستاذ عشرى ولى صالح، علم واضح، صاحب كرامات وعجائب، وكشوفات ومناقب. وفاته: توفى ﵀ سنة أربع وأربعين ومائتين وألف وضريحه عليه قبة قريب من ضريح جده بجبل ررهون أسفل منه بيسير عن يمين الطالع إليه. ١١٩ - الجيلانى بن حم البخارى المكناسى النشأة والدار . حاله: بطل شجاع عارف بالكر والفر ومكايد الحروب، ذو شيبة منورة وسمت حسن وهيبة ووقار ورياسة وكياسة وحدة زائدة وجد وحزم فقيه ماهر في فن الحساب والوقت والتعديل وأحكام النجوم والرياح والجفر والرمل والأوفاق وسر الحرف، وقد كان يدرس ذلك بمدرسة جامع الدار البيضاء من أجدال بالحضرة المكناسية. وكان خرج باهله من مكناسة زمن شبت نار الفق التي أضرمت آخر الدولة السليمانية ونزل وسط لصوص البرابر ولم يزل معهم إلى أن تم الأمر للسلطان مولاى عبد الرحمن وتمهدت له البلاد وطفئت نار الفتن البربرية واستقام الأمر، ثم رجع لمكناس بمن كان في معيته من أهله وذويه، وعرف به السلطان وبما له من المعلومات التي تفرد بإتقانها والمهارة فيها دون أبناء جنسه من معاصريه فعظم في عينيه وقابله بالترحيب والإجلال ونظمه في سلك خاصة حاشيته إلى أن أسند إليه

стр. 672

رياسة مشوره ولم يزل على وظيفه ذلك بقية دولة المولى عبد الرحمن وصدرا من دولة ولى عهده خلفه من بعده سيدى محمد، إلى أن رشحه لعمالة مراكش ثم رده لوظيفه رياسة المشور وتولى عاملا على الزراهنة ولا أحفظ تاريخ توليته عليهم. وبعد وفاة سيدى محمد ولاه ولده السلطان من بعده مولانا الحسن عاملا بفاس بعد قبضه على عاملها إدريس السراج وترحيله لمراكش في واقعة ابن المدنى بنيس الشهيرة، وذلك عام تسعين ومائتين وألف حسبما نشرحها بعد ثم نقله لطنجة عاملا بها عام واحد وتسعين، ولم يزل عاملا بها إلى أن نقله الله إليه، وبالجملة فقد تقلب في الوظائف العالية ما ينيف على الخمسين سنة. وفاته: توفى بطنجة عام خمسة وتسعين ومائتين وألف. ١٢٠ - الجيلانى المدعو القصعة البخارى المكناسى . حاله: كان في أول أمره شرطيا مستخدما في جملة الجيوش السلطانية مدة مديدة إلى أن جذبه الله إليه وكان مكاشفا بالمغيبات تواتر عنه ذلك على ألسنة أهل العدل والدين وغيرهم يلبس صيفا وشتاء نحو العشرين جلابة لا يفتر من إيقاد النار آناء الليل وأطراف النهار في سائر فصول السنة يخاطب كل الناس بقوله: أعز -بفتح الهمزة والعين وتفخيم الزاى تفخيما، تكاد تنقلب معه ميما. وكان يحب كل الرءوس المشوية حبا شديدا، ولما قرب أجله نقله محتسب الوقت وهو الحاج محمد ابن العربى أجانا لداره فمكث عنده ثلاثة أيام ولبى داعى مولاه. وفاته: توفى يوم الجمعة ثالث عشر قعدة الحرام عام أربعة وثلاثمائة وألف، ودفن بعد صلاة الجمعة من يومه بمحله الذى كان به قبل بروى مزيل، وكانت

стр. 673

لجنازته رنة عظيمة لم يتخلف عنها أحد من الوجهاء والأعيان ولفيف الناس، وكان الذى تولى الصلاة عليه هو نقيب الأدراسة الفقيه سيدى المختار الشبيهى، والذى تولى وضعه في قبره هو عمنا الفقيه مولاى عبد القادر رحم الله الجميع. ١٢١ - الجيلانى بن عزوز الرحالى من ذرية الشيخ أبى محمد رحال الكوش دفين زمران . حاله: كان رحالا جوالا بحاثا عن الصالحين وأهل المقامات والأسرار وقورا مهابا ملحوظا بعين الإجلال والإكبار عند الخاص والعام، فقيها نزيها، قدوة مرجوعا إليه في العلوم الفلكية ومتعلقاتها من تسطير الرخامات وغير ذلك، وله معرفة تامة بعلم الأسماء والأوفاق وسر الحرف وله إلمام بالنحو والفقه كثير الأذكار لا ينام الليل قط، كثير التهجد، ألوف للغرباء كثير البذل والمعروف لهم غريب الأحوال مسموع الكلمة عند رجال الدولة ذو همة عالية، ونفس آبية. أخبرنى من وثقت بخبره ممن كان يركن إليه ويسارره أنه لقيه ذات يوم خارجا من المسجد فأخرج له من تحته سبيكة ذهب وقال له: من يكون له علم بصنع هذا، كيف يطمع في أغنياء الوقت؟. ومما هو معروف بالاستقرار من حاله أنه كان مهما وجد امرأة أو رجلا يبيع رملا أو بقلا أو غير ذلك مما هو من هذا القبيل يبادر لشراء ذلك منهم بأجمعه بما يطلبونه فيه من الثمن، ولم يكن له فيه أرَب، ويقول مثل هؤلاء ما حملهم على تعاطى هذا السبب الدنى عند الناس إلا الحاجة وعلو الهمة عن السؤال فهم أولى بالصدقة من غيرهم يعنى والصدقة الخفية هى المقصودة من شراء ذلك منهم. وكان يلزم الأغنياء الإحسان إلى الضعفاء فيعطونهم وهم كارهون ولا يعصون له أمرا خصيصة خصه الله بها.

стр. 674

وكان يشترى أمعاء الشاه ويطعمها الكلاب، حيث إن في كل ذى كبد رطبة صدقة، وكان يلبس الثياب الرفيعة الغالية الثمن تارة والخشن الذى لا يلبسه إلا أهل الكد والفلاحين، ويقول لمن رأى من حاله الإنكار عليه: تبدوا واخشوشنوا فإن الرفاهية لا تدوم، وهو حديث نبوى أخرجه أبو الشيخ في السنن وابن شاهين في الصحابة، والطبرانى في الكنى، وعنه أبو نعيم في المعرفة عن القعقاع بن أبى حدرد مرفوعا: "تمعددوا واخشوشنوا واحلولقوا وانتضلوا وامشوا حفاة" ورواه أبو الشيخ والطبرانى في الكبير عن عبد الله بن أبى حدرد مرفوعا وأبو الشيخ عن أبى هريرة والرامهرمزى في الأمثال عن رجل من أسلم، وأبو حفص العكبرى عن بلال بن أبى حدرد. قال الحافظ السيوطى في الجامع الكبير: الحديث مرسل لأن القعقاع لا صحبة له وفيه عبد الله بن سعيد ضعيف بمرة. انتهى. ونحوه قول السخاوى مداره على عبد الله بن سعيد، وهو ضعيف. ومن عجيب أخباره أيضا ما شافهى به الفقيه القاضى أبو العباس أحمد بن يوسف الناصرى وكان من أخص الناس به أن الفقيه السيد العباس الصريدى وكان ممن شارك المترجم في مصاهرة الباشا عبد الله بن أحمد، كان ملازما لذكر بعض الأسماء فبينما هو كذلك ذات يوم وقف جنى أمامه على بعد فأفزعه ذلك باطنا وصار هذا عمل الجنى معه في أوقات الذكر إلا أنه في كل يوم يزداد منه قربا فتحصن الصريدى منه بإدارة الكتب التي عنده بنفسه فلم تغن عنه شيئا وصار الجنى إذا قرب منه نفخ في وجهه فيسقط بعض شعر لحيته فاشتد على الصريدى الأمر في ذلك فذهب لصاحب الترجمة وشكا له ذلك فأمره أن يرجع لمحله وأن يوجه له آنية، ففعل فكتب له في الآنية وأمره بمحوها وأنه إذا حضر الجنى فليملأ فاه من مائها وليمجه أمام الجنى فلما فعل ذلك صار الجنى يضمحل قدامه إلى أن فنى بالكلية واستراح منه الصريدى المذكور.

стр. 675

مشيخته: أخذ عن تاضى مكناسة السيد العباس بن كيران، وعن السيد محمد بن الطاهر الأحبابى الفاسى بفاس، والسيد محمد الجنان الفاسى والطريقة المختارية عن أبى عبد الله محمد بن أحمد بن دح الأزمورى وغير هؤلاء وكان يلقن أورادها. الآخذون عنه: منهم السيد عبد الله الأحبابى موقت القرويين الحالى وأخوه السيد محمد الموقت سابقا بالقرويين أيضا وسيدى السعيدى المنونى الذى تولى خطة التوقيت بعده بالمسجد الأعظم من حاضرتنا المكناسية وخلق. وفاته: توفى في ربيع النبوى عام تسعة وثلاثمائة وألف ودفن بالزاوية الكنتية بمحروسة مكناس. ١٢٢ - الجيلانى بن الباشا حَمُّ بن الجيلانى البخارى المكناسى الأصل والنشأة، والدار والإقبار . حاله: فقيه نجيب دراكة، كاتب أريب لبيب، له إلمام بالفقه والنحو والتصريف والمنطق متجرد من لباس الدعوى منصف بالإنصاف لمن دونه فضلا عمن هو أعلم منه. وحل لطلب العلم بمحروسة فاس وجد واجتهد في تلقيه من فحوله العظام ثم آب لمسقط رأسه بعد تحصيله ما قسم له، ثم تولى خليفة عند ابن أخيه الباشا صالح بن بنعيسى صدر الدولة الحفيظية. مشيخته: أخذ عن شيخنا ابن عبد السلام الطاهرى وشيخنا محمد القصرى والمفضل السوسى والطاهر بوحدو، والسيد التهامى المدعو الحداد، وابن التهامى الوزانى، وقاضى فاس الحالى السيد محمد بن رشيد العراقى، وشيخنا أبى العباس

стр. 676

[صورة] جلالة السلطان المقدس مولاى الحسن

стр. 677

ابن الجيلانى، وشيخنا أبى العباس بن الخياط، وشيخنا الحاج المختار بن عبد الله، وشيخنا أبى عيسى المهدى الوزانى المتوفى متم صفر عام اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف بفاس، وغيرهم. وفاته: توفى فجأة بعد العشاء الثامن عشر من ربيع الأول عام واحد وأربعين وثلاثمائة وألف ودفن بمقبرتهم بسيدى الورزيغى. * * *

стр. 678

حرف الحاء * * * ١٢٣ - الحسن السلطان أبو على بن السلطان سيدى محمد بن السلطان مولاى عبد الرحمن بن السلطان مولاى هشام بن السلطان سيدى محمد بن السلطان مولاى عبد الله بن فخر السلاطين وجد عظام الملوك مولانا إسماعيل بن الشريف الحسنى الينبوعى السجلماسى. دفين مكناسة الزيتون. حاله: نشأ نشأة حسنة في حجر جده السلطان أبى زيد عبد الرحمن بن هشام وكان له بتأديبه وتهذيبه وتدريبه اهتمام واعتناء زائد، وكان يحبه محبة شديدة، ويختار لتعليمه جلة الأساتذة وفضلاء الأعلام، ولما شب وظهرت منه لجده مخايل النجابة والفلاح وجهه للقراءة ببلاد أحمر الشهيرة بأحواز مراكش، إبعادا له عن الاشتغال بالمألوفات عن تحصيل العلوم حسبما يستفاد من ظهير أصدره المولى عبد الرحمن جد المترجم لولده سيدى محمد ودونك لفظه: "الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه، عبد الرحمن بن هشام الله وليه، ولدنا الأبر الأرضى، سيدى محمد أصلحك الله ورضى عنك وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فإن الطالب محمد ابن عبد الواحد بن سودة طلب التوجه لصلة رحمه فأذنا له في ذلك فادفع له خمسين مثقالا من زكاة أهل فاس، وذكر أنه يقيم بداره هذه الأشهر الثلاثة حتى يصوم رمضان ويعيد بها، فإذا مضت أيام العيد فوجهه والسلام في ٢٤ جمادى الأخيرة عام ١٢٧٢. ومنه فإن سيدى حسن أصلحه الله أراد القراءة ولم نجد له فقيها فقد عرضنا ذلك على كل من هنا من طلبة مراكش فلم يرد أحد الذهاب لأحمر، وكتبنا لك

стр. 679

بذلك فلعلك لم تجد من يقبل ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنه ظهرت فيه قريحة ومولع بقراءة الأمهات المختصر وغيره، فلا بد انظر وابحث عسى أن تجد من يصلح لذلك مادام الغصن رطبا فإن تعلم الصغر كالنقش في الحجر صح". وذلك بعد مكثه مدة بدار خاله الوزير الصدر السيد العربى الجامعى ليكتسب اطلاعا على ما لم يطلع عليه غيره من أفراد العائلة الملوكية المقصورين على المكث بالدار العلية. ومن اعتنائه به أن ضم إليه جماعة من كبراء السن من الخدام المطلعين على سير الملوك الذين أدركوا عصرهم وأمرهم بأن يكونوا يحدثونه بما شاهدوه وحفظوه من ذلك، فكانوا يجدون منه الرغبة الحارة في الاطلاع على ما عندهم من الأنباء زيادة على ما كانت تتوق إليه همته من تحصيل العلوم الدينية والأدبية والرياضية والاجتهاد في لقاء من له مهارة في العلوم وخصوصا أرباب العلوم الرياضية. وجمع شتات المؤلفات من سائر الفنون حتى خصص جماعة وافرة من مهرة النساخين المتقنين، ولما جلس على أريكة الملك ازداد شغفه وولوعه بذلك، ولم يزل عمله مسترسلا على ذلك في عواصم المغرب مدة حياته فرفع بهذا العمل المفيد للعلم راية وأفاد المعارف خدمة جليلة. ثم لما توفى جده المذكور وبويع لوالده ازدادت عنايته به ومثابرته على تعليمه ما يستحق به أن يكون أولى بنيه بولاية عهده، إلى أن ظهرت عليه ملامح النجابة والقيام بالمأمورية فاصطفى له من أعيان نبهاء الدولة وساستها ومهرة العلماء وقاداتها وعقد له على راية من صناديد الجيش الذين حنكتهم التجارب وتدربوا على الكر والفر ووجهه لقبائل الجبال من بربر نتيفة ومن جاروهم وكان على شاكلتهم من الانحراف عن الجادة، ولعرب السهل والسراغنة وبنى مسكين لما كان حصل في نظامهم من الثلم والخلل، وذلك عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف.

стр. 680

فقام بمأموريته أتم قيام وبرهن على نجدته وحسن إرادته وصدق فراسة والده فيه وأصلح ما كان اختل من النظام وبث روح الطاعة والخضوع لسطوة المخزن في قلوب تلك القبائل الشاردة، ورجع منصور الراية وهو إذ ذاك يسحب ذيول مطارف الشباب في سن يقضى عادة باستحالة ولوج ذلك الباب. ولما قرت عين والده بأوبته ظافرا مصحوبا بسوابغ الآلاء والنعم واتضح له صدق فراسته فيه أخذ يدبر في عقد راية أخرى له أوفر من الأولى تنشيطا له وإظهارًا لترقيه، واعترفا بكفاءته، فعقد له عام ثمانين ومائتين وألف على جيش بقصد تمهيد قبائل قطر سوس الأقصى، وسياسة من دنا من تلك القبائل ومن استقصى، واختار له من صالحى العمال ومخلصيهم من يصلح لرفقته ويليق بديوانه، ومن العلماء صادق اللهجة والمقال العلامة أبا الحسن على المسفيوى، والنحوى البارع لطيف المذاكرة والمنادمة والمسامرة السيد محمد بن عزوز الرباطى، واستوزر معه الفقيه الكاتب الهين اللين المهذب السيد محمد بن دانى، ووجهه للقطر المذكور فتوجه والعناية تقدمه، والسعادة تخدمه إلى أن بلغ أقصى سوس ودوخ قبائله التي مضى عليها زمن طويل وهى معطلة من حلى طاعة الأمراء والسلاطين وأظهر من السياسة والدَّهَاء واللياقة ما سد عنه أبواب العتاب، ووحد وجهة والده إلى إيثاره بولاية عهده رغما على كل وسيلة كان يتوسل بها غيره إلى نيل تلك الولاية. وكان في حركته تلك بلغ وادى ماسة بل جاوزه ثم ثنى عنان عزمه لباقى بلاد سوس مثل هشتوكة وهوارة وراس الوادى فدوخها ومهدها، واستخلص واجب بيت المال المرتب في ذممهم. ثم ولى وجهه إلى الحضرة المراكشية ومر في طريقه على عمه المولى عبد القادر الذى كان مخيما بوادى القيهرة لاستخلاص ما توفر بذمم مزوضة ودويران وسكساوة ونتيفة ومتوكة وأولاد أبى السباع.

стр. 681

ولما وصل أرجاء الحضرة المراكشية أمر والده الجيوش والأعيان للخروج لملاقاته، وكان يوم دخوله من الأيام المشهودة، وكانت مدة غيبته في هذه الحركة عشرة أشهر. وبعد مقدمه بأيام قلائل نهض والده من مراكش ووجهته الديار الغربية لتفقد أحوال الرعية بها، فاستخلف المترجم بالعاصمة المراكشية فكان في ذلك إعطاء القوس باريها، وأبان صاحب الترجمة في ولايته عن كفاءته وحسن تدبيره وقيامه بالإدارة فيما أسند إليه النظر فيه من أمور النواحى الحورية، وربما كان يقابله بالشدة في موضع اللين والإعراض في محل الإقبال، إيقاظا له وإنهاضا لهمته وعروجا به عن الوقوف دون ما يراد به، وربما كان يعاتبه أشد عتاب ولسان حاله يقول: أدعو عليك وقلبى ... يقول يارب لا لا وكان عامل حاجة ولد أبهى ظهر له من السلطان سيدى محمد قبول وإقبال حمله على التصريح بأنه المعتمد في تلك الجهات الحوزية، وأنه لا دخول له تحت ولاية وخلافة المترجم، فكان من قدر الله أن قامت عليه إيالته، ومدت يد النهب والتخريب إلى داره حتى اضطر إلى الاستنجاد بصاحب الترجمة فأنجده حتى أفلت، وقدم على السلطان سيدى محمد لفاس وجعل يلوح إلى أن ما حل به هو بتدبير المترجم، فلم يلق السلطان إليه بالا لتمكن مكانة ولده لديه، بل وجه العامل المذكور مستخدما في حنطة أصحاب الفراش المعينين لصاحب الترجمة. وكان باشا مراكش القائد أحمد بن داود يستشعر من الأثرة والثقة لدى السلطان ما أداه إلى عدم المبالاة بالخليفة المترجم، فقضى الله عليه، أن خرج عنه أهل مراكش وهمّوا بقتله ونهب داره، ونصبوا أحد أولاد ابن عامر بمحله فقام المترجم بنصرته والذب عن نفسه وداره.

стр. 682

فكتب ابن داود إلى السلطان بما يفتضى إغراء صاحب الترجمة لأهل مراكش على ما فعلوه فقابل وشايته بالرد وفند زعمه وبرأ ساحة ولده المترجم من تلك الوصمة، ونهض من فاس إلى مراكش مصممًا على تأديب أهل مراكش وأخذ ثأر العامل منهم، ولما حل بمراكش عزم على تنفيذ ما هم به لهم فوقعت الشفاعة فيهم فقبلها على استثناء أفراد ممن قاموا بتلك الثورة. وبعد مدة يسيرة أنهض ولده المترجم للحركة إلى البلاد السوسية ليستوفى ما وظف على أهلها من الأموال، واستوزر له الفقيه أبا عبد الله محمد المفضل غريط الذى صار صدرًا أعظم في الدولة العزيزية. ثم في السادس والعشرين من ذى الحجة عام ثلاثة وثمانين ومائتين وألف عقد له راية متسعة الأكناف ووجهه لبلاد تادلة وجوارها من قبيلة الشاوية، ووالده إذ ذاك مقيم بالديار الغربية. ولما دوخ المترجم تلك النواحى وساسها وأسس نظامها وحسن أحوالها، أوقع القبض على القائد أحمد الفكاك أحد قواد الشاوية وخليفته أخيه زويويل لسوء سيرته واضطراب أمره واختلاطه، وولى مكانه القائد محمد بن العربى المعروفى، ولم يزل مقيما بدار الفكاك المذكور حتى لحق به والده السلطان بها، ثم نهضا معا وكل بمحلته إلى أن وصلا للحضرة المراكشية وذلك بعد استقامة كل معوج من الرعية في تلك الطريق، وصلحت الأحوال واستخلص الواجب المعين كما يجب. ولما جاوز الركاب السلطانى بلاد تادلا بدا له أن يولى عمالة مراكش خديمه الطالب أحمد بن داود فوجه له عقد ولايته قبل وصوله لتلك الحاضرة، وذلك بإشارة من حاجبه الناصح الضابط أبى عمران موسى بن أحمد، ورفيقه أبى محمد عبد السلام البقالى.

стр. 683

ولما حل السلطان بعاصمة مراكش وفرغ من مقابلة وفود التهنئة بسلامة القدوم، وانسلخ شهر رمضان، وانتهت حفلة إقامة سنة عيد الفطر، أمر جميع الواردين عَلَى عَلِى جنابه من العمال والقبائل وأعيان الرعية بالإقامة لحضور وليمة عرس فلذة كبده وقرة عينه وخليفته ولده المترجم، ثم أقام لذلك أفراحا وولائم أفيضت فيها أنواع الإكرام الضافية على سائر الطبقات، ووسع فيها على الأرامل والأيتام والضعفاء. وكان ابتداء الشروع في تلك الأفراح في واحد وعشرين من شوال عام أربعة وثمانين ومائتين وألف، وتفيأ بظلالها الظليلة جمع غفير من الأشراف والموالى، واندمجت أعراسهم في سلك متسع أكنافها، وزينت لاتخاذ تلك الولائم حدائق أجدال، وزينت بساتينه وفرشت بالزرابى المبثوثة، والنمارق المصفوفة، وأبيحت للدخول، فأتى الناس إليها أفواجا، ورتبت المراتب في الجلوس، وانضاف كل جنس إلى جنسه وامتدت أفراح تلك الوليمة سبعة أيام بلياليها. ثم في الخامس عشر من ربيع النبوى سنة تسع وثمانين ومائتين وألف عقد له والده على راية أخرى، وأمره بالتوجه لناحية قبائل تادلا والشاوية فنهض في اليوم المذكور وسار إلى أن خيم بالمحل المشهور بصخرة الدجاجة وأقام ثم نحوا من ستة أشهر. وبعد استيفاء الغرض المقصود من تلك المأمورية وتوطيد الأمن وحسم مادة البغى والعدوان بتلك الجهات، أمره والده بالنهوض واللحوق به بالمحل المعروف بطالع كرماط، ولما لحقت جنوده بجنود والده وقص عليه جميع ما راج في رحلته المذكورة سُرّ واستبشر، ودعا له بمزيد التوفيق والتسديد، وأمره بالتوجه للحضره المراكشية فسمع وأطاع، ونهض والسعادة تقدمه. واقتفى أثره والده فصار كلما رحل المترجم من محل نزل به والده إلى أن

стр. 684

نزل الجيشان على رأس الغابة بين قبائل زعير وأولاد محمد من الشاوية، ثم نهضا إلى المحل المعروف بالكيسان، ثم إلى محل تخييم المترجم أولا، وذلك ما قدمنا من تقدم المترجم في جنوده أمام والده. وفى يوم الجمعة ثالث جمادى الثانية من العام ثارت فتنة بين أهل مراكش وعاملهم أبى العباس بن داود المذكور، بسبب مد أصحابه يد العداء في بعض الخرازين، فقام الدباغون في وجه الشرطيين وكثر الهرج والمرج، واتقدت نيران الفتن بينهما واجتمع الغوغاء ومن في قلبه مرض من طاعة المخزن وانضم إلى صعاليك الدباغين، واجتمع الأعيان والعلماء وأهل المروءة والفضل للمفاوضة في كيفية التوصل لتسكين الهيعة وتطمين البلاد، وتخيروا وجه الخلاص ثم توجهوا بأجمعهم لأبواب القصور السلطانية لاستشارة من بالمنشية من العمال والخلائف لغيبة السلطان وخليفته المترجم، فاتفق رأيهم بعد أخْذِ وَرَدّ على أن تلك الفتنة لا تنحسم مادتها إلا بإلزام العامل المكث بقعر بيته وعدم العود للمداخلة في شئ من الأشياء إلى أن يقدم السلطان. ولما اتصل هذا الخبر بالأمير ساءه وأسره في نفسه وتمادى على ما هو بصدده من رتق ما انفتق من أمور الرعية وتأديب من يستحق التأديب ممن عتا وسعى في الأرض الفساد مثل بنى محمد وبنى زمور. ولما مهد البلاد، وكسر شوكة أهل العناد، نهضت المحلتان لدار ولد الراضى ثم للوادى المعروف بالزم ثم لعين القصب بابى جعد وخيمتا هنالك نحوا من خمسة عشر يوما، ثم رحلتا لقصبة تادلة بآيت الربع ثم للزيدانية ثم لبنى موسى ثم لوادى داى ثم دار بوزكرى العميرى فدار القائد الغزوانى ببنى موسى ثم لوادى العبيد فالدشرة فتاستاوت فالقاطر قرب أولاد محمد الصغير بالسراغنة فتملالت فزواية ابن ساسى بشاطئى وادى تنسيفت، وذلك يوم السبت متم شعبان العام

стр. 685

وهنالك خرج أهل مراكش بأشرافهم وأهل رواياهم وطوائفهم وصبيانهم بألواحهم متشفعين، وفى العفو عما أجرموه راغبين وتفرق الباقون من أهل مراكش في الحدائق والجنات المكتنفة بنهج مرور السلطان للمطارحة على وجه الصعيد أمامه طلبا لعفوه ورضاه. ثم إن بعض الأوباش ومن لا خلاق له تعرض للعامل المذكور وشهروا السلاح في وجهه ومنعوه من الخروج للقى السلطان، فاتصل بالسلطان ذلك الخبر فثار غضبه وتحفز للوثبة عليهم وأمر بالاستعداد لذلك، فلجأ القوم بأخبية العلامة مولاى العباس ليتدارك الأمر قبل إنتاجه، فانشال عن صهوة فرسه وقبل الأرض أمامه ولم يزل يستعطفه إلى أن سكن غضبه وعفا وصفح وسامح. ثم في ثامن عشر ربيع النبوى عام تسعين ومائتين وألف عقد لصاحب الترجمة على جيش عرمرم أكبر من الجيوش والرايات التي قبله، ووجهه لقبائل حاحة لرتق ما فتقوا وجمع ما فرقوا لهجومهم على عاملهم وهمهم بالإيقاع به حتى خلص ناجيا بنفسه وعياله، وهو إذ ذاك القائد محمد ولد الحاج عبد الله أبهى، وبقيت القبيلة المذكورة فوضى لا رئيس لها، ولم يزل المترجم يعالج أمرهم طبق ما تقتضيه الظروف من شدة ولين إلى أن انقادوا كلهم ودخلوا في سلك الطاعة أفواجا، كذا في البستان الجامع لكل نوع حسن. ثم إن السلطان عراه انحراف في مزاجه إلا أنه لم يمنعه من التحرك ومباشرة الأشغال، ثم إنه تناول أكل شئ من التين الرطب ولبن النوق فألم به بسبب ذلك ألم حاد، ألجأه إلى استعمال المسهل فلم ينجع، فكرره فأصابه خفقان مترادف وكان ذلك يوم الاثنين خامس عشر رجب عام تسعين، وبقى الألم بحاله ولكنه لم يمنعه عن الخروج ومباشرة الأشغال بنفسه، ولما كان زوال يوم الخميس دخل للغرفة المعدة للآلات التوقيتية فختمت بها أنفاسه.

стр. 686

ولما أنذر بذلك حاجبه موسى بن أحمد دخل عليه، ولما تيقن موته خرج كئيبا حزينا واستحضر أخاه العلاف الكبير السيد عبد الله بن أحمد، وخليفته السيد محمد الجامعى، والوزير الصدر إدريس بو عشرين، والسيد عبد السلام البقالى وأخبرهم بوفاة السلطان. فوقع اتفاقهم على جمع الكبراء والأعيان من الشرفاء والقواد للمذاكرة في مبايعة من يقوم بأمر المسلمين. ولما اجتمعت جموعهم بادر عامل الرحامنة المكين المكانة لدى السلطان المتوفى والمسمى عنده بشيخ العمال والمستشار لديه في مهمات الأمور، فصرح بمبايعة المترجم، وقال مسمعا لما استروح الخلاف: أنا أنصره على سكينى، ثم قام بعده عم المترجم وصهره العلامة مولانا العباس بن عبد الرحمن، وأبو عبد الله الجامعى المذكور مصرحين بما صرح به العامل المذكور، فلم يبق محل للنزاع وانعقدت البيعة لصاحب الترجمة وكان الذى تولى كتابتها أولا بخطه مولانا العباس المذكور ثم وضع من حضر من العلماء شهادتهم بذلك وشهد العدول على غيرهم وأدَّوا شهادتهم بذلك لدى القاضى. ثم كتب للمترجم عمه مولانا العباس المذكور وكذا المذكورون معه بوفاة والده، وانعقاد البيعة له، كما كتب له بذلك بقية الرؤساء معزين ومهنئين ومستقدمين له، وقفت على جواب صاحب الترجمة لعمه المولى العباس عما ذكر ودونك لفظه: "الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، عمنا الأعز الأجل الأفضل مولانا العباس حفظ الله مجادة عمنا وسلام عليه ورحمة الله. وبعد: وافانا كتاب عمنا معزيا لنا في سيدنا الوالد ﵀، ومنبئا بما حل بعمنا من فراقه وفقده فوالله لقد عظم علينا المصاب وجرعنا الرزء أمرّ من العلقم

стр. 687

[صورة] كتاب السلطان مولاى الحسن لعمه مولاى العباس

стр. 688

والصاب، حتى بكينا نارًا ودما، وتمنينا مكان وجودنا عدما وأظلمت علينا الدنيا، فصرنا حيارى لا نميز العدوة القصوى من الدنيا، وفى سبيل الله، وإنا لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ونسأل الله العظيم، البر الكريم أن يحفظنا في عمنا ويجازيه عنا وعن المسلمين عن وقوفه وذبه وحمايته، وحسن قيامه ومدافعته، وعدم تقصيره قولا وفعلا ومداهنته ومصانعته فوق ما كنا نظن بعمنا بدرجات، ولقد والله كنا نعرف هذا قبل في عمنا ونتلمحه، لكن ليس كاليوم، وما راءٍ كمن سمع، فمن حق اليقين إلى عين اليقين. ومن أعظم نعم الله علينا ومننه لدينا وجودك في ذلك المقام وهو والله من عجيب صنع الله، ومن أسباب السعادة بفضل الله، وهذا كله إنما ذكرناه لكى يعلم مولانا العم بلوغه إلينا، وإلا فلا منة، لأننا ذات واحدة، ونفس متحدة من ولاه الله منا يغطى الجميع بكنفه ولا يفوت سواه إلا بحمل الكلفة والكل، وسيدنا العم والحمد لله صنو لا يخفى على من تأمل. والحاصل أن الفقيه السيد موسى وأخاه الحاج عبد الله قد شرحوا لنا ذلك وبينوه بيانا لا مزيد عليه، بحيث لو تصدينا لاستيعابه لما وسعه هذا الكتاب ولا مثله معه، وحيث تجتمع بحول الله نطالعك به وليدع عمنا معنا في كل لحظة ولا يقصر في كل شئ شئ مما يعرض أو يعن أو يقتضيه المقام، فأنت بصيرتنا، شد الله بك أزرنا، وشيد بك أمرنا، وأبقاك لنا وحفظنا فيك، فأى رجل مثلك لنا هيهات هيهات، ونسلم على أعمامنا كلهم مولاى عمر، ومولاى على حفظهم الله، ونُبْ عنا في تعزيتهم وتصبيرهم عوضا منا، ففيك حفظك الله تمام الكفاية وعلى الأخوة والسلام في ٢٤ رجب عام ١٢٩٠ حسن أمير المؤمنين".

стр. 689

وأدبا مع عمه المجاب وتنازلا لمقام عمومته لم يضع علامته باعلى الكتاب، وإنما وضعها أسفل، وزاد في مواضع من الكتاب بخطه لفظ مولاى ومولانا. وقد جزع المترجم جزعا شديدا لما بلغه نعى والده، ولما اتصلت به المكاتب الحاملة لذلك النبإ المحزن أحضر وزيره إذ ذاك أبا عبد الله غريط، وأطلعه على تلك المكاتب، ثم أحضر قائد مشوره إدريس بن العلام، وأمره بجمع كبراء المحلة وقوادها، وأمر الوزير بقراءتها عليهم، ولما قرئت عليهم أسفوا لموت السلطان الفقيد، وابتهجوا بنصر المترجم وأعلنوا ببيعته وأطلقت بالمحلة الطلقات المدفعية. ونهض المبايع له إلى مراكش، ولما شارفها وجد الوزراء والرؤساء والقواد والأعيان والجيوش المخزنية مستقبلين جنابه الشريف بالآلة الملوكية والخصائص السلطانية والشارة الحسنة، فدخل مراكش صبيحة يوم السبت سابع عشرى رجب واستقر على عرش ملكه، ووردت عليه الوفود والبيعات من كل ناحية. وفى ثانى شعبان بويع المترجم بطنجة ونواحيها ووجهت المكاتب لتطوان معلمين لهم بوقوع البيعة والأمر بالدخول في زمرة إخوانهم المسلمين حسبما وقفت على التصريح بذلك في كتاب من الحاج محمد بركاش، لموسى بن أحمد الحاجب السلطانى. وفى يوم الأحد ثامن عشرى رجب تحقق بفاس خبر وفاة السلطان سيدى محمد والبيعة لنجله وخليفته صاحب الترجمة، فاجتمع العلماء والأشراف والوجهاء والأعيان وعامل البلد السيد إدريس بن عبد القادر السراج، بين العشاءين بدار عديل الشهيرة بحومة الأمعادى، واعلنوا بنصر المترجم. ونودى بذلك بالأسواق والطرقات والحومات وبالاجتماع ضحوة غده الذى هو يوم الاثنين بمسجد أبى الجنود لكتب البيعة به وفق العادة المقررة في ذلك، ولما

стр. 690

أصبح الصباح هرع الناس للمسجد المذكور فرادى وأزواجا، ولم يتخلف أحد من أهل الحل والعقد وأولى العصبة، وأتى الخليفة السلطانى صنو المترجم مولاى إسماعيل للمسجد المذكور وفى معيته أعيان الجند وذوو الوجاهة ممن بفاس الجديد على اختلاف الطبقات. ثم فتحت مقصورة المسجد للخليفة والقاضى وأعيان العلماء والعدول وصاروا يدعون طوائف الناس لوضع خطوطهم بالموافقة على البيعة للمترجم طائفة بعد طائفة، الأشراف أولا، ثم العلماء، ثم الأعيان، ثم القواد والرؤساء، ووقع الإشهاد على الجميع بالبيعة للمترجم على المنشط والمكره والسمع والطاعة. وكان أول من وقع الإشهاد عليه بذلك الخليفة المذكور، ثم الفقيه العلامة مولاى إدريس بن عبد الهادى، ثم عم المترجم مولانا عبد القادر. وفى يوم الأربعاء مهل شعبان وردت جميع القبائل المجاورة لفاس التابعة له وأدوا بيعتهم كما يجب، ووقع الإشهاد عليهم وطير الإعلام لصاحب الترجمة، ووجهت له المكاتب بذلك. وبويع له بمكناس ونواحيه ووجهت لحضرته السلطانية كتب البيعات وقصائد التهانى. فمن ذلك قصيدة تهنئة وتعزية للفقيه الأديب السيد العربى بن على المشرفى الفاسى وهى: ضحكنا سرورا بعد ما عمنا الحزن ... وخفنا وعن قرب تداركنا أمن سرور وحزن دفعة قد تواردا ... كصيحة رعد بعدها قد هما مزن نرد هجوم الروع والقلب فارح ... كمن يتدلى بالثمار له غصن مزجنا بماء الأنس خمرة حزننا ... وأتلفها الساقى فليس لها عين لئن فل سيف الحق قد سل بعده ... حسام رقاب الجاحدين له جفن

стр. 691

وإن غاب نجم لاح في الأفق بعده ... ببرج سعيد نجم سعد به يمن وإن حل تحت الترب عنتر حربنا ... فذا شبله من دأبه الضرب والطعن لقد كاد ليل الحزن ينشر جنحه ... علينا ولكن ما استقام له كون بكينا ولكن ما استتم بكاؤنا ... إلى أن ضحكنا ليس بينهما بون فما هو إلا أن عبسنا وجاءنا ... بشير له بشر فقرت به العين أنخشى وفينا من نؤم خليفة ... هو الحسن المرضى والنجل والابن إذا خر ركن الملك فهو يعيده ... ويحميه حتى لا يطوف به وهن تعز أمولانا الإمام كذا القضا ... يسر ويبكى لا يدوم له شأن وأنت بحمد الله مالك ملكنا ... ومن ربنا لا شك يصحبك العون ولا زلت في نصر وعز عناية ... تصوغ مزايا ما وعت مثلها أذن وخذ من نفيس الدر عقدا منضدا ... على شعراء الوقت يبقى به دين وقول العدل الرضى العلامة السيد الطاهر بوحدو المكناسى ودونك لفظها: سعد الزمان وساعدت ... أيامه فلك البشائر والجيد منه قد تحـ ... ـلى بالعقود من المفاخر ظهرت بواهر من حسا ... ن بالعقود من الجواهر وتبسمت منه الثنا ... يا فأذهبت كرب الخواطر وأريض روض قام في ... أغصانه ميمون طائر فالعجب من ورق صغت ... لخطيب ورق في المنابر فتمايلت طربا لوعـ ... ـد صح نقلا في الدفاتر

стр. 692

بطلوع شمس المجد في ... أفق العود إلى النواظر يهدى سناها في سما ... ء سنائها من كان حائر حسنينا (الحسن) الحلا ... المحسن السير المآثر فإلى مسماه الإشا ... رة باسمه (الحسن) المظاهر ملك تملك من سياسـ ... ته الممالك والحرائر وعنت له منها وجو ... هـ بالبواطن والظواهر لجلاله دانت رقا ... ب الخلق وهى له صواغر وعلى محبته انطوت ... منها مضامر الضمائر نجل الملوك المالكيـ ... ـن أرمة المجد الأكابر ما منهم ملك مضى ... إلا أتى ملك يفاخر بحر الندى والعلم ها ... آثاره كحل البصائر طود منيف سيد ... ملك عزيز النفس طاهر في وجهه نور الهدى ... وبكفه نور الأزاهر سامى الذرى حامى الورى ... من كل سوء بل وضائر تخشى لسطوته أسو ... د الغاب بالبيض البواتر للوائه نشر تضـ ... ـمن في الوغى نصر العساكر من كفه هامى الموا ... هب وَاكِف مثل المواطر وهاب طلاب الحبا ... ما ليس يخطر بالخواطر ما حاتم جودا على ... إسداء نائله بقادر

стр. 693

من رام طاعة ربه ... فركن طاعته يبادر فهو للإله خليفة ... في أرضه قطب الدوائر والطرق منه أمنت ... من طارق فيها وثائر ومجدد للدين يبـ ... ـدو في البوادى والحواضر ابن الرسول المجتبى ... خير الأوائل والأواخر فبجاهه صلى عليـ ... ـه الله والآل الطواهر خلد له نصرا عزيـ ... ـزا ظاهرا يا خير ناصر وأدم علاه لآمل ... فيئول بالمأمول ظافر وقول أبي عبد الله محمد بن المعطى المزطارى المكناسى خبرت بنصركم النجوم الطلع ... وعنت لمجدكم الجهات الأربع واستبشرت هذى الديار بنصركم ... وجرت بعرف جمالكم تتضوع وأمدكم رب العلا بفضيلة ... ملأ البسيطة نورها المتشعشع وعليكم فتح مبين ناشر ... رايات عز ما حواها تبع إن كنت في الهيجا فأنت غضنفر ... أسد تذل له الملوك وتخضع تروى رماحك من نحور عداكم ... فترى القناة مع الأسنة تلمع وترى الخيول كما اشتهاه في الوغى ... هذا يجئ بذا وهذا يصرع فالعز في نصب الخيام عليهم ... والنصر يأتى وجهه لك يسطع يا أيها البطل الذى لبس التقى ... درعا يدوم لباسها لا يخلع يا نبعة الشرف الذى بهر الورى ... عدلا وذاك غريزة لا تصنع

стр. 694

يا ابن الأعزة يا خلاصة هاشم ... يا درة الحسب الذى هو أرفع يا ابن الملوك الطاهرين وحرزهم ... وسلالة المجد الذى لا يدفع يا ابن الرسول وموضع الكرم الذى ... وسع الأنام فبذله لا يقطع إن قيل من ساد الملوك برفعة ... فإليك يا حسن تشير الإصبع أخليفة الله المتوج بالرضا ... يهنيك نصر بالسعادة يشفع ألفت سجاياك المروءة والندى ... وحلا لبانهما بثدى يرضع نظمت جواهر عقد فخركم على ... نحر الصدور وحقكم لا تنزع يا مالكا متبسما لسؤاله ... يقرى نوالا عاجلا لا يمنع يغشاكم نور النبى فجبينكم ... من حسن نور محمد يتضلع لم لا وقد ظهرت مخايل فضلكم ... ونشأت في أمر المهيمن تسرع وأخذت في كل العلوم مجاهدا ... بعزيمة ما مثلها يتوقع حتى وصلت وكنت فيها مقدما ... علم الحديث من جنابك يسمع وحويت من غر اللغات أجلها ... علم القريض زمامه لك أطوع هيهات فضل الله عمكم فلا ... أحد يساويكم بذا أو يطمع لكم المزايا والمواهب جملة ... وإليكم أمر الخليفة يرجع خذها أمير المؤمنين خريدة ... تختال في حلل الجمال وترتع وإليكها يا خير من حاز العلا ... كالروض يسقيه السحاب فيربع أمسيت مسرورا وهأنا ناشر ... خبرت بنصركم النجوم الطلع إلى غير هذا مما لو تتبعناه لجاء في مجلد.

стр. 695

ثم لما تم أمر البيعة واطمأنت النفوس بطلعته، تاقت همته الأبية إلى التجول في أقطار البلاد والنظر في أحوال الرعية وتوطيد الأمن وقطع جرثومة البغى والتمرد، نهض من مراكش يوم الاثنين رابع رمضان وكانت مدة مقامه بها شهراً واحدًا وستة أيام، ووالى الأسفار لهذا المقصد الحميد بنجدة وجدة وحزم وعزم، ولم يزل يوالى الحركات والتجول بتوالى السنين والأعوام منذ جلس على أريكة ملك أبيه وأجداده إلى أن قبضه الله إليه. وكان إذا أراد الشروع في التأهب للنهوض للحركة يصدر أمره أولا للأمين بالشروع في صنع الخزائن والراويات والبراع ثم لأَمِينَىْ مستفاد آزمور الدار البيضاء بتوجيه العدد اللازم من قروش المجال وقدره ألف وخمسائة قرش، ومثل ذلك من الشواريات، ثم لعمال الديارة بتوجيه ألف تليس، وأخذ ما لجانب المخزن تحت يد القبائل من الخيل والبغال والإبل وبيان ما يقع عليه توقف من الأنواع الثلاثة للتفريق فيقسط على أولئك العمال، ويؤمر كل منهم بتوجيه ما قسط عليه في التاريخ الذى يعين لهم بعد تعويض الضائع، وإبدال الراك ثم للعمال كافة بالتأهب للحركة والكون على بال من النهوض مهما أمروا به. ثم يخرج أفراك وتضرب به الأخبية السلطانية، ثم يؤمر عمال الحوز بالقدوم للحركة للربط بالمحل الذى يعين لهم، وبعد ذلك يؤمر عمال الحور بالقدوم للحركة للربط مع أفراك، حيث يقرب نهوض الجناب السلطانى ثم يؤمر كبراء الأحناطى بالإتيان بتقاييد ما يخصهم من ضروريات عملهم وشغلهم فتدفع تلك التقاييد لأمين الصائر، ويؤمر بقضاء جميع ما فيها، ودفع ما لكل حنطة لكبيرها، ثم تكتب المكاتب بتيسير المئونة للمحلة في الطريق التي يكون المرور عليها، ثم يؤمر أمناء مرسى العدوتين باشتراء عدد من التبن والشعير ووضعهما تحت يدهم بقصد دواب المحلة.

стр. 696

ويؤمر محتسب الرباط بالشروع في طحن عدد من القمح وادخاره تحت يده، فإن احتيج إليه وجد ميسرًا، وإن كان للجناب السلطانى غرض في قبيلة من القبائل التي يكون المرور عليها أو معهم كلام في واجب ونحوه، فتتقدم إليها سرية من الجند والعسكر وبعض القبائل صحبة أحد من أصناء المترجم في محلة للشروع في مباشرة الغرض المولوى معهم، وإن كان الكلام بموضعين فتتقدم إليهما محلتان وحيث يصل إليهم صاحب الترجمة بجنوده الجرارة فتكون تلك المحلة تتقدم أمامه بمرحلة أو مرحلتين كالطالعة للجنود المولوية المنصورة، وغالبا يرشح أبو عبد الله محمد الأمرانى للغرب، بقصد تفقد أحوال البرابر أولا، ثم تجتمع عليه قبائل الغرب بحركتهم وينهض معهم للتخييم بالرباط إلى أن يؤمروا بما يقتضيه النظر السلطانى السديد من تقدم لملاقاته، أو مكث بمحلهم حتى يصل إليهم ركابه الشريف. هكذا كان نظام سائر حركاته ودونكها على الترتيب حسبما بكناشتى ميقاتييه الشهيرين المهندس الميقاتى الكبير أبي العباس أحمد بن الشادلى البخارى المكناسى، وأبى عبد الله محمد بن بو سلهام الخلطى الأصل المكناسى النشأة والدار والإقبار اللذين كانا يرافقانه في أسفاره كلها، ويتقدمان أمامه لضبط المراحل وتقدير مدة السير في كل مرحلة بغاية التحقيق والتدقيق بالسوائع والدقائق، ومن خطيهما نقلت جل ما أُثبته في هذا الموضوع، لأنهما أضبط من غيرهما وأتقن لمباشرتهما ذلك بأنفسهما ومشاهدتهما له بأعينهما، وما راءٍ كمن سمع، ولذلك ترانى ربما خالفت ما جاء في الاستقصا. الحركة الأولى من مراكش إلى فاس عام ١٢٩٠: كان نهوضه من مراكش يوم الاثنين رابع رمضان عام ١٢٩٠، ولما عزم على النهوض استخلف أخاه الأنجد المولى عثمان وعضده بباشا قصبة المنشية من الحضرة المراكشية أحمد بن مالك السوسى وباشا المدينة محمد بن داود المراكشى.

стр. 697

ولما أوقع الرحيل كتب لعامل فاس أبي العلاء إدريس السراج معلما له بمبارحة الأسمى الحضرة المراكشية، ومبينا مراحل الطريق التي رام المرور عليها، ودونك لفظه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكريم: "خديمنا الأرضى الطالب إدريس السراج، أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فإنا قد كنا قفلنا من حركتنا السعيدة بحاحا وحللنا هذه الحضرة المراكشية المحروسة بالله حلول يمن وظفر وسعادة، كان المراد إذ ذاك أن ننهض في محلتنا المنصورة وجيوشنا الموفورة لناحية الغرب من غير مهلة، ثم اقتضت المصلحة المكث في هذه الحضرة أياما لترتيب أمورها، وإصلاح شئونها، وتسكين قبائلها، واستقرار كل أمر في مركزه حتى يبقى جميع ذلك على أحسن ما يراد وينبغى بحول الله، وقد يسر الله جميع ما نويناه ورتبنا جميع ما ذكر بحمد الله، وعلى قواعد الجد والحزم بحمد الله بنيناه، ووجهنا حينئذ بعون الله الوجهة لناحية الغرب، ونهضنا بحول الله ومنته. وطوله وقوته. يوم تاريخه معتمدين على ما دعونا الله من تيسيره وتأييده. ونصره وتسديده. وخيمنا بمحلتنا السعيدة بزاوية ابن ساسى والأحوال بحمد الله صالحة. ونعم الله غادية ورائحة. ونيتنا إن شاء الله المرور على الطريق التي ورد عليها سيدنا الوالد قدسه الله هذه المرة الأخيرة على طريق تادلا، ومنها لورديغة، ثم بنى زمور، ثم السماعلة، ومنها لزعير ومنها بحول الله لزمور، ومنها لمكناس إن شاء الله بحوله وقوته، وأعلمناكم لتشكروا نعمة المولى. وتشاركوا في حمده جل وعلا. على ما أسدى وأولى. وهو المسئول بنبيه ﷺ ومجد وعظم. أن ييسر جميع الأمور. في الورود والصدور. آمين والسلام في رابع رمضان المعظم عام تسعين ومائتين وألف".

стр. 698

ثم بدا له لما بارح مراكش المرور على غير الطريق التي عين في هذا المسطور الفخيم لأمور، منها: أن الزمان كان زمن برد وشتاء يصعب بسبب ذلك سلوك ذلك السبيل مع قلة التبن والشعير لعلف الدواب في ذلك الإبان (١) بتلك القبائل. ومنها تطارح عمال الشاوية وأعيانهم على أعتابه الطاهرة، راغبين في مرور جنابه الشريف ببلادهم لأمور سياسية ومصالح عامة النفع. ومنها: طلب القائد الغزوانى الموسوى عدم مرور الركاب العالى ببلادهم لكونه رجا إصلاح إخوانه الذين خرجوا عليه بحسن السياسة ومرور المحلة ببلادهم تروعهم وتشردهم وتنفرهم، فتبطل طريق السياسة التي سلك معهم ويحتاج الأمر إلى إرغامهم للرجوع للجادة وذلك يؤدى إلى ضياع أموال ونفوس، فرأى أن المصلحة في إسعاف رغبة الجميع وجبر خواطرهم، حسبما وقفت على ذلك كله في ظهير مولوى أصدره المترجم للسراج المذكور بتاريخ ١٤ رمضان المذكور، فسار من مراكش لقبيلة السراغنة، ثم البروج، ثم كيسر من بلاد تامسنا، وهنالك اتصل به خبر ثورة الغوغاء من أجلاف رعاع أهل فاس الدباغين على أمين المستفاد بها أبي عبد الله محمد بن المدنى بنيس ونهبهم لداره وأمتعته وهمهم بقتله لولا أن الله عصمه منهم بالاختفاء عنهم في الحمام. وذلك أنه لما تقررت بيعة المترجم بعاصمة فاس أُزيلت المكوس التي كانت موظفة على الأبواب والأسواق، ومن جملتها ما كان يؤدى إلى بيع الجلد، وكان الأمين المفوض في ذلك هو أبو عبد الله بنيس المذكور، وكانت له عند السلطان والد المترجم يَدٌ ومكانة مكينة لما اتصف به من رجحان العقل والإصابة في الرأى وعدم التداخل فيما لا يعنيه.

стр. 699

ثم في يوم الجمعة ثالث شعبان اجتمع بنيس الأمين ببعض من كان مرشحا لقبض الوجيبة المتحصلة من فندق بيع الجلد، وكان من أهل النسبة الطاهرة، فأظهر له الضعف وشدة الفاقة، واقترح عليه ترجيع المكس على سوق الجلد ليستعين بما كان يستفيده من الأجرة على ذلك، وأكثر الإلحاح وشدة الاضطرار، فرق له بنيس وواعده بالرجوع لذلك المحل في العاجل القريب. ثم بعد مفارقة الشريف له استشار بنيس بعض أصدقائه وهو الشريف المفضال سيدى الفاطمى الإدريسى، وكان ذا إصابة في الرأى فحذره وأنذره وأشار عليه بإرجاء الطالب الملح إلى مقدم صاحب الترجمة، ولا تحدث نفسك بالإقدام على شئ ولو قل، فإن عاقبته محققة الضرر. فتحقق صدق مقال المستشار وصمم على أن لا يفعل هذا، والطالب لم يزل مُجدًّا في الطلب مكثرًا في الإلحاح والترداد إلى أن واعده وعدًا غير مخلف، ونبذ التحذير والإنذار وراءه ظهريا ﴿... لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ... (٤٤)﴾ [الأنفال]. ولما سمع بذلك الدباغون توجهوا لعامل البلد السيد إدريس السراج، وقصوا عليه القصص، فأشار عليهم بالتوجه للقاضى الشريف العلامة مولاى محمد - فتحا - بن عبد الرحمن العلوى، فتوجهوا إليه وطلبوا منه أن يعين لهم من يقيد لهم بيع الجلد بالفندق فأمرهم بأن يختاروا لأنفسهم من يصلح لهم وهو ينفذه لهم، فاختاروا ستة بعد أن فاوض بعضهم البعض فيمن يصلح لذلك. ولما علم بذلك بنيس توجه إلى القاضى المذكور، وسأله عن السبب في تعيين الطلبة للسوق المعدة لبيع الجلد، فأجابه بما ذكر، فقال له بنيس: إنى أريد أن أجعل نصف موزونة للمثقال تكون تؤدى عن البيع، فحذره وأنذره وذلك يوم الجمعة عاشر شعبان، فانتصح الأمين، والتزم أن لا يعود للكلام في هذا الأمر.

стр. 700

ثم إن الطالب الملح توجه للفندق من عندية نفسه وجلس ليقبض المكس فثار الغوغاء وسفلة الأخلاط من الدباغين وتجمهروا، وذهبوا لدار الأمين المذكور لعرض ما ذكر عليه وذلك يوم الأحد ثانى عشر شعبان من السنة، ولما وصلوا لباب داره وجدوا أحد عبيده جالسا هنالك فسألوه عن سيده بلهجة قوية وحالة مرعدة فسبهم وشتمهم وسد الباب في وجوههم ودخل الدار وأخرج مكحلة وأطلق عمارتها في الهواء ظنا منه أنهم ينزجرون بذلك وتتفرق جموعهم الفاسدة، فوجد النهاب السبيل لما أرادوا وتلاحق اللاحق بالسابق وتسلح القوم، واجتمع الغوغاء من كل حدب وصوب، وصمموا على الهجوم على الدار. ولما كثر الهرج والمرج أتى بعض الجوار بسلاليم ونصبها وراء الدرب، وطلب من نساء بنيس أن يخرجن لداره خوفا عليهن من الفضيحة، وأوعز إليهن أن يصبحن معهن ما لهن من الحلى والمجوهرات والذخائر النفيسة الخفيفة الحمل الغالية الثمن، فأَبَيْنَ ذلك وامتنعن من الخروج، فما شعرن إلا وباب الدرب انفتح، وأبواب الدار تكسرت والضجيج بالغ حده ونيران الفتن تتقد فطلع النساء إذ ذاك للسطوح وألقين بأنفسهن لدور الجوار، ودخل النهاب الدار واستولوا على ما بها من النفائس والذخائر والأموال، واستأسدت الذئاب وفقد القوم الشعور، حتى صار المضروب لا يبالى بمن ضربه، ولا يلتفت المجروح لمن جرجه، وهاجت الفتنة بالمدينة وماج الناس بعضهم في بعض وخصوصًا بالقطانين والعقبة الزرقاء. ولما اتصل الخير بقاضى الحضرة الفاسية المذكور ركب بغلته وقصد دار بنيس ظنا منه أن أولئك الغوغاء الأخساء يقيمون له وزنا وينصتون لمقاله، ولما وصل الدار لم يلتفت إليه أحد، ولا وقع بصره على من يعرفه وهو بوسط الدار يطوف على جموع تلك الطوائف الضالة الفاقدة للحياء والسمع والبصر، حتى كادت نفسه أن تتلف وهو يعظ ويذكر ويحذر وينذر، فلم يجد ذا أُذن واعية، ولا من له قلب يعقل به حتى غشى عليه من شدة الازدحام، وكاد أن يسقط على الأرض وتدوسه

стр. 701

الأجلاف بأقدامها، فحمله بعض من عرفه وأخرجه من الباب الضيقة المقابلة للحوانيت خوفا عليه، وذهب به إليه، إلى أن أوصله لحومة جرنيز، ولم يزل معه إلى أن أفاق من إغمائه، وتيقن أن هذا الخرق لا سبيل لرتقه، هذا كله وبنيس المذكور مختف بحمام ابن عباد بحومة القطانين حيث صادفه الحال يغتسل هنالك. ولما اتصل بالخليفة السلطانى بفاس مولانا إسماعيل وهو بفاس الجديد، خبر هذه الفتنة المدلهمة، أرسل الباشا الحاج سعيد لإطفاء تلك النيران الموقدة، ويأتيه بالخبر اليقين، والسبب الداعى لإيقاد نيران هذه الفتن ليطير الإعلام بحقيقة الواقع لصاحب الترجمة، وعززه بلفيف من الجند المخزنى، فتوجه ودخل الدار بمن معه من أهل النجدة فلم يعبأ به أحد، ولم يرفع إليه رأس، ولما رأى أنه لا طاقة له بكف أذاهم رجع من حيث أتى ناجيا بنفسه. ولما وقع الإتيان على ما كان بالدار من الأثاث والأمتعة بل حتى أوانى الخليع والسمن والزيت والدقيق وما أشبه ذلك، أتى عامل البلد الباشا إدريس السراج المذكور راكبا على بغلته، ولما وصل الدار ورام كف أولئك المتمردين باللين في القول لم يبال أحد بمقاله، وأعرضوا عنه إعراضا كليا، وتمادوا على فعلهم الذميم، ورجع الباشا وأعلم الخليفة بما شاهد. ثم إن أولئك الأوباش لم يكتفوا بنهب الدار التي بالقطانين، بل عمدوا حتى للعرصة التي له بالدوح ونهبوا جميع ما بها، بل أزالوا حتى الأبواب والسراجب وجوائز السقف وخربوها وتركوها بلاقع في أقرب الأوقات وأقصرها. ولما تم نهب الدارين، وهدأت الأصوات وتفرق معظم تلك الجموع، اجتمع بين العشاءين الشرفاء الأدراسة وغيرهم من الأعيان، وأتوا بنيس وأخرجوه من الحمام وجعلوه وسطهم كأنه واحد منهم وتوجهوا به للحرم الإدريسى، ولما حل به أدخله الشريف أبو حامد العربى الإدريسى لعلو له بزنقة الوادى، ولما اطمأن صار

стр. 702

الناس يفدون عليه يهنئونه بسلامة النفس من العطب، ويسلونه عما ضاع من مال ونشب. وسمع بعض الحاضرين يتحدثون بأن سبب هذا الحادث هو عزمه على رد المكس بفندق الجلد، فحلف يمينا جمع فيها كل الأيمان الراجعة للبتات وغيره، إنه ما أذن في ذلك ولا عزم عليه بمحضر جمع من الأعيان والعلماء، منهم أبو العباس أحمد بن الحاج السلمى صاحب الدر المنتخب المستحسن، الملخصة هذه الواقعة منه وبقى بنيس بالعلو المذكور أياما ثم انتقل لمنار ضريح أبي العلاء. مولانا إدريس الأزهر. ولما رفع للمترجم خبر هذا الحادث الجلل، عقد للقائد إدريس بن العلام على عشرين من الخيل ووجههم بكتاب شريف لكافة أهل فاس، وذلك يوم الخميس ثالث عشرى شعبان العام ووصل لفاس يوم الأربعاء سابع رمضان ومن الغد الذى هو يوم الخميس قرئ الكتاب الكريم على منبر القرويين وفق المقرر المألوف في المكاتب السلطانية، ودونك نص ذلك الكتاب بعد الحمدلة والصلاة والطابع الشريف: "خدامنا الأنجاد، كافة أهل فاس نخص منهم الشرفاء، والعلماء والأعيان والعرفاء، وابن عمنا الفقيه القاضى مولاى محمد بن عبد الرحمن، والعامل الطالب السيد إدريس السراج، وفقكم الله وأرشدكم وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فإنكم منا وإلينا، والمعروفون بالخير والصلاح لدينا، ولكم القدم الثابت في محبة جانبنا العالى بالله وخدمته والنصيحة له مما لم يكن مثله لجميع الناس، ولم يزل لكم الذكر الجميل في كل منزل، والأثر الجليل في كل معضل،

стр. 703

وقد جريتم على سننكم المعهود في جمع الكلمة، وأظهرتم من أثر المحبة والنصيحة والخدمة، ما استوجبتم به علينا غاية الاعتبار والحرمة، وجددتم قديم تلك العهود، وأكدتم صالح تلك العقود، كما ظهر منكم عند وفاة سيدنا الوالد المقدس بالله ﵀ أصلحكم الله ورضى عنكم. ثم بلغنا بعد ذلك أن بعض السفهاء ظهر منه طيش وبغى، واستهواهم الشيطان فاتبعوا سبيل الغى، فتمالئوا على خديمنا الأمين الحاج محمد بن المدنى بنيس ونهبوا داره ولم يراعوا ماله بسبب خدمتنا الشريفة من الحقوق، ولا خافوا سطوة الخالق، ولا استحيوا من المخلوق، وذلك لا يجمل الإغضاء عنه ولا السكوت عليه، ونحن على بصيرة فيكم، ونعلم أن أهل الخير والصلاح منكم لا يحبون ذلك ولا يرتضونه ولا يوافقون عليه في سر ولا علانية لكونه صدر بغتة، ولكن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور. وعليه فبوصول كتابنا هذا إليكم تداركوا هذا الواقع، وقوموا على قدم الجد في رفء هذا الخرق قبل أن يتسع على الراقع، واعملوا ما تحبون أن نسمعه عنكم ويجلب لكم رضا الله ورضانا. واسعوا في مداواة هذا القرح إسرارا وإعلانا. واعلموا أنكم قدوة لغيركم وإنما ينتظر الناس ما يسمعونه عنكم وفى الحديث الشريف: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". وها نحن في الأثر قادمون عليكم بحول الله وقوته، فنحب أن نصل إليكم وصدورنا كما كانت سالمة عليكم ولم يبق من جهتكم سوء ولا مكروه، ونطلب الله لجميعكم الهداية والتوفيق. إلى أقوم طريق في ٢٢ شعبان عام ١٢٩٠.

стр. 704

ولما تلى هذا الكتاب على مسامع الخاصة والعامة فهم السفهاء منهم غير المقصود، وتوهموا أنه إيعاد لهم وتهديد، وأمر جازم برد ما نهب من دار بنيس، فتجمهروا واجتمعوا وسط مسجد القرويين وخافت الناس الفتنة ثانيا، ومد اليد في الأسواق ودكاكين التجار، وكثر اللغط وارتفعت الأصوات، واكتظ المسجد المذكور وما اتصل به من الطرقات بالأخلاط والأوباش، واتخذ المثرون العسس على أبواب دورهم ودكاكينهم، ووقع الناس في حيص بيص، ودخل المولى محمد القاضى والعامل السراج وبعض الأعيان من العلماء لمقصورة القرويين للمفاوضة في كيفية مقاومة تيار الغوغاء الذين لا يتدبّرون العواقب، وبعد المفاوضة وإمعان النظر في وجه الخلاص، اتفق رأيهم على أن يوجهوا لبنيس للحرم الإدريسى من يطلب مسامحته فيما نهب من داريه، ويخرج من الحرم آمنا، وعينوا للذهاب إليه الشريف أبا عبد الله محمد بن أحمد الصقلى، وأبا العباس أحمد بن محمد بن الحاج السلمى المذكور آنفا، وبيتا على التوجه إليه صبيحة الغد الذى هو يوم الجمعة، فتوجهوا إليه في عاشرة النهار ووجدوا معه جماعة من الأعيان وطلبوا منه الخلوة معهم ليفضوا إليه بكلام حملاه إليه، فأمرهم بالإفضاء إليه أمام جلسائه بما شاءوا، فسلوه ووعظوه وبالغوا في استعطافه في المسامحة، فأبى كل الإباية وصرح لهم بأنه ضاع له أضعاف ما ببيت المال. ولما لم يسعف بنيس رغبة الراغبين، توجه القاضى مولاى محمد صبيحة يوم السبت للخليفة السلطانى مولاى إسماعيل وأخبره بما راج، واقترح عليه أن يوجه للشرفاء وأعيان البلد وعاملها ويعرفهم بأن مراد السلطان في كتابه لهم إنما هو الإغراء على الانكفاف والزجر عن العود خوفا من أن يقع للغير ما وقع لبنيس، وليس المقصود من الكتاب السلطانى رد ما نهب الناهبون.

стр. 705

فأرسل الخليفة المذكور بالأمر بالحضور لمن ذكر فحضر القاضى والشرفاء والأعيان، ولم يحضر العامل لتوهمه أن ذلك الاستدعاء شبكة نصبت للقبض عليهم وجعلهم في الأغلال والسلاسل والتوجيه بهم للحضرة السلطانية على أقبح الحالات. فتحزب وجمع عليه ما يزيد على ثلاثمائة من الرماة وطلع لقصبة أبي الجلود يريد الدار العالية وهو راكب بغلته والرماة محدقة به وباقى الأخلاط الزائدة عن العد منتشرة بالأرقة والطرقات الموصلة للقصور السلطانية حيث الخليفة السلطانى، ولما سمع الخليفة المولى إسماعيل بذلك وجه للسراج وأمنه وشرح القصد من جمعهم، فلم يثق هو ولا من معه بأمان الخليفة ولا مقاله، فراجعه الخليفة وأقسم له بالأيمان اللازمة وأعطاه عهودا ومواثيق على أنه لا يرى ولا يسمع ما يكدر باله، وإنما مراده بهذا الجمع الإصلاح وتسكين الروعة وتفهيم من لم يفهم، فلم ينفع في السراج وأحزابه من ذلك شئ، وتمادوا على الامتناع والإباية، وازداد اللغط والهرج والمرج والضجيج ووقع التشاجر والتخالف حتى كاد أن يقع الضرب بالبارود، ورعب السراج وخاف لحوق الأذى عاجلا والمسئولية آجلا ورجع لداره بعد عناء شديد. ثم وجه للخليفة مولاى إسماعيل وقال له: إن كنت في قصدك صادقا فانزل لمسجد أبي الجنود وبه يكون اجتماعنا والمفاوضة فيما تريد، فحذر القاضى والعلماء مولاى إسماعيل من التوجه للمسجد المذكور لاختلاط الحابل بالنابل واشتداد شوكة السفهاء سخفة العقول الذين اعتقدوا أن الحل والربط صار بأيديهم، ورأوا أن يكتب الخليفة للسراج كتابا يشرح له فيه مراد السلطان من الكتاب الذى قرئ على منبر القرويين وفهمه العامة على غير وجهه، فاستحسن الخليفة رأيهم وكتب الكتاب بما ذكر، ووجه به للسراج مع العلماء والأعيان الذين كانوا بأبواب القصور
следующие страницы →