← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الأجلاف بأقدامها، فحمله بعض من عرفه وأخرجه من الباب الضيقة المقابلة للحوانيت خوفا عليه، وذهب به إليه، إلى أن أوصله لحومة جرنيز، ولم يزل معه إلى أن أفاق من إغمائه، وتيقن أن هذا الخرق لا سبيل لرتقه، هذا كله وبنيس المذكور مختف بحمام ابن عباد بحومة القطانين حيث صادفه الحال يغتسل هنالك. ولما اتصل بالخليفة السلطانى بفاس مولانا إسماعيل وهو بفاس الجديد، خبر هذه الفتنة المدلهمة، أرسل الباشا الحاج سعيد لإطفاء تلك النيران الموقدة، ويأتيه بالخبر اليقين، والسبب الداعى لإيقاد نيران هذه الفتن ليطير الإعلام بحقيقة الواقع لصاحب الترجمة، وعززه بلفيف من الجند المخزنى، فتوجه ودخل الدار بمن معه من أهل النجدة فلم يعبأ به أحد، ولم يرفع إليه رأس، ولما رأى أنه لا طاقة له بكف أذاهم رجع من حيث أتى ناجيا بنفسه. ولما وقع الإتيان على ما كان بالدار من الأثاث والأمتعة بل حتى أوانى الخليع والسمن والزيت والدقيق وما أشبه ذلك، أتى عامل البلد الباشا إدريس السراج المذكور راكبا على بغلته، ولما وصل الدار ورام كف أولئك المتمردين باللين في القول لم يبال أحد بمقاله، وأعرضوا عنه إعراضا كليا، وتمادوا على فعلهم الذميم، ورجع الباشا وأعلم الخليفة بما شاهد. ثم إن أولئك الأوباش لم يكتفوا بنهب الدار التي بالقطانين، بل عمدوا حتى للعرصة التي له بالدوح ونهبوا جميع ما بها، بل أزالوا حتى الأبواب والسراجب وجوائز السقف وخربوها وتركوها بلاقع في أقرب الأوقات وأقصرها. ولما تم نهب الدارين، وهدأت الأصوات وتفرق معظم تلك الجموع، اجتمع بين العشاءين الشرفاء الأدراسة وغيرهم من الأعيان، وأتوا بنيس وأخرجوه من الحمام وجعلوه وسطهم كأنه واحد منهم وتوجهوا به للحرم الإدريسى، ولما حل به أدخله الشريف أبو حامد العربى الإدريسى لعلو له بزنقة الوادى، ولما اطمأن صار

стр. 702

الناس يفدون عليه يهنئونه بسلامة النفس من العطب، ويسلونه عما ضاع من مال ونشب. وسمع بعض الحاضرين يتحدثون بأن سبب هذا الحادث هو عزمه على رد المكس بفندق الجلد، فحلف يمينا جمع فيها كل الأيمان الراجعة للبتات وغيره، إنه ما أذن في ذلك ولا عزم عليه بمحضر جمع من الأعيان والعلماء، منهم أبو العباس أحمد بن الحاج السلمى صاحب الدر المنتخب المستحسن، الملخصة هذه الواقعة منه وبقى بنيس بالعلو المذكور أياما ثم انتقل لمنار ضريح أبي العلاء. مولانا إدريس الأزهر. ولما رفع للمترجم خبر هذا الحادث الجلل، عقد للقائد إدريس بن العلام على عشرين من الخيل ووجههم بكتاب شريف لكافة أهل فاس، وذلك يوم الخميس ثالث عشرى شعبان العام ووصل لفاس يوم الأربعاء سابع رمضان ومن الغد الذى هو يوم الخميس قرئ الكتاب الكريم على منبر القرويين وفق المقرر المألوف في المكاتب السلطانية، ودونك نص ذلك الكتاب بعد الحمدلة والصلاة والطابع الشريف: "خدامنا الأنجاد، كافة أهل فاس نخص منهم الشرفاء، والعلماء والأعيان والعرفاء، وابن عمنا الفقيه القاضى مولاى محمد بن عبد الرحمن، والعامل الطالب السيد إدريس السراج، وفقكم الله وأرشدكم وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فإنكم منا وإلينا، والمعروفون بالخير والصلاح لدينا، ولكم القدم الثابت في محبة جانبنا العالى بالله وخدمته والنصيحة له مما لم يكن مثله لجميع الناس، ولم يزل لكم الذكر الجميل في كل منزل، والأثر الجليل في كل معضل،

стр. 703

وقد جريتم على سننكم المعهود في جمع الكلمة، وأظهرتم من أثر المحبة والنصيحة والخدمة، ما استوجبتم به علينا غاية الاعتبار والحرمة، وجددتم قديم تلك العهود، وأكدتم صالح تلك العقود، كما ظهر منكم عند وفاة سيدنا الوالد المقدس بالله ﵀ أصلحكم الله ورضى عنكم. ثم بلغنا بعد ذلك أن بعض السفهاء ظهر منه طيش وبغى، واستهواهم الشيطان فاتبعوا سبيل الغى، فتمالئوا على خديمنا الأمين الحاج محمد بن المدنى بنيس ونهبوا داره ولم يراعوا ماله بسبب خدمتنا الشريفة من الحقوق، ولا خافوا سطوة الخالق، ولا استحيوا من المخلوق، وذلك لا يجمل الإغضاء عنه ولا السكوت عليه، ونحن على بصيرة فيكم، ونعلم أن أهل الخير والصلاح منكم لا يحبون ذلك ولا يرتضونه ولا يوافقون عليه في سر ولا علانية لكونه صدر بغتة، ولكن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور. وعليه فبوصول كتابنا هذا إليكم تداركوا هذا الواقع، وقوموا على قدم الجد في رفء هذا الخرق قبل أن يتسع على الراقع، واعملوا ما تحبون أن نسمعه عنكم ويجلب لكم رضا الله ورضانا. واسعوا في مداواة هذا القرح إسرارا وإعلانا. واعلموا أنكم قدوة لغيركم وإنما ينتظر الناس ما يسمعونه عنكم وفى الحديث الشريف: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". وها نحن في الأثر قادمون عليكم بحول الله وقوته، فنحب أن نصل إليكم وصدورنا كما كانت سالمة عليكم ولم يبق من جهتكم سوء ولا مكروه، ونطلب الله لجميعكم الهداية والتوفيق. إلى أقوم طريق في ٢٢ شعبان عام ١٢٩٠.

стр. 704

ولما تلى هذا الكتاب على مسامع الخاصة والعامة فهم السفهاء منهم غير المقصود، وتوهموا أنه إيعاد لهم وتهديد، وأمر جازم برد ما نهب من دار بنيس، فتجمهروا واجتمعوا وسط مسجد القرويين وخافت الناس الفتنة ثانيا، ومد اليد في الأسواق ودكاكين التجار، وكثر اللغط وارتفعت الأصوات، واكتظ المسجد المذكور وما اتصل به من الطرقات بالأخلاط والأوباش، واتخذ المثرون العسس على أبواب دورهم ودكاكينهم، ووقع الناس في حيص بيص، ودخل المولى محمد القاضى والعامل السراج وبعض الأعيان من العلماء لمقصورة القرويين للمفاوضة في كيفية مقاومة تيار الغوغاء الذين لا يتدبّرون العواقب، وبعد المفاوضة وإمعان النظر في وجه الخلاص، اتفق رأيهم على أن يوجهوا لبنيس للحرم الإدريسى من يطلب مسامحته فيما نهب من داريه، ويخرج من الحرم آمنا، وعينوا للذهاب إليه الشريف أبا عبد الله محمد بن أحمد الصقلى، وأبا العباس أحمد بن محمد بن الحاج السلمى المذكور آنفا، وبيتا على التوجه إليه صبيحة الغد الذى هو يوم الجمعة، فتوجهوا إليه في عاشرة النهار ووجدوا معه جماعة من الأعيان وطلبوا منه الخلوة معهم ليفضوا إليه بكلام حملاه إليه، فأمرهم بالإفضاء إليه أمام جلسائه بما شاءوا، فسلوه ووعظوه وبالغوا في استعطافه في المسامحة، فأبى كل الإباية وصرح لهم بأنه ضاع له أضعاف ما ببيت المال. ولما لم يسعف بنيس رغبة الراغبين، توجه القاضى مولاى محمد صبيحة يوم السبت للخليفة السلطانى مولاى إسماعيل وأخبره بما راج، واقترح عليه أن يوجه للشرفاء وأعيان البلد وعاملها ويعرفهم بأن مراد السلطان في كتابه لهم إنما هو الإغراء على الانكفاف والزجر عن العود خوفا من أن يقع للغير ما وقع لبنيس، وليس المقصود من الكتاب السلطانى رد ما نهب الناهبون.

стр. 705

فأرسل الخليفة المذكور بالأمر بالحضور لمن ذكر فحضر القاضى والشرفاء والأعيان، ولم يحضر العامل لتوهمه أن ذلك الاستدعاء شبكة نصبت للقبض عليهم وجعلهم في الأغلال والسلاسل والتوجيه بهم للحضرة السلطانية على أقبح الحالات. فتحزب وجمع عليه ما يزيد على ثلاثمائة من الرماة وطلع لقصبة أبي الجلود يريد الدار العالية وهو راكب بغلته والرماة محدقة به وباقى الأخلاط الزائدة عن العد منتشرة بالأرقة والطرقات الموصلة للقصور السلطانية حيث الخليفة السلطانى، ولما سمع الخليفة المولى إسماعيل بذلك وجه للسراج وأمنه وشرح القصد من جمعهم، فلم يثق هو ولا من معه بأمان الخليفة ولا مقاله، فراجعه الخليفة وأقسم له بالأيمان اللازمة وأعطاه عهودا ومواثيق على أنه لا يرى ولا يسمع ما يكدر باله، وإنما مراده بهذا الجمع الإصلاح وتسكين الروعة وتفهيم من لم يفهم، فلم ينفع في السراج وأحزابه من ذلك شئ، وتمادوا على الامتناع والإباية، وازداد اللغط والهرج والمرج والضجيج ووقع التشاجر والتخالف حتى كاد أن يقع الضرب بالبارود، ورعب السراج وخاف لحوق الأذى عاجلا والمسئولية آجلا ورجع لداره بعد عناء شديد. ثم وجه للخليفة مولاى إسماعيل وقال له: إن كنت في قصدك صادقا فانزل لمسجد أبي الجنود وبه يكون اجتماعنا والمفاوضة فيما تريد، فحذر القاضى والعلماء مولاى إسماعيل من التوجه للمسجد المذكور لاختلاط الحابل بالنابل واشتداد شوكة السفهاء سخفة العقول الذين اعتقدوا أن الحل والربط صار بأيديهم، ورأوا أن يكتب الخليفة للسراج كتابا يشرح له فيه مراد السلطان من الكتاب الذى قرئ على منبر القرويين وفهمه العامة على غير وجهه، فاستحسن الخليفة رأيهم وكتب الكتاب بما ذكر، ووجه به للسراج مع العلماء والأعيان الذين كانوا بأبواب القصور

стр. 706

السلطانية ظنا منهم أن الملأ لا زالوا بأبى الجنود، ولما توجهوا بالكتاب وجدوا الجموع تفرقت بعضها ذهب مع السراج لحراسته بداره، والبعض الآخر للحرم الإدريسى بقصد قتل بنيس، فرجعوا بكتابهم إلى الخليفة وقصوا عليه القصص، فأشار القاضى بتوجيه الكتاب المذكور للسراج بداره وأن يؤمر بقراءته على منبر القرويين، فاستحسن رأيه. ووجه بالكتاب للسراج لداره فقام مظهرا بالامتثال لتنفيذ ما أمر به، فبلغه في أثناء الطريق أن البارود وقع بمولانا إدريس، فرجع لداره قائلا: لا أذهب لئلا يشتد الأمر ويقول الناس أنا المتسبب في ذلك والمغرى عليه. وأما الأوباش الذين توجهوا لقتل بنيس بمولانا إدريس فإن عاصف ريح التخالف نفخ فيهم أثناء الطريق، وفرقهم أى تفريق، ولم يصل منهم للحرم الإدريسي إلا النزر القليل، ولما رأى ذلك الشرفاء الأدراسة وأنصارهم، سدوا جميع أبواب الحرم وتقلدوا أسلحتهم وارتقوا لسطح الحرم والسطوح المجاورة له، وأخرج الشرفاء المذكورون بنيس من المحل الذى كان به وأنزلوه بشماسة وطاقة من شماسات قبة الضريح، وجعلوا عليه حراسة كافية وأطلقوا البارود من السطوح، فأصاب بعض الضعفاء. وضج من لا خلاق له من السفهاء وطلعوا للسطوح العالية المشرفة على سطح الحرم الإدريسى لقتل جميع من راج به، ففر جميع من كان بها، وتعذر على الناس المرور في الأزقة حتى إن رجلا درقاويا كان من الرماة يبيع شاربات، قال: اتركونى أصعد لبرج القرويين وأقابل سطح مولانا إدريس وكل من ظهر به أرميه بالرصاص وأقتله، فأجابه العقلاء بأن حرم مولانا إدريس هو حرم للمغرب بأسره. لا لخصوص الأدارسة القائمين بأمره، فوالله لا نترك أحدا يؤذى به من المحتمين بحماه.

стр. 707

ثم وقف القاضى ومعه جماعة عشية ذلك اليوم وقوف الأبطال، وكفوا السفهاء عما أرادوا، وتوجهوا للحرم الإدريسى من جهة الحمام، ونهى القاضى الأدارسة عن العود لإخراج البارود وسكنت الروعة في ذلك الحين، وبقى الحرم الإدريسى مغلق الأبواب والعسة على بنيس قائمة على ساق، وهذا كله في يوم السبت. ولما أصبح يوم الأحد رام الأخلاط ومن لا خلاق له مدّ يَدِ النهب في الأسواق والدكاكين، وحمل جل التجار سلعهم لدورهم، وجعلوا على أبوابهم وسطوحهم العسس الكافية، وازداد الأمر شدة والطين بلة، والقاضى والعلماء وجلة الناس ووجهاؤهم يُدَبِّرون في كيفية إطفاء هذه النار الموقدة المتطايرة الشرر. فجاءوا الأدراسة بحرم جدهم مولانا إدريس وأمروهم بفتح الحرم فأذعنوا لذلك، ورجع القاضى ومن معه للقرويين واجتمعوا بعامة الناس وخاصتهم، وتصدر القاضى لشرح الحقيقة والواقع في كتاب السلطان ومراد خليفته ووعظ وذكر. وحذر وأنذر. وخَوَّفَ بَأْسَ السلطان وسطوته، وضمن لهم أن لا يروا من السلطان إن هم أذعنوا وأطاعوا ما يكرهون، ولا يعنف أحدًا منهم، فرضوا بذلك والتزموه. وحينئذ رجع القاضى بمن في معيته للحرم الإدريسى، وأخبروا الأدراسة بالواقع، ففتحوا الأبواب وانكشف كثيف ما كان من سحاب الأهوال، ووضعت الفتن أوزارها، وبزغت شموس الأمن بأرجاء القلوب. انتهى. ملخصا من الدر المنتخب وجله بالمعنى. وفى صبيحة يوم الخميس تاسع عشرى رمضان حل برباط الفتح وأقام به سنة عيد الفطر وغمر الجند والأيتام والأرامل والأشراف والعلماء وذوى الحيثيات

стр. 708

والأعيان وسائر الموظفين الدينيين وغيرهم، وختم صحيح الإِمام البخارى، وكان شيخ مجلسه الحديثى السيد المهدى بن الطالب بن سودة المرى قاضى الحضرة المكناسية، وحضر ذلك الختم جم غفير من القضاة والعلماء والأعيان ووفود القبائل المغربية كالواردين بالبيعة الكريمة من فاس، وقيل في ختمه ذلك من الأماديح نيف وخمسون قصيدة، أجار عليها أصحابها كل بما يستحق. من تلك القصائد قصيدة الفقيه الكاتب الأديب البليغ الأبرع أبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس العمراوى ونصها: أرج القبول من المهيمن نام ... وندا التعوف بالمواهب هام وشذا الرضا هبت لنا نفحاته ... من مجلس قد جل في الإعظام حفت به أعلامهم فتراهم ... من طيبهم كالزهر في الأكمام بمقام مولانا الإمام تلألأت ... أعظم به من مجلس ومقام فبه البخارى الجليل جنابه ... وفت مواعده بحسن ختام فامْدُدْ أَكُفّك سائلا متوسلا ... برواته وقداته الأعلام واضرع بباب الله عند ختامه ... تنل المؤمل من حبا العلام واعلم بأنك في مواطن رفعة ... وإجابة ومنال كل مرام باب الإجابة منه يقرع فلتكن ... في السابقين إليه باستسلام ما أمه ذو حاجة في معضل ... إلا وعاد بنائل متسام أو خائف نال الأمان بسرده ... ذهبت مخافته مع الآثام فالهج به ورواته عدد تجد ... هم في سما العليا بدور تمام فهم الأئمة والسراة ونورهم ... يمحو عن الأوهام كل ظلام

стр. 709

وهم ذوو القرب الذين بذكرهم ... أمن الورى من سائر الأنقام أهل الحديث الفائزون بحفظه ... تتلى محاسنهم على الأيام ودعا الرسول منضر لوجوههم ... إذ أوضحوا معناه للأفهام وأميرهم في المعلومات إمامنا الـ ... ـحبر ابن إسماعيل خير إمام جمع الصحيح الجامع الحق الذى ... حاز التقدم في ذرى الإسلام ومحا عن الدين الحنيفى القذى ... وحمى من الأضلال والأوهام وبنى معاهده المنيعة ديمة ... صوب الحيا من هاطل أو هام وجزى الإله أميرنا العدل الرضا الـ ... ـحسن الخصال بأحسن الإنعام نهج السبيل المستقيم بسرده ... وأقر عين العلم في ذا العام أحيا مآثر صالحى آبائه ... مذ قام بالتيسير خير قيام حاط الشريعة بالسياسة فائزا ... من خلفها ويمينها وأمام وأباد جاحدها بعزم نافذ ... وسطا به كالماجد الضرغام مولى به الإسلام أصبح ظاهرا ... والكفر في ذل وفى إرغام مولى به ابتهج الزمان وأهله ... وبه الأمان بذى المغارب نام مولى بطيب حديثه افتخر العلا ... فالهند يتلو فخره بالشام من عصبة نبوية علوية ... سنية مهدية أعلام نور النبوة واضح من بشرهم ... غر الوجوه مطهرو الأجسام لألاء غرته الكريمة ساطع ... يزدان في الجدران والآطام ويمينه السخاء ضامنة الغنى ... لم يلوه للمنع قول ملام

стр. 710

ليث العدا غيث الندى رحب المَدَى ... علم الهدى ومواصل الأرحام من لى بحصر مديحه في مهيع ... كلا ولو كان الفضا أقلام أم كيف أسبح في خليج صفاته ... حاشا ولو عد النجوم نظام لكننى آتى بمقدور على ... وسعى وأرهف في الثناء حسام فلتهن مولانا الإمام مآثر ... قد حازها من وافر الأقسام وليهنه ما نال من أجر ومن ... ذخر ومن فضل ومن إكرام وليهنه شهر الصيام وما بدا ... فيه له من قربة وقيام وليهنه العيد السعيد فإنه ... عيد يعود بكل خير نام أبقاه مولانا لجبر عبيده ... وأناله نصرا مدى الأعوام وأطال في سعد ويمن عمره ... سامى اللواء مثبت الأقدام وبجاه مولانا الرسول سألته ... وحديثه العالى وخير عصام وبنيه والأصهار والأزواج والـ ... أتباع والأنصار والأعمام أن يجعل الفتح المبين ملازما ... لركابه في مظعن ومقام وعليه من ربى السلام تحية ... فاقت شذا مسك وريح خزام والآل والأصحاب أهل وداده ... ما جال في الأسماع صفو كلام واحتفل بهذا الختم احتفالا لم ير الراءون مثله حتى كان الطيب كالسحاب المتكاثف وعدد أصناف الأطعمة الفاخرة. وفى يوم السبت الثانى والعشرين من شوال خرج من الرباط قاصدا مكناسة الزيتون، حيث اتصل به خبر قيام المولى سليمان المدعو الكبير بن عبد الرحمن بن

стр. 711

السلطان أبي الربيع مولانا سليمان، الذى جاء من سجلماسة يطلب الملك اقتداء بأبيه من قبله الذى كان ثار أوائل دولة والد المترجم فلم تنجح مساعيه. وبقى يجوب البلاد البربرية وأطماعه الأشعبية تعده وتمنيه. إلى أن كانت عاقبة أمره سجنا طويلا، إذ لما حل المترجم بالصفافعة من قبيلة بنى حسن بلغه خبر القبض على القائم المذكور بقبيلة بنى سادن أو آيت يوسى والتوجيه به سجينا للخليفة السلطانى بفاس، وهو إذ ذاك أخو المترجم المولى إسماعيل وكتب بشرح ذلك لسائر إيالته ودونك لفظ ما كتب به بعد الحمدلة والصلاة والافتتاح: "وبعد: فإن عبد الكبير بن عبد الرحمن الذى سولت له نفسه ما سولت من الرأى المنكوس. والحظ المعكوس. كان تحزب بشياطين وأوباش من برابرة بنى مجيلد، وأتوا به لآيت عياش قرب فاس، فلما سمع بذلك خدامنا أهل فاس وأخوالنا شراكة وغيرهم من الجيش السوسى وقبائل الصلاح، قاموا على ساق في طرده وإبعاده. ونفيه من ساحتهم وتشتيت رماده. وقابلوه بالنكاية والوبال. ورأى منهم ما لم يخطر له ببال. ورجع بِخُفَّىْ حُنَين (١)، ثم بعد الطرد والإبعاد لم يبال. بما هو عليه من سوء الحال، ولا أقلع عما طمع فيه من المحال، ولا انتبه من نومته، ولا أفاق من سكرته، وبقى على دورانه عند البربر إلى أن ختم مطافه بالوصول لآيت يوسى فحكم الله فيه هنالك وأُتى به مقبوضا عليه وذهب ريحه وسقط في أيدى (٢) من كان آواه من البربر وحصلوا كلهم على الخسران. والخزى والخذلان. وها الفتان مثقف تحت يد أخينا مولاى إسماعيل حفظه الله فالحمد لله حق

стр. 712

حمده. ولا نعمة إلا من عنده. وهو المسئول بنبينا ﷺ ومجد وعظم. أن يؤدى عنا وعن المسلمين شكر نعمته. وأن يجرينا على ما عودنا من جزيل فضله ومنته. هذا وقد كتبنا لكم هذا بعد ما خيمنا بحول الله ببلاد الصفافعة من بنى حسن ومحلتنا المظفرة بالله محفوفة بالنصر والعز بحمد الله، وأعلامنا المنصورة بالله رياح السعادة واليمن تسوقها، والأرباح تكفل بها سوقها، وقد أعلمناكم لتأخذوا حظكم من الفرح بما خول مولانا جل وعلا من عظيم نعمه، فلله الحمد وله المنة والسلام في ٢٣ من شوال عام ١٢٩٠". قلت: ثم بعد مكث الثائر في السجن يرفل في قيود الهوان والصغار أمدًا بعيدًا عفا عنه المترجم وسرحه وأكرم مثواه، وأجرى عليه جراية تليق بأمثاله من أفراد العائلة. وقد عقد صاحب الفتوحات الوهبية في سيرة مولانا الحسن السنية وهو العلامة الحسن بن عبد الرحمن السملالى فصلا خاصا بثورة مولاى الكبير، وخلاصة ما ذكره أن اسمه سليمان، وأنه لقب بالكبير لأنه أكبر إخوته، وأنه اقتدى في ثورته على مولاى الحسن بأبيه مولاى عبد الرحمن بن سليمان حين ثار على سيدى محمد بن عبد الرحمن والد مولاى عبد الرحمن لاستصغاره إياه سنا وعقلا، فإنه خرج من تافيلالت ولما وصل "القصابى" بعث بريدًا لإعلام أهل فاس بأمره فأجابوه بالموافقة واستحثوه في السير قبل مجئ السلطان من مراكش، وواعدوه باللقاء في صفرو، متى نزل بها، فلما نزلها أخلفوا وعدهم معه وأبوا أن يخرجوا إليه حتى يصل إليهم، ولكنه لما وصل ظهر المهراز مع أتباعه البرابر وجد أمامه الباشا فرجى قد خرج للقائهم لما تواترت (١) أخبارهم، وكان ذا رأى وحرب وتدبير، فمزق جيشه أصحاب مولاى عبد الرحمن، واستلبوا خيلهم وبغالهم وأسلحتهم، وكاد المولى عبد الرحمن يقبض.

стр. 713

فلما تبدد أتباع المولى عبد الرحمن ذهب ولده مولاى الكبير هذا في اثنى عشر فارسا لاستصراخ بعض الفرنسيس النازلين وقتئذ على بنى يزناسن لأمر بينهم، فوافقوه على الانتصار له، أى بعد أن تظلم إليهم ووعدهم المغانم، وأكرموا نزوله عند المسمى عبد القادر بن داود، وأوصوا هذا بمرافقته لوهران، ثم ارتحلوا عن بنى يزناسن إلى وجدة متهمين أهلها بممالأة بنى بزناسن، ووظفوا عليهم ذعيرة يدفعونها في أجل ثلاثة أيام فدفعوها. وارتحل الفرنسيون عنهم لتلمسان، فكان أول عمل لهم بها أن ضربوا السلك لملكهم يخبرونه بأمرهم مع مولاى الكبير، وأنهم قبلوا ما عرضه عليهم من النجدة والانتصار، فأجابهم بإنكار عملهم هذا وعاتبهم عليه فندموا على ما فعلوا إلا واحدًا منهم يقال له "القبطان عك" حاكم عرب وهران، كان هو المشير بقبول الانتصار، فإنه أكد على عبد القادر بن داود في إكرام ضيفه، فبقى مولاى الكبير عندهم أربعة أشهر إلى أن كانت نتيجة مساعى عك وغيره أن أعين بأربعة آلاف ريال له وألف لأصحابه يدفعها لهم بعض الأغوات إن مروا به ويرجعوا لوطنهم. فخرج مولاى الكبير من وهران، وأخذ ما ذكر ورجع لوطنه فبقى به ونفسه متعلقة بالملك، إلى أن سمع بموت السلطان سيدى محمد فأراد انتهاز الفرصة فسافر من أهله بعد أن سمع ببيعة مولاى الحسن، واجتمعت عليه البرابر وغيرهم، وسار إلى أن نزل بآيت عياش فتهافت عليه البربر والعرب -وكان مولاى الحسن يومئذ برباط الفتح- وبقى بها مدة ووفود البربر تذهب وتجئ وتبشر من وراءها بخبره، فاجتمع عنده خلق كثير من بنى مكيلد، وبنى مطير، والغرابة، زيادة على من كان عنده، فاستكثر الغرابة عدد أتباعه وراودوه هو وإياهم على أن يعينوهم على قائدهم "محمد اسعيد ابربر"، فاعتذروا ووعدهم بالانتصار لهم بعد تمام الأمر، ولكنهم لم ييأسوا بل ألحوا عليه وعلى البربر وهم يجيبونهم بأن زمامهم بيد الشريف.

стр. 714

وسمع المولى إسماعيل بنزول المولى الكبير بذلك الموضع بتنبيه كان عنده على ذلك، فأرسل إليه الشريف سيدى محمد بن محمد الأمرانى آتى الترجمة لمعرفته بلغة البربر واطلاعه في جل الأمور على مقاصدهم ليعظه ويذكره بفشل قضية أبيه، وأنه كان منتهى أمره أن خرج من أرض السلف إلى (صفطل) وهو محل بنى مكيلد، ففعل ذلك ووعده بصلة يأتيه بها من مولاى إسماعيل، فاتعظ وتذكر ورجع الأمرانى بعد أن شرط عليه أن يمكث بمحله حتى يعود إليه، فلما بعد عن ذلك المحل وجد رجالا من الغرابة فأخبروه بامتناع مولاى الكبير من نصرتهم وطلبوا منه التوسط بينهم وبين مولاى إسماعيل ليطلب من مولاى الحسن إنقاذهم مما هم فيه مع (محمد اسعيد ابربر) لأنه أطلق عليهم إخوانه آيت حلى فنهبوا أموالهم ومزقوا أعراضهم، وتكفلوا للسلطان بأمر مولاى الكبير حتى يسلموه إياه حيا أو ميتا. فسار بهم الأمرانى معه لفاس، فلما التقى بالخليفة أخبره بما كان منه مع مولاى الكبير وما كان من الغرابة فاستصوب عمله مع هؤلاء وقبل طلبهم والتزم الوفاء به كما التزم الغرابة الوفاء بقولهم، ولكنهم لما رجعوا وجدوا قومهم قد عرقبوا على مولاى الكبير وأصحابه ساعة غيبتهم، فسار معهم وانتقل من الدار التي كان بها إلى دار قريبة من آيت حلى، أما الأمرانى فإنه رجع بغير صلة لما كان من أمره مع الغرابة فوجد مولاى الكبير قد خالف شرط عدم الارتحال، فاتخذه عذرًا لعدم الإتيان بما وعد، فلما التقيا لامه على الارتحال فأجابه مولاى الكبير بما يخالف ما كان بينهما: إن هذا ملك أبي وجدى فلا أسلم فيه، فسكت الأمرانى فرحا بظهور النكث من جانب الآخر معتمدا على ما أبرمه مع الغرابة، ورجع وتركه وكان محمد اسعيد، قد استعد مع إخوانه آيت حلى لمقابلة الضاربين على حللهم، وتواصوا على مكيدة دبروها.

стр. 715

فلما دنت الغرابة ومن معها من حلل آيت حلى حملوا عليها فانهزم محمد اسعيد واشتغل الغرابة بالنهب وتشتتوا في الحلل، فلما رأى منهم ذلك كر عليهم بقومه ثم هزموهم وغنموا منهم وحزوا. وكان مولاى الكبير قد بقى في الدار لم يركب هو وشرذمة من آيت مرغاد، وآيت حديدو، وأهل الخنك ينتظر أنباء سريته ودخولها صفر، وجلب المساجين. فلما رأى ما رأى خاف وأمر بقلع الخزينة وركب هو ومن تبعه وقصدوا دار الشريف سيدى أحمد بن عبد الجليل الوزانى فنجاه الله من الغرابة؛ لأنهم لما انهزموا ساروا إليه يريدون أن ينفذوا فيه ما اتفقوا عليه مع الأمرانى في شأنه ليتمكنوا بعد ذلك من محمد اسعيد، فاقتفوا أثره جهة سبو فوجدوه قد عبره ونزل هو عند الشريف إلى انتصاف الليل، فطرقهم أعراب الحياينة وبنو سدن وبنو وراين وآيت شغروشن وأحدقوا بالدار، فلما خرج لهم ربها قالوا إنا قد جئنا لنبايع سلطاننا الذى دخل دارك فاطلب منه أن يخرج حتى نبايعه ثم يعود إليها، فلما خرج إليهم أخذوا بيده وعاهدوه وأمروا رب الدار أن لا يخرج حتى يراهم، فلما ذهبوا ورجع لمحله ندم على ما صدر منه وتيقن القبض لا محالة، فكتب للأمرانى يستحضره هو ومولاى عبد السلام العدوى لإتمام ما تحدثوا به في آيت عياش، فلما وصل الكتاب أخرجهما مولاى إسماعيل حالا مع فضول الرامى مقدم مولاى إدريس إليه، فلما وصلوا امتنع من الذهاب معهم لفاس إلا إذا حضرت لوحة مولاى إدريس أو الدليل أو السبحة، فأرسلوا في ذلك فوجه لهم به وباتوا ليلتهم تلك، فلما أصبحوا توجهوا لفاس. وكتب الشريف رب الدار وعمه السيد إدريس بن زين العابدين للسلطان وهو حينئذ بالرباط يطلبون أن لا تخفر لهم ذمة بمولاى الكبير، فأجابهما السلطان لذلك، فلما وصل لفاس البيضاء أمر الخليفة بمنزاله بدار بودلاحة أمارة على

стр. 716

سجنه؛ لأنه أول قفص من أقفاص الامتحان، ثم قال السملالى ما نصه: وكان سفهاء الأحلام حين سمعوا بتوجهه تشوفوا إليه وتلقوه خارج المدينة، وقصدوا مشافهته بما توسوست به نفوسهم من الأمانى الكاذبة، فأتوا إليه في محله أفواجا ظنا منهم أن النزول نزول إكرام واستراحة ولم يعلموا أنه نزول نكال وعقوبة، فمنعهم الرقيب من الدخول فردهم خاسئين، والرقيب هو الباشا الحاج سعيد بن فرجى. فسمع هو بذلك فتيقن أنه مسجون، وأن رأيه خاب وخسر، ثم بقى بدار بودلاحة إلى أن قامت قضية ابن المدنى بنيس فنقل لسجن الدكاكين ونزل بها بنيس. قلت: ثم نهض من الصفافعة إلى دار ابن العامرى وأوقع بأولاد يحيى فريق من بنى حسن وقعة شنيعة كادت أن تحص منهم كل شئ، وألزمهم غرامة طائلة عقوبة لهم على ما أجرموه من الافتيات على عاملهم عبد القادر بن أحمد وهد داره ونهب أمتعته، وسعيهم في الأرض الفساد، ثم ظعن ووجهته مكناسة ومر في طريقه على الزاوية الإدريسية الزرهونية. وكان حلوله بدار الملك عاصمة سلفه الأكرمين مكناسة الزيتون سابع ذى القعدة، وأقام بها سنة عيد الأضحى ووصل أشرافها وأعلامها وسائر ذوى الحيثيات بها بصلات وعوائد، وبالغ في الإحسان للضعفاء والأيتام. ثم وجه جيشه لقمع متمردة بنى مطير ومن انضم إليهم وانخرط في سلكهم من العصاة كمجاط، وبنى مجيلد، وآيت يوسى، فنالت منهم بعد أن كانت الحرب سجالا. ولما لم يكتف بذلك في تأديبهم خرج إليهم بنفسه في جيوش جرارة لاستئصال شأفة بغيهم وعيثهم وعبثهم وإيذائهم بالمارة، فسقاهم كأسا دهاقا من

стр. 717

القهر والغلبة، وأحاط بهم جيوشه إحاطة السوار بالمعصم، واقتحم عليهم معاقلهم ومحال منعتهم، إلى أن دخل فم الخنيق أول بلاد بنى مجيلد وقبض منهم على عدد وافر من المساجين، بعد أن ترك قتلاهم صرعى للذئاب والنسور مرعى، ولما بارت منهم الحيل وعجزوا عن المقاومة والدفاع وحاق بهم سوء ما عملوا، ورأوا أنه لا منجى ولا ملجأ لهم، قدموا طاعتهم صاغرين وأتوا بصبيتهم ونسائهم متشفعين، وعما اقترفوه بالتوبة النصوح معلنين، فقبل توبتهم وعفا عفو قادر عنهم، وذلك منتصف محرم فاتح عام واحد وتسعين ومائتين وألف. ثم رجع للعاصمة المكناسية وأقام بها، وفى يوم الاثنين ثالث ربيع النبوى منها ظعن لفاس، ولما خيم بضفة وادى النجا خرج لاستقباله لفيف من الأشراف والموظفين والأعيان والكبراء، فأكرم وفادتهم ومثواهم وهش وبش فسروا واستبشروا، وفى صبيحة يوم الخميس سادس ربيع المذكور حل بها وكان ذلك اليوم يوما مشهودًا وفدت عليه فيه للتحية وتقديم مراسم التهنئة المؤذنة بإخلاص الطاعة الأشراف والعلماء والأعيان ومن بها من الجنود على اختلاف الطبقات، وأقام بها حفلة عيد المولد النبوى ووفدت عليه فيها وفود أعيان القبائل مع قوادها بالهدايا ذات البال وفق العادة المألوفة والعرف الجارى. وفى يوم الخميس -على ما في بستان السباعى والذى في الاستقصا يوم الثلاثاء- رابع ربيع الثانى من السنة أمر المترجم أمينه أبا العباس أحمد بن شقرون المراكشى بترتيب الوظيف المرتب على أبواب فاس وأسواقها وفق ما كان في حياة والده، وذلك أواخر شوال العام، فثقل ذلك على الدباغين ومرضوا فيه وأعلنوا بالتمرد والعصيان، وخلع ربقة الطاعة من أعناقهم، إذ أعجبتهم كثرتهم، وامتنعوا من أداء الوجيبة الواجبة عن بيع الجلد، وآل الأمر إلى إشهار السلاح والمبارزة والكفاح والصعود إلى المنارات المطلة على المدينة البيضاء فاس الجديد، ورمى المارة بالسبل الموصلة إليه، وصار الرصاص يتساقط ببطحاء أبي الجلود.

стр. 718

فعند ذلك أمر السلطان بمقابلتهم على قدر جريمتهم، فطافت بهم العساكر ورموهم بالكور من كل ناحية، ثم اقتحمت طائفة من العسكر سور فاس من جهة الطالعة وأخذوا في النهب والقتل وعظم الخطب واشتد الكرب، وفى أثناء ذلك بعث السلطان وزيره أبا عبد الله الصفار يعظهم ويعرض عليهم الأمان بشرط التوبة والرجوع إلى الطاعة، فأذعنوا وامتثلوا وانطفأت نار الفتنة الملعون موقدها. هذا ولم تكد نيران الفتن تسكن برحاب فاس حتى استفحل داء الثائر الفتان بوعزى بن عبد القادر العامرى الشركاوى المدعو الهبرى نسبة إلم بلدته هبرى -بالقصر بين أم العساكر ومستغانم- وكان ظهور هذا الفتان في أيام سيدى محمد سنة إحدى وثمانين ومائتين وألف في آنكاد ثم شتت جموعه. فلما بويع مولاى الحسن ظهر ثانية في غياثة واجتمعت عليه التسول والبرانس والحياينة وبنو وراين وكزناية وأولاد بريمة وآيت شغروشن وبنو سدن فنهض المترجم ثانيا في عام واحد وتسعين ومائتين وألف لقطع جرثومة الفساد خوف الانتشار والاستفحال والضرب على أيدى الساعين في إيقاد نيران الفتن، فاستأصل شأْفة متمردى بنى سادن وآيت شغروشن. وبعد أن طهر البقاع من سماسرة الفتن توجه لبلاد الحياينة ثم مدينة تارا فدخلها وكان عاملها إذ ذاك الباشا عبد الرحمن بن الشليح الشرادى الزرارى، وبعد استراحة الجنود المظفرة هجمت على المارق الهبرى المذكور وألقت القبض عليه، وأتى به للمترجم حقيرًا ذليلا فشهر وطيف به على جمل، ثم وجه به سجينا لفاس وبقى فيه إلى أن نقل لمراكش فمات في الطريق. ونهض صاحب الترجمة من تازا ووجهته القبائل الريفية وجعل طريقه على عين زورة، ولما وصل لقصبة سلوان أدركه عيد الفطر فأقام بها سنة عيد الفطر، ووجه على عامل وجدة القائد قدور حيطوط الجامعى وأمره بتأمين الحاج محمد

стр. 719

ولد البشير ومسعود اليزناسنى وأصحابه معه فوردوا عليه بالقصبة المذكورة، ولما مثلا بين يديه عزل حيطوط المذكور عن عمالة وجدة، وولى مكانه ولد البشير امسعود حيث رأى أن إطفاء نيران تلك النواحى لا يتم إلا بذلك، فانقلب المترجم لفاس على طريقه بعد أن وجه لوجدة عاملها الجديد، وأمر العامل المنزوع بمصاحبة ركابه الشريف ونهض بجنوده الجرارة قاصدًا فاسا، ولما وصل عقبة موكة المحل الشهير بمكناسة تراكمت الأمطار وتكاثف الوحل وحصل لتلك المحال بسبب ذلك مشاق عظيمة، وأصيبت بخسائر جسيمة. ولما حل المترجم بفاس وفدت عليه وفود التهانى لقصوره العامرة، ولما استقر به النوى أوقع القبض على الحاج محمد أومنو السوسى قائد الطابور السوسى ووجه به سجينا لتطوان، وولى مكانه على العسكر المذكور الحاج على السوسى الباعمرانى، ثم رشح لعمالة طنجة القائد الجيلانى بن حم، ولعمالة فاس السيد عبد الله بن أحمد. وبأثر ذلك عقد لأخيه المولى عَلِىّ عَلَى محلة لا يستهان بها، ووجه لاستخلاص المترتب على القبائل الريفية والقبائل القاطنة بنواحى تازا، ووجدة، وأسند قيادة تلك المحلة لباشا تازا القائد عبد الرحمن الزرارى، فاستاء جل القبائل وبالأخص المجاورة لوجدة وأنف عاملها ابن البشير من الرضوخ لأوامره، فكانت المحلة كلما أشرفت على قبيلة اشترط أهلها عدم دخول الرئيس المذكور لترابهم والتزامهم بالقيام بواجب المحلة ومقابلة أخى السلطان المولى على المذكور بما يليق به من الحفاوة والإجلال والخضوع والطاعة لأوامره. وقد كان ابن البشير تجمهر مع عدة قبائل وصمم على العصيان وشق عصا الطاعة أنفة من رياسة عامل تازا المذكور على المحلة دونه، إذ قد كانت بينهما

стр. 720

المنافسة والعداوة والبغضاء بالغة منتهاها، يطمع كل واحد منهما في ضم حكومة الآخر لحكومته، ويرى كل أنه الأحق والأولى بالتفرد بالرياسة. ولما سارت المحلة على طريق آنكاد قاصدة وجدة، قام في وجهها ابن البشير المذكور في جموعه ذات العدة والعدد، وناوشها القتال فرعبت ورأت أنها لا طاقة لها بمقاومة تلك الأحزاب، وأنه لا أنجح لها من الرجوع إلى فاس فرجعت أواخر شعبان، والسلطان المترجم في نزهة شعبانة بدار دبيبغ، وقص عليه القصص إخوة المولى على، فأسرها في نفسه، وكانت مدة مقامه بفاس ثمانية أشهر. ثم بعد مدة من رجوع المحلة نهض صاحب الترجمة من فاس لتفقد أحوال رعيته، وذلك منتصف رمضان من السنة فحل بالعاصمة المكناسية، وعزل محتسبها الحاج الطيب غريط المدعو كسكاس وولى مكانه الطالب المختار بادو. ثم بارحها إلى رباط الفتح، ولما خيم بضواحيه بالمحل المعروف بقرميم بلغه أن هلال عيد الفطر قد ثبت فارتحل ليلا ونزل خارج البلد وأقام سنة العيد قبل دخوله لقصره الفاخر العامر، وبعد ذلك دخل في موكبه عشية اليوم ترقب الهلال بنفسه وأمر العدول والأعيان من حاشيته برصده وكان الجو صافيا صقيلا فلم يظهر الهلال، فأمر باستئناف الصيام وسجن الشهود الذين زعموا رؤيته، وكان القاضى إذ ذاك أبا عبد الله محمد بن إبراهيم. ثم نهض المترجم إلى راوية ابن ساسى وخيم بها ستة عشر يوما، ووظف على الرحامنة أمولا طائلة، وفرض عليهم الخيل وألزمهم إعطاء العسكر تأديبا لهم على جرم أجرموه، ولم يبارح الزاوية المذكورة حتى أدوا جميع ما وظف عليهم وألزموا به. وبعد ذلك نهض للحضرة المراكشية، فدخلها آخر ذى القعدة الحرام، وكان يوم دخوله لها من أزهر الأعياد وأبهر المواسم.

стр. 721

وفى ربيع ذى الحجة أوقع القبض على مائتين وثمانين نفرا من رؤساء أولاد أبي السباع الذين كانوا خرجوا على عاملهم عبد الله بن بلعيد، وعاثوا على القائد العربى الرحمانى في شرذمة من الخيل، فنزل بها عليهم وألزمهم أداء ستين ألف ريال ذعيرة لهم على التمرد وإيقاد نيران الفتن، فلم يسعهم إلا بيع ماشيتهم بأبخس الأثمان وأداء الموظف عليهم عَنْ يد وهم صاغرون، ورد عليهم عاملهم ابن بلعيد المذكور وهم له كارهون، فلم يكن لهم بد من الخضوع والرضوخ للطاعة، ولم يزل المترجم مجدا في الاستعداد لكسر شوكة كل من بغى وتمرد وجمع العساكر من القبائل إلى أواخر صفر من سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف. وفى هذا التاريخ وفد عليه أبو عبد الله محمد الكندافى (١) في صاحب جبل تنملل، أحد أشياخ تلك القبيلة الذى كان وشى به للمترجم عامله أحمد بن مالك، وأشاع عنه أنه خلع ربقة طاعة السلطان من عنقه، وأنه يحاول الدعاء لنفسه، وطلب ملك سلفه من قبله. ولم يزل يوسوس للسلطان المترجم حتى أوغر عليه صدره وأمره بالقبض عليه، فاعتقد ابن مالك أنه حصل على ضالته المنشودة، ووجه له فئة من الجند فأوقع بها الكندافى، شَرّ وقعة، إلا ما كان من الجيش السلطانى فإنه لم يمسه بسوء. فوجد ابن مالك متسعا لترويح أرجافه، وكتب للمترجم بما يزيد حنقا على الكنتافى، وبعد الواقعة وجه الكندافى ولده للحضرة السلطانية بفاس وشرح له حقيقة الواقع وعرفه بأنه من المطيعين المخلصين، وبما يكنه له ابن مالك من العداوة والبغضاء، وينصبه له من شبك المهالك، فشفعه المترجم فيه وولاه على إخوانه، ولم يزل صاحب الترجمة مقيما بالحضرة السلطانية إلى أن أقام بها حفلة العيد النبوى الكريم، وغمر وأفاض العطاء في الشرفاء والعلماء والجيوش.

стр. 722

وفى مهل ربيع الثانى نهض من مراكش يؤم الديار الغربية، فمرَّ على ثغر الجديدة وتفقد أبراجها وسقائلها، وأقام بها أياما كانت كلها أعيادًا ومواسم، ثم نهض لآزمور ووقف على أسوارها وأبراجها وصقائلها وأمر بإصلاح ما يفتقر لإصلاح من ذلك وصيانته، وبالأخص البرج المقابل للمرسى هنالك. ثم نهض من آزمور ودخل ثغر الدار البيضاء في الثالث والعشرين من ربيع الثانى، وأعفى عاملها محمد بن إدريس الجرارى في اليوم نفسه من ولايته عليها، وولاه عمالة ثغر الجديدة، وولى مكانه بالدار البيضاء الحاج عبد الله بن قاسم حصار السلاوى، وأقام بها يومين ووقف على أبراجها وسقائلها، وواعد بإصلاح ما هو مفتقر للإصلاح وخصوصا مَرْفَأ المرسى. ثم نهض من الدار البيضاء وأوقع بعرب الزيايدة لانحرافهم عن الجادة، ثم صار إلى أن دخل رباط الفتح، وذلك غرة جمادى الأولى من السنة، وأقام بها تسعة أيام، ثم نهض وسار على طريق زمور الشلح إلى أن دخل عاصمة سلفه مكناسة الزيتون ثامن عشر الشهر، فأقام بها خمسة أيام. ثم نهض لفاس، وتهيأ للسفر لحسم مادة الفساد من القبائل المتمردة قبل سريان دائها، واستعجال عدوانها، والقبض على رؤساء الفساد، وتقويض أركانه، فخرج في جيوش عظيمة جرارة تنتظم من أبطال من انتظم في سلك إخلاص الطاعة، وقبائل الغرب الأيمن والأيسر سهله والجبل، وذلك منتصف جمادى الثانية. وكان في نظره أن يجعل طريقه على الوادى الأخضر ثم مكناسة تازا لبعد طريق غياثة، فلاذ بعض كبراء المحلة ورؤسائها بأبى محمد عبد السلام البقالى وقد كان محبوبا لصاحب الترجمة مسموع الكلمة عنده، بأن يشير عليه بالمرور على مدينة تازا ويحسنه إليه لقضاء مآربهم بها والاستعداد بالتموين منها، ففعل

стр. 723

وصادفت إشارته من المترجم قبولا حسنا ليقضى الله أمرًا كان مفعولا، وجعل طريقه وفق ما أرادوا، فقامت غياثة بواجبات تموين المحال وفق المعتاد والمألوف أتم قيام وأكمله، وذلك في المرحلة الأولى والثانية، ولما كانت المرحلة الثالثة من إيالة باشا تازا وهو إذ ذاك محمد بن الطاهر الدليمى المتولى بعد عاملها المعزول عبد الرحمن الزرارى، تأخر الإتيان بالتموين ولوازمه عن وقته المعتاد لظنهم أن المترجم لا يمر بهم، وحملوا أعلام العامل الصادر لهم قبل بذلك على الكذب، وأنه إنما أراد جلب ذلك لنفسه. وضمه لكيسه. فتهاونوا حتى رأوا الجنود المولوية تضرب أخبيتها وتحط أثقالها بالمحل المعروف بذراع اللوز، فعند ذلك قاموا على ساق في أداء اللازم فلم يتيسر لهم الإتيان بذلك في إبَّانِهِ. وكان بينهم وبين العامل انحراف باطنى، فاغتنم فيهم هذه الفرصة وبلغ للمترجم عنهم ما أوغر صدره عليهم وأوجب همه بزجرهم، وتسنى للعامل المذكور إلقاء القبض على كل من يأتى منهم بمئونته، فكثر الضجيج فيهم، وصار من انفلت منهم يخبر الجائى بتأسد العامل عليهم، ويهول لهم بحالة المقبوضين، فيرجع بما أتى به، ولم يجئ أحد بعد، فثار غضب المترجم وأيد العامل بدعواه، واعتقد أنه بلغ فيهم مقصوده، فوجه لهم لفيفا من الجيش باغتهم به وذلك يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر المذكور. فاقتحم ذلك اللفيف عليهم حصونهم المنيعة، وسقوهم كأس المنون، وهدموا ما لهم من الدور، وأطلقوا النيران في الزرع والخيام وقطعوا الرءوس، وتركوهم يختالون في أردية الهوان والبؤس، ورجع الجيش ظافرا غانما. ولما رأى الشريف المعتقد أبو العلاء إدريس الوزانى المعروف بزين العابدين زيادة، اشتداد غيظ السلطان عليهم حاول إرضاءه عنهم بإظهار الحقيقة له، وكان

стр. 724

نافذ الكلمة مطاع الأمر عند غياثة، فلم ينجح في مسعاه، وصمم المترجم على إعادة شن الغارة عليهم واجتثات عصيانهم من أصله. فنهض لقتالهم بنفسه صبيحة الغد وهو يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر في شقة بين جبال وعرة المسالك، لا يأمن من لم يكن من أهلها من المعاطب والمهالك، وقدم أمام جيوشه الجرارة المدافع والمهاريس واقتحم الشقة وكانت القبيلة قد تأهبت للقتال، واحتاطت الاحتياط اللازم للأهل والأولاد والأموال، وتناوش الفريقان القتال ودامت المناوشة بينهما إلى أن توسطت المحلة الجبال قاصدة قصبة القلعة لظنها أن جموعهم بها مجموعة، والحال أنهم وضعوا الكمائن ورصدوا الرواصد وشحنوا الكهوف والأنقاب بالرماة، ولم يتركوا غير منفذ واحد يفضى إلى مهواة متلفة، فلم تشعر الجنود المخزنية، إلا ونيران أفواه المكاحل تلتهب، والرصاص كهاطل الأمطار من سائر الجهات وبالأخص من خلفها. فاشتد الخطب وامتلأت القلوب رعبا، وكثر القتل وعظم المصاب، وألجأ العدو المحلة إلى شعبة بوقربة وهى المعروفة بالشقة فتعذر الرجوع، وعلا الغبار وتكاثف، حتى أظلم الجو وصار الإنسان ربما لا يميز من بإزائه، وأصاب الناس هول عظيم، وتساقط القوم رجالا وركبانا في تلك الشقة، وكلما سقط واحد ظن الذى وراءه أنه قد وجد مسلكا فيتبعه وهكذا إلى أن امتلأت الشعبة بجثث الأموات من الآدمى والدواب. وظل الناس يومهم يمرون عليهم بالخيل والأرجل وهم لا يعلمون، ولما كان العشى سكنت الفتنة وقام من بقى يبحث عن السلطان، فألفى في الشعبة مع حاجبه أبي عمران موسى بن أحمد من غير أن يعرف واحد منهما صاحبه، فأخرجوهما بعد عناء، وكان ممن تولى إخراجهما قواد مسخرى الجيش البخارى

стр. 725

ابن الحفيان قائد المائة والطالب الجيلانى الجبورى المدعو البحر، ولما أطلعوهما من تلك الشقة أركب المترجم القائد إبراهيم الشركى خليفة قائد المسخرين وهو إذ ذاك القائد محمد بن قاسم ونادى القوم بسلامة السلطان وأمر الطبالون وأصحاب الموسيقى بالصدح إعلاما للأباعد بسلامة روح العالم، كى يلتئم صدع من بقى من الجيش وتطمئن النفوس، فصاروا يتلاحقون بالأمير. فرادى وأزواجا إلى أن التفت عليه تلك البقية الباقية وهان المصاب بسلامة المترجم. ومن الغد أمر صاحب الترجمة آغا العسكر البخارى القائد العربى بن حم، والطالب الميقاتى السيد الجيلانى بن أبي الخير بدفن جثت قتلى هذه المعركة التعساء، ولكثرتهم تعذر عليهم دفن كل على حدته فواراهم في التراب جموعا ووحدانا. ثم وجه المترجم جيشا ثانيا بقصد أخذ الثأر من هؤلاء الظلمة العتاة فخذل, وكان كلما وجه لهم جيشا رجع عودًا على بدء والسلطان يزداد غيظا ووجدانًا إلى أن قام أنصح القواد القائد الشافعى المسكينى وطلب من الجلالة السلطانية أن يذهب لأخذ الثأر منهم أى المتمردة في خصوص أبطال إخوانه، فساعده وتوجه إليهم وأوقع بهم وقعة شنعاء ورجع سالما منصورا حاملا لرءوس من مات منهم، فشكر السلطان صنيعه وأثنى على شهامته وصرامته. ثم بعد ذلك ورد الطغاة على شريف أعتابه نائبين وبنسائهم وصبيانهم متشفعين، ولجأو لمدافع المحلة واحترموا بهم وفق العرف الجارى في أمثال ذلك، فقبل توبتهم وقابلهم بالعفو والإغضاء، وعزل عنهم العامل ابن الطاهر الذى كان السبب الوحيد في إيقاد نيران هذه الفتنة، وولى عليهم القائد منصور حيطوط، وكان إذ ذاك بحنطة أصحاب السكين.

стр. 726

ثم نهض المترجم قاصدًا الظفر بابن البشير أصل البلاء كله، ومر في طريقه على عين زورة من قبيلة المطالسة، ولما خيم بقصبة سلوان ودع صدر الوزراء أبا العلاء إدريس بن الطيب بو عشرين، وتصدر في محله أبو عمران موسى بن أحمد، ثم واصل السير إلى أن بلغ وادى ملوية فأقام هناك للاستراحة والاستطلاع على أحوال وأخبار تلك الأنحاء. ومن هنالك وجه بعض الساسة نسخة من دلائل الخيرات وسبحته للشريف السيد عبد الجليل الوزانى موهما له أنهما للسلطان، وأنه هو الذى أمر بتوجيههما إليه ليوجه بهما لابن البشير تأمينا له، ويأمره بالقدوم عليه والتوجه في معيته للحضرة السلطانية، فوجه الشريف المذكور بهما لابن البشير، وأكد عليه في القدوم لديه والتوجه في خفارته لصاحب الترجمة، فورد عليه وفى معيته جملة صالحة من الأشراف العلماء وسراة القوم من بينهم صهره ولد رمضان الذى كان اتخذه أمينا كبيرا بوجدة في جيش لا يحصى كثرة. ولما وصلوا إلى المحلة السلطانية بوادى ملوية رحب بهم السلطان وأظهر لهم مزيد الاعتناء والاعتبار وبالغ في إكرامهم وأنزل ابن البشير وصهره عند رئيس مشوره القائد محمد بن يعيش، وبعد أن اطمأنوا ألقى القبض عليهما وصفدهما بالأغلال، ووجههما لسجن فاس صحبة القائد الشافعى المسكينى وإخوانه وصاحب مكحلته القائد الجيلانى بن بوعزة البخارى، والقائد إبراهيم الشركسى وأكد عليهم بالأخذ بالأحوط في سفرهم بهما، ولمزيد الحزم أمر القائد الشافعى أن ينظم كلا من القائد المحجوب، والقائد إبراهيم مع المقبوضين في السلسلة كل لية إلى أن يحلوا بفاس، وأوصاهم إذا طرأ عليهم مشوش يبادر كل واحد منهما بقتل صاحبه الذى يليه من المصفدين.

стр. 727

ولم يزالوا يواصلون سير ليلهم بالنهار إلى أن بلغوا للحضرة الفاسية وقضوا مأمورياتهم طبق ما أمروا، ولما اتصل بالمترجم وصول السجينين بمحروسة فاس نهض من مسون ووجهته وجدة لتسكين بقية الروعة، وذلك بعد أن عين لكل قبيلة من القبائل التي جاءت مع ولد البشير المذكور عاملا. ولما بلغ وجدة ولى عليها القائد بوشتى بن البغدادى الجامعى والد عامل فاس الحالى وتاقت نفسه إلى رؤية المعدن الذى بجبل روبان، فوجه إلى الفرنسى المباشر لخدمته يعرفه بمراده فأظهر عدم الانشراح لطلبه، وأرجأه إلى أن يأتيه جواب رئيسه. ولما بلغ الخبر الرئيس تسارع للقدوم على المترجم في لفيف من العسكر والموسيقى فرحا بطلبه، ثم ذهب يستعد لزيارة جلالة السلطان للمعدن، وبعد ذلك توجه المترجم في موكب حفيل منتظم مِنْ فَارِهِ فرسان القبائل وولاتها وحاشيته الكريمة، وبعد الاستطلاع على المعدن واستيعاب أقسامه والإحاطة علما بجميع تعلقاته انقلب راجعا. ولما وصل إلى عيون سيدى ملوك بآنكاد، أمر ببناء قصبة بها وأقام هنالك حتى اختط بها مسجدًا لإقامة الجمعة ودور السكنى وفرنًا ودكاكين للبيع والابتياع وسوقًا ومحالا لسكنى لفيف من العسكر، وأنزل بها آغا بعسكره، ثم بعد ذلك نهض بجنوده الوافرة ووجهته تازا، وقد كان أصدر أوامره لعاملها حيطوط المذكور بإلقاء القبض على كل من يدخل سوقها من غياثة واستقبال جلالته بهم يوم حلوله بضواحى تازا وعين لهم يوم إناخة ركابه العالى بها، فبادر العامل لامتثال ما أُمر به. ولما بلغت الجنود المولوية لذراع اللوز خرج العامل للقعدة الحمراء وصحبته المساجين الصادر له الأمر بالقبض عليهم، وبات بها، ولما كان الغد وصلت المحال إليها واطمأنت وجه شرذمة من الخيل تحت رياسة القائد مبارك الشرادى الدليمى

стр. 728

المدعو ولد الشاوية، للإتيان ببعض الحظايا من تازا، كان تركهن بها، فلما توسطوا بهن الطريق قام في وجههم إخوان المقبوضين بسوق تازا أخذا بثأر إخوانهم ووقع بين الفريقين قتال شديد. ولما اتصل الخبر بالمترجم أمر جميع ما بالمحال من الخيول بشن الغارة على فساد غياثة، ولما لحقت بالشرذمة المتقدمة الذكر وأتى العتاة ما لا قبل لهم به، فروا منهزمين، ولحق الحريم ومن يخفره بالمترجم منتصرين، ومن الغد نهض قاصدًا العاصمة الفاسية، ومنها توجه لعاصمة آبائه وأجداده مكناسة الزيتون وأقام بها مدة وفيها انتهت الخامسة بسلام. ومما قيل في قضية غياثة وإخوانها قول الفقيه الأديب الكاتب السيد محمد غريط وأجاد: سيف اعتصامك بالإله مجرد ... ومهند وممهد ومؤيد سيف الحقيقة بالشريعة يزدهى ... ونجاده بضمان نصرك يعقد قلدته للفتح إرثا خالصا ... مع ما سواه من السيوف معدد متخلف الفور المبين وحسبكم ... المصطفى المختار جدك أحمد جاه له دون الوجود بأسره ... جاه عظيم بالشفاعة مفرد ما إن يبارى بأسها متورط ... في بغيه أو ظالم متبلد أو يستقيم الدين إلا بالظبى ... أو رسمه بسوى الظبى يتجدد وافتك إسعافا ومن أسمائها ... عضب بحكمك جازم ومحدد يفرى الظبى بجماجم فله الظبى ... وله الجماجم خاضعات سجد شقى الشقى بحده وأبيد من ... فتكات شدة ضربه المتمرد

стр. 729

حتف بسطوتك القوية قاصف ... مأثور أنباء الفخار مبدد أدهى السيوف كذى الفقار فمن يزغ ... عن أمرك العالى به يتقدد وكذاك مخدم في الشوى مستخدم ... ورسوب يرسب في الوريد ويغمد ومشوق الأملاك ساط حاسم ... حامى الذمار مفصل ومجسد وهو القضيب ودونه القلعى الذى ... منه الفرائس في المواقف ترعد بتار أعمار الطغاة براحة ... إسماحها أهل السماحة أعبد فكأنها بحر خضم مزبد ... فالخير مطرد الندى لا ينفد يمنى الإِمام أبي على من به ... صدر الجحافل ثابت لا يفأد [حسن] ملاذ المسلمين وغوثهم ... سلطان مغربنا الشريف الأيد إن سار في المحل استحال نضارة ... واخضرت الغبرا وأينع جلمد فاليمن والبركات في حركاته ... بهما المخوف عن المغارب يطرد أسد الكتائب سابق ومقدم ... إن ضن بالسبق الكمى الأبلد حيث المعاقل بالدواهى عقلت ... حيث البواتر والأسنة تشهد وهو المقدم كل ليث بيهس ... بشهامة عزت فليست توجد لله موقفه بكل ثنية ... وتنوفة فيها المنايا تورد وجبينه فيها بأنوار الهدى ... متلألئ بادى السنا متوقد كالحاجب السامى الذرى ونظيره ... كأبى قراب ذا الكئود الأقود أطواد طاولت السما لم ينفسح ... فيها مجال ينتحيه السلقد (١)

стр. 730

سلها فعند جهينة من حزمه ... خبر اليقين مقرر ومقيد حيث استغاث غياثة واستنجدوا ... أوصاف رأفته ونعم المنجد وتطارحوا وتملقوا واستسلموا ... وأناب صالحهم له والمفسد فاستوثقوا بذمامه عن طاعة ... يتلو نتائجها البقاء السرمد فعفا وأصلح والوفا من شأنه ... والحلم من أخلاقه والسودد أكرم بمولانا إذا ما أمه ... بالتوبة الجانى المسئ الألود بشرى كما تتلى البشائر عنده ... في كل آن والبشائر أسعد إن البشير إذا أتى أبوابه ... لا يستراب حديثه أو يبعد خبر بمعلوم ولكن متنه ... يرويه من طريق الصحيح مسدد بشرى بصنع الله والظفر الذى ... أنباؤه فوق المنابر تسرد دوخت مولانا البلاد جبالها ... وسهولها بسياسة تتأكد ونصرت حزب المرملين فما ونى ... عن شكر برك بالدعاء موحد وكسرت شوكة كل عاث ناكث ... الغدر فيه سجية لا تنقد حتى وصلت إلى صحاريها التي ... لخلالها بدأ التنقل يحمد فشددت أزر الدين في أقطارها ... وبرا العدا من ذاك غم مجهد هذا وحقكم الصلاح وأجره ... جم الثواب من الإله معود وقول الفقيه الأديب السيد العربى المشرفى: أتت بشائر بالتهانى كالعيد ... والسعد لباك زال كل تنكيد واستحكمت من سماء الملك ثابتة ... طوالع السعد في أبراج تسديد

стр. 731

فأصبح الغرب فردا لا يعادله ... شرق بما جار من تقديم تقليد يغار منه عراق وهو ذو مدد ... والشام يغبطه من حسن تمهيد لذاك أرخى ذيول الفخر يسحبها ... عزا بملك أبي الموالى والسود هو الإِمام الذى من حسن طلعته ... وحسن صورته مستنبع الجود إمامنا (الحسن) المسدى فواضله ... وبالفضائل ساد كل موجود بالبيض والسمر دان كل منحرف ... ورائغ عن سبيل الرشد مصفود لما بدت لعصاة الشم رايته ... بواد غياث جال الجيش في البيد أتت قبائل ذاك الجو مكرهة ... لما أحيط بهم كالغل في الجيد وأذعنوا رغم أنفهم وأعينهم ... وشاهدوا الفتح لم يكن بمشهود بفتح مغلق أبواب لثبقتهم ... دعوا ثبورا فسحقا للمناكيد حصون قلعتهم كانت لمتعتهم ... قد عاينوا فتحها من دون تفنيد مآل سبيهم وكل ما اكتسبوا ... لمن ولاه إلهنا بتمجيد شدوا رحالهم من خوفه رهبا ... لم تنجهم غابة من شر تشريد هيهات ظنوا تكن لهم أخى وزرا ... فخيب الله ظنهم بتفريد من أهل طاهر لم تطهر شريعتنا ... من رجس بغيهم وظلم تعنيد وكل جان لهم وجان نسبته ... والخبث في نسلهم من جد مجدود بنو بوأحمد لم تحمد عواقبهم ... وأرضهم للجوار دون تحديد بنوا قلاعا في أعلى الشم يمنعهم ... من سطوة الله عزها في محمود غش الفساد وكر البغى حل به ... من النكال وبال غير محدود

стр. 732

سحقا لهم طالما منتهم كذبا ... نفوسهم بأضاليل وتمريد أعظم بداهية دهماء قد نزلت ... بساحة القرب منهم والأباعيد ظنوا شواهقهم للكل منجية ... فأين من أسد منجاء للسيد أمست ديارهم مأوى لبومهم ... وشتت الله شملهم بتشريد وكل صاعقة صماء محرقة ... لم ينجهم هرب في كل تصعيد عساكر الحرب للأعداء طالبة ... لم تغن عنهم جبالهم بتعديد يتلوها جيش من الأبطال عارفة ... ركض الجياد عليها كل صنديد قد ذاقوا طعم وبال الزيغ عن سفه ... فاستمطروا العفو إظهارًا لترشيد قد غرهم عفو جده ووالده ... والشأن أخذ مولد ومولود ناداهم الضيغم السلطان إنكم ... لستم بأهل لعفونا وترديد مذ عدتم عدنا وكان الله منتقما ... منكم وربنا للأعدا بترصيد تبارك الله هذا الفتح جل على ... عن أن يزان بمنشاد الأناشيد بشراك فأت عنان الحزم محتسبا ... لله فعليك واصحبه بتحميد ودر على كل باغ سل مديته ... واذبحه بالعضب قهرا دون تهديد وادخل قصورا طيور السعد تنشدكم ... أهلا وسهلا بألحان وتغريد قد طال ما غبت عنها وهى شيقة ... لطلعة من سناك دون تفنيد لك الهناء يقلك كل معضلة ... وفتح مغلقها بإذن مودود ما قال منشده في رسم دالية ... أتت بشائر بالتهانى كالعيد

стр. 733

وقول الأديب الكاتب السيد محمد الصنهاجى من قصيدة: بنو وراين حكمت سيوفه في ... رقابهم فانثنت بالسعد والهمل أغاث غياثة بالحلم شنشنة ... بعد التمكن من أرض ومن قذل زناتة بسيوف العدل قد قصموا ... إذ شن غارته جيش الوغى الثمل سعادة قنصت فتانهم فزعا ... من سطوة بهرت أبطال ذى السحل حتى غدا كل فتان على وجل ... من ذى السيوف سيوف الله في الأزل يا رب مكن له في الأرض واقطع به ... حماية الكفر في الأوطان والنزل ولما كانت سنة أربع وتسعين ومائتين وألف نهض المترجم من مكناس ووجهته مراكش فخيم بسبع عيون، ومنها إلى عين عرمة، ومنها إلى أمحصى، ومن ثم إلى اربعاء بهت، ومنها إلى الخميسات، ومن ثم إلى ضاية رومى، ومنها لعبابو، ومنه على الطويجن ثم لتيداس من بنى حكم. وأقام هنالك وألقى القبض على عدد من المتمردين، ومن هناك نهض للمعازيز ومن ثم لأغبال، ومنه لظهر الشمس، ومنه للكراريط ومن ثم لأعويد الماء، ومنه إلى الدار البيضاء، ومنها إلى عين السبت، ومنها إلى طالع عك، ومنه إلى تاورتيست، ومنها إلى البيوت، ومنها إلى صبارة فطالع كرماط فأم زردة فمازى فونجين فالكريع فالكمكام فقيشر فبين السواقى فدار بوزكرى العميرى. وهنالك ألقى القبض على طائفة من بنى عمير كانوا حاولوا الاستيلاء على الادالة التي كان وجهها السلطان سيدى محمد والد المترجم عسة بقصبة آيت الربع، وهناك تعاهدوا وتظافروا على الإيقاع بها وتمزيقها كل ممزق لما بلغهم نعى السلطان المذكور، ولولا قيام أهل أبي الجعد آل الشيخ أبي عبد الله محمد -فتحا- الشرقى في وجوههم ومبالغتهم في التحذير والإنذار لفعلوا.

стр. 734

ثم نهض إلى السراغنة وألقى القبض على من تعدى حده وخرج عن طوره من آل الشيخ رحال، ثم لم يزل يواصل سيره ساعيا في حسم مادة ذوى الزيغ والطيش والشطط حيثما حل وارتحل إلى أن حل بحانوت البقال ثم مراكش. وقد نظم الشعراء المرافقين لهذه الحركة مراحلها ووصف وقائعها ومشاهدها فقال: مراحلنا للحوز أندية زهر ... ورائدها في الفتح يصحبه النصر هو الطالع الميمون لاحت سعوده ... بأفلاك عز دونها الشمس والبدر منازل من سبع العيون تعدها ... حماة لدين الله والبيض والسمر وجيش لهام حيث زمور أذعنوا ... إلى سيدى من أمره الجبر والكسر وأعطوا يد الطاعات في عين عرمة ... وما لهم في ذاك نقض ولا غدر وأقدمنا عون الإله وحوله ... لأمحص من جرعاؤه المورد الغمر أقمنا به يوما مقام كرامة ... فعاج بنا للأربعا الزمن النضر منازل مولانا اللواتى تشوقت ... إليه كما يشتاقه النيل والقصر هو القصر منصور بطلعة سيدى ... فما إن له عنها يقر به صبر يباكره فوح العبير ونشره ... ويهدى له أنفاس آراجه الزهر منازل مولانا بفسطاطه الذى ... سرادقه أمن وأطنابه خير معرج بهت من تسلسل ماؤه ... رضابا كأن قد شابه الذهب التبر فأزمع منها السير مالك رقنا ... وعسكره الساطى وجحفله المجر يصك به الأعداء صكا وبأسه ... مهنده زرق مطاعنها حمر

стр. 735

فخيم في الخميسات فأصبحت ... وما لمجال المجرمين بها ذكر وما لج في تلك التنائف صائل ... ولا ذعر إلا وحاق به المكر أباد وعفى بغيهم وعنادهم ... وأرهقهم من بطشه الخوف والذعر فأنهضه التأييد حتى استوى على ... أعز بلاد عندهم وهم كثر لضاية رومى والسلامة ردؤه ... وحاجاته حمت وقد قضى الأمر فطورا بترغيب يسوس وتارة ... بترهيب فتاك يدين له الدهر وحاول في أعباب تتميم رشدهم ... فتم بتداس له ونما الأجر ولما أجزنا بالطويخى هيأوا ... هداياهم فيها المحجلة الغر فنفذ حكما عادلا في فريقهم ... بنى حكم من حلمه عنهم ستر ثمال اليتامى عصمة لأرامل ... براحته طى المحارب والنشر فجاءوا حفاة صاغرين أذلة ... ولم يأوهم طود ولم يحمهم وعر وأدوا حقوق المسلمين فما ونى ... غشومهم عنها ولا الصالح البر مراحل للأملاك أسلافه الألى ... لهم بأبى السبطين قد ثبت الفخر هم نسخوا عز المعازيز بالظبا ... وما آدهم نجد بعيد ولا غور فأحيا أمير المؤمنين سبيلهم ... كما كان بل قد فاقهم ذلك الصقر إمام على الدين الحنيفى قابض ... فإرضاؤه ربح وإسخاطه خسر إمام له في كل شئ فراسة ... هى الحق والعلم اللدنى والسر إمام فحدث عن شمائله التي ... بها انفسحت في الغرب دولته البكر هو الحسن المنصور لذ بركابه ... وإن غال من أعدائك الهتر والمتر

стр. 736

هو ابن رسول الله أكرم راحم ... إذا ازورت عنك المعايب والوزر مواكبه أخنت على كل خائن ... بأغبال في الآثام أوثقه الجور وعاجله صرف الردى وأجاحه ... فليس له مأوى وليس له وكر فهل للسهول المارقين إنابة ... وهل في دنى يثبت العرف والبر أقمنا بظهر الشمس نخرج زرعهم ... من الغاب إذا أخفاه عن علمنا الطمر فعادوا ولاذوا بالمدافع رهبة ... وهم ورغ غدر وفعلهم نكر ومنهم لدى مولاى قدم نسوة ... عجائز والصيبان والأشيب القحر (١) وساقوا لأعتاب المؤيد إبلهم ... نجائب أدماها التطارح والنحر فأبقى عليهم والبقاء سجية ... به عرفت أخلاقه البدو والحضر وعاقب منهم من تولى ضلالة ... ولم يغن فيه الحلم والصفح والوصر (٢) فهذا هو الفتح المبين فحدثن ... به لأعداك الفتح والنائل الغمر بمنتصف الشهر المعظم أقبلت ... فواتحه يتلو أواخرها اليسر مراحل لا أنفك أصبو لذكرها ... وهيهات لا تجدى الصبابة والذكر دخلنا على دار الكراريط عنوة ... ودلنا عويد الماء فانشرح الصدر وسرنا إلى الدار التي في بياضها ... أقيمت صلاة العيد واتصل الفطر وأقبل مولانا الإمام فأشرقت ... مصلاه والدين المؤيد والعصر تمنى مصلى كل أرض صلاته ... وتسبيحه فيها ومكة والحجر

стр. 737

كما تأمل الأفلاك لو بسطت له ... بذا اليوم في محرابه الأنجم الزهر لتدرك من أقدامه لثم أخمص ... مواقفه أقدامها الفتك والدسر (١) ودون من بحر البلاغة مصقع ... له خطبة قد زانها الوعظ والنتر (٢) فبورك من عيد سعيد مقره ... بأرض زعير ما استفيد به دمر وعنه انفصلنا واتصلنا بكل ما ... يسنى لنا البشرى وإن قصر السير لدار أبي عياد ذات مزارع ... وعين سبيت من تسلى بها الفكر وشمنا على قرب الديار زبيدة ... أماطت خمار البين إذا حسن الفسر (٣) تحن إليها النفس وهى بعيدة ... فكيف وقد أدنى مقلدها اليسر وطالع عنها شوقنا كل تلعة ... وطالع عك والشوق لاعجه جمر بلاد بمولانا أذيل أسودها ... وكسر ناب البغى واقتطع الظفر فقاموا بحق الله والملك رهبة ... وسرهم بالنصر أعلن والجهر ورحنا لتا ورتيست حول زبيدة ... وشائننا أودى به الدحر (٤) والتبر وراض بنا يمن البيوت سوابقا ... إليها ولكن ماء جيرانها نزر بدعوة مولانا تفجر سيبه ... وفى صبرا عنه انفاى الترب والصخر فآن بأسرار الأناة نزولنا ... بطالع كرماط وأسادنا جزر

стр. 738

ولوحظ في تلقاء زرض مخيم ... بأرض بنى خيران من شرهم قفر هنالك ولجين به كل شيظهم ... من العسكر الجرار أوحشه الزأْر (١) وقلب آجاما ودكدك ذروة ... وكسر هامات تخامرها الكبر على الفور أدوا واجب الملك في مزا ... هو الطارف الوجود والدخر والوفر وحيث أنخنا بالكريع جددوا ... قراهم كثيرا لم يلم به حصر ونافسهم فيه سماعلة فما ... تأخر منهم عن أدا واجب شفر (٢) مراتع غزلان بقمقام نفز ... وفى قيشر قد زانها النفز والنفر (٣) بتادلة أبقى الإله رجالها ... ملاذا لعان مسه الكرب والعسر وموئل تدبير الصلاح لصالح ... وتدمير حبان فيه لم ينفع الزجر من بين السواقى حذرته طلائع ... لسيدنا من شأنها الرفق والصبر وفى دار بوزكرى أقامت براهنا ... على أنه أعمى وفى أذنه وقر فصحبه سيف الإمام فلم يقم ... له في ابن عمير حديث ولا خبر مغيض فساد خيب الله سعيهم ... مشالم فيهم يعرف الظلم والختر وفى حلق الاغلال أدرج منهم ... عديد وأصمته العقوبة والأسر منازله في أثنائها كل عارف ... كبير علينا فاض من عطفه بحر كمولاى من يكنى أبا الهادى من له ... مناقب شتى ليس يجمعهما سفر

стр. 739

تلالا بالأنوار وجه ضريحه ... له الجاه عند الله أكبر والقدر ومولاى قطب الواصلين وسيدى ... سليمان من يدعوه مثر ومعتر إغاثته عند الشطيبى كأنها ... رماح إلى الغوغاء سددها الجبر مفاتيح مولانا الإمام حماته ... ببرهانهم قد شد للملك الأزر تبارك من أولاه منهم عناية ... بها لعصم خضعان أكنهم وجر (١) رأينا بنى موسى حيارى أذلة ... بدار ابن زيدوح يقودهم القسر نواكس للأذقان تسأل حلمه ... سؤال منيب قد أحاط به البور فلله ما أعلى وأغلى سماحه ... وأقربه من مجرم إثمه عذر منازل أحيا الله أمن سبيلها ... فبالحفظ فيها ينهض الشفع والوتر أبو عقبة منها قراه مهيأ ... به يحمد الترحال والظعن السفر وفى الدثرة الحسنا بشير حلولنا ... بتاستاوت يلقاك من بشره نشر يخبر أن الفور يوم مبيتنا ... حذاء أبي يعزى وذا السيد الغر كريم كريم منه كان انتقالنا ... لتاملت والقلب جذلان والفكر فقال إلى المنصور حال اعتباره ... زيادة أرباب التقى للعلى جسر وذا السيد الإبدال رحال سره ... يشير لمولانا وأعلامه الخضر فزار عماد الدين في الحين قبره ... وآب بغيث الله إذ أحجم القطر وبتنا برأس العين والدجن مطبق ... ومعه رذاذ عنه تندفع البغر (٢)

стр. 740

ورحنا لكرمان رواح مسرة ... بذا الغيث من ينمو به الضرع والبذر تخال فويق الأرض كل سحابة ... يسح علينا من جوانبها نهر إمام إذا ما الليل أرخى جفونه ... جفا نومه قرآنه الملك الحبر إلى الله يدعو والإجابة بابها ... له صار مفتوحا ومفتاحه الذكر على ملكه أهل العناية أطبقوا ... وعن ملكه قد عنون الكشف والجفر فبانت لنا مراكش وربوعها ... ولاح عليها من سنا نوره فجر وبتنا على جناتها بقرارة ... ومما سواه راح آمالنا صفر ولما بدا وجه الصباح بدت لنا ... رجال بهم نال المفاخر ذا القطر بدور سماء الأصفياء بجاههم ... تبين من أعدائنا الصقر والبقر فسحقا لهم سحقا أتى المَلِكُ الذى ... به تأمن الدنيا به سعد الدهر وحل محل العز في دار ملكه ... فبشرى لنا والحمد لله والشكر ونظم تلك المراحل ناظم آخر نذكر نظمه لما فيه من الفائدة التاريخية قال: حمدا لمن هيأنا للحركة ... بقوة وصولة وشوكة نشكره شكر ضعيف عاجز ... ثنى عنانه عن العجائز فسنحت له مراحل السفر ... يعدها في ذا السجل المختصر فقال والله يسدد المقال ... وهو حسبى في مقام وانتقال مراحل السلطان مولانا الحسن ... أكرم أبناء حسين وحسن وسائل إلى صلاح المسلمين ... بسيفه المشهور بالفتح المبين أرخت بدأها بشكر بين ... على مواهب الإمام الحسنى
следующие страницы →