← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وأعطاه في يوم المعاد شفاعة ... تعم ذوى الإسلام جمعا لمفرد وأنزل قرآنا عليه مفصلا ... أصار جميع الملحدين كجلمد وأعجز منه الإنس والجن آية ... فيا حسرة العاصى وبشرى لمرشد وحن إليه الجذع واستأنست به ... ضباب الموامى (١) والوحوش بفدفد ووافت له الأشجار تسعى كما جرى ... بكفه ماء قد روى اللجب الصد وقد هز عزما حيث لاقى عكاشة ... فعاد لديه كالصقيل المهند وقد منح البئر الأجاج عذوبة ... بتفلته حتى حلا كالمقند (٢) وقد ظللته من ذكاء غمامة ... وفك بعيرًا منه رام ليفتدى ورد بفضل الله عين قتادة ... وعافى عليا من قذى به مرمد ويا عجبا فى كفه سبح الحصا ... كذاك طعام منه سبح في اليد وأمته قد أخرجت خير أمة ... ويلزم فضل المقتدى فضل مقتد وأخبره عن سمه عند أكله ... ذراع فلم تستقص آى محمد عليه صلاة الله ما هام مغرم ... بحبه من غير اصطبار موطد ومنه الرضا عن آله الغر من سمت ... لهم قدم في كل فضل منضد ومن زهرت في المكرمات مناقب ... لهم مثل روض بالأزاهر أملد ومن حبهم فرض على كل مؤمن ... وبغضهم يفضى لجمر موقد

стр. 772

هم نسل زهراء ليوم قيامة ... مآثرهم إن رمتها لم تعدد بهم تنجلى العاهات عن متوسل ... بهم وبهم يدنو المنى إن يبعد بجاههم تجرى الأمانى لأمل ... بهم ينفرى حبل العويص المصفد ولا يتهم في الأرض أمن لأهلها ... وهم في الورى جبر لكل مخصد مفاخر آل البيت بحر تزاخرت ... به لجج أن تغترف منه يزدد ولكنها زينت بفخر إمامنا ... فنال كمالا في كمال مسرمد حبانا إياه الله فضلا ونعمة ... فتهنا به في ظل أمن ممدد سما حيث لم يدرك فلولا سعوده ... حسبته كيوانا إذا يترصد بدا نيرا في الأرض كالنوء شأنه ... هدى وندى فاستمطرن منه واهتدى به شرفت مرقى المعالى كأنه ... لجسم المعالى مهجة لم تبدد لئن كان من قبل الملوك تقدمت ... فلم يقس العضب السليل بمغمد فاقرر به جفينك طلعة كامل ... بأردية البأواء والفخر مرتد لسيدنا حلم لوانه للصبا ... لماهر أوراقا لاقنان غرقد ومجد وملك أحرز عن وراثة ... على نسب صرد (١) ورأى مسدد وجود كما صوب الحيا وأناءة ... وهيبة ضرغام وتنجيز موعد وبأس فلم تظفر به شهب السما ... وعلم بهبحر بالمعارف مزبد وخلق كلما نشر الكبا وشجاعة ... بحومة حرب لم تكن عند فرهد

стр. 773

وخلق لو ان البدر قابل نوره ... كساه شجون من شجى وتحقد هو القطب لولا أنه كان مفردا ... بلا شبه ما خلته غير فرقد فالمم بمولانا الرضى الحسن الحلا ... تنل خير مأمول وتحظ وتسعد لكم زان قدر الليل ميلاد جده ... بإظهار تعظيم له متعود بإنشاد أمداح ووفر ولائم ... وبذل عطيات وحسن تهجد وإسراج أنوار وتطييب محفل ... وجمع حماظ فضلهم لم يندد فلا زال مزدانا به فضل مولد ... وزال محفوفا بنصر مؤيد أسيدنا مالى بمدحك مغرم ... فصار أنيسى إذ أروح وأغتدى متى رأش ذهنى مطردا لمدائح ... أرى هدفا ذلك الجناب لمطرد وفيكم ترى الأمداح فخرا لمادح ... وفى غيركم كالغنج في عين أرمد أسيدنا هذى عقود نظمتها ... ونضدتها كالدر في سلك عسجد ولو لم تفق في ذاتها فلقد زهت ... بمضمونها زهو النديم بصرخد وفى نظم آيات الرسول تواصل ... لخير وتنفيس وسلوى لأنكد به نسأل الله النجاة ونرتجى ... بجاهه فتحا للوصيد المشدد وحفظا وتيسيرا وتفريج كربة ... وسترا عميما لم يزل يتجدد وتأييد نصر الله والفتح والعلا ... لسيدنا الشهم الإمام المصمد وبالمصطفى كم ساكنات من المنا ... تحركن لولا جاهه لم تنود فيا خير خلق الله عطفا لناظم ... فرائد آيات لكم متودد ومدحى لم أحسبه غير زبرجد ... معاد ومردود لبحر

стр. 774

كما لم أخل نظمى مديحا لأحمد ... ولكنما الممدوح نظمى بأحمد عليه صلاة الله ما ساق سائق ... إليه ركابا في فلاة وأوهد صلاة بلا حصر نؤمل فضلها ... لدى يوم هول رائع وتهدد صلاة تعم الصحب ما قال منشد ... شدت سحراً ورقاء شذ وتغرد وقصيدة العلامة الأديب الشريف سيدى الفاطمى بن الحسين الصقلى ولفظها: ضحك الربيع بمبسم النوار ... إذ هنأته بوارق الأنوار وأتى النسيم مجررا أذياله ... تيها يدوس عمائم الأشجار ويجيبه مسك النوافج عله ... قد ضاع بين كمائم الأزهار والنهر يجرى كالمدام بمفصل الـ ... أغصان فهى تميس من إسكار والورق تشدو والهزار بعوده ... يشجى بما يلهيك عن أوتار والعندليب مجود ألحانه ... غَنذَّى فأغنانا عن المزمار والدوح ترقص في كلائل أطلس ... طربا بلحن مصوت الأطيار والغور قد بثت زرابى نبته ... والنجد أسدل سندس الأستار وأتت ندامى كالنجوم وجوههم ... تبدى السبيل إذا خفى عن سار من غض ورد كالخدود ملاحة ... والمسك في تفتيقه المعطار وشقيقه من في صفيحة خده ... حسنات حسن قد بدت للقارى وقريبة النسرين ذى العرف الذى ... تسرى به النسمات في الأغوار أو نرجس كضعيف جفن فاتر ... يرنو بمقلة فاتن سحار

стр. 775

وطرى ريحان يريك حواجبا ... مثل القسى في رقة الأوتار وبنفسج ياقوتى يحكى عذا ... را باقلا عن مخجل الأقمار أو أقحوان مثل ثغر باسم ... عن لمع برق خاطف الأبصار وقضيب بان مثل قد أهيف ... متمايد بتدلل ووقار أو ياسمين قد تدلت من سما ... ء زبرجد كالشهب للأنظار يحكى تدليها تدلى أنجم ... زهر بمولد أحمد المختار خير الوجود وعلة الإيجاد من ... لولاه كان الكون في إضمار أصل الخليقة أسها ولبابها ... سر الحقيقة معدن الأسرار قوت القلوب وريها ونعيمها الـ ... ـنامى أبو الأرواح والأنوار لله ما قد حاز يوم ولاده ... فخرا على الأيام والأعصار يزرى بليلة قدرها وعروبة ... والفطر والأضحى بلا إنكار صبح به قد أصبحت شمس الهدى ... في سعدها والصبح في الأسفار أعظم بتلك صبيحة الاثنين قد ... جاءت بقطب دوائر الأدوار يوم تتابعت البشارة فيه من ... جن وجلمود ومن أحبار يوم بليلته يخفف ربنا ... عن ساكن النيران حر النار يوم به نيران فارس أطفئت ... وعيونهم تشكى لهيب أوار يوم به الإيوان منصدع كصد ... ع ضلالة الجهال والكفار يوم بدا نور أضاء له قصو ... ر الشام قبل تبلج الأسحار يوم به روض الجنان مزخرف ... متدفق الأنوار كالأنهار

стр. 776

يوم به ابتهجت سرورا وازدهت ... من بالجنان من الدمى الأبكار وتمايدت وتمايلت وتزينت ... من كل حسن جل عن مقدار يوم به طرب العوالم زائد ... كالحزن من أهل العمى الفجار يوم به الإسلام أسس بالتقى ... والكفر عاد على شفا منهار يوم به نور الرسالة مشرق ... يسرى فيكسو جملة الأقطار يوم وما أدراك ما يوم غدا ... بدرا بحالك أزمن الأغيار كشف الزمان غياهبا من حجبه ... عن وجه أحمد صفوة الأبرار خير الورى عالى الدرى من سرى ... تحت الدياجى للمليك البارى ذو المعجزات الباهرات لحافظ ... ولسامع ولناظر نظار ما إن يحيط بعدها نظم ولا ... نثر وكيف العد للأمطار ما من خوارق عادة للأنبيا ... إلا وقد عدت لرب الغار لكنها ذهبت سريعا غير ما ... لمحمد في الذكر والآثار أما القديم فحفظه من ربه ... وكذا الحديث بناقدى الأخبار فهما على مر الزمان ومده ... غضان ما سئما على التكرار وهما أمان للعباد وللبلا ... د كأهله الشرفا ذوى الأقدار من هم نجوم يهتدى بسناهم ... من ضل في محلولك الأغمار هم مطلب وذخائر وتعزز ... للمبتغى والمجتدى والجار لا سيما بيت الملوك ذوى العلا ... من هم ذكا الإعصار والأمصار السادة الأسد البهاليل الذيـ ... ـن علوا من العليا على الأكوار

стр. 777

وخصوصا المخصوص بالتبجيل من ... بين الملوك سلالة الأطهار فخر الملوك وتاجهم وسراجهم ... شمس القصور فريدة التقصار ذو الجاه والقدر العَلِىَّ أبو على ... حامى حمى الإسلام من غدار حسن كأخلاق تناهت وازدهت ... بمحاسن الإيراد والإصدار ملك به تاج الخلافة مشرق ... في المشرقين ككوكب سيار ملك له كل الملوك رعية ... كسرى وقيصر من عبيد الدار ملك تلفع بالمجادة واحتبى ... في برد عز معلم بفخار ملك له همم سمت فصغيرها ... يستنزل النسرين باستصغار ملك تهاب يمينه أسد الشرا ... وشماره يسر من الإعسار ملك له فضل وإفضال على ... ذى الملك والدنيا وذى الإقتار ملك له حلم وعدل واسع ... وسياسة تغنى عن الأنصار ملك له علم وفهم ثاقب ... في المدلهم غدا كزند وارى ملك لرفع الدين منتصب كما ... خفض الضلال بجارح بتار أحيا رسوما للحنيفة بعد ما ... أقوت فعادت بجد في إكبار وأقام منها قاصدا سبل الرَّضَا ... ما أنقضت بغيا يد الأشرار في كل حين للشعائر مظهر ... كالمولد النبوى ذى الأخطار فله بأزمنه احتفال واحتفا ... من سرد سيرة سيد الأطهار وقراءة لحديث مولد أحمد ... وسماع ما فيه من الأشعار وحباء مادح جده ولقارئى ... ولمن يحل بذلك المضمار

стр. 778

بل للرعية كفه مبسوطة ... بغمام تبر وابل مدرار هذا ولا عجب فإن بنى النبى ... أولى بهذا القرب والإيثار يا سيدا يهنيك مولد جدكم ... خير البرايا سيد الأخيار دم صاعدا بسعيد برجك آمنا ... ومساعدا من سابق الأقدار واسلم ولج بحصين حصن حماية ... ترعى بعين عناية الستار ولتبق في عز ويمن فاتحا ... بالنصر باب النجح والأيسار ولترق في أوج السعادة بالقبو ... ل ممكنا من مغنم الأعمار ولتمش في طول البلاد وعرضها ... بسلامة في السهل والأوعار وافتح بعزمك كل حصن شاسع ... متمنع بالهند والأنبار واجلب برجلك والجياد فما ترى ... إلا افتتاحا نعم عقبى الدار فالله حافظكم وناصر عدكم ... وعديدكم في الجهر والأسرار بأبيكم من صار يوم ولاده ... عيدا يعود بكل خير طار صلى عليه الله ما جاء الربيـ ... ـع محركا لسواكن التذكار وعلى الكرم ذوى العلا أهل العبا ... والصحب أرباب الندى الأحرار ما جاء قمرى الرياض مهنئا ... لربيعه بالهامع الثرثار أو ما استفاضت في الأنام بشارة ... بولادة الفلك العلى الدوار أو ما أتت هيفاء في حلل المبها ... تهنى السيادة في يدى بشار أو ما أتى نشر المدائح كاملا ... في كامل في كامل الأطوار أو ما غدا المولود مولد جده ... متكامل الأفراح والأوطار

стр. 779

ثم نهض منها ووجهته مراكش، فمر في طريقه على قبيلة زمور الشلح، فرباط الفتح، فزعير، وأدركه عيد الفطر بالمحل المعروف بصخرة الدجاجة من بلاد تادلا، وهنالك أقام سنة عيد الفطر طبق العوائد الملكية، ومن ثم سار لبلاد السراغنة، ثم الرحامنة، ثم مراكش. وفى هذه الحركة وهى السابعة لبى داعى مولاه الفقيه أبو عبد الله محمد الصفار التطوانى وزير الشكاية، وولى مكانه العلامة أبو الحسن على المسفيوى، وبعد أن استراح المترجم بالحضرة المراكشية وجه من ألقى القبض على القائد انفلوس الحيحى وانفلوس لقبه -ومعناه بالسوسية الرئيس - وهو القائد أحمد النكنافى الحيحى الشهير الذكر، وبمراكش أقام سنة عيد الأضحى. وفى رمضان عام تسعة وتسعين ومائتين وألف نهض من مراكش ووجهته قطر سوس الأقصى، حيث إن الإصبان تشوف لتملك بعض المراسى السوسية منذ انعقاد الهدنة الواقعة عقب حادثة تطوان الآتى شرحها بحول الله، وزعموا أن تلك الناحية لا تنفذ فيها الأوامر المخزنية ولا تعترف بأنها من الإيالة (١) السلطانية، وأشاع ذلك وأذاعه، ثم بعد ذلك طلب من المترجم الإذن له في البناء ببعض تلك الشواطئ نظراً لما ذكرنا من إشاعاته، ولما لم يجب لذلك هَمّ بالخروج لتلك الناحية، فعند ذلك عزم المترجم على التوجه لذلك القطر وحسم مادة أطماع الطامعين بفتح مرسى بوادى نول بالمحل المسمى آساكا، بأرض قبيلتى تكنة وآيت. باعمران. ولا سيما عندما بلغه أن ذلك الجنس فتح مع أولئك البسطاء أبواب البيع والابتياع، وصارت مراكبه الحربية والتجارية تكثر التردد لتلك النواحى وتستهوى أصحابها بالتجارة والأرباح الزائدة وتستفزهم ذلك. ولما طرق سمع القواد ورؤساء الأجناد والقبائل ما همَّ به المترجم من الحركة للقطر السوسى، طلبوا لقيه والمثول بين يديه، فلبى طلبهم ولما مثلوا بين يديه قرروا له ما يعانيه أهل ذلك القطر من الشدة والاضطرار والفاقة وتفاحش الغلاء والقحط

стр. 780

الواقع بتلك النواحى، وشرحوا له الأضرار التي تلحق الجيوش، والأخطار التي ترتكبه في هذا السفر، والتزموا بأداء ما يستفيده بيت المال في هذه الحركة من أموالهم الخاصة بهم والخالصة لهم. ولما استوعب كلامهم شرح لهم الباعث المهم الداعى لهذه الحركة، فعلموا أن لات حين مناص، وأجابوه لما أراد، وقاموا على ساق في الأخذ بالأحوط والاستعداد، وأصدر المترجم أوامره لقبائل دكالة وتامسنا بحمل القمح والشعير والتبن إلى مرسى الجديدة، ومرسى الدار البيضاء، ليحمل منهما في المراكب إلى ساحل السوس الأقصى بقصد إرفاق الجيش وإعانته. وبعد ذلك نهض من مراكش في جيوش جرارة تتلاطم أمواج أبطالها، وخلف وراءه صدر الوزارة أبا عبد الله بن العربى الجامعى لما ألم به من المرض الشديد، وعين في محله العلامة السيد محمد الصنهاجى إلى أن أبل، ولحق به لوادى نون. وكانت مبارحة المترجم للحضرة المراكشية في يوم الاثنين الحادى عشر من رجب من السنة موافق سابع عشر ماى وخيم بعدوة وادى نفيس بمشرع العناية، وكان زمن السير أربع ساعات، ثم نهض من علوة وادى نفيس وخيم بنزالة المزوضى - نسبة إلى مزوضة قبيلة بينها وبين مراكش مرحلتان - وكان زمن السير خمس سوائع ونصف، ومن نزالة المزوضى إلى وادى شيشاوة ومدة السير ثلاث ساعات، وأقام هنالك يوم الخميس ونهض يوم الجمعة من شيشاوة، وخيم بسيدى المختار، وكانت مدة السير أربع سوائع وخمس عشرة دقيقة، ثم منه لعين اماست، ومدة السير ثلاث سوائع، ومدة السير ثلاث سوائع ونصف، ومنها إلى وادى بوريقى بقبائل حاحة حيث بويع السلطان المترجم يوم وفاة والده، ومدة السير أربع سوائع وأقام هنالك يوما. ومن الغد وهو يوم الأربعاء عشرى رجب نهض من بوريقى وخيم بدار انفلس بظهر اذاوخلف، ومدة السير ثلاث سوائع ونصف ومنها إلى اذاوكلون

стр. 781

باركن -وهى قبيلة عظيمة بحاحة- ومدة السير ست ساعات وخمس عشرة دقيقة. وخيم هنالك ثلاثة أيام، وفى يوم الاثنين خامس عشرى رجب المذكور، نهض من اذاوكلون إلى وادى بنى تامر ومدة السير تسع ساعات، ومنه إلى تمرغت، ومدة السير سبع ساعات، وأقام هنالك ثلاثة أيام، ومن تمرغت إلى آجدير ببير ارمى، ومدة السير ساعتان ونصف، ومن مرسى آكديرالى أربعا مسكينة، ومدة السير ساعتان ونصف، ومنها إلى اثنين أولاد تيمة بهوارة، ومدة السير أربع ساعات، وهوارة عرب مجاورون لمدينة تارودانت، ولهم اثنا عشر قبيلة، ومنه إلى البعرير فالمفش ومدة السير ثلاث ساعات، ومنه إلى الأحدب بالاقلالشة، ومدة السير ثلاث سوائع، ومنه إلى مدينة رودانة بمحل صلاة العيد، ومدة السير ساعة ونصف وأقام هنالك ثمانية أيام، ومنها إلى البراكيك وآيت عبد الله ومدة السير ساعتان وخمس عشرة دقيقة، ومن ثم إلى أم الجريد وبها منازل اذاومنو. ثم التجأ بجناب المترجم إخوان الحاج منو السجين وقدموا الذبائح وفق عوائدهم الجارية عندهم في الاستشفاع إذا عن لهم أمر مهم، وطلبوا المن على أخيهم بالفكاك من العقال فواعدهم بتسريحه بمجرد إيابه ووفى بوعده، وكانت مدة السير ثلاث سوائع ونصف، واذاومنو قبيلة بهوارة إلى تمام هوارة مجاورة لقبائل هشتوكة، وبها مدرسة للقراءات السبع، ومنها إلى بيكرن باذاو محمد ومدة السير أربع ساعات وخمس عشرة دقيقة وأبى كرا هذا -وهو بالسوسية جماعة الضفادع وواحدها اكرو- موضع قبيلة ذوى محمد بهشتوكة، وبإزائه مدرسة للعلم، وهى بمنزلة فاس عند أهل سوس في المنقول والمعقول، وبها بئر عذب ماؤها بخلاف آبار القبائل الهشتوكية فإن ماءها ملح أجاج.

стр. 782

ومن المعلوم عندهم أن كل من شرب من مائها أى هذه البئر تنور قلبه وحذق ذهنه وصار حافظا للعلوم، وبهذه المدرسة كان يدرس علامة زمانه المشهور الشيخ محمد بن عبو الهشتوكى المتوفى عام ١٣٣٢، ومن ابى اكرا ارتحل المترجم إلى وادى ماسة، ومدة السير ست ساعات وأقام ثم ثلاثة أيام. وماسة هذه على شاطئ البحر بها رباط وبه جامع مدفون في الرمال، قيل: إنه من بناء عقبة بن نافع الفهرى، وأكثر العلماء يزعمون أن الإمام المهدى يظهر من ماسة بهذا الرباط، وتكلم فيه في مشارق الأنوار. وبماسة عيون جارية، وقرى متصلة أنيقة، وأعظم قراها تسلا واغبلو وتكون بين أهلهما عداوة وفتن وحروب، وموضع الرياسة الآن تسلا. ومن وادى ماسة لدوار سيدى علي ومدة السير ساعتان، ومنه إلى تيزنيت ومدة السير أربع ساعات، ومنها إلى اكل بساحل البحر ومدة السير ساعتان ونصف، وأقام هنالك يوما، ومنه ظعن إلى امزور بزاوية سيدى عبد الرحمن ومدة السير ساعة ونصف، وأقام هنالك سبعة أيام وهذا نهاية سفره، فجميع أيام السفر في هذه الحركة ذهابا خمسة وعشرون يوما، وجميع سوائع السيرست وتسعون ساعة وثلاثمائة دقيقة وستون دقيقة، وجميع أيام المقام سبع وعشرون يوما. وهنالك وفدت عليه أشراف آيت باعمران وفقهاؤهم ومرابطوهم وأعيانهم وأشياخهم المالكون لقيادهم، وأظهروا كامل الطاعة وغاية الإذعان، ووليت عليهم عدة من العمال، ووقع الكلام معهم في شأن المرسى التي أريد فتحها بالمحل المذكور آنفا، فأجابوا بالامتثال والسمع والطاعة، ووجه معهم المهندسين والفقهاء ولفيفا من أعيان الجيش لتخطيط تلك المرسى ورسمها على الوجه اللائق والنهج الهندسى الرائق.

стр. 783

وقبائل آيت باعمران هذه كثيرة تفوت الحصر يتكلمون بالعربية وأعشارهم يأكلها طلبة العلم، ولآيت باعمران كرم زائد وشجاعة، وهم أباة الضيم أهل شمم ونخوة يحبون الغريب النازل بهم ويكرمون الضيف لا سيما رؤساؤهم فإنهم يحبون العلماء ويجلونهم غاية، ولا يتكلمون في مجالسهم حفظا لحرمتهم وتأدبا معهم، وكذلك تلك القبائل بحيث يذهل الداخل لبلادهم ما يرى من أنواع الأدب. ولما استقر به الثوى أوفد وفدًا لوادى نول عمه مولاى الأمين ووزيره على سماع المظالم العلامة السيد على المسفيوى والقائد مبارك بن الشليح الشرادى الدليمى والقائد حمان بودلاحة الودى والقائد عبد الحميد الرحمانى في لفيف من الأتباع، حيث بلغه أى المترجم، أن مركبا إنجليزيا ورد لتلك الناحية القاحلة حاملا للأرز وغيره من المقتاتات بقصد الاتجار مع تلك القبائل المصابة بالقحط وأليم الجوع، وخاف سوء العقبى ليحققوا له الأمر ويطلعوا على الأحوال بتلك الجهة التي أكثر المرجفون القيل والقال فيها وامتدت أعناق الأجانب إليها وكثرت أطماعهم فيها ليتدارك الخرق بالرتق قبل اتساعه. ثم أمر بإصلاح دار المخزن بتيزنيت ونصب قائداً من قواد جيشه المظفر، وأقامه بقصبة تيزنيت بقصد أن يكون إعانة لسائر عمال ذلك القطر السوسى من وأدى ولغاس -وهو واد عظيم بين هشتوكة وتيزنيت لم ير أعظم منه بسوس وأودية تلك الجبال تنصب منه وهو ينصب في البحر- إلى منتهى وادى نول وكليمم يتفاوضون معه فيما عسى أن يعرض لهم من المهمات ولا سيما إذا كان المخزن بعيداً وصرح لهم بأنه أقامه مشرفا للتفاوض معه وبصيرة على ما قصده من فتح تلك المرسى ففرحوا بذلك واطمأنوا ووقع الإشهاد عليهم بذلك، ودونك نص عقد الإشهاد الواقع عليهم بما ذكر:

стр. 784

"الحمد لله الذى ابتدأ عباده بالإفضال والإحسان. وجعل نظام أمورهم بقسطاس وميزان. وجعل السلطان ظلا ظليلا يأوى إليه كل مظلوم. ومن اعتصم به فهو لاشك بحول الله وقوته معصوم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث هاديا للأنام. والموضح للشرائع والأحكام وعلى آله وصحابته الكرام. وبعد: فلما حل مولانا المنصور بالله بحبوحة القطر السوسى حلول يمن وأمان. وجاس خلاله في المهامه والعمران. وصارت قبائله تتوارد من كل فج الكبراء والأعيان. ورود طاعة وإنقياد وإذعان. واصل الله سمو مولانا وعزه وارتقاءه. وصرف للإقامة المصالح اهتمامه واعتناءه. وولى على قبيلة عمالاً يضبطون أمرها بكلمته. ويدافعون عنها بسطوته. اقتضى نظره السديد. ورأيه الموفق الرشيد أن يعين كبيرا من جيشه السعيد يكون بركة وسط عمال قبائل جزولة وواسطة لهم فيما عسى أن يعرض لهم، وإعانة لسائرهم وتقوية لأزرهم وشادا لعضدهم ومرشدا لهم ومبصرا ليستشيروا معه فيما يكون من الأقوال والأفعال. في الحال والمآل. مما تدعو الضرورة إليه. وتتوقف الأوامر المخزنية عليه. ويبعد عليهم تناوله مع جانب مولانا المؤيد حين يكون نائبا عن البلد لدراية المعين وخبرته. ونجدته وفطنته. ومقره يكون بتيزنيت محل قرار المخزن في القديم. ليجرى على النهج القويم. وأما ما يرجع للعمال مما لابد لهم فيه من أمورهم أو مصالح قبائلهم فلا واسطة بينهم وبين مولانا أيده الله في ذلك، لكونهم مستقلين بأمور تكليفهم ومتحملين بدرك إيالتهم كتحملهم بشد عضد بعضهم بعضا على خدمة مولانا الشريفة. وتنفيذ أوامره المنيفة. وبالتعاون على البر والتقوى، فحينئذ حضر لدى شهيديه أمنهما الله بمنه بمجلس الفقيه العالم العلامة الدراكة الفهامة، الحجة

стр. 785

الأكمل. البليغ الأجمل. النحرير المحقق المدقق إمام حرم مولانا إدريس نفعنا الله به شيخ الجماعة القدوة المحدث الخطيب البليغ بالحضرتين، قاضى الجماعة بمكنامر، ونواحيها وبالمحلة المنصورة بالله تعالى، وهو أحمد بن الطالب بن سودة أعزه الله تعالى وحرسها عامل كل قبيلة ومن معه إخوانه، وبعدما عرض عليهم ذلك وعرفوا المقصود منهم أشهدوا أنهم ارتبطوا ذلك والتزموه. وصمموا عليه وأبرموه. وعقدوا على ذلك عقدا صحيحا إلى غير غاية. ولا أمد ولا نهاية. اشتمل على الغائب والشاهد. وانتسج حكمه على الصادر والوارد. بحيث لا تعقب فيه لأحد بوجه من الوجوه. ومن رام نقض ما ذكر من أهل الزيغ والفساد. وسعى في الفتنة والشنآن بين العباد. أو تعرض لأحد في سبيل من السبل، أو تعدى في موطن من مواطن البلاد. فيعاقب العقوبة الشديدة لزيغه عن طريق السداد والرشاد. ويجعل عليهم النصاب الثقيل زيادة على الردع والتنكيل. ويغرم ما أتلف وأفسد. سواء تعدد الفاعل أو اتحد. فإن اعدم من فعل فأولياؤه وقبيلته يؤاخذون بجريرته. ثم وضع العمال خواتم عمالتهم إثر تاريخه على ترتيبهم لفا ونشرا عنهم وعمن حضر معهم من إخوانهم المرسومين بالطرة يمنته بعد عقد الإشهاد تأسيا للقصد، وإبراما للمراد عرفوا قدره شهد به عليهم بأكمله، وعرف أعيانهم وعرف بأسمائهم وعلى من ذكر دامت سعادته وكرامته بما فيه عنه وهو بحيث يجب له ذلك في الثامن والعشرين من شعبان عام تسعة وتسعين ومائتين وألف، فلان بشكله وفلان بشكله وبعده بخط من يجب الحمد لله أديا فقبلا واعلم به أحمد بن الطالب بن سودة المرى الله وليه ومولاه وبخطه استقل. انتهت قابلها بأصلها فماثلته. وأشهده الفقيه الأجل العالم العلامة الأفضل المحرر النحرير الدراكة الفهامة المشارك الحجة المحدث الخطيب البليغ قاضى الجماعة بمكناس ونواحيها إمام حرم

стр. 786

مولانا إدريس نفعنا الله به وهو أحمد بن الطالب بن سودة المرى الله وليه ومولاه أعزه الله تعالى بعز طاعته، وحرس ولايته، بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر. وفى تاسع رمضان المعظم عام تسعة وتسعين ومائتين وألف الحق وبالتعاون على البر والتقوى صح به. فلان بشكله وفلان بشكله ودعائه". كما عين في التاريخ نفسه وصيف جنابه العالى الطالب بوعزة السريفى كبيرا بآيت بوعمران، وألزم العمال جوار المراسى الأربع، وهى: مرسى سيدى محمد ابن عبد الله ومرسى سيدى ورزيك، ومرسى اسك بآيت باعمران، ومرسى أكلو بجوار تيزنيت بحفظها والعسة عليها ليلا ونهارا بحيث لا يدخل منها شئ ولا يخرج إلا بأمر مولوى. فالتزموا ذلك، ووقع الإشهاد عليهم به، وذلك في تاسع عشرى شعبان العام وأمضى على ذلك العمال بخواتيمهم. وكتب بذلك لباشا مكناس القائد حم بن الجيلانى كتابا نصه بعد الحمد لله والصلاة والطابع الكبير الذى بداخله "الحسن بن محمد بن عبد الرحمن الله وليه ١٢٩١" وبدائرته بيتا البردة ومن تكن ... إلخ من يعتصم ... إلخ: "وصيفنا الأرضى الباشا حم بن الجيلانى وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فقد قضى والحمد لله الغرض الذى ارتمى إليه الأمل المراد. ويممنا لأجله قطرى سوس الأدنى والأقصى من صحارى البلاد. بنية خالصة تنيل الكل منهم ما أفاد. وتحيى رسمهم وأنسهم وقد باد، وترشد المتهور منهم الذى الإساءة إليه أجدى من الإحسان والبهيمة عليه أكرم من الإنسان، عضدتها مواكب شديدة الالتحام. وجنود تقول لمن رآها تنكب ليلا يقطرك الزحام. وصدور عمها الانشراح، ومسرات أردفتها أفراح وآلات استعدادية جهادية تبهر وتروق. وخوارق ليست عادية تكاد عند سكونها تومض منها بروق، وفوارس ذات نفوس عصامية، لا محل فيها للاستقصاء والاستفسار. ولا يأتى عليها ضابط إطناب أو فذلكة

стр. 787

إكثار. إلى غير ذلك مما تقتضى النعمة به التحديث. ويجذب من صميم فؤاد المحب المؤمن الحمدين القديم منهما والحديث. معترفين بأن الله سددنا في ذلك كله إلى غرض التوفيق. وأعلقنا من تحرى الصواب فيه بالسبب الوثيق، وأجرانا سبحانه على ما ألفناه من صنعه الجميل وتعودناه ولولا فضله علينا بمحض فضله ما تم لنا منه ما أردناه. وذلك والحمد لله أن كافة قبائل القطرين المذكورين تلقونا بأجمعهم بأنواع الأفراح وأصناف المسرات. وقدموا من الهدايا ما رأوه من أولى المهمات وأعلنوا بواجب السمع والطاعة وحفيات التحيات. ووسطهم شرفاؤهم ومرابطوهم وفقهاؤهم وأعيانهم وكبراؤهم وذلك لما خيمنا بقصوى عدوة وادى ولغاس الموالية لبلادهم وجبال استفرارهم، بعد أن كانوا كتبوا لشريف حضرتنا ونحن بمراكش الحمراء معلمين بأنهم على سنن الاهتداء. مقيمين على إجابة الدعاء. فلما التقى الجمعان وجدنا ظواهر خبرهم وبواطن سرهم سواء. ولينا عليهم العمال والقضاة. وكذا على القبائل غيرهم ممن هو من مبادئ هذه الأقطار أو من الغايات، وحططنا بخير بقاعهم لأجل استصلاحهم الرحال. حتى استحال ركض همالجهم لحسن الحال. وأقبل أقاصيهم علينا إقبال الغادة. يهديها اليمن وتزفها السعادة. ثم بعد كمال استقامتهم وترتيب مراتبهم طلبوا منا التجديد على ما بأيديهم بإقرارهم على عوائدهم، وحملهم على أعرافهم التي عندهم عليها ظهائر أسلافنا الكرام. قدس الله أرواحهم في دار السلام ومن غبر من أمراء المسلمين. رضوان الله عليهم أجمعين. فأقررناهم وجددنا لهم علينا في الحين. واتبعنا في ذلك الإجماع وسبيل المؤمنين، ولو نيل من هؤلاء القبائل التي هى آساد وحشية. وبأفنان الغضا موشية عشر هذا لكان كافيا في القصد من هذا الشأن. لأنهم هذه مدة تزيد على الستين سنة لم يتخلل بلادهم المخزن.

стр. 788

هذا وأيضًا فمن جملة الأهم المقصود لدينا بوجهتنا السعيدة لهذه الناحية البعيدة. فتح مرسى بوادى نون في حدود بلاد تكنة وآيت بوعمران بمحل يسمى أصك ليسهل بقربها على تلك القبيلتين البيع والشراء فيما يستقبل من الأزمان. لأنهم لبعد مراسى إيالتنا السعيدة عنهم، يتضررون في تجشم السفر لها بقصد ذلك بالطريق وتشرق القوافل منهم ولو مع وجود الماء بالريق. ويكاد نفسهم أن يقطع منهم حروف الحلق. فتيممناها زيادة في الإحسان إليهم والله يزيد في الخلق إلى أن بقى بينها وبين المحلة مرحلتان فيهما ثلاث عشرة ساعة سفر الرفق إذ ورد علينا أعيان القبيلتين المذكورين آيت بوعمران وتكنه وأهدوا كغيرهم، فولينا عليهم وأجرينا مجرى كيرهم ووقع الكلام معهم في شأنها، فأجابوا لذلك لما لهم من الرغبة فيها، حتى إن بعضهم كانت سولت له نفسه فتحها على يد بعض تجار الدول. تقريبا كلما ذكرنا وحرصا على بلوغ الأمل واتفقت الآراء منهم على توجيه من يقف على انتخاب المحل الذى تبنى فيه مما يقبل البحر تخطيطه وتأمن فيه جواريه. فساعدناهم ووجهنا صحبتهم سرية من القبائل والجيش السعيد. ومعهم طلبة الهندسة لتقريب البعيد بقصد معاينة محلها وتخطيطه. والإتيان لحضرتنا المحروسة بطبق تصويره واستغنينا عن التقدم بهم، بحيث إن قضوا الغرض فذاك وإلا فننهض لقضائه على الله متوكلين. وبجيوشنا المتوافرة مصحوبين. لقربنا منهم إذ نحن الآن بأمن ومن بلاد أهل أكلوا مخيمون وهو الطرف الأول لآيت بوعمران، الذى يسمى بالساحل، بينه وبين المرسى المقدار الذى تقدم آنفا حسبما قدره الميقاتيون، كلما أن الأهمية أيضا اقتضت نصب قائد من قواد جيشنا السعيد مختارا من أماثلهم ذار أى مصيب. وتسديد يكون بتزنيت محل المخزن في القديم. إعانة وردءاً لسائر عمال القطرين بالمشار من قطع وادى والغاس إلى منتهى وادى نون واكلميم.

стр. 789

يتفاوضون معه فيما عسى أن يعرض لهم من المهمات ولا سيما إذا كان المخزن بعيدا عن هذه الشرفات. واشترطنا على السادة منهم والأعلام. والأعيان والحكام. المعينين عندهم لربط الأمور ربط إتقان وإحكام. أن يضربوا على أيدى أهل الجرائم وأن ينتصفوا للمظلوم من الظالم. وأن لا يخرجوا في ذلك على ما تقرر لديهم من الأعراف والحد المحدود لهم عند الانتصاف. وعليه أن يكون يعلم بالشاذة والفاذة لا يترامى لعين لائمه ولاحيه. ولا يتوارى عن الحق في مغابن نواحيه. لنكون على بصيرة فيما قصدناه من فتح تلك المرسى ومؤاخاة لإثارة النعمة، ودفاعا للبوسى فنصبناه. وبما هو من شأنه كلفناه وحضر العمال المشار إليهم معه وبعدما عرفوا بذلك كله وعرفوه أشهدوا بأجمعهم أنهم التزموه. وأنهم عند السمع والطاعة يقومون به جهد الاستطاعة بل لأجل تمكن المعنى منهم أتم مكان. على وجه الإذعان والاستحسان ختم العمال منهم بخواتم عمالاتهم على عقد الإشهاد. تأكيدا للقصد وتأسيسا للمراد كما أشهد أهل السواحل منهم بالتزام جعل العسات في مراسى سواحلهم كفا للضرائر وحسما لمادة النزاع والجرائر وإرشاداً للضليل، وفرارا من كثرة القال والقيل. وبالجملة فقد أطلقنا لكم بالخبر اللسان ليصير هذا الغيب عندكم كالعيان. شارحين لكم الوجه الذى صرفنا إليه الآمال واستعملنا في أسنته وفى أعنته الشمال. وحثًّا على تمكينكم من حظكم من الفرح بما سن الله لنا من العز والإجلال. واجتلاء وجوه التهانى ووفود الآمال. ونحن على نية الأوبة بحول الله المتعال، فنسأله سبحانه أن يتمم ذلك برد الجميع سالمين غانمين. وييسر لنا ما فيه رضاه ولكافة المسلمين. آمين والسلام فاتح رمضان المعظم عام ١٢٩٩".

стр. 790

ولما دوخ البلاد السوسية ومهدها وبث روح التآزر والتعاضد ورتب بها القضاة والعمال، وكف عنها اليد العادية انقلب إلى العاصمة المراكشية، فنهض يوم الخميس رابع رمضان العام موافق ثامن يوليه من امزور إلى الكرمة بين المعدر وتزنيت، وكانت مدة السير ساعتين وربع، ومنها إلى بكرة وادى ولغاس ومدة السير ثلاث ساعات وربع، ومنه إلى الدحوش وهم أولاد بوطالب والمسير ثلاث ساعات وربع، ومنهم إلى طكط بلاد هشتوكة ومدة السير أربع ساعات، ومنها إلى بدار بلاد مسكينة ومدة السير ثلاث ساعات ونصف، وأقام المترجم ثم ثلاثة أيام ومنها، إلى ابن سر كاو قرب مرسى أكادير ومدة السير ساعتان وربع، ومنه إلى تمرغت ومدة السير ثلاث ساعات، ومنها إلى وادى اذاوتامر والسير سبع سوائع، ثم تبصيرت والسير أربع ساعات ثم زاوية امكدار والسير ست ساعات وربع، وأقام المترجم هنالك يوما واحدا، ومنها إلى وادى بوريقى والسير ثمان ساعات وأقام ثم يوما واحدا أيضا، ومنه إلى جمعة الكريمات والمسير أربع ساعات، ومنها لعين اماست والسير ثلاث ساعات ونصف، ثم إلى وادى ششاوه والسير سبع ساعات وربع، ثم نزالة المزوضى والسير ثلاث ساعات، ومنها إلى عدوة وادى نفيس والسير ست ساعات، ثم بوعكاز والسير ساعتان وربه، ومنه إلى الحضرة المراكشية والسير ساعة وربع. فجميع أيام السفر ذهابا وإيابا خمسة وسبعون يوما، أولها الاثنين وآخرها الجمعة، وجميع السوائع في الذهاب والإياب مائة وسبعون ساعة، وبمراكش أقام حفلة سُنَّة عيد الفطر. ولم يزل مقيما بها إلى أن دخلت سنة ثلاثمائة وألف وفيه نهض قاصداً عاصمة سلفه المكناسية، وهذه الحركة العاشرة، وكان مروره على قبيلة الرحامنة، فزمران، ثم قبائل تادلا، وأوقع بالسماعلة منها، ثم نهض لقبيلة زعير وبها أقام

стр. 791

سُنَّة عيد الفطر، ومنها لقبيلة زمور الشلح ولم يدخل للرباط، ومنها توجه للحاجب ومنه للعاصمة المكناسية، وكان دخوله لها في حجة الحرام، وأقام بها سُنَّة عيد الأضحى، ومكث بها سنة كاملة. وبها بلغه نعى نجله البار الأنجب مولاى عبد الله الذي كان ببلاد أحمر بقصد قراءة القرآن تيمنا بذلك البلد الطَّيِّب، وأنه حمل للدفن بعاصمة الجنوب مراكش الحمراء، فصبر واحتسب. وفى هذه السنة التي هي رأس المائة، وجه صاحب الترجمة رسالة جامعة مشتملة على كثير من المواعظ والأوامر والنواهى والنصائح لجميع بلاد المغرب، وأشار إلى المجدد في صدرها ونصها بعد البسملة والصلاة: هذه وصية مؤسسة على قواعد شرعية. ونصيحة دينية. للولاة والرعية. صدرت من عبد الله. الموفق بفضل الله. المتوكل عليه في سره ونجواه. أمير المؤمنين. ابن أمير المؤمنين ثم الطابع الشريف بداخله الحسن بن محمد بن عبد الرحمن الله وليه ١٢٩١: أبد الله ملكه. وأجرى في بحار اليمن والسعادة فلكه، وجعل فيما يرضيه أوامره، ونصره وجنده وعساكره، إلى معاشر أهل الإسلام وأمة النَّبي ﵊، وفقكم الله وهداكم، وبركوب سفينة الشريعة أنجاكم. وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد: فلتعلموا أيها المسلمون أن الله ﷻ بمقتضى حكمته بعث النبيئين مبشرين ومنذرين. وناط بهم أحكام الشرائع إبلاغاً وتبليغاً، وجعلهم نوباً عن سيد المرسلين. سيدنا ومولانا محمد لبنة التمام. عليه وعليهم الصَّلاة والسلام.

стр. 792

قال مولانا في محكم كتابه المبين: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ ... (٨١)﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨١]، ولما بعثه الله ﵎ قام بما حمله من أعباء الرسالة. وبلغ ما أمر بتبليغه، وأنقذ الأمة من الضلالة. إلى أن صار الدين مشيد الذرى. محكم العرى. وتبوأت خير أمة من قصوره حصناً حصيناً. وأثره نزل قوله تعالى: ﴿... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... (٣)﴾ [سورة المائدة: الآية ٣]، ثم أقام الله سبحانه من بعده الخلفاء. والأئمة المرضيين الحنفاء، فمهدوه تمهيداً، وجددوه في كل عصر تجديداً، واقتفى أثرهم أمراء الإسلام السالكون نهجهم الأقوم في كل مقصد ومرام، فنصحوا لله ولرسوله والمؤمنين، وبذلوا مجهودهم في مرضاة رب العالمين، فأقاموا شريعته حتَّى لمعت بوارقها، وشبت بإحياء مراسمها بعدما شابت مفارقها، إلى أن صار الدين غضاً طرياً، وقطوفه دانية بكرة وعشياً، ﵏. وهكذا على رأس كل مائة يبعث الله لهذه الأمة الأحمدية من يجدد معالم الدين. ويصقل مرآته من صدى التعمق في بيداء المضلين. وحيث كانت هذه السنة هي آخر المائة. وتوفرت دواعى التضحية بمفتتح رأس المائة القابلة لهذه الفئة تعين لذلك تنبيه الغافل، وإرشاد الضال، عملاً بما كان عليه السلف، لنكون بعدهم لهم خير خلف، وأداء لحق الواجب وأخذاً بطرق الامتثال. فقد قال ﷺ : "الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المؤمنين وعامتهم". وعليه فاعلموا أيها النَّاس أن أول ما يجب على المكلف المتمكن من النظر في الأدلة معرفة ما يجب في حق الله وفى حق الرسل بالبراهين النقلية والعقلية ليخرج من ربقة التقليد، ويشرق باطنه بأنوار التوحيد، فتقوى لديه بواعث العبادة، التي بها أمر الله عباده، فإن الله سبحانه إنَّما خلقنا لمعرفته وأمرنا بتوحيده، وبعث الرسل ﵈ لبيان وعده ووعيده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا

стр. 793

﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... (١٩)﴾ [سورة محمد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ... (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥] وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨، ٩]. والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث كما في صحيح البُخاريّ جواباً منه ﷺ لجبريل، والتوحيد المعبر عنه بالمعرفة المذكورة هو الذي حض عليه الله ورسوله كما مر، فتعلموه وعلموه وحرروا القصد والنيات في العبادات. قال ﵇: "إنَّما الأعمال بالنيات "إنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" والعلم بأحكام العبادة. به تحمل الإفادة. ففي الحديث عنه ﵇: "ما عبد الله بأفضل من فقه في دين" وأركان الدين. ما ورد عن سيد المرسلين. "بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا" فأساس الدين. التوحيد، وملاكه معرفة الله والرسول كما يجب، إذ هي شرط والباقى بدونها لا يفيد. الركن الثَّاني: إقامة الصَّلاة بالطهور وأداؤها في وقتها كما أمر الله إذ هي عماد الدين. وعصام اليقين. وسيدة القربات. وغرة الطاعات. قال تعالى: ﴿... إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣] وقال ﵇:

стр. 794

"أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصَّلاة، فإن قبلت قبل سائر عمله، وإن ردت رد سائر عمله" وقال ﵇: "الصَّلاة من الدين بمنزلة الرأس من الجسد" وقال ﵇: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة". وكتب سيدنا عمر إلى بعض مسألة: إن أهم أموركم عندى الصَّلاة، فمن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. وقال: بين الإيمان والكفر ترك الصَّلاة، وقال ﵇: "الصَّلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الدين". فينبغى للمؤمن الاهتمام بأمرها، والاعتناء بشأنها، والمحافظة على شروطها وسننها ومستحباتها وقوعاً وأداء. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، وقال: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتَّى تخرج من تحت أظفاره" وقال ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة". وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ... (١٨)﴾ [التوبة: ١٨] وقال ﷺ : "من غداً إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا"وقال ﷺ : "إن أعظم النَّاس أجراً في الصَّلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم". وحكم التارك لها عمداً القتل، والجاحد الكفر في القول الفصل. قال سيدى خليل: ومن ترك فرضاً آخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضرورى

стр. 795

وقتل بالسيف حدًّا، ولو قال: أنا أفعل وصلى عليه غير فاضل، ويكفى في ذم تاركها أو مؤخرها عن وقتها ما ورد من الوعيد في شأنه قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ... (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]، وفى الحديث: "من ترك الصَّلاة لقى الله وهو عليه غضبان" وعنه ﵇: من ترك الصَّلاة فقد أتى الكفر جهاراً" وعنه: من ترك العصر فقد حبط عمله، وعنه: "من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر" وعنه: "من ترك ثلاث جمع متهاوناً طبع الله على قلبه"، وعنه ﵇: "أتانى جبريل من عند الله ﵎ فقال: يا محمد، إن الله يقول إنى فرضت على أمتك خمس صلوات من أوفى بهن على وضوئهن ومواقيتهن وركوعهن وسجودهن كان له عندى عهد أن أدخله الجنة ومن لقينى قد انتقص من ذلك شيئًا فليس له عندى عهد إن شئت عذبته وإن شئت رحمته". الركن الثالث من مبادئ الإسلام: الزكاة، وقد قرنها الله بالصلاة في آيات كثيرة: والرسول في أحاديث شهيرة. فكما أن الصَّلاة طهرة الأبدان فكذلك الزكاة طهرة الأموال قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ... (٤١)﴾ [الحج: ٤١]، وقال: ﴿... الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال ﷺ : "الزكاة قنطرة الإسلام" وقال: "حصنوا أموالكم بالزكاة فإنَّه ما ضاع مال في بر أو بحر إلَّا بترك الزكاة فيه" وقال ﵇: "ما من صاحب مال لا يؤدى حق الله فيه إلَّا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان يأخذ بلهزمته يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (١٨٠)﴾ [آل عمران: ١٨٠]. وعن أبي ذر موقوفاً قال: بشر الكانزين برضف يَحْمى عليهم في نار جهنم

стр. 796

ثم يوضع على حلمة ثدى أحدهم حتَّى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتَّى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل. كما في صحيح البُخاريّ. وعنه ﵇ "مانع الزكاة يوم القيامة في النَّار". وهي تجب في خمسة أشياء: مختلفات النعم، والنقدين، والركاز، والمعادن، والمعشرات. ويلحق بهذا الركن في الجملة زكاة الفطر فإنها واجبة الإخراج على كل مسلم فضلت عن قوت يومه. عن نفسه وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو رقّ أو زوجية ووجوبها بالسنة على المشهور، ففي الموطأ عن ابن عمر رضى الله عنهما قال فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان، وفى التِّرمذيُّ بعث ﷺ منادياً ينادى في فجاج مكّة ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم. الركن الرابع الصيام: الواجب على الأنام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ... (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال ﷺ : "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وقال ﷺ : "شهر رمضان كتب الله عليكم صيامه. وسننت لكم قيامه. فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقال ﵇: "هذا شهر رمضان جاءكم تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النَّار وتسلسل فيه الشياطين وجزاء ثوابه لا يحصى في خطاب" ففي الحديث: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" قال الله إلَّا الصوم فإنَّه لي وأنا أجزى به يدع شهوته وطعامه من أجلى. الركن الخامس: حج بيت الله الحرام، قال تعالى فيما نزل على نبيه تنزيلاً. ﴿... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... (٩٧)﴾ [آل عمران]، وعن

стр. 797

عمر رضى الله عنه لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج فليضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين. قال ابن حجر ومثل هذا الحديث لا يقال من قبل الرأى فيكون في حكم المرفوع، ومن ثم أفتيت بأنه حديث صحيح، وفى الحديث: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقال تعالى: ﴿... فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال ﷺ : "الحج المبرور ليس له ثواب إلَّا الجنة"، وقال ﵇: "الحج تضعف فيه النفقة بسبعمائة ضعف"، وقال ﷺ : "إن الله تعالى يقول أن عبداً أصححت له في جسمه وسعت عليه في معيشته تمضى عليه خمسة أعوام لا يفد إلى لَمْحرُوم" وقال: "الحجاج والعمار وفد الله يعطيهم ما سألوا ويستجيب لهم ما دعوا ويخلف لهم ما أنفقوا الدرهم ألف درهم". ولا ينبغي الحج لمن يضيع ما سواه من أركان الإسلام. صلاة أو غيرها ممَّا يلحقه عليه في الشرع تبعة الملام. كما تفعل العامة اليوم في عدم تحريها في نفقة الحلال، ولا تقوم بما أوجب الله عليها من الأقوال والأفعال. إذا حججت بمال أصله سحت ... فما حججت ولكن حجت العير وقد نص العلماء رضوان الله عليهم فيما حرروه وذهبوا إليه أن الحاج إذا تحقق أنَّه يخرج صلاة عن وقتها لعذر كميد لم يجب عليه وقد كادت أن تترك هذه الدعائم، ولا يوجد سائل عنها ولا حاتم، ونبذت الشرائع عياناً، وارتكبت البدع إعلاناً، وصار أمرنا يتزايد في كل حين، والحقُّ لا ناصر عليه يعين، قال تعالى: ﴿... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، وقد ظهر في النَّاس من المخالفة لأمر الله وإتيان ما حرم الله والتفريط في جنب الله والإعراض عن سنة رسول الله ﷺ ما يخشى معه من

стр. 798

حلول عقاب الله ونقمته، لولا حلمه وعفوه وسابق رحمته. قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ... (٦١)﴾ [النحل: ٦١]. نطلب من الله أن يلهمنا والمسلمين لما يوجب رضوانه، ويرشدنا لما يجلب أمانه وكفرانه، فإن هذه الدار قنطرة إلى الآخرة، وسبيل لمن وفقه الله إلى الوصول للمنازل الفاخرة، والسعيد كل السعيد من استعمله الله في أعمال صالحة، وألهمه إلى أتباع سنة رسوله التي هي المتاجرة الرابحة، فخاف مقام ربه ونهى النَّفس عن الهوى، وتزود من تقوى الله وخير الزاد التقوى، وقدم ما ينفعه من هذه الدار للأخرى، وذكر فنفعته الذكرى. فينبغى تكرير الوعظ والتذكير، والتنبيه والتحذير، لئلا تقسى القلوب، بتوالى الذنوب. ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، وفى الحديث عن بعض الصّحابة رضوان الله عليهم: كان النَّبي ﷺ يتخولنا بالموعظة أحياناً مخافة السآمة علينا. ويجب الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وتجديد نيَّة الإخلاص ونفى الإصرار، فالعمل بالسنة هو السبيل الموصل إلى رضوان الله فالزموها، واجتنبوا البدع والمنهيات واحذروها، ففي الحديث: "عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة". فيتأكد على كل من ولاه الله تعالى أمراً أن ينظر لرعيته. ويعمل على إخلاص عمله وتصحيح نيته، ويرشدهم إلى ما ينفعهم دنيا وأخرى، ويحملهم على ما يقربهم إلى الله زلفى، قال الله سبحانه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وذلك بعد أن يعمل العامل بطاعة ربه، ويجعل سعيه فيما يوجب الفوز بقربه. فإنَّه لا ينفع الوعظ في أبناء جنسه.

стр. 799

إلَّا بعد تطهر نفسه. فليبدأ العامل بنفسه فيصرفها عن هواها. ويأمرها بما يأمر به سواها. ولا يكن ممن يدعو إلى طريق البر وهو قَدْ حَادَ عنه وخرج. وانتصب لمعالجة غيره وهو إلى من يعالجه أحوج. إذ بصلاح الولاة تصلح الرعية. وتستقيم أحوالها في السر والعلانية، ومن صلاحهم أن يكونوا مع من هو إلى نظرهم إخوانا. وعلى ما يقوى على الطباعة أعواناً. فالمسلم أخو المسلم وإن كان والياً عليه. وأولى النَّاس باستعمال الرفق من ظهر فضل الله لديه. وأن لا يداهنوا أهل المعاصى. بل يتقصوا أحوال الدانى منهم والقاصى. ففي الحديث الكريم: "يحشر يوم القيامة أناس من أمتى من قبورهم إلى الله تعالى على صورة القردة والخنازير بما داهنوا أهل المعاصى وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون". ويستعين على ذلك بتقريب أهل الفضل والدين، ويجتنب أهل الضلالة والمعتدين، فإن الطباع تسرق الطباع. والمرء لمن غلب عليه تباع. قال في الحكم: لا تصحب من لا ينهضك حاله. ولا يدلك على الله مقاله، وفى الحديث: ما من أمير إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا. ومن وقى بطانة السوء فقد وقى وإذا زكى الإنسان نفسه واتقى ربه أصلح الله رعيته. وبلغه من كل خير أمنيته. فإن رأس المال تقوى الله وسبيل النجاة اتباع سنة رسول الله قال الله : ﴿... وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ... (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١]، وقال: ﴿... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ... (٣)﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، وقال: ﴿... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]. وقال سيدنا على كرم الله وجهه: قال النَّبي ﷺ : "من اتقى الله عاش قوياً وسار في بلاد الله آمناً. وحقيقة التقوى أتباع الأوامر واجتناب النواهى، وأن لا يقدم على أمر حتَّى يعلم حكم الله فيه. وفى الصَّحيح عنه ﷺ : "كلكم راع

стр. 800

وكلكم مسئول عن رعيته" والسعيد من سعدت به رعيته، ولا سعادة أكبر من العدل في الرعية وحسن السيرة فيها والعمل بما ينجى من عذاب الله قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] وقال : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ... (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠]، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وأفضل أعمال الولاة العدل ونصر المظلوم وقمع الظالم، فإنَّما السلطان ظل الله في أرضه يأوى إليه القوى والضعيف، وينتصر به المظلوم قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ... (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]، ﴿... وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ... (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]، وقال: ﴿... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]، وقال ﵇: "إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وفى الحديث: "الإمام العادل المتواضع ظل الله في الأرض يرفع له عمل سبعين صديقاً". وقال سبحانه: ﴿... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ ... (٧)﴾ [الحشر: ٧]، وقد أمر الله بالعدل ورغب فيه وأخبر بكرامة صاحبه إذ به تحصل العمارة والأمان، في جميع الأوطان والأزمان، وكما رغب في العدل ورتب الأجر عليه لأنهى عن الجور والظلم وحذر منه وأخبر بهلاك مرتكبه، قال

стр. 801

سبحانه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٣١]، ﴿... وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾ [الفرقان: ١٩]، وقال: ﴿... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]. وقال ﵇: الظلم ظلمات يوم القيامة. وقال: الظلم يذر الديار بلاقع. وقال ﵇ فيما يرويه عن ربه: يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته فيما بينكم محرماً فلا تظالموا. وقال: ومن أظلم ممن لم يجد ناصراً غيرى. وقال: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. وقال: في حجة الوداع: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وفى الحديث: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره الشريف. ويدخل الظلم ظلم أهل الذمة، وما سموا أهل الذمة إلا لأنهم في ذمة الإسلام، يجب حفظهم والدفاع عنهم، وتحرم دماؤهم وأموالهم، وقد أوصى ﵇ بالوفاء لهم، وحذر من ظلمهم ففي الحديث: من ظلم ذمياً كنت له خصيماً يوم القيامة ومن كنت خصيمه فلجت عليه بالحجة. وفيه: من قتل معاهداً في غير كنهه حرم الله عليه الجنة. وفيه: إذا ظهرت الفاحشة كانت الرجفة، وإذا جار الحاكم قل المطر، وإذا تركوا الجهاد رهبة ألبسهم الله سِيمَى الخسف ووسمهم بالصغار. ففي الحديث: ما ترك قوم الجهاد رهبة إلَّا ذلوا. وفى الحديث: من جرد ظهر مسلم بغير حق لقى الله وهو عليه غضبان. وفيه: من روع مؤمناً لم يؤمن الله روعته يوم القيامة ومن سعى بمؤمن أقامه الله مقام خزى وهوان يوم القيامة. وعنه ﵇: من أعان في قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله. وفى الحديث: اللَّهم من ولى من أمر أمتى

стр. 802

شيئاً فرفق بهم فارفق به ومن ولى من أمر أمتى شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه. وعنه ﵇: أيما أحد استرعى رعيته فلم يحطها بالأمانة والنصيحة ضاقت عليه رحمة الله التي وسعت كل شيء. وعنه ﵊: من أخون الخونة تجارة الوالى في رعيته. وفى الحديث: لكل شيء آفات وآفات هذا الدين ولاة السوء. وعنه ﷺ : ما عدل وال اتجر في رعيته. وعنه ﵇: من ولى شيئاً من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتَّى ينظر في حوائجهم. وعنه ﵊: ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوى الحاجات والخلة والمسكنة إلَّا أغلق الله أبواب السماء دون حاجته وخلته ومسكنته. وفيه: ما من أمير يؤمر على عشرة إلَّا سئل عنهم يوم القيامة. وفيه: ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة. واعلموا أن ما ينزل بنا من الشدائد والمصائب، إنَّما هو من عدم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وارتكاب الذنوب، والإصرار على العيوب، وقد حذر الشارع وأنذر، ووعظ وذكر، ورتب على كل ذنب عقوبة فقال جل ثناؤه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ... (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]، وقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]، ومن المنكر السكوت عن المنكر لمن يقدر على تغييره لقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]، وقال رسول الله ﷺ : "لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم". ومن المنكر الذي لا يسع التغافل عنه والتساهل في أمره هذا الخطب النازل الوقتى الذي هو المجاهرة باستعباد الأحرار واسترقاقهم بدون وجه شرعيّ، فإن

стр. 803

المستعبد لحر هو أحد الثلاثة الذين لا يقبل الله منهم صلاة، فعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، من تقدم قوماً وهم له كارهون ورجل أتى الصَّلاة دباراً والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته ورجل استعبد حراً. وهو أيضاً أحد الثلاثة الذين قال الله تعالى فيهم إنه سبحانه خصمهم. فعن أبي هريرة رضى الله عنه أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بى عهداً ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى ولم يوفه". وقال ﷺ : "ما من قوم يظهر فيهم الرِّبا إلَّا أخذوا بالسنين وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلَّا أخذوا بالرعب". وقال ﷺ : "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى هم أعز وأكثر ممن يعمله ثم لم يغيروه إلَّا عمهم الله بعقاب". وقال ﷺ : "مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم". وقال ﷺ : "خمس ليس لها كفارة: الشرك بالله وقتل النَّفس بغير حق وبهت المؤمن والفرار من الزحف ويمين فاجرة يقطع بها مال بغير حق". وفى الحديث: "خمس بخمس ما نقض قوم العهد إلَّا سلط الله عليهم عدوهم ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلَّا فشا فيهم الفقر ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلَّا فشا فيهم الموت ولا طففوا المكيال إلَّا منعوا القطر وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلَّا حبس الله عليهم المطر". وفى الحديث: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. وفيه: الزنى بريد الفقر. وفيه: "من شرب مسكرًا أسقاه الله من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "عصارة أهل النَّار وصديدهم". وقال: "من شرب مسكراً لم يقبل الله منه صلاة أربعين يوماً"، وقال: من غصب قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين". وقال ﷺ : "من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النَّار". وقال ﷺ : "إذا فعلت أمتى خمس عشرة خصلة حل بها البلاء: إذا كان المغنم دولا والأمانة

стр. 804

مغنماً والزكاة مغرماً وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمر ولبس الحرير واتخذت القينات والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء أو خسفاً أو مسخاً". وعنه ﷺ : "اتقوا السبع الموبقات -أى المهلكات-: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلَّا بالحق وأكل الرِّبا وكل مال اليتيم والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وقد أحل الله البيع وحرم الرِّبا وأمر بالكسب وجعله لنيل الفضل سبباً قال تعالى: ﴿... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال: ﴿... وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ [الأعراف: ١٠]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ... (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقال ﷺ : "التاجر الصدوق يحشر مع الصديقين والشهداء". وقال ﷺ : "من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلَّا الهم في طلب المعيشة". وقال ﷺ : "طلب الحلال فريضة على كل مسلم". وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وفى الحديث: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية في الإسلام ومن نبت لحمه من ربا فالنار أولى به". وفيه: "لعن الله أكل الرِّبا وموكله وشاهده وكاتبه هم فيه سواء". وفيه: "أتيت ليلة أُسرى بى على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكلة الرِّبا". وفى الحديث: "إيَّاكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا وإن الرجل قد يزنى فيتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر الله له حتَّى يغفر له صاحبه". وفيه: "أتدرون ما الغيبة؟ ذكرك أخاك بما يكره. إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته".

стр. 805

وقال الله سبحانه: ﴿... وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ ... (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢]. وفى الحديث: "إن الله لا يحب الفاحش المتفحش ولا الصياح في الأسواق"، وفيه: "خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير حسن الظن بالله وحسن الظن بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر سوء الظن بالله وسوء الظن بعباد الله". وفيه: "إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"، وفيه: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"، وفيه: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". فاعملوا بما يتلى عليكم من آيات الله تهتدوا. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم تسعدوا. وسابقوا إلى سلوك نهج الخلاص وتداركوا أعمالكم بالتوبة والإخلاص. "واركبوا من طاعة الله ورسوله سفن النجاة. ولا تقنعوا مكان الأعمال الصالحات بالبضاعة المُزْجَاة (١). وأقيموا شعائر الإسلام بينكم وأظهروها. وزكوا أنفسكم بطاعة الله وطهروها، ﴿... وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. ﴿... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وبادروا لها مبادرة الغريق لطلب النجاة، وانتهزوا فرصتها قبل هجوم هادم اللذات، هي إن صادفت محلها تَجُبّ ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وفى الحديث: "توبوا إلى الله فإنى أتوب إلى الله كل يوم مائة مرَّة" وفيه "إن للتوبة بابًا عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يغلق حتَّى تطلع الشَّمس من مغربها" وفيه "من تاب قبل أن يغرغر قبل الله منه".

стр. 806

ونعهد إلى عمالنا ولاة أمرنا أن يلزموا أنفسهم وأهليهم طاعة الله، ويدلوا رعيتهم عليها ويعملوا بسنة رسول الله ﷺ ويحضوهم عليها قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ... (٦)﴾ [التحريم: ٦]، وأن يلزموا كل قرية ومدشر ودوار مشارطة طالب علم يعلم أولادهم ويفقههم في دينهم، ويقيم لهم الصلوات الخمس في أوقاتها، ويحضهم على الأذان الدال على إيمان الدار، وهو للمؤمنين شعار، وأن ينبهوا على رد البال للطريق ليلاً ونهاراً، وتعاهد أماكن الخوف منها رواحاً وابتكاراً، وينصبوا لأهل العيث الأرصاد، ويمكنوا لهم بكلِّ واد، حتَّى تفسير الدماء بذلك محقونة، والفتن محسومة، والأموال مصونة. فإن قَطع الطَّريق وإخافة المسافرين من أقبح السيئات. كما أن إماطة الأذى عن الطَّريق من أحسن الصالحات، ففي الحديث الكريم: "عرضت على أعمال أمتى حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطَّريق". وأن يتفقدوا أحوال الفقراء الذين قتِّرَت عليهم موارد الأرزاق (١). وألبسهم التعفف ثوب الغني وهم في ضيق من الإملاق. بصدقة التطوع التي هي للحسنات كلام المولود، فهى التي تتيقظ لحراسة صاحبها والنّاس رقود، وبها تستنزل الأرزاق وتسبغ الآلاء. وتطفئ الغضب ولا يتخطاها البلاء، اختص الله بها بعض عباده لمزية أفضالها. وجعلها سبباً للتعويض بعشر أمثالها. ففي الحديث عنه ﷺ : "من تصدق بصدقة منْ كَسْبٍ طيب ولا يقبل الله إلَّا الطَّيِّب فكأنه إنَّما يضعها في كف الرحمن يربيها له كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتَّى تكون مثل الجبل" وفيه: "ما من رجل يتصدق في يوم أو ليلة إلَّا حفظ من أن يموت من لدغة أو هدمة أو موت بغتة" وفيه "إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار" وفيه: "اتقوا النَّار ولو بشق تمرة" وفيه: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" أى لا تردوه ولو جاء على حالة تدل على غناه.

стр. 807

وورد: "استنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة". وليعاقبوا الفرقة التي تراخت في الدين. وخلفت سنة سيد المرسلين ولم يتعلموا ما يقيمون به قواعد إسلامهم، ولا سلكوا سبيل رسول الله ﷺ ولا سبيل أئمة الدين، وأعلامهم، ففي الحديث: "إنَّما العلم بالتعلم" وهو واجب، إذ لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتَّى يعلم حكم الله فيه، وقد قال : ﴿... فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... (٣٦)﴾ [الإسراء]. ولما أخذ الله العهد على العامة أن يتعلموا أخذ العهد على أهل العلم أن يعلموا فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ... (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. وقال ﷺ : "من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار" فتعلموا وعلموا فإن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، قال سبحانه: ﴿... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ... (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وفى الحديث: "اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل"، ﴿... وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ... (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿... فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. وقال ﷺ في وصية لبعض أصحابه رضى الله عنهم: "كن في الدُّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".

стр. 808

وقال: "يابنى احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". وقال في وصيته لمعاذ بن جبل: "يا معاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق النَّاس بخلق حسن قال قلت يا رسول الله زدنى قال: كف عنك هذا وأشار إلى لسانه قلت أو إنا لمؤاخذون به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب النَّاس في النَّار على مناخرهم -أو قال على وجوههم- إلَّا حصائد ألسنتهم". وفيه: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". وفيه: "أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان". وفيه: "رحم الله امرءاً تكلم فغنم أو سكت فسلم". وفيه: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالاً يرفعه الله بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوى بها في جهنم". وفيه: "أكثر خطايا الإنسان من لسانه". وفيه "من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة. "فليبلغ الشاهد الغائب ألهمنا الله وإياكم الأعمال الصالحات. وأرشدنا لمناهل الخيرات وجعلنا من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وفيها أمر بتأليف لجنة من بعض فقهاء فاس للنظر فيما أراد اليهود إحداثه بملاحهم بفاس، ونص الظهير الذي أصدره في ذلك لنائب قاضى فاس بعد الحمدلة والصلاة والطابع:

стр. 809

"الفقيه النائب في القضاء بفاس الأرضى، السيد محمد بن عبد الرحمن سددك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد: فقد بلغنا أن أعيان يهود ملاح فاس العليا اجتمعوا واتفقوا على إحداث أمر بملاحهم مخالف لعاداتهم وهو نصب حزان وتاجرين من تجارهم في ملاحهم للحكم فيما يعرض بين إخوانهم من الوقائع كالسرقة وسائر الدعاوى وعلى إبدالهم في رأس كل شهر بآخرين، وصار هؤلاء الحكام يقبضون على من أرادوا من خصوم إخوانهم ويوجهونهم للسجن على يد عاملهم ويسرحونهم منه على يده وحيث لم تجر لهم عادة بنصب ما ذكر، وكانوا معاهدين والأمور التي بينهم وبين المسلمين كلها مبنية على قواعد الشرع رددنا قضيتهم للشرع، وعليه فنأمرك أن تجتمع أنت والفقهاء المسمون يمنته وتتنزلوا لهذه القضية وتعطوها حقها من النظر والتأمل والبحث ومراجعة عقد ذمتهم، هل هم معاهدون في ذلك أم لا؟ وما اقتضاه الشرع في النازلة من تسويغ ذلك لهم أو منعهم منه وردهم لعادتهم، طالعوا به علمنا الشريف وأعلموا به خالنا القائد العربي ولداب محمد لينفذه فقد أمرناه بتنفيذه والسلام في ٦ ربيع الثَّاني عام ١٣٠٠". والفقهاء المشار لهم في الظهير هم على التَّرتيب الفقيه السيد الحاج محمد جنون، والفقيه السيد جعفر الكتانى، والفقيه السيد أحمد بن الحاج، والفقيه السيد الحميد بنانى، والفقيه السيد عبد الله الودغيرى. وقد كان جواب هؤلاء الفقهاء أن يمنع اليهود ممَّا أحدثوه من نصب حزان وتاجرين يبدلون كل شهر بغيرهم، وجعل عاملهم المسلم منفذاً لأمرهم، يسجن وشرح من غير أن يعرف لذلك وجها، واستند الفقهاء في ذلك لعهد لعمر مع نصارى الشام وقفت على نص ذلك بخطوطهم ما عدا جنون مؤرخاً بعشرين جمادى الأولى من السنة.

стр. 810

ولم يزل مقيماً بعاصمة جده الأكبر يدبر أمر الرعية وينظر فيما يؤيد سعادة الناحية الغربية إلى أواخر عام واحد وثلاثمائة وألف. وفيها تم تنفيذ إصلاح وادى فاس الذي أمر صاحب الترجمة لإجرائه رفعاً للضر الحاصل لسكانها من قلة الماء بالمساجد والدور والحمامات والأرحية والأجنة والأسجان. وكان ابتداء البحث قد تقدم قبل هذا؛ لأنَّه لما ظهر النقص في المياه وتفاحش وجه أوامره الشريفة لقاضى فاس مولاى محمد بن عبد الرحمن العلوى بأن يعين العدول وأرباب البصر ليتوجهوا مع الأمين الحاج عبد السَّلام بن محمد المقرى لماء وادى فاس الداخل للحضرة الإدريسية للبحث في شأنه، ومعرفة الموجب لقلة وصوله لما ذكر مع النظر فيما أحدث من البناءات بالدوح والزيات، وكثرة رفع السدود بصواغة والبناء بالأودية، وهل كان ذالك سبباً فيما ذكر؟. فتوجه الأمين المذكور مع جماعة وافرة عينها الشرع الكريم من أهل النَّاس القرويين واللمطيين وعدوة الأندلس، وهم من أهل المعرفة والخبرة والبصر وأصحاب الرأى والنظر من الفلاحين والبنائين والفخارين والتجار والرحويين والقنويين والنظار والعارفين بأحوال الوادى المذكور وما يعرض له من النقص والزيادة في جميع الأمور، ومصاريف الوادى وتقاسيمه على الجمهور، ووقفوا على ذلك وشهدوا بما ألفوا. وبعد فراغهم من الوقوف على قسمة ماء أندلس القرويين والتطوف عليها والإشهاد بما وقع فيها من الضرر والحدوث على أرباب مائها، توجهوا للوقوف على قسمة ماء اللمطيين لينظروا ما حصل فيها من الضرر والفساد، فلما فرغوا منها توجهوا للوقوف على ماء عدوة الأندلس مع من زاده الشرع من أهل العدوة زيادة على من ذكر أولاً حسبما ذلك مسطر بشهادة عدلية ثابتة مؤرخة بمحرم
следующие страницы →