النَّاس، وانعقادهم إليه، واتفاقهم عليه، ولم يُرِد نفس العصا، وإنّما ضرب بها مثلًا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم؛ إِلَّا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم، وعنفه بهم" (١).
قلت: نعم؛ سوقه النَّاس بعصاه كنايةٌ عن طاعة النَّاس له، ورضوخهم لأمره؛ إِلَّا أن ما أشار إليه القرطبي من خشونته عليهم ليس بالنسبة للجميع؛ كما يظهر من كلامه، بل إنّما يقسو على أهل المعصية منهم، فهو رجلٌ صالحٌ، يحكم بالعدل، ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر عن نُعيم بن حماد (٢) أنّه روى من وجه قوي عن عبد الله بن عمرو أنّه ذكر الخلفاء، ثمّ قال: "ورجلٌ من قحطان".
وأيضًا ما أخرجه بسند جيِّد عن ابن عبّاس أنّه قال فيه: "ورجلٌ من قحطان، كلهم صالح" (٣).
стр. 212
ولما حدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بأنّه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية ﵁، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَرُ عن رسول الله ﷺ ، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني الّتي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لهذا الأمر في قريش، لا يعاديهِم أحدٌ؛ إِلَّا كبَّه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين". رواه البخاريّ (١).
وإنّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أن الخلافة تجوز في غير قريش، مع أن معاوية ﵁ لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله: "ما أقاموا الدين"، فإذا لم يُقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن النَّاس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسُّكُهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم (٢).
ولهذا القحطاني ليس هو الجهجاه (٣)؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنّه نسبه إلى قحطان الّذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه (٤)، وأمّا الجهجاه؛ فهو من الموالي.
стр. 213
ويؤِّيد ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يذهب اللّيل والنهار حتّى يملك رجلٌ من الموالي؛ يقال له: جهجاه" (١).
٥٤ - قتال اليهود:
ومنها قتال المسلمين لليهود في آخر الزّمان، وذلك أن اليهود يكونون من جند الدَّجَّال، فيقاتلهم المسلمون الذين هم جند عيسى ﵇، حتّى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ ورائي، تعال فاقتله.
وقد قاتَل المسلمون اليهودَ من زمن النّبيّ ﷺ ، وانتصروا عليهم، وأجلوهُم من جزيرة العرب؛ أمتثالًا لقول النّبيّ ﷺ :"الأخْرِجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتّى لا أدع إِلَّا مسلمًا" (٢).
ولكن لهذا القتال ليس هو القتال الّذي هو من أشرأط السّاعة، وجاءت به الأحاديث الصحيحة؛ فإن النّبيّ ﷺ أخبر أن المسلمين سيقاتلونهم إذا خرج الدَّجَّال، ونزل عيسى ﵇.
روى الإِمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ حديثًا طويلًا في خطبة النّبيّ ﷺ يوم كسفت الشّمس ... (وفيه أنّه ذكر الدَّجَّال، قال):
стр. 214
"وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثمّ يهلكه الله ﵎ وجنوده حتّى أن جذم الحائط - أو قال: أصل الحائط، وقال حسن الأشيب (١): وأصل الشجرة - لينادي - أو قال: يقول - يا مؤمن! - أو قال: يا مسلم- لهذا يهوديٌّ - أو قال: هذا كافرٌ - تعال فاقتله".
قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتّى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتسألون بينكم: هل كان نبيُّكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ " (٢).
وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتّى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديٌّ خلفي، فتعال، فاقتله؛ إِلَّا الغرقد (٣)؛ فإنّه من شجر اليهود" (٤).
وهذا لفظ مسلم.
стр. 215
والذي يظهر من سياق الأحاديث أن كلام الحجر والشجر ونحوه حقيقة، وذلك لأنّ حدوث تكلُّم الجمادات ثابتٌ في غير أحاديث قتال اليهود، وقد سبق أن أفردتُ لهذا مبحثًا خاصًّا به؛ لأنّه من علامات السّاعة.
وإذا كانت الجمادات تتكلَّم في ذلك الوقت؛ فلا داعي لحمل كلام الشجر والحجر على المجاز؛ كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء (١)؛ فإنّه ليس هناك دليلِّ يوجِبُ حمل اللّفظ على خلاف حقيقته، ونطق الجماد قد ورد في آياتٍ من القرآن:
منها قوله تعالى: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراءِ: ٤٤].
وجاء في الحديث عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته عن الدجَّال، وحذَّرَناه، فذكر خروجه، ثمّ نزول عيسى ﵇ لقتله، وفيه: "قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيُفْتَحُ، ووراءه الدجَّال، معه سبعون ألف يهوديٍّ؛ كلهم ذو سيف محلًّى وساجٍ (٢)، فإذا نظر إليه الدجَّال، ذاب كما يذوب الملح في الماء،
стр. 216
وينطلق هاربًا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربةً لن تسبِقَني بها، فيذكره عند باب اللدِّ الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيءٌ ممَّا خَلَق الله يتوارى به يهوديٌّ إِلَّا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابَّة؛ إِلَّا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق" (١).
فالحديث فيه التصريح بنطق الجمادات.
وأيضًا؛ فإن استثناء شجر الغرقد من الجمادات بكونها لا تخبر عن اليهود؛ لأنّها من شجرهم، يدلُّ على أنّه نطقٌ حقيقيٌّ، ولو كان المراد بنطق الجمادات المجاز؛ لما كان لهذا الاستثناء معنى.
ولو حملنا كلام الجمادات على المجاز؛ لم يكن ذلك بالأمر الخارق في قتال اليهود في آخر الزّمان، وكانت هزيمتهم أمام المسلمين كهزيمة غيرهم من الكفار الذين قاتلهم المسلمون وظهروا عليهم، ولم يردّ في قتالهم مثل ما ورد في قتال اليهود من الدلالة على المختبىء (٢) بنطق الجمادات، فإذا لاحظنا أن الحديث في أمر مستغرب يكون آخر الزّمان هو من علامات السّاعة؛ دلَّ ذلك على أن النُّطق في قتال اليهود حقيقيٌّ، وليس
стр. 217
مجازًا عن انكشافهم أمام المسلمين، وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم؛ كما قيل، والله أعلم.
٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثمّ خرابها آخر الزّمان:
حثَّ النّبيّ ﷺ على سكنى المدينة، ورغَّب في ذلك، وأخبر أنّه لا يخرج أحدٌ منها رغبةً عنها إِلَّا أخلف الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه.
وأخبر أن من علامات السّاعة نفي المدينة لخبثها، وهم شرار النَّاس؛ كما ينفي الكير خبث الحديد.
روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمه وقريبه هلمَّ إلى الرخاء، هلمَّ إلى الرخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانو يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج منهم أحدٌ رغبةً عنها؛ إِلَّا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألَّا إن المدينة كالكير يخرج الخبيث، لا تقوم السّاعة حتّى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" (١).
وقد حمل القاضي عياضٌ نفي المدينة لخبثها على زمن النّبيّ ﷺ ؛ لأنّه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام في المدينة إِلَّا مَنْ كان ثابت الإِيمان، وأمّا المنافقون وجهَلَة الإعراب؛ فلا يصبرون على شدَّة المدينة ولأوائها، ولا يحتسبون من الأجر في ذلك.
وحمله النووي على زمن الدَّجَّال، واستبعد ما اختاره القاضي
стр. 218
عياض، وذكر أنّه يحتمل أن يكون ذلك في أزمان متفرِّقة (١).
وذكر الحافظ ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزمنين:
زمن النّبيّ ﷺ ؛ بدليل قصة الأعرابي؛ كما في البخاريّ عن جابر ﵁: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ ﷺ ، فبايعه على الإِسلام، فجاء من الغد محمومًا، فقال: أقِلْني. فأبى؛ ثلاث مرار. فقال: "المدينة كالكير، تنفي خَبَثَها، وينصح طيبُها" (٢).
والزمن الثّاني زمن الدجَّال؛ كما في حديث أنس بن مالك ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه ذكر الدَّجَّال، ثمّ قال: "ثمّ ترجف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فيُخْرِجُ الله إليه كلّ كافر ومنافق".
رواه البخاريّ (٣).
وأمّا ما بين ذلك من الأزمان؛ فلا؛ فإن كثيرًا من فضلاء الصّحابة قد خرجوا بعد النّبيّ ﷺ من المدينة؛ كمعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثمّ خرج عليٌّ، وطلحة، والزُّبير، وعمار، وغيرهم، وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى
стр. 219
النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، والمنافق خبيث بلا شك (١).
وأمّا خروج النَّاس بالكلية من المدينة؛ فذلك في آخر الزّمان، قرب قيام السّاعة، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تتركُونَ المدينة على خيرِ ما كانت، لا يغشاها إِلَّا العوافي - يريد عوافي السِّباع والطير - وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مُزينة، يُريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتّى إذا بلغا ثنيَّة الوداع؛ خرَّا على وجوههما" (٢).
رواه البخاريّ.
وروى الإِمام مالكٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتترُكُنَّ المدينة على أحسن ما كانت، حتّى يدخل الكلب أو الذئب، فيغذى (٣) على بعض سواري المسجد، أو على المنبر". فقالوا: يا رسول الله! فلِمَن تكون الثمار ذلك الزّمان؟ قال: "للعوافي: الطير والسباع" (٤).
стр. 220
قال ابن كثير: "والمقصود أن المدينة تكون باقيةً عامرةً أيّام الدجَّال، ثمّ تكون كذلك في زمان عيسى بن مريم رسول الله ﵊، حتّى تكون وفاته بها، ودفنه بها، ثمّ تخرب بعد ذلك" (١).
ثمّ ذكر حديث جابر ﵁؛ قال: أخبرني عمر بن الخطّاب؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ليسيرنَّ الراكِبُ بجَنَبات المدينة، ثمّ ليقولنَّ: لقد كان في هذا حاضرٌ من المسلمين كثيرٌ".
رواه الإِمام أحمد (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: "روى عمر بن شبَّة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك؛ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، ثمّ نظر إلينا، فقال: (أمّا واللهِ لَيَدَعَنَّها أهلُها مذلَّلة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع) ".
ثمّ قال ابن حجر: "ولهذا لم يقطع قطعًا" (٣).
فدلَّ هذا على أن خروج النَّاس من المدينة بالكلِّيَّة يكون في آخر الزّمان، بعد خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى بن مريم ﵇، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج النّار الّتي تَحْشرُ النَّاس، وهي آخر أشراط السّاعة، وأول العلّامات الدالَّة على قيام السّاعة، فليس بعدها إِلَّا السّاعة.
стр. 221
ويؤِّيد ذلك كون آخر مَنْ يُحْشَر يكون منها؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: "وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، يَنْعِقان بغنمهما، فيجدأنّها وحشا" (١)؛ أي: خالية من النَّاس، أو أن الوحوش قد سكنتها، والله أعلم.
٥٦ - بعث الريح الطِّيبة لقبض أرواح المؤمنين:
ومنها هبوب الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على ظهر الأرض مَنْ يقول: الله، الله. ويبقى شرار النَّاس، وعليهم تقوم السّاعة.
وقل! جاء في صفة هم هذه الريح أنّها أبين من الحرير، ولعلّ ذلك من إكرام الله لعباده المؤمنين في ذلك الزّمان المليء بالفتن والشرور.
جاء في حديث النوَّاس بن سمعان الطويل في قصة الدَّجَّال ونزول عيسى ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج: "إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كلّ مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار النَّاس؛ يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُر، فعليهم تقوم السّاعة" (٢).
وروى مسلمٌ عن عبيد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدَّجَّال ... (فذكر الحديث، وفيه:) فيبعث الله عيسى بن مريم كأنّه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيُهْلِكُهُ، ثمّ يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردة مِن قِبَل الشّام،
стр. 222
فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خير أو إيمان إِلَّا قبضته، حتّى لو أن أحدَكُم دخل في كبدِ جبل لدَخَلَتْهُ عليه حتّى تقبضه" (١).
فقد دلَّت الأحاديث أن ظهور هذه الريح يكون بعد نزول عيسى ﵇، وقتله الدَّجَّال، وهلاك يأجوج ومأجوج.
وأيضًا، فإن ظهورها يكون بعد طلوع الشّمس من مغربها، وبعد ظهور الدَّابَّة، وسائر الآيات العظام (٢).
وعلى هذا؛ فظهورها قريبٌ جدًّا من قيام السّاعة.
ولا يتعارض أحاديث ظهور لهذه الريح مع حديث: "لا تزال طائفة من أمَّتي؛ يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" (٣)، وفي رواية: "ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم مَنْ خذلهم، حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك" (٤)؛فإن المعنى أنّهم لا يزالون على الحق حتّى تقبضهم هذه الريح اللَّيِّنَة قرب القيامة، ويكون المراد بـ (أمر الله) هو هبوب تلك الريح (٥).
стр. 223
وجاء في حديث عبد ألله بن عمرو أن ظهور هذه الريح يكون من الشّام كما سبق.
وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث ريحًا من اليمن، أبين من الحرير، فلا تدعُ أحدًا في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ؛ إِلَّا قبضته" (١).
ويُجاب عن هذا بوجهين:
١ - يحتمل أنّهما ريحان: شامية، ويمانية.
٢ - ويحتمل أن مبدأها من أحد الإِقليمين، ثمّ تصل الآخر، وتنتشر عنده.
والله أعلم (٢).
٥٧ - استحلال البيت الحرام، وهدم الكعبة:
لا يستحلُّ البيتَ الحرام إِلَّا أهلُه، وأهلُه هم المسلمون (٣)، فإذا استحلُّوه؛ فإنّه يصيبهم الهلاك، ثمّ يخرج رجلٌ من أهل الحبشة؛ يقال له: ذو السويقتين، فيُخْرِبُ الكعبة، وينقضُها حجرًا حجرًا، ويسلبها حليتها، ويجرِّدها من كسوتها، وذلك في آخر الزّمان، حين لا يبقى في الأرض أحدٌ
стр. 224
يقول: الله، الله، ولذلك لا يُعَمَّرُ البيتُ بعد هدمه أبدًا؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
روى الإِمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان؛ قال: سمعتُ أبا هريرة يخبر أبا قَتادة أن رسول الله ﷺ قال: "يبايَع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحلَّ البيتَ إِلَّا أهله، فإذا استحلُّوه؛ فلا يُسأل عن هلكة العرب، ثمّ تأتي الحبشة، فيخربونه خرابًا لا يعمَّرُ بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه" (١).
وعن عبد الله بن عمر؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يُخْرِبُ الكعبَةَ ذو السويقتين (٢) من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجرِّدها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه: أُصيلع (٣)، أُفيدع (٤)، يضرب عليها بمسحاته
стр. 225
ومعوله".
رواه أحمد (١).
وروى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُخْربُ الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" (٢).
وروى الإِمام أحمدَ والبخاري أيضًا عن ابن عبّاس ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "كأني أنظر إليه: أسود، أفحج (٣)، ينقضمها حجرًا حجرًا (يعني: الكعبة) " (٤).
وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول
стр. 226
الله ﷺ : "في آخر الزّمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة - قال: حسبتُ أنّه قال:- فيهدمها" (١).
فإن قيل: إن هذه الأحاديث تُخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، والله تعالى قد حبس عن مكّة الفيل، ولم يمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلِّط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟!
قيل جوابًا عن ذلك: "إن خراب الكعبة يقع في آخر الزّمان، قرب قيام السّاعة، حين لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: الله، الله، ولهذا جاء في رواية الإِمام أحمد السابقة عن سعيد بن سمعان قوله ﷺ : "لا يعمر بعده أبدًا"، فهو حرمٌ آمنٌ؛ ما لم يستحلَّه أهله.
وليس في الآية ما يدلُّ على استمرار الأمن المذكور فيها.
وقد حدث القتال في مكّة مراتٍ عديدة، وأعظم ذلك ما وقع من القرامطة (٢) في القرن الرّابع الهجري، حيث قتلوا المسلمين في المطاف،
стр. 227
وقلعوا الحجر الأسود، وحملوه إلى بلادهم، ثمّ أعادوه بعد مدة طويلة، ومع ذلك لم يكن ما حدث معارِضًا للآية الكريمة؛ لأنّ ذلك إنّما وقع بأيدي المسلمين والمنتسبين إليهم، فهو مطابقٌ لما جاء في رواية الإِمام أحمد من أنّه لا يستحلُّ البيت الحرام إِلَّا أهله، فوقع ذلك كما أخبر النّبيّ ﷺ ، وسيقع ذلك آخر الزّمان؛ لا يُعَمَّرُ مرّة أخرى، حين لا يبقى على ظهر الأرض مسلم" (١).
* * * * *
стр. 228
الباب الثّاني: أَشراطُ السَّاعَةِ الكُبْرى
- تمهيد.
- الفصل الأوّل: المهدي.
- الفصل الثّاني: المسيح الدَّجَّال.
- الفصل الثّالث: نزول عيسى ﵇.
- الفصل الرّابع: يأجوج ومأجوج.
- الفصل الخامس: الخسوفات الثّلاثة.
- الفصل السّادس: الدُّخان.
- الفصل السابع: طلوع الشّمس من مغربها.
- الفصل الثّامن: الدَّابَّة.
- الفصل التّاسع: النّار الّتي تحشر النَّاس.
стр. 229
تمهيد
أوَّلًا: ترتيب أشراط السّاعة الكبرى:
لم أجد نصًّا صريحًا يُبَيِّنُ ترتيب أشراط السّاعة الكبرى حسب وقوعها، وإنّما جاء ذكرها في الأحاديث مجتمعة بدون ترتيب، إذ كان ترتيبها في الذكر لا يقتضي ترتيبها في الوقوع، فقد جاء العطف فيها بالواو، وذلك لا يقتضي التّرتيب.
ومن النصوص ما خالف ترتيبها فيه ترتيبها في نصّ آخر.
ولكي يتبيَّن هذا، فسأذكر نماذج من ذلك بذكر بعض الأحاديث الّتي تعرَّضت لذكر الأشراط الكبرى جملة أو ذكر بعضها:
١ - روى الإِمام مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: اطَّلع النبيُّ ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون"؟ قالوا: نذكر السّاعة. قال: "إنها لن تقومَ حتّى ترونَ قبلها عشر آيات"، فذكر: الدُّخان، والدَّجَّال، والدَّابَّة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسفٌ
стр. 230
بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد
النَّاس إلى محشرهم" (١).
وروى مسلمٌ هذا الحديث عن حُذيفة بن أسيد بلفظ آخر، وهو: "إن السّاعة لا تكون حتّى تكون عشر آيات: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، والدُّخان، والدَّجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشّمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل النَّاس".
وفي رواية: "والعاشرة: نزول عيسى بن مريم" (٢).
فهذا حديث واحدٌ عن صحابيٍّ واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب الأشراط.
٢ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادِرُوا بالأعمال ستًّا: طلوع الشّمس من مغربها، أو الدُّخان، أو الدَّجال، أو الدَّابَّة، أو خاصّة أحدكم، أو أمر العامَّة" (٣).
وروى مسلمٌ هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ آخر: "بادروا بالأعمال ستًّا: الدَّجَّال، والدُّخان، ودابَّة الأرض، وطلوع الشّمس من مغربها، وأمر العامة، وخويضَّةُ أحدكم" (٤).
стр. 231
وهذا أيضًا حديث واحد عن صحابيٍّ واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب بعض الأشراط وفي أداة العطف، حيث جاء مرّة بـ (أو) والأخرى بـ (الواو)، وهما لا يدلُّاَّن على التّرتيب.
والذي يمكن معرفته هو ترتيب بعض الأشراط من خلال حدوث بعضها إثر بعض؛ كما ورد في بعض الروايات؛ مثل ما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁؛ كما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، فقد ذكر فيه بعض الآيات مرتبةً؛ حسب وقوعها؛ فإنّه ذكر أوَّلًا خروج الدَّجَّال على النَّاس، ثمّ نزول عيسى ﵇ لقتله، ثمّ خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇، وذكر دعاءه عليهم بالهلاك.
وكذلك جاء في بعض الروايات أن أول الآيات كذا، وفي بعضها آخر الآيات كذا، ومع هذا؛ فإن هناك اختلافًا في هذه الأوَّليَّة بين العلماء، ولهذا الاختلاف موجود من عصر الصّحابة ﵃، فقد روى الإِمام أحمد ومسلم عن أبي زرعة (١)؛ قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدِّث عن الآيات أن أوَّلها خروجًا الدَّجَّال، فقال عبد الله بن عمر: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظتُ من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعدُ، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس
стр. 232
ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا".
هذا لفظ مسلم.
وزاد الإِمام أحمد في روايته: "قال عبد الله - وكان يقرأُ الكتب -: وأظنُّ أولاها خروجًا طلوع الشّمس من مغربها" (١).
نعم؛ جمع الحافظ ابن حجر بين أوَّليَّة الدَّجال وأوَّلية طلوع الشّمس من مغربها، فقال: "الّذي يترجَّحُ من مجموع الأخبار أن خروج الدَّجَّال أول الآيات العظام المؤذِنَة بتغير الأحوال العامَّة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ﵇، وأن طلوع الشّمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذِنة بتغيُّر أحوال العالم العلّوي، وينتهي ذلك بقيام السّاعة، ولعلّ خروج الدَّابَّة يقع في ذلك اليوم الّذي تطلع فيه الشّمس من المغرب".
ثمّ قال: "والحكمة في ذلك أنّه عند طلوع الشّمس من المغرب يُغْلَق باب التوبة، فتخرج الدَّابَّة؛ تُمَيِّزُ المؤمّن من الكافر؛ تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذِنَة بقيام السّاعة النّار الّتي تحشُرَ النَّاس" (٢).
ويرى الحافظ ابن كثير أن خروج الدَّابَّة هو أول الآيات الأرضية الّتي
стр. 233
ليست بمألوفة؛ فإن الدَّابَّة الّتي تكلِّم النَّاس وتعيِّن المؤمّن من الكافر أمرٌ مخالفٌ للعادة المستقرَّة.
وأمّا طلوع الشّمس من مغربها، فهو أمرٌ باهرٌ جدًّا، وذلك أول الآيات السماوية.
أمّا ظهور الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السَّماء، وخروج يأجوج ومأجوج؛ فإنهم وإن كان ظهورهم قبل طلوع الشّمس من مغربها، وقبل ظهور الدَّابَّة؛ إِلَّا أنّهم بشرٌ، مشاهدتُهم وأمثالهم من الأمور المألوفة؛ بخلاف ظهور الدَّابة وطلوع الشّمس من مغربها، فهو ليس من الأمور المألوفة (١).
والذي يظهر أن المعوَّل عليه ما ذهب إليه ابن حجر؛ فإن خروج الدَّجَّال من حيث كونه بشرًا ليس هو الآية، وإنّما الآية خروجه في حالته الّتي هو عليها من حيث كونه بشرًا، ومع ذلك يأمر السَّماء أن تُمْطِرَ، فتمطر، الأرض أن تُنْبتَ، فتنبت، ويكون معه كذا وكذا ممّا ليس مألوفًا؛ كما سيأتي في الكلام عَلى الدَّجَّال.
فالدَّجَّال في الحقيقة هو أول الآيات الأرضية الّتي ليست بمألوفة.
وقال الطيبي (٢):
стр. 234
"الآيات أماراتٌ للساعة، إمّا على قربها، وإما على حصولها، فمن الأوّل: الدَّجَّال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف. ومن الثّاني: الدُّخان، وطلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة، والنار الّتي تحشر النَّاس" (١).
وهذا ترتيبٌ بين جملة من الآيات وجملة أخرى منها؛ دون تعرُّض لترتيب ما اندرج تحت هاتين الجملتين، مع أنّه يظهر لي أن الطيبي يرى ترتيب الآيات حسب ما ذكره في كلّ قسم؛ فإن هذا التقسيم - الّذي ذهب إليه - تقسيمٌ حسنٌ ودقيقٌ؛ فإنّه إذا خرج القسم الأوّل الدَّالُّ على قرب السّاعة قربًا شديدًا؛ كان فيه إيقاظٌ للناس، ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم، ولم يكن هنالك تمييزٌ بين المؤمّن والكافر، وهذه العلّامات الّتي ذكرها في القسم الأوّل سبق أن ذكرتُ أنّه جاء ترتيبها حسب وقوعها، وأضاف إليها الخسوفات، وذلك مناسب لها.
وأمّا إذا ظهر القسم الثّاني - الدَّالُّ على حصول السّاعة - فإن النَّاس يتميَّزون إلى مؤمن وكافر؛ كما سيأتي أنّه عند ظهور الدُّخان يصيب المؤمّن كهيئة الزُّكام، والكافر ينتفخ من ذلك الدُّخان، ثمّ تطلع الشّمس من
стр. 235
مغربها، فيقفل باب التوبة، فلا ينفع الكافر إيمانه، ولا التائب توبته، ثمّ تظهر بعد ذلك الدَّابَّة، فتميِّز بين النَّاس، فيُعْرَف الكافر من المؤمّن؛ لأنّها تسم المؤمّن وتخطم الكافر؛ كما سيأتي ذكر ذلك، ثمّ يكون آخر ذلك ظهور النّار الّتي تحشر النَّاس.
وقد جريتُ في ذكرى لأشراط السّاعة الكبرى على لهذا التّرتيب الّذي ذكره الطيبي؛ لأنّه - في نظري - أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
وقبل ذكري لهذه العلّامات العشر الكبرى تحدثتُ عن المهدي؛ لأنّ ظهوره يكون سابقًا لهذه العلّامات، فهو الّذي يجتمع عليه المؤمنون لقتال الدَّجَّال، ثمّ ينزل عيسى ﵇، ويصلّي خلفه؛ كما سيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
* ثانيًا: تتابع ظهور الأشراط الكبرى:
إذا ظهر أول علامات السّاعة الكبرى، تتابعت الآيات كتتابع الخرز في النظام، يتبع بعضها بعضًا.
روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعْنَ كما تتابع الخرز في النظام (١) " (٢).
стр. 236
وروى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يُقْطَعِ السلك؛ يتبعْ بعضها بعضًا" (١).
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن المراد بهذه الآيات هي علامات الساعةِ الكبرى؛ فإن ظاهر لهذه الأحاديث يدلُّ على تقارب ظهورها تقاربًا شديدًا.
ويؤيِّد ذلك ما سبق ذكره في الكلام على ترتيب أشراط السّاعة الكبرى؛ من أن بعض الأحاديث ذكرت أن بعض لهذه العلّامات تظهر في زمن متقارب؛ فإن أول العلّامات الكبرى بعد المهدي ظهور الدَّجَّال، ثمّ نزول عيسى ﵇ لقتله، ثمّ ظهور يأجوج ومأجوج، ودعاء عيسى ﵇ عليهم، فيهلكهم الله، ثمّ قال عيسى ﵇: "ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك؛ فإن السّاعة كالحامل المُتِمِّ الّتي لا يدري أهلُها متى تفجؤهُم بولادها ليلًا أو نهارًا" (٢).
وهذا دليلٌ على قرب السّاعة قربًا شديدًا؛ فإن بين موت عيسى عليه
стр. 237
السّلام وقيام السّاعة شيء من العلّامات الكبرى؛ كطلوع الشّمس من مغربها، وظهور الدَّابَّة، والدُّخان، وخروج النّار الّتي تحشر النَّاس، فهذه العلّامات تقع في وقت قصير جدًّا قبل قيام السّاعة؛ مثلها كمثل العقد الّذي انفرط نظامه، والله أعلم.
وقد وجدتُ ما يؤَيدُ ما ذكرتُه، فقد قال الحافظ ابن حجر: "وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع؛ تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد" (١).
* * * * *
стр. 238
الفصل الأوّل: المَهْدِي
في آخر الزّمان يخرج رجلٌ من أهل البيت يؤيَد الله به الدين، يملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلًا كما مُلِئت جورًا وظلمًا، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعَمْها قطُ؛ تُخْرِجُ الأرض نباتها، وتُمْطِرُ السَّماء قطرها، ويُعْطى المال بغير عدد.
قال ابن كثير ﵀: "في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزُّروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدِّين قائم، والعدوُّ راغم، والخير في أيامه دائم" (١).
* اسمه وصفته:
وهذا الرَّجل اسمه كاسم رسول الله ﷺ ، واسم أبيه كاسم أبي النّبيّ ﷺ ، فيكون اسمه محمّد - أو أحمد - بن عبد الله، وهو من ذُرِّيَّة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثمّ من ولد الحسن بن علي ﵃.
قال ابن كثير ﵀ في المهدي: "وهو محمَّد بن عبد الله
стр. 239
العلّوي الفاطمي الحسني ﵁" (١).
وصفته الواردة: أنّه أجلى الجبهة (٢)، أقنى الأنف (٣).
* مكانُ خروجِه:
يكون ظهور المَهْدي مِن قِبَل المشرق، فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقتَتِلُ عند كنزكم ثلاثة؛ كلهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قِبَل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قومٌ ... (ثمّ ذكر شيئًا لا أحفظه، فقال:) فإذا رأيتُمو؛ فبايِعوه، ولو حبوًا على الثَّلج؛ فإنّه خليفة الله المهدي" (٤).
стр. 240
قال ابن كثير ﵀: "والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتّى يكون آخر الزّمان، فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق، لا من سرداب سامرا؛ كما يزعمه جَهَلة الرافضة من أنّه موجودٌ فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزّمان، فإن هذا نوعٌ من الهَذَيان، وقسط كبيرٌ من الخذلان، شديدٌ من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان؛ لا من كتاب، ولا سنة، ولا معقول صحيح، ولا استحسان".
وقال أيضًا: "ويؤيَّد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سودّ أيضًا، وهو زيّ عليه الوَقار؛ لأنّ راية رسول الله ﷺ كانت سوداء يقال لها: العقاب".
إلى أن قال: "والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزّمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايَع له عند البيت؛ كما دلّ على ذلك بعض الأحاديث" (١).
стр. 241
* الأدلَّة من السنَّة على ظهوره:
جاءت الأحاديث الصحيحة الدَّالَّة على ظهور المهدي، وهذه الأحاديث منها ما جاء فيه النَّصُّ على المهدي، ومنها ما جاء فيه ذكر صفته فقط (١)، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديت، وهي كافية في إثبات ظهوره في آخر الزّمان علامة من علامات السّاعة.
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج في آخر أمَّتي المهدي؛ يسقيه الله الغيث، وتُخْرِج الأرض نباتها، ويُعطى المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا
стр. 242
(يعني: حججًا) " (١).
٢ - وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُبَشَرُكُم بالمهدي؛ يُبْعَثُ على اختلاف من النَّاس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلِئَت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السَّماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا". فقال له رجلًا: ما صحاحًا؟ قال: "بالسوية بين النَّاس".
قال: "ويملأ الله قلوب أمة محمَّدٍ ﷺ غنى، ويسعهم عدلُه، حتّى يأمر مناديًا، فينادي، فيقول: مَنْ له في مال حاجة؟ فما يقوم من النَّاس إِلَّا رجلٌ، فيقول: ائتِ السَّدّان -يعني: الخازن-، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا. فيقول له: احثُ، حتّى إذا حجره وأبرزه؛ ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمَّد نفسًا، أوَ عجز عني ما وسعهم؟! ". قال: "فيردُّه، فلا يُقبَلُ منه. فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كلّ لك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثمَّ لا خير في العيش بعده"، أوقال: "ثمَّ لا خير في الحياة بعده" (٢).
стр. 243
وفي هذا دليل على أنّه بعد موت المهدي يظهر الشرّ والفتن العظيمة.
٣ - وعن عليٍّ ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة" (١).
قال ابن كثير: "أي: يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه، ويرشده، بعد أن لم يكن كذلك" (٢).
٤ - وعن أبي سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدي منِّي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلِئت ظلمًا وجورًا، يملك سبع سنين" (٣).
стр. 244
٥ - وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "المهدي من عترتي، من ولد فاطمة" (١).
٦ - وعن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض؛ تكرمة الله لهذه الأمة" (٢).
٧ - وعن أبي سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "منا الّذي يصلِّي عيسى بن مريم خلفه" (٣).
стр. 245
٨ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذهبُ أوَّلًا تنقضي الدنيا حتّى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي، يواطىء اسمُه اسمي" (١)، وفي رواية: "يواطىءُ اسمُه اسمي واسم أبيه اسم
أبي" (٢).
стр. 246
* بعض ما في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلّق بالمهدي:
١ - عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتُم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامُكم منكم؟! " (١).
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة". قال: "فينزل عيسى بن مريم ﷺ ، فيقول أميرُهم: تعالَ صلّ لنا. فيقول: لا، إن بعضَكُم على بعض إمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة" (٢).
٣ - وعن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعدُّه عدد".
قال الجريري (٣) - أحد رواة الحديث-: "قلتُ لأبي نضرة (٤) وأبي
стр. 247
العلّاء (١): أتريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا" (٢).
فهذه الأحاديث الّتي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:
أحدهما: أنّه عند نزول عيسى بن مريم ﵊ من السَّماء يكون المتولِّي لإِمرة المسلمين رجلا منهم.
والثّاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين، وطلبه من عيسى ﵇ عند نزوله أن يتقدَّم ليصلّي لهم يدلُّ على صلاح في هذا الأمير وهُدى، وهي وإن لم يكن فيها التَّصريح بلفظ: (المهدي)؛ إِلَّا أنّها تدلُّ على صفات رجل صالح، يؤمُّ المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسِّرةً لهذه الأحاديث الّتي في الصحيحين، ودالةً على أن ذلك الرَّجل الصالح يسمَّى: محمَّدَ بنَ عبد اللهِ، ويُقالُ له: المهدي، والسُّنَّة يفسِّر بعضها بعضًا.
ومن الأحاديث الدّالَّة على ذلك الحديث الّذي رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرُهم المهدي ... " (٣).
стр. 248
فهو دالٌّ على أن ذلك الأمير المذكور في "صحيح مسلم" الّذي طلب من عيسى بن مريم ﵊ أن يتقدَّم للصلاة؛ يقال له: المهدي.
وقد أورد الشّيخ صديق حسن في كتابه "الإِذاعة" جملةً كبيرةً من أحاديث المهدي، جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثمَّ قال عقبه: "وليس فيه ذكر المهدي، ولكن لا مَحْمَلَ له ولأمثاله من الأحاديث إِلَّا المهدي المنتظر؛ كما دلَّت على ذلك الأخبار المتقدِّمة والآثار الكثيرة" (١).
* تواتُر أحاديث المهدي:
ما سبق أن ذكرتُه من الأحاديث وغيرها ممَّا لم أنقلْهُ هنا - خشية الإِطالة- يدلُّ على تواتر الأحاديث في المهدي تواترًا معنويًا، وقد نصَّ على ذلك بعض الأئمة والعلّماء، وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:
١ - قال الحافظ أبو الحسن الآبري (٢): "قد تواترتِ الأخبارُ واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه
стр. 249
يملك سبع سنين، وأنّه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى ﵇ يخرج، فيساعده على قتل الدَّجّال، وأنّه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلّي عيسى خلفه" (١).
٢ - وقال محمَّدٌ البَرَزَنجي (٢) في كتابه "الإِشاعة لأشراط السّاعة": "الباب الثّالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة الّتي تعقبها السّاعة، وهي كثيرةٌ، فمنها المهدي، وهو أوَّلها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر" (٣).
وقال أيضًا: "قد علمتَ أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزّمان وأنّه من عِترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵍ بلغت حدَّ التَّواتر المعنوي، فلا معنى لإِنكارها" (٤).
٣ - وقال العلّامة محمَّد السَّفاريني (٥): "وقد كَثُرَت بخروجه - أي:
стр. 250
المهدي - الروايات، حتّى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتّى عُدَّ مِن معتقداتهم".
ثمَّ ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي، وأسماء بعض الصّحابة ممَّن رواها، ثمَّ قال: "وقد رُوِيَ عمَّن دكِرَ من الصّحابة وغير مَنْ ذُكِر منهم ﵃ بروايات متعدِّدة، وعن التَّابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعُه العلم القطعي، فالإِيمان بخروج المهدي واجبٌ كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدوَّنٌ في عقائد أهل السنة والجماعة" (١).
٤ - وقال الشوكاني: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر الّتي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصّحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأصول، وأمّا الآثار عن الصّحابة المصرِّحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" (٢).